Полный текст (1 556 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(١٨) ومما جاء في الفراسة والتّراطن والطّيرة والفأل
صحّة الفراسة
قال النبي ﷺ : اتّقوا فراسة المؤمن، وقال ﷺ : المؤمن ينظر بنور الله. قال ابن الرومي:
وحبّي الفؤاد يعلمه، العا ... قل قبل السماع بالإيماء
وظنون الذكيّ أنفذ في الحق ... ق سهاما من رؤية الأغبياء
وقال آخر:
لا تسأل المرء عن خلائقه ... في وجهه شاهد من الخبر
وقال آخر: وفي بعض القلوب ترى عيون، وقال البحتري:
وإذا صحّت الرويّة يوما ... فسواء ظنّ امرىء وعيانه «١»
الممدوح بصحّة الفراسة
قيل فلان ألمعيّ «٢» ، وقال أوس «٣» :
نجيح مليح أخو مأقط ... نقاب يخبر بالغائب «٤»
وقال أبو تمّام:
يرى الحادث المستعجم الخطب معجما ... لديه ومشكولا إذا كان مشكلا «٥»
وقال آخر:
يخبر ظهر الغيب ما أنت فاعل
وقال آخر:
يخاطبه من كلّ أمر عواقبه
من تفرّس في صبيّ أمرا وكان كما ظنّ
رأى بكير بن الأخنس المهلّب وهو غلام، فقال: خذوني به إن لم يفق سراتهم ويبرع حتّى لا يكون له مثل، وكان كما قال.
стр. 177
ونظر رجل إلى معاوية وكان صغيرا فقال: إنّي أظن هذا الغلام سيسود قومه. فقالت هند: ثكلته أمّه إن كان لا يسود إلا قومه. ورأى رجل ابن السكّيت وهو صغير يسأل فيجيب، فقال: إن هذا الغلام ينال خيرا وقد تقدم في الحزم والتعلم مثل هذا.
كلمات من الرّطانة «١»
بعث امرؤ القيس إلى امرأة تزوج بها بثلاثين شاة وزقّ خمر، فذبح الغلام في الطريق شاة وأكلها وشرب بعض الزقّ فلما أوصلها، قالت له: قل لزوجي إذا أتيته سحيما كان قدر، ثم وإن رسولك جاءنا في المحاق. فلما أتاه الرسول وأخبره، قال: يا عدوّ الله أكلت شاة وشربت من رأس الزقّ فاعترف بذلك.
وأسر بنو ساسان رجلا من بني العنبر، فقال: دعوني أرسل إلى قومي ليفدوني.
فقالوا: على أن لا تكلم الرسول إلا بحضرتنا. فقال: نعم. وقال للرسول: قل لهم إنّ الشجر قد أورق وإن النّساء قد اشتكت. ثم قال له: أتعقل؟ قال: نعم. فقال: ما هذا الوقت؟ قال: الليل. قال: قل لهم عروا جملي الأصهب واركبوا ناقتي الحمراء، واسألوا حارثا عن أمري. وكان الحارث صديقا له.
فذهب الرسول إليهم فدعوا حارثا فسألوه. فقال: قوله الشجر قد أورق، أي تسلّح القوم، واشتكت النساء: أي اتخذت القرب للماء. وقوله: ما هذا الوقت؟ فقال الليل فإنه يقول أتاكم جيش كالليل وقوله عروا جملي الأصهب، أي ارتحلوا عن الصماء واركبوا ناقتي الحمراء أي انزلوا الدهناء. فرحلوا من ساعتهم فصبّحهم القوم فلم يجدوا أحدا وكان العطاردي، لما رجع إلى قومه رمى إليهم بصرّتين في إحداهما شوك وفي الأخرى تراب، فقال قيس بن زهير هذا رجل مأخوذ عليه بالحلف وهو ينذركم عدوا وشوكا. قال الله تعالى: وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ
«٢» .
وأسرت طيء غلاما من العرب فقدم أبوه ليفديه فاشتطوا عليه. فقال أبوه عنده: لا والذي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبلي طيىء، ما عندي غير ما عرفتكم، ثم انصرف. وقال: لقد أعطيته كلاما إن كان فيه خير فهمه، كأنه قال الزم الفرقدين على جبلي طيىء ففهم الابن كلامه. فطرد إبلا من إبلهم ليلته، ونجا بها.
وكان داريوس ملك فارس، لما سمع بخروج ذي القرنين «٣» بعث إليه بدرّة وكرة ياقوتة وجراب سمسم وتابوت مملوء من الذهب. وكتب إليه: إنما بعثت بهذا لا جرب عقلك، فقال له الإسكندر: قد عرفت لماذا بعثت. أما الدرّة فتزعم أنك سوط تشير علي.
وقلت يجتمع لي ملكك اجتماع هذه الكرة في يدي. وذكرت أن لك في أمري ضياء كضياء
стр. 178
الياقوتة وبعثت بالتابوت من الذهب تقول: تكون لي خزائنك والسمسم تعلّمني أن عدة جنودك كثيرة ككثرته.
ثم إن ذا القرنين أخذ كفا من السمسم بحضرة الرسول فاستفه ومضغه، وقال: قل له جنودك كثيرة، ولكنّي أطحنهم طحنا كهذا السمسم، وبعث معه إليه بجراب من خردل فأخبر الرسول داريوس بما عاين من ذي القرنين، فأعجبه كيده وغضب فأخذ كفّا من الخردل فطرحه في فمه كفعله بالسمسم فلما وجد مرارته وحرافته «١» لفظه، وقال: أشهد أن جنوده في حرافة الخردل، ثم كانت الغلبة لذي القرنين.
ولما صالح ملك الهند اشترط عليهم أن يدفعوا إليه حكيما كان فيهم ففعلوا.
فاستصحبه ولم يفاتحه.
ثم بعث إليه يوما بستوقة «٢» مملوءة سمنا، فأخذها الحكيم وغرز فيها إبرا وردها إليه.
فبعث إليه يوما آخر مرآة صديئة، فأخذها الحكيم فجلاها وردّها إليه. فقيل لذي القرنين تعجبا من فعلهما: ماذا عنيتما بذلك؟ فقال: إني لما بعثت إليه البستوقة قلت: إني ممتلىء من العلم امتلاء هذه البستوقة من السمن فأراني بغرز الإبر أن الأمر بخلاف ذلك، وأن في زيادات كثيرة، وذكرت له بالمرآة الصديئة، أن نفسي قد صدئت. فأجابني: بأن قال: ذاكر العلماء فالمذاكرة جلاء القلوب.
الإشارة بقول يسير إلى معنى كثير
كان المأمون ﵀ غضب على طاهر «٣» بعد ما وجّهه إلى خراسان، فكتب إليه بالرجوع. فكتب إليه صديق له كتاب سلام ووقع على حاشيته: يا موسى. فجعل طاهر يتأمل ذلك ولا يدري معناه، حتى ناوله امرأة صحبته جزلة الرأي، فقالت: إنما عنى يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك. فأمسك طاهر عن الإقدام وجعل يتقيه حتى طيّب قلبه.
النهي عن التكهّن والطيرة
روي عن النبي ﷺ أنه قال: الطيرة شرك وما منّا من يجده في نفسه، ولكن الله تعالى يذهبه بالتوكل.
وقال ﷺ : ثلاثة لا ينجو منهن أحد: الظنّ والطيرة والحسد فإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض ولا تثن.
стр. 179
وقال: من تكهن أو استقسم أو تطيّر طيرة ترد عن سفر، لم ينظر إلى الدرجات العلى يوم القيامة. وروي اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا رب غيرك، وقال ﷺ لا عدوى ولا هامة ولا صفر.
الرخصة في الطّيرة
عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبي ﷺ قال: الطيرة في المنزل والمرأة والفرس.
وقيل: أخبرت عائشة ﵂ بذلك فغضبت وأنكرت ذلك وطارت شقة في السماء وشقة في الأرض، وقالت: إن النبي ﷺ إنما قال إن يكن شؤم ففي هذه الثلاثة.
جواز الفأل
كان النبي ﷺ يتفاءل «١» ويعجبه الفأل الحسن ولا يتطيّر. ولما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة وقاربها، سمع مناديا ينادي: يا سالم. فقال لأصحابه: سلمنا فلما دخلها سمع آخر ينادي: يا غانم. فقال: غنمنا. فلما نزل أتى برطب فقال ﷺ حلالنا البلد، وسمع رجلا يقول: يا حسن. فقال: أخذنا فألك من فيك.
ولما خرج من مكّة مرّ بكلبة في ظل شجرة ساقطة أطباؤها «٢» نائمة عليها أجراؤها «٣» فقال لاصحابه أعطيتم درّها، ووقيتم كلبها. وبعث المشركون إليه سهيلا فقال: أتاكم سهيل وسيسهل أمركم.
ووجه سعد بن أبي وقاص إلى عمر ﵄ رسولا فلما جاءه قال: ما اسمك؟ قال: ظفر. قال: ابن من؟ قال: ابن قريب. فقال: ظفر قريب إن شاء الله تعالى.
ولما طلب المغيرة بن شعبة رسول سعد بن أبي وقاص من ملك الفرس يزدجر الجزية، قال: نعطيكم التراب. فقال سعد: نعم الفأل مكنّنا من أرضه.
النهي عن التنجيم واختيار الأيام
روى أن النبي ﷺ سأله رجل في أي يوم أحتجم.
فقال: لا تطيروا، فإن الأيام كلّها لله إذا تبيغ «٤» بأحدكم الدم فليحتجم.
وقال النبي ﷺ : اللهمّ لا طير إلا طيرك. ولما عزم عليّ كرم الله وجهه، على المسير إلى النهر وإذ أتاه بسام المنجم فقال: لا تسر في هذه الساعة وسر في وقت كذا. قال:
ولم؟ قال: لأنك إن سرت فيها أصابك ضرر شديد، وإن سرت في وقت كذا ظفرت.
فقال: ما كان محمد ﷺ يعلم ما ادعيت. وقال: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك.
стр. 180
وما كان لعمر ﵁ منجّم، ولقد فتح بلاد كسرى وقيصر.
وقال عليّ كرم الله وجهه: من تعلم بابا من النجوم فقد تعلم بابا من السحر فإن زاد ازداد.
وقال الخليل:
أبلغا عنّي المنجّم أنّي ... كافر بالذي قضته الكواكب «١»
عالم أنّ ما يكون وما كا ... ن، فحتم من المهيمن واجب «٢»
وقال الصاحب:
خوّفني منجّم أبو خبل ... تراجع المريخ في برج الحمل
فقلت: دعني من أباطيل الحيل ... فالمشتري عندي سواء وزحل «٣»
أدفع عنّي كلّ آفات الدّول ... بخالقي ورازقي
أسامي ما تتطيّر به العرب
السانح ما ولّاك ميامنه، والبارح ما ولّاك مياسره. قال أبو عبيدة: البارح يتشاءم به أهل نجد، والسانح يتشاءم به أهل عالية، ولذلك قيل: من لي بالسانح بعد البارح. والناطح ما يلقاك بجهته وهو يكره، والكادس ما يجىء من خلفك يقفوك «٤» ، وكل ما يتطير به يسمى طير العراقيب.
ويتطيرون بالعطاس، ولذلك قال:
أو حلت من سلمى بغير متاع ... قبل العطاس ورعتها بوداع
المصيب في عيافته
خرج لهبي في حاجته ومعه سقاء لبن. فسار صدر نهاره ثم عطش، فأناخ راحلته ليشرب، فإذا بغراب ينعب فأثار راحلته ومضى. فلما أجهده العطش أناخ راحتله ليشرب فنعب الغراب، وتمرّغ في التراب فضرب الرجل سقاءه بسيفه فإذا فيه أسود سالخ وبنو أسد موصوفون بالعيافة «٥» .
وقال الأصمعي: قيل إن نفرا من الجنّ تذاكروا العيافة من بني أسد فأتوهم، فقالوا:
ضلّت لنا ناقة فأرسلوا معنا من يعيف. فقالوا: لغليم منهم انطلق معهم فاستردفه أحدهم فساروا، فلقيتهم عقاب كاسرة إحدى جنحيها، فاقشعر الغلام وبكى. فقالوا مالك؟ قال:
стр. 181
كسرت جناحا ورفعت جناحا، وحلفت بالله صراحا ما أنت بانسي ولا تبغي لقاحا.
وبعث ازدشير إلى النبي ﷺ زاجرا «١» ومصوّرا فقال للزاجر: ازجره وللمصور صوّر صورته، فلم يجد الزاجر شيئا يزجر به، وصوّر المصور صورته وورد بها. فنظر ازدشير إليها ووضعها على الوسادة وقال للزاجر: ما رأيت؟ قال: لم أر شيئا أزجر به عنده. ولكنّي رأيت ها هنا أن الأمر له، لأنك وضعته على وسادتك ومكنته من رياستك.
وسمع لهبيّ يعيف رجلا يقول لعمر ﵁: يا خليفة رسول الله فقال: سمّاه باسم ميت. فلما بلغ مرمى الجمار صكت حصاة صلعة عمر ﵁، فقال اللهبي:
اشعر والله أمير المؤمنين، والله لا يقف هذا الموقف بعدها فقتل عمر ﵁ تلك السنة.
وبينا مروان بن محمد «٢» ينظر في إيوان له فانصدعت زجاجة من الإيوان، ووقعت منها شمس على منكب مروان، وكان بحضرته عيّاف يستمع إليه مروان، فقال: صدع الزجاج منكر فخرج وتبعه ثوبان مولى مروان فسأله، فقال: صدع الزجاج صدع السلطان ستذهب الشمس عن مروان، بقوم من الترك أو خراسان، ذلك عندي واضح البرهان. فورد عن قريب خبر أبي مسلم «٣» صاحب الدعوة.
من حكم بتنجيم وافق قوله القضاء
كان الفضل بن سهل حكم على نفسه أنه يعيش أربعين سنة، ثم يقتل بين ماء ونار.
فعاش هذه المدة ثم قتل في حمام سرخس.
ولما مرض الحجّاج دعا منجمه فقال: ويلك انظر ماذا ترى؟ فقال: أرى ملكا يموت ولست هو. قال: وما اسمه؟ قال: كليب. فقال: أنا والله ذلك فقد كانت أمي سمّتني كليبا.
وكان نيبخت المنجم لا يحبس «٤» عن المنصور «٥» فجاءه يوما فقيل له: إنه من المستراح، فقال أخرج عاجلا فخرج، فانخسف المخرج عقب خروجه.
من تطيّر من الكرام بكلام سوء سمعه فأصابه من ذلك
قال هبة الله بن إبراهيم: دعاني الأمين في الليل التي نزل فيها طاهر بن الحسين
стр. 182
النهروان، فلما دخلت عليه رأيته مغتمّا فقال: يا عمّ أما ترى هذا الباغي عليّ فقلت: دعه وبغيه، فالبغي يردى صاحبه. فقال: فيم أداوي ما خامرني؟ فقلت: تأمر باحضار أبي نواس فإنه فتّاح لهذه الأبواب، فاستحضره وسأله فقال:
إذا ما ضاقك الغمّ ... فضع في الرأس أقداحا «١»
فإنّ الهمّ إن طاحت ... به مشمولة طاحا «٢»
فدعا برطل وجارية تغني، فسألها: ما اسمك؟ قالت: شرّ، وغنّت بقول الشاعر:
كليب لعمري كان أكبر ناصرا ... وأكبر حزما منك ضرّج بالدم
فرمى بالرطل وأمر بالجارية فالقيت في دجلة، ودعا أخرى فغنّت:
هموا غدروه كي يكونوا مكانه ... كما غدرت يوما بكسرى مرازبه «٣»
فرمى بها أيضا، ودعا بأخرى فغنّت بقول الشاعر:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر «٤»
بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر «٥»
فاغتمّ اغتماما عظيما فتطلع على دجلة فإذا برجل يقرأ قضي الأمر الذي فيه تستفتيان. فاستحكم تطيره. فقلت: يا أمير المؤمنين قد نهى النبي ﷺ عن التطير فقال:
هبني لا أتطير بالشعر أما أتفاءل بالقرآن فما انقضى الأسبوع إلا وقد نزلت به النازلة.
من رأى فأل سوء فصرفه إلى حسن بتأويله
خرج جعفر بن سليمان إلى المدينة واليا بها فتعلّقت شجرة بلوائه فتطيّر بذلك. فقال من كان معه: هذا عملك تشبّث بك فسرّي عنه.
وسار خالد بن يزيد إلى ولاية الموصل فانكسر اللواء فحزن لذلك، فقال أبو الشّمقمق:
ما كان مندقّ اللواء لريبة ... تخشى ولا أمر يكون مبدلا
لكنّ هذا الرمح ضعف متنه ... صغر الولاية فاستقلّ الموصلا
стр. 183
فبلغ ذلك المأمون فزاد في ولايته قنسرين «١» .
ولما صعد قتيبة بن مسلم «٢» منبر الريّ «٣» سقط القضيب من يده فتطيّر بذلك الناس، فأنشد:
فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وصف الفأل السوء بأنه يصيب من تفاءل به
قيل إياك والفأل السوء، فقد قالت الفلاسفة: ما للنوائب رسول أبلغ في قبض الأرواح من الطيرة والفأل السوء. وقال ابن عبّاس ﵄: كنت أنا وأمير المؤمنين عند النبي ﷺ وكان يحبّ الفأل فلما خرج أنشد:
تفاءل بما تهوى يكن فلقلّما ... يقال لشيء كان إلا تكوّنا
وقال علقمة:
ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامتها لا بدّ مشؤم
من تشوئم به فدفع ذلك عن نفسه
خرج هشام بن عبد الملك يوما فلقي أعور، فأمر بأن يضرب ويحبس، وقال:
تشاءمت بك. فقال الأعور: إن الأعور يكون شؤمه على نفسه وشؤم الأحول على غيره.
ألا ترى أني استقبلتك فلم يصبك شيء، وأنت استقبلتني فنالني منك سوء. وكان هشام أحول فخجل من ذلك وخلّاه.
وخرج بعض ملوك الفرس إلى الصيد فاستقبله أعور فأمر بحبسه وضربه، ثم مضى فتصيّد صيدا كثيرا، فلما عاد استدعى بالأعور وأمر له بصلة، فقال الأعور: لا حاجة لي في الصلة، ولكن ائذن لي في الكلام، فأذن له فقال: تلقيتني فضربتني وحبستني وتلقيتك فصدت وسلمت، فأينا أشأم؟ فضحك وأعطاه.
الخطّ
كان زاجر العرب يخطّ خطّين فيقول ابنى عيان أسرعا البيان. وقال ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ
«٤» أنها الخط.
стр. 184
الطرق
هو نثر الحصى والاستدلال باجتماعه وتفرّقه، كما يعمل صاحب الشعير. وأصل الطرق الضرب، قال الشاعر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطّير ما الله صانع «١»
وقال حمّاد عجرد: الطرق من الجبت.
القيافة
قالت عائشة ﵂: دخل رجل على رسول الله ﷺ تبرق أسارير وجهه من الفرح، فسألته عنه فقال: ألا إن محرز المدلجي رأى زيد بن حارثة وأسامة نائمين في قطيفة «٢» ، قد غطيا رؤسهما وبدت أقدامهما، فقال: هذه الأقدام بعضها من بعض.
واختصم رجلان في غلام يدّعيه كل واحد منهما، فسأل عمر ﵁ أمه، فقالت: غشيني أحدهما، ثم هررت دما، ثم غشيني الآخر، فدعا عمر ﵁ قائفين فسألهما، فقال أحدهما: أعلن أو أسر قد اشتركا فيه، فضربه عمر ﵁ حتّى اضطجع، ثم سأل الآخر فقال مثل قوله، فقال: ما كنت أرى أن مثل هذا يكون.
قال عوسجة ابن مغيث القائف: كنّا سرق خيلنا فعرفنا آثارهم بتميّز أيديهم في العذوق فركبنا في آثارهم حتى ظفرنا بهم.
وقيل: فلان في قيافته يعرف أثر الذرّ على الصخر فيعرف أثر الأنثى منها من الذكر.
وكانت هند بنت عتبة عند الفاكه بن المغيرة وكان الفاكه من فتيان قريش، وكان له منزل للضيافة يغشاه الناس من غير إذن. فخلا البيت يوما وقال الفاكه ساعة وهند عنده، ثم خرج الفاكه لبعض حاجاته، وأقبل رجل فدخل البيت فلما رآها انصرف فاستقبله فرآهما فارتاب بها فخاصمها، وقال: إلحقي بأهلك. فتكلّم الناس بها. فقال أبوها: أي بنية إن الناس قد خاضوا في أمرك فأصدقيني، فإن كان ما يقولونه حقّا بعثت من يقتل الفاكه سرا فتخلصين. وإن كان باطلا حاكمته إلى بعض كهان اليمن ليبين براءة ساحتك. فحلفت أنها بريئة. فأرسل إليه وقال: حاكمها إلى الكاهن فقد رميتها بداهية.
فخرج الفاكه في جماعة من بني عبد المدان وخرجت في نسوة فلما شارفوا البلد، رآها أبوها شاحبة متغيّرة، فقال: مالي أراك شاحبة متنكرة الحال قالت: والله ما ذلك لمكروه عندي، ولكنّي آتي بشرا يخطىء ويصيب، فلا آمنه أن يرميني بداهية من غير أصل،
стр. 185
فيصير ذلك سبّة علينا. فقال أبوها إنا نخبىء له خبيئة، فإن أخبرنا بها استدللنا على علمه واستفتيناه، وإلا تركناه. فأخذوا حبة حنطة وجعلوها في إجليل «١» فرس، فلما انتهوا إليه أنزلهم وأكرمهم، فقالوا: قد جئناك في أمر وقد خبأنا لك خبيئة نختبرك فانظر ما هو؟
فقال: تمرة في كمرة. فقالوا: نريد أبين من هذا. فقال: حبّة في إجليل مهر. فقالوا:
صدقت أنظر في أمر هؤلاء النسوة فجعل يدنو من إحداهنّ، ويقول: ليست هذه حتى دنا من هند فضربها على كتفها وقال: والله ما أنت بزانية وستلدين ملكا اسمه معاوية. فقام إليها الفاكه وقبّل رأسها فقالت: أبعد عنّي فو الله لأجتهدنّ أن يكون من غيرك هذا الملك، فأبت حتى طلّقها وتزوج بها أبو سفيان.
(١٩) وممّا جاء في تأويل الرؤيا
ما يدلّ على صحّة الرؤيا
قال النبي ﷺ : رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزأ من النبوّة.
وروي ذهبت النبوّة فلا نبوّة، وبقيت المبشرات، وقيل: في قول الله تعالى: هُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
«٢» إنها الرؤيا الصالحة يراها الرجل أو ترى له.
وقيل: إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في النوم. ويدلّ على صحة ذلك ما حكى الله تعالى عن يوسف ﵇ في قوله تعالى: رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ
«٣» ، وما حكى عن رؤيا الرجلين ورؤيا الملك.
وقال ﷺ إن في الهواء ملكا موكلا بالرؤيا، فلا يمرّ بأحد خير ولا شرّ إلا أريه في المنام حفظ من حفظ ونسي من نسي.
وقال النبي ﷺ : من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثّل بي، وروي أنه ﷺ قال: الرؤيا ثلاثة: رؤيا هي بشرى من الله تعالى، ورؤيا تحذير من الشيطان، ورؤيا يحدّث الإنسان بها نفسه فيراها في المنام.
العارف بتأويل الرؤيا
كان ذلك من علم يوسف ﷺ وقد وصفه الله تعالى في قوله تعالى: وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ
«٤» .
стр. 186
وكان أبو بكر ﵁ موصوفا بذلك. وقال الحسن لابن سيرين «١» : تعبّر الرؤيا كأنك من ولد يعقوب، فقال: وأنت تفسّر القرآن كأنّك ممّن شهد التنزيل.
وقال ابن شبرمة: ما رأيت أحدا أجرأ على النوم ولا أجبن على اليقظة، من ابن سيرين أي يعبر الرؤيا ولا يجيب عن الفتوى.
رؤيا مستغربة
قال رجل لابن سيرين: رأيت كأني أخذت حمامة جاري فكسرت جناحها، ورأيت غرابا أسود وقع على سطح بيتي، فقال: أنت تخلف على امرأة جارك وأسود يخلفك في دارك ففتّش عن ذلك فوجده حقا.
وقال له رجل: كأني آكل خبيصا في الصلاة. فقال: الخبيص حلال ولا يجوز أكله في الصلاة، أنت تقبّل امرأتك صائما. وقال له آخر: رأيتني أطأ مصحفا. فقال له: في خفّك درهم تطؤه. فتأمّل ذلك فوجده كما قال.
وقال له آخر: رأيت كأني أصبّ زيتا في أصل زيتون. فقال له: إنك تنكح أمك فبحث عن ذلك فإذا تحته جارية كان يطؤها أبوه.
وقال له آخر رأيتني: كأني أسبح في غير ماء فقال له: إنك تكثر الأماني. وقال له آخر: رأيتني كأني أصيد ثعلبا، فقال: أنت تطلب حيلة.
ورأى عبد الله بن جعفر غرابا على منارة النبي ﷺ فقال سعيد بن المسيّب سيتزوج الحجّاج بابنتك، فتزوج بها الحجّاج بعد، فقيل له: كيف علمت ذلك؟ فقال: المنارة أشرف ما في المدينة والغراب فاسق.
وقالت امرأة: رأيت سنبلة تنبت على إصبعي، فقال: سعيد ستأكلين من غزلها. وقال رجل لابن سيرين: رأيتني كأن عيني اليمنى دارت على قفاي فقبلت عيني اليسرى، فقال له: لك ولدان أحدهما يفجر بالآخر. فاستكشف عن ذلك فوجده كما قال.
ورأى رجل النبي ﷺ في منامه فشكا إليه علة كانت به، فقال له: عليك بلا ولا، فاستيقظ الرجل وتحيّر فسأل ابن سيرين، فقال: كل الزيتون فإن الله تعالى يقول: زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
«٢» .
وقال رجل لسعيد: رأيت في المنام كأني أسلك طريقا، ومتى قعدت كنت أقطع الطريق، وإذا مشيت لم أقطعه. فقال: أنت رجل نسّاج إذا قعدت كسبت، وإذا قمت تبطلت، فكان كما قال.
стр. 187
رؤيا ظاهرها حسن وباطنها مستقبح
قالت عائشة لأبي بكر ﵄: رأيت كأنّما وقع في حجرتي ثلاثة أقمار.
فقال: سيدفن في بيتك ثلاثة من الأخيار.
قال أبو عبد الله البريدي الفقيه: جاءني رجل من الشهود، فقال: رأيت في المنام كأن الله تعالى، قد ابتدأ خلق السموات والأرض. فقلت: لعلّ غيرك رآها وسألك أن تفسّرها؟
قال: بل أنا رأيتها. فقال له: تغدو إلى دار القاضي، وتسألني عنها حتى أفسّرها لك بحضرته. فحضر وسأله عنها. فقال: أيها القاضي إن فلانا يسألني عن رؤيا فسله لعلّ غيره رآها. فسأله، فقال: لا بل أنا رأيتها. فقال: إنك رجل تشهد بالزور، لأن الله تعالى يقول:
ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ
«١» فبحث عنه فوجد قد شهد شهادات زور.
وحكى عن الصاحب قال: رأيت قابوس في المنام قبيل ما انهزم بجرجان «٢» ، كأنه يسألني ويقول: رأيت في المنام كأنما على رأسي قلنسوة، وكأني قلت له: إن القلنسوة رياسة. فقال: إني لأراه هلاكا، لأن القلنسوة بالفارسية كلاه، فإذا قلب فهو هلاك. فانهزم في اليوم الثاني أو الثالث من ذلك المنام.
رؤيا ظاهرها قبيح وباطنها حسن
قال رجل لابن سيرين: رأيت رجلا مجرّدا في المسجد، فهالني ذلك. فقال: لعلّك رأيت الحسن تجرّد من دنياه فاشبه سره علانيته. ورأى عبد الله بن الزبير ﵁ أنه غرز في يدي عبد الملك ورجليه أربعة أوتاد، فأرسل إلى ابن المنذر فقال: إن صدقت رؤياه غلبه عبد الملك وخرج من صلبه أربعة كلهم خلفاء ورأى عبد الملك أنه بال في محراب النبي ﷺ أربع مرات، فأوّل على أنه يخرج من صلبه أربعة يتولّون الخلافة. ورأى في منامه كأنه صارع ابن الزبير فصرعه ابن الزبير، فهاله ذلك فبعث سرا إلى ابن المنذر، فقال: هذه رؤيا ملك نازعه ملك وقد خلّى صارعه بينه وبين الأرض.
وقال رجل لأبي عمرو الفراء «٣» : رأيت كأني قطعت رأسي فوضعته بين رجلي، فقال: أكان لك عمامة فقطّعتها سراويل؟ قال: نعم هو كما قلت.
خرافات في الرؤيا
قال رجل لسيفويه: رأيت كأن عليّ قميصا رقيقا وجبّة وشي متخرقة، وفي كمّي فلوس، وفي عنقي هاون وإلى جانبي دبّة، إذا نزعت حركتها، فقال: أنامت عيناك؟ ما
стр. 188
أحسن ما رأيت: القميص الرقيق دينك، والجبّة الوشي ضراطك في الصلاة، والفلوس سوف تفلس، والهاون أن تهان، والدبّة أن يدب إليك فتاك.
وقال بعضهم: ليست الرؤيا كلّها صحيحة إنما يصحّ بعض دون بعض. فقال بعض السامعين: كذا هو، فإني رأيت في المنام كأني وجدت بدرة عظيمة أحملها فأحدثت من ثقلها. فانتبهت فوجدت الفراش مملوأ من الخرء ولم أجد للبدرة أثرا.
وقال صبي لمعلّمه: إني رأيت في المنام كأنّي مطليّ بعذرة، وأنت مطلى بعسل، فقال المعلم: هذا عملك السوء وعملي الصالح ألبسنا الله تعالى فقال الصبي: إسمع تمام الرؤيا فكنت تلحسني وأنا ألحسك. فقال: أعزب قبّحك الله.
وقال رجل للصاحب: رأيت في المنام عمر وفي يده سيف، وهو يريد قتلي فقال له:
إذا رأيته فقل له العب يمسك.
وقال رجل: رأيت في منامي كأني متزر بهاون فقال له معبّر أنك مأبون فلما كشف عن حاله وجد كما قال.
(٢٠) ومما جاء في علوم الأمم ورموز العرب
فنون العلوم
قيل: علوم الأدب عشرة، ثلاثة شهر جانية «١» : الطبّ والهندسة والفروسية، وثلاثة أنوشروانية «٢» : ضرب العود ولعب الشطرنج وضرب الصوالجة، وثلاثة عربيّة: الشعر والنسب وأيام الناس. وواحد أبر على كل ذلك مقطعات الحديث والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالسات.
وقال بعضهم: رأيت العلوم والامور تدور على أربعة أشياء: نحو يقيم به الرجل لسانه، وطبّ يقيم به بدنه، وحكايات يقيم بها أدبه، وحسن تدبير يتوصل به إلى معاشه.
وكان الإسكندر «٣» وأرسطوطاليس «٤» إذا تسايرا تناظرا في العلم وإذا خليا تشاورا في الملك، وإذا قعدا للشرب تحدّثا في الشجاعة وإذا أرادا الإنصراف إلى مضجعهما تذاكرا الفقه والعفة.
стр. 189
علوم العرب
علم بديع الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللفظ، وتعريب الكلام، وقيافة البشر، وقيافة الأثر، وصدق الحسّ وصواب الحدس، وحفظ النسب، ومراعاة الحسب، وحفظ المناقب والمثالب، وتعرّف الأنواء، والاهتداء بالنجوم، والتبصّر بالخيل والسلاح واستعمالهما، والحفظ لكل مسموع، والاعتبار بكل محسوس، ويبلغون بالزجر ما يقصر عنه غيرهم.
علوم الرّوم
لهم الطب والنجوم والألحان وجودة التصوير، حتّى إن أحدهم يصور الإنسان شابا وكهلا، فيجعله بحيث إذا رأى صورته ثم رآه عرفه.
ولهم البناء العجيب ولهم من الرأي والنجدة والمكيدة ما لا ينكره من يعرفه.
علوم الفرس
لهم العقول والأحلام، والسياسة العجيبة، وترتيب العلوم والأمور، والمعرفة بعواقب الأمور. ولهم من اللغات ما لا يحصى كثرة، كالزمزمة والفهلوية «١» والخراسانية والجبلية.
علوم اليونانيّة
اليونانيون كانوا ذوي أذهان بارعة، ولا يشتغلون بمكاسب الآلات والأدوات والخلال، التي تكون جماما للنفوس. ولهم القبّانات «٢» والاصطرلابات «٣» ، وآلات الرصد والبركار «٤» ، وأصناف المزامير والمعازف، والطب والحساب والهندسة، وآلات الحرب كالمجانيق «٥» والغرادات. وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا عملة.
كانوا يصورون الآلة ولا يخرطون الأداة، يشيرون إليها ولا يمسّونها، يرغبون في التعلم ويرغبون عن العمل.
علوم الصّين
أهل الصين أصحاب الأعمال، كالسبك والصياغة والإفراغ والإذابة والأصباغ العجيبة، والخرط والنحت والتصاوير، والخطّ والنسج ورفق الكف في كل ما تناولوه.
стр. 190
وكانوا يباشرون العمل ولا يعرفونا الملل لأنهم فعلة، واليونانيون يعرفون العلل، ولا يباشرون العمل لأنهم حكماء.
علوم الهند
لهم معرفة الحساب والنجوم، والخط الهندي وأسرار الطب، وعلاج فاحش الأدواء «١» ، والرقى وعلم الأوهام، وخرط التماثيل ونحت الصور، وطبع السيوف والشطرنج والحنكلة. وهي وتر واحد يجعل على قرعة فيقوم مقام العود ولهم ضروب الرقص والثقافة والسحر والتدخين.
التّرك
هم كالعرب، في أنهم أصحاب قيافة ومعرفة بالحروب وآلاتها، وهم أعراب العجم، كما أن العرب أكراد النبط. فصاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، والصين في الصناعة، وهم في البيطرة «٢» والرياضة فوق كل أمة. وأحدهم يركب ظهر فرس فوق ركوبه الأرض يغزو أحدهم بأرماكه «٣» ومهورة، فمتى أتعب واحدة ركب أخرى فلا يستريح ولا ينزل إلى الأرض.
رموز العرب
كانوا إذا استمطروا عمدوا إلى سلع وعشر، فعقدوهما في أذناب البقر، وأضرموا فيها النار وصعدوا بها جبلا يستسقون الله بذلك ولذلك قال أبو الطائي:
أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر
وإذا امتنع البقر عن شرب الماء، ضربوا الثور. يزعمون أن الجنّ تركبه فتمتنع البقر عن الماء، قال الشاعر:
لكالثّور والجنيّ يركب ظهره ... فما ذنبه إن عافت الماء مشربا
وإذا سافر أحدهم عمد إلى غصن شجرة، فعقد عليه عقدا تسمى رتما. فيقول: إن انحلّ إلى أن أرجع، خانتني امرأتي، وإن لم ينحلّ فدلالة على أنها لم تخن.
قال الشاعر:
هل ينفعنّك اليوم إن همت بهم ... كثرة ما توصي، وتعقاد الرتم
وزعموا أن المرأة المقلاة، إذا وطئت قتيلا شريفا بقي أولادها. ولذلك قال الشاعر:
تظل مقاليت «٤» النساء يطأنه.
стр. 191
وزعموا أن من علّق على نفسه كعب أرنب لم يصبه جنّ ولا عين، لأن الأرنب ليس من مطايا الجن لأنها تحيض، فيهرب منه الجن.
قال ابن الأعرابي: قلت لأعرابي: من علّق على نفسه كعب أرنب لم يصبه جنان الحي ولا عمار الديار. فقال: أي والله ولا شيطان الحماطة «١» وغول القفر، وتطفأ عنه نيران السعالي «٢» .
وكانوا إذا خافوا على إنسان الجنون علّقوا عليه خرق الحائض وعظام الموتى.
وقالوا: إذا خيف على الصبيّ النظرة يعلّق عليه سنّ ثعلب أو سن هرة يسلم.
وقيل: أرادت جنيّة صبيا فلم تقدر عليه، فلما رجعت، قيل لها في ذلك، فقالت:
كانت عليه نفرة، ثعالب وهررة، والحيض حيض السمرة. وحيض السمرة شيء يسيل من السمرة، وهي شجرة يزعمون أن الجن يرهبون منه.
وقالوا: إذا دخل الرجل قرية فخاف وباءها نهق نهيق الحمار لم يصبه الوباء.
وقال عروة بن الورد:
لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهيق الحمير إنني لجزوع
وقالوا: السليم «٣» إذا علق عليه حلي النساء، أفاق ولذلك قال النابغة:
يسهّد من ليل التّمام سليمها ... لحلي النّساء في يديه قعاقع
وقالوا: من خرج به بثر فأخذ إنسان منخلا، أاخذ من كل دار من دور الجيران كسرة وتميرة، فنثرها لكلب، ذهب البثر عنه إلى كلب.
وقالوا: إذا طرف أحدهم عين صاحبه أخذ الطارف عين المطروف، فيقول: بإحدى جاءت من المدينة، باثنتين جاءتا من المدينة، بثلاث جئن من المدينة إلى سبع، فتسكن عينه.
وقالوا للغلام إذا سقط سنّه فحذفها نحو عين الشمس، وقال أبدليني خيرا منها عادت.
ولذلك قال طرفة:
بدلته الشمس من منبتها ... بردا أبيض مصقول الأثر
قالوا: من ركب فرسا مهقوعا «٤» وهو ما به دائرة يقال لها الهقعة فعرق تحته اغتلمت
стр. 192
امرأته، وقال الشاعر:
إذا عرق المهقوع بالمرء أنعظت ... حليلته وازداد حرا عجانها
وقالوا: إذا خرج المسافر فالتفت لم يتم سفره، وقال الشاعر:
تلفّت نحو الحي حتّى وجدتني ... وجعت من الإصغاء، ليتا وأخدعا
وإنما التفت لأنه كان عاشقا، فأحب أن لا يتم سفره ليرجع إلى محبوبه.
وكانوا يوقدون خلف المسافر إذا أرادوا أن لا يرجع، ويرمون خلفه بحصاة وروثة، ويقولون: راث خبره وحصن أثره، فإذا أرادوا سرعة رجوعه تناولوا من تحت قدميه، وقال شاعر في امرأة، قالت له واقتصت من أثره:
يا ربّ أنت جاره في أثره ... وجار خصييه وجار ذكره
وكان إذا أصاب إبلهم العرّ «١» ، كووا الصحيح منها. يزعمون أن الجربي بذلك تبرأ، قال النابغة:
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع
ومذهبهم في الحامي والبحيرة والسائبة والوصيلة معروف. وإذا بلغت ابلهم الفا فقؤا إحدى عيني الفحل. وإذا زادت عن الألف فقؤا عينه الأخرى. ويسمّون ذلك المفقأ والمعمى. ويزعمون أن ذلك يطرد عنه العين.
وقالوا: أيّما امرأة أحبها زوجها أو خدنها، فلم يشق أحدهما ثوب الآخر لم يبق بينهما الحب، ولذلك قال الشاعر:
إذا شقّ برد شقّ بالبرد برقع ... دواليك حتّى ليس للثوب لابس «٢»
وقالوا: الضالّ في المفازة متى لبس ثوبه مقلوبا اهتدى. قالوا: والجمل متى ندّ فذكر بعض آبائه، والناقة إذا ندّت فذكر بعض أمهاتها سكنا، ولذلك قال الشاعر:
أبول والوجناء بي تقحم ... قل لي ما اسم أمّها يا علكم «٣»
وقالوا: من عشق فكوي بين أليتيه سلا. وكان يفعل ذلك بنو عذرة «٤» خاصّة.
وكان لهم خرزة يقال لها السلوان، إذا شرب حكاكتها العاشق سلا في ما زعموا، قال
стр. 193
الشاعر:
لو أشرب السلوان ما سليت ... ما بي غنى عنك وما غنيت
وكانوا إذا عضّ أحدا كلب كلب، يسقونه دم كريم، ويقولون إن ذلك يبرئه.
ويزعمون أن من لا يطلب بثاره «١» ، يخرج من قبره هامة، فتقول: اسقوني إلى أن يدرك ثاره.
وقالوا: إن من مات فحفر له قومه حفيرة فأقاموا فيها بعيرا لا يعلفونه ولا يسقونه، حتّى يموت، يكون ذلك مركبا له إلى عرصات «٢» القيامة، ولا احتاج أن يحضر راجلا حافيا. وكان ذلك البعير يسمى بليّة، قال الشاعر:
احمل أباك على بعير صالح ... يوم القيامة إنّ ذلك أصوب
لا تتركنّ أباك يسعى خلفهم ... تعبا يخرّ على يديه وينكب
ومن علوم العامة
تزعم العامّة أن الفأرة كانت يهودية طحانة، تسرق الدقيق، فمسخها الله تعالى فأرة.
وسهيل كان عشارا فمسخه الله كوكبا. والوزغة «٣» كانت تنفخ نار إبراهيم ﵇ فلعنها الله. والخنزير تولّد من عطسة الفيل. والهرّ تولّد من عطسة الأسد.
وإذا كسفت الشمس يقولون يا ربّ خلّصها وإذا أراد أحدهم أن يبوّل بالليل بصق أولا وإذا طنّت ذبابة كبيرة، قالوا: بشّرك الله بخير. وإذا أصلح بزره عضّ خرقة أو خشبة يقول حتى لا يكذب عليّ وإذا دخل الذباب ثياب أحدهم يزعمون أنه يمرض، وإذا احتكّ طرف أنفه يقولون يأكل اللحم وإذا احتكّ وسطه يقولون يأكل السمك.
ويقولون اختلاج العين يدل على رؤية من لم يره منذ حين، وأسفله يدل على البكاء وهذا باب كبير وكثير منه يجىء مفصلا في أبواب مختلفة.
стр. 194
الحدّ الثاني في السيّادة والولاية
(١) السيادة والولاية
ما ذكر في حدّ «١» السيادة والسيّد
قيل: لحكيم: ما السودد؟، قال: اصطناع العشيرة واحتمال الجريرة «٢» ، وقال غيره:
حمل المكاره وابتناء المكارم، وقيل: بذل الندى وكفّ الأذى ونصرة المولى وتعجيل القرى «٣» .
وقيل للاحنف: ما السيّد؟ قال: من حمق في ماله وذلّ في نفسه وعني بأمر عشيرته.
وقيل: من إذا حضر هابوه، وإذا غاب ما اغتابوه. وقيل: من أورى ناره وحمى ذماره «٤» ، ومنع جاره، وأدرك ثاره.
الأحوال الشاقّة التي تبلغ بها الرئاسة
قال بعضهم، لرجل من بني شيبان: بلغني أن السودد فيكم رخيص، فقال: أما نحن فلا نسود إلا من أوطأنا «٥» رحله وأفرشنا عرضه، وأخد منّا نفسه وبذل لنا ماله. فقال:
وأبيك إذا فهو فيكم غال.
وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: إنما يستحق السيادة من لا يصانع ولا يخادع ولا تغرّه المطامع.
وقيل للأحنف: بم سدت؟ قال: بالخلق السجيح «٦» والكفّ عن القبيح، وتجنّب الدنيّ وترك اللسان البذيّ.
وقال معاوية لعرابة الأوسي: بم سدت قومك؟ فقال: لست بسيّدهم ولكني رجل
стр. 195
أعطيت في نائبتهم، وحملت عن سفيههم، وشددت على يد حليمهم، وعطفت على ذي الخلّة منهم. فمن فعل فعلي فهو مثلي ومن قصّر عنّي فأنا أفضل منه. ومن تجاوزني فهو أفضل منّي.
وقال الأحنف: من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع، من كان له دين يحجزه «١» ، وحسب يصونه وعقل يرشده، وحياء يمنعه. وقيل: من أحب الرئاسة صبر على مضض السياسة.
قال الشاعر:
أترجو أن تسود ولا تعنّي ... وكيف يسود ذو الدعة البخيل
وقال الخبزارزي «٢» :
فقل لمرجي معالي الأمور ... بغير اجتهاد طلبت المحالا «٣»
جماع أحوال يجب للرؤساء تجنّبها وأحوال يلزمهم فعلها
قال معاوية ﵁: لا ينبغي للملك أن يكون كذابا، لأنّه إن وعد خيرا لم يرج، وإن أوعد شرّا لم يخف ولا غاشّا لأنه لم ينصح، ولا تصح الولاية إلا بالمناصحة.
ولا حديدا لأنه إذا احتدّ هلكت رعيته، ولا حسودا لأنه لا يشرف أحد فيه حسد، ولا يصلح الناس إلا بأشرافهم. ولا جبانا لأنه يجترىء عليه عدوّه وتضيع ثغوره.
وقال بعضهم: أكره المكاره في السيّد، وأحبّ أن يكون عاقلا متغافلا. كما قال أبو تمام الطائي:
ليس الغبيّ بسيّد في قومه ... لكنّ سيّد قومه المتغابي
وقال ذو القرنين لأرسطوطاليس، لما أراد الخروج: عظني بما أستعين به في سفري. فقال: اجعل تأنيك أمام عجلتك، وحيلتك رسول شدّتك، وعفوك ملك قدرتك.
وأنا ضامن لك قلوب الرعية. إن لم تخرجهم بالشدّة عليهم، ولم تبطرهم بفضل الإحسان إليهم.
الحثّ على تسويد الكبار «٤»
قال قيس بن عاصم لبنيه: إذا متّ فسوّدوا كباركم ولا تسوّدوا صغاركم، فيحقر
стр. 196
الناس كباركم فتهونوا. وردّ على النبي ﷺ إخوة فتكلّم أصغرهم، فقال النبي ﷺ : كبّروا كبروا. وفي ضده قيل السودد مع السواد، وقيل من لم يسد قبل الأربعين لم يسد بعدها.
وصف صغار سادوا باستحقاق
لما ولّى المأمون يحيى بن أكثم «١» قضاء البصرة، وكان من أبناء نيف وعشرين سنة، أراد بعض أهل البصرة أن يعيّره بذلك ويضع منه، فقال: كم سنّ القاضي؟ فقال: سنّ عتاب بن أسيد حين ولاه رسول الله ﷺ مكّة فجعل جوابه احتجاجا.
وقد أمر رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص «٢» وسنّه دون العشرين، وولّى الحجّاج محمد بن أبي القاسم، قتل الأكراد بفارس، فأبادهم ثم ولاه السند والهند فأحمد أثره، وسنه سبعة عشر سنة، فقال فيه الشاعر:
قاد الجيوش لسبع عشرة حجة ... يا قرب ذلك سوددا من مولد
وقال السري الرفّاء «٣» :
لا تعجبوا من علوّ همّته ... وسنّه في أوان منشاها
إنّ النجوم التي تضيء لنا ... أصغرها في العيون أعلاها
من طاعته واجبة ورئاسته مستحقّة
قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«٤» ، وقال رسول الله ﷺ :
إسمعوا وأطيعوا، ولو ولي عليكم عبد حبشي مجدع.
وقال عليّ بن الجهم:
أغير كتاب الله تبغون شاهدا ... لكم يا بني العبّاس بالمجد والفخر
كفاكم بأن الله فوّض أمره ... إليكم وأوصى أن أطيعوا أولي الأمر
وقال البحتري:
مفروضة في رقاب النّاس طاعته ... عاصيه من ربقة الإسلام منخلع «٥»
وقال أبو العتاهية:
أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرّر أذيالها
стр. 197
فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها
كون الإنسان رئيسا حيثما كان
قال المتنبّي:
إن حلّ في فرس ففيها ربّها ... كسرى تذلّ له الرقاب وتخضع
أو حلّ في روم ففيها قيصر ... أو حلّ في عرب ففيها تبّع
أسامي ملوك كلّ صقع
خزحير صاحب أفريقية، كسرى صاحب فارس، قيصر صاحب الروم، يغفور صاحب الصين، البهراج صاحب الزنج، خاقان صاحب الترك، زنبيل صاحب الخرز، أصفر صاحب علوا، كابيل صاحب النوبة، أصبهيد صاحب الجبل، أمير المؤمنين والخليفة والإمام صاحب المسلمين، تبّع صاحب حمير، ويقال لهم الأقيال والعباهلة، حكى ذلك الجاحظ.
المجمع على سيادته
قال أبو تمّام:
لو أن إجماعنا في فضل سودده ... في الدين لم يختلف في الأمّة اثنان
وقال نهار بن قوسعة:
قلّدته عرى الأمور نزار ... قبل أن تملك السراة العجوز
المزري رئاسته بغيره
قال عبد الملك، وقد ذكر عنده عمر بن الخطاب ﵁: قلّلوا من ذكره فهو طعن على الأئمة وحسرة على الأمة.
وقال رجل لمالك بن طوق: أصبحت والله ناصحا متبعا فاضحا لكل وال قبلك، بحسن سيرتك متبعا لكل وال بعدك لقصوره عنك.
رئيس يتلوه رؤساء
قال عليّ بن الجهم «١» :
كأنه وولاة العهد تتبعه ... بدر السماء تلته الأنجم الزهر
стр. 198
وقال أحمد بن أبي طاهر:
كأنّ عليّا وأبناءه ... هلال تحفّ به الأنجم
أخذ ذلك من جرير حيث يقول:
كالبدر حفّ بواضحات الأنجم
أمير الأمراء
قال المتنبيّ:
وقد رأيت الملوك قاطبة ... وسرت حتّى رأيت مولاها
وقال آخر:
ولو جمع الأئمة في مقام ... تكون به لكنت لهم إماما
وقال ابن الرومي:
سادة الناس كالجبال وأنتم ... كالنجوم التي تفوق الجبالا
وقال الخوارزمي:
إلا حركا لي أبرويز بن هرمز ... وقولا له قم تلق أعجوبة قم «١»
تطلع إلى الدنيا لتعلم إنّما ... ملكت من الدينار مقدار درهم
من هو رأس القوم وروحهم
قيل: الملك كالرأس وأعوانه كالجوارح «٢» صلاحها بصلاحه.
قال منصور النمريّ:
الناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الرأس
وقال الماني:
لو يكتب الناس أسماء الملوك إذا ... أعطوك موضع بسم الله في الحسب
وقال إبراهيم بن هرمة:
وجدتك من قيس إذا القوم حصلوا ... مكان نياط القلب بين الأضالع «٣»
وقال الفرزدق:
منّا الكواهل والأعناق تقدمها ... والرأس منّا وفيه السمع والبصر
وسئل بعضهم عن رئيسهم كيف هو؟ فقال: هو فينا مكان الروح في الجسد. وقيل:
هو الذروة وهم الزمع «٤» ، هو الرأس والناس الذنابى.
стр. 199
وصف قوم كلّهم رؤساء
قال أحمد بن طاهر:
كلّهم سيد فمن تلق منهم ... قلت هذا أولى بحلّ وعقد
وقال العرندس:
من تلق منهم تقل لاقيت سيّدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري «١»
من المرؤوس فيهم رئيس غيرهم
قال ابن أذينة:
سمين قريش بائع منك لحمة ... وغثّ قريش حيث كان سمين
وقال حجر بن خالد:
يسود ثنانا من سوانا وبدؤنا ... يسود معدّا كلّها ما تدافعه «٢»
قوم توورثت فيهم السّيادة
قال طريح:
مثل نجوم السّماء أن أفلت ... منها نجوم بدت نظائرها «٣»
وقال آخر:
إذا مقرم منا ذر حدّ نابه ... تخمّط فينا ناب آخر مقرم «٤»
وقال أبو تمّام:
رأيتهم ريش الجناح إذا مضت ... قوادم منها بشّرت بقوادم «٥»
مصدر متابع
وقال وهب الهمداني:
صدر المجالس حيث كا ... ن لأنّه صدر المجالس
وقال آخر:
إذا ابتدر الباب المهيب رأيته ... يدفّ جناحيه الكهول الجحاجح»
стр. 200
وقال المسيّب:
تبيت الملوك على رغمها ... وشيبان إن غضبت تعتب
وقال عمرو بن هداب: كنا نعرف سودد سلم بن قتيبة، بأنه كان يركب وحده ويرجع في عدة. وكان ملك بن مسمع صاح يوما فوافى بابه عشرون ألف مدجّج، وسأل عبد الملك عنه، فقيل: لو غضب لغضب لغضبه مائة ألف، يبذلون له أنفسهم وأموالهم، ولا يسألونه: فيم غضب؟
فقال: هذا وأبيك السودد.
ولم يكن في الإسلام أكثر عقد لواء من أبي موسى «١» ﵁، ولاه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي؛ ومن روح ابن حاتم ولاه السفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد «٢» .
الموصوف بأنّه ناصر الدولة
قال رؤبة «٣» في أبي مسلم «٤» :
ما زال يأتي الأمر من أقطاره ... على اليمين وعلى يساره
مشمّر ما يصطلى بناره ... حتى استقرّ الملك في قراره
وقال كثير «٥» :
أبوك حمى أميّة حين مالت ... دعائمها وأصحر للضّراب
وكان الملك قد نصلت يداه ... فردّ الملك منه في نصاب
قال المنصور يوما للمهدي: ما أيدت بما أيد به من كان قبلي. أيّد معاوية بزياد وأيّد عبد الملك بالحجّاج. قال: فقلت قد أيّدت بمن فوقهما، فقال تعني أبا مسلم؟ قلت:
نعم. قال: قد كان كذلك لكن خيّرنا بين أن يقتلنا أو نقتله فاخترنا قتله.
من انقادت الأيّام لطاعته
قال عصابة:
ما زال تجري على الدنيا حكومته ... حتّى لقد ظنّ كلّ أنّه الفلك
стр. 201
وقال أبو الشيص «١» :
ملك كان الموت يتبع قوله ... حتّى يقال تطيعه الأقدار
من كان القضاء يجري بأمره
قال شاعر:
كان القضاء بما هويت كفيلا
قال التنوخيّ:
يكون كما شاء والقضاء كأنّه ... بأمرهم في الخلق سار وواقع
وقال المثقّب «٢» :
ولو علم الله الجبال عصينه ... لجاء بأمراس الجبال يقودها
فقير متولّ للريّاسة
قال حسّان بن ثابت:
ويسود مقترنا على الإقلال
وقال لآخر:
يسوّد ذا المال القليل نواله ... مروءته فينا وإن كان مصرما «٣»
من نال السيادة بنفسه
قال المأمون: خمسة ملكوا الأقاليم برأيهم وشجاعتهم: الإسكندر نهض من الروم فملك الأقاليم السبعة، وأزدشير ردّ ما انتشر من ملك أقليم بابل على حداثة سنة، وبهرام جور نهض في ثلاثمائة فارس، فقتل خاقان، وأنوشروان أتى دار مملكة أبيه فملكها، وأبو مسلم نهض لدعوتنا وهو ابن ثمانية عشر سنة، وقيل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
قال النبي ﷺ : ملك الدنيا أربعة مؤمنان وكافران. فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، والكافران نمرود «٤» وشدّاد بن عاد «٥» .
عقد البيعة
أول من عقد البيعة «٦» لغيره أبو بكر ﵁، لعمر بن الخطّاب رضي الله
стр. 202
عنه. وعقد معاوية البيعة ليزيد ابنه، وهو معروف، ولما قعد للبيعة دخل رجل فقال: اعلم أنك لو لم تولّ هذا أمر المسلمين لأضعتهم. فقال للأحنف: لم لا تقول؟ فقال: أخاف الله أن كذبت وأخافك إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الإسلام خيرا.
ولما شاور السفّاح سعد بن عمر والمخزومي في عقد البيعة لعمّه دون أخيه، قال له: أحدثك بحديث، كنت مع مسلمة بن عبد الملك بالقسطنطينية فبلغه وفاة سليمان وولاية عمر بن عبد العزيز الخلافة فجزع جزعا شديدا. فقلت: لا تجزع لموت سليمان ولكن اجزع لخروج الأمر من ولد أبيك إلى ولد جدّك فأمسك السفّاح وعقد البيعة للمنصور.
وال مراع لرعيّته
وصف أعرابي واليا فقال: كان إذا ولى طابق بين جفونه، وأرسل العيون «١» على عيونه. فهو شاهد معهم غائب عنهم. فالمحسن آمن والمسيء خائف.
وقيل من دبّر حاشيته ضبط قاصيته «٢» .
وقال إبراهيم الموصلي:
أصبحت راعينا وحارس أمرنا ... والله من عرض الردى لك حارس
صلاح الرعيّة لصلاح الرّعاة
قال رسول الله ﷺ : لن تهلك الرعية، وإن كانت ظالمة مسيئة، إذا كانت الولاة هادية مهدية. وقيل: زمانكم سلطانكم، فإذا صلح سلطانكم صلح زمانكم.
وقيل: صنفان لو صلحا صلح الناس الفقهاء والأمراء.
وقال بزرجمهر إذا همّ الإمام بظلم ارتفعت البركة. وروي في الخبر إذا جار السلطان في ناحية ضرى «٣» سباعها.
وقيل إذا رضي الراعي بفعل الذئب لم تنبح الكلاب على الغريب. وقيل: أتى عمر ﵁ بتاج كسرى، فقال: إن الذي ردّ هذا لأمين.
فقال رجل: يا أمير المؤمنين أنت أمين الله فإن أديت أدّوا، وإن ربعت «٤» ربعوا. قال صدقت.
قال الشاعر:
ونفسك فاحفظها من الغيّ والردى ... متى تغوها يغو الذي بك يقتدي
стр. 203
صلاح الولاة بصلاح الرعيّة
قال عبد الملك: إنكم لتسومون منّا فعل أبي بكر وعمر، ولستم تعملون بعمل رعيتهما، فأعان الله كلا على كل. وكتب المهدي في جواب كتاب جاءه بشكوى عامل أن الله لا يغير ما بقوم، حتى يغيّروا ما بأنفسهم. وقيل: شيئان صلاح أحدهما بصلاح الآخر:
الرعية والسلطان.
خصب الزمان وطيبه بعدل الولاة وجدبه بجورهم
قال ابن عباس ﵄: إن الأرض لتزين في عين الخليفة إذا كان عليها إمام عادل. وتقبح في أعينها إذا كان عليها إمام جائر.
وروي أن أبرويز «١» نزل بامرأة متنكرا فحلبت بقرة لها، فرآى لبنا كثيرا، فقال للمرأة:
كم يلزمك في السنة لهذه البقرة للسلطان؟ قالت: درهم واحد. قال: وأين ترتع وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتى وقوت عيالي. فتفكّر في نفسه، وقال: إن الواجب أن تجعل إتاوة على الأبقار فلأصحابها نفع عظيم. فما لبث أن قالت المرأة أوّه إن سلطاننا همّ بجور. فقال لها أبرويز: ولم؟ قالت إن درّ البقرة انقطع، وإنّ جور السلطان مقتضى لجدب الزمان، كما أن عدله مقتضى لخصب الزمان.
فأقلع أبرويز عمّا همّ به وتاب مما خطر بقلبه، وكان بعد ذلك يقول إذا همّ الإمام بجور ارتفعت البركة.
وقال سقراط: ينبوع فرح العالم الملك العادل، وينبوع حزنهم الملك الجائر.
وقال الفضيل بن عياض: لو كان لي دعوة مستجابة لم أجعلها إلا في الإمام، لأنه إذا صلح أخصبت البلاد وأمن العباد. فقبّل ابن المبارك رأسه وقال: من يحسن هذا غيرك؟
وكان رجل يساير عاملا فمرّ بقصر خرب عليه زوجا بوم، والذكر يصرصر «٢» للأنثى، فقال العامل للرجل: ما يقول هذا البوم؟ فقال: إن أمنّتني أخبرتك بما يقولان؟ فقال: أنت آمن. قال: إن الذكر خطب الأنثى، فقالت: لا أجيبك حتى تجعل مهري عشرين قرية خربة. فقال الذكر: إن بقي لنا هذا العامل سنة أمهرتك خمسين قرية. فغضب العامل وقال:
لولا أني أمنّتك لعاقبتك.
وقيل: عدل السلطان خير من خصب الزمان، وسلطان عادل خير من مطر وابل.
تفويض كلّ أمر إلى المستصلح له
قال الإسكندر لأرسطوطاليس: أوصني في عمّالي، قال: انظر إلى من كان له عبيد
стр. 204
فأحسن سياستهم فولّه الجند، ومن كانت له ضيعة فأحسن تدبيرها فولّه الخراج.
قدم جماعة من فارس إلى المهديّ يشكون عاملهم، فقالوا للوزير: وليت علينا رجلا إن كنت قد عرفته ووليته علينا فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن كنت لم تعرفه فما هذا جزاء الملك وقد سلّطك الله على سلطانه. فدخل الوزير على المهديّ فأخبره وخرج فقال: إن هذا رجل كان له علينا حق فكافأناه، فقالوا: كان مكتوبا على باب كسرى العمل للكفاءة من العمّال، وقضاء الحقوق على بيت المال، فأمر بعزل ذلك العامل عنهم.
تفضيل الفاجر الكافي على الضّعيف التقيّ
قال عمر ﵁: أعضل «١» بي أهل الكوفة، إذا ولّيت عليهم الفاجر القوي فجّروه، وإذا وليت المؤمن الضعيف هجّنوه. فقال المغيرة المؤمن الضعيف له إيمانه وعليك ضعفه، والفاجر القويّ لك قوّته وعليه فجوره. قال: صدقت وولاه الكوفة.
وكان يقول: أبدا أشكو إلى الله بلادة الأمين ويقظة الخائن.
وقدم أهل السوس «٢» على المنصور يشكون عاملا، فاستحضره واستخفّ به، فقال:
القوم وأشدّ من الخيانة يا أمير المؤمنين. فاستوى جالسا، وقال: ما هو؟ قالوا: لم يسجد لله سجدة قط ظاهرة منذ ولي السوس. فقال: ما أبالي أن لا يصلّي داخلا وخارجا، إذا هو أدّى الأمانة.
تفويض الأمر إلى أهل الذمّة
ورد على عمر ﵁ كتاب، فقال لأبي موسى الأشعري: ادع كاتبك يقرأه على الناس، فقال إنه نصراني لا يدخل المسجد. فقال استعملت على أمانة المسلمين نصرانيا، فقال: يا أمير المؤمنين لنا أمانته وله ديانته. فقال: لا تقرّبوهم وقد أبعدهم الله ولا تؤمنوهم وقد خوّنهم الله.
وشكا رجل عاملا فقال: وضع والله الموحد، ورفع الملحد أوحش المسجد وآنس البيعة.
تفويض الأمر إلى الكافي «٣» وإن كان خائنا
قيل: فوّض الأمر إلى الكافي، وإن كان خائنا، فالمضيع شر من الخائن. لأن التضييع من طبع الجهل، ولا حيلة في الجهل. والخيانة معصية وذنب، ويمكن التوبة منه.
وقيل لا حاجة في الأحمق وإن كان أمينا.
стр. 205
الاستعانة بالموثوق به وإن لم يكن كافيا
قيل: لا تستنصحن غاشّا وإن كان كافيا، فمن استعان بأمين ربح عدم التهمة. وأراد المأمون أن يشخص عبد الله بن طاهر إلى ناحية، وقال له: استخلف. فاطرق فقال له المأمون: مالك تتفكر؟ فقال: إن استخلفت من يستقل بخدمتك خفته، وإن استخلفت من اثق به لم آمن تقصيره. فقال: استعمل من تثق به وأنا أقوّمه.
الصّبر على خيانة الولاة
قيل: لا مال لمن لم يصبر على خيانة الوكلاء وتضييع الولاة. وكان مروان بن الحكم «١» له غلام وكلّه بأمواله، فقال: له يوما: أظنّك تخونني؟ فقال: قد يخطىء الظنّ اتخذتني في مدرعة «٢» صوف ولم أملك قيراطا، وأنا اليوم أتصرف في ألوف، وأتبختر في خزوز إني أخونك وأنت تخون معاوية، ومعاوية يخون الله ورسوله.
المنع من تفويض الأمر إلى القرّاء
قال عدي بن أرطاة لعالم: دلّني على قوم من القراء أولّهم، فقال: إنهم ضربان ضرب طلبوا الأمر لله، وأولئك لا حاجة لهم في لقائك وضرب طلبوا بذلك الدنيا فما ظنك بهم إذا وليتهم. فعليك بأهل البيوتات المستحيين لا حسابهم.
ولما ولى مروان بن محمد أرسل إلى رجل ليوليه فرأى له سجادة مثل ركبة البعير، فقال: يا هذا إن كان ما بك من عبادة الله فما يحلّ لنا أن نشغلك، وإن كان من رياء فما يجوز لنا أن نستعملك.
تفويض الأمر إلى من يتفرّس فيه الخير
قال أبو بكر في عمر ﵄ لما عهد له: إني استعملت عليكم عمر فإن بر وعدل فذاك علمي به، ورأيي فيه. وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرىء ما اكتسب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
واستشار عمر بن عبد العزيز ﵁ في قوم يولّيهم، فقيل: عليك بأهل القدر الذين أن عدلوا فذلك ما رجوت فيهم، وإن قصّروا قال الناس قد اجتهد عمر.
نهي الوالي عن تفويض الأمر إلى ذريّته، وعذر من فعل ذلك
قال بعضهم: إياك والاستعانة بالأقارب، فتبلى كما بلي عثمان ﵁. واقض حقوقهم بالمال لا بالولاية.
стр. 206
قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه لبعض ولاته، لم وليت أقاربك؟، قال: لأني أعلم أخبارهم ولانهم يبقون علي، وعلى حالهم لدي.
حثّ السّلطان على كفاية من يولّيه
قال بعض الأكاسرة: إذا استكفيت رجلا فأسن «١» رزقه وقوي عضده «٢» وأطلق بالتدبير يده. ففي إسنان رزقه حسم طمعه، وفي تقوية يده ثقل وطأته على أهل العدوان، وفي إطلاق التدبير له أخافته عواقب أموره.
وقال المنصور يوما لجنده: صدق القائل أجع كلبك يتبعك. فقال بعضهم: كلا فربما يلوح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك، فقد قيل منع خيرك يدعو إلى صحبة غيرك. فقال:
صدقت.
وقال أبرويز لا توسعنّ على جندك فيستغنوا عنك ولا تضيقنّ عليهم فيضجوا منك، أعطهم عطاء قصد وأمنعهم منعا جميلا، ووسّع على قومك في الرجاء ولا توسّع عليهم في العطاء.
السياسة بالخشونة والعسف
قال الحجّاج دلّوني على رجل أستعمله على الشرطة، وأريده رجلا دائم العبوس طويل الجلوس، سمين الأمانة أعجف الخيانة، يهون عليه سبال في الشفاعة. فقيل له: عليك بعبد الرحمن التميمي. فاستحضره وولاه. فقال: لا أقبلها إلا أن تكفيني عيالك وحاشيتك. فدعاهم وقال: من طلب إليه منكم حاجة برئت الذمة منه. فتولّى، فكان لا يحبس إلا في دين، وإذا أتى بشاهر سلاح قطع يده، وإذا أتى بنقّاب «٣» نقب بطنه، وإذا أتى بنبّاش دفنه حيا، وإذا أتى بمتهم ضربه ثلاثمائة سوط، فربما أقام أربعين يوما لا يؤتى بمتهم.
وصعد الحجّاج المنبر يوما فقال: إنّي أريد الحجّ وقد استخلفت عليكم ابني وأوصيته بخلاف ما أوصى النبي ﷺ في الأنصار، حيث أوصى أن يقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم ألا وإني أوصيته أن لا يتجاوز عن مسيئكم، ولا يقبل من محسنكم ألا وإنكم لتقولون بعدي: لا أحسن الله له الصحبة. وإني معجل لكم الإجابة لا أحسن الله عليكم الخلافة.
وقيل: خير الملوك من أشبه النسور ومعناه سلطان يأكل الرعية خير من سلطان تأكله الرعية.
وسأل عبد الرحمن بن عوف عمر ﵄ أن يلين للناس، فقال: الناس لا
стр. 207
يصلح لهم إلا هذا. ولو علموا ما لهم عندي، لأخذوا ثوبي من عاتقي.
السياسة بالرّغبة والهيبة
كان أنوشروان يوقّع في عهود الولاة: سس خيار الناس بالمحبة، وامزج للعامة الرهبة بالرغبة. وسس «١» السفلة بمجرد الهيبة.
ولما وفد سعد العشيرة في مائة من أولاده على ملك حمير، سأله عن صلاح الملك، فقال: معدلة شائعة وهيبة وازعة «٢» ، ورعية طائعة ففي المعدلة حياة الأنام، وفي الهيبة نفي الظلام، وفي طاعة الرعية حسن الإسلام.
وقال زياد: ما غلبني معاوية في شيء من السياسات، إلا في واحدة. استعملت رجلا على قرية فكسر خراجها ولحق بمعاوية. فكتبت إليه أن ابعثه إليّ، فكتب ليس ينبغي أن نسوس الناس سياسة واحدة. إذا وليت القطاة فحق أن لي الليانة، لكن إذا هرب هارب من باب وجد بابا يدخله والسلام.
وقال أنوشروان إن هذا الأمر لا يصح له إلا لين في غير ضعف وشدة في غير عنف «٣» .
ودخل أبو معاذ على المتوكل حين استخلف فأنشده:
إذا كنتم للنّاس أهل سياسة ... فسوسوا كرام النّاس بالرفق والبذل
وسوسوا لئام النّاس بالذلّ يصلحوا ... على الذلّ، إن الذل يصلح للنّذل
السياسة بالملاينة
أوصى عمر بن عبد العزيز واليا، فقال: عليك بتقوى الله فانها جماع الدنيا والآخرة.
واجعل رعيتك الكبير منهم كالوالد، والوسط كالاخ، والصغير كالولد. فبّر والدك وصل أخاك وتلطّف بولدك.
وقال بعضهم: الحبس يحبس المال والقيد يقيّده، والتسهيل يسهّله. فاستعمل الرفق يرج «٤» مالك.
ولّى أمير المؤمنين رجلا فقال: لا تضربنّ أحدا سوطا ولا تتبعنّ له رزقا ولا كسوة لشتاء أو صيف، ولا دابة يعملون عليها. فقال: يا أمير المؤمنين إذا أرجع إليك كما ذهبت.
فقال: وإن رجعت كما ذهبت. إنما أمرنا أن نأخذ منهم العفو.
стр. 208
وروي أن عمر ﵁ أتي بمال كثير فقال لعماله: إني أظنّكم قد أهلكتم الناس، فقالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفوا صفوا بلا وسط. وقال معاوية لمروان: من ترى للعراق؟ فقال من لا يمسح الحلوب «١» ، حتى يجمع الدرّة، ولا يدنى بالعلبة حتى يمسح الصرّة.
الحثّ على ترك التتبّع والرسوم الجائرة
كتب بعض الوزراء إلى عامل: سوق السعادة عندنا كأسدة وألسنتهم لدينا معقولة ولم نرد هذه الناحية لاحياء العظام الناخرة، ولا لتتبع الرسوم العافية. عامل الناس بما في ديواننا فإنّها أيام قلائل فإما ذكر الأبد أو خزي الأبد. وتجنّب أن تكون، كما قال جرير:
وكنت متى حللت بدار قوم ... حللت بخزية وتركت عارا
وقيل: لا ينبغي للوالي أن ينقض سنّة «٢» ... اجتمعت عليها الألفة وصلحت عليها
العامة.
وأخرج أبو علي بن رستم عاملا إلى بعض النواحي، وكان في القرية حمام كثير فعدّه وأخذ واحدة منها وشقّ حوصلتها وعدّ الحبوب الموجودة فيها واحتسب بذلك. فقال: إن كل حمامة تأكل في السنة من الحنطة كذا. وألزمهم ذلك فكتب أبو علي إليه كتابا وفي آخره هذا الشعر:
عجبت من نفسي ومن إشفاقها ... ومن طرادي الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها ... والموت في عنقي وفي أعناقها
والأبيات لرؤبة قالها وقد تولى طراد الطير عن زرع له.
وكتب إلى أنوشروان عامل له بناحية يعلمه جودة الريع «٣» بها، ويستأذنه في الزيادة على الرسم. فأمسك عن إجابته. فعاوده العامل في ذلك، فكتب إليه: قد كان في تركي إجابتك عن كلامك ما حسبتك تنزجر به عن تكلّف ما لم تؤمر به. فإذ قد أبيت إلا تماديا في سوء الأدب فاقطع إحدى أذنيك. واكفف عمّا ليس من شأنك. فقطع العامل إحدى أذنيه ائتمارا له.
حثّ الولاة على مراعاة الديانة
قال أزدشير «٤» : الدين والملك أخوان لا غنى بأحدهما عن الآخر. فالدين أس والملك حارس، والبناء ما لم يكن له أس مهدوم، والملك ما لم يكن له حارس فضائع.
حثّ السلطان على اعتبار ظاهر الرعيّة دون بواطنهم
قال بعض الملوك: أنا أملك الأجساد، لا النيّات. وأحكم بالعدل لا بالرضا، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر.
стр. 209
وقال معاوية الناس أعطونا سلطانا وأعطيناهم أمانا، وأظهروا لنا طاعة تحت حقد، وأظهرنا لهم حلما تحت غضب.
قال الشاعر:
لقد أحلك من يعصيك ظاهره ... وقد أطاعك من يعصيك مستترا
حثّ الوالي على اكتساب مودّة الرعيّة
كتب أرسطوطاليس إلى الإسكندر: أملك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها.
فإنّ طلبك ذلك باحسانك أدوم بقاء منه باعتسافك «١» ، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّها إلى القلوب بالإحسان، واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول، قدرت أن تفعل.
فأحسن قولها تأمن فعلها. وقال علي بن عبد الله بن عباس: تطلب محبة الرعية فطاعة المحبة أفضل من طاعة الهيبة.
السّياسة بالعمارة
كان يقال أسوس من «٢» زياد. قيل إنه ركب يوما بالسوس فرأى عمارة حسنة فخاف أهلها أن يزيد في خراجها، فالتفت إليهم وقال بارك الله عليكم فقد وضعت عنكم مائة ألف لما رأيت من عمارة بلدكم.
قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لله درّ زياد، سعى أهل العراق سعي الأم البرّة، وجمع منهم المال جمع الذرة فاغناهم وحباهم بحسن التدبير.
وقيل: من طمع في وفور الارتفاع بغير العدل فهو يهزأ بنفسه.
ذمّ جامع للمال تارك للعمارة
حول عامل لأنوشروان من الأهواز «٣» فضل ثمانين درهم على الغبرة القائمة، فسأله أنوشروان عن ذلك فقال: وجدت في أيدي قوم فضولا فاخذتها منهم. فقال: ردّ هذا المال لمن أخذته منهم، فإن مثلنا في ذلك إن أخذناه كمثل من طيّن سطحه بتراب أساس بيته، فيوشك أن يكون ضعف الأساس وثقل السطح مسرعين في خراب بيته.
ولما عزل عثمان ﵁ عمرو بن العاص عن مصر، وولّى عبد الله بن أبي سرح، دخل عليه عمرو، فقال له عثمان: أشعرت أن اللقاح بعدك درّت ألبانها؟ فقال: نعم ولكنّكم أعجفتم «٤» أولادها.
стр. 210
وقال الحجّاج لبعض الدهاقين «١» من الريّ ما بال بلدكم قد خرب؟ فقال: لأن عمالكم استعملوا فيها قول شاعركم:
لا تكسع الشول بأغبارها ... إنّك لا تدري من الناتج «٢»
واصبب لأضيافك ألبانها ... فإنّ شر اللبن الوالج
النّهي عن المقاطعة
قبل المأمون السواد من إسحاق بن إبراهيم سنين، فانقضت قبالته «٣» فسأله أن يجددها. فجلس المأمون فقال أيها الناس أني قبلت السواد من إسحاق ثلاث سنين وانقضت، وسأل أن أقبله ثلاثا مستأنفة فهل له من شاك أو متظلم؟ فقام شيخ فقال يا أمير المؤمنين إن الله تعالى جعلنا في يدك أمانة ولم يجعلنا قبالة فإن رأيت أن تقبلنا من أحد فافعل. فقال: لا قبلت بعد هذا. وقيل المقاطعة تقطع.
الحثّ على مراعاة أهل الخراج
قال زياد: أحسنوا إلى أهل الخراج فانكم سمان ما سمنوا. قال جعفر بن يحيى:
الخراج عمود السلطان، وما استفزر بمثل العدل ولا استنزر بمثل الجور.
نفع الأنصاف وكونه سبب العمارة
. قيل: لا يكون العمران حيث يجور السلطان. وقال عمرو بن العاص: سلطان عادل خير من مطر وابل، وعدل قائم أجدى من عطاء دائم، وسبع حطوم خير من وال غشوم.
عدل السلطان خير من خصب الزمان.
وكتب عامل إلى عمر بن عبد العزيز: إن مدينتنا قد خربت. فقال: اعمرها بالعدل ونظّف طرقها من الظلم والسلام.
وقال أنوشروان: حصّن المملكة بالعدل، فهو سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق. ورفع إلى كسرى أن مع فلان مالا عظيما يرجح على ما في بيت المال، فوقّع: ماله مالنا وخصب الزمان خصبنا.
محافظة الطرق
كان المنصور يقول: لا أبيت على تضييع الطريق فهو قوام الملك، ولا على إذلال حاكم فهو عزّ الملك. وقال بزرجمهر «٤» : عزّ الملك بأربعة أشياء: حراسة منازل الرعية في الأمصار،
стр. 211
وحفظ طرقها في الأسفار، ومنع عدوها عن حريمها، وإعزاز قضاتها، وقال المتنبّي:
إذا طلبت ودائعهم ثقات ... دفعن إلى المحاني والرّعان «١»
فماتت فوقهن بلا صحاب ... تصيح بمن يمر: ألا تراني
وصيّة الكبار بتحرّي الإنصاف
كان كسرى يقيم رجلين عن يمينه وشماله إذا قعد للنظر في أمور الناس. فكان إذا زاغ «٢» ، حرّكاه بقضيب كان معهما، وقالا له، والرعية يسمعون: أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق، وعبد لا مولى. ليس بينك وبين الله قرابة. أنصف الناس وانظر لنفسك.
ودخل أسقف نجران على مصعب، فكلّمه بشيء أغضبه فرماه بمحجن. فقال الأسقف: إن لم يغضب الأمير، حدّثته بحديث، فقال: حدّث. فقال: في الإنجيل ليس للإمام أن يظلم وبه يلتمس العدل، ولا أن يسفّه ومنه يطلب الحلم فاعتذر منه وندم.
مدح العفّة والأمانة والحثّ عليهما
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«٣» . إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقال تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
«٤» وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
«٥» .
وقال ﵊: لا إيمان لمن لا أمانة له.
وقال أعرابي اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال بعضهم: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقال الجاحظ: سقى الله قبر الأحنف، حيث يقول الزم الصحة يلزمك العمل.
وقيل: من أحرز العفاف لم يعدم الكفاف «٦» . وقال معاوية ﵁: من ولّيناه أمرا فليلزم الرفيعين: الأمانة والعدل.
منع الوالي عن قبول الهديّة
قال النبي ﷺ : الهدية تذهب السمع والبصر، وقال: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوّة.
وبلغ أنوشروان أن بعض عماله قبل هدية، فأحضره فلمّا دخل عليه، قال: هل قبلت الهدية؟ فقال: نعم، فقال: إن قبلتها لتستكفيه شيئا لم تكن تستكفيه لو لاها، إنك لخائن.
وإن قبلتها ولم تكافئه إنك للئيم. ولئن كافأته بسطت لسان رعيتك عليك ذمّا. فمن أتى صنيعا لا يخلو من هذه الثلاثة رغبنا عنه، وعزله. وقال الحجاج لوال: لا تقبل الهدية
стр. 212
فصاحب الهدية لا يرضى بعشر أمثالها مع الشنعة، ثم اسلخ ما بين أقفائهم إلى عجب ذنبهم فانهم يرضون عنك.
مدح من لا يتكسّب في ولايته ولا ينفق
اجتمع عند المنصور يزيد بن أسيد ومعن بن زائدة وعدة من الأماثل، فقال معن:
ولاني أمير المؤمنين موضع كذا، فحملت إليه كذا وكذا، وأنت ولاك أرمينية «١» فبعثت إليه بمشربة طبخ. فقال يزيد: يا أمير المؤمنين أيما أحب إليك الضنين بأمانته «٢» أو الجواد بخيانته؟ فقال المنصور: بل الضنين بأمانته. وولّى مصعب جد الأصمعي الأهواز فعاد ولم يكن له إلا درهمان. فقيل له ذلك، فقال: ما وجدت إلا مسلما له ما لي، وعليه ما عليّ أو ذميا له ذمة واجبة عليّ فلم أدر أين أضع يدي.
ودخل عمير بن سعد على عمر لما رجع إليه من ولاية حمص، وليس معه إلا جراب وإداوة، وقصعة وعصا، فقال عمر: ما الذي أرى بك من سوء الحال؟ فقال:
أو لست تراني صحيح البدن معي الدنيا بحذافيرها. فقال: وما معك؟ قال: جرابي أحمل فيه زادي وقصعتي أغسل فيها ثوبي ورأسي، وإداوتي فيها ماء سقيتي ووضوئي، ومعي عصاى إن لقيت عدوّا دافعته بها وما بقي فتبع لما معي. قال:
صدقت.
قال بعض الخراسانية:
فعاش خمسين عاما في ولايته ... وجاع يوم ثوى في لحده خدمه
وهذا البيت يمكن أن يكون مدحا وأن يكون ذما.
تحريض الوالي على الاكتساب
كتب أبو العيناء «٣» إلى صديق له تولّى عملا: أما بعد فإني لا أعظك بموعظة الله تعالى، لأنك غنيّ عنها ولا أخوفك إياه لأنك لا تخافه، ولكنّي أقول ما قاله الشاعر:
أحار بن عمر وقد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «٤»
واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة خرفة، والجمع كيس، والمنع صرامة. فاذكر أيام
стр. 213
العطلة في حال الولاية، ولا تحقرنّ شيئا صغيرا، فالذود «١» إلى الذود إبل، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبه. وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما هده الوصية كما أوصى به الحكماء، ولكنّي رأيت الحزم في أخذ العاجل وترك الآجل.
من أريد عزله فاحتال أن يقرّ على ولايته
كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وإلى المغيرة «٢» ، أن يقدما عليه. فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة. فقال عمرو للمغيرة: ما جمعنا معاوية إلا ليعزلنا. فإذا دخلت فاشك إليه الضعف، واستأذنه أن تأتي الطائف. وأنا أسأله مثل ذلك فسيظنّ أنا نريد به شرا، فسيردنا إلى العمل.
فدخل المغيرة فسأله أن يعفيه وأن يأذن له في الذهاب إلى الطائف، ثم دخل عمرو فسأله مثل ذلك فقال معاوية لقد تواطأتما على أمر وهممتما بشر ارجعا إلى عملكما.
ولما استخلف سليمان بن عبد الملك تهدّد الحجّاج بالعزل فكتب إليه الحجاج: يا سليمان إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجّاج. وأنت نقطة إن شئت أثبتك وإلا محوتك فأقرّه على عمله.
وكان معاوية عزل عمرا عن مصر بأبي الأعور السلمي، وكتب إليه على يده، وقال:
ائته وادفع إليه الكتاب وأخرجه. فلما انتهى إلى مصر علم عمرو سبب مورده، فقال لوردان غلامه: احتل عليه. فقال: نعم. فلما دخل، وأراد أن يناوله الكتاب حلف أن لا يأخذ الكتاب أو يأكل فقعد للأكل مع عمرو. فاحتال وردان وسرق كتبه. فلما فرغ وطلب الكتاب لم يجده. فقال: إن أمير المؤمنين عزلك بي. فقال: هات الكتب فلم يجدها، فاضطرب. فكتب عمرو في الوقت إلى معاوية وأرضاه، فلما سمع بخبره ضحك وأمر برد أبي الأعور إليه.
وقدم عمر ﵁ الشام فتلقاه معاوية في موكب عظيم، وكان عمر على حمار هزيل، فلم يعرفه معاوية، وجازه حتى نبّه. فنزل له فاعرض عنه عمر، وقال: قد صرت صاحب الموكب وذوو الحاجات تقف على بابك. قال: نعم، فقال: ونعم أيضا؟ فقال:
إنني ببلد يكثر فيه جواسيس العدوّ ولا بد مما يرهبهم من آلة السلطان، فإن أمرتني فعلت وإن نهيتني انتهيت. فقال عمر ﵁: لا آمرك ولا أنهاك، والله لئن صدقت لقد فعلت فعل أريب، ولئن كذبت فقد اعتذرت عذر أديب. فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما صدر عما أوردته فقال عمر ﵁ لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشّمناه.
стр. 214
اعتذار طالب رئاسة تعذّرت عليه
قال رجل عند معاوية: عجبا لعليّ كيف طلب الخلافة؟ فقال معاوية: اسكت فما كان في خطبتها، إلا كما قال الشاعر:
لئن كان أدلى دلوه فتعذّرت ... عليه وفاتت رائدا فتخطّت
فما رغبة عنه تخطّت حباله ... ولكنّها كانت لآخر حطّت
وقيل لرجل خطب ولاية من أمير: ما ولّاك الأمير؟ فقال ولّاني ظهره وأعطاني منعه وحماني نفعه. وربّ ساع لم يدرك المنى، وحال بينه وبين مطلوبه القضاء.
مدح الإمارة والرخصة في الولاية
روي أن رجلا ذمّ الإمارة عند النبي ﷺ ، فقال ﵊: نعم الشيء الإمارة، لمن أخذها بحقها.
وقال بعضهم: لولا الحظ في الولاية لما قال نبيّ الله يوسف ﵇ لكافر:
إجعلني على خزائن الأرض أني حفيظ عليم. وقال بزرجمهر: أغبط الناس الملك الحازم المظفر. وقيل: حبّذا الإمارة ولو على الحجارة. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء وحطّ الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
وقيل لآخر: فقال اللواء المنشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.
مدح الاشتغال وذمّ الفراغ
قيل: العطلة موت الحال، وطالت عطلة دينار ثم عرض عليه شغل، فشاور الموبذ في ذلك، فقال: اعلم أن العطلة سكون، والحياة حركة، فإن استطعت أن تخرج من حيز الأموات إلى حيز الأحياء فافعل.
وقيل: إذا كان الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة. وقال أكثم: ما يسرني أني مكفي كل أودي. فقيل له: ولم؟ قال: أكره طاعة العجز وذلك أن مع الكفاية العجز والبلادة، ومع الحاجة الفطنة والشهامة.
ذمّ الولاية والتزهيد فيها
روي أن النبي ﷺ قال لعمّه العباس ﵁: يا عمّ نفس تحييها خير من إمارة تحصيها.
وقال ﷺ : ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة. فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
ولما ولي أبو بكر ﵁ خطب الناس فقال: أن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. فرفع الناس رؤوسهم، فقال: ما لكم إن الرجل إذا صار ملكا زهّده الله
стр. 215
فيما في يده ورغبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق. فهو يحسد على القليل ويتسخّط الكثير. فهو كالدرهم والسراب الخادع، جذل الظاهر حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه ونضب عمره حاسبه الله فاشد حسابه وأقل عفوه.
وقال مطرف: لا تنظروا إلى خفض عيش السلطان ولين لباسه ولكن انظروا إلى سرعة ظعنه «١» وسوء منقلبه «٢» .
وقال ابن عباس ﵄: ما ملك أحد قطّ إلا شوطر عقله وضوعف بلاؤه وحزنه. ولمّا ولى محارب القضاء قيل للحكم بن عتيبة: ألا تأتيه؟ قال: ما أصابته عند نفسه مصيبة فأعزيه ولا نالته نعمة فأهنئه وما كنت زوّارا له من قبل فآتيه.
وقال بعض الولاة لبهلول: كيف تجدك؟ قال: بخير ما لم أتولّ شيئا من أمور المسلمين. قال: أتحب أن تكون صحيحا؟ قال: لو كنت صحيحا لنزعت نفسي إلى طلب الدنيا، فهذا أصلح لي. أرجو أن أكسب الأجر وأن يحط الله عنّي الوزر «٣» .
وقيل لأعرابي أيسرك أن تكون خليفة وتموت أمتك؟ قال: لا، لأنها تذهب الأمة وتضيع الأمّة.
النهي عن طلب الرئاسة
قال رجل لبشر الحافي: أوصني. قال: الزم بيتك، فترك طلب الرئاسة رئاسة. وقال ابن مسهر: ما بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين. وكان سفيان يتمثّل بقول الشاعر:
حبّ الرئاسة داء لا دواء له ... وقلّ ما تجد الراضين بالقسم
وقال آخر:
وأكثر هالك في النّاس تلقى ... فرأس هلاكه طلب الرئاسة
وقال آخر:
بلاء النّاس مذكانوا ... إلى أن تنهض السّاعه «٤»
طلاب الأمر والنهي ... وحبّ السمع والطّاعه
قساوة قلب من تولّى رئاسة
كان عبد الملك بن مروان يسمّى حمامة المسجد، للزومه المسجد الحرام. فلما أتاه الخبر بخلافته، كان المصحف في حجره «٥» ، فوضعه وقال: هذا فرق بيني وبينك. وقال:
следующие страницы →