Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.
стр. 1366
الجهام
«١» قال شاعر في جهام أراق ماءه:
كأن الغيوم خيول طراد ... أعنّتها في أكف الرياح
وقال السري الرفاء:
كحلاء حالية بكت ... حتى انثنت مرهاء عاطل «٢»
مطر مضرّ
كلّ أمطر في القرآن فهو في العذاب. نحو: وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ
«٣» وكل موضع فيه مطر فهو للرحمة. قال أبو علي البصير:
جرى الماء فيه من أسافله ... ومن أعاليه حتى ساخ منطلقا
كأنني وعيالي في جوانبه ... طيور ماء على سكر قد التبقا
وقال:
من تكن هذه السماء عليه ... رحمة أو يكنّ بها مسرورا
أيها الغيث كنت بؤسا وفقرا ... لي وللنّاس حنطة وشعيرا
وقال فيه النبي ﷺ : اللهم حوالينا ولا علينا وكتب كاتب: فأتانا مطر مما سماه الله تعالى أذى، فحرب العمران وهدم البنيان فكم من قتيل تحت هدمه، وساهر تحت وكفه، وغريق في لجته، وصريع في هوته. وقال أعرابي: أصابنا مسافر يؤذي المسافر ولا يرضي الحاضر.
الثلج
كأن دقيق الثلج عند وقوعه ... على الأرض قطر أو دقيق يغربل
وقال رجل: السماء تنخل الدقيق، فسمعه عبادة فقال: قل لأمك تمسك الخمير.
قال شاعر:
وكرسف يندف في الهواء ... منتثر لم يعد في استواء «٤»
مثل نقي الفضة البيضاء
وقال كشاجم في وصفه:
شابت فسرت بذاك وابتهجت ... وكان شيبي بالشّيب مستكرها
ويشبه الثلج بالحبيب، وبلجين يسبك، وبآل يلمع ودراهم تنتثر وبقرطاس ينشر:
كأنّ ستائر الكافور مدّت ... بها والجوّ عريان سليب
стр. 1367
البرد
قال الأخطل:
نثرت على الحصباء كالحصباء ... بل ألقت على الرضراض كالرضراض «١»
وقال علي بن جبلة:
كأنّ قوالبه بالعرا ... ء تلقى على الجلمد الجلمدا
وقال آخر:
جاءت تهادى في برود من حبر ... تنثر دارا كان لو ذاب مطر
تطير في الجوّ كنوّار الزهر ... أو شرر لو كان للماء شرر
الصّقيع
قال الفرزدق:
وأصبح مبيض الصقيع كأنّه ... على سروات النبت قطن مندف «٢»
وجاء بصراد كأنّ صقيعه ... خلال البيوت في المنازل كرسف «٣»
اللثق
«٤» قال شاعر:
لقد صار وجه الأرض كلاء مزلة ... تمايل صاحبها تمايل شارب
وقال الصاحب: وقد ركب في وحل عظيم فترشش باللثق ثوبه:
لقد ركبت وكف الأرض كاتبة ... على ثيابي سطورا ليس تنكتم
فالأرض محبرّة والزاج من لثق ... والطرس ثوبي ونهى الأشهب القلم
إنقطاع المطر
قيل لأعرابي: كيف خلفت ما وراءك؟ فقال: التراب يابس والأرض عابس.
وقال شاعر:
إن وجه البقاع ينتظر القط ... ر انتظار المحبّ رجع الرسول
وقال العباس بن المأمون:
متى تريك رياض الأرض أوجهها ... إن لم يكن لك لا طلّ ولا مطر
ماهية الماء ووصفه
قال الحجاج لغلامه: ائتني بأعز مفقود وأذلّ موجود. فلم يفهم ما عناه، فقال له ابن
стр. 1368
القرية: ائته بالماء.
وقال ابن يزيد لشراعة: ما تقول في الماء؟ قال: هو الحياة ويشركني فيه الحمار، وقيل: ليس للماء قيمة لأنه لا يباع إذا وجد ولا يبتاع إذا فقد، وسمي الماء نفسا في قوله:
أتجعل النفس التي تدير ... في مسك شاة ثم لا تسير
ووصفه آخر فقال: هو مزاج الروح وصفاء النفس وقوى البدن، ومن فضيلته أن كل شراب وإن رقّ وصفا وعذب وحلا فليس يعوّض منه بل يطيب بممازجته ويعذب بمخالطته.
قيل للنظام: ما لون الماء؟ قال: لون إنائه وإذا بعد قعره تصوّر أسود. وقيل: الماء من جنس الهواء وكل واحد منهما يستحيل إلى الآخر لما بينهما من المناسبة ولا لون لهما.
وقيل: بعث ملك الروم إلى معاوية بقارورة فقال: اجعل فيها من كل طعام وشراب شيئا فلم يدر، فقال ابن عباس: اجعل فيها الماء، فإن الله تعالى يقول: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍ
«١» ، فلما أتى به ملك الروم، قال: هذا فعل رجل من بيت النبوة. وقال الله تعالى: فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ
«٢» فلم يذكره بأكثره مما في خليقته من السلامة من التغير الداخل عليه. وقال تعالى: هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ
«٣» ، وهذا ملح أجاج.
قال شاعر:
مواقع الماء من ذي غلّة صادي «٤»
وقال بعض البلغاء في وصفه: وما ظنكم بشراب إذا ملح وخبث أنبت العنبر وولد القار، والماء لا يغذو ولا يرى من اغتذى به، واستدلوا على ذلك بأن لك سيّال إذا طبخ انعقد إلا الماء. وعلى قياسه قالوا: لا ينعقد في الجوف إذا طبخته الكبد، وإذا لم ينعقد لم ينبت منه لحم ولا عظم.
جريان ماء الأودية
قال ابن طباطبا:
يا حسن وادينا ومدّ الماء ... يختال في حلية دكناء «٥»
فصبحه يفترّ عن مساء ... في صخر عال وفي ضوضاء
يحكي رغاء النّاقة الكوماء ... ترى به مناطح الظّباء «٦»
جماء قد شدت إلى قرناء «٧»
стр. 1369
وقال البحتري:
كأن مداد دجلة حين جاءت ... بأجمعها هلال أو سوار
وقال الولادي الأصبهاني:
كأنّما زرنرود السؤر منعطفا ... نؤي حوالى خباء مدّه سيل «١»
وقال الشريف:
أما ترى زر نرود طالعه ... غيم فأدى مثاله فيه
بين بياض ودكنة وتكاس ... ير من الموج في حواشيه
كأنه الرمل من زرود إذا ... الحيّات يزحفن في نواحيه
حسبته ماء على تكدّره ... أخلص ودّي له وصافيه
ليس عجيبا منك التلوّن لي ... فهكذا كلّ من أؤاخيه
وقال ابن مندويه:
كان اتباع الموج موجا أمامه ... حثيثا تهادى فيلق إثر فيلق
فليس بناج ذا ولا ذا بمدرك ... ولا ذاك مع هذا مدى الدهر يلتقي
وقال آخر:
كأنّما يفقده من يشهده
وقال المتنبّي:
جيشا وغى هازم ومنهزم «٢»
وكتب عمرو بن العاص إلى عمر ﵁: البحر خلق عظيم يركبه خلق صغير كأنهم دود على عود.
السّيل الذاهب بما يعنّ له
قال امرؤ القيس:
فأضحى يسحّ الماء في كلّ بقية ... يكبّ على الأذقان دوح الكنهبل «٣»
كأنّ السباع فيه غرقى عشيّة ... بأرجائه القصوى أنابيش عنصل «٤»
قال ابن مندويه:
كأنّ خرير الماء عند التطامه ... زفير سعير في إناء مخرّق «٥»
стр. 1370
وقال أشجع:
وكأن صوت الماء في حافاته ... زجل القيان تطارح الأصواتا
وقال آخر:
جداول صخب الأمواج خراد
وقال المتنبّي:
وأمواه يصلّ بها حصاها ... صليل الحلي في أيدي الغواني «١»
وقال السري الكندي:
ما بين ألحان الحما ... م وبين ألحان الجداول
الماء الصافي
قال العجّاج:
فشنّ في الإبريق منه نزفا ... من رصف نازع سيلا رصفا «٢»
وقال البحتري:
كأنّما الفضّة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها
وقال الطرماح:
كمتن اليماني سلّ وهو صقيل
وقيل: لجين الماء على زمرد الحصباء وجدول مسجور كمهرق منشور ومنصل مشهور.
قال شاعر:
ماء كدرع مفرغ من فضّة
وقال مسلم:
ماء كعين الشمس لا يقبل القذى
قيل: ماء كالصباح ومتن الصفاح.
وقال شاعر:
هو الجوّ من رقة غير أن ... مكان الطيور يطير السّمك
وأنشد ابن الأعرابي:
ومسيب خصر ثوى في ضلّة ... وإذا تحرّكه الرياح يزيف «٣»
حلّت به بعد الهدوّ نطاقها ... بالجود دهماء النتاج رجوف «٤»
وقال الأصمعي: أحسن ما قيل في الماء قول امرئ القيس:
فلما استطابوا صبّ في الصحن نصفه ... وجادوا بماء غير طرق ولا كدر «٥»
стр. 1371
بماء سحاب زلّ عن ظهر صخرة ... إلى بطن أخرى طيب ماؤها خصر «١»
وقال ابن المعتز:
على جدول ريّان لا يكتم القذى ... كأنّ سواقيها متون المبارد
وقال:
وقيعة تصفو كعين الغراب ... وجدول كالسّيف منصلتا
أراد بوقيعة المنهل.
الماء المتغيّر الكدر
قال أبو بكر:
ولقد وردت الماء لون جمامه ... لون الفريقة صفيت للمدنف «٢»
فصدرت عنه ظامئا فتركته ... يهتزّ غلفقه كأن لم يكشف «٣»
قيل: الفريقة حلبة للنفساء.
وقال الأعشى:
وأصفر كالحنّاء طام جمامه ... إذا ذاقه مستعذب الماء يبصق
وقال بعضهم في صفة ماء: هو إذا رمقه زيت وإذا ذقته ميت، يزوي الوجه شاربه ويتركه وإن جدبه الظمأ طالبه.
قال عبد الطيب:
ومنهل أجن في جمّه بعر ... فما تسوق إليه الريح محلول
كأنّه في دلاء القوم إذ نهلوا ... حمّ على ودك في القدر محلول «٤»
البئر الصافية الماء
قال الرفاء:
إنّي هديت لنعمة منكورة ... فأثرتها من تربة وصفاة
بئر كأن رشاءها في مائها ... سمراء قد ركضت إلى مرآة «٥»
كافورة الصيف التي يحيى بها ... منّا النفوس وحمّة الشهوات
طوقتها حجرا ولو أنصفتها ... طوقتها بفرائد اللبّات
قال ابن المعتز:
حفرتها بيضاء منقورة ... في دمث سهل وطيء التراب
стр. 1372
تضمن ريّ الجيش للمستقي ... كأنّ دلويها جناحا غراب
الدولاب
قال القصّار البغدادي:
كأنّما رنّة الدولاب زامرة ... وليس ناياتها إلا سوانيها «١»
كأنه حبشيّ فوق عاتقه ... أولاده فهو في بحر يدانيها
وقال الرفّاء:
ومشمّر في السّير إلا أنه ... يسري فيمنعه السّرى أن يقعدا
وصل الحنين بعبرة مسفوحة ... حتّى حسبناه مشوقا مكمدا «٢»
وقال:
فبات يسرى ليله ولم ينم ... ولم يجاوز سيره قيد قدم
وقال علي بن الجهم:
وفوّارة ثارها في السماء ... فليست تقصر عن ثارها
تردّ على المزن ما أسبلت ... على الأرض من فيض مدرارها «٣»
وقال ابن أبي طاهر:
فوّارة تمجّ منها ماء ... كما أذبت الفضّة البيضاء «٤»
أمطرت الأرض بها السّماء
قال ابن الصاحب: استظرف إجازة العجلى مع سوء معرفته بالشعر لعلي بن الجهم في صفة الفوارة، قوله:
تراها إذا صعدت في السّماء ... تعود علينا بأخبارها
البركة
قال علي بن الجهم:
أنشأتها بركة مباركة ... فبارك الله في عواقبها
كأنّها والرياض محدقة ... بها عروس تجلى لخاطبها
من أي أقطارها أتيت ... رأيت الحسن حيران في جوانبها «٥»
المزملة
«٦» قال الرّفاء:
مجروحة الخصر غير دامية ... كما تكون الجراح والندب
стр. 1373
كأنّما الماء حين يبعثها ... ذوب لجين ميزابه ذهب «١»
السّفينة
قال أبو الشيص:
وبحر تحار العين فيه قطعته ... بمهنوءة من غير عرّ ولا جرب «٢»
عريضة صدر الزور بهماء رسلة ... سباد خليع الرأس مزمومة الذنب «٣»
مجفرة الجبين جوفاء جونه ... نبيلة مجرى العرض في ظهرها حدب
مقتلة لا تشتكي الأين والوجا ... ولا تشتكي عضّ النسوع ولا الدأب «٤»
وقال بعضهم في وصفها: عذراء ملجمة الدبر تشمّر بفرسانها في البحر وتمتنع من المشي في البر.
وقال الفرزدق:
وواحلة قد عودوني ركوبها ... وما كنت ركّابا لها حين توحل
قوائمها أيدي الرجال إذا انتحت ... وتحمل من فيها قعودا وتحمل
وقال البحتري:
ورمت سمت العراق أيانق ... سحم الخدود لغامهنّ الطحلب «٥»
من كلّ طائرة بخمس خوافق ... دعج كما ذعر الظليم الأحدب «٦»
الزورق
قال أبو نواس:
سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخّر لصاحب المحراب
أسدا باسطا ذراعيه يسطو ... أهرت الشدق كالح الأنياب «٧»
لا يعانيه باللجام ولا السو ... ط ولا غمز رجله في الرّكاب
ذات زور ومنسر وجناح ... ين تشقّ العباب بعد العباب «٨»
стр. 1374
تسبق الطير في المساء إذا ما اس ... تعجلوها بجيئة وذهاب
الزبزب
«١» قال ابن الواسطي:
كأنّما السفن بأرجائها ... وهي على الماجريّات
عقارب في رفع أذيالها ... تسري على أبطن حيّات
وقال آخر:
زبازب تحكي إذا سيّرت ... عقارب تجري على زنبق
وقال آخر:
يا حبّذا سكر به جدلني ... وعودي في زبزب كالأجدل «٢»
تحسبها العقرب في صورتها ... سارت على بطن شجاع مرسل
ورود الماء
قال شاعر:
ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الورّاد عن كلّ منهل
وقال النمري في مشاركة الماء:
ولا أسقى ولا يسقى شريبي ... وأمنعه إذا ما جاء مائي
وقال آخر:
لا أورد الماء عرضي قبل شاربتي ... ولا أحنّ إذا ما حنّت النيب «٣»
وقال آخر:
لنا إبل لم نسقها بعروضها ... وأحسابنا أخرى الليالي الغوابر «٤»
إلا إن شرب السؤر يزري بأهله ... وإن قيل نام في الدار والخواصر «٥»
سقي الأرض وحكم الطريق
روي أن الزبير ورجلا من الأنصار اختصما إلى رسول الله ﷺ في شرب ماء كان من نهر يمرّ بهم، وكانت أرض الزبير فوق أرض الأنصاري، فقال النبي ﷺ : يا زبير إسق أرضك، فإذا أرويتها فأرسل فضل الماء إلى أخيك. فقال الأنصاري: يا رسول الله لا يمنعك كونه ابن عمتك أن تقضي بيننا بالحق فقال النبي ﷺ : يا زبير إسق أرضك فإذا
стр. 1375
أرويتها فاحبس الماء حتى يبلغ الماء الجدر «١» ثم أرسل الماء إلى أخيك. قال الزبير: وهذا كان صريح الحكم.
وإنما كان النبي ﷺ أمر الزبير بالمعروف ومواساة أخيه فلما زاده القول قضى بينهما بصريح الحكم، فأنزل الله تعالى: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
«٢» .
الضياع
قال أبو منصور العدوي:
قد كانت الضيعة فيما مضى ... تغلّ من يملكها دائبه
فصار من يملكها يومنا ... تغلّ من مهجته الذاهبه
ستغرق الغلّة في خرجها ... وتفضل الكلفة والنائبه
(٣) وممّا جاء في الربيع والخريف والأزاهير والأشجار والنبات
أصل النيروز «٣» والمهرجان
سأل المأمون أصحابه عن أصل النيروز والمهرجان «٤» وصب الماء، فلم يخبره أحد فقال: الأصل في النيروز أن أبرويز عمر أقاليم إيران شهر، وهي أرض بابل، فاستوت له أسبابه واستقام ملكه يوم النيروز فصار سنة للعجم وكان ملكه ألفا وخمسين سنة ثم أتى بعده بيور أسف وملك ألف سنة فقصدا فريدون وأسره بأرض المغرب وسجنه بأرض بجبل دياوند يوم النصف من ماء نهر فسمى ذلك اليوم مهرجانا وصار سنة لهم تعظيمه فالنيروز أقدم من المهرجان بألفين وخمسين سنة.
وقيل: النيروز هو يوم ولد كيومرث بن هبة الله بن آدم، لأن الجدران اخضرت لمولده، وأثمرت الأشجار لغير إبانها وقيل: هو اليوم الذي أحرق الله تعالى فيه الظلمة بالنور، وخلق السموات والأرض، وكون الدنيا، وأمر الفلك بالدوران وأما صب الماء فهو قوم أصابتهم قحمة من الأزل، فقحطوا زمانا وانقطعت عنهم الأمطار وتموّتت مواشيهم ثم مطروا واستبشروا لطول عهدهم به فكان من رش من ذلك المزن سرّه وأعجبه، فجعلته العجم سنة إلى آخر الدهر.
стр. 1376
وقيل: فيهم نزل قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ
وقيل: هو اليوم الذي تكلم فيه زو بن طهماسف وقيل عيسى ﵇:
وكان مات أبوه عن قحط شملهم وشمل الأقاليم فتكلم زو في المهد، وسأل الله تعالى أن يسقيهم، فسقاهم الله ﵎ وأما السذق فقيل: إن آدم لما زوّج بناته من بنيه وتموا مائة كانت هذه الليلة، فأوقدوا نارا سرورا بذلك فجعلتها العجم عيدا. ومعنى السذق مائة.
وسئل بعضهم عن الخريف والربيع فقال: الخريف للفم، والربيع للعين، وذلك أنّ الربيع لا تكون فيه فكهة. وسئل عنه بعضهم فقال: الربيع لأهل الوبر «١» والخريف لأهل المدر «٢» .
مدح الخريف
قال الباذاني:
ولا زلت في عيشة كالخريف ... فإنّ الخريف جميعا سحر
قال ابن المعتز:
إشرب على طيب الزمان فقد حدا ... بالصّيف من أيلول أسرع حاد «٣»
وقال آخر:
وأشمنا باللّيل برد خريفه «٤»
طيب الربيع وحسنه
قال النبي ﷺ : ثلاثة يحيين القلب: النظر إلى الماء وإلى الخضرة وإلى الوجه الحسن.
وقال الشاعر:
أربعة تحيا بها ... روح ونفس وبدن
الماء والخضرة والند ... مان والوجه الحسن
وقال أبقراط «٥» : من لم يبتهج لرؤية الربيع، ولا يتروع بنسيم أسحاره فهو عديم حس أو سقيم نفس.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أمير الأجناد: مروا الناس أن يخرجوا إلى الصحارى أيام الربيع فينظروا إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها.
стр. 1377
قال أبو تمّام:
إن الربيع آثر الأزمان
وقال بعضهم: الربيع بهجة الدنيا ومجمع المنى وقال ابن المعتز:
أنظر إلى دنيا ربيع أقبلت ... مثل المهاة تبرّجت لزناة «١»
وقال آخر:
فالراح قد باحت بأسرار النّدى ... فتنفس الريحان في الجنّات «٢»
وقال ابن محارب القمي:
تأمّل في ربيع الأرض وانظر ... إلى آثار ما صنع المليك «٣»
عيون من لجين شاخصات ... كأن حداقها ذهب سبيك «٤»
على قضب الزبرجد شاهدات ... بأنّ الله ليس له شريك «٥»
تفضيل الربيع على سائر الأزمنة ومفاضلة الصيف والشتاء
قال الصنوبريّ:
إن كان في الصيف ريحان وفاكهة ... فالأرض مستوقد والجوّ تنوّر
وإن يكن في الخريف النخل مخترفا ... فالأرض عريانة والجوّ مقرور «٦»
وإن يكن في الشتاء الغيث متّصلا ... فالأرض محصورة والجوّ مأسور
ما الدهر إلا الربيع المستنير إذا ... أتى الربيع أتاك النّور والنّور «٧»
الأرض ياقوته والجوّ لؤلؤة ... والنبت فيروزج والماء بلوّر «٨»
وقال النبي ﷺ : الشتاء ربيع المؤمن قصر نهاره فصامه وطال ليله فقامه.
الحثّ على اللهو أيام الربيع وعلى التمتع بها
قال أمير المؤمنين كرّم الله وجهه: إذا دخلت البساتين فأطل تأملها، فإن فيها جلاء للبصر وارتياحا للهم والفكرة وتكرمة للطبائع وتسكينا للصداع.
قال ابن سكرة الرازي:
لائمتي في المدام ظالمتي ... لا سيّما والربيع قد هجما
стр. 1378
لا تطمعي في إفاقتي وقفي ... حتّى يولّي الربيع منهزما «١»
وقال آخر:
يا حبّذا النيروز من زائر ... جاء على أحسن أوقاته
فباكر القصف على وجهه ... ووقّرن حق زياراته «٢»
قال القاضي علي بن عبد العزيز:
قد صفا الجوّ واستحال نسيما ... وتندّى الهواء وهو يميع
بشّرتنا أوائل الزهر بالور ... د فكلّف صباك ما تستطيع
وقيل لما سرجس: لم كان أبصار أهل الرساتيق أصح وطعامهم ثقيل؟ فقال: ما أعرف لذلك علة إلّا كثرة وقوع أبصارهم على الخضرة.
رياض مونقة
قال أعرابي: أصابتنا ديمة على عهاد قديمة، فالناب يشبع قبل الفطيمة.
قال ابن المعتز:
وروضة عذراء غير عانسة ... خضراء ما فيها خلاة يابسه «٣»
فيها شموس للنهار وأرسه
والبيت الثاني من قول آكل المرار:
في حيث خالطت الخزاعي عرفجا ... يأتيك قابس أهله لم يقبس «٤»
ووصف بعضهم الأرض فقال: غدت في بردة خضراء وغدت في زي عذراء، قال ابن طباطبا:
يا لها جنّة بدت كعروس ... لم يكن حسن حليها مستعارا
طيب رائحة الرياض
قال ابن المعتز
كان غياب المسك بين بقاعها ... تفتّحها أيدي الرياح اللطائف
قال الأخطل:
الآنف والطرف منه يسرحان معا ... في ميسم أرج أو منظر قشب «٥»
стр. 1379
قال البازني:
وإذا تنفسّت الرياح حسبتها ... مسكا تنفّس عن جيوب غواني»
قال ابن الرومي:
من نسيم كأنّ مسراه في الأر ... واح مسرى الأرواح في الأجساد
قال ابن المعتز:
يا ربّ ليل سحر كلّه ... متضح البدر عليل النسيم
تلتقط الأنفاس برد النّدى ... فيه فتهديه لحرّ السموم
ألوان الرياض المختلفة
قال التنوخي:
ربع الربيع فحاكت كفّه ... حللا بها عقد الهموم تحلّل «٢»
فمذبح ومحبر وموشّح ... ومفضض ومدثّر ومهلّل «٣»
فتختال ذا ثغرا وذا عينا وذا ... خدّا يعضد تارة ويقبّل
قال بارع:
وروضة دبّج الوسميّ حلّتها ... ودّبرتها يد الأنواء والحقب «٤»
شكر الأرض للمطر
قال ابن الرومي:
أصبحت الدّنيا تروق من نظر ... وأهالها مصطنعا لمن شكر
أثنت على الأرض بالآء المطر «٥»
ابن المعتز:
ما ترى نعمة السماء على الأر ... ض وشكر الرياض للأمطار
النبات المائل بالرياح
قال دعبل:
ضحوك إذا لاعبته الرياح ... تأوّد كالشارب المرجحن «٦»
قال ابن نوقة:
رياحينها تهتزّ كالبيض أزمعت ... وداعا فمالت للعتاق قدودها
стр. 1380
قال آخر:
عذارى يباثثن الحديث المكتّما
وقال آخر:
كالطامح المتمائل المتكسّر
الطلّ على الأرض
قال جحظة:
لم يبق في الأرض زهر يشتكي مرّها ... إلا وناظره بالطلّ مكحول
وقال:
كأنّ بقاء الوبل في جنباتها ... بقية دمع فوق خدّ مورّد
وقال آخر:
يطّل كرشح فوق خدّ مورّد «١»
وقال آخر:
فشنف أرضه دررا ... ونظّمها النّدى شذرا
قال الحمدوني:
إذا لطم الوسميّ أحداق روضها ... بكين معا باللؤلؤ المتفرّد
وقال:
وشابت رؤوس غصون الجنان ... وما ذلك الشيب إلا الشباب «٢»
ترّنم الأطيار أيام الربيع
قال إبراهيم بن ساوة:
والطير في وكناتها محتلة ... فمرنم ومزمزم ومغرّد «٣»
فكأنّها تحكي الغريض ومعبدا ... أو كاد يحكيها الغريض ومعبد
قال أبو القاسم بن العلاء:
كأنّ صوادح الأطيار فيها ... جوار والغصون لها ستائر «٤»
أخذه من الخباز البلدي حيث قال:
كأنّ القماري والبلابل بينها ... قيان وأوراق الغصون ستائر «٥»
قال ابن المعتز:
إني لأعجب من حمائمها ... كيف اهتدين لمعرب محض
стр. 1381
هل كان نحويّ يعلّمها ... نصبا وباب الرفع والخفض؟
تغريد الذباب بالرياض
قال ابن الرومي:
وغرّد ربعي الذباب خلاله ... كما حثحث النشوان صنجا مشرعا «١»
وكانت أرانين الذباب هناكم ... على شدوات الطّير ضربا موقّعا «٢»
والأصل فيه قول عنترة:
وخلا الذباب بها فليس ببارح ... غردا كفعل الشّارب المترّنم
هزجا يحكّ ذراعه بذراعه ... قدح المكّب على الزناد الأجذم «٣»
تشبيه المحبوب بالرياحين وتذكره بها
قال البحتري:
لما مشين على الأراك تشابهت ... أغصان قضبان به وقدود
في حلّتي حبر ووشي فالتقى ... وشيان وشي ربا ووشي برود «٤»
وسفرن فامتلأت عيون راقها ... وردان ورد جنى وورد خدود
قال الصاحب وقد شبّه خدود المحبوب بالمنثور:
شربا على وجه الذي ... تيّمني بصدّه «٥»
فإن نأى فاذك ... ره بالمنثور عند ورده
من أبيض كوجهه ... وأحمر كخدّه
وأشهل كطرفه ... وقد سطا بحدّه
واصفر كسحنتي ... إذ راعني بصدّه
وصادق التوريد ... كالفضّة بين جلده
ذي أرج كهزله ... وروعة كجدّه «٦»
وقصر في العمر قد ... شابه عمر ورده
هذا وما يستطيع أن ... يذكرني بقدّه
فالفضل للظبي الذي ... أصبحت عبد عبده
стр. 1382
ظلّ أوراق الشجر
قد أحسن المتنبّي حيث قال:
وألقى الشرق منها في ثيابي ... دنانيرا تفرّ من الثّياب
قال مسكويه:
والشمس محجوبة عنّا سوى لمع ... يسقطن من ورق الأشجار كالورق
نفع النرجس
قال جالينوس «١» : من كان له رغيف فليجعل لصقه من النرجس، فإنه راعي الدماغ، والدماغ راعي العقل، وقال أمير المؤمنين ﵁: تشمّموا النرجس ولو في اليوم مرة، فإن في قلب الأنسان حالة لا يزيلها إلا شم النرجس، قال أبو نواس:
غضّي جفونك يا عيون النرجس ... كيما ألذّ بقبلة من مؤنسي
وقال آخر:
وتخالهنّ إذا هممت بقبلة ... حدقا تفهم ما أقول فتنظر «٢»
وقال آخر:
كأنّما النرجس يحكي لنا ... عين محبّ أبدا تنظر
لا يطرق الدهر لا شفافة ... تخوفا من لحظه يقصر
ويشبه النرجس بالرقيب، قال أبو نواس:
لدى نرجس غضّ القطاف كأنّه ... إذا ما منحناه العيون عيون
مخالفة في شكلهنّ فصفرة ... مكان سواد والبياض جفون
وقال آخر:
مداهن تبر حشوهنّ عقيق «٣»
وقال آخر:
أحداق تبر في محاجر فضّة
وصفه قامته
قال شاعر:
ذابلات الأجفان كالعاشق الوا ... قف يشكو الهوى على فرد ساق
وقال آخر:
غصن الزبرجد مرتد ورقا ... من فضّة لك أثمرت ذهبا «٤»
стр. 1383
قال الباذاني:
ورق فوقها دنانير صفر ... قد علت من زبرجد أنبوبا
وبالفارسية نركس ازمرددشه مرواريد فردوسته زوش كرميان بسته فنظموه بالعربية فقالوا:
وياقوته صفراء في رأس درّة ... مركّبة في قامة من زبرجد «١»
ريحة
قال ابن الرومي:
يا حبّذا النرجس ريحانة ... لأنف مغبوق ومصبوح
كأنّه من طيب أرواحه ... ركّب من راح ومن روح «٢»
قال ابن طباطبا:
نرجسه ينسى الورى شكله ... مثل حبيب فاتن دلّه
نسيمه كالرّاح لو يحتوي ... والروح لو يعقد منحلّه
فضل الورد ومحبته
قيل: إن ملك بابل أهدى إلى ملك أضول وردة، فأنكر ما رأى من شوكها وكافأه بأصول الغبيراء، لأن زهرتها تولد داء عظيما إذا شمت. فلما أينعت أصول الورد عنده سرّ به، فندم على ما كان منه فأهدى إليه شجر الخلاف وهو دواء لما تولده الغبيراء. وقيل: كان المتوكل حرّم الورد على جميع الناس، وقال: لا يصلح للعامّة فكان لا يرى إلا في مجلسه.
وكان في أيامه يلبس الثياب الموردة ويفرشها ويورّد جميع الآلات ورفع صاحب الخبر إلى المأمون أنّ حائكا يعمل العام كله لا يتعطّل في عيد ولا جمعة، فإذا طلع الورد طوى عمله وغرّد بصوت وقال:
طاب الزمان وجاء الورد فاصطبحوا ... ما دام للورد أزهار وأنوار
فإذا شرب مع ندمائه غنّى:
أشرب على الورد من حمراء صافية ... شهرا وعشرا وخمسا بعدها عددا
فلا يزال في صبوح وغبوق ما بقيت وردة فإذا انقضى عاد إلى عمله وأنشد:
فإن يبقني ربّي إلى الورد أصطبح ... وندمان صدق حاكة ونبيط
فقال المأمون: لقد نظر الورد بعير جليلة فينبغي أن نعينه على هذه المروءة. وأمر أن يدفع إليه في كل سنة عشرة آلاف درهم. وقال الحسين ﵁: حباني رسول الله ﷺ بكلتي يديه وردة وقال إنه سيد رياحين الجنّة ما خلا الآس.
стр. 1384
حسنه
قال خالد الكاتب:
عشية حيّاني بورد كأنّه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض
وقال آخر:
كأنّ طلوع الورد والطلّ فوقه ... لثات عليها درّ ثغر مفلّج «١»
وقال أزدشير: ياقوت أحمر وأصفر ودرّ أبيض على كراسي زبرجد يتوسطه شذور من ذهب.
ظهور الورد وتفتّحه
قال جحظة:
لقد نطق الدّراج بعد سكوته ... ووافى كتاب الورد أنّي مقبل
قال الرقاشي:
إذا أقبل الورد أهدى لنا ... سرورا بأيامه مقتبل
قال البحتري:
وقد نبّه النيروز في غسق الدّجى ... أوائل ورد كنّ بالأمس نوّما «٢»
يقنّعها برد النّدى فكأنّما ... تبثّ حديثا كان قبل مكتّما «٣»
قلّة لبثه
قال ديك الجن:
للورد حسن وإشراق إذا نظرت ... إليه عين محبّ هاجه الطرب
خاف الملال إذا دامت إقامته ... فصار يظهر حينا ثم يحتجب «٤»
قال أبو نواس:
زائر يهدي إلينا ... نفسه في كلّ عام
قال ابن أبي البغل:
حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه ... وإن هو عنا غاب طال جفاؤه «٥»
وقال آخر:
أقام حتّى إذا أنسنا ... بقربه أسرع انتقالا
стр. 1385
وقال:
الورد أحسن زائر لو لم تكن ... تلك الزيارة حين زار لماما «١»
صيانة الورد
قال علي بن الجهم:
لم يضحك الورد إلا حين أعجبه ... حسن الرياض وصوت الطائر الغرد
لا عذب الله إلا من يعذّبه ... بمسمع بارد أو صاحب نكد
قال جحظة:
أعزز عليّ بأن يشمّك باخل ... أوان ترك نواظر السّقطاء
وقيل: إن كسرى مرّ بوردة ساقطة فقال: أضاع الله من أضاعك، ونزل عن دابته وتناولها وشرب في مكانها أقداحا.
وقال بعض الكبار لأبي عبد الله الصائغ: قد جاء وردك يا أبا عبد الله يعني ورد الكلاب، فقال: وقد جاء ورد أمك، يعني ورد القحبة وقد نظم ذلك ابن طباطبا:
ولّى الزمان وولى ورد أمكم ... وجاء ورد أبيكم يا بني العرر
تفضيل الورد على النرجس
قيل: الورد يبقى طول السنة رطبا ويابسا، والنرجس لا يبقى إلّا شهرا. ولو يبس لم ينتفع به. ثم منافع الورد لا تحصى كثرة رطبا ويابسا وطيبا ودواء، قال الصنوبري:
زعم الورد أنّه هو أبهى ... من جميع الأنوار والريحان «٢»
فأجابته أعين النّرجس الغضّ ... بذلّ من قولها وهوان
أيّما أحسن التورد أم مق ... لة ريم مريضة الأجفان «٣»
أم فماذا يرجى لمحمّرة الخدّ ... إذا لم يكن لها عينان
فزها الورد ثم قال مجيبا ... بقياس مستحسن وبيان
إن ورد الخدود أحسن من ... عين بها صفرة من اليرقان «٤»
تفضيل النرجس على الورد
قيل: النرجس إذا اجتني بقي شهرا، والورد لا يبقى إلا يوما ثم يذبل، وهو كالعين، وهو أفضل من الورد الذي هو كالخدّ.
стр. 1386
قال ابن الرومي:
للنرجس الفضل برغم من زعم ... على صنوف الورد والفضل قسم
وله:
هذي النجوم هي التي ربّينها ... بحيا السّحاب كما يربّي الوالد»
فتأمل الأخوين من أدناهما ... شبها بوالده فذاك الماجد
أين العيون من الخدود نفاسة ... ورياسة، لولا القياس الفاسد
تفضيل الآس على الورد وبالعكس
كتب أبو دلف إلى عبد الله بن طاهر:
أرى ودّكم كالورد ليس بدائم ... ولا خير فيمن لا يدوم له ودّ
وودّي لكم كالآس حسنا ونضرة ... له زهرة تبقى إذا فني الورد
فأجابه:
وشبهت ودّي الورد، وهو شبيهه ... وهل زهرة إلا وسيّدها الورد
وودّك كآس المرير مذاقه ... وليس له في الطيب قبل ولا بعد
وذهبت امرأة إلى معبّر «٢» فقالت: رأيت زوجي أولاني باقة نرجس، فقال: يطلقك.
فقالت: لمه، فقال: لقول الشاعر:
ليس للنرجس عهد ... إنّما العهد للآس
ولعليّ بن الجهم يفضل الورد على سائر الرياحين:
ما قابلت قضب الريحان طلعته ... إلا تبينت منه ذلّة الحسد
الياسمين والآس
كان مخنث ببغداد قعد يبيع الياسمين ويقول: من يشتري ريح المحبوب، ولون المحب، بقطعه؟ وتطيّر بالياسمين لكون إلياس في أوله والمين في آخره. قال ابن الرومي:
ما أنصف الآس بالياسمين مشبهه ... والآس منه مكان الياء مفقود
والياسمين إذا حصلت أحرفه ... فالياس منه مكان الياء معدود
إن الدليل على هذا تناثر ذا ... وإن ذاك على الأيّام موجود
الشقائق
قال أبو العلاء السروري ويروى لابن دريد:
جام يكون من العقيق الأحمر ... فرشت قرارته بمسك أذفر «٣»
стр. 1387
خرط الربيع مثاله فأقامه ... بين الرياض على قضيب أخضر «١»
والريح تتركه إذا هبّت به ... كالطافح المتمايل المتكسّر
فتراه يركع ثم يرفع رأسه ... متمايلا كالعاشق المتحيّر
وفيه:
جزع وياقوت وخرط زبرجد «٢»
وقال الصنوبري:
أعلام ياقوت نشر ... ن على رماح من زبرجد
وللقصار:
وكأنّه الحبشيّ يصبغ جسمه ... فثيابه مخضلّة بدمائه
وقال الصنوبري:
شقائق يحملن النّدى فكأنّه ... دموع التصابي في خدود الخرائد
الأترج
قال ابن دريد:
جسم لجين قميصه ذهب ... زرّ على لعبة من الطّيب «٣»
فيه لمن شمّه وأبصره ... لون محبّ وريح محبوب
وقال ابن العميد:
يقدّرها الرائي سبيكة عسجد ... على أنّها من فأرة المسك أضوع «٤»
وما حكت العشاق صفرة لونها ... ولكن لما قاسى المحبّين تجزع
وقال أبو سعيد الرستمي:
وأترجة مدّت أصابع من ذهب ... لها أرج من فأرة المسك منتهب
تبدّت لنا والريح داج ظلامه ... كغابر نار هزّه الريح فانشعب «٥»
وقال كشاجم:
كأنّ أترجها تميل به ... أغصانها حاملا ومحمولا
سلاسل من زبرجد حملت ... من ذهب أصفر قناديلا
стр. 1388
وقال ابن الرومي:
كأنّكم شجر الأترج طاب معا ... حملا ونورا وطاب الريح والورق
النارنج على الأشجار
قال شاعر:
تطالعنا بين الغصون كأنّها ... خدود عذارى في ملاحفها الخضر
وقال التنوخي:
شموس عقيق في قباب زبرجد قال الصاحب:
كأنّما النارنج تفّاح الذهب ... أو فرح قنديل تندّى كاللهب
أو حمرة شعاعها يمضي شعب ... أو ثدي خود ناهد يحكي الكعب «١»
الليمون
قال محمد العبّاسي:
حبّذا الليمون حسنا ... وبهاء ونضاره
هو ريحان أتى من ... أرض هند للزياره
رام أن يشبهه النا ... رنج خرطا واستداره
وتمنّى أن يباهي ... هـ بأن يحكي اصفراره
ثم أعياه فلم يل ... حقه في زيّ وشاره «٢»
لونه والعرف والشكل فمنه مستعاره
الدستبول
قال شاعر:
ككرات طيقان تخال قشورها ... نون القسيّ منمرات يلمع
وقال:
كأنّها من لبّ كافورة ... قد غمرت من رطب رطب
اللفاح
قال أبو علي بن أبي العلاء:
كحتمة من ذهب ... بلا زورد ممتعا «٣»
стр. 1389
أو شعلة وقد علا ... دخانها وارتفعا
وقال أبو القاسم ابنه:
ما جوهر متنافس ... فيه كند في ندي «١»
ومشمّ معشوق تصا ... دفه على عرف ذكي
وكأنّ رائق شكله ... لما بدا كرة الصبي
لولا ذوائبه التي ... قد أشبهت بيض الكمي «٢»
حب النيل
قال أبو الحسن الزاهري:
ولاح لناظري بنات ورد ... لحبّ النيل تفضح كلّ ورد
كنونات اللجين مطرقات ... أسافلها بماء اللازورد
الخيري
«٣» قال ابن الرومي:
خيريّ ورد أتاك في طبق ... قد ملا الخافقين من عبقه «٤»
قد خلع العاشقون ما ص ... نع الهجر بألوانهم على ورقه
قال أبو العلاء السروي:
أهدى إليّ فنون الشوق والأرق ... نسيم رائحة الخيريّ في العبق
كأنه عاشق يهدي صبابته ... صبحا وينشرها في ظلمة الأفق
السوسن
يشبه بأذناب الطواويس وبسبائك الفضة. قال ابن المعتز:
كقطن مسّه بعض البلل
قال الموصلي:
كأنّما زرقة أوراقه ... ذوائب من لهب الفحم
قال عبدان:
وقد زخرف الدنيا ملاعق سوسن ... فمن أزرق غضّ النبات وأقمر
كأعناق طير الماء أوراقها حكت ... مناقيرها صورا بخدّ مقرر
стр. 1390
الجلنار
قال الحمداني:
وجلّنار أحمر ... على أعالي شجره
كأنّ في رؤوسه ... أحمره وأصفره
قراضة من ذهب ... في خرقة معصفره
الأرجوان
قال عبدان:
كأنّ الأرجوان ضرام نار ... بلا شرر تطاير في توالي
كأنّا مصطلون بها قعودا ... حواليها وما منّا بصالي «١»
المرزجوش
قال أبو الوفاء محمد بن عبد العزيز بن محمد بن سلمة الهذلي:
ومرزجوش كأنّ القطر شنّفه ... درّا كما شنّفت آذان أبكار «٢»
إذا أتته هبوب الريح جاذبة ... كأنّه مائلا مصغ لأسرار
ورد العصفور
قال ابن طباطبا:
ريحانة في اصفرار مهديها ... شبهتها بعد فكرة فيها
أحبّة لم تصخ لعاذلها ... تسدّ آذانها بأيديها
النيلوفر
قال أبو عبد الله:
كأن نيلوفره عاشق ... نهاره يرمق وجه الحبيب
حتّى إذا الليل بدا وجهه ... وانصرف المحبوب خوف الرقيب
أطبق جفنيه عسى في الكرى ... يبصر من قارعه عن رقيب
وقال آخر:
ككاسات شرب في أكفّ وصائف ... من السند عنهنّ السواعد حسّر
стр. 1391
قال الزاهي:
ونيلوفر مثل الكؤوس شممته ... حكت ريحه ريح المحبّ الموافق
حكى رقدة المحبوب قبل انفتاحه ... وبعد انفتاح الجفن تسهيد عاشق
الآذريون
«١» قال ابن المعتز:
كان آذريونها ... فوق سماء هاميه «٢»
مداهن من ذهب ... فيها بقايا غاليه «٣»
وقال عبد الرحمن بن مندويه:
صلاء جمر شبّ في كانون
الخرّم
«٤» قال ابن الرومي:
وخرم في صبغة الطيالسه ... تحكى الطواويس غدت مطاوسه «٥»
كأنّما تلك الفروع النامسه ... تغمسها في اللازورد غامسه «٦»
قال ابن طباطبا
صمامات وشي هيّئت للمخازن
الأقحوان
«٧» قال التنوخي:
وأقحوان مكان وردته ... دراهم بينها دنانير
وقال عبدان:
وتبسّم عن ثغور الحور فيها ... ثغور الأقحوان من اللآلي
وقال آخر:
عيون الأقاحي ما خلقتنّ للبكا ... فما بال مجرى الدمع منكنّ منكر
стр. 1392
إذا ما سقاه الغيث كاسا من النّدى ... تناوب سكرانا وبالرّيح يسكر
الشاهشفرم
قال أبو العويص:
وقامة ريحان أنيق نباتها ... غذاها نمير الماء سقيا على قدر «١»
وفاح بنشر ريح الشمّ طيب ... له نشوات المسك في سائر العطر
فأصبح شاها للرياحين كلّها ... وليس لها ما دام شيء من الأمر «٢»
قال الزاهي في وصف الأوراق:
لها ورق كواوات صغار
ما يتطيّر به من الرياحين
قيل: في الياسمين يأس، وفي الخلاف خلاف، وفي التمام نميمة، والشقائق الشقاء، وفي البان البين «٣» ، وفي السفرجل سفر جل وفي السوسن السوء.
قال العبّاس بن الأحنف:
أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر
متطير لما أتته لأنه ... لونان باطنه خلاف الظاهر
قال ابن الشاه:
لا بارك الله في النّمام إنّ له ... اسما قبيحا من الأسماء مهجورا
لو لم ينمّ على العشّاق سرّهم ... ما كان فيهم بهذا الاسم مذكورا
البنفسج
قال ابن المعتز:
أوائل النّار في أطراف كبريت
ولعبدان:
لكا لياقوت منه النّار لا بل ... ككبريت خفيّ الاشتعال
قال السروي:
كأنّه خضر ديباج أحاط به ... من لا زورد فصوص ذات لألاء
وقال التنوخي:
زيّنها بنفسج كأنّه ... فيروزج قطّع فيها أو خرط
стр. 1393
الخودان
قال بعضهم:
وكأنّ الخودان فيها لآل ... مشرقات نظمن في عنقود «١»
الخطميّ
«٢» قال الحسن بن محمد:
وقد أظهر الخطميّ نورا كأنه ... صحاف من الياقوت فيها ذرائر
الزعفران
قال الباذاني:
كأنّ صبايا الزعفران إذا بدت ... نصال سهام أفردت لا تركب
وقال الباذاني الأصفهاني:
ورد يعظم والتراب محلّه ... وترى الكريم يعزّ حين يهون
وقال محمد بن بحر:
هاك خذها عرائسا يتصدّ ... ين صباحا ويختفين مساء
يتفلّقن عن صبايا ثلاث ... قد تعانقن إلفة وصفاء
وقال آخر:
كتخطيط المطرّز في الكمام ... بلام ثم لام ثم لام
القطن النابت
قال أبو العويص:
نشا عن ضمور واستدارة قالب ... فصار عريضا ناتئ القصّات «٣»
وأثمر تفّاحا بغير تفكّه ... طويل على تفّاحة الشجرات
نما وربا حتّى تفتّق صلبه ... بأربع فقرات له حدبات
وإن بزّ عنه شحمه وسديفه ... تزيّد شدق الفحل للنّزوات «٤»
شبيه فم لشاهين ينقضّ فاغرا ... ليلهم يعفورا على وكرات «٥»
стр. 1394
الكماة
قال النبي ﷺ : الكماة بقية من المن وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة، وفيها شفاء من السحر والسمّ وأنشد الأصمعي لرجل من بني بكر:
وأشعث قد ناولته أحرش القوي ... أدرت عليه المدجنات الهواضب
تخطّاه القنّاص حتّى وجدته ... وخرطومه في نبع الماء راسب
يعني بالأشعث فقيرا وبأحرش القوي كماة خشنة.
قال الراعي:
بأرض يبين النقع فيها قناعة ... كما انتصّ شيخ من رفاعة أجلح»
اللبلاب
«٢» قال الواواء:
لبلابتي أحسن لبلابه ... قد حوت الحسن وأسبابه
كأنّها بالغصن ملتفّة ... متيّم عانق أحبابه
الريباس
قال المرادي:
ومكنونة من بنات الثّرى ... تجمّع في الباب خطّابها
تمديدا برزت كفّها ... بحر الزمرّد عنابها
الباقلاء
قال كشاجم:
تخال فيه النور جزعا في سخب ... أو بلق طير وقعت على قضب «٣»
قال الصنوبري:
ونيات باقلاء يشبه ورده ... بلق الحمام مقيمة أذنابها «٤»
وقال:
فصوص زمرّد في غلف درّ ... بأقماع حكت تقليم ظفر «٥»
وقال آخر:
زبرجد ضمّن درّة لبّست ... حريرة بطّنت بكافور «٦»
стр. 1395
البطيخ
قال بعضهم في وصفه: هو فاكهة وأدم وأشنان وحلواء وعند العدم قعب للمدام ويطل في الحمام.
قال كشاجم:
وزائر زار وقد تعطّرا ... أسرّ شهدا وأذاع عنبرا «١»
ملتحفا للصّين ثوبا أصفرا ... يظنّه الناظر إن يقدرا
دبّ الوبا بثمنه فأنشرا
وإذا أردت الشراء للبطيخ فخذ أثقلها رأسا وأعظمها فلسا وأخشنها مسّا.
قال أبو طالب المأموني:
وحمراء خلناها أذاعت وأضمرت ... وقد علّ برديها جسام وعندم
قراضة تبر في صفائح فضّة ... تضمّنها حقّ من الجزع مسهم «٢»
إذا قطّعّت كانت سفائن لجّة ... وإن لم تقطّع فهي عكم محزم «٣»
وله:
رياضة مسكيّة عسليّة ... لها لون ديباج وعرف مدام
وله في البطيخ الهنديّ
ومبيضة فيها طرائق خضرة ... كما اخضرّ مجرى السيل في صيب الحزن
كحقة عاج صيغت بزبرجد ... حوت قطع الياقوت في قطع القطن «٤»
القثّاء
قال الخوارزمي:
يا ربّ قثّاء برود المورد ... درّ الحشا زمرّد المجرد
سخت الروس لصور المقلد ... مثل ذنابى ريش ديك أعقد
قد التوى فوق الثّرى الرطب النّدى ... كما تلوّى أسود بأسود
ذي زغب وفيه لين الأجرد ... كالخدّ بين الملتحي والأمرد «٥»
كأنه في اللون والتأوّد ... صوالج ركبن من زبرجد
يكاد للين وللتعقّد ... تجنيه ألحاظ الفتى قبل اليد
ماء كطعم السكّر الطبرزد
стр. 1396
الباذنجان
وصفه بعضهم فقال: كرات أدم قمعت بكيمخت وحشيت بصغار الدرّ وسط لبن حليب وقمعت بنفسجا.
الزرع والغرس
قال النبي ﷺ : ما من رجل يغرس غرسا فيأكل من إنسان أو طائر أو بهيمة إلا كان له صدقة.
وقالت عائشة: التمسوا الرزق في خبايا الأرض.
وقال ابن الزبير: عليك بالزرع فإن العرب كانت تتمثل لذلك ببيت شعر:
تتبّع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلّك يوما أن تجاب فترزقا
وقال بعض البلغاء: أجود الزرع ما غلظت قصبته وعرضت ورقته، وأدهامت خضرته، وعظمت سنبلته، والتفّت نبتته.
وقيل لبعض الفلاسفة: ما بال الحشيش أنضر وأغضّ من الزرع؟ فقال لأن الحشيش ابن للأرض والأرض داية للزرع. وقيل: للزرع ألف آفة ليس فيها أعظم من جور السلطان.
وقال النبي ﷺ : إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن يقوم حتى يغرسها فليغرسها. وقال ابن حباس: المتوكل من يبذر.
البرّ
«١» قيل: أفضل نابت وأحب مأكول البر. وقال بعضهم: ما ظنّك بشجرة فتنت آدم وحواء وأخرجتهما من الجنة إلى دار الكلفة والمهنة وعصيانهما للرحمن، وقال لهما إبليس: ما نَهاكُما رَبُّكُما
الآية.
مفاضلة البرّ والتّمر
قيل: غلة النخل العنا وغلة البر الغنى. وقيل: البرّ خبز والتمر أدم والخبز أفضل من الأدم. وقيل البرّ إذا أكل لا بد وأن يداس ويذرّى ويغربل ويعجن ويخمر، ثم لا يأكله بغير أدم إلا جائع، ومن أكله بغير طحن وخبز تولّد في بطنه الدود.
والتمر يؤكل من النخلة على أي نوع أردت، ثم منافعه لا تحصى. واختلف في البر والتمر إثنان عند محمد بن سليمان فقال: طالما اختلف في ذلك الأمم. وقال لابن داحة:
اقض بينهما فقال لصاحب البرّ: خبرني أيهما أوجد في الجدب؟ قال: التمر. قال: فأيهما أبقى على الغرق؟ قال: النخل قال: فأيهما الحرق أسرع إليه؟ قال السنبل قال: أيهما أمنع من النار؟ قال: النخل. قال: أي الأرضين أعز؟ قال: أرض النخل. فقال سلمان: قد
стр. 1397
قضيت وفضلت النخل.
الكرم
قال أبو نواس:
لنا هجمة لا يدرأ الذئب سخلها ... ولا راعها زر العجالة والخطر «١»
إذا منحت ألوانها مال صفرها ... إلى الجوّ إلّا أن ألوانها خضر
قال إبراهيم بن المهدي:
سلافة كرم تظل النبيط ... ترفع منه عريشا عريشا «٢»
إذا أنت قابلته خلته ... مطارف خضرا كسين النقوشا
قال الرفاء:
وشاحبة الظلال مقرطات ... ظروف الراح من زنج وروم
قال أبو رافع الهروي:
كأنّ عناقيد العرائش فوقنا ... زنوج وروم علّقوا بالحناجر
مدح النخل
قال ابن المعتز:
ظلّت عناقيدها يخرجن من ورق ... كما احتبى الزنج في خضر من الورق
وقال النبي ﷺ : أكرموا النخل فإنها عمّتكم. وقال: خلق آدم والنخلة والعنبة والرمانة من طينة واحدة. وقال: نعمت العمّة لكم النخلة تغرس في أرض خوّارة وتسقى من عين خرّارة.
وقال ابن دريد: سألت أعرابيا فقلت ما أموالكم؟ قال: النخل. فقلت: أين أنتم من غيره فقال: النخل سعفها صلاء وجذعها غماء وليفها رشاء وفروها إناء ورطبها غذاء.
وقال جعفر بن محمد: نعمت العمّة لكم النخلة، وعمرها كعمر الإنسان وتلقيحها كتلقيحه.
وقيل: خير أموال الناس أشبهها بهم. ووصف خالد بن صفوان لهشام النخل فقال:
هنّ الراسخات في الوحل المطعمات في المحل الملقحات بالفحل، فتخرج أسفاطا عظاما وأوساطا كأنها ملئت رياطا «٣» ثم تفتر عن قضبان اللجين منظومة باللؤلؤ المزين، فيصير ذهبا أحمر منظوما بالزبرجد الأخضر، ثم يصير عسلا في لحاء معلقا في هواء ووصفها بعضهم فقال: شريعة العلوق سائحة العروق، صابرة على الجدوب، لا يخشى عليها عدو الذئب.
وقيل: إن النخلة تقول للنخلة: أبعدي ظلك من ظلي، أحمل حملي وحملك. وقيل:
стр. 1398
الحرب الخفي أن تقرب النخلة من النخلة وهو كما قيل: الحرب الخفيّ إذكار الإبل. وقال بعض البصريين: النخلة تقتل نفسها سنة وصاحبها سنة لأنها تحمل سنة كثيرا وسنة قليلا قال شاعر:
لنا على دجلة نخل منتخل ... نسلفه ماء فيعطينا عسل
مسطر على قوام معتدل ... يسقى بماء وهو شيء في الأكل
وقال أحيحة بن الجلاح وكان قومه لاموه في ابتياعه النخيل:
يلومونني في اشتراء النّخيل قو ... مي وكلّهم يعذل
تغشى الحبوب بأذنابها ... ويجلب من ضرعها من عل
نعم لعمّكم نافع ... وطفل لطفلكم يؤمل
هي المال والظلّ حق الظلي ... ل والمنظر الأحسن الأجمل
وقيل: سمّي النخل نخلا لأنه منتخل.
ذمّ النخل ووصف الرديء منه
عاب أعرابي النخل فقال: صعبة المرتقى بعيدة الهوى، مهولة المجتنى، دقيقة السلاء، شديدة المؤونة، قليلة المعونة، خشنة المس، ضئيلة الظل.
وأهدى رجل إلى جحظة «١» نخلة زعمها قرشية، فغرسها ولم يزل يتعاهدها حتى حملت، فإذا هي دقلة. فجاء الرجل فسأله عنها فقال: ما فعلت قرشيتك؟ فقال: هي قرشية من ولد زياد.
قال بعضهم في نخلة قطعت فجعلت جذوعا:
إلى الله أشكو هجمة هجرية ... تحرمها مرّ السنين الغوابر «٢»
فأضحت رذايا تحمل الطين بعدما ... تكون غنى للمقترين المفاقر
خرص «٣» النخل والكرم
كان لخثعمة البكارى نخيل فجاء خارص، يخرص عليه فأخذ فاسا وجعل يضرب أصولها، ويقول أقطعها فاستريح، فقال عريفه أكفف فليس عليك إلا الحق فقال:
لئن كان هذا الخرص فيكن دائب ... فأبعدكنّ الله من نخلات
أفي كل عام خارص غير عادل ... تصعّد من أفعاله زفراتي
стр. 1399
شجر التفاح المثمر
قال أبو العلاء السروي:
وأشجار من التفّاح زهر ... ثقلن بحمله ثقلا وبيدا
تظلّ الريح تنثرها علينا ... فنلقطها ونحسبها خدودا
نفع التفاح وحسنه
روي أن أرسطاطاليس حضرته الوفاة فاستدعى ثلاثة من تلامذته، فعجز عن مناظرتهم، فاستدعى تفاحة اعتصم بها وبرائحتها ريثما قضى وطره.
وقال أبقراط: الحمرة في التفاح صديقة الجسم وريحه صديقة الروح.
وذكر التفاح بحضرة المأمون فقال: في التفاح الصفرة الرديئة والحمرة الذهبية وبياض الفضة ونور القمر تلذّها من الحواس ثلاثة: العين بلونها والأنف بشمّها والفم بطعمها وفي وصف احمراره قيل:
خدود ملاح كدّها لوم لائم
وقيل:
خدود عذارى قد جمعن على طبق
قال أبو نواس:
الخمر تفّاح جرى ذائبا ... ذلك التفّاح خمر جمد
فاشرب على جامد ذا ذوب ذا ... ولا تدع فرصة يوم لغد
وقال الرفاء:
لو جمدت راحنا اغتدت ذهبا ... أو ذاب تفاحنا غدا راحا «١»
وقال المأمون: لو أن التفاح ينحلّ لكان قزحا، ولو تجسّم قزح غدا تفاحا.
التفاحة المهداة
وقال ابن المعتز:
تفاحة معضوضة ... صارت رسول القبل
وقال أبو هفّان:
تفاحة من عند تفاحة ... بالمسك والعنبر نفّاحه «٢»
أخذتها من كفّ ظبي وقد ... كانت إليه النفس مرتاحه
ما مسّها طيب ولكنّها ... باشرها بالكفّ والراحه
стр. 1400
وقال:
أهدى لنا التفّاح من كفّه ... يا ليته أهداه من خدّه
معاتبة من أكل التفاح
نظر بعض الفتيان إلى آخر وقد أقبل على أكل التفاح في بعض المجالس فقال:
يا ذا الذي يأكل التفاح من شرّه ... رفقا فقدتك يا حتف التحيّات
وقال أبو إسحاق بن العباس:
إن الذي يأكل تفّاحة ... لمستخفّ بمهاديها
وقال الخبزارزي في الاعتذار لأكلها:
أكلت تفاحة فعاتبني ... فتى رآها كخدّ معشوقه
فقال خدّ الحبيب تأكله ... فقلت: لا، بل أمصّ من ريقه
وقال رجل لآخر أكل تفاحة حيّاه بها: أتأكل التحيّات فقال: والمباركات والطيّبات.
اختلاف الأمكنة في إدراك الأصناف بصنعاء
تدرك الحنطة بصنعاء مرتين، والشعير والذرة ثلاث مرات وأربعا، والعنب دفعتين.
وعندهم نحو سبعين لونا عنبا. ويدرك الموز كل أربعين يوما وعندهم قصب سكر، وباقلاء ولوز وتين ورمان وسفرجل.
تعانق الأشجار
قال بعضهم:
كأنّ فروعها في كلّ ريح ... جوار بالذوائب ينتضينا «١»
وقال أبو محلم:
نشاوى تثنيها الرياح فتنثني ... ويلثم بعض بعضها ثم يرجع
وقال سعيد بن حميد:
وترى الغصون إذ الرياح تنفّست ... ملتفّة كتعانق الأحباب
وقال التنوخي:
عذارى تباثثن الحديث المكتّما «٢»
وقال آخر:
فكأنّما ينوي التعا ... نق ثمّ يدركه الخجل
стр. 1401
ارتجاس الريح في الشّجر
قال التنوخي:
كأنّ إرتجاس الريح في جنباته ... إذاعة شكوى أو مرار تعاتب
وقال عبدان:
أنّ رقارق الأرواح فيها ... نشيش ملهوجات في المقال «١»
السرو
«٢» كان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء لابسات حدادا. وكان يقول: كان السرو ذنب عرس.
خرج عبد الله بن طاهر فقال له رجل: قد جئتك ببشارة، قد صدق الله قولك حيث تقول:
أيا سروتي بستان زكي سلمتما ... ومن لكما أن تسلما بضمان
أيا سروتي بستان زكي سلمتما ... وغال حبيبي غائل الحدثان
فقد سقطت إحداهما. فقال له عبد الله: ألم يكن بالرقة حمّى تشغلك؟ وأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: أخشى أن لا أحقق ظنك.
نور شجر الخلاف
قال أبو حاتم الورّاق:
كأن نور شجر الخلاف ... أكفّ سنّور بلا خلاف
مردودة البرثن في الغلاف
ضروب من الأشجار
أشجار اللبان لا تورق بل تحمل أغصانها. الكندر أطول الشجر عمرا. شجر الزيتون فإنه يقال إنه يبقى ثلاثة آلاف سنة وكل زيتونة بفلسطين فمن غرس اليونانيين، وكانوا قبل الروم.
والبقم ينبت من غير أن يغرس، والساج تتصاعد في الهواء ملساء مستوية لا تخرج أغصانا، وغاية طول الشجر مائة وعشرون ذراعا وأوراقها عراض في رأس الشجرة كل ورقة تقطع لرجل سراويل.
وأشجار الكافور طوال ولها أغصان وعلى رأسها ورق مثل الترس وفي نفس الشجر
стр. 1402
عقد، فإذا أراد الرجل الكافور عمد إلى فهر فيعلوها به فيضربها، فإذا أحس بها أنها قد فجرت، عمد إلى حبل فقلع الشجرة وتناثر الكافور الرياحي منها، فيجتمع في كل شجرة نحو ثلاثين منها وأما ماء الكافور فإنه يعمد إلى الأشجار التي لم تعقر فيضرب بالقدوم مواضع العقد، ثم تؤخذ قلّة وتشد على وقع القدوم فيسيل ماء الكافور من تلك الضربة ويجتمع في تلك القلّة.
وبالزنج القرنفل ومشتريه يأتي بالدنانير فيضعها على ساحل البحر وينصرف إلى منزله فإذا أصبح عاد إليه، فيجد هناك القرنفل وتكون الدنانير قد حملت. وبها الخيزران ويقال إنه خيزرانه يبلغ طولها تحت الأرض ست فراسخ.
ولبعضهم في العوسج «١» :
عذرنا النّخل في إبداء شوك ... يذود به الأنامل عن جناه «٢»
فما للعوسج الملعون أبدى ... لنا شوكا بلا ثمر نراه
تراه ظنّ فيه جنى كريما ... فأبدى عدة تحمي حماه
فلا يتسلّحن لدفع كفّ ... كفاه لؤم مجناه كفاه
(٤) وممّا جاء في الأمكنة والأبنية
مكّة
قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً
«٣» وهي حرم إلى يوم القيامة. وأيّ ناحية من الكعبة يصيبها المطر فالخصب في تلك السنة في تلك الناحية. ومن علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، وإن الذئب لا يصيد بها الظباء. وإن الطير لا يعلو الكعبة إلا وهو عليل، وإذا طار فانتهى إلى الكعبة افترق فرقتين. وشأن الفيل معروف.
المدينة
تسمى طيبة فإنّ من دخلها وأقام وجد من تربتها وحيطانها رائحة ليس لها اسم في الأراييح، وأنواع الطيب تزداد بها طيبا وقال ﷺ : إن إبراهيم ﵇ حرّم مكة وأنا حرمت ما بين لابتي «٤» المدينة. ونهى أن يعضد شجرها، وقال: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، ولا يكون بها مجذوم قطّ. وقال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة وأشدّ
стр. 1403
وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة.
مصر
لم يذكر الله تعالى شيئا من البلدان باسمه سوى مصر، وذكرها في مواضع بالكناية فقال: وقال نسوة في المدينة وقال: فلن أبرح الأرض يعني مصر. وسئل بعضهم عن مصر فقال: عيش رخي وموت وحي.
الكوفة
قال ابن عباس: لو كانت البصرة أمة للكوفة فضلّت ما طلبت رغبة عنها.
وقال كوفي لبصري: أتمدّون أرجلكم مع أهل الكوفة، ولقد كانوا يقرؤون بقراءة أسلاف الحرمين. فجاء حمزة الزيات من الكوفة فقرأ بلغة لا تعرفها العرب فتتابع الناس على قراءته حتى سكان دور الخلفاء.
وكانت القضاة والفقهاء على أحكام سلفهم، حتى جاء أبو حنيفة فتتابع كل الناس على رأيه.
البصرة
قال الأحنف: نحن أعذب منكم برية وأكثر بحرية وأبعد سرية. وقال خالد بن صفوان: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجاجا، وقال: مياهها قصب وأنهارها عجب وسماؤها رطب وأرضها ذهب، وتبقى النخلة بالبصرة مائة وعشرين سنة وتبقى كأنها قدح وما تطول نخلة بالبصرة إلا أعوجت. وقيل: تمثّلت الدنيا على مثال طائر فمصر والبصرة جناحاها.
وصف جماعة من البلدان
قال الحجّاج لابن القرية: صف لي البصرة، قال: حرّها شديد وشرها عتيد. مأوى كل تاجر وطريق كل عابر. قال: فواسط، قال: جنة بين حمأة وكمأة «١» . قال: فالكوفة، قال: نقصت عن حر البحرين وسفلت عن برد الشأم فطاب ليلها وكثر خيرها. قال:
فالشأم، قال عروس بين نسوة جلوس أطوع الناس للمخلوق في معصية الخالق.
قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد وعدوّها جاهد، بأسهم شديد وحرّهم عتيد. قال:
فكرمان، قال: ماؤها وشل «٢» وتمرها دقل «٣» وعدوها بطل. إن قلّ الجيش بها ضاعوا وإن كثر جاعوا.
قال: فأصبهان قال في حاضرة من الأرض زائغة «٤» من الطريق الأعظم. قال:
стр. 1404
وأحسن الأرض مخلوقة الريّ، وأحسن الأرض مصنوعة جرجان»
، وأحسن الأرض قديمة وحديثة جندي سابور «٢» وهو شر البلاد.
ودخل محمد بن عبد الملك الزيات على المأمون فقال: صف لي أصبهان وأوجز.
قال: هواؤها طيب وماؤها عذب وحشيشها الزعفران، وجبالها العسل، إلا إنها لا تخلو من خلال أربع: جور السلطان، وغلاء الأسعار، وقلة مياه الأمطار فأطرق ساعة، وقال: لعلّ تجارها مرابون وقراءها منافقون.
وقال المأمون: صف لي فارسا قال فيه من كل بلد بلد.
وسئل أعرابي عن شهرزور «٣» فقال: إن رجالها لتوّق وعقاربها لبرق أي شائلة أذنابها.
وقال في بغداد: هي الشمطاء الحرقة والعجوز المتدللة والعمياء المتكحلة، والشملاء المختضبة. هواؤها دخان ونسيمها صدام تنقبض فيها أيدي المستغنين، وتصغر أنفس المفضلين. تجارها أسد مفترسون وصناعها لصوص مختلسون جارها حاسد ومزاجها فاسد.
مضارّ البلدان ومنافعها
خيبر يحمّ بها كل يوم مقيموها دون الطارئين عليها:
ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا يضرّ الأعاديا
وقيل حمى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وطاعون الشأم. ومن أقام بالأهواز حولا فتفقد عقله وجد فيه نقصا بينا. ومن أكثر الصوم بمصيصة «٤» خيف عليه الجنون.
وقصبة الأهواز تقلب من نزلها إلى طبائع أهلها، ومحمومها إذا نزعت عنه الحمى عادته من غير علة. وفي جبالها الأفاعي وفي بيوتها الحرارات.
وقيل من نزل الكوفة ولم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار بفضل أمير المؤمنين وماء الفرات ورطب المشان. ومن نزل البصرة ولم يقر لهم بثلاث فليست له بدار فضل عثمان والحسن ورطب السكر.
وقال حكيم بن جابر: قال الجوع أنا لا حق بأرض العرب قالت الصحة: وأنا معك.
عجائب البلدان
بشيراز تفاحة نصفها في غاية الحلاوة ونصفها في غاية الحموضة. وبقرب
стр. 1405
قرميسين «١» قرية يقال لها كركان «٢» من أخذ من طينها ليلة الميلاد، وطيّن به داره وبيته أمن الغوائل إلى قابل.
وفي بعض جزائر الصين حيّات تبتلع الإبل والبقر، وقردة كالحمير وبمصر حجر من يمسكه في يده يتقايأ ما دام في يده. والسف حجر يطفو على الماء والأبنوس والشير يرسبان فيه والمغناطيس حجر يجذب الحديد، وإذا مسح بالثوم لم يجذب.
وبالأندلس السفلى وبالهند نار تشتعل في حجارة ولو رام أن يحمل منها شعلة لم تتّقد وبمدينة ختن من حدود الصين، طواحين كثيرة يدور الحجر الأسفل والذي فوقه قائم لا يتحرك. وباذربيجان «٣» واد لا يقدر أحد أن ينظر إليه.
أرض العرب
قيل: إن نجدا من العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة والى اليمن وإلى جبلي طيء، ومن ظهر البصرة وهو المربد إلى وجرة. وذات عرق أول تهامة «٤» إلى البحر وإلى جدّة.
وإن المدينة لا تهاميّة ولا نجديّة، فإنها حجاز فوق الغور ودون نجد. وأنها جلس لارتفاعها عن الغور ونجد.
وقيل القرى العربية مكة والمدينة والطائف واليمامة، فأما البحرين فهو خلط فيه عرب وعجم.
حدّ السّودان
من لدن الموصل «٥» مارا إلى ساحل البحر ببلاد عيان من شرقي دجلة. هذا طوله وأما عرضه فحدّه منقطع الجبل، من أرض حاران إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب، وعليه وقع الخراج والمساحة.
الأبنية المحكمة
من ذلك الخورنق بناه سنمار لكسرى على فرات الكوفة، فلما صعده كسرى أعجب منه وخاف أن يبني لغيره مثله فقتله. وقيل: إثما قتله لقوله أعرف في أركانه موضع حجر إن نقضته تداعى هذا البناء كله. ومن ذلك مارد والأبلق الفرد، وفي المثل تمرد مارد وعز الأبلق.
وغمدان باليمن من أعجب ما بنى الملوك أربعة عشر غرفة بعضها فوق بعض، فهدم الحبشة بعضها وهدم عثمان بعضها، كما هدم آطام المدينة والمشقر وقصر سنداد بالكوفة وفيه يقول الأسود:
ماذا أؤمل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وآل إياد
следующие страницы →