← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

ارتجاس الريح في الشّجر قال التنوخي: كأنّ إرتجاس الريح في جنباته ... إذاعة شكوى أو مرار تعاتب وقال عبدان: أنّ رقارق الأرواح فيها ... نشيش ملهوجات في المقال «١» السرو «٢» كان بعضهم يبغض السرو ويقول: كأنه نساء لابسات حدادا. وكان يقول: كان السرو ذنب عرس. خرج عبد الله بن طاهر فقال له رجل: قد جئتك ببشارة، قد صدق الله قولك حيث تقول: أيا سروتي بستان زكي سلمتما ... ومن لكما أن تسلما بضمان أيا سروتي بستان زكي سلمتما ... وغال حبيبي غائل الحدثان فقد سقطت إحداهما. فقال له عبد الله: ألم يكن بالرقة حمّى تشغلك؟ وأمر له بخمسة آلاف درهم، وقال: أخشى أن لا أحقق ظنك. نور شجر الخلاف قال أبو حاتم الورّاق: كأن نور شجر الخلاف ... أكفّ سنّور بلا خلاف مردودة البرثن في الغلاف ضروب من الأشجار أشجار اللبان لا تورق بل تحمل أغصانها. الكندر أطول الشجر عمرا. شجر الزيتون فإنه يقال إنه يبقى ثلاثة آلاف سنة وكل زيتونة بفلسطين فمن غرس اليونانيين، وكانوا قبل الروم. والبقم ينبت من غير أن يغرس، والساج تتصاعد في الهواء ملساء مستوية لا تخرج أغصانا، وغاية طول الشجر مائة وعشرون ذراعا وأوراقها عراض في رأس الشجرة كل ورقة تقطع لرجل سراويل. وأشجار الكافور طوال ولها أغصان وعلى رأسها ورق مثل الترس وفي نفس الشجر

стр. 1402

عقد، فإذا أراد الرجل الكافور عمد إلى فهر فيعلوها به فيضربها، فإذا أحس بها أنها قد فجرت، عمد إلى حبل فقلع الشجرة وتناثر الكافور الرياحي منها، فيجتمع في كل شجرة نحو ثلاثين منها وأما ماء الكافور فإنه يعمد إلى الأشجار التي لم تعقر فيضرب بالقدوم مواضع العقد، ثم تؤخذ قلّة وتشد على وقع القدوم فيسيل ماء الكافور من تلك الضربة ويجتمع في تلك القلّة. وبالزنج القرنفل ومشتريه يأتي بالدنانير فيضعها على ساحل البحر وينصرف إلى منزله فإذا أصبح عاد إليه، فيجد هناك القرنفل وتكون الدنانير قد حملت. وبها الخيزران ويقال إنه خيزرانه يبلغ طولها تحت الأرض ست فراسخ. ولبعضهم في العوسج «١» : عذرنا النّخل في إبداء شوك ... يذود به الأنامل عن جناه «٢» فما للعوسج الملعون أبدى ... لنا شوكا بلا ثمر نراه تراه ظنّ فيه جنى كريما ... فأبدى عدة تحمي حماه فلا يتسلّحن لدفع كفّ ... كفاه لؤم مجناه كفاه (٤) وممّا جاء في الأمكنة والأبنية مكّة قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً «٣» وهي حرم إلى يوم القيامة. وأيّ ناحية من الكعبة يصيبها المطر فالخصب في تلك السنة في تلك الناحية. ومن علا الكعبة من العبيد فهو حرّ، وإن الذئب لا يصيد بها الظباء. وإن الطير لا يعلو الكعبة إلا وهو عليل، وإذا طار فانتهى إلى الكعبة افترق فرقتين. وشأن الفيل معروف. المدينة تسمى طيبة فإنّ من دخلها وأقام وجد من تربتها وحيطانها رائحة ليس لها اسم في الأراييح، وأنواع الطيب تزداد بها طيبا وقال ﷺ : إن إبراهيم ﵇ حرّم مكة وأنا حرمت ما بين لابتي «٤» المدينة. ونهى أن يعضد شجرها، وقال: لا يدخلها الطاعون ولا الدجال، ولا يكون بها مجذوم قطّ. وقال: اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكة وأشدّ

стр. 1403

وبارك لنا في صاعها ومدّها، وانقل حماها واجعلها بالجحفة. مصر لم يذكر الله تعالى شيئا من البلدان باسمه سوى مصر، وذكرها في مواضع بالكناية فقال: وقال نسوة في المدينة وقال: فلن أبرح الأرض يعني مصر. وسئل بعضهم عن مصر فقال: عيش رخي وموت وحي. الكوفة قال ابن عباس: لو كانت البصرة أمة للكوفة فضلّت ما طلبت رغبة عنها. وقال كوفي لبصري: أتمدّون أرجلكم مع أهل الكوفة، ولقد كانوا يقرؤون بقراءة أسلاف الحرمين. فجاء حمزة الزيات من الكوفة فقرأ بلغة لا تعرفها العرب فتتابع الناس على قراءته حتى سكان دور الخلفاء. وكانت القضاة والفقهاء على أحكام سلفهم، حتى جاء أبو حنيفة فتتابع كل الناس على رأيه. البصرة قال الأحنف: نحن أعذب منكم برية وأكثر بحرية وأبعد سرية. وقال خالد بن صفوان: نحن أكثر منكم ساجا وعاجا وديباجا وخراجا ونهرا عجاجا، وقال: مياهها قصب وأنهارها عجب وسماؤها رطب وأرضها ذهب، وتبقى النخلة بالبصرة مائة وعشرين سنة وتبقى كأنها قدح وما تطول نخلة بالبصرة إلا أعوجت. وقيل: تمثّلت الدنيا على مثال طائر فمصر والبصرة جناحاها. وصف جماعة من البلدان قال الحجّاج لابن القرية: صف لي البصرة، قال: حرّها شديد وشرها عتيد. مأوى كل تاجر وطريق كل عابر. قال: فواسط، قال: جنة بين حمأة وكمأة «١» . قال: فالكوفة، قال: نقصت عن حر البحرين وسفلت عن برد الشأم فطاب ليلها وكثر خيرها. قال: فالشأم، قال عروس بين نسوة جلوس أطوع الناس للمخلوق في معصية الخالق. قال: فخراسان، قال: ماؤها جامد وعدوّها جاهد، بأسهم شديد وحرّهم عتيد. قال: فكرمان، قال: ماؤها وشل «٢» وتمرها دقل «٣» وعدوها بطل. إن قلّ الجيش بها ضاعوا وإن كثر جاعوا. قال: فأصبهان قال في حاضرة من الأرض زائغة «٤» من الطريق الأعظم. قال:

стр. 1404

وأحسن الأرض مخلوقة الريّ، وأحسن الأرض مصنوعة جرجان» ، وأحسن الأرض قديمة وحديثة جندي سابور «٢» وهو شر البلاد. ودخل محمد بن عبد الملك الزيات على المأمون فقال: صف لي أصبهان وأوجز. قال: هواؤها طيب وماؤها عذب وحشيشها الزعفران، وجبالها العسل، إلا إنها لا تخلو من خلال أربع: جور السلطان، وغلاء الأسعار، وقلة مياه الأمطار فأطرق ساعة، وقال: لعلّ تجارها مرابون وقراءها منافقون. وقال المأمون: صف لي فارسا قال فيه من كل بلد بلد. وسئل أعرابي عن شهرزور «٣» فقال: إن رجالها لتوّق وعقاربها لبرق أي شائلة أذنابها. وقال في بغداد: هي الشمطاء الحرقة والعجوز المتدللة والعمياء المتكحلة، والشملاء المختضبة. هواؤها دخان ونسيمها صدام تنقبض فيها أيدي المستغنين، وتصغر أنفس المفضلين. تجارها أسد مفترسون وصناعها لصوص مختلسون جارها حاسد ومزاجها فاسد. مضارّ البلدان ومنافعها خيبر يحمّ بها كل يوم مقيموها دون الطارئين عليها: ولكنّ قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها داؤها ولا يضرّ الأعاديا وقيل حمى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وطاعون الشأم. ومن أقام بالأهواز حولا فتفقد عقله وجد فيه نقصا بينا. ومن أكثر الصوم بمصيصة «٤» خيف عليه الجنون. وقصبة الأهواز تقلب من نزلها إلى طبائع أهلها، ومحمومها إذا نزعت عنه الحمى عادته من غير علة. وفي جبالها الأفاعي وفي بيوتها الحرارات. وقيل من نزل الكوفة ولم يقرّ لهم بثلاث فليست له بدار بفضل أمير المؤمنين وماء الفرات ورطب المشان. ومن نزل البصرة ولم يقر لهم بثلاث فليست له بدار فضل عثمان والحسن ورطب السكر. وقال حكيم بن جابر: قال الجوع أنا لا حق بأرض العرب قالت الصحة: وأنا معك. عجائب البلدان بشيراز تفاحة نصفها في غاية الحلاوة ونصفها في غاية الحموضة. وبقرب

стр. 1405

قرميسين «١» قرية يقال لها كركان «٢» من أخذ من طينها ليلة الميلاد، وطيّن به داره وبيته أمن الغوائل إلى قابل. وفي بعض جزائر الصين حيّات تبتلع الإبل والبقر، وقردة كالحمير وبمصر حجر من يمسكه في يده يتقايأ ما دام في يده. والسف حجر يطفو على الماء والأبنوس والشير يرسبان فيه والمغناطيس حجر يجذب الحديد، وإذا مسح بالثوم لم يجذب. وبالأندلس السفلى وبالهند نار تشتعل في حجارة ولو رام أن يحمل منها شعلة لم تتّقد وبمدينة ختن من حدود الصين، طواحين كثيرة يدور الحجر الأسفل والذي فوقه قائم لا يتحرك. وباذربيجان «٣» واد لا يقدر أحد أن ينظر إليه. أرض العرب قيل: إن نجدا من العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة والى اليمن وإلى جبلي طيء، ومن ظهر البصرة وهو المربد إلى وجرة. وذات عرق أول تهامة «٤» إلى البحر وإلى جدّة. وإن المدينة لا تهاميّة ولا نجديّة، فإنها حجاز فوق الغور ودون نجد. وأنها جلس لارتفاعها عن الغور ونجد. وقيل القرى العربية مكة والمدينة والطائف واليمامة، فأما البحرين فهو خلط فيه عرب وعجم. حدّ السّودان من لدن الموصل «٥» مارا إلى ساحل البحر ببلاد عيان من شرقي دجلة. هذا طوله وأما عرضه فحدّه منقطع الجبل، من أرض حاران إلى منتهى طرف القادسيّة المتصل بالعذيب من أرض العرب، وعليه وقع الخراج والمساحة. الأبنية المحكمة من ذلك الخورنق بناه سنمار لكسرى على فرات الكوفة، فلما صعده كسرى أعجب منه وخاف أن يبني لغيره مثله فقتله. وقيل: إثما قتله لقوله أعرف في أركانه موضع حجر إن نقضته تداعى هذا البناء كله. ومن ذلك مارد والأبلق الفرد، وفي المثل تمرد مارد وعز الأبلق. وغمدان باليمن من أعجب ما بنى الملوك أربعة عشر غرفة بعضها فوق بعض، فهدم الحبشة بعضها وهدم عثمان بعضها، كما هدم آطام المدينة والمشقر وقصر سنداد بالكوفة وفيه يقول الأسود: ماذا أؤمل بعد آل محرّق ... تركوا منازلهم وآل إياد

стр. 1406

أهل الخورنق والسّدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد وبناء الإسكندرية وقد ذكره النابغة في قوله: وخيّس الجنّ إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفّاح والعمد وكان المنصور تقدّم بهدم إيوان كسرى، وحمل نقضه إلى مدينة السلام. فقال له خالد: لا تهدم بناء دلّ على فخامة قدر بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه، فتعجز عنه فيدلّ ذلك على عجز منك، فقال: هذا الميل منك إلى المجوس، وأمر بهدمه فعجز عنه، فقال: يا خالد صرنا إلى رأيك، فقال: الآن أشير أن لا تكفّ عنه. فإن الهدم أيسر من البناء. ويتحدث الناس أنك عجزت عن هدم بناء بناه عدوّك. وقال المأمون لما سمع هذا: قد حبّب إليّ هذا الخبر، أن لا أبني بناء يعجز عن هدمه. والهرمان قيل كل هرم سمكه أربعمائة في الهواء مبنية بحجارة المرمر والرخام، وغلظ كل حجر وطوله ما بين عشرة أذرع إلى ثمان أذرع، مهندم لا يستبين مسّاده إلا حادّ البصر، عليها منقور كل عجب من الطب والطلاسم ومكتوب عليه: إني بنيتها فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمها، والهدم أيسر من البناء. وأراد بعض الخلفاء هدمها فإذا خراج مصر لا يقوم به فتركها. وفي الخبر أن الإسكندرية بقيت مدة لا يدخلها، أحد إلا على بصره خرقة سوداء من بياض جصّها وبلاطها، وقيل بنيت في ثلاثمائة سنة، وكان فيها ستمائة ألف من اليهود خولا لأهلها. اختيار بلد دون بلد قيل: لا تقيموا ببلد ليس فيها نهر جار وسوق قائمة وقاض عدل. وقيل: لا تبنى المدن إلا على الماء والمرعى والخصب. مدح الدور الواسعة مر النبيّ ﷺ ببناء يبنى، فقال: أوسعوه. وقيل: خير المنازل ما سافر فيه البصر وأترع فيه البدن. وقال يحيى بن خالد لابنه جعفر: تريد أن تبني دارك فاعلم أنّ عمرانها عمران قليل وخرابها خراب قليل، فاستوسع فإن الهمّة مع السعة. وقال: دارك قميصك فإن شئت فوسّعها وإن شئت فضيّقها. وسئل بعضهم ما الغنى؟ فقال: سعة البيوت ودوام القوت. وقيل لآخر: ما السرور؟ فقال: دار قوراء «١» وامرأة حسناء، ويسار مع طول البقاء.

стр. 1407

ذمّ الدور الواسعة دخل بعض الناس على كبير يبني دارا واسعة، كبيرة الدرع واسعة الصحن رفيعة السمك عظيمة الأبواب، فقال: أعلم أنك ألزمت نفسك مؤنة وعيالا يقلّ حمل مثلهم ولا بدّ لك من الخدم والستور على حسب ما ابتنيته فقد حملت نفسك عناء معنيا. ذمّ الدور الضيقة وصف رجل دارا ضيّقة فقال: أضيق من أفحوص «١» القطاة، وأضيق من بياض الميم ومن خرق الإبرة ومن عقد تسعين ومن مبعج الضبّ. وقيل شؤم الدار أن تكون ضيقة فيكثر سخط مالكها ولا يرضى بما قسم له فيها. وشؤم الدابة أن لا تكون فارهة، وشؤم المرأة أن لا تكون موافقة. قال ابن المعتز: ولكنها في دار سوء كأنها ... بقية ناوس على ساحل البحر «٢» وقال ابن الحجّاج: في منزل غمر الو ... قت أهله بالرّخاء وقدّم الخاء حتّى ... يصح معنى الهجاء خال على كلّ حال ... من سائر الأشياء سوى كنوز بطون ... مكنوزة في الخلاء أخاف فيه وأخشى ... من لا يخاف هجائي ومن ضراطي وشعري ... في وجهه بالسّواء جزاهم الله عنّي ... تصحيف معنى الهجاء الحثّ على إحكام البناء لما بلغ عمر ﵁ أن سعدا وأصحابه بنوا بالمدر كتب إليهم: قد كنت أكره إليكم البنيان بالمدر. أما إذا فعلتم فعرضوا الحيطان وأطيلوا السمك وقاربوا بين الخشب. ولمّا بنى معاوية ﵁ داره باللبن دخلها الروم فقالوا: ما أجودها للعصافير فهدمها وبناها بالحجر. وقال يحيى البرمكي: ينبغي للإنسان أن يتنوق في دهليزه فهو وجه الدار ومنزل الضيف ومجلس الصديق إلى أن يؤذن له. الدّار الحسنة دخل المعتصم على خاقان في داره عائدا له، والفتح «٣» يومئذ غلام فقال له: يا فتح

стр. 1408

دارنا أحسن أم داركم؟ قال دارنا ما دام أمير المؤمنين فيها. وقال جعفر بن سليمان ليس في الدنيا أحسن من داري قيل: كيف؟ قال: لأن العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة وداري عين المربد. وقيل لأبي الدهمان أين دارك؟ فقال: إذا دخلت سكة بني العنبر، فالدار التي تدل على شرف أهلها هي داري. وقيل أجود الدور وأكثرها غلة ثلاثة دار البطيخ بسرّ من رأى «١» ، ودار الزبير بالبصرة، ودار القطن ببغداد. قال شاعر: منزل فيه كلّ ما صبت ... العين إليه من بهجة وضياء وقال رجاء بن الوليد: كان الربيع بالزخارف أرضه ... وحسن السّماء بالكواكب سقفه وصف بعضهم دهليزا فقال: ودهليز دار فيه للحسن بهجة ... وللنفس فيه للّذاذة أوطار إذا دخل لم يختبر ما وراءه ... توهمه من طيبه أنه الدار وقال عبدان: دهاليزنا ضاقت لخوف نزولهم ... كأنّا يهود ندخل الباب سجّدا القصور الرفيعة لما بنى عيسى بن جعفر بناءه بالبصرة، دخل إليه عبد الصمد فقال: بنيت أجلّ بناء بأطيب فناء، وأوسع فضاء على أحسن ماء بين صرار ورعاء وحيتان وظباء، فقال عيسى: كلامك أحسن من بنائنا البحتريّ في الجعفرية: مخضرة والغيث ليس بساكب ... مبيضّة والليل ليس بمقمر أربى على همم الملوك وغضّ من ... بنيان كسرى في الزّمان وقيصر «٢» عال على لحظ العيون كأنّما ... ينظرن منه إلى بياض المشتري «٣» ملأت جوانبه الفضاء وعلّقت ... شرفاته قطع السحاب الممطر وقال ابن عيينة فيا حسن ذاك القصر من متنزه ... بأفيح سهل غير وعر ولا ضنك «٤»

стр. 1409

بغرس كأبكار الجواري وتربة ... كأن ثراها ماء ورد على مسك كأنّ قصور القوم ينظرن حوله ... إلى ملك مترف على منبر الملك يدلّ عليها مستطيلا بحسنه ... ويضحك منها وهي مطرقة تبكي وقال الأشعري في قلعة افتتحها المسلمون بخراسان: محلّقة دون السماء كأنّها ... غمامة صيف زال عنها سحابها فما يلحق الأروى شماريخها الذرى ... ولا الطير إلا نسرها وعقابها «١» فما روعت بالذئب ولدان أهلها ... ولا نبحت إلا النجوم كلابها وقال أحد الخالديين: وخرقاء قد تاهت على من يرومها ... لمرقبها العالي وجانبها الصعب يزرّ عليها الجوّ جيب غمامة ... ويلبسها عقدا بأنجمه الشهب اختيار طرف البلد ووسطه قيل: الأطراف للأشراف وقيل لرجل: في أيّ موضع من القرآن الأشراف في الأطراف؟ قال: في قوله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى «٢» فهذا أشرفهم وكان أقصى المدينة وطرفها. وسأل الرشيد عبد الملك بن صالح عن منزله أهو لك؟ فقال: هو لك ولي بك. قال: كيف هواؤه وماؤه؟ قال أطيب هواء وأعذب ماء. قال: كيف ليله؟ قال: سحر كلّه. أبنية متفاوتة استدان بعض الحمقاء خمسمائة درهم فأنفقها على مخزنه، فبلغ ذلك بعض إخوانه، فقال: ليست شعري ما يريد أن يخرأ فيه؟ وسأل رجل آخر: كم بيت في منزله؟ فقال صفة وكنيفان. فقال: هذا تقطيع رجل مبطون. من بنى بناء نفعه لغيره لما بنى الحجاج مدينة واسط قال لابن جامع: كيف ترى؟ قال: بنيته في غير بلدك وورثته لغير ولدك. قال شاعر: ألم تر حوشيا أضحى ويبني ... بناء نفعه لبني نفيله يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يأتي كلّ ليله

стр. 1410

وقال: لدوا للموت وابنو للخراب ... فكلّكم يصير إلى التّراب «١» وبنى أزدشير «٢» بناء عظيما فدخله هو ووزيره، فقال: هل فيه عيب؟ قال: عيب عظيم لا يمكنك إصلاحه. لك منه خروج لا دخول بعده، أو دخول لا خروج بعده. فقال: لقد نغّصته عليّ. ودخل ابن السائب القاضي على المتّقي وقد بنى داره، فقال له: كيف ترى؟ فقال: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنّات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا. الرغبة عن البناء قيل ليزيد بن المهلب: مالك لا تبنى بالبصرة دارا؟ فقال: أنا لا أدخلها إلا أميرا أو أسيرا. فإن كنت أسيرا فالسجن داري، وإن كنت أميرا فدار الإمارة داري. ومرّ رجل من الخوارج على دار تبني، فقال: من هذا الذي يقيم كفيلا؟ وقيل: كل مال لا ينتقل بانتقالك فهو كفيل. ولما بنى مروان داره قيل لأبي هريرة: كيف ترى؟ فقال: بناء شديد وأمل بعيد وعيش زهيد. حرص الإنسان على البناء وذمّ الاشتغال به قيل خلق الله ابن آدم من تراب فهمته في حفر التراب، وخلقت المرأة من ضلع الرجل فهمتها في الرجل. وقيل: ليس في الأرض جواد ولا بخيل ابتاع دارا إلا هدم هذا وبنى هذا وإن قلّ. ونظر الحسن إلى قصور لبعض المهالبة فقال: يا عجبا رفعوا الطين وركبوا البراذين «٣» واتخذوا البساتين وتشبهوا بالدهاقين، فذرهم في غمرتهم حتى حين. ومر عبد الله بن جعفر بعبد الله بن صفوان فأدخله بساتين اتخذها وقال له: كيف ترى؟ قال: أراك خالفت ما قال لك إبراهيم ﵇: رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ «٤» ، وأنت قد اتخذتها بساتين. المعيّر بأن شرفه بناؤه هجا بعضهم بني عميرة وكان لهم دار شريفة في الدور الشارعة على المسجد فقال: بنو عمير مجدهم دارهم ... وكلّ قوم لهم مجد

стр. 1411

كأنّهم فقع بدوّية ... ليس لهم قبل ولا بعد وهجا بعضهم بني عدي فقال: ليس لهم مجد سوى مسجد ... به تعدوا فوق أطوارهم لو هدم المسجد لم يعرفوا ... يوما ولم يسمع بأخبارهم وقال عمر الخارق: قد رأينا حسن سابا ... طك والدار الجليله وعلمنا أنّ فيها ... كلّ ما يكفي قبيله غير أنّ الجنّ لا تحسن ... في خبرك حيله وقال: يا من تشرّف بالبنيان يرفعه ... ليس التشرّف رفع الطين بالطّين إذا أردت شريف النّاس كلّهم ... فانظر إلى ملك في زيّ مسكين وقال مسكويه: لا يعجبنّك حسن القصر تنزله ... فضيلة الشمس ليست من منازلها الجار قيل: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق. وكان ابن المقفع بجنب داره دار، وكان يستامها «١» وصاحبها يمتنع من بيعها. فاتفق أن ركب صاحب الدارين واحتاج إلى بيعها فعرضت عليه. فقال: ما قمت إذا بحرمة الجوار إن رغبت من ابتياعها بعد أن باعها معدوما. وحمل إليه ثمن الدار وقال: بقّ دارك عليك ورد هذا على دينك. وساوموا جارا لفيروز على داره بثمن فقال: هذا ثمن الدار فأين ثمن الجوار؟ قالوا: وهل يباع الجوار؟ قال: نعم لا أبيعه إلا بإضعافه دراهم فبلغ فيروز فأرسل إليه بثمن الدار. هدم دور السلاطين المتقدّمة قيل لابن الزبير: أهدم دور بني أمية. قال: لا أفعل إن ظفرت بهم فهي مبنية أفضل وإن عطفت عليهم بأرحامهم فهو أجمل. فلما قتل ابن الزبير لم تمس لهم لبنة ولما همّ أهل البصرة بهدم دار زياد وانتخاب أهلها، قال الحسن رضى الله عنه: قلّ بلدة خربت الدار التي بنيت عليها إلا خربت وإن البصرة بنيت على دار زياد، فانتهوا عن ذلك. بيع الدار وابتياعها قيل: لتكن الدار أول الشيء الذي يبتاع وآخر ما يباع. وقيل للأحنف: أي المال أبقى وأوفى؟ فقال: المساكن والأرضون.

стр. 1412

وقال ﷺ : من باع دارا أو عقارا فلم يرد ثمنهما في مثلها، كان كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف. وفي حديث آخر: فذلك مال جدير أن لا يبارك فيه. وباع رجل دارا فلما أراد أخذ الثمن وأشهد، قال البائع: أما أنك قد أخذتها غليظة المؤنة قليلة المعونة، فقال المشتري: أما أنك قد أخذتها سريعة الذهاب بطيئة الاجتماع. ذكر غلّة الدّار قيل: غلة الدار مسيل، وغلّة النخل كفاف، وغلّة الحب غنى. وقال الحكم بن سعيد قال لي ملك سرنديب: صف لي أهل البصرة، فقلت: قوم لهم نخل يأكلون فضول ثمارهم، وقوم لهم دور يكرونها، وقوم لهم أرقاء يستعملونهم، وقوم لهم أموال يغدون إلى الأسواق فيأكلون فضولها فقال: من كان معاشه من كراء منزله فلئيم، ومن استعمل الأرقاء فكلب ولكن أصحاب النخل بها. نوادر في كرائها دخل رجل ليكتري حجرة فقال: أين المطبخ؟ قيل: في الجيران من يطبخ لك. قال: فأين المخبز؟ قيل: هم يخبزون لك. قال: فأين المرتقى إلى السطح؟ قيل: على باب الدار ساحة يطيب النوم بها. قال: إن كانت حوائج الدار كلها خارجها فنحن خارجون ونربح الأجرة. الرحاء قال بعض الشعراء فيها: وضيفين جاءا من بعيد فقريا ... على فرش حتّى اطمأنّ كلاهما قريناهما ثم انتزعنا قراهما ... لضيفين جاآ من بعيد سواهما وقال: أغدو علي كالناب في هجارها ... الشارف النافر من حوارها بصاحب قد ضجّ من إمرارها ... كان فوق النّار من غبارها شيب عجوز شفّ من خمارها الحمام قال النبي ﷺ : بئس الحمّام يهتك العورة ويذهب الحياء وقال الرفّاء: يتمشّى إلى النعيم الذي في ... هـ صلاح الأجساد والأرواح بيت ريف ترود عينك في ... هـ بسواد الطلى وبيض الفقاح وقيل للفضل الرقاشي: صف الحمّام، فقال: نعم البيت الحمّام يذهب

стр. 1413

القشافة «١» ويعقب النظافة، ويهضم الطعام ويجلب المنام، وينفي الغضب ويقضي الإرب. قيل: قد مدحته، فذمّه قال: بئس البيت الحمام يهتك الأستار ويؤلف الأقذار ويحرق كالنار، وقال شاعر: وبيت خزي ترى فيه العراة كما ... يوم القيامة موقوفون للنّار أيدي عفاة وقد مدّت إلى ملك ... يعطي الجزيل بقلب غير خوّار «٢» ورد أعرابي الحضر فمر بحمّام فقيل له: أدخل وتطهر فدخل فشجّ رأسه، فقال: وقالوا تطهّر إنه يوم جمعة ... فرحت من الحمّام غير مطهّر وزوّدت منه شجّة فوق حاجبي ... بفلسين إني بئسما كان متجري وما تحسن الأعراب في السّوق مشية ... فكيف ببيت من رخام ومرمر وقال السريّ: ذو قبّة كسماء والبدور لها ... جاماتها في أعالي الجوّ تنسرج حرّ وبرد وماء والهواء به ... معدل منهما ما شانه عوج وقال: كأنّ ما قبب من سقفه ... قحف من البلّور مكبوب وقال ابن المعتز: وحمّامنا كالعجوز ... ويشقى بها الوارد فبيت له منتن ... وبيت له بارد النورة قال السري الرفاء: ومجرّد كالسيف أسلم نفسه ... لمجرّد يكسوه ما لا ينسج ثوب تمزّقه الأنامل رقّة ... ويصيبه الماء القراح فينهج وكأنّه لما انتهى في خضرة ... ثوبان ذا عاج وذا فيروزج وقال: وقمص حجارة نسجت بماء ... ويلبسها الغنيّ مع الفقير الأطلال البالية قال بكر بن النطاح: لعب البلاء بطولها ورسومها ... لعب الصبابة في فؤاد العاشق

стр. 1414

وقال معلى الطائي: لبسن البلى حتّى كأن رسومها ... طعمن الهوى أو ذقن هجر الحبائب وقال: هو ملقى على الطّريق اللّيالي وذكر أعرابي قوما فقال: كانوا بدور جموع وجمال ربوع، فصارت منازلهم معتصر الدموع، جرت بها: الريح أذيالها وحطت بها الغيوث أثقالها وسلبتها الأيام جمالها. البالية بالمطر قال ماتي: المزن يمحو بكفّ ماله قلم «١» وقال: رهينة أرواح وصوب رعود وقال بشّار: وأبدي البلى فيها سطورا مبيّنة ... عباراتها أنّ كلّ بيت سيدثر «٢» وقال ابن المعتز: وحيطان كشطرنج صفوف ... فما تنفكّ تضرب شاه ماتا وقال: أرى سرّمرا مذ سنين كثيرة ... تزيد خرابا كلّ يوم وتذبل «٣» كأنّ بها داء دخيلا فجسمها ... على ما بها من سقمها يتسلّل دار شوهد منها النعيم قال: لعهدي به والسّعد في جنباته ... وثغر نعيم الخفض يبدي تبسّما استقباح المنزل لارتحال الحبيب عنه قال سليمان المحاربي: إذا لم تكن ليلى بنجد تغيّرت ... محاسن دنيا أهل نجد وطيبها وقال: فما أحسن الدنيا وفي الدا ... ر خالد وأقبحها لمّا تجهّز غازيا وقال علي بن محمد: إنّما الدار بالحلول فإن هم ... فارقوها فحيث حلّوا الديارا

стр. 1415

دار خلت عن كثب أنشد أحمد بن أبي طاهر: أما الطلول فمخبرا ... ت أنّهم ظعنوا قريبا لم يعفها مطر ولم ... تسف الرياح بها كثيبا وطء النّعال وأثر مف ... ترش ومغتسلا رطيبا الأطلال اللائحة مرّ الفرزدق بمؤدب ينشده صبي قول لبيد: وجلا السيول عن الطلول كأنّها ... زبر تجد متونها أقلامها «١» فنزل وسجد فقيل: ما هذا؟ فقال: أنتم تعرفون سجود القرآن، وأنا أعرف سجود الأشعار. وهذا البيت موضع سجدة. وقال طرفة: يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد قال أبو نواس: لمن طلل تزداد حسن رسوم ... على طول ما أقوت وطيب نسيم تجافى البلى عنهنّ حتّى كأنما ... لبسن على الإقواء ثوب نعيم وقال البحتري: دمن موائل كالنّجوم وإن عفت ... فبأيّ نجم للصّبابة تهتدي وقال مخلد الموصلي لم تجر فيها الصّبا إلا مسلمة ... ولم يشن وجهها الأرواح والدّيم عرفان المركوب المحال المعهودة قال المتنبّي: مررت على دار الحبيب فحمحمت ... جوادي وهل تشكو الجياد المعاهد «٢» وما تنكر الدهماء من رسم منزل ... سقتها ضريب الشول فيه الولائد «٣» وقال السلامي: أنا المشوق فما للخيل والإبل ... تحنّ قبلي إذا مرّت على طلل

стр. 1416

استبدال الدار بأهلها الوحوش قال بعضهم: عهدت بها وحشا عليها براقع ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع وقال الوائلي: فكم آنس بدّلت منه بنافر ... وحالي الشوى بدّلت منه بعاطل» وقال أبو سعيد الرستمي: ظباء سرت بالأبطحين عواطلا ... وكنت أراها في الرعاث وفي الحجل «٢» الدار المتغيرة بالرياح قال ذو الرمّة: رسوم كساها لون أرض غريبة ... سوى أرضها منها الهباء المغربل وقال النابغة: كأنّ مجرّ الراسيات ذيولها ... عليه قضيم نمّقته الرواسم «٣» وقال: وأربت بها الأرواح حتّى كأنّما ... تهادين أعلى رتبة بالمناخل وقال الحماسي: تعفوه بالغدوّ والأصائل ... كلّ هدوج ذات ذيل ذائل كأنّما ينخل بالمناخل وقال التنوخيّ: كأن إرتجاس الريح في جنباتها ... إذاعة شكوى أو سرار تعاتب استطابة أرض المحبوب قل بعض الأعراب: أرى كلّ أرض دمنتها وإن مضت ... لها حجج تزداد طيبا ترابها وقال النميري: تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة خفرات «٤»

стр. 1417

وقال: استودعت نشرها الريّاح فما ... تزداد إلا طيبا على القدم دار تفانى سكانها قال ذو الرمّة: منازل ألّاف أتى الدهر دونهم ... وما الدّهر والألاف إلا كذلك وقال أعرابي: تشكو إليّ الدار فرقة أهلها ... وعندي ما بالدار من فرقة الأهل أخذه محمد بن حبيب فقال: طللان طال عليهما الأمد ... درسا فلا علم ولا قصد لبسا البلى فكأنّما وجدا ... بعد الأحبّة مثل ما أجد محاورة الديار ومجاوبتها قال ذو الرمّة: وقفت على ربع لميّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه وأسقيه حتّى كاد ممّا أبثّه ... تخاطبني أحجاره وملاعبه البكاء في الديار الدارسة قال بشّار: وقفت بها صحبي فظلّت عراصها ... بدمعي وأنفاسي تراح وتمطر وقال العتابي: منازل لم تنظر بها العين نظرة ... فتقلع إلا عن دموع سواكب وقال الصمة: أخادع عن أطلالها العين إنه ... متى تعرف الأطلال عنك تذيع المنع من البكاء عليها ومساءلتها قال البحتري: لا تقفي على الدّيار فإنّي ... لست من أربع ورسم محيل «١» في بكائي على الأحبّة شغل ... لأخي اللهو عن بكاء الطلول وقال أبو نواس: يا كثير النّوح في الدّمن ... لا عليها بل على السكن

стр. 1418

سنّة العشّاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن وقال ابن المعتز: إنّ دمعي لضائع في رسوم ... وسؤالي عن المحال محال وقال: أحسن من وقفة على طلل ... ومن بكاء في أثر محتمل كأس صبوح أعطتك فضلتها ... كفّ حبيب والنقل من قبل «١» معاتبة من لم يقف عليها قال إسحاق بن إبراهيم: يا ذا الذي جاز الديار ولم يقف ... قف لا وقفت أما ترى أطلالها لو كنت ذا وجد بساكنها لما ... جاوزتها حتى أطلت سؤالها «٢» الاستسقاء للدار قال أبو تمّام: لا زلت ناضرة العراص ولم تزل ... فيك الرياح ضعيفة الأنفاس «٣» وقال ابن الرومي: لا يحرم الله الطلول الدرسا ... أقاحيا وسوسنا ونرجسا يكاد ريّاه إذا تنفّسا ... ينشئ في تلك الموات أنفسا «٤» وقال الوابلي: سقيت رجوع الظاعنين فإنه ... غنى لك عن سقيا الغيوث الهواطل الدعاء على الدار قال زياد بن جملة: إذا سقى الله أرضا صوب غادية ... فلا سقاهنّ إلا النار تضطرم «٥» تنكر الدار وعرفانها قال امرؤ القيس: لمن طلل درست داره ... وغيّره سالف الأخرس

стр. 1419

تنكره العين من حادث ... ويعرفه شغف الأنفس وفيه: تعرفه العين ثم تنكره وفيه: فتعرفه عيني وينكره فمي وقال البحتري: وما أعرف الأطلال من بطن توضح ... لطول تعفّيها ولكن إخالها الأثافي والرّماد قال بشر: كأنّ خوالدا في الدّار سفعا ... بعرصتهم حمامات وقوع وقال جرير: مطايا القدر كالحدا الجثوم وقيل: ما بقي إلا ثلاث سفع كحمام وقع، كانت مطايا القدور فانهلن في عرصة الدور، وقال شاعر: أشاعت كالخيلان في خدّ كاعب ... وسفع كنقط الثاء من كفّ كاتب «١» وقال الكميت: إلا ثلاثا في المقا ... مة ما يحولهنّ ناقل سفع الحدود كأنّما ... نثرت عليهن المكاحل وقال ابن المعتز: عفا غير سفع مائلات كأنّها ... خدود عذارى مسّهنّ شحوب «٢» وقال آخر: رماد كما طار على بوّ ظائر وقال الراعي: أنخن وهنّ أغفال عليها ... وقد ترك الصلاء بهنّ نارا النؤي قال أبو تمام: ونؤي مثل ما نقصم السّوارا «٣» وقال: والنؤي أهمد شطره فكأنّه ... تحت الحوادث حاجب مقرون

стр. 1420

وقال: ونؤي كمقلى القوس حالت شحوبه وقال التنوخي: وعطفنا نؤي كنون عرقت الوتد قال ابن مقبل: وقلدت أرسان الجياد معبدا ... إذا ما ضربنا رأسه لا يرنح فبات يقاسي بعد ما شجّ رأسه ... فحولا جمعناها تشبّ وتضرح (٥) وممّا جاء في المفازة قال بعضهم: وبيداء سمحال كأنّ نعامها ... بأرجائها القصوى أباعر همل ترى الثعلب الحوليّ فيها كأنّما ... إذا ما حللناها نر حصان مجلل وقال بعضهم: كأنّما المكاء في بيدها ... سرادق قد أوقدته الأصل «١» وقال: تخال بها راعي الحمولة طائرا الطريق الواضح لا حب كقرني الثعبان وكفرق الرأس وكحصير الراملات، قال شاعر: كأنه نشطب بالسرو مرمول وكالسحل اليماني وكظهر برجد. وقال الراجز: عود على عود لأقوام أول ... يموت بالتّرك ويحيا بالعمل وقال آخر: ملس الحصى بدرس ما لم يبسس

стр. 1421

المفازة المهلكة للمطيّ وقال عمرو بن معدي كرب: به جيف اللواغب باليات ... كأن عظامها الرخم الوقوع «١» وقال كثيّر: بدوية يكون بها كثيرا ... نتاج المعجلات من السّخال وقال الموسوي: تلقى الأحبّة قتلي في مسالكها ... دياتها في رقاب الفرز والأكم المفازة التي تضبح منها المطايا قال امرؤ القيس: على لاحب لا يهتدي لمناره ... إذا ساقه العود النباطي جرجرا «٢» المفازة المجهولة وصف بعضهم مفازة فقال: هي غبراء الجوانب مجهولة المذاهب، تقطع المطا ويحار فيها القطا. قال علقمة: ودويّة لا يهتدي لفلاتها ... بعرفان أعلام ولا ضوء كوكب وقال: وفي ذكرها عند الأنيس خمول وسأل رجل أعرابيا عن مفازة فقال: صادفتها عانسة عذراء، فافترعتها بعيرانة «٣» أدماء. وقال الوزير الرئيس أبو العبّاس أحمد بن إبراهيم: وبهماء مثل الوهم عذراء أعرضت ... فقالت لنا نكحا وقلنا لها خطبا المفازة الواسعة قال دعبل: وفضاء يرجع الطّرف به ... قبل أن يرجع مأواه البصر وقال ديك الجن: يا ربّ خرق كأن الله قال له ... إذا طوتك رقاب القوم فانتشر

стр. 1422

وقال ذو الرمّة: دوّ ككف المشتري غير أنه ... بساط لأخفاف المراسل واسع وقال: مجهولة تغتال خطو الخاطي وقال المتنبّي: مهالك لم صحب بها الذئب نفسه ... فلا حملت فيها الغراب قوادمه «١» وقال: مشوّهة المعالم واليفاع وقال المأموني: وكأن العرار راحة داع ... أو مطا ساجد عليه ملاء المفازة الموصولة بالأخرى وقال جابر بن حيي: إذا زال رعن عن يديها ونحرها ... بدا رأس رعن وارد متقدّم «٢» وقال آخر: إذا قطعنا علما بدا علم «٣» المفازة التي يلمع فيها الآل وقال عدي بن الرقاع: وإذا بدا علم لهنّ كأنّه ... في الآل حين يرى ذؤابة عالم ووصف أبو النجم جبلا في الآل فقال: سائح ماءهم بالرسوب وقال المرقش في وصفه: رؤوس رجال في خليج تغامس وقال آخر: كأن أعلامها في آلها القزع «٤» وقال آخر: وقوض الآل ساحرة السّراب

стр. 1423

المفازة التي تنخرق فيها الرّياح خرق تنخرق فيه الرياح فتحسر طورا وتلعب طورا، وقال مسلم: تمشي الرياح بها مرضى مولهة ... حيرى تلوذ بأطراف الجلاميد وقال الموسوي: توهمت عصف الريح بين خروجه ... يسير إلى سمعي بسرّ يصمم المفازة التي يعرف فيها الجان قال الأعشى: وبلدة مثل ظهر الترس موحشة ... للجنّ باللّيل في حافاتها زجل «١» وقال آخر: شياطينها في أوجه القوم كلّح «٢» وقال حميد بن ثور: وخرق تحدّث غيطانها ... حديث العذارى بأسرارها المفازة التي تصيح فيها الأصداء وقال رؤبة: وبلدة عامية أعماؤه ... قد صخبت في ليلة أصداؤه داع دعا لم أدر ما دعاؤه وقال المرقّش الأكبر: وتسمع تزقاء من البوم حولنا ... كما ضربت بعد الهدوّ النواقس «٣» وقال ذو الرمّة: يظلّ بها الحرباء للشمس ماثلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر إذا حول الظل العشيّ رأيته ... حنيفا وفي قرن الضّحى ينتصر «٤» وقال: كأن يدي حربائها متشمّسا ... يدا مذنب يستغفر الله تائب وقال المرار: كأن حرباءها يصلى بتنّور

стр. 1424

وقال ابن المعتز: كأن حرباءها والشمس تصهره ... صال دنا من لهيب النار مقرور «١» (٦) وممّا جاء في التغرب حمد التغرّب والسفر قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ «٢» وقال النبي ﷺ سافروا تغنموا، فإنكم إن لم تغنموا مالا أفدتم عقلا. وقال سافروا تصحوا. وقيل: السعي جناح الجدّ والزماع «٣» أخو النجح. وقيل: من التوفيق رفض التواني، ومن الخذلان مسامرة الأماني. وقيل: من لزم القرار سيم الصغار. وقيل: شمّر ذيلا وأدرّع ليلا اتخذ الليل جمل. وكان بشر بن الحارث يقول لأصحابه: سيحوا فإن الماء إذا ساح طاب وإذا وقف تغيّر. الحثّ على الانتقال من مكان نبا بصاحبه والتمدّح بذلك قيل: أوحش وطنك إذا كان في إيحاشه أنسك، واهجر منزلك إذا نبت «٤» عنه نفسك. وقف بهلول على قوم من أهل الأدب فقال لهم: كيف ترون قول الشاعر؟: وإذ نبا بك منزل فتحوّل قالوا: جيّد، فضرط لهم وقال: إذا كان في حبس كيف يتحول؟ قالوا: فما عندك قال: إذا كنت في دار يهينك أهلها ... ولم تك ممنوعا بها فتحوّل وقال أبو دلف: وإذا الديار تنكّرت عن حالها ... فدع المقام وأسرع التحويلا ليس المقام عليك فرضا واجبا ... في موطن يذر العزيز ذليلا «٥»

стр. 1425

وقال المتلمّس: ولن يقيم على خسف يسام به ... إلا الأذلّان عير الحيّ والوتد «١» هذا على الخسف مربوط برمّته ... وذا يشجّ فلا يرثي له أحد «٢» وقال قيس بن الحطيم: وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء وقال حرب بن خباب: إذا ما اجتوتني بلدة لم أكن بها ... نسيبا ولم تسدد عليّ المطامع» وقال البحتري: ومن عادتي والعجز من غير عادتي ... متى لا أرح عن منزل الذلّ أدلج «٤» وقال أبو فراس: إذا لم أجد من بلدة ما أريده ... فعندي لأخرى عزمة وركاب مخالفة العذّال في الترحّل والنهي عن مخافة نزول الأجل لما أراد عبد الملك الخروج إلى مصعب تعلّقت به عاتكة وهي تبكي وتقول قاتل الله القائل: إذا ما أراد الغزو لم يثن همّه ... حصان عليها نظم درّ يزينها «٥» وقال ابن جبلة: وخافت على التطواف فوتي وإنّما ... تصاد غرار الوحش وهي رتوع وقال بشّار: يخاف المنايا إن ترحلت صاحبي ... كأنّ المنايا في المقام مناسبه كراهة إطالة الإقامة بمكان قال أبو تمام: وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد «٦» فإنّي رأيت الشمس زيدت محبّة ... على النّاس إذ ليست عليهم بسرمد «٧»

стр. 1426

وقال آخر: السيف إن قرّ في الغمود صدا وقيل: الإغراب يعيد الجدّه ويفيد الحدّه، إذا أخلقك الوطن جددك الظعن لا يألف الوطن إلا ضيق العطن. وقال يزيد بن المهلّب: وإنّ لزوم قعر البيت موت ... وإن السير في الأرض النشور النهي عن الإقامة بمكان مخصب فيه هوان قال سعد بن ثابت: ولسنا بمتلين دار هضيمة ... مخافة موت إن بنا نبت الدار «١» وقال المتنبّي: وما منزل اللذّات عندي بمنزل ... إذا لم أجلل عنده وأكرم تأسّف من يلحقه إذلال فيعسر عليه الانتقال قال شاعر: أمالي في بلاد الله باب ... يؤدّيني إلى سبل النّجاح بلى في الأرض متّسع عريض ... ولكنّي منعت من البراح وما يغني العقاب عيان صيد ... إذا كان العقاب بلا جناح وقرئ على حائط بأسد أباد: غيرت بين عزيمتين كلاهما ... أمضى عليّ من شباة سنان همم تشوّقني إلى طلب العلى ... وهوى يشوّقني إلى الأوطان وقيل: إذا أعيا المقام في الوطن، أغنى الجلاء عن العطن «٢» إيثار اليسر في الغربة على العسر في الوطن قيل: اليسر في الغربة وطن، والعسر في الوطن غربة. وقيل: إذا أيسرت فكل رحل رحلك، وإذا أعسرت اجتنبك أهلك. وقال عبد الملك للحارث: أي البلاد أحب إليك؟ فقال: ما حسنت فيه حالي وعرض فيه جاهي، لا كوفة أبي ولا بصرة أمي، خشونة الغربة مع الجدّة أوطأ من لين الموطن مع الفقر.

стр. 1427

وقال بزرجمهر: السعيد يتبع الرزق، والشقي يتبع مسقط الرأس، أخذه من قال: ذو اللبّ تنزع للرفاعة نفسه ... وترى الشقيّ نزوعه للموطن «١» وقال المتنبّي: وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق قال أبو نواس: دخلت دار السلطان بمدينة السلام، فرأيت أبا دلف الكرخي متعلقا ببعض ستائر الخاصة، وهو يقول: طلب المعاش مفرّق ... بين الأحبّة والوطن ومصير جلد الرجا ... ل إلى الضّراعة والوهن حتّى يقاد كما يقا ... د النضو في ثني الرسن ثم المنية بعده ... فكأنّه ما لم يكن فقلت: أيها الأمير لو صرت إلى حجرتي، لأنشدتك بيتين يسليانك فجاء معي فأكل وشرب وقال: هات ما عندك فأنشدته: إذا كنت في أرض عزيزا وإن نأت ... فلا تكثرنّ منها نزاعا إلى الوطن فما هي إلا بلدة بعد بلدة ... وخيرها ما كان عونا على الزمن فسرّي عنه وحباني مالا جمّا. إيثار العسر في الوطن على اليسر في الغربة قيل: عسرك في وطنك أطيب من يسرك في غربتك. وقيل: إذا وجدت بعض القوت فالزم قعر البيوت. وقيل: إحفظ بلدا ربّاك. وقيل: بلد أغذيت فيه السلامة فلا تزايله «٢» وقال: وإن اغترابي كي أنال معيشة ... وفضل غنى للوارثين خسار ذمّ الخروج عن الوطن قيل الغربة ذلّة وكربة. وقد قال النبي ﷺ : من رضي بالذل فليس منّا. وقيل السفر سقر، ولكن غلط باسمه. وقيل السفر شعبة من جهنم، ولذلك قيل: لولا فرحة الأوبة لعذبت بالسفر. وقال التنوخي: مسير دعاه الناس سيرا توسّعا ... ومعنى اسمه إن حقّقوه إسار

стр. 1428

وقيل: عذابان لا يعرف قدرهما إلا من بلي بهما: السفر الشاسع والعذاب الواسع، وقال: وإن اغتراب المرء من غير خلّة ... ولا همّة يسمو بها لعجيب وقال مروان: إذا ما حمام المرء حمّ ببلدة ... دعته إليها حاجة وتطرّب «١» وقال البحتري: وإن اغتراب المرء في غير بغية ... يطالبها من حيف دهر يطالبه «٢» وقال الحسن ﵁ في دعائه: اللهمّ إنا نعوذ بك أن نملّ معافاتك. فقيل له في ذلك، فقال: أن يكون الرجل في خفض فتدعوه نفسه إلى سفره، وقيل- ما دار من يشتاق إلى السفر بدار سلامة. ذمّ الإقامة في غير الأهل قيل: إذا كنت في غير قومك فلا تنس نصيبك من الذلّ، وقال: نصيبك من ذلّ إذا كنت جاليا وقال: إذا كنت في قوم ولم تك منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيّب الغريب كالفرس الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر وذابل لا ينضر وقال الأعشى: ومن يغترب عن قومه لا يجد له ... على من له رهط حواليه مغضبا وتدفن منه الصالحات وإن يسئ ... يكن ما أساء النار في رأس كوكبا وقال: ولم أر عزّا لامرئ كعشيرة ... ولم أر ذلا مثل ناء عن الأهل وقال أبو عيينة: وقائلة ماذا نأى بك عنهم ... فقلت لها لا علم لي فسلي القدر فيا سفرا أودى بلهوي ولذّتي ... ونغّصني عيشى عدمتك من سفر وروي أنه رئي القاسم بن عبيد الله فقيل له: ما خبرك؟ فقال: وارحمتا للغريب في البلد ... النازح ماذا بنفسه صنعا «٣» فارق أحبابه فما انتفعوا ... بالعيش من بعده وما انتفعا

стр. 1429

الحثّ على إجمال المعاشرة في السّفر قيل: لا تحمدنّ امرأ حتّى تجربه في معاملة أو سفر. وقيل: السفر ميزان القوم. وقيل: سمّي السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق المحمودة والمذمومة. وقال العطوي: أكرم رفيقك حتّى ينقضي السفر ... إنّ الذي أنت موليه سينتشر ولا تكن كلئام أظهروا ضجرا ... إن اللئام إذا ما سافروا ضجروا وقال أبو دلف: وممّا يسكن قلب الغريب ... رفيق تطيب به الصّحبة وأراد الحسن الحجّ فقال له ثابت: نصطحب، فقال: دعنا نتعايش بستر الله إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت «١» عليه. الكثير التقلّب في البلدان مدح بعضهم رجلا فقال: يدّرع الليل ويستحقر السير، فيظل بموماة «٢» ويمسي بغيرها: أسير في الآفاق من مثل وقال البحتري: تقاذف بي بلاد عن بلاد ... كأنّي بينها خبر شرود وقال آخر: وذاك تروك للفراش الممهّد وقال أبو تمّام: خليفة الحضر من يربع على وطن ... في بلدة فظهور العيس أوطاني وقال آخر: وأيّ بلاد لم تطأها ركائبي المتشمّر في السّفر قال زياد بن جميل: مخدّمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرّحال إذا صاحبتهم خدم وقيل: فلان عبد أصحابه في السفر وسيّدهم في الحضر، وقال شاعر: وعبد للصّحابة غير عبد وقال هشام لرجل أراد سفرا: أخدم أصحابك وإيّاك أن تكون كلبهم، فإن لكل رفقة

стр. 1430

كلبا ينبح دونهم، فإن كان خيرا أشركوه وإن كان شرا تقلّده دونهم. مشاركة الرفيق في المركوب والزّاد قال ابن مسعود: كنّا يوم بدر ثلاثة على بعير، وكان أمير المؤمنين وأبو لبابة زميلي رسول الله ﷺ وإذا دارت عقبتهما. قالا: يا رسول الله إركب ونمشي عنك، فيقول: ما أنتما بأقوى منّي وما أغنى بالأجر منكما. وقال حاتم: إذا كنت ربّا للقلوص فلا تدع ... رفيقك يمشي خلفه غير راكب أنخها وأردفه فإن حملتكما ... فذاك وإن كان العقاب فعاقب وقال آخر: إذا ما خليلي ظلّ ينسل خلفها ... وفي ناقتي فضل فلا حملت رجلي ولم يك من زادي له مثل مزودي ... فلا كنت ذا زاد ولا كنت ذا رحل حمد الإيغال «١» في السّير والتبجّح به قيل لرجل: كيف كان سيرك؟ قال: كنت آكل الوجه، وأغرس إذا أسحرت، وأرتحل إذا أسفرت، فأسير الموضع وأجتنب الملمع. فجئتكم بمشي سبع. وسار ذكوان من مكة في يوم وليلة، فقدم على أبي هريرة وهو خليفة مروان على المدينة فصلّى العتمة فقال له أبو هريرة: حاج غير مقبول منه. فقال: لمه؟ فقال: لأنك نفرت قبل الزوال فأخرج كتاب مروان مؤرّخا بعد الزوال. وحذيفة بن بدر أغار على هجاء بن المنذر بن ماء السماء فسار في ليلة مسير ثمان، وفيه يقول قيس بن الحطيم: هممنا بالإقامة ثمّ سرنا ... مسير حذيفة الخير بن بدر ذمّ الإيغال في السّير في الحديث: إن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى. وفي الحديث: خير الأمور أوساطها. وشرّ السير الحفحفة. قال المرار: نقطع بالنّزول الأرض عنّا ... وبعد الأرض يقطعه النزول الشاحب اللون لسفره يقال: فلان رجيع سفر، ووقيد سهر، وقال المرار: وغبره تهجير ركب يلفّهم ... سموم أتت دون العجائب تلفح «٢»

стр. 1431

وقال: نضو هوى بال على نضو سفر «١» وقال آخر: أترك أنقاضا على أنقاض وقال البحتري: ردّ الهجير لحاهم بعد شعلتها ... سودا فعادوا شبابا بعد ما اكتهلوا من غلبه النعاس لإدامة السّرى قال شاعر: فلان يجود من صباباته الكرى ... سقاه السّرى خمرا فصار به سكر «٢» وقال كعب بن زهير «٣» : وأشعث رخو المنكبين بعثته ... وللنّوم منه في العظام دبيب وقال إسحاق: ومعرّس نبّهته ... فكأنّما نبّهت فهدا «٤» قطع المفاوز باللّيل وقال عليّ بن جبلة: وليل بعيد صبحه من مسائه ... منوع السّرى لا يمتطيه هيوب بنيت على أولاه أخراه فالتقى ... على العيس منه مطلع ومغيب وقال أعرابي: جبت أودية الظلام وهجرت لذيذ المنام، إلى أن وصلت إلى المرام، وقال شاعر: ونضوت سربال المفاوز بالسّرى ... وجعلت أردية السّرى سربالي «٥» وقال المتنبّي: وأسري في ظلام الليل وحدي ... كأنّي منه في قمر منير

стр. 1432

قطع المفاوز بالهاجرة قال أعرابي: خرجت في هاجرة كادت النفوس لها تلتهب، والحرابي من شمسها تصطلب. وقال النابغة: إذا الشمس مجّت ريقها بالكلاكل «١» وقال علقمة: وقد علوت قتود الرحل يسعفني ... يوم تجيء به الجوزاء مسموم حام كأنّ أوار الشمس شامله ... دون الثياب ورأس المرء معموم «٢» من ألفته السّباع والمفاوز وقال تأبّط شرّا: أبيت بمغنى الوحش حتّى ألفته ... وتصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا وقال أبو تمّام: أبنّ مع السّباع الماء حتّى ... لخالته السّباع من السّباع «٣» وقال المتنبّي: صبحت في الفلوات الوحش منفردا ... حتّى تعجّب منّي القور والأكم «٤» وقال الشنفرى: ولي دونكم أهلون سيد عملس ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل «٥» المهتدي بالنّجوم والعارف المفاوز وقال بشّار: ويهماء يستاف التراب دليلها ... وليس له إلا اليماني مخلق «٦» تجاوزتها وحدي ولم أرهب الرّدى ... دليلي نجم أو حوار محلّق «٧» وقال حميد: تيهاء لا يتخطّاها الدليل بها ... إلا وناظره بالنّجم معقود

стр. 1433

وقال تأبّط شرّا: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النّجوم الشوابك وقال آخر: ترى الليل كورا والمجرّة مقودا وقال المتنبّي: وإنّي لنجم يهتدي صحبتي به ... إذا حال من دون النّجوم سحاب وقيل: فلان أدلّ من دعميص «١» الرمل لأنه بلغ آخر رمال بني سعد، ولم يبلغه غيره وعبد الله بن أريقط وهو الذي دل النبي ﷺ ليلة الهجرة وفلان أهدى من القطا ومن اليد إلى الفم. القادر على المشي قال أعشى باهلة: لا يغمز الساق من أين ولا وصب ... ولا يعضّ على شرسوفه الصقر «٢» وقال: تحسبني محجّلا سبط السا ... قين أبكي أن يظلع الجمل «٣» المسرّة بالعود من السفر سالما قال ابن عيينة: إذا نحن عدنا آيبين بأنفس ... كرام رجت أمرا فخاب رجاؤها فأنفسنا خير الغنيمة إنها ... تؤوب وفيها ماؤها وحياؤها وقال: فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر «٤» وقال آخر: رضيت من الغنيمة بالإياب مسرة الراجع بقضاء الحاجة قيل لأعرابي: ما السرور؟ قال: أوبة بغير خيبة. وقال آخر: غيبة تفيد غنى وأوبة تعقب منّى وقال أبو تمّام: ما آب من آب لم يظفر بحاجته ... ولم يغب طالب للنجح لم يخب

стр. 1434

وسأل الحجاج أصحابه: أي شيء أذهب للتعب؟ فقيل: التمريخ» وقيل الحمام وقيل النوم وكان فيهم فيروز فقال ما شيء أذهب للتعب من قضاء الحاجة قال المؤلف وهذا من قول القطامي: وقد يهون على المستنجح العمل الدعاء للمسافر كما يقال للمسافر استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، وقال النبي ﷺ لرجل: اللهم أطو له البعيد وهون عليه السير وقال: نعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلب، ومن الحور بعد الكور. اللهمّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والوطن. (٧) وممّا جاء في الحنين إلى الأوطان رضي الناس بمسقط رأسهم قال النبيّ ﷺ : لولا حبّ الوطن لخربت بلاد السوء. وقيل: بحب الأوطان عمارة البلدان. وقال ابن عباس: لو قنع الناس بأرزاقهم قنوعهم بأوطانهم لما شكا عبد رزقه. وقيل لأعرابي: كيف تصبرون؟ على جفاء البادية وضيق العيش؟ فقال: لولا أن الله تعالى أقنع بعض العباد بشر البلاد ما وسع خير البلاد جميع العباد، وقال بعض الفلاسفة فطرة الرجل معجونة بحب الوطن. فضل محبة الوطن روي في الخبر: حبّ الوطن من طيب المولد. وقال أبو عمرو بن العلاء مما يدلّ على كرم الرجل وطيب غريزته حنينه إلى أوطانه وحبه متقدمي إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه. وقالت العجم: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى مولدها مشتاقة وإلى مسقط رأسها توّاقة. وسمع أبو دلف رجلا ينشد: ألقى بكلّ بلاد إن حللت بها ... ناسا بناس وإخوانا بإخوان فقال: هذا الأم بيت قالته العرب، لقلة حنينه إلى ألّافه. الحثّ على صيانة مسقط الرأس قيل: لا تجف بلدا فيه قوابلك، وأرضا تبنكها «٢» قبائلك. وقيل: إحفظ بلدا

стр. 1435

رشحك غذاؤه وارع حمى أكنك «١» فناؤه وقيل: ميلك إلى بلدك من شرف محتدك. حبّ مسقط الرأس وصعوبة مفارقته قال حفص الطائي: رأيت جارية تقود عنزا فقلت: يا جارية أيّ البلاد أحب إليك؟ فقالت: أحبّ بلاد الله ما بين منعج ... إليّ، وسلمي إن تصوب سحابها بلاد بها نيطت عليّ تمائمي ... وأول أرض مسّ جلدي ترابها «٢» وقال ابن الرومي: ولي وطن آليت أن لا أبيعه ... ولا أن أرى غيري له الدهر مالكا «٣» عهدت به شرخ الشباب ونعمة ... كنعمة قوم أصبحوا في ظلالكا «٤» فقد ألفته النفس حتّى كأنّه ... لها جسدان بأن غودر هالكا وحبّب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضّاها الشباب هنالكا إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصّبا فيها فحنوا لذلكا وقال آخر: وكلّ نفس تحبّ محياها وكفى بدلالة محبته قول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ «٥» الآية وقال الشريف الموسوي: وفي الوطن المألوف للنّاس لذة ... وإن لم ينلنا العزّ إلا التقلب المستشفي بتراب أرضه وريحها لما أسر سابور «٦» ببلد الروم قالت له بنت الملك، وكان قد مرض وعشقته، ما تشتهي؟ قال: شربة من ماء دجلة وشمّة من تراب اصطخر «٧» . فحملا إليه فبرأ. واعتلّ أعرابي فقيل له: ما تشتهي؟ قال: حسل «٨» فلاة وحسي قلاة. وكان من عادة العرب إذا غزت أو سافرت حملت معها من تراب بلدها فتنشقه عند نزلة أو صداع. من تشوّق مكان إلفه بعدما كرهه قال بعضهم: ألفنا ديارا لم تكن من ديارنا ... ومن يتألف بالكرامة يألف

стр. 1436

وقال: نزلنا مكرهين بها فلّما ... ألفناها خرجنا مكرهينا وما حبّ البلاد بنا ولكن ... أمرّ العيش فرقة من هوينا الحنين إلى البادية والتبرّم بالحاضرة قال بعض الأعراب المتوجهين إلى خراسان في زمن عثمان ﵁ يقول: بلغت إلى حلوان والقلب نازع ... إلى أهل نجد أين حلوان من نجد لجثجاث أرض حين يضربه الندى ... أحب وأشهى عندنا من جنى الورد «١» قيل لزينب أم حسانة الضبية وهي قاعدة على حافة بركة في وسط رياض وأزاهر: أما ترين حسن هذا المكان؟ فأطرقت ساعة وقالت: أقول لأدنى صاحبي أسرّه ... وللعين دمع يحدر الكحل ساكبه «٢» أحبّ إلينا من صهاريج ملئت ... للعب ولم تملح إليّ ملاعبه «٣» فيا حبّذا نجد وطيب هوائه ... إذا أهضبته بالعشيّ هواضبه «٤» وريح صبا نجد إذا ما تنسّمته ... ضحى وسرت جنح الظلام خبائبه «٥» فأقسم لا أنساه ما دمت حيّة ... وما دام ليل عن نهار يعاقبه ولا زال هذا القلب مسقيّ لوعة ... بذكراه حتّى يترك الماء شاربه الحنين إلى منزل لا يرجى لحوقه وقال لرجل من بني طهم: أحنّ إلى نجد وإني لآيس ... طوال الليالي من قفول إلى نجد وقال: يقرّ بعيني أن أرى رملة الفضا وقال آخر: فلست وإن أحببت من يسكن الفضا ... بأول راج راحة لا ينالها وقال المتنبّي: أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم ... وأين من المشتاق عنقاء مغرب «٦»

стр. 1437

حمد سكون البادية وذمّه وقال شاعر: ومن تكن الحجارة أعجبته ... فأيّ أناس بادية ترانا وقال ﷺ : من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد لها ومن أتى السلطان فتن. (٨) وممّا جاء في النيران ماهيّة النّار قال النظّام: النار اسم للحر والضياء، وهما جوهران صعادان. والضياء هو الذي يعلو إذا انفرد ولا يعلى. فإذا قيل أحرقت النار وسخنت، فذلك للحرّ لا للضياء. وقال: النار مكنة في الأشياء كلّها، فإذا أطفئت نار الأتون فوجدنا حرّها ولم نجدها مضيئة فلأن حرّ النار يهيج تلك الحرارات فيظهرها، ولم يكن ثم ضياء فيظهر إذا خالطته النار فهو أشدّ كالصاعقة. منفعة النار قيل: من أكبر المواعين الماء والنار ثم الكلأ والريح، ومنافعها يطول حصرها ويصعب ذكرها. قال الله تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً «١» (الآية) . وهي أعظم ما زجر به عن المعاصي. وقد جعلها الله تعالى من عذاب الآخرة فقد عذب في الدنيا بالغرق والرياح والحاصب، والرجم والمسخ والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ولم يبعث عليهم نارا، وهي ما ركب منه العالم ولا يتعرّى شجر ومدر منها. وقيل في الإخوان: هم بمنزلة النار قليلها ينفع وكثيرها يضرّ. وكانوا إذا تتابعت عليهم الأزمان وأحوجهم الاستمطار عقدوا في أذناب البقر شسعا «٢» فصعدوا بها جبلا وأوقدوها نارا وضجوا بالدعاء. ونارا كانوا يوقدونها في التحالف وقد ذكرناه في الإيمان ونارا كانوا يوقدونها خلف مسافر لا يريدون رجوعه. قال شاعر: وحمة أقوام حملت ولم أكن ... لأوقد نارا خلفهم للتندّم

стр. 1438

حسن النّار ووصفها إذا وصفوا شيئا بالحسن قالوا: ما هو إلا نار موقودة. وقالت امرأة: أنا والله أحسن من النار الموقدة. وقال قدامة في وصف الذهب: شعاع مركوم ونسيم معقود. ونظر مجوسيّ في مجلس الصاحب إلى لهيب نار فقال: ما أشرقه! فقال الصاحب: ما أشرقه وقودا وأخسأه معبودا. الياس: ما ترى النار كيف أسقمها القرّ ... فأضحت تخبو زمانا وتبصر وبدا الجمر والرماد عليها ... في قميصين مذهّب ومعنبر وقال أحمد بن الضحاك: كأنّما النار حين ترمقها ... وجمرها من رمادها يحجب وجنة عذراء مسّها خجل ... فالتهبت تحت عنبر أشهب وقال الصاحب: الاصطلاء طيّب عند الامتلاء «١» . وقال شاعر: وشعثاء غبراء الفروع منيفة ... بها توصف الحسناء أو هي أجمل دعوت بها أبناء ليل كأنّهم ... إذا أبصروها معطشون قد أنهلوا وقال الجريمي: نار كهادي الشقراء نافرة ... تركض من حولها أشافرها النيران التي جعلها الله تعالى آية كانت بنو إسرائيل إذا قرّب أحدهم قربانا مخلصا لله، نزلت نار فتأكله ومتى لم تتزل النار وبقي القربان على حالته دلّ على أن صاحبه مدخول النيّة. وهذه النار هي التي اقترحوها على النبي ﷺ فحكى الله عنهم: الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ «٢» (الآية) وقيل إن الحجّاج لما جنّق «٣» الكعبة جاءت نار فوقعت في المنجنيق فأحرقته فامتنع أصحابه من الرمي، فقال الحجّاج: إن هذه نار القربان دلّت على أن فعلكم متقبّل. ومن ذلك، النار التي قصدها موسى فكانت سبب نبوّته «٤» ومنه نار إبراهيم التي صارت بردا وسلاما «٥» ومنه نار الحرّتين «٦» . وذلك أنه ظهر

стр. 1439

في حرة بلاد بني عبس نار تسطع باللّيل والنهار، ويظهر دخانها بالنهار، وكانت طيء تنقش فيها الإبل من مسيرة ثلاث. وربما ندرت منه عنق فتحرق ما تأتي عليه، فبعث الله خالد بن سنان وهو أول ولد إسماعيل ﵇، ولم يكن في أولاده غيره فاحتفر لها بئرا ثم أدخلها فيه والناس ينظرون، وهو يقول: كذب ابن راعية المعزى لأخرجن منها وجبيني يندى. ثم لما حضرته الوفاة قال إذا دفنتموني فاحضروا بعد ثلاث، فإنكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، فإذا رأيتم ذلك فانبشوني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فلما حضروا بعد الثلاث ورأوا العير، اختلفوا قال ابنه: لا أفعل إني أدعى إذا ابن المنبوش. وقدمت ابنته على النبي ﷺ فقال: هذه بنت نبيّ ضيّعه قومه، وبسط لها رداءه. وقيل: سمعت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فقالت: كان أبي يتلو هذه السورة والمتكلمون «١» ينكرون ذلك. فإن الله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى . وخالد كان من الفدادين أعرابيا من أهل الوبر. وما بعث الله نبيا قط إلا من أهل القرى وسكان المدن. النيران المعبودة المعظّمة أما النار العلوية فقد عبدت. قال الله تعالى: وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ «٢» وقد يجيء في الأثر وسنة بعض الأنبياء تعظيما على جهة المحنة وإيجاب الشكر على النعمة. ويزعمم أهل الكتاب أن الله تعالى أوصاهم وقال: لا تطفئوا النيران من بيوتي وأما المجوس فقد جاوزوا الحدّ حتى اتخذوا لها البيوت والسدنة «٣» والوقوف «٤» الكثيرة. نيران كانوا يوقدونها في أوقات مختلفة إذا أرادوا حربا وقصدوا جمعا، يوقودون نارا عظيمة يجعلونها أمارة «٥» لاجتماعهم، قال عمرو بن كلثوم: ونحن غداة أوقد في خزازي ... رفدنا فوق رفد الرافدينا «٦» وقال الفرزدق: ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفنا على النيران

стр. 1440

ومنها النار التي يوقدونها ليحيروا بها الظباء بالليل ويهوّلوا على الأسد إذا حدق إليها. ما يتراءى من النيران ولا حقيقة لها يحكى أن السعالي «١» توقد نارا حوالي الإنسان تخوّفهم بها. قال عبيد الأبرص: لله درّ الغول أي رفيقة ... لصاحب قف خائف متقتر أرفت بلحن فوق لحن وأبعدت ... حوالي نيرانا تبوخ وتزهر ونار حباحب وقيل أبي حباحب، وهو ما يكون من الأكسية ونحوها مما لا حقيقة له من النيران. ونار البرق وكل نار تحرق العود إلا نار البرق فإنها تجيء بالمطر. وتحدث حدة الشجر ونار اليراعة، وهي طائر كبعض الطيور بالنهار وإذا طار بالليل فهو كشهاب قبس، ويلمح لها لمع ينض «٢» ويلمع من بعيد، فإذا دنوت منها لم ترها شيئا. والعرب تقول أكذب من يلمع. أنواع مختلفة من ذلك قال بعضهم: كأنّ نيراننا في جنب قلعتهم ... مصقلات على أرسان قصار وقال البحتري في حريق وقع في دار المعتز: ما كان قدر حريق إن بنيت له ... وكلّنا قلق الأحشاء حرّان تفاءل الناس واشتدت ظنونهم ... والفأل منه لبعض الناس تبيان وأيقنوا أنّ تنوير الحريق هو الدّن ... يا تملكها والنّار سلطان وقال بعض الحكماء: النيران أربع: نار تأكل وتشرب وهي نار المعدة، ونار تأكل ولا تشرب النار الموقدة، ونار تشرب ولا تأكل، وهي نار الشجر، ونار لا تأكل ولا تشرب، وهي نار الحجر. مدح السراج قال النبي ﷺ : المصباح مطردة للشيطان، مذّبة» للهوام مدفعة «٤» للصوص. وقال النابغة: ولا يضلّ على مصباحها الساري
следующие страницы →