Полный текст (1 556 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وحفظ طرقها في الأسفار، ومنع عدوها عن حريمها، وإعزاز قضاتها، وقال المتنبّي:
إذا طلبت ودائعهم ثقات ... دفعن إلى المحاني والرّعان «١»
فماتت فوقهن بلا صحاب ... تصيح بمن يمر: ألا تراني
وصيّة الكبار بتحرّي الإنصاف
كان كسرى يقيم رجلين عن يمينه وشماله إذا قعد للنظر في أمور الناس. فكان إذا زاغ «٢» ، حرّكاه بقضيب كان معهما، وقالا له، والرعية يسمعون: أيها الملك انتبه أنت مخلوق لا خالق، وعبد لا مولى. ليس بينك وبين الله قرابة. أنصف الناس وانظر لنفسك.
ودخل أسقف نجران على مصعب، فكلّمه بشيء أغضبه فرماه بمحجن. فقال الأسقف: إن لم يغضب الأمير، حدّثته بحديث، فقال: حدّث. فقال: في الإنجيل ليس للإمام أن يظلم وبه يلتمس العدل، ولا أن يسفّه ومنه يطلب الحلم فاعتذر منه وندم.
مدح العفّة والأمانة والحثّ عليهما
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ
«٣» . إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقال تعالى: فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ
«٤» وقال: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ
«٥» .
وقال ﵊: لا إيمان لمن لا أمانة له.
وقال أعرابي اللهم إني أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال بعضهم: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقال الجاحظ: سقى الله قبر الأحنف، حيث يقول الزم الصحة يلزمك العمل.
وقيل: من أحرز العفاف لم يعدم الكفاف «٦» . وقال معاوية ﵁: من ولّيناه أمرا فليلزم الرفيعين: الأمانة والعدل.
منع الوالي عن قبول الهديّة
قال النبي ﷺ : الهدية تذهب السمع والبصر، وقال: إذا دخلت الهدية من الباب خرجت الأمانة من الكوّة.
وبلغ أنوشروان أن بعض عماله قبل هدية، فأحضره فلمّا دخل عليه، قال: هل قبلت الهدية؟ فقال: نعم، فقال: إن قبلتها لتستكفيه شيئا لم تكن تستكفيه لو لاها، إنك لخائن.
وإن قبلتها ولم تكافئه إنك للئيم. ولئن كافأته بسطت لسان رعيتك عليك ذمّا. فمن أتى صنيعا لا يخلو من هذه الثلاثة رغبنا عنه، وعزله. وقال الحجاج لوال: لا تقبل الهدية
стр. 212
فصاحب الهدية لا يرضى بعشر أمثالها مع الشنعة، ثم اسلخ ما بين أقفائهم إلى عجب ذنبهم فانهم يرضون عنك.
مدح من لا يتكسّب في ولايته ولا ينفق
اجتمع عند المنصور يزيد بن أسيد ومعن بن زائدة وعدة من الأماثل، فقال معن:
ولاني أمير المؤمنين موضع كذا، فحملت إليه كذا وكذا، وأنت ولاك أرمينية «١» فبعثت إليه بمشربة طبخ. فقال يزيد: يا أمير المؤمنين أيما أحب إليك الضنين بأمانته «٢» أو الجواد بخيانته؟ فقال المنصور: بل الضنين بأمانته. وولّى مصعب جد الأصمعي الأهواز فعاد ولم يكن له إلا درهمان. فقيل له ذلك، فقال: ما وجدت إلا مسلما له ما لي، وعليه ما عليّ أو ذميا له ذمة واجبة عليّ فلم أدر أين أضع يدي.
ودخل عمير بن سعد على عمر لما رجع إليه من ولاية حمص، وليس معه إلا جراب وإداوة، وقصعة وعصا، فقال عمر: ما الذي أرى بك من سوء الحال؟ فقال:
أو لست تراني صحيح البدن معي الدنيا بحذافيرها. فقال: وما معك؟ قال: جرابي أحمل فيه زادي وقصعتي أغسل فيها ثوبي ورأسي، وإداوتي فيها ماء سقيتي ووضوئي، ومعي عصاى إن لقيت عدوّا دافعته بها وما بقي فتبع لما معي. قال:
صدقت.
قال بعض الخراسانية:
فعاش خمسين عاما في ولايته ... وجاع يوم ثوى في لحده خدمه
وهذا البيت يمكن أن يكون مدحا وأن يكون ذما.
تحريض الوالي على الاكتساب
كتب أبو العيناء «٣» إلى صديق له تولّى عملا: أما بعد فإني لا أعظك بموعظة الله تعالى، لأنك غنيّ عنها ولا أخوفك إياه لأنك لا تخافه، ولكنّي أقول ما قاله الشاعر:
أحار بن عمر وقد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق
وباه تميما بالغنى إنّ للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق «٤»
واعلم أن الخيانة فطنة، والأمانة خرفة، والجمع كيس، والمنع صرامة. فاذكر أيام
стр. 213
العطلة في حال الولاية، ولا تحقرنّ شيئا صغيرا، فالذود «١» إلى الذود إبل، والولاية رقدة فتنبّه قبل أن تنبه. وأخو السلطان أعمى عن قليل سوف يبصر، وما هده الوصية كما أوصى به الحكماء، ولكنّي رأيت الحزم في أخذ العاجل وترك الآجل.
من أريد عزله فاحتال أن يقرّ على ولايته
كتب معاوية إلى عمرو بن العاص وإلى المغيرة «٢» ، أن يقدما عليه. فقدم عمرو من مصر والمغيرة من الكوفة. فقال عمرو للمغيرة: ما جمعنا معاوية إلا ليعزلنا. فإذا دخلت فاشك إليه الضعف، واستأذنه أن تأتي الطائف. وأنا أسأله مثل ذلك فسيظنّ أنا نريد به شرا، فسيردنا إلى العمل.
فدخل المغيرة فسأله أن يعفيه وأن يأذن له في الذهاب إلى الطائف، ثم دخل عمرو فسأله مثل ذلك فقال معاوية لقد تواطأتما على أمر وهممتما بشر ارجعا إلى عملكما.
ولما استخلف سليمان بن عبد الملك تهدّد الحجّاج بالعزل فكتب إليه الحجاج: يا سليمان إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيت في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما، وإلا فأنا الحجّاج. وأنت نقطة إن شئت أثبتك وإلا محوتك فأقرّه على عمله.
وكان معاوية عزل عمرا عن مصر بأبي الأعور السلمي، وكتب إليه على يده، وقال:
ائته وادفع إليه الكتاب وأخرجه. فلما انتهى إلى مصر علم عمرو سبب مورده، فقال لوردان غلامه: احتل عليه. فقال: نعم. فلما دخل، وأراد أن يناوله الكتاب حلف أن لا يأخذ الكتاب أو يأكل فقعد للأكل مع عمرو. فاحتال وردان وسرق كتبه. فلما فرغ وطلب الكتاب لم يجده. فقال: إن أمير المؤمنين عزلك بي. فقال: هات الكتب فلم يجدها، فاضطرب. فكتب عمرو في الوقت إلى معاوية وأرضاه، فلما سمع بخبره ضحك وأمر برد أبي الأعور إليه.
وقدم عمر ﵁ الشام فتلقاه معاوية في موكب عظيم، وكان عمر على حمار هزيل، فلم يعرفه معاوية، وجازه حتى نبّه. فنزل له فاعرض عنه عمر، وقال: قد صرت صاحب الموكب وذوو الحاجات تقف على بابك. قال: نعم، فقال: ونعم أيضا؟ فقال:
إنني ببلد يكثر فيه جواسيس العدوّ ولا بد مما يرهبهم من آلة السلطان، فإن أمرتني فعلت وإن نهيتني انتهيت. فقال عمر ﵁: لا آمرك ولا أنهاك، والله لئن صدقت لقد فعلت فعل أريب، ولئن كذبت فقد اعتذرت عذر أديب. فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما صدر عما أوردته فقال عمر ﵁ لحسن مصادره وموارده جشّمناه ما جشّمناه.
стр. 214
اعتذار طالب رئاسة تعذّرت عليه
قال رجل عند معاوية: عجبا لعليّ كيف طلب الخلافة؟ فقال معاوية: اسكت فما كان في خطبتها، إلا كما قال الشاعر:
لئن كان أدلى دلوه فتعذّرت ... عليه وفاتت رائدا فتخطّت
فما رغبة عنه تخطّت حباله ... ولكنّها كانت لآخر حطّت
وقيل لرجل خطب ولاية من أمير: ما ولّاك الأمير؟ فقال ولّاني ظهره وأعطاني منعه وحماني نفعه. وربّ ساع لم يدرك المنى، وحال بينه وبين مطلوبه القضاء.
مدح الإمارة والرخصة في الولاية
روي أن رجلا ذمّ الإمارة عند النبي ﷺ ، فقال ﵊: نعم الشيء الإمارة، لمن أخذها بحقها.
وقال بعضهم: لولا الحظ في الولاية لما قال نبيّ الله يوسف ﵇ لكافر:
إجعلني على خزائن الأرض أني حفيظ عليم. وقال بزرجمهر: أغبط الناس الملك الحازم المظفر. وقيل: حبّذا الإمارة ولو على الحجارة. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ قال: رفع الأولياء وحطّ الأعداء، وطول البقاء مع القدرة والنماء.
وقيل لآخر: فقال اللواء المنشور، والجلوس على السرير، والسلام عليك أيها الأمير.
مدح الاشتغال وذمّ الفراغ
قيل: العطلة موت الحال، وطالت عطلة دينار ثم عرض عليه شغل، فشاور الموبذ في ذلك، فقال: اعلم أن العطلة سكون، والحياة حركة، فإن استطعت أن تخرج من حيز الأموات إلى حيز الأحياء فافعل.
وقيل: إذا كان الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة. وقال أكثم: ما يسرني أني مكفي كل أودي. فقيل له: ولم؟ قال: أكره طاعة العجز وذلك أن مع الكفاية العجز والبلادة، ومع الحاجة الفطنة والشهامة.
ذمّ الولاية والتزهيد فيها
روي أن النبي ﷺ قال لعمّه العباس ﵁: يا عمّ نفس تحييها خير من إمارة تحصيها.
وقال ﷺ : ستحرصون على الإمارة ثم تكون حسرة وندامة يوم القيامة. فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة.
ولما ولي أبو بكر ﵁ خطب الناس فقال: أن أشقى الناس في الدنيا والآخرة الملوك. فرفع الناس رؤوسهم، فقال: ما لكم إن الرجل إذا صار ملكا زهّده الله
стр. 215
فيما في يده ورغبه فيما في يد غيره، وانتقصه شطر أجله وأشرب قلبه الإشفاق. فهو يحسد على القليل ويتسخّط الكثير. فهو كالدرهم والسراب الخادع، جذل الظاهر حزين الباطن. فإذا وجبت نفسه ونضب عمره حاسبه الله فاشد حسابه وأقل عفوه.
وقال مطرف: لا تنظروا إلى خفض عيش السلطان ولين لباسه ولكن انظروا إلى سرعة ظعنه «١» وسوء منقلبه «٢» .
وقال ابن عباس ﵄: ما ملك أحد قطّ إلا شوطر عقله وضوعف بلاؤه وحزنه. ولمّا ولى محارب القضاء قيل للحكم بن عتيبة: ألا تأتيه؟ قال: ما أصابته عند نفسه مصيبة فأعزيه ولا نالته نعمة فأهنئه وما كنت زوّارا له من قبل فآتيه.
وقال بعض الولاة لبهلول: كيف تجدك؟ قال: بخير ما لم أتولّ شيئا من أمور المسلمين. قال: أتحب أن تكون صحيحا؟ قال: لو كنت صحيحا لنزعت نفسي إلى طلب الدنيا، فهذا أصلح لي. أرجو أن أكسب الأجر وأن يحط الله عنّي الوزر «٣» .
وقيل لأعرابي أيسرك أن تكون خليفة وتموت أمتك؟ قال: لا، لأنها تذهب الأمة وتضيع الأمّة.
النهي عن طلب الرئاسة
قال رجل لبشر الحافي: أوصني. قال: الزم بيتك، فترك طلب الرئاسة رئاسة. وقال ابن مسهر: ما بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين. وكان سفيان يتمثّل بقول الشاعر:
حبّ الرئاسة داء لا دواء له ... وقلّ ما تجد الراضين بالقسم
وقال آخر:
وأكثر هالك في النّاس تلقى ... فرأس هلاكه طلب الرئاسة
وقال آخر:
بلاء النّاس مذكانوا ... إلى أن تنهض السّاعه «٤»
طلاب الأمر والنهي ... وحبّ السمع والطّاعه
قساوة قلب من تولّى رئاسة
كان عبد الملك بن مروان يسمّى حمامة المسجد، للزومه المسجد الحرام. فلما أتاه الخبر بخلافته، كان المصحف في حجره «٥» ، فوضعه وقال: هذا فرق بيني وبينك. وقال:
стр. 216
إنّي كنت أتحرّج أن أطأ نملة وأن الحجّاج يكتب إلي في قتل فئام «١» من الناس فما أحفل «٢» بذلك.
وقال له الزهري يوما: بلغني أنك شربت الطلاء فقال: أي والله والدماء. وقال: عجبا للسلطان كيف يحسن، وإذا أساء وجد من يزكيه ويمدحه؟ وفي كتاب الهند: السلطان ذو غدوات وبدوات ونزوات، أي أنه سريع الإنصراف كثير البذاء «٣» هجوم على الأمور.
تكدّر عيشه
قيل: لا أحد أمرّ عيشا وأكدّ تعبا وأطول فكرة، من الملك العارف بالمعاد المتيقن بالثواب والعقاب، قال الشاعر:
يا ربّ أفئدة بنار همومها ... تكوى فتشقى في جسوم ناعمه
وقيل: لا تنظروا إلى خفض عيش السلطان ولين لباسه، وانظروا إلى سرعة ظعنه ومكنون حزنه وسوء منقلبه.
من أظهر الندامة عند الموت من الكبار لما ثقل
رأى عبد الملك غسالا فقال: وددت أني كنت غسالا لا أعيش إلا بما كسبت يوما فيوما. فذكر لأبي حازم، فقال: الحمد لله الذي جعلهم يتمنون عند الموت ما نحن فيه.
ولا نتمنى عنده ما هم فيه. وكان يقول: بعنا الدنيا والآخرة بغفوة.
ممتنع من الولاية
في الخبر، نودي لقمان أني أجعلك خليفة في الأرض. فقال: إن أجبرني ربّي فسمعا وطاعة، وإن خيّرني اخترت العافية. فولّاه الحكمة، وصرفت الخلافة إلى داود ﵇. فكان إذا رآه داود، قال: وقيت الفتنة يا لقمان.
وقيل لبعضهم: ما يمنعك من الإمارة؟ قال حلاوة رضاعها ومرارة فطامها. وبعث هشام إلى إبراهيم بن جبلة فقال: أنا قد عرفناك صغيرا، وخبرناك كبيرا، ورضينا سيرتك.
وقد رأيت أني أشركك في عملي وقد ولّيتك خراج مصر. فقال: أما الذي عليه رأيك، فالله يجزيك، وأما أنا فما لي بالخراج بصر، فضحك وقال: لتلينّ طائعا أو كارها فتركه حتى سكنت سورة غضبه، ثم قال: إن الله تعالى يقول: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها
«٤» فما غضب حيث أبين ولا أكرههن إذ كرهن فأنت حقيق «٥» أن لا تغضب ولا تكره فغضب وتركه.
стр. 217
ولما أراد عمرو بن هبيرة تولية أياس القضاء قال له: أني لا أصلح لأني عيي دميم حديد، فقال أما الحدة فالسوط يقوّمك، وأما الدمامة فإني لا أحاسن بك، وأما العيّ فإنك تعبر عما تريده فولاه.
حثّ الوالي على ادّخار الإحسان
قال جعفر بن محمد: كفّارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان. وقال بعضهم لوال:
بادر بإحسانك الليالي ... فليس من غدرها أمان
وقيل: أحسن والدولة تحسن إليك، وأنشد:
إذا هبت رياحك فاغتنمها ... فإنّ لكل خافقة سكون «١»
ولا تزهد عن الإحسان فيها ... فما تدري السكون متى يكون
وقيل: اجعل زمان رخائك «٢» عدة لزمان بلائك «٣» . وقيل: تودّد الرجل في علو مرتبته ذب «٤» للشماتة أيام سقطته. واستعمل عمر ﵁ رجلا، فقال: إن العمل كبير فانظر كيف تخرج منه.
ذمّ مغترّ بولايته
وصف أعرابي واليا فقال: ما أطول سكر كأس شربها فلان. ولما يخاف من عاقبتها أشد سكرا. ولئن كانت الدنيا مشغولة به ليوشك أن تكون فارغة منه، حيث لا يرجى له أو به ولا تقبل له توبة.
وذكر الأصمعي أن قول الشاعر:
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف غبّ ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وعند صفو الليالي يحدث الكدر
كأنما أخذ من قوله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«٥» .
ودخل الأنباري الشاعر على الصاحب بالأهواز، وكان نازلا في دار ابن بقية، فلم يعرفه الصاحب ولم يلتفت إليه، فانشأ يقول:
اسمع مقالي ولا تغضب عليّ فما ... أبغي بذلك لا بذلا ولا عوضا
في هذه الدار في هذا الرواق على ... هذا السرير رأيت الملك فانقرضا
стр. 218
فقال له: من أنت؟ فانتسب له، فاقبل عليه وأكرمه وخوّله.
وقال البسامي:
فلا يغرركم نعم توالت ... فإنّ الدهر حال بعد حال
تهديد وال بعزله:
قال إبراهيم بن العباس الصوليّ:
أبا جعفر خف نبوة بعد دولة ... وعرّج قليلا عن مدى غلوائكا «١»
فإن يك هذا اليوم يوما حويته ... فإنّ رجائي في غد كرجائكا
وقال جحظة:
قد نلتم منحة ما نالها بشر ... وحزتم نعمة ما حازها ملك
فليت شعري أمقدار تعمدكم ... بما أتاكم به، أم خولط الفلك
ونظر الفضل بن مروان في رقاع «٢» الناس فإذا رقعة فيها:
تعززت يا فضل بن مروان فاعتبر ... فقبلك كان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة أملاك مضوا لسبيلهم ... أبادهم الأقياد والحبس والقتل
وإنّك قد أصبحت في النّاس ظالما ... ستودي كما أودى الثلاثة من قبل
يعني الفضل بن يحيى، والفضل بن الربيع، والفضل بن سهل.
وقال رجل لبعض الولاة: ما أنت إلا أن يزيلك القدر عن القدرة فتحمل على المذلّة والحسرة.
تمنّى العزل له تبرّما به
لما ولي أبان بن عثمان المدينة «٣» ، كان يطوف ليلة فسمع قائلا يقول: اللهمّ اعزل عنّا أبانا، فقال له أبان وهو لا يعرفه: ما فعل لك أبان؟ فقال: استطالت ولايته فمللتها، فقال: ويحك إنما له ستة أشهر، فقال: بدون هذا نفع الملك.
وسمع المهدي إنسانا يدعو عليه فقال: يا هذا هل أسأت إليك قط؟ قال: لا ولكني مللتك. فقال: أو لم أتول منذ شهرين فقال: أو لم يكن في ذلك ما يمل، إني لأمل كنيتي فأغيرّها في الشهر مرتين.
من رغب في العزل عن ولايته
كتب بعض العمال إلى واليه وقد ولاه موضعا يقال له شير:
ولاية الشير عزل ... والعزل عنه ولاية
стр. 219
فولّني العزل عنه ... إن كنت بي ذا عنايه
أصير بالعزل عنه ... إلى غنى وكفايه
واستعفى رجل من ولاة عبيد الله بن طاهر فوقّع في قصته: يعفى ولا يستكفى وينفى إلى يافا «١» .
من هدّده واليه بالعزل
وقّع يحيى بن خالد إلى عامل: كثر شاكوك وقلّ شاكروك، فإما اعتدلت وإما اعتزلت. ووقّع إلى آخر: أنصف من وليت أمره وإلا أنصفه منك من ولي أمرك.
ووقّع المأمون لآخر: لو استقامت لك الطريقة، لرضيت الخليقة، فإن لم تدع فيهم القذل «٢» راعينا فيك العزل. ووقّع إلى أحمد بن هشام في رقعة متظلم: اكفني أمر هذا وإلا كفيته أمرك والسلام.
تمنّي زوال مملكة خسيس
قال البسّامي:
ألا يا دولة السفل ... أطلت المكث فانتقلي
ويا ريب الزّمان أفق ... نقضت الشرط في الدّول
وقال أبو تمّام الطائي:
كانت شماتة شامت عارا فقد ... أضحت به تنضو ثياب العار «٣»
وقال جحظة:
سألت الله تعميرا طويلا ... ليبهجني بخطب يعتريكم «٤»
أخاف بأن أموت وما أرتني ... صروف الدهر ما أهواه فيكم «٥»
وقال أبو عطاء:
يا ليت جور بني مروان عاد لنا ... وأن عدل بني العبّاس في النّار
من شمت النّاس بعزله
قال أبو العيناء في ابن حمدان: لئن فضحته القدرة، لقد جمّلته النكبة «٦» . وقال لموسى ابن فرخشاه. الحمد لله الذي أذلّ عزّتك وأذهب سطوتك، وأزال مقدرتك، فلئن أخطأت فيك النعمة لقد أصابت فيك النقمة.
стр. 220
وقال البحتري:
ففرحة النّاس بإدباره ... كغيظهم كان بإقباله
وقال القاسم بن طوق:
رزقت سلامة فبطرت فيها ... وكنت تخالها أبدا تدوم
وقد ولّت بدولتك الليالي ... وأنت ملعن فيها ذميم
فبعدا لا إنقضاء له وسحقا ... فغير مصابك الخطب الجسيم
ولما قبض المعتصم على الفضل بن مروان قعد للعامة فوجد قصة فيها:
يا فضل لا تجزعنّ ممّا بليت به ... من خاصم الدهر جاثاه على الرّكب
خنت الإمام وهذا الخلق قاطبة ... وجرت حتّى أتى المقدار في الكتب
جمعت شتّى وقد أديتها جملا ... لانت أخسر من حمّالة الحطب «١»
ودخل أبو العيناء على أحمد بن أبي دؤاد، فقال: ما جئتك مسليا ولا معزيا. ولكن أحمد الله فيك إذ حبسك في جلدك، وأبقى لك عينا تنظر بها إلى زوال النعمة عنك.
وقال محمود الوراق:
خنازير ناموا عن المكرمات ... فانبههم قدر لم ينم
فيا قبحهم عند ما خوّلوا ... ويا حسنهم في زوال النّعم
من تحامل الناس عليه لنكبته وعزله
لما عزل المنصور بن عمران عن القضاء، جعل الناس يسبّونه. وكان فيهم رجل يلجّ في أذاه فقال له: يا هذا أسأت إليك قطّ؟ قال: لا. قال: فما حملك على هذا الذي تأتيه؟
قال: سمعت الناس يشتمونك فساعدتهم، فأنشد المنصور:
غير ما طالبين وترا ولكن ... مال دهر على أناس فمالوا «٢»
ولما نكب على بن عيسى، جفي جفاء عظيما وهجره الناس قاطبة، ثم لما رشّح للولاية تزاحم الناس عليه، فأنشأ يقول:
ما النّاس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فحيثما انقلبت يوما به انقلبوا
صعوبة العزل
قيل: العزل طلاق الرجال. وسئل بعض الحكماء: ما أشد ما يمرّ على الإنسان؟
.
стр. 221
فقال بعضهم: فقر في سفر، وقال بعضهم: مرض في غربة. فقال: أشدّ من ذلك عزل مع نكبة.
وكان ليوسف ابن عمر جارية حظيّة، وكانت على رأسه، فأتاه كتاب فلمّا قرأه تغيّر لونه، فقالت: أيها الأمير هذا كتاب عزل. قال كيف دريت؟ قالت: لتغيّر في وجهك قلما عهدته. وقد كان يعزل عنها خوف الحبل، فقالت: كيف أجزت العزل لي وهذا طعمه؟ فقال: إذا لا أعاود ذلك.
من لم يبال بالعزل
قال زياد: إن الأحنف قد بلغ من الشرف ما لا تنفع معه الولاية ولا يضرّه العزل، وقال أحمد بن طاهر:
ما وضع العزل منك قدرا ... ولا تعالى عليك وفرا
وقال ابن طباطبا:
لقد سرّني أن الصيانة وفّرت ... عليك بعزل كان فيه رضاكا
تسلية معزول
أراد الرشيد أن يعزل الفضل بن يحيى عن خاتمه ويصيّره إلى أخيه جعفر، فكتب إليه: قد رأى أمير المؤمنين أن ينقل خاتمه من يمينك إلى شمالك، فأجابه الفضل: ما انتقلت عنّي نعمة صارت إليك، ولا خصصت بهادوني.
قال ابن المفجع:
لم يعزلوا الأعمال عنه وإنّما ... عزلوا العفاف به عن الأعمال
وقال أبو تمام:
وما كنت إلا السيف جرّد للوغا ... فأحمد فيه ثم صار إلى الغمد «١»
ونحوه، ما كتب به بعضهم: ما عزلت عن الديوان ولكن عزل عنك. فأنت المهنأ وهو المعزّى. وقد كنت محتاجا إلى العزل ليعرف الجور من العدل. قال: وإن العزل غاية كل وال. قال أبو هفان:
لأنت في العزل على غضّه ... أنبل من غيرك في الأمر
وقال آخر:
وكلّ نار لها اتّقاد ... لا بدّ يوما لها خمود «٢»
стр. 222
رفيع معزول بدنيء
قال ابن بزدويه الأصبهاني- لمّا عزل أبو علي بن رستم، وقلّد أبو الحسن، وأبو مسلم- يخاطب عليّ بن عيسى:
أيا ابن عيسى سمتنا ... مقابح الحوادث
بعاملين أخرقين عابس وعابث ... طيرين أرسلتهما
عززهما بثالث
ولمّا عزل وكيع عن رئاسة بني تميم قال بعضهم: عزلت السباع وولّيت الضباع فصار الأمر إلى الضياع. ولبعضهم في مثله: أي حق رفع، وأي باطل وضع.
بدّل لعمرك من يزيد أعور
وقال ابن أبي الرعد:
فإن تك قد عزلت فلا عجيب ... ضياء الشمس يعزله الظّلام
وقال كناس لما عزل علي بن عيسى وولّي مكانه ابن الفرات: أخذوا المصحف «١» ووضعوا مكانه طنبورا «٢» .
من يقرب عزله من ولايته
قال الشاعر:
فإنك في زمن دهره ... كيوم ودولته ساعتان
وقال ابن حجّاج:
يوم الخميس بعثت بي ... وصرفتني يوم الأحد
فالنّاس قد غنوا علي ... كما خرجت من البلد
ما قام عمرو في الولا ... ية ساعة حتّى قعد
وقال آخر:
رأينا لأبواب ابن بلبل ساعة ... من الدّهر إقبالا تطلع فارتحل
أشبهه نقش العروس تخضّبت ... فلما مضى الأسبوع من عرسها نصل «٣»
تذمّم من ولى أمرا صغيرا بعد أن تولّى كبيرا
قيل: عنوق «٤» بعد نوق، وحور بعد كور. وقال المتنبّي:
стр. 223
ومن ركب الثور بعد الجوا ... د أنكر أظلافه والغبب «١»
وكان أبو عماد النميري تولّى أمورا كبارا، فأتى سلطانا يسأله أن يولّيه أمرا، فولاه أمانة قرية، فسرق ما في البيدر. فقال:
أنا باز أضرب الكر ... كي والطير العظاما
وإذا ما أرسل البا ... زي على الصّقر تعامى
أخذ ذلك من قول الآخر:
والصقر يحقر عن طراد الدّخل «٢»
وقيل لبعض من كان في خطبة أمر كبير فامتنع عليه فرضى بصغير: طلبت زلالا ثم شربت رنقا «٣» ، فأنشد:
ومن يبتغ العذب الزلال ويمتنع ... من الشرب من سؤر الكلاب تعطّبا
إذا المرء لم يقدر له ما يريده ... رضي بالذي يقضى له شاء أم أبى
ذمّ متول بغير استحقاق
قال موبذ: بلوغ شرف المنزلة بغير استحقاق، إشفاء على الهلكة. وأتى عبادة دينار بن عبد الله وقد وليّ مصر، فقال: يا فرعون أرفع رأسك وانظر إلى من ندب لولاية مصر. قال ابن بسّام:
كيف تستوثق الأمور وتصفو ... ومدار الدنيا على ابن الفرات «٤»
وصف عاجز في ولايته
في الحديث أن الله يبغض السلطان الركيك «٥» . وورد كتاب صاحب أرمينية على السفّاح بأن الجند قد شغبوا ونهبوا. فكتب إليه: اعتزل أمرنا فلو عدلت لم يشغبوا ولو قريت لم ينهبوا.
واستعمل المنصور رجلا على خراسان «٦» فاتته امرأة في حاجة، فلم تر عنده غنى.
فقالت: أتدري لم ولّاك أمير المؤمنين؟ قال: لا. قالت: لينظر هل يتم أمر خراسان بلا وال.
ووقّع جعفر إلى عامل له: إنك كثير الشكاية قليل النكاية، جرىء في ميدان العلل بطىء في ميدان العمل.
стр. 224
وقال الشاعر:
وأحمد يا قوم لو أمره ... إليّ لألزمته راوية
وولّى ابن هبيرة رجلا ماسبذان «١» فقال: اكتم أمرك حتى ترد إلى عملك. فخرج إلى همدان. فلما بلغ قيل لم يرد علينا ما دلّ على ولايتك. فأخرج عهده فإذا هو إلى صاحب ماسبذان، فكتب إلى ابن هبيرة إني عطلت ما بين سب وبين هم لما رأيت في آخره ذان.
فضحك لما قرأ الكتاب وقال: أنا أولى الناس بأن أؤدب إذ ولّيت مثله واعتمدت جهله.
ذمّ وال خسيس
وقال ابن لنكك «٢»
قل للوضيع أبي رياش لا تبل ... ته كل تيهك بالولاية والعمل
ما ازددت حين ولّيت إلا خسّة ... فالكلب أنجس ما يكون إذا اغتسل
وقال المتنبّي:
كرم الأعمال لا يغنيك والنفس قليله ... ليس في النذل ولو خوّل ملك الأرض حيله
وقال الطرمّاح «٣» :
إذا ما ابن جدّ كان ناهز طيىء ... فإنّ الذرا قد صرن تحت المناسم
من لا يستضرّ بعزله ولا ينتفع بولايته
قال أبو العيناء لصاعد: نحن في دولتك محرومون وفي عطلتك محرومون. وقيل له: ما حالك مع فلان مذ تولّى فقال: أنا معه غير جندب، يعني قول الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب «٤»
وأنشد لأبي الفتح بن أبي جعفر بيتين قالهما في الأستاذ الرئيس لما قبض على بن أحمد بن العباس، فأغير على داره:
أيوجب عدل أهل العدل أني ... أعدّ مع الجناة بلا جناية
أشارك معشرا في صرف دهر ... هم ما شاركوني في الولاية
стр. 225
وقد أحسن المسهل بن كميت حيث يقول:
إذا نحن خفنا في زمان عدوّكم ... وخفناكم إن البلأ لراكد
ذاهب عنه أمره
قيل لرجل زال ملكه: ما كان سبب زوال ملكك؟ فقال: تدبير الأمر بالهوى «١» وتأخير عمل اليوم إلى غد، وقيل ذلك لآخر، فقال: قلّة التيقّظ واشتغالنا باللذّات عن التفرّغ وثقتنا بعمّالنا حتى ظلموا رعيّتنا، فقلّ دخلنا وبطل عطاء جندنا. فقلّت طاعتهم لنا فقصدنا الأعداء فعجزنا عن مدافعتهم.
متولّي رئاسة بغير إستحقاق
قال رجل لسعدان: سوّدك القوم لجهلهم بك، فسيّد الجاهلين غير شريف وإن سوّدوك للفقر إليك فأنت كما قال:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفرّدي بالسودد «٢»
وقال محمّد بن يزيد:
ومن انتكاس الأمر أن ... صارت ولاة الأمر ضبّه «٣»
وشتم مجنون رجلا فقال له: أتشتمني وأنا سيّد قومي؟ فقال المجنون:
وإن بقوم سوّدوك لفاقة ... إلى سيّد لو يظفرون بسيّد «٤»
وقال آخر:
وكلام مثلك في الخطو ... ب من العجائب والكبائر «٥»
وصف عسوف في ولايته
حكى رجل ولاية عامل فقال: كان يجبي خراج «٦» الوحش، ويأخذ جزية السمك ويطلب زكاة الملائكة، ويلتمس جمع الريح ويروم القبض على الماء وحصر الحصى وتحصيل الهباء. ولئن كانت النعمة عظمت على قوم خرج عنهم لقد عظمت المصيبة على
стр. 226
قوم نزل فيهم، وسئل رجل عن وال فقال: هو. كما قال الشاعر:
وكان إذا أناخ بدار قوم ... أبو حسان أورثهم خبالا «١»
وقال عمر ﵁: لا جهل أبغض إلى الله من جهل إمام وخرقه.
وتظلّم أهل الكوفة إلى المأمون في وال كان عليهم فقال المأمون: لا أعلم في عمّالي أعدل وأقوم منه. فقام رجل فقال: إن كان عاملنا بهذا الوصف فحق أن تعدل بولايته فتجعل لكلّ بلد منه نصيبا لتسوّي بالعدل بينهم. فإذا فعل أمير المؤمنين ذلك لا يصيبنا منه أكثر من ثلاث سنين. فضحك وعزله.
وقال المنصور يوما: من بركتنا على المسلمين أن الطاعون رفع عنهم في أيامّنا، فقال بعض الحاضرين: ما كان الله ليجمع علينا ولا يتكم والطاعون. وبلغ من تمرّد يوسف بن عمر أنّه نادى أن لا يضرب «٢» أحد في دار الضرب درهما ينقص عن العيار حبّة، فما فوقها، إلا ضربته ألف سوط فضرب مائة رجل فقالوا: ضرب مائة ألف سوط في حبّة.
وعدّ في سيئات الحجاج أنّه قتل صبرا مائة ألف وعشرة آلاف رجل سوى من قتل في عساكره. ومات في الحبس ثمانون ألفا منها ثلاثون ألف امرأة.
وقال عمر بن عبد العزيز «٣» ﵁: لو جاءت يوم القيامة الفرس بأكاسرتها والروم بقياصرتها وجئنا بالحجّاج لغلبناهم به.
ذمّ إمارة الصّبيان والنّساء
لما مات كسرى، وأخبر النبي ﷺ ، به، قال: من استخلفوا؟ فقالوا: بنيّته بوران.
قال: لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة.
وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: سيأتي على النّاس زمان لا يقرب فيه إلا الماحل «٤» ، ولا يظرف فيه إلا الفاجر، ولا يضعف فيه إلا المنصف، يتخذون الفيء مغنما، والصدقة مغرما «٥» ، فحينئذ يكون سلطان النساء ومشاورة الإماء وإمارة الصبيان.
وقيل: إنّ البوم أراد التزوج، وكان الهدهد دلالا فأتاه وقال: إنهم ضمنوا لك خمس قرى عامرة وخمس قرى غامرة «٦» . فقال: لا حاجة لي في العمران. فقال: خذها فولايتها
стр. 227
إلى امرأة وما تولت امرأة أرضا إلا خربت، فقبلها، وقال: صدقت. وقيل: إذا أراد الله بقوم سوءا جعل أمرهم إلى صبي أو امرأة.
قال الشاعر:
إن ملكا تسوسه ... أمّ موسى وفاطمه
لجدير بأن ترى ... ربة البيت لاطمه «١»
وقال ابن بادان:
ما للنسا وللعما ... لة والخطابة والكتابة
هذا لنا ولهنّ م ... نّا أن يبتن على جنابة
ولابن بسّام في متقدم بامرأة:
نلت ما نلت يا دنيء بأمّ ... هي أعطتك رؤية الأمراء
فإذا عدّت الصنائع يوما ... كنت فيها صنيعة البظراء «٢»
وكان بالريّ «٣» مجنون فقال يوما لفولاذ بن مناذر لما هرب من شيراز «٤» : يا متخلّف كان يجب أن تداوي كسّ الدولة وبظر الملّة، وتدخل إليها فتشيل رجليها حتى كان يستوى أمرك. قال شاعر:
إن الأمور إذا أضحت يدبّرها ... أمّ وطفل وسكران ومجنون
كمنذرات الورى أن لا فلاح لمن ... يرجو النجاح وإن الملك مغبون «٥»
مدح الوزارة وذمّها
قال النبي ﷺ : ما من أحد أعظم أجرا من وزير صالح يكون مع إمام فيأمره بذات الله. وقال ﷺ ما من أحد من المسلمين ولي أمرا فأراد الله به خيرا إلّا جعل معه وزيرا صالحا إن نسي ذكّره وإن ذكر أعانه.
وقيل: ثبات المملكة بقدر هيبة وزرائها، وقيل: لا يطمع الملك الضعيف الوزير، في ثبات ملكه. وقال بعض الملوك لحكيم: أيّ الأعوان أحق بقرب الوسيلة؟
فقال: الوزير الصالح الناصح اللبيب الذي ارتفاعه بارتفاع ملكه وهلاكه بهلاكه.
стр. 228
وقيل: لا تغتر بمناصحة الأمير إذا غشّك الوزير وإذا صادقك الوزير فلا يهولنّك الأمير.
انقياد الأمير للوزير وذمّه بذلك
قيل: الاستسلام للوزير هو العزل الخفي، وقال نصر بن سيار: إذا لم يشرف الأمير على أموره فليعلم إن أغش الناس له وزيره، وقال أبو الشيص:
في الملك لا يصرف الأمر دونه الوزراء
مدح وزير صالح .
قال بشّار «١» :
وقل للخليفة إن جئته ... نصيحا ولا خير في المتّهم
إذا أيقظتك حروب العدا ... فنبّه لها عمرا ثمّ نم
وقال أبو نواس:
قولا لهارون إمام الورى ... عند احتفال المجلس الحاشد
أنت على ما بك من قدرة ... فلست مثل الفضل بالواجد
وقال ابن الرومي:
ظفرت يداك من الوزير بقيّم ... يؤتى نصيحته بلا استكراه
أما ظهارته فسلطانية ... وله بطانة مخبت أواه «٢»
ذمّ اجتماع وزيرين
وقال البسّامي
فقدتكم يا بني الجاحده ... أفي كل يوم لكم آبده
متى سمع الناس فيما مضى ... وزيرين في دولة واحده «٣»
وقال الظاهري:
وزيران أمّا بالمقدم منهما ... فخبل وبالثاني يقال جنون
متى تلق ذا أو تلق ذاك لحادث ... تلاق مهينا لا يكاد يبين «٤»
стр. 229
وقال عبد الملك لما أراد الخروج إلى مصعب وقد نهاه بعض نسائه: كفى فلا يجتمع فحلان في شول «١» ولا قمران في سماء، ولا سيفان في غمد. ويروى للمهلب «٢» في معناه:
ولو صلح التشارك لم تضايق ... ولكن لم يسع أسدين غيل «٣»
تولّي دنيء الوزارة
كان ابن بلبل خاملا وكان يؤاجر في أيام صغره حتى يحكى أنه حمل ليلة إلى موضع فاجتمع عليه عدة، فلم يزالوا يقلبونه إلى الصباح حتى قال: أما فيكم رحيم يتركني انعس نعسة.
قال البسّامي:
كيف ترجو رحمة الله ولا تخشى الحجاره ... والذي كنّا عرفناه قديما بالإجاره
حائز الأمر علينا بتوليّه الإماره وقال آخر:
وزير ما يفيق من الرقاعة ... يولّى ثم يعزل بعد ساعة «٤»
وقال المصيصي:
أنا مذ صرت وزيرا ... طاب شتمي للوزاره
وقال آخر في مثله:
أعيذك بالرحمن من شرّ خائن ... له قلم زان وآخر سارق «٥»
وقال وزير أميّ تولّى شجاع بن القاسم وزارة المستعين وحرص كلّ الحرص على أن يتعلّم الكتابة فما تهيأ له وكان يحضر معه كاتبا يلقنه فيفهم عنه جلّ ما في الكتب، فيعرضه على المستعين.
(٢) ومما جاء في أحوال أتباع السلاطين
وجوب اتباع السلاطين
قال الله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ
«٦» فقرن طاعتهم بطاعته
стр. 230
وقيل: لا تتقرّب الرعية إلى الأئمّة بمثل الطاعة، ولا العبد إلى المولى بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع. وقال الحجاج: والله إن طاعتي أوجب من طاعة الله تعالى، لأن الله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ
«١» وجعل فيه مثوبة «٢» وطاعتي لا مثوبة فيها، وقيل: سعادة الرعية في طاعتهم لملكهم:
ورفع عمر بن الخطاب ﵁ الدرة على سعيد بن عامر فقال: لا يسبق سيلك مطرك، لو أمرت قبلنا، وإن عاتبت أعتبنا، وإن عاقبت «٣» صبرنا، وإن غفرت شكرنا. فقال: ما على المسلمين أكثر من هذا وأمسك عنه.
وجوب ملاينة السلطان ومداراته
قال الله تعالى لموسى وهارون ﵉: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى
«٤» وقال تعالى: وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
«٥» وتعلّق رجل بالرشيد وهو يطوف بالبيت فقال: أني أريد أن أكلّمك بكلام فيه بعض الغلظة «٦» فقال: لا ولا نعمي إن الله بعث من هو خير منك إلى من كان شرا مني. فقال: فقولا له قولا ليّنا، وقال الأحنف «٧» : السلطان من تأبى عليه إذ رآه ومن لان له تخطّاه، وقيل: لتكن مداراتك للسلطان مداراة المرأة القبيحة للزوج المبغض لها فإنها لا تدع التصنّع له في كلّ حال، وقال أبو حنيفة ﵁: إذا بليت بالسلطان فخرّق دينك بالملقى والروغان «٨» ورقّعه بالكفارات والاستغفار.
الحثّ على مصابرة السلطان عادلا كان أو جائرا
قال ابن مسعود ﵁: إذا كان الإمام عادلا فله الأجر وإذا كان جائرا فله الوزر «٩» ، وعليك الصبر.
وجوب تعظيمه ومدح فاعل ذلك
قال ابن عباس «١٠» ﵁: السلطان عزّ الله في الأرض فمن استخفّ به نابته نائبة فلا يلومنّ إلا نفسه. وقيل: إذا جعلك السلطان أبا فاجعله ربا. وقيل: إياك ورفع الصوت على السلطان، فمن رفع الصوت عليه فقد خلعه. قال الله تعالى: لا تَرْفَعُوا
стр. 231
أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ
«١» ، وقال حكيم لابنه: أياك أن تصحب السلطان بالجراءة عليه، والتصغير لقدره، والتهاون بأمره، ولتكن صحبتك له كصحبتك للأسد الضاري، والفيل المغتلم «٢» ، والأفاعي القاتلة، وقالت الحكماء: من حقّ من هازله السلطان وضاحكه ثم دخل عليه أن يدخل عليه دخول من لم يجر بينهما أنس قطّ وأن لا يترك الأحلال له، فإنّ أخلاق الملوك ليست على نظام.
استعمال الوقار في مجلس السلطان
كان أبو القاسم الكعبي المتكلّم في مجلس أمير خراسان، فسقط من السطح طست فتزلزلت منه عرصة «٣» الدار فلم يلتفت أبو القاسم إلى الأمير، فقال الأمير: لا يصلح لوزارتي إلا هو، وأراد عبد الملك أن يجرب الحجّاج فأمر بأن يدخل في سراويله عقارب، فكانت تلدغه ولم يشتغل بها عن محادثة عبد الملك.
ترك عظيم غير السلطان في مجلسه
دخل أبو مسلم على السفاح «٤» وسلم عليه فطرح له متكأ وأبو جعفر «٥» قريب منه فقال السفاح: يا أبا مسلم هذا المنصور. فقال: يا أمير المؤمنين هذا موضع لا يقضى فيه غير حقّك.
وجوب الأعضاء في مجلس السلطان
قيل: أهدي إلى ملك الهند ثياب وحلى، فدعا بامرأتين وخيّر أحظاهما عنده بين اللباس والحلي. وكان وزيره حاضرا، فنظرت المرأة إليه كالمستشيرة فأشار بعينه إلى اللباس، ولحظه السلطان فاختارت الحلى لئلا يفطن الملك للإشارة ومكث الوزير أربعين سنة كاسرا عينه ليظنّ الملك أن ذلك عادته، وقيل: من داخل السلطان فيحتاج أن يدخل أعمى ويخرج أخرس.
المتجنب الكلام الموهم في مخاطبة السلطان
قال الله تعالى: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً
«٦» (الآية) ، وقال الله تعالى: لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِ
«٧» ، وذمّ قوما من سفهاء بني تميم أتوا
стр. 232
النبي ﷺ وقالوا: أخرج إلينا فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
«١» ، ومدح قوما فقال: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى
«٢» ، وقال النبي ﷺ : للعباس أنا أكبر أم أنت؟ فقال:
أنت أكبر وأنا أسنّ. ودخل السيد الحميري على المأمون فقال له المأمون: أنت السيد فقال: بل أنا العبد وأنت السيد. وقال سعيد بن عثمان للطوسي: أيّنا أسن؟ فقال: لقد شهدت زفاف أمك المباركة إلى أبيك الطيب لئلا يوهم أمرا.
المنكر عليه لفظه مع سلطان
قال بعض أصحاب المأمون لرجل نزل له: يقول لك أمير المؤمنين: اركب. فقال: لا يقال لمثله اركب بل يقال له: انصرف. دخل أبو الحسن المدائني على المأمون فلمّا خرج قال له: رجل عرفني ما جرى بينك وبين أمير المؤمنين فقال: لست بموضع ذلك لأنّك لم تميز بين أن تقدّم ذكر أمير المؤمنين وبين أن تقدّم ذكري. وكان الحسن اللؤلؤي يحضر مجلس المأمون ويجاريه الفقه «٣» فنعس المأمون، فقال اللؤلؤي أنعست يا أمير المؤمنين؟ فقال المأمون: سوقي والله يا غلام خذ بيده فجاء الغلام فاقامه، فبلغ ذلك الرشيد فقال متمثلا:
وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه «٤»
وقال الأصمعي للرشيد في شيء سأله عن الخبير سقطت فقال: أسقطك الله على رأسك.
النهي عن التفوّه بما يظنّ فيه تعريض
دعا المنصور جماعة من القراء فقال لأحدهم: اقرأ، فقرأ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ
«٥» فغضب وقال لآخر: اقرأ فقرأ:
كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
«٦» فغضب وأخرجه ثم قال لآخر: اقرأ فقرأ: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
«٧» فأمر له بصلة، وقال المأمون لقارىء عنده: اقرأ فقرأ: فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ
«٨» فأمر أن يجرّ برجله.
دخل أبو النجم على هشام فأنشده:
الحمد لله الوهوب المجزل «٩»
стр. 233
فلما انتهى إلى قوله:
وصارت الشمس كعين الأحول
قال هشام: أبي تعرّض يا ابن اللخناء «١» ، اخرجوه بعينيك وطرده. وأنشد البحتري محمد بن يوسف: لك الويل من ليل تطاول آخره، فقال: بل الويل والحرب لك.
واستنشد أبو دلف راشدا الكاتب بعض ما يرثي به أيره فأنشده:
ألا ذهب الأير الذي كنت تعرفه
فقال: بل أمك التي كانت تعرفه.
النهي عن الوقيعة في السلطان
سمع أعرابي إنسانا يقع في السلطان فقال: يا فلان إنك غفل وكأني بالضاحك لك باك عليك. ودخل خالد بن صفوان على بلال بن أبي بردة حين ولي البصرة فلمّا ولي قال: سحابة صيف عن قليل تقشع «٢» ، فقال بلال: أما أنها لا تنقشع حتى يصيبك منها شؤبوب «٣» بر، ولما عزل أحمد بن عثمان عن أصفهان قال له رجل في وقت خروجه: الحمد لله الذي اراحنا من بغضك، فأمر بحبسه وقال لشهود كانوا معه: اشهدوا أن هذا في حبسي بحقّ، فكان كلما ورد قاض وفتش عن أمر المحبسين لم يعرف ذلك الحقّ الذي حبس به فبقي على ذلك زمانا حتى توصل إلى تنجيز «٤» كتاب كتب منه بعد حين فأطلق، وقيل: ثلاثة ليس من حقها أن يحتملها السلطان: الطعن في الملك وإفشاء السر والخيانة في الحرم.
الإرجاف «٥» بالسلطان
كان بعض الناس أرجف بعزل سلطان فأخذه وضربه فلما خلّى عنه عاد إلى أصحابه وقال: أما عرفتم تحقيق قولي لولا ذلك لما نكاه الخبر به فخلّاه، وقال: لو ترك الأرجاف في موضع لتركه هنا، وخرج جماعة إلى السلطان يطلبون شغلا فلم يجدوا فقال: بعضهم تقوتوا الأرجاف وانتظروا الدول وقيل: الأراجيف تلقيح الفتن. قال شاعر:
أراجيف الأنام مخبرات ... بأمر كائن لا شك فيه «٦»
التحذير من مقاربة السلطان
قيل للعتابي «٧» : لم لا تقصد السلطان فتخدمه؟ فقال: لأنى أراه يعطي واحدا لغير
стр. 234
حسنة ولا يد، ويقتل الآخر بلا سيئة ولا ذنب. ولست أدري أيّ الرجلين أنا ولست أرجو منه مقدار ما أخاطر به وهو الذي قال لامرأته:
أسرّك أنّي نلت ما نال جعفر ... من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
قالت: بلى. فقال:
وإن أمير المؤمنين أغصّني ... مغصّهما بالمرهفات البوارد «١»
قالت: لا. فقال:
ذريني تجئني منيتي مطمئنة ... ولم أتجشّم حول تلك الموارد
فإن جسيمات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود
قال أبو القاسم الدمشقي:
إن الملوك بلاء حيثما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظلّ «٢»
إن جئت تنصحهم ظنّوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ
فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إن الوقوف على أبوابهم ذلّ
وقيل: احذر السلطان فإنه يغضب غضب الصبي ويأخذ أخذ الأسد، وقيل: إياكم والسلطان فإنه فم الأسد وحمة «٣» الأسود. واتصل رجل بالمنذر بن ماء السماء «٤» ونادمه فنهاه صديق له عن ذلك وخوّفه منه فلم يلتفت إلى قوله ولم يسمع قوله فغضب المنذر عليه يوما فقلته. فقال فيه ذلك الصديق:
إنّي نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشّعر
إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بثوبك نيران من الشّرر
التحذير من الدخول في أمر السلطان
قيل: العاقل من طلب السلامة من عمل السلطان فإنه أن عف جنى عليه العفاف عداوة الخاصة، وإن بسط يده جنى عليه البسط ألسنة العامة. إن قال محمد بن السماك لصديق استشاره وقد دعي إلى الدخول في عمل السلطان: يا أخي إن استطعت أن لا تكون لغير الله عبدا ما وجدت من العبودية بدا فافعل. وقال عيسى بن موسى لعبد الرحمن بن زياد: ما يمنعك من زيارتي؟ قال: إن أتيتك فأكرمتني فتنتني وإن جفوتني حزنتني، وليس عندك ما أرجوه ولا عندي ما أخافك عليه. وقيل: إذا لم تكن من قربى الأمير فكن من أعدائه.
стр. 235
حمد الانقباض «١» عن السلطان
قال الأحنف: لا تنقبضوا عن السلطان ولا تتهالكوا عليه فإن من أشرف له أذراه ومن تضرع له تخطاه. وقيل: انقبض عن السلطان ما أمكنك فالسلطان ذو عذاب وبدوات، وهو في قلة وفائه لاصحابه وسخاء نفسه عمن فقد منهم مثل البغي والمكتب، كلما ذهب واحد جاء آخر. كان النعمان دعا بحلّة «٢» وعنده وفود العرب وقال: احضر وفي غد فإني ملبس هذه الحلة أكرمكم فحضر القوم إلا أوسا فقيل له: لم تأخرت؟ فقال: إن كنت المراد فإني أدعي وإن كان المراد غيري فأجمل الأشياء أن لا أكون أنا حاضرا فلما جلس النعمان ولم ير أوسا بعث إليه فقال: احضر وأنت آمن فأحضره وألبسه الحل.
النهي عن الإدلال «٣» على السلطان
قيل: الدالة تفسد الحرمة وتهدم المنزلة، وقال هشام: إنّ فلانا أدل فأمل وأوجف «٤» فأعجف «٥» ولم يدع ليرجع إليه مرجعا وقد مضى في الأخوانيات مثل ذلك.
مخالطة السلطان
قيل: جاور ملكا أو بحرا. وقيل: لم يعر من النوك من لم يخدم الملوك، وقيل: من كان وضيع الهمة لم يصبر لدى الملوك على الخدمة. وقال عبد الله: من نزع عنا «٦» لم ينتفع بنا، وقيل لبعضهم: لا تصحب السلطان، فمثل السلطان مثل القدر من مسه سوّده. فقال:
لئن كان خارج القدر أسود فداخلها لحم كثير وطعام لذيذ.
المتبجّح بمعاضدة «٧» السّلطان
قال الرشيد ليزيد بن مزيد: في لعب الصوالج: كن مع عيسى بن جعفر، فأبى، فغضب الرشيد وقال: أتأنف أن تكون معه؟ فقال: حلفت على أن لا أكون على أمير المؤمنين في جد ولا هزل، فسكن.
قال بعض الخلفاء لجرير: أني أعددتك لأمر، فقال: إن الله تعالى قد أعدّ لك مني قلبا معقودا بنصيحتك، ويدا مبسوطة بطاعتك، وسيفا مشحوذا على عدوّك.
стр. 236
وقال بعضهم: أنا أطوع لك من الردي وأذلّ لك من الحداء.
خطب عبد الملك يوما وحث الناس على قتال ابن الزبير، فقام عدي بن أرطاة فقال: إنّا لا نقول ما قال قوم موسى لموسى ﵇: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون ولكنا نقول إنا معكم مقاتلون.
التمدّح بمتابعة السلطان
أنشد سلم بن قتيبة قول حطابط:
أسود فأكفى أو أطيع المسوّدا
فقال: ما أدري أي هذين أشرف؟ فقال بعض أهل المجلس: هذا فإنه إذا مات السيد يكون مكانه ولو هارّه «١» وشارّه «٢» ما كان ليجعل مكانه. فقال: صدقت. قال حاتم:
أسود ذا الفعال ولا أبالي ... على أن لا أسود إذا كفيت
وقال آخر:
لعمرك ما إن أبو مالك ... بواه ولا بضعيف قواه
إذا سسته سست مطواعة ... ومهما وكلت إليه كفاه
الانخراط في سلك السلطان في جدّه وهزله
دخل الشعبي «٣» على بشر بن مروان «٤» وفي حجره عود فقال الشعبي: أصلح المثنى قال بشر: أتعرف؟ قال: نعم ولك عندي ثلاث الستر لما أرى والشكر لما يكون منك والدخول في ما لم يجمع على تحريمه. ودخل شاب من بني هاشم على المنصور فأجلسه ودعا بغدائه وقال للفتى: ادن، فقال: تغدّيت فلما قام دفع الربيع في قفاه وأخرجه، فجاء عمومته يشكون من الربيع إلى المنصور، فقال: إنّ الربيع لا يقدم على مثل ذلك إلا وفي يده حجة فليدع وليسأل فسئل، فقال دعاه أمير المؤمنين إلى طعامه، فقال: قد تغديت فإذا ليس عنده أن التغدي مع أمير المؤمنين أيسر ما فيه سد الجوعة، ومثله لا يقومه المقال دون الفعال. وقيل: السلطان سوق والناس يجلبون إليها ما ينفق فيها.
الممتنع من أداء المال إلى السلطان
ولي بعض العمال كورة «٥» فاحضر رجلا كان معروفا بكسر الخراج فقدم إلى عونين «٦»
стр. 237
ينتفان سباله إلى أن يؤدي الخراج فقال الرجل: أؤديه اليوم، قال: وخراج أهل بيتك قال: افعل قال: وخراج شركائك، فنظر إلى العونين وقال: انتفا على بركة الله فإنّ الرجل أحمق، ولما طلب يوسف بن عمر خالدا القسري قال قد علمت أن الذي تطلبه ليس بحاضر وإنه لمتبدد عند الناس، فاجمع الناس لي وائذن لي في الخروج إليهم لا كلّمهم واسأل من عنده شيء ليرده.
فأمر بأن يخرج إلى الناس فخطب خطبة وقال: أيها الناس قد علمتم ولايتي وسيرتي وإنما كنت عاملا لهشام وماله عندي تبعة وها هو قد سلط على يوسف بن عمر وطالبني بمال فليبلغ الشاهد منكم الغائب أن من عنده وديعة فهو منها في حل، وكل مملوك لي فهو حر ومن أسديت إليه صنيعا فأنا نادم على تقصيري حيث لم أضعه له وقال شاعر:
وقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا ... هلمّ فإن المشرفيّ لقاضب «١»
المتغيّر على السّلطان لفظا
بعث يزيد عبد الله الأشعري إلى ابن الزبير «٢» فقال له: إن أول أمرك كان حسنا فلا تفسده بآخره. فقال عبد الله ﵁ ليس ليزيد في عنقي بيعة فقال: ولو كان له في عنقك بيعة كنت تفي بها. قال: أي والله فالتفت إلى الناس فقال: معشر الناس قد بايعتم ليزيد وهو يأمركم بالرجوع عن بيعته، وهو لا يرتضي الرجوع عنها. فقالوا لابن الزبير:
كيف رأيت هذا الخلع الخفي. وقال معاوية لامرأة من الخوارج: أخرجي المال من تحت استك «٣» فقالت لمن حضر: أسألكم بالله أهذا من كلام الخلفاء.
المتهّدد بالخروج عن الطاعة والمتبجّح بذلك
قال عبد الملك: عجبا لخالد بن عبد الله وليته البصرة وأمرته أن يجرد السيف ويمنع المال فبذل المال وأغمد السيف. فقال عبد الرحمن بن حسان: لو جرّد السيف لوجد سيوفا مجردة ولو منع المال لوجد أيديا منازعة. قال الفرزدق:
ولا نلين لسلطان يكايدنا ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر «٤»
قال الأوسي:
وما زلنا حجا حجة ملوكا ... تدين لنا الملوك ولا ندين
قال المتنبي:
تعزّز لا مستعظما غير نفسه ... ولا قابلا إلا لخالقه حكما
стр. 238
الحثّ «١» على مصابرة السلطان
قيل: من لزم باب السلطان بصبر جميل، وكظم «٢» الغيظ، واطرح الأنفة وصل إلى حاجته، حكي أنه وجد مكتوب على باب هراة بدر پادشاه كاربرآيد آخر الأمر دادن نك زدايد أي إنما يرتفع الأمر على باب الملوك بالبذل والعقل والتثبت. فكتب بعضهم تحته من كان معه هذه الثلاثة فهو مستغن عن السلطان ونحو ذلك ما روي أن أبا العيناء عتب على بغا فتقضاه فقال بغا: أما علمت أنّ من طالب السلطان احتاج إلى عقل وصبر ومال، فقال: لو كان لي عقل عقلت عن الله أمره ونهيه، أو صبر صبرت عن السلطان حتى يأتيني رزقي، أو مال لاستغنيت به عن بابك والوقوف بجنابك. وقيل: من صحب السلطان احتاج إلى الصبر على قسوته صبر الغواص على ملوحة ماء بحره.
أمارات السلاطين لندمائهم إذا أرادوا نهوضهم
كان لكلّ ملك أمارة يستدلّ بها أصحابه إذا أراد أن يقوموا عنه فكان أردشير إذا تمطى قام سمارة وكان كيشاسف يدلك عينيه ويزدجرد يقول شب بشدو بهرام يقول خرج خسفاذ وسابور يقول حسبك يا إنسان وابرويز يمد رجليه وقباذ يرفع رأسه إلى السماء وأنوشروان «٣» يقول قرّت أعينكم. وكان عمر يقول: قامت الصلاة وعثمان يقول العزة لله، ومعاوية يقول: ذهب الليل، وعبد الملك. يقول: إذا شئتم والوليد يقلي المخصرة «٤» والرشيد يقول سبحان الله والواثق يمسّ عارضيه، وحكي عن بعض البخلاء أنه سئل ما أمارتك لقيامنا قال: قولي يا غلام هات الطعام.
شب بشد معناه الليل حرّم وزان سكر معناه المسرور وطيب الوقت ومستريح الحال وخسفاد معرب خوش باد سابور معرب شاهبور وكيشاسف معرب كشتاسب بضم الكاف الفارسية وهو من الكيانية كما في ص ٣٤ من أول تتمة المختصر ابرويز معرب برريز يزدجر معرب يزدكر دكان ظالما فلذا تقول له الفرس بزه كار والعرب تقول له يزدجرد الأثيم قباذ معرب قباد قاله محمد عارف وكيل جميعة المعارف.
(٣) ومما جاء في القضاء والشهادة
مدح القضاء وذمّه
قال النبي ﷺ : القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة فاللذان في النار أحدهما من
стр. 239
يقضي ولم يعلم والآخر من يعلم فيقضي بغير الحق وأما الذي في الجنة فهو الذي يعلم ويقضي بالحق، وقال ﷺ : إن مع القاضي ملكين يسددانه ويوفقانه فإن عدل أرشداه وأعاناه وإن جار قذفاه في النار. وقيل: المذموم من القضاة من سعى في طلبه، وقال ﷺ : لعبد الرحمن ابن سمرة: يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فانك إن سألتها وكلت إليها وإن سئلتها أعنت عليها، وقال ﷺ : من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين، وروي عنه ﷺ أنه قال: شكت بقعة من الأرض إلى ربها أنها جعلت حشا فأوحى الله إليها أما ترضين أني لم أجعلك بقعة قاض. وكان ابن شبرمة يقول: يا جارية هاتي غذائي لأخرج إلى بلائي.
الممتنع من تولّي القضاء
أمر المنصور أبا حنيفة «١» ﵀ أن يتولى القضاء فقال: لا أصلح لذلك فقال:
إنك تصلح، فقال: إن كنت صادقا فلا يجوز لك أن توليني وإن كنت كاذبا فقد فسقت فقال: والله لتلين. فقال: والله لا وليت فقال حاجبه: أمير المؤمنين يحلف وأنت تحلف فقال: أمير المؤمنين أقدر على الكفارة مني. قيل لما مات عبد الرحمن بن أذينة ذكر أبو قلابة للقضاء فهرب حتى أتى الشأم فوافق ذلك عزل قاضيها فهرب حتى أتى اليمامة فقيل له في ذلك فقال: ما وجدت مثلا للقاضي العالم إلا مثل رجل سابح وقع في بحر، فكم عسى يسبح حتى يغرق.
الممدوح بترك الميل والعفّة والحلم
اختصم إلى زياد رجلان فقال أحدهما: إن هذا يدل بحرمة له عندك، فقال: صدق وسأجزيه بما ينفعه من ذلك، إن كان الحقّ له عليك آخذك به وإن كان الحقّ لك عليه أقضى عليه، ثم أقضى عنه من مالي، وولّى إسماعيل بن أحمد قاضيا عفيفا فكلفه يوما أن يقبل رجلا لم يكن عنده عدلا فامتنع عليه فقال له: ما أثقلك من بين القضاة! فقال: اعزلني إن كنت ثقيلا، فقال: قد عزلتك، فتناول القاضي قلنسوته من على رأسه فجعلها في كمّه وخرج، فندم إسماعيل على ذلك فرده وسأله أن يتولى فأبى عليه ولما استعفى شريح الحجاج من قضاء العراق قال: والله لا أعفيتك أو تدلّني على من إذا غضب على الخصوم رجح به حلمه عن الهجوم، ومن إذا دعاه كثرة المال لم ينهضه إليه سوء الحال فقال: أدلّك على شريف عفيف يمنعه شرفه من التسلّط عليه وتحجبه عفته عن التملّق «٢» قال: من هو؟ قال:
ابن أبي موسى الأشعري فاحضره وولاه، قال الزهري: ثلاث إذا كن في القاضي فليس
стр. 240
بقاض: إذا كره اللوائم وأحب المحامد وخاف العزل، وبه ألمّ الشاعر في قوله:
سيان في الحكم شاكيه وشاكره ... من الأنام وهاجيه ومطريه
كون الحاكم مرضيا ومسخوطا
قيل لشريح ﵀: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت ونصف النّاس عليّ غضبان، وقال رجل لشريح: قضيت عليّ بالجور «١» وليد خلنّك الله النار قال: إذا يدخلها سبعة قبلي من ولّاني ومن علّمني هذا الحكم ومن جاء بك مدعيا والشاهدان والمزكيان.
حثّ الحاكم على التسوية بين الناس
قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
«٢» وقال أيضا:
فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
«٣» وقال: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
«٤» وقال أبو وائل:
سمعت عمارا يقول في بعض القضاة: كان كافرا، فقلت: ما تقول؟ فقال: إن الله تعالى يقول: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
«٥» وقال بعضهم: رضى الناس غاية لا تدرك فتحرّ الخير بحمدك، ولا تكره سخط من يرضيه الباطل. وكان زيد بن ثابت يقضي لعمر ﵁ بالمدينة فتقدم إليه عمر مع أبي في حدّ تنازعاه فخرج إليهما، فقال:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ههنا ههنا ثم توجهت اليمين على عمر فقال زيد لأبي، أعف أمير المؤمنين من اليمين، فقال له عمر ما زلت جائرا منذ اليوم السلام عليك يا أمير المؤمنين وههنا ههنا واعف أمير المؤمنين. وكتب عمر ﵁ إلى قاض: احكم بين أهل الحق بالحق ينفعك يوم الحق. وقيل: لا ينبغي للحاكم أن يسمع شكية أحد الخصمين دون الآخر وفي المثل: من يأت الحكم وحده يفلح. وقال سلمة بن حوشب:
نبّئت أن حكّموك بينهم ... فلا يقولنّ بئسما حكما
إن كنت ذا عرفة بشأنهم ... تعرف ذا حقهم ومن ظلما «٦»
ولا تبال من المحقّ من المبطل ... لا إلة ولا ذمما «٧»
فاحكم فأنت الحكيم بينهم ... إن يعدّدوا الحقّ يابسا صنما «٨»
واصدع أديم السواد بينهم ... على رضا من رضي ومن رغما
حثّ الحاكم على تقليل الكلام
عزل عمر بن عبد العزيز ﵁ قاضيا وقال: بلغني أن كلامك أكثر من كلام
стр. 241
الخصمين وكان أبان يقلّل من الكلام فقيل له في ذلك: فقال: إنّ من كان كلامه حكما فحق عليه أن يتبلم «١» ولا يتكلّم إلا فيما يعنيه.
من استعمل دهاء في أمر
أودع رجل آخر مالا وحج، فلما رجع طلبه منه فجحده، فأتى إياسا «٢» فأخبره فقال له إياس: هل علم أنك أتيتني؟ قال: لا قال: فانصرف واكتم أمرك وعد إليّ بعد يومين. فدعا أياس المودع وقال له: قد حضر مال وأريد أن أدفعه إليك فحصّن منزلك وأحضر قوما ثقات يحملونه. ودعا أياس صاحب المال فقال له: امض إلى صاحبك واطلب منه المال وقل له: إن لم تردّه شكوتك إلى القاضي. فذهب الرجل وطلب ماله فرده عليه فأخبر إياسا بذلك فضحك، واختصم رجلان إلى القاضي شريح في ولد هرة فقال أحدهما: هي ابنة هرتي، وقال الآخر:
كذلك، فقال شريح: ضعوها قدامها فأيهما هرت وأزبأرّت «٣» وفرّت فليست لها وأيهما قرّت واسبطرّت «٤» فهي لها فقرت إحداهما فدفعها إليه.
من لا يغضي «٥» في الحكم على حقّ
أتى المأمون برجل وجب عليه حدّ، فأمر بضربه فقال: قتلت. قال: الحق قتلك.
قال: ارحمني، قال: لست بأرحم ممّن أوجب الحدّ عليك.
وقال خالد بن صفوان لبعض الولاة: جزاك الله خيرا فقد سوّيت بين الناس حتى كأنّك من كل أحد وكأنك لست من أحد. وقال بعضهم: غصبني بعض قواد الأتراك ضيعة أيام المعتز «٦» فتظلمّت فلم ينصفني فلمّا ولي المهتدي جلس يوما للمظالم فتظلمت إليه فأحضر خصمي فقضى لي عليه، فقلت: جزاك الله خيرا فأنت كما قال الأعشى:
حكّمتموه فقضى بينكم ... أبلج مثل القمر الزاهر «٧»
لا يأخذ الرشوة في حكمه ... ولا يبالي غبن الخاسر
فقال: أمّا شعر الأعشى فلا أدري ولكني قرأت قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
«٨» فبكى أهل المجلس كلّهم.
стр. 242
حثّ الحاكم على الاجتهاد
قال النبي ﷺ : لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: بم تحكم؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال:
فإن لم تجد فيه، قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد فيها. قال: أجتهد برأيي. وأراد معاوية ﵁ أن يستعمل عبد الرحمن بن خالد فقال: كيف تعمل؟ قال: اعمل برأيك ما لم يجاوز الحزم فإن جاوزه عملت برأيي، فولّاه.
حثّ الحاكم على الصّلح فيما يشتبه
كتب عمر ﵁، إلى معاوية: عليك بالصلح ما لم يبن فيه فصل القضاء، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: الصلحجائز بين المسلمين إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا. وصالح ابن الزيات عاملا على مال فطالبه به فقال: أظلم وتعجيل؟ فقال ابن الزيات: أصلح وتأجيل؟
من قطع الحكومة بالتهوّر
ولي أعرابيّ ناحية فخطب: ألا أني لا أوتي بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما عقوبة، فتعاطى رعيته بينهم الأنصاف ولم يترافعوا إليه في حق ولا باطل حذرا من عقوبته، وكان بعض الولاة إذا اشتبه عليه حكم، حبس الخصمين حتى يصطلحا. ويقول: دواء اللبس «١» الحبس.
من عارض الحاكم في حقّ إدعاه عليه حتى أدركه منه
قال ابن الزيات «٢» لرجل ادعى عليه في مجلس الحكم وقال: غصبني وكيلك ضيعة لي وحازها إلى أرضك. فقال ابن الزيات: تحتاج فيما تقوله إلى شهود وبينة وأشياء كثيرة.
فقال الرجل: الشهود هي البينة وأشياء كثيرة هي منك فأمر برد ضيعته، وناظره رجل في شيء فقال له: أخرج من داري. فقال: ما هي بدارك إنما هي دار أمير المؤمنين وأنت عبده فقال: نعم هي لأمير المؤمنين فأخرج منها صاغرا «٣» ، فقال الرجل: قد بذلها أمير المؤمنين للعامة وجعلها مجمع الخصوم ومنصف المظلوم فلا أبرح إلا بنصفة، فقال:
صدقت وأنصفه.
وتظلّم رجل من وكيل كسرى بأنه أخذ ضيعة له فقال له كسرى: قد أكلت ارتفاعها أربعين سنة فدعه يأكله سنتين، فقال الرجل: فسلم ملكك إلى بهرام «٤» جور يأكله سنة فقد أكلته سنين كثيرة، فأمر بضرب رقبته فقال: أيها الملك دخلت بمظلمة وأخرج بمظلمتين فأمر برد ضيعته وأرضاه، وادعى رجل على آخر بحضرة قاض فطالبه بالشاهدين وقال:
стр. 243
مالك سبيل إلى ما تدعيه إلا بشاهدين، فقال الرجل: متمثلا بهذا البيت:
وبايعت ليلى في خلاء ولم يكن ... شهودي على ليلى عدول مقانع
فتلطف القاضي في أخذ إقرار المدعي عليه وألزمه الحقّ.
من انقاد للحكم من السّلاطين
قد تقدم خبر عمر مع أبيّ ابن كعب ﵄ وكان عليّ ﵁ تحاكم مع رجل، فشهد له قنبر، فقال شريح: يا أمير المؤمنين خادمك وفي عداد عيالك لا شهادة له، فقال علي وما أنت وهذا، اعتزل عملنا، فعزله، ثم رأى أنه أصاب، فردّه من الغد.
وجلس المأمون يوما للمظالم فدفع إليه رقعة فيها مظلمة من أمير المؤمنين فقال لصاحبها: ما ظلامتك؟ قال: ثلاثون ألف دينار. إشترى سعيد وكيلك مني جواهر بها ولم يوف ثمنها لي. فقال: كلامك هذا محتمل يجوز أن يكون وفره ويجوز أن يكون اشتراه لنفسه ويجوز أن يكون أخذ مني الثمن ولم يدفعه إليك، فقال الرجل: أنت أولى «١» الناس بالإنصاف، إحملني على سنّة النبي ﷺ البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقد عدمت البيّنة «٢» ، فقال: نعم، ودعا بيحيى قاضيه فلما دخل قال له: اقض بيننا فقال: لا أفعل. إنك لم تجعل دارك مجلس قضائي فقال: قد جعلت، فأذن للعامة فخرج المأمون ومعه غلام يحمل مصلّى فطرحه له فقال يحيى: لا تأخذ على خصمك شرف المجلس فدعا له بمثله فادعى الخصم، فقال يحيى: ألك بيّنة؟ قال: لا فابعد البيّنة. قال يمينه فقال للمأمون: أتحلف؟ قال: نعم فاستحلفه فحلف ثم قال المأمون: أدفع إليه ما ادعاه والله ما حلفت فجرة ولكن خوفا من الرعية لئلا يقدروا أني منعته بالاستطالة.
نهي الحاكم عن قبول الهدية
قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ
«٣» وقال النبي ﷺ : لعن الله الراشي والمرتشي. وتخاصمت امرأة من قريش ورجل إلى عمر وكانت المرأة اهدت إلى عمر فخذ جزور «٤» وقالت أفصل القضاء بيننا كما يفصل الجزور، فقضى عمر عليها وقال: إياكم والهدية.
وقال بعضهم كنت في طريق مكة فإذا أعرابي يختصم إليه الناس فيقضي بينهم بالحق فلما تفرقوا قلت: هل أخذت العلم عن أحد؟ قال: لا. قلت: فما هذا الفهم؟ قال بوفق الله. قلت: أرأيت لو تحاكم إليك اثنان فأهدى إليك أحدهما أكنت تقضي له فقال: إذا لا ينزل التوفيق وقد تقدم من ذلك أخبار في باب الولايات.
стр. 244
من مال إلى أحد الخصمين لأجل هدية
اختصم رجلان إلى حاكم فدنا منه أحدهما وقال: قد وجهت إلى دار القاضي فراريج كسكرية وحنطة بلدية وشهدة رومية فقال القاضي بصوت رفيع: قم يا بارد إذا كانت لك بينة غائبة فانتظرها ليس هذا مما يسار فيه، وقيل: الحاكم شيطان ونعم الرقى الرشا.
وتحاكم رجلان إلى المغيرة الثقفي قاضي الحجاج فاهدى أحدهما منارة والآخر بغلة فرأى صاحب المنارة ظلع «١» القاضي مع صاحبه فأراد أن يذكر القاضي فقال: أمري أضوأ عند القاضي من سراج على منارة عظيمة ففطن القاضي لقوله فقال: اسكت فإن البغلة رمحت المنارة فأطفأت نورها. وقال قاض:
إذا ما صبّ في القنديل زيت ... تحوّلت القضية للمقندل
حثّ متحكّم على اعطاء الرشوة
قال ابن طباطبا:
يا خليلي يا أبا الغيث درّك ... نصب القاضي لك اليوم شرك
طلب البرطيل فابذله له ... يسكت القاضي وإلّا ذكرك
لا يهولنّك دنيّته ... أعطه من رشوة ما حضرك «٢»
المهجوّ بأخذ الرشوة
ذكر أعرابيّ حاكما فقال: يقضي بالعشوة «٣» ويطيل النشوة ويقبل الرشوة. قال ابن طباطبا في أحمد بن عثمان البري:
وفينا عاملا عدل وجور ... هما حلفا انبساط وانقباض
فوالى حربنا في وصف قاض ... وقاضينا عقاب ذو انقضاض
واتفق أن وافى أصبهان عليلا، فاحتجب أياما وحضر فيل فكثرت النظارة عليه فمنع عنه الناس إلا ببذل. فقال ابن طباطبا:
شيئان قد حار الورى فيهما ... بأصبهان الفيل والقاضي «٤»
ليس يرى هذا ولا ذا فكم ... من ساخط منّا ومن راض
الفيل يرشى عند سنديه ... فأين سنديك يا قاضي
стр. 245
قال البسامي:
إذا أهل الرشا صاروا إليه ... فأحظى القوم أوفرهم بضاعه «١»
فلا رحم يقرّبهم إليه ... سوى الورق الصحبح ولا شفاعه
وليس بمنكر هذا لديه ... لأنّ الشيخ أفلت من مجاعه
قاض مستول على المواريث
جاءت امرأة إلى قاض فقالت: مات زوجي وترك أبويه وولدا وامرأة وأهلا وله مال فقال: لأبويه الثكل، ولولديه اليتم، ولامرأته الخلف، ولأهله القلة، والذلة والمال يحمل إلينا حتى لا تقع بينكم الخصومة.
المهجوّ من القضاة باللواطة «٢»
قال المأمون ليحيى بن أكثم يعرّض «٣» به: من الذي يقول؟
قاض يرى الحدّ في الزناء ولا ... يرى على من يلوط من باس «٤»
فقال: يا أمير المؤمنين هو الماجن أحمد بن أبي نعيم الذي يقول:
أميرنا يرتشي وحاكمنا ... يلوط والرأس شرّ ما راس
لا أحسب الجور ينقضي وعلى ال ... أمة وال من آل عبّاس
فقال: هذا ينبغي أن ينفى إلى السند، وقال آخر:
ألا لله درّك أيّ قاض ... سبته المرد بالحدق المراض
وقال عبدان:
لنا قاض له وجه ... على أخذ الرشا عابس
ولكن أيره أير ... يدقّ الرطب واليابس
المهجوّ متهم بالابنة «٥» أو الكشح «٦»
لما استولى الناصر على طبرستان، فوض إلى عبد الله بن المبارك القضاء وكان يرمى بالابنة فقال: يا أمير المؤمنين أنا أحتاج إلى رجال أجلاد يعينونني. فقال: قد بلغني ذلك وقال بعضهم:
أنا أعرف للقاضي ... الذي يقضي بسامرّا
غلاما أشقر اللون ... يجرر رمحه جرّا
стр. 246
يشدّ البغل في الخان ... ويلقى خرجه برّا
وقالت امرأة لزوجها: لأشكّونك إلى القاضي. فقال الرجل: الحل على حرام ثلاثا إن لم أكن نكت القاضي. فولولت المرأة وذهبت إلى القاضي وقصّت عليه القصة. فقال:
ارجعي إلى داره فقد كان عارما «١» في صغره فقالت: ناكك وربّ الكعبة. قال ابن عروس:
وخبرت أنّك قاضي البلاد ... فسبحان من حكمه يعدل
وكيف يدير أمر البلاد ... فتى أمر منزله مهمل
كفى من تواضعه أنّه ... لسائسه أبدا أسفل
المهجوّ متّهم بالجهل
قال الصاحب في قاض: يخبط العشواء ويحكم حكم الورهاء «٢» ويناسب أخلاق النساء. ورفع إلى المأمون في قاض أنّ فلانا يعضّ الخصوم، فوقّع ليشنق، ونحوه كان أحمد بن الخصيب إذا ضجر ممن يناظره رفسه فقال فيه شاعر يخاطب المتنصر:
قل للخليفة يا ابن عم محمد ... أشكل وزيرك أنّه ركّال
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور مجال
قال المصيصي:
أفّ لقاض لنا وقاح ... أضحى بريئا من الصّلاح
وليس في الرأس منه شيء ... يدور إلا أبو رياح
من يحكم وهو الظالم
قال شاعر:
والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوما إذا كان خصمه القاضي «٣»
وقال آخر:
ومن المظالم أن ولّي ... ت على المظالم يا فزاره «٤»
وحكي أن ملكا خرج له خرّاج عجز الأطباء عن معالجته، فقال يوما: إنكم تغشونني، فإن داويتموني وإلا قتلتكم، فأجمعوا على أن يقولوا: إنّ دواءك أن تأخذ صبيا
стр. 247
من أبناء العشر، فيأخذ أحد أبويه رأسه والآخر رجليه وتذبحه على جرحك فتشرب دمه بطيب نفس منهما.
وقالوا: قد تحققنا أنه لا يوجد.
فقال: اطلبوا من يأتيني بابن هكذا فأمر فنادوا في البلدان.
فاتفق أنّ رجلا كان إذا ولد له ولد وبلغ عشر سنين يموت لا محالة وكان فقيرا وكان له ابن شارف العشر. فقال لامرأته: تعالي نحمل هذا الابن إلى الملك ونأخذ المال، فإنّ هذا يموت لا محالة. فرضيا بذلك وحملاه إليه وأخذ أحدهما برأسه والآخر برجليه وأخذ الملك السكين فلما همّ بذبحه ضحك الصبي، فقال الملك: ممّ تضحك وأنت مقتول فقال: رأيت الصبي أجنى الخلق عليه، أمه ترضعه وتقيه بنفسها ثم أبوه يحميه وإذا كبر فالملك يتولى أمره وقد رأيتكم ثلاثتكم اجتمعتم على قتلي، فإلى من المشتكى؟ فتوجع الملك لقوله ورمى بالسكين فانفجر جرحه لما دهمه وبرأ، فخلى سبيل الصبي وتبّناه، وقال رجل لقاض لئن هملجت «١» إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف.
النّهي عن التعرّض للقضاة
قيل: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم الأقاويل ولا العلماء فتضع عليكم المثال.
المفتتن منهم بامرأة تحاكمت إليه
خاصمت امرأة صبيحة زوجها إلى الشعبيّ «٢» ، فمرت بالمتوكل الليثيّ في منصرفها وقد قضى لها على زوجها، فقال:
فتن الشعبيّ لمّا ... رفع الطرف إليها
فتنته ببنان ... وبخطّي حاجبيها
فقضى جورا على الخصم ... ولم يقض عليها
كيف لو أبصر منها ... نحرها أو ساعديها «٣»
لصبا حتى تراه ... ساجدا بين يديها «٤»
فولع الناس بهذه الأبيات وتناشدوها، حتى اضطر الشعبيّ إلى الاستعفاء من القضاء.
وقدّم رجل امرأة حسنة النقيبة «٥» إلى القاضي فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة
стр. 248
فيتزوجها ثم يسيء إليها. ففطن الرجل بحال القاضي فعمد إلى نقابها فاسفره فرأى القاضي وجها وخشا «١» فحكم عليها. وقال: قومي لعنك الله كلام مظلوم ووجه ظالم، فقال زوجها:
قومي إلى رحلك أم حاتم ... قد كدت تسبين فؤاد الحاكم
بنطق مظلوم ووجه ظالم
طرف من سخافة القضاة
اختصم رجلان إلى قاض، كلّ واحد منهما يقول: امرأتي أحسن فتقامرا وأحضرهما لديه. فقال القاضي لاحدهما: لأن أنيك امرأتك في استها أحبّ إليّ من أن أنيك امرأته في فرجها.
وتقدّم رجل مع خصمه إلى قاض، وقال: هذا جاء عام الأول فخرق ثيابي وضربني، وجاء العام وفعل ذلك أيضا. فقال القاضي: هذه سنّة قد جرت له كل سنة. وجاءت امرأة مع زوجها إلى قاض وقالت: أنه لا يضاجعني، فقال الرجل: أنا عنين، فقالت المرأة: إنّه يكذب، فقال القاضي أخرج أيرك لأمرسه فتناول القاضي غرموله وأخذ يمرسه ولا يتحرك وكان القاضي أعور دميما فقالت المرأة: أيها القاضي لو رأى ملك الموت وجهك لمات من قبحه، إدفعه إلى غلامك ليمرسه وكان غلامه صبيحا فقال القاضي: يا غلام تعال واغمز أيره، فجاء الغلام وأخذه فما طفق أن امتدّ واشتدّ، فقالت: أعط القوس باريها «٢» ، فقال القاضي: يا كشحان دونك وامرأتك ولا تطمع في نيك غلمان القضاة.
وجاءت امرأة إلى قاض وقالت: إن زوجي إذا قدمت إليه المائدة قلب الخوان وأكل على ظهرها. فقال القاضي: دعيه يأكل كيفما أراد. فقالت: إنما عنيت أنه لا يأخذ في الطريق المستوي. فقال: دعيه يمشي كيف شاء، فالأرض كلها لله. فقالت: إنما عنيت أنه ينيكني في استي يا أحمق، فقال: طيب والله فقالت: قطع الله ظهرك من بين القضاة.
وكان بحمص قاض يحكم اليوم في شيء بحكم، وفي غد يحكم في مثله بخلافه، فقيل له في ذلك فقال: القضاء بخوت «٣» وأرزاق، من رزق شيئا أخذه.
وأراد أعمى أن يتزوج بامرأة، فأحضرها مجلس القاضي فقال: كم مهرها؟ قال:
أربعمائة، فقال للمرأة: كشفي عن وجهك، فكشفت فقال إنها تساوي أكثر من ذلك، فإنها صبيحة، فقال الأعمى: إن كان للقاضي زيادة فبارك الله له فيها فإنه أولى بها، وجاءت امرأة القاضي مع زوجها تطلب نفقتها منه، فقال الزوج: أيها القاضي هذه مغنية ومتى كانت نيّاحة
стр. 249
فنوّاحة، وليس لي كسب. فقال للمرأة: التزمي نفقته يا فاعلة. فقالت: وهل في الحكم هذا؟ قال: نعم لو كنت مكانه لنكتك وأخذت جذرك، فقال الرجل فديتك يا جوهر القضاة فافعل الساعة.
وكان بلال بن أبي بردة أول من جار في الحكم وكان يتقاضى إليه الرجلان فيقضي لأحدهما بلا بينة ويقول: وجدته أخفّ على قلبي من صاحبه.
من ردّ القاضي شهادته فعارضه بما عدل به
شهد معلم عند سوّار «١» فقال: لا أجيز شهادتك. قال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على كتاب الله تعالى الأجرة، فقال: وأنت تأخذها على القضاء، فقال: أنا أكرهت، فقال: هب أنك مكره على القضاء هل أكرهت على أخذ الأجرة، فأجاز شهادته. وشهد آخر عند سوار بسبة. فقال: من أين علمت؟ قال من حيث علمت أنك سوار بن عبد الله. وشهد قوم عند شبرمة بقراح فيه نخل فسألهم كم فيه من جذع؟ قالوا: لا ندري، فأراد أن يرد شهادتهم فقال أحدهم: أيها القاضي كم من أسطوانة في هذا المسجد؟ فقال: لا أدري. فقال: كيف وأنت تحكم فيه منذ كذا سنة، فاجاز شهادتهم.
من ردّ القاضي شهادته بلطف
قال المهدي لشريك وعنده عيسى بن موسى: إن شهد عندك هذا هل تقبل شهادته؟
وأراد أن يوقع بينهما. فقال شريك من شهد عندي سألت عنه فإن زكّي أجزت شهادته وعيسى لا أسأل عنه غير أمير المؤمنين فإن زكاه قبلته وهذا عكس على السائل.
كما حكى عن أبي حنيفة ﵀ قال: كنا نأتي حمادا فلا ننصرف عنه إلا بفائدة.
فقال يوما: إذا وردت على أحدكم مسألة معضلة «٢» فليجعل جوابها منها فما رأيت قوله شيئا. حتى دخلت يوما دار المنصور، فخرج الربيع وسألني ممتحنا أفتني في رجل أمرني أمير المؤمنين بقتله، أعليّ في طاعته حرج، فذكرت قول حماد فقلت: أليس يأمرك أمير المؤمنين بحق رآه قال: نعم. فقلت: افعل فكل حق يأمرك به لا حرج عليك فيه.
وشهد الفرزدق عند قاض فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس فزد في شهودك فلما انصرف الفرزدق قيل له: قد رد شهادتك فقال: وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصّنة «٣» . وأتى وكيع أياس بن معاوية ليشهد عنده فقام إليه وقال: ما جاء بك يا أبا المطرف؟ قال: أقيم شهادة لجار لي فقال: حاشاك أن تشهد كما يشهد الموالي والتجار والسقاط. قال صدقت فانصرف عنه.
стр. 250
من ردّت شهادته لبلهه «١»
قال سوار: لا أعلم أحدا أفضل من عطاء السلميّ ولو شهد عندي بفلس ما أجزت شهادته لأنه ليس بحازم. وقال كثير من الفقهاء: لا نقبل شهادة الوهم والأبله لا شهادة له.
من عارض من الخصوم الحاكم في الشاهد عليه فردّ شهادته
شهد رجل عن شريح فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وإن أحبّ الأشياء إليه الخبز واللحم، فتوقف في إمضاء شهادته. فقيل له: لم توقفت؟ فقال: أنه يعني أنه يشهد بأكلة. وشهد رجل عند سوّار بمال على آخر فقال: سوّار تارس أم رامح؟ فقال تارس، فقال ذاك شرّ له سأعيد المسألة عنه.
وإنما أراد أنه مأبون فتعجّب الحاضرون من حيلة الرجل وفطانة سوّار لمراده.
الممتنع من إقامة شهادة زور
استشهد محمد بن الفرات أيام وزارته علي ابن عيسى بغير حق، فلم يشهد له. فلما عاد إلى بيته كتب إليه: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور فإنه لا اتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين «٢» واختلاف، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتعدى الباطل في مساءتك.
وكان المتنبّي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
لقد أباحك غشا في معاملة ... من كنت منه بغير الصدق تنتفع
شهود زور
قال سهل بن دارم: كان بالبصرة شيوخ يشهدون بالزور وشرط بعضهم درهم وآخرون يشهدون وشرطهم أربعة. وآخرون شرطهم عشرون درهما. فسألت عن ذلك، فقال:
أصحاب الدرهم يشهدون ولا يحلفون، وأصحاب الأربعة يشهدون ويحلفون، وأما أصحاب العشرين فيشهدون ويحلفون ويبهتون.
وكان شيخ في المعدلين يشهد بطفيف «٣» يهدى إليه فجاءه رجل بدرهمين وسأله شهادة فقال: ما ضربت المشط بأقل من خمسة ولكني أسامحك. قال الشاعر:
ما للعدول أراني الله جمعهم ... في مرجل مطبق في جوف تنّور
قوم إذا غضبوا كانت سيوفهم ... قطع الشهادة بين القوم بالزّور
قال عبد الصمد المعدل «٤» :
وكيف تخشى شهادات يقوم بها ... ثلاثة شاهدا زور ومجنون «٥»
следующие страницы →