Полный текст (1 556 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
يشدّ البغل في الخان ... ويلقى خرجه برّا
وقالت امرأة لزوجها: لأشكّونك إلى القاضي. فقال الرجل: الحل على حرام ثلاثا إن لم أكن نكت القاضي. فولولت المرأة وذهبت إلى القاضي وقصّت عليه القصة. فقال:
ارجعي إلى داره فقد كان عارما «١» في صغره فقالت: ناكك وربّ الكعبة. قال ابن عروس:
وخبرت أنّك قاضي البلاد ... فسبحان من حكمه يعدل
وكيف يدير أمر البلاد ... فتى أمر منزله مهمل
كفى من تواضعه أنّه ... لسائسه أبدا أسفل
المهجوّ متّهم بالجهل
قال الصاحب في قاض: يخبط العشواء ويحكم حكم الورهاء «٢» ويناسب أخلاق النساء. ورفع إلى المأمون في قاض أنّ فلانا يعضّ الخصوم، فوقّع ليشنق، ونحوه كان أحمد بن الخصيب إذا ضجر ممن يناظره رفسه فقال فيه شاعر يخاطب المتنصر:
قل للخليفة يا ابن عم محمد ... أشكل وزيرك أنّه ركّال
قد نال من أعراضنا بلسانه ... ولرجله عند الصدور مجال
قال المصيصي:
أفّ لقاض لنا وقاح ... أضحى بريئا من الصّلاح
وليس في الرأس منه شيء ... يدور إلا أبو رياح
من يحكم وهو الظالم
قال شاعر:
والخصم لا يرتجى النجاح له ... يوما إذا كان خصمه القاضي «٣»
وقال آخر:
ومن المظالم أن ولّي ... ت على المظالم يا فزاره «٤»
وحكي أن ملكا خرج له خرّاج عجز الأطباء عن معالجته، فقال يوما: إنكم تغشونني، فإن داويتموني وإلا قتلتكم، فأجمعوا على أن يقولوا: إنّ دواءك أن تأخذ صبيا
стр. 247
من أبناء العشر، فيأخذ أحد أبويه رأسه والآخر رجليه وتذبحه على جرحك فتشرب دمه بطيب نفس منهما.
وقالوا: قد تحققنا أنه لا يوجد.
فقال: اطلبوا من يأتيني بابن هكذا فأمر فنادوا في البلدان.
فاتفق أنّ رجلا كان إذا ولد له ولد وبلغ عشر سنين يموت لا محالة وكان فقيرا وكان له ابن شارف العشر. فقال لامرأته: تعالي نحمل هذا الابن إلى الملك ونأخذ المال، فإنّ هذا يموت لا محالة. فرضيا بذلك وحملاه إليه وأخذ أحدهما برأسه والآخر برجليه وأخذ الملك السكين فلما همّ بذبحه ضحك الصبي، فقال الملك: ممّ تضحك وأنت مقتول فقال: رأيت الصبي أجنى الخلق عليه، أمه ترضعه وتقيه بنفسها ثم أبوه يحميه وإذا كبر فالملك يتولى أمره وقد رأيتكم ثلاثتكم اجتمعتم على قتلي، فإلى من المشتكى؟ فتوجع الملك لقوله ورمى بالسكين فانفجر جرحه لما دهمه وبرأ، فخلى سبيل الصبي وتبّناه، وقال رجل لقاض لئن هملجت «١» إلى الباطل إنك عن الحق لقطوف.
النّهي عن التعرّض للقضاة
قيل: لا تعادوا القضاة فيختاروا عليكم الأقاويل ولا العلماء فتضع عليكم المثال.
المفتتن منهم بامرأة تحاكمت إليه
خاصمت امرأة صبيحة زوجها إلى الشعبيّ «٢» ، فمرت بالمتوكل الليثيّ في منصرفها وقد قضى لها على زوجها، فقال:
فتن الشعبيّ لمّا ... رفع الطرف إليها
فتنته ببنان ... وبخطّي حاجبيها
فقضى جورا على الخصم ... ولم يقض عليها
كيف لو أبصر منها ... نحرها أو ساعديها «٣»
لصبا حتى تراه ... ساجدا بين يديها «٤»
فولع الناس بهذه الأبيات وتناشدوها، حتى اضطر الشعبيّ إلى الاستعفاء من القضاء.
وقدّم رجل امرأة حسنة النقيبة «٥» إلى القاضي فقال: يعمد أحدكم إلى المرأة الكريمة
стр. 248
فيتزوجها ثم يسيء إليها. ففطن الرجل بحال القاضي فعمد إلى نقابها فاسفره فرأى القاضي وجها وخشا «١» فحكم عليها. وقال: قومي لعنك الله كلام مظلوم ووجه ظالم، فقال زوجها:
قومي إلى رحلك أم حاتم ... قد كدت تسبين فؤاد الحاكم
بنطق مظلوم ووجه ظالم
طرف من سخافة القضاة
اختصم رجلان إلى قاض، كلّ واحد منهما يقول: امرأتي أحسن فتقامرا وأحضرهما لديه. فقال القاضي لاحدهما: لأن أنيك امرأتك في استها أحبّ إليّ من أن أنيك امرأته في فرجها.
وتقدّم رجل مع خصمه إلى قاض، وقال: هذا جاء عام الأول فخرق ثيابي وضربني، وجاء العام وفعل ذلك أيضا. فقال القاضي: هذه سنّة قد جرت له كل سنة. وجاءت امرأة مع زوجها إلى قاض وقالت: أنه لا يضاجعني، فقال الرجل: أنا عنين، فقالت المرأة: إنّه يكذب، فقال القاضي أخرج أيرك لأمرسه فتناول القاضي غرموله وأخذ يمرسه ولا يتحرك وكان القاضي أعور دميما فقالت المرأة: أيها القاضي لو رأى ملك الموت وجهك لمات من قبحه، إدفعه إلى غلامك ليمرسه وكان غلامه صبيحا فقال القاضي: يا غلام تعال واغمز أيره، فجاء الغلام وأخذه فما طفق أن امتدّ واشتدّ، فقالت: أعط القوس باريها «٢» ، فقال القاضي: يا كشحان دونك وامرأتك ولا تطمع في نيك غلمان القضاة.
وجاءت امرأة إلى قاض وقالت: إن زوجي إذا قدمت إليه المائدة قلب الخوان وأكل على ظهرها. فقال القاضي: دعيه يأكل كيفما أراد. فقالت: إنما عنيت أنه لا يأخذ في الطريق المستوي. فقال: دعيه يمشي كيف شاء، فالأرض كلها لله. فقالت: إنما عنيت أنه ينيكني في استي يا أحمق، فقال: طيب والله فقالت: قطع الله ظهرك من بين القضاة.
وكان بحمص قاض يحكم اليوم في شيء بحكم، وفي غد يحكم في مثله بخلافه، فقيل له في ذلك فقال: القضاء بخوت «٣» وأرزاق، من رزق شيئا أخذه.
وأراد أعمى أن يتزوج بامرأة، فأحضرها مجلس القاضي فقال: كم مهرها؟ قال:
أربعمائة، فقال للمرأة: كشفي عن وجهك، فكشفت فقال إنها تساوي أكثر من ذلك، فإنها صبيحة، فقال الأعمى: إن كان للقاضي زيادة فبارك الله له فيها فإنه أولى بها، وجاءت امرأة القاضي مع زوجها تطلب نفقتها منه، فقال الزوج: أيها القاضي هذه مغنية ومتى كانت نيّاحة
стр. 249
فنوّاحة، وليس لي كسب. فقال للمرأة: التزمي نفقته يا فاعلة. فقالت: وهل في الحكم هذا؟ قال: نعم لو كنت مكانه لنكتك وأخذت جذرك، فقال الرجل فديتك يا جوهر القضاة فافعل الساعة.
وكان بلال بن أبي بردة أول من جار في الحكم وكان يتقاضى إليه الرجلان فيقضي لأحدهما بلا بينة ويقول: وجدته أخفّ على قلبي من صاحبه.
من ردّ القاضي شهادته فعارضه بما عدل به
شهد معلم عند سوّار «١» فقال: لا أجيز شهادتك. قال: ولم؟ قال: لأنك تأخذ على كتاب الله تعالى الأجرة، فقال: وأنت تأخذها على القضاء، فقال: أنا أكرهت، فقال: هب أنك مكره على القضاء هل أكرهت على أخذ الأجرة، فأجاز شهادته. وشهد آخر عند سوار بسبة. فقال: من أين علمت؟ قال من حيث علمت أنك سوار بن عبد الله. وشهد قوم عند شبرمة بقراح فيه نخل فسألهم كم فيه من جذع؟ قالوا: لا ندري، فأراد أن يرد شهادتهم فقال أحدهم: أيها القاضي كم من أسطوانة في هذا المسجد؟ فقال: لا أدري. فقال: كيف وأنت تحكم فيه منذ كذا سنة، فاجاز شهادتهم.
من ردّ القاضي شهادته بلطف
قال المهدي لشريك وعنده عيسى بن موسى: إن شهد عندك هذا هل تقبل شهادته؟
وأراد أن يوقع بينهما. فقال شريك من شهد عندي سألت عنه فإن زكّي أجزت شهادته وعيسى لا أسأل عنه غير أمير المؤمنين فإن زكاه قبلته وهذا عكس على السائل.
كما حكى عن أبي حنيفة ﵀ قال: كنا نأتي حمادا فلا ننصرف عنه إلا بفائدة.
فقال يوما: إذا وردت على أحدكم مسألة معضلة «٢» فليجعل جوابها منها فما رأيت قوله شيئا. حتى دخلت يوما دار المنصور، فخرج الربيع وسألني ممتحنا أفتني في رجل أمرني أمير المؤمنين بقتله، أعليّ في طاعته حرج، فذكرت قول حماد فقلت: أليس يأمرك أمير المؤمنين بحق رآه قال: نعم. فقلت: افعل فكل حق يأمرك به لا حرج عليك فيه.
وشهد الفرزدق عند قاض فقال: قد أجزنا شهادة أبي فراس فزد في شهودك فلما انصرف الفرزدق قيل له: قد رد شهادتك فقال: وما يمنعه من ذلك وقد قذفت ألف محصّنة «٣» . وأتى وكيع أياس بن معاوية ليشهد عنده فقام إليه وقال: ما جاء بك يا أبا المطرف؟ قال: أقيم شهادة لجار لي فقال: حاشاك أن تشهد كما يشهد الموالي والتجار والسقاط. قال صدقت فانصرف عنه.
стр. 250
من ردّت شهادته لبلهه «١»
قال سوار: لا أعلم أحدا أفضل من عطاء السلميّ ولو شهد عندي بفلس ما أجزت شهادته لأنه ليس بحازم. وقال كثير من الفقهاء: لا نقبل شهادة الوهم والأبله لا شهادة له.
من عارض من الخصوم الحاكم في الشاهد عليه فردّ شهادته
شهد رجل عن شريح فقال المشهود عليه: أتقبل شهادته وإن أحبّ الأشياء إليه الخبز واللحم، فتوقف في إمضاء شهادته. فقيل له: لم توقفت؟ فقال: أنه يعني أنه يشهد بأكلة. وشهد رجل عند سوّار بمال على آخر فقال: سوّار تارس أم رامح؟ فقال تارس، فقال ذاك شرّ له سأعيد المسألة عنه.
وإنما أراد أنه مأبون فتعجّب الحاضرون من حيلة الرجل وفطانة سوّار لمراده.
الممتنع من إقامة شهادة زور
استشهد محمد بن الفرات أيام وزارته علي ابن عيسى بغير حق، فلم يشهد له. فلما عاد إلى بيته كتب إليه: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور فإنه لا اتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين «٢» واختلاف، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتعدى الباطل في مساءتك.
وكان المتنبّي أشار إلى هذا المعنى بقوله:
لقد أباحك غشا في معاملة ... من كنت منه بغير الصدق تنتفع
شهود زور
قال سهل بن دارم: كان بالبصرة شيوخ يشهدون بالزور وشرط بعضهم درهم وآخرون يشهدون وشرطهم أربعة. وآخرون شرطهم عشرون درهما. فسألت عن ذلك، فقال:
أصحاب الدرهم يشهدون ولا يحلفون، وأصحاب الأربعة يشهدون ويحلفون، وأما أصحاب العشرين فيشهدون ويحلفون ويبهتون.
وكان شيخ في المعدلين يشهد بطفيف «٣» يهدى إليه فجاءه رجل بدرهمين وسأله شهادة فقال: ما ضربت المشط بأقل من خمسة ولكني أسامحك. قال الشاعر:
ما للعدول أراني الله جمعهم ... في مرجل مطبق في جوف تنّور
قوم إذا غضبوا كانت سيوفهم ... قطع الشهادة بين القوم بالزّور
قال عبد الصمد المعدل «٤» :
وكيف تخشى شهادات يقوم بها ... ثلاثة شاهدا زور ومجنون «٥»
стр. 251
وقال بعضهم: الناس كلّهم عدول إلا العدول.
وصف قلانسهم
قال المصيصي:
كأنّ دنية عليها ... غراب نوح بلا جناح
وقال آخر:
ترى قلانسهم كالرمح طعنتها ... تخفى جراحتها في جنب مغرور
الشهادة على الزنا
حقّ الشهود على الزنا أن يكونوا أربعة ذكورا يصرّحون ولا يكنون لقوله تعالى:
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً
«١» (الآية) ، وحضر أبو بكرة وزياد مع غيرهما فشهد ثلاثة على المغيرة بن شعبة «٢» بالزنا عند عمر ﵁. فلمّا أقبل زياد قال عمر: إني أرى لك وجها وضيئا وأرجو أن لا يفضح الله بك رجلا من أصحاب النبي ﷺ فقال: إني رأيت أفخاذا مجتمعة ونخيرا يعلو ويسطع ولا أعلم ما وراء ذلك فضرب عمر أبا بكرة وصاحبيه الحدّ.
التعريض بالشهادة بذلك
استشهدوا أعرابيا على رجل وامرأة فقال: رأيته قد تقممها «٣» يحفزها بمؤخرها ويجذبها بمقدمها ويخفى على المسلك. وقال آخر: رأيته قد تبطنها ورأيت خلخالها سافلا وسمعت نفسا عاليا ولا علم لي بشيء بعد ذلك. وشهد رجل على آخر فقال الحاكم: إنّك قد رأيته وهو يدخل ويخرج فقال: لو كنت جلدة استها ما أمكنني أن أشهد به كذلك.
تثبّت الحاكم في الإقرار بما فيه حدّ
أتى ما عز بن مالك رسول الله ﷺ فقال: إني زنيت، فقال: لعلك مسست أو لمست أو غمزت، فقال: لا بل زنيت. فأعادها عليه ثلاث مرات فلما كان في الرابعة رجمه.
وأتى أبو الدرداء «٤» ﵁ بامرأة قد سرقت، فقال: أسرقت قولي: لا. وأتى زياد بلصّ وعنده الأحنف فانتهره فقالوا: صدق الأمير. فقال الأحنف: الصدق أحيانا معجزة. فقال زياد: جزاك الله خيرا.
стр. 252
المقرّ عند الحاكم بجهله
قال محمد بن رباح القاضي: تقدم إليّ قثم مع ابن أخيه، فادعى عليه خمسة آلاف دينار. فقال قثم: نعم له علي ذلك لكن من أي طريق؟ فقلت: قد أقررت له بالمال فإن شاء فسّر الوجه، وإن شاء لم يفسر. فقال ابن أخيه: أشهد أنه بريء منها إن لم أثبتها فقلت: وأما أنت فقد أبرأته إن لم يثبت ذلك فما رأيت أضعف منهما في الحكم.
وجرى في كلام رجل عند حاكم ما فيه إقرار، فقضى عليه، فقال أتقضي عليّ بغير شاهد؟ فقال: قد شهد عليك من تقبل شهادته عليك، من أبوه أخو عمك.
وقدم رجل غريما له إلى قاض فقال: لي على هذا ألف درهم، فقال المدعي عليه:
صدق ولكن سله أن ينظرني أياما فلي عقار ومال غائب إلى أن أبيع العقار وأسترد المال الغائب فادفعه إليه، فقال المدّعي: كذب ماله قليل ولا كثير وإنما يريد أن ينفلت منّي. فقال الخصم: اشهد أيها القاضي قد أقرّ بعسرتي «١» فقال القاضي: صدقت وخلّى سبيله «٢» .
ذمّ موالاة باب القضاة
قيل: إذا رأيت الرجل على باب القاضي من غير حاجة فاتهمه، وكتب بعضهم إلى عامل له: ابعث إليّ بمائة رجل كلهم يستحقون القتل لأجرب عليهم سيوفا ابتعتها فإن لم تجدهم في حبسك فتمّم من أصحاب القاضي فإنهم يستحقون القتل.
واستعان رجل بالمأمون أيام الرشيد في أن يقبل شهادته فوقّع في قصته من رام الشهادة بمعونة السلاطين فليقمها على قضاة الشياطين. وقال يحيى بن أكثم «٣» للمأمون: يا أمير المؤمنين إن فلانا يلتمس أن أقبل شهادته، فقال: يا يحيى قد أسقط على لسانه عدالته.
(٤) ومما جاء في الحجاب والحجّاب والغلمان
الحثّ على تسهيل الإذن
قال ميمون بن مهران: كنت عند عمر بن عبد العزيز فقال لآذنه: من بالباب؟ قال:
رجل أناخ الآن. زعم أنه ابن بلال مؤذن رسول الله ﷺ فأذن له، فلما دخل قال: حدّثني فقال: حدثني أبي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من ولي شيئا من أمور المسلمين ثم
стр. 253
حجب عليه، حجب الله عنه يوم القيامة، فقال عمر ﵁ لحاجبه: الزم بيتك فما رئي بعدها على بابه حاجب.
وقال: لا شيء أضيع للمملكة وأهلك للرعية من شدّة الحجّاب للوالي، ولا أهيب للرعية والعمال من سهولة الحجاب. لأن الرعية إذا وثقوا بسهولة الحجاب أحجموا عن الظلم، وإذا وثقوا بصعوبته هجموا على الظلم.
وقيل: يحجب الوالي لسوء فيه أو لبخل منه ثم أنشد:
والسّتر دون الفاحشات ولا ... يلقاك دون الخير من ستر
وصايا الحجّاب
قال زياد لحاجبه: أني ولّيتك هذا الباب وعزلتك عن أربع، هذا المنادي إذا دعاني إلى الصلاة فلا سبيل لك عليه، وعن طارق ليل فسر ما جاء به ولو جاء بخير ما كنت من حاجته في ذلك الوقت، وعن هذا الطبّاخ إذا فرغ من طعامه فإن الطعام إذا أعيد عليه الطعام فسد، وعن رسول صاحب الثغر «١» فإنه إن أبطأ ساعة ربّما يفسد أمر سنة.
ولما استخلف المنصور ولي الخصيب على حجابته فقال له: إنك بولايتي عظيم القدر وبحجابتي عريض الجاه. فبقها على نفسك ابسط وجهك للمستأذنين وصن عرضك عن تناول المحجوبين فما شيء أوقع في قلوبهم من سهولة الحجاب والأذن وطلاقة الوجه.
وقال الرشيد لحاجبه: احجب عنّي من إذا قعد أطال وإذا سأل أحال ولا تستخفنّ بذي الحرمة وقدّم أبناء الدعوة.
الحثّ على تشديد الأذن
قال أزدشير لابنه: لا تمكن الناس من نفسك، فاجرأ الناس على السباع أكثرهم معاينة لها. وقيل: لا بد للسلطان من وزعة «٢» ، وقيل لبعض السلاطين: لم لا تغلق الباب وتقعد عليه الحجاب فقال: إنما ينبغي أن أحفظ أنا رعيتي لا أن يحفظوني.
الحثّ على إصلاح الحاجب والبوّاب ووصف ما يجب أن يكونوا عليه من الأحوال
قال يزيد بن المهلب لابنه: استظرف الكاتب واستعقل الحاجب. وقال عبد الملك لأخيه: تفقد كاتبك وحاجبك وجليسك فالغائب يخبره عنك كاتبك والوافد عليك يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.
стр. 254
وقال يحيى بن المعلى:
كن على منهاج معرفة ... إن وجه المرء حاجبه «١»
فبه تبدو محاسنه ... وبه تبدو معايبه
وقال آخر:
ولبّ المرء يعرف بالغلام «٢»
الممدوح بسهولة الحجاب
سهل الحجاب مؤدّب الخدّام، وقال آخر:
يلوذ به راج «٣» وخاش «٤» وكلّهم ... له مدخل سهل عليه ومخرج
وقال آخر:
فبابك ألين أبوابهم ... ودارك مأهولة عامره
وكلبك آنس للمعتفين ... من الأم بابنتها الزاهره «٥»
من طلب تسهيل الأذن من الزوّار وعاتب
قدم أديب على أمير فكتب رقعة ودفعها إلى حاجبه ليوصلها، وفيها:
إذا شئت سلّمنا فكنّا كريشة ... متى تلقها الأرياح في الجوّ تذهب
فقال للحاجب: قل له قد خففت جدا فكتب أخرى وفيها:
وإن شئت سلّمنا وكنّا كصخرة ... متى تلقها في حومة الماء ترسب
فقال للحاجب: قل له قد ثقّلت جدا فكتب أخرى وفيها:
وإن شئت سلّمنا فكنّا كراكب ... متى يقض حقا من لقائك يذهب
قال: أما هذا فنعم وأذن له، قال أبو تمّام:
مالي أرى القبة الفيحاء مقفلة ... عنّي وقد طالما استفتحت مقفلها
كأنها جنّة الفردوس معرضة ... وليس لي عمل زاك فأدخلها
قال جعفر المصري:
فتفضّل علي بالإذن إن جئت فإني ... مخفّف في اللقاء
стр. 255
ليس لي حاجة سوى الحمد والشكر ... فدعني أقرئك حسن الثناء
من ترك الزيارة لصعوبة الحجاب
أتى أبو الدرداء «١» ﵁ باب معاوية فاستأذن عليه فلم يؤذن له فقال: من يغش «٢» سدة السلطان يقم ويقعد ومن وجد بابا غلقا وجد إلى أخيه بابا فتحا. فعاد عنه ولم يدخل بعد ذلك إلى سلطان. قال محمد بن عمران:
سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى يخفّ قليلا
إذا لم نجد يوما إلى الإذن سلّما ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا
قال أبو سليمان الضرير: من أراد السلام ليس سواه فلماذا يذلّ عند الحجاب؟
سأقعد في بيتي فإني أميره ... وآخذ أمري مكرها باشدّه
فأبوابك اسددها عليّ بأسرها ... فمثلي لا يرضى بهذا لعبده «٣»
وحجب بعض الهاشميين فرجع مغضبا فردّ فلم يرجع، وقال: ليس بعد الحجاب إلا العذاب، لأن الله تعالى يقول: كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ
«٤» .
هجاء من حجب تعريضا:
ولم جئت مشتاقا على بعد شقّة ... إلى غير مشتاق ولم ردّني بشر
وما باله يأبى دخولي وقد رأى ... خروجي من أبوابه ويدي صفر «٥»
قال الخوارزمي «٦» :
أيا عمرو رويدك من حجاب ... فلست بذلك الرجل الجليل
ولا تبخل بهذا الوجه عنّا ... فليس بذلك الوجه الجميل
стр. 256
من حجب فشتم وهجا بالبخل
قال مالك بن طوق «١» : دخل عليّ يوما مجنون ونحن نأكل، فأكل معنا ثم جاء يوما آخر فحجب فرآني يوما مع أماثل البصرة فقال:
عليك إذنا فإنا قد تغدّينا ... لسنا نعود وإن عدنا تعدّينا
يا أكلة سلفت أبقت حرارتها ... داء بقلبك ما صمنا وصلّينا «٢»
فما أتى عليّ يوم أشد منه حزنا. وقال آخر:
كلما جئناك قالوا ... نائم غير مفيق
لا أنام الله عينيك وإن كنت صديقي
وقال بعض البغداديين:
حجابك الصعب سهل ... إذا دهتك مصيبه
فلا عدمت رزايا ... مطيعة مستجيبه
من يتّخذ حاجبا مع سوء حاله
قال بعض الشعراء:
يا أميرا على جريب من الأر ... ض له تسعة من الحجّاب «٣»
قاعد في الخراب يحجب عنه ... ما رأينا بحاجب في خراب
تخويف من يشدّد الحجاب
مرّ زاهد ببعض القصور، ورأى حجّابا على بابه فسأل عنه، فقيل هو لسالم بن فلان، رجل كثير المال عريض الجاه وقد مرض فاحتجب عن الناس، فقال:
وما سالم من وافد الموت سالما ... وإن كثرت حجّابه وكتائبه
ومن كان ذا باب منيع وحاجب ... فعمّا قليل يهجر الباب حاجبه «٤»
هجاء بوّاب:
سأهجر بابا أنت تملك أمره ... ولو كنت أعمى عن جميع المسالك
فلو كنت بوّاب الجنان تركتها ... ويمّمت عنها مسرعا نحو مالك
стр. 257
قال ابن الحجّاج «١» :
ففي است من تحجبه والذي ... توصله أيضا وتعنى به
المظهر رضاه بصعوبة الأذن
استأذن أبو سفيان على عثمان ﵄ فحجبه فقيل له: يحجبك أمير المؤمنين فقال: لا عدمت من قومي من إذا شاء حجبني. وقال أبو العيناء للقاسم بن عبيد الله: لا أعدمني الله من حجابك والوقوف ببابك. قال أبو تمّام:
ليس الحجاب بمقص منك لي أملا ... إن السماء ترجّى حين تحتجب
وقال آخر:
إنيّ لأغتفر الحجاب لماجد ... أمست له منن عليّ رغاب
فالحرّ مبتذل النوال وإن بدا ... من دونه ستر واغلق باب
ذكر من لا يحجب
قال شاعر:
من النّفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا
وقال آخر في ضده:
قوم إذا حضر الملوك وفودهم ... نتفت شواربهم على الأبواب
من اعتذر من السّلاطين عن الحجاب
أتى رجل مسترفد باب معن فحجبه فكتب إليه:
إذا كان الجواد له حجاب ... فما فضل الجواد على البخيل
فوقّع تحته:
إذا كان الكريم قليل مال ... ولم يعذر تستّر بالحجاب
كتب إلى مطيع «٢» بن أياس حمّاد الراوية «٣» :
هل لذي حاجة إليك سبيل ... لا يطيل الجلوس في من يطيل
стр. 258
فلما قرأ البيت كتب إليه:
أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وكثير من الثقيل القليل
وقيل: الركوب إلى باب السلطان بعد الظهر ثقل وسوء أدب، وكتب بعض السلاطين إلى صاحب له يزوره بالعشيّات:
أعيذك من زورة بالعشيّ ... تحطّ وتذهب قدر النّبيل «١»
فإمّا رجعت بذلّ الحجاب ... وأما حللت محلّ الثقيل
النهي عن دخول الدور بغير إذن
قال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
«٢» وقال الله تعالى: لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ
«٣» وقال ﷺ : من أطلع في بيت بغير أذن ففقئت عينه فهو هدر.
وروي أن من اطلع في بيت فقد دمر، أي حكمه حكم الداخل وقال ﷺ : إنما جعل الاستئذان لأجل النظر وقال عمر ﵁: من ملأ عينيه من قائمة بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق.
وقال ﷺ : إذا استأذن أحدكم فلم يؤذن له فلينصرف.
الحثّ على تأديب الغلمان
قيل: لا يتأدب العبد بالكلام إذا وثق بأنه لا يضرب. وأمر محمد بن الجهم أن يضرب غلامه ضربة وجيعة فقيل له في ذلك فقال: الواحدة الوجعية تملأ صدره من التضاعيف وإذا كان خفيفا أحسن ظنه بالكثير قال المتنبي:
اجعل عبيدك أوتادا تشجّجها ... لا يثبت البيت حتى يقرع الوتد
قال الحكم بن عبد الله:
العبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلّا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
الحثّ على الإحسان إلى الخدم
روي في الحديث: اتقوا الله في خولكم «٤» فإنهم اشقاؤكم لم ينحتوا من جبل ولم
стр. 259
ينشروا من خشب، أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون، واستعينوا بهم في أعمالكم فإن عجزوا فأعينوهم فإن كرهتموهم فبيعوهم، ولا تعذبوا خلق الله، وآخر وصية أوصى بها النبي ﷺ الصلاة وما ملكت أيمانكم. وقال أبو بكر ﵁. لا يدخل الجنّة سيّء الخلق.
الحثّ على مداراتهم والتغافل عنهم
سمع الموبذ في مجلس أنوشروان ضحك الغلمان، فقال: أما تهاب هؤلاء الخدم؟
فقال أنوشروان: إنما يهابنا أعداؤنا، وقال بزرجمهر: إنما نداري خدمنا ونحن ملوك على رعيتنا وخدمنا ملوك على أرواحنا، ولا حيلة لنا في التحرّز عنهم. وقيل: مما يدل على كرم الرجل سوء أدب غلمانه. وقيل: من حسن خلقه سوء أدب غلمانه.
ذمّ مؤتمر لغلامه
قال البحتري «١» :
إن الشريف إذا أمور عبيده ... جازت عليه فأمره مرتاب «٢»
قال آخر:
ولست أحبّ الأديب الظريف ... يكون غلاما لغلمانه
من يحمد استخدامه
قيل: أجود المماليك الصغار لأنهم أحسن طاعة وأقلّ خبثا منهم وأسرع قبولا.
وقيل: استخدم الصغير حتى يكبر والعجمي حتّى يفصح وقال قتيبة: لا تشتر غلاما مولدا هو حرّ حتى تقوم بيّنة أنّه حرّ.
ذكر الصّلحاء والأكياس من الخدم
قال كسرى: العبد الصالح خير من الولد لأن العبد لا يرى استقامة أمره إلا بحياة سيّده، والابن لا يرى ذلك إلا بموت أبيه، وقال رجل لمملوك: اشتريك فأعتقك. قال: لا. قال:
فلم؟ قال: كيف تتخذني عبدا بعد أن اتخذتني مشيرا. ومن خيار العبيد لقمان وبلال الحبشي.
ووصف البوشنجي غلاما فقال: يعرف المراد باللحظ ويفهمه باللفظ، ويعاين في الناظر ما يجري في الخاطر، يرى النصح فرضا يجب أداؤه، والإحسان حتما يلزم قضاؤه،
стр. 260
إن استفرغ في الخدمة جهده خيّل إليه أنه بذل عفوه. أثبت من الجدار إذا استمهل وأسرع من البرق إذا استعجل.
قال الرشيد لإسحاق الهاشمي: أخبرت أن لك غلاما فصيحا، فقال: ها هو بالباب. ثمّ دعاه فقال: إن مولاك قد وهبك لنا. قال: فما زلت وما تحولت. فقلنا: ما معنى قولك فقال: ما زلت لك منذ كنت غلامه وما تحولت عنه إذ صرت لك، فأمر له بصلة وأحسن إليه.
من أعتق من صلحاء العبيد
حكي أنّ ابن عمر ﵁ مرّ براعي غنم مملوك فقال: أتبيعني شاة من غنمك؟
قال: ليست هي لي، فقال: أين العلل وأراد أن يمتحنه فقال: فأين الله؟ فاشتراه وأعتقه.
فقال الغلام: اللهم إنك رزقتني العتق الأصغر فارزقني العتق الأكبر، وأعتق عمرو بن عقبة غلاما له كبيرا فقام إليه عبد صغير فقال: اذكرني يا مولاي ذكرك الله بخير فقال إنك لم تخرف، فقال: إن النخلة قد تجني زهوا قبل أن تصير معوا «١» قال: قاتلك الله لقد استعتقت وحسنت وقد وهبتك لواهبك، كنت أمس لي واليوم مني، سبي فيلسوف وأراد رجل شراءه فقال له لماذا يصلح؟ قال: للحرية.
ذمّ العبيد
قيل: ليس عبد بأخ لك. قال ابن سعد:
العبد لو كانت ذؤابة رأسه ... ذهبا لكان رصاصة رجلاه
قال المتنبي «٢» :
أنوك من عبد ومن عرسه ... من حكّم العبد على نفسه «٣»
فلا ترج الخير عند امرىء ... مرّت يد النخّاس في رأسه «٤»
أراذل الخدم
كان لبعضهم مملوك يتشطر وكان إذا قال له صاحبه: هات الدواة، قال: مرحبا بجعفر البرمكي. وإذا قال: ناولني ثوبي. قال: قيصر يلبس وإذا قال: اغسل ثيابي. قال:
يونس النبي كان خيرا منك. لبس القرع، وآدم ﵇ لبس ورق التين، وأنت لا تلبس ثوبا وسخا. وإذا قال: اذهب إلى السوق. قال: خذلني «٥» الله إن ذهبت حتى آكل كبابا
стр. 261
وأتناول شرابا، فجاء صاحبه يوما وهو بين شطار، فقال: من هؤلاء؟ قال: فتيان الخلد يحبونني قبل رؤوسهم. فقال: أنت حر لوجه الله إن شئت. فقال: يا أحمق لو شئت لهربت منذ زمان. فحمله إلى النخاس فقال له النخاس: ما اسمك؟ قال: كنيتي أبو علي. قال: ما تحسن؟ قال: أعلم الجراحات السقيمات والسليمات وأعلّم البنين الإجارة والبنات التقحب «١» . أنا أخبث من قرد وأنوم من فهد وأروع من ثعلب وأنقب من جرذ وأسرق من سنّور وألصّ من عقعق «٢» . فقال النخّاس: بكم أبو علي الكثير المحاسن؟ فقال: بما شئت.
فقال النخاس: بعشرين درهما، فقال صاحبه: إنه يقع عليّ بجملة، فقال العبد: انظر إلى أخي القحبة كانني خير من يوسف بن يعقوب وقد باعه إخوته بثمانية عشر درهما ومع أخي القحبة فضل درهمين، فباعه منه. فالتفت أبو علي إلى النخّاس وقال: أم من لا يندمك ألف قحبة.
وقال الجاحظ: اشتريت عبدا بمائة درهم فاسترخصته فتعشيت سمكا ونمت فاستدعيت منه ماء، فقال: أسكت، تأكل السمك وتشرب عليه الماء ليتولّد منه كذا وكذا، وامتنع فلما اشتد عطشي قمت وشربت فقال: يا مولاي احمل معك حتى أشرب أنا أيضا.
وقال رجل لعبد: أشتريك، فقال لا. لأني آكل فارها وأمشي كارها. وقيل لآخر: فقال:
أنا إذا جعت أبغضت قوما وإذا شبعت أحببت نوما، وقال: رجل لغلامه: إذهب إلى المنزل واحمل الشمع لأعود به إلى البيت، فقال: أنا لا أجسر تعال معي حتى أحمله فانصرف معك.
وذكر دغفل النسابة المماليك، فقال: هم عز مستفاد وغيظ في الأكباد، قال اليعقوبي:
لي حمار وغلام ... وهما يغتلمان
فحماري يعشق الأتن ... وذا رخو العجان
لو بهذا عفّ هذا ... لاستراح الثّقلان
الغلام المتعاطى معه
قال رجل لغلام صديق له وقد شاخ ما حالك؟ قال: مولاي ينيكني منذ كذا وكذا سنة بالحجة، وذلك أنه يفعل في كل يوم، فإذا قلت يا مولاي قد شخت يقول يا بغيض من أمس إلى اليوم.
وقال رجل لغلام له قد التحى: أخرج من داري، فقال: رد إلي ما أخذت منّي خدّا أملس وفقحة «٣» ضيقة.
وحلف رجل على غلام لأضربّنك، فاستعفاه الغلام، فقال: أتراني أعصي الله فيك، فقال: طالما عصيت الله في تعاطيك معي فخجل الرجل من أصحابه.
стр. 262
المسيء إلى خدمه
قال رجل لأعرابي: ما تصنعون في عبيدكم حتى يقال في الدعاء عليهم باعك الله في الأعراب؟ قال: نجيع كبده ونعري جسده ونطيل كدّه ونكثر جلده. اشترى أعرابي عبدا فقيل: أنه يبول في الفراش فقال: إن وجد في دارنا فراشا فليبل فيه.
وكان لرجل عبد يأكل الحوّاري «١» ويطعمه الخشكار، فباعه فاشتراه آخر يأكل الخشكار ويطعمه الشعير، فباعه فاشتراه آخر يأكل الشعير ويطعمه النخالة فاستباعه «٢» ، فاشتراه آخر كان يجيعه وإذا قعد بالليل وضع السراج على رأسه فلم يستبعه، فقيل له في ذلك فقال: أخشى إن باعني أن يضع المشتري الفتيلة في حدقتي «٣» .
من ذكر أنّ لا غلام له
قال ابن الحجّاج:
إذا قدموا خيلهم للركوب ... خرجت فقدمت لي ركبتي
وفي جملة الناس غلمانهم ... وليس سواي في جملتي
ولا لي غلام فادعو به ... سوى من أبوه أخو عمّتي
والعرب تقول العبد من لا عبد له.
ذمّ الخصيان
قالت أعرابية لخصيّ: اسكت فمالك حزم الرجال ولا رقّة النساء. قال المتنبّي:
لقد كنت أحسب قبل الخصي ... بأن الرؤوس مقر النهى
فلما نظرت إلى عقله ... رأيت النّهى كلّها في الخصى
قال أبو نعامة:
لا تطلبنّ إلى خصيّ حاجة ... يوما فمالك عنده من خير «٤»
واكشف له عن رأس أيرك إنه ... لا شيء آثر عنده من أير «٥»
قال الجاحظ: كلّ حيوان ذي ريح منتنة فإنه متى خصي زال نتنه وصنانه «٦» كالتيس والهر، غير الإنسان فإنه يزداد نتنا وصنانا. وكل شيء إذا خصي دقّ عظمه واسترخى لحمه إلا الإنسان فإنه تطول عظامه وتلتوي.
стр. 263
النّهي عن إظهار العورة «١» لهم
أجمع الفقهاء أنّ حكم الخصيان حكم الفحول فلا يجوز أن تكشف لهم النساء.
ودخل معاوية ﵁ على امرأته بنت بجدل ومعه خصيّ، فاستترت منه، فقال معاوية: إنه خصيّ فقالت: إن مثّلتك به لا تحلّ مني ما حرمه الله.
وكان إسحاق بن مسلم العقيلي عند المنصور فمرّ به خادم وضىء الوجه فقال: أي ابنيك هذا؟ قال: هذا خادم في دار النساء. قال: أتشك أنّ شمّ هذا وضمّه أحب إلى المرأة من شمّك وضمّك فأتاه من ذلك أمر عظيم ومنعه بعدها من دخول الحرم.
حمد اتخاذ الخصيان
قيل لأبي العيناء: لم اتخذت خصيا أسود؟ فقال أمّا الأسود فلئلا أتّهم به، وأما الخصيّ فلئلا يتهم بي. قال أحمد بن يوسف في وصفهم:
مبرؤن من الشعر اللبيد ومن ... حمل الأيور وإخراج المناتين «٢»
وكالنّساء إذا ما رمت خلوتهم ... وكالليوث لدى الهيجاء تحميني
стр. 264
الحدّ الثالث في الإنصاف والظلم والحلم والعفو والعقاب والعداوة والحسد والتواضع والكبر وما يتعلق بذلك
(١) فمما جاء في الإنصاف والظلم
عزّ الحق وذلّ الباطل
قال الله تعالى: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ
وقال تعالى:
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ
قال ابن المعتز إن للحق أن يتضح وللباطل أن يفتضح.
وقيل: الحق حقيق أن ينهج سبيله ويتضح دليله. وقال المنتصر يوما: والله ما عز ذو باطل ولو طلع القمر من بين عينيه ولا ذل ذو حق ولو اتفق العالم عليه، وقيل: للباطل جولة ثم يضمحل وللحق دولة لا تنخفض ولا تذل وقيل: الحق أبلج والباطل لجلج.
وقيل: الحق من تعداه ظلم ومن قصر عنه ندم.
مدح العدل
قال أنوشروان: العدل سور لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق «١» .
وقيل: عدل قائم خير من عطاء دائم. وقيل: لا يكون العمران حيث لا يعدل السلطان.
وقيل لحكيم: ما قيمة العدل؟ قال: ملك الأبد. وقيل: قيمة الجو رذل الحياة. وقيل:
العدل يسع الخلق والجور يقصر عن واحد.
ذمّ الظّلم والنهي عنه
قال الله تعالى: وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
«٢» وقال: وَالظَّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ
«٣» وقال الله تعالى: ما لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ
«٤» وقال الله تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ
«٥» وقال: فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
«٦» وفي الخبر
стр. 265
بئس الزاد إلى المعاد ظلم العباد. وقيل: الظلم مرتعه «١» وخيم وقال النبي ﷺ : الظلم ظلمات يوم القيامة. ويقال: ليس شيء أقرب من تعيير نعمة وتعجيل نقمة من الإقامة على الظلم، وقيل: في قول الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«٢» وعيد للظالم وتعزية للمظلوم.
وقيل: على الظالم أن يكون وجلا «٣» وعلى المظلوم أن يكون جذلا «٤» . كتب عمر بن عبد العزيز ﵁ إلى عامل له: إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس فاذكر قدرة الله عليك. ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال: اذكر يا أمير المؤمنين يوم الأذان. فقال: وما يوم الأذان؟ قال: اليوم الذي قال الله تعالى فيه: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ
«٥» فبكى سليمان وأزال ظلامته. وكان حفص بن عتاب «٦» لقيه الرشيد فأقبل عليه يسائله فقال في أثناء ذلك:
نامت عيونك والمظلوم منتبه ... يدعو عليك وعين الله لم تنم «٧»
وقال عبد الله بن أبي لبابة: من طلب عزا بباطل أورثه الله ذلا بإنصاف وحقّ.
التحذير من دعوة المظلوم
قال النبي ﷺ : اتقوا دعوة المظلوم فإنها مجابة. وقال بعضهم: دعوتان أرجو إحداهما وأخاف الآخرى دعوة مظلوم أعنته وضعيف ظلمته. وقيل: احذروا دعوة المظلوم فإنها لينة الحجاب. وقال ﷺ اللهم إني أعوذ بك من أن أظلم أو أظلم.
سرعة معاقبة الظّالم
قال الله تعالى: مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
«٨» وروي عن أمير المؤمنين عليّ ﵁ أنه قال: ما أحسنت إلى أحد قط ولا أسأت إليه. فرفع الناس رؤسهم تعجبا فقرأ:
إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها
«٩» .
سمع ابن عباس ﵄ كعب الأحبار يقول: من ظلم خرب بيته. فقال تصديقه في القرآن فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا، وقيل: الظلم أدعى شيء إلى تغيير نعمة وتعجيل نقمة وقال صالح المريّ: دخلت إلى دار المادراي فاستفتحت ثلاث آيات من كتاب الله تعالى إستخرجتها حين تذكرت الحال فيها قوله تعالى: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
«١٠» وقوله تعالى: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
«١١» وقوله تعالى:
стр. 266
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
«١» فخرج إليّ أسود من ناحية الدار. فقال: هذه سخطة؟ المخلوقين فكيف سخطة وروى جعفر بن محمد عن أبيه قال: إذا أراد الله أن ينتقم لوليه انتقم من عدوه بعدوه وإذا أراد الله أن ينتقم لنفسه انتقم بوليّه من عدوه.
المتفادي من ظلم الضّعاف
قال معاوية «٢» : إني لاستحي أن أظلم من لا أجد له ناصرا عليّ إلا الله. وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: إنّ أبغض الناس إليّ أن أظلم من لم يستعن عليّ إلا بالله.
أفحش الظلم ظلم الضعيف
قال شاعر:
وإني لأعطي النّصف من لو ظلمته ... أقرّ وطابت نفسه لي بالظّلم
قيل: من عمل بالعدل في من دونه رزق العدل ممن فوقه.
نهي الوالي والقادر عن الظلم
قيل: لا ينبغي للإمام أن يكون جائرا ومن عنده يلتمس العدل، ولا للعالم أن يكون سفيها ومن عنده يلتمس العلم والحلم. وقيل: إذا ظلمت من دونك عاقبك من فوقك، قال ابن الرومي «٣» :
وإن الظلم من كلّ قبيح ... وأقبح ما يكون من النبيه «٤»
وله:
ارهب من الأقران قرنا ما له ... إلا العواقب والعقوبة ناصر
والظلم من ذي قدرة مذموم
التسكين من المظلوم بما له من العقبى «٥»
قيل: في قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
«٦» أعظم تعزية
стр. 267
للمظلوم وابلغ تحذير للظالم على مدارجة العقوبة وإن تنفست مدته. وقيل لعمر ﵁: كان الرجل في الجاهلية يظلم فيدعو على من ظلمه فيجاب عاجلا ولا نرى ذلك في الإسلام، فقال: كان هذا جزاء بينهم وبين الظلم وإنّ موعدكم الآن الساعة والساعة أدهى وأمرّ. وقيل: إنما تندمل من المظلوم جراحه إذا انكسر من الظالم جناحه.
الظلم في أخذ الأرض
قال النبي ﷺ : من ظلم قيد شبر من أرض طوقه من سبع أرضين يوم القيامة. قال أحمد بن واضح:
يا قابض الضّيعة من نسوة ... ضعفا وإيتام لسلطانه
يجأرن بالليل إلى خالق ... إغاثة الملهوف من شأنه
لا يأخذ الضيعة ذو قدرة ... يريد أن تبقى لصبيانه
ومما يقرب من السخف في هذا أن رجلا كان له قطعة من أرض بجنب أرض لرجل، فكان يضم كل سنة قطعة منها إلى أرضه. فقال له يوما: ما هذا النقصان في أرضنا؟ فقال: أما سمعت قول الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها
«١» قال: فما هذه الزيادة في أرضك؟ قال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قال: فمن أين أوتيت الفضل وأوتيت النقص في ذلك؟ فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم.
التحذير من معاونة الظالم
روي أن النبي ﷺ قال: من أعان ظالما سلطه الله عليه. وقال المأمون لبعض ولاته:
لا تظلم لي فيسلطني الله عليك.
قال ابن عباس ﵄: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه فإن الله تعالى يقول: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
«٢» .
وسمعت بعض العلماء يقول: ما ظلمت أحدا قطّ لغيري فإنى إذا ظلمت ظلمت نفسي. ويشبه ذلك ما يحكى أن عاملا عزل عن عمله بغيره، فقال المولى لمن ولى مكانه:
أعرني دواتك لأكتب منها حرفا فقال: لا فإني لا أستحل معاونة الظلمة، ولا أحب أن يكتب من دواتي ظالم. فقال: ألم تك تكتب منها آنفا؟ فقال: إني أحرق بالنار نفسي لنفسي ولا أحرقها لغيري.
وقيل لأبي مسلم صاحب الدولة: قد قمت مقاما لا يقصر بك عن الجنة في إزالة دولة بني أمية وإقامة شعار بني العباس. فقال: لخوفي من النار أولى من طمعي في الجنة فإني أطفأت من بني أميّة جمرة ألهبت بها نيرانا لبني العباس وسأحرق بها.
стр. 268
المتفادي من أن يظلم أو يظلم
كان من دعاء النبي ﷺ إذا خرج من بيته: بسم الله وبالله أنّي أعوذ بك من أن أزل أو أضلّ أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل عليّ، وقال بعضهم: لنا عز يمنع من أن نظلم وحلم يمنع من أن نظلم.
الموصوف بالظّلم
قيل: فلان أظلم من حية لأنها لا تحفر الجحر بل تسلب غيرها جحره فتدخله.
ويقال أظلم من ذئب، قال:
وأنت كذئب السوء إذ قال مرّة ... لعمروسه والذئب غرثان خاتل «١»
أأنت الذي من غير شيء سببتني ... فقال متى ذا؟ قال ذا عام أوّل
فقال ولدت العام بل رمت غدرة ... فدونك كلني ما هنا لك مأكل
وقيل: أعدى من الدهر ومن التمساح ومن الجلندي وهو فيما قيل اسم الملك الذي قال الله تعالى فيه: وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً
«٢» .
وقال: أعرابي لئن هملجت إلى الباطل أنك عن الحق لقطوف. وقيل: الفتنة عرس الظالم.
المتبجّح بالظّلم
قيل لأعرابي: أيما أحب إليك أن تلقى الله ظالما أو مظلوما؟ فقال: ظالما قيل:
ويحك ولمه؟ قال: ما عذري إذا قال لي: خلقتك قويا ثم جئت تستعدى، وقيل لأعرابي:
ولد له ابن جعله الله برا تقيا فقال بل جعله جبارا عصيا يخافه أعداؤه ويؤمله أولياؤه.
الممدوح بكونه مظلوما لمن هو دونه
وقع الرشيد في قصة رجل: الشريف من يظلم من فوقه ويظلمه من دونه فانظر أي الرجلين أنت. قال محمود الورّاق:
ما زال يظلمني وأرحمه ... حتى رثيت له من الظلم «٣»
وقال ابن الزهير: تحمّل بعض الظلم أبقى للأهل والمال. قال الشاعر:
стр. 269
ولا تحم من بعض الأمور تعزّزا ... فقد يورث الذّل الطويل تعزّز
وقال الأحنف: كم جرعة من الظلم تجرعتها مخافة ما هو أعظم منها.
الرخصة في المجازاة بالظلم
قال الله تعالى في مدح ذلك: وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا
«١» وقال تعالى: وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ
«٢» وقال بعضهم لسلطان: إني وإن خشنت في المال فقد عذر الله المظلوم إذا جهر بالسوء طلبا للنصفة من ظالمه حيث قال: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم. وقال جرير: إنّي لا أبتدي، لكن أعتدي.
من لا يبالي بأن يظلم
قيل: أهون مظلوم سقّاء مروّب. وقيل: أهون مظلوم عجوز معقومة قال شاعر:
وظلم النهشلي من السواء «٣»
من لا يبالي بأن يظلم
قال أبو فراس «٤» :
وبعض الظالمين وإن تعدّى ... شهيّ الظلم مغفور الذنوب
ولبعض الصوفية «٥» :
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فكلّ الأذى ممّن يحبّ سرور
تراب قطيع الشّاء في عين ذئبها ... إذا سار في آثارهنّ ذرور «٦»
وقال آخر:
وقد يؤذى من المقة الحبيب
تحسّر من ظلمه دنيء أو لئيم وتعزّيه
في المثل لو ذات سوار لطمتني. قال الفرزدق:
فوا عجبا حتّى كليب تسبّني ... كأنّ أباها نهشل أو مجاشع «٧»
стр. 270
قال أبو فراس:
ما للرجال من الذي ... يقضى به الله امتناع
ذدت الأسود عن الفرا ... ئس ثم تفرسني الضباع «١»
قال أبو سعيد بن نوقة وقد أجاد ما شاء:
ولا غرو إن يبلى شريف بخامل ... فمن ذنب التنّين ينكسف البدر
اختيار ركوب القتل على التزام الظّلم
قال محمد بن وهب:
فتى يتّقي أن يخدش الذمّ عرضه ... ولا يتّقي حدّ السيوف البواتر «٢»
قال المتلمس:
فلا تقلن ضيما مخافة ميتة ... وموتنّ بها حرّا وجلدك أملس
قال أبو فراس:
أرى ملء عيني الردّى وأخوضه ... إذا الموت قدّامي وخلفي المعايب «٣»
وله:
والموت عند طروق الضّيم مورود
قال ابن نباتة:
لأصحبت الحياة إن صحبتني ... في الملمّات مهجة تستضام
الممتنع من احتمال الظّلم
قال الزبرقان:
قد رامني الأقوام قبلك ... فامتنعت من المظالم
قال خالد بن زهير:
فإن كنت تبغي للظلامة مركبا ... ذلولا فإنّي ليس عندي بعيرها
قال آخر:
فلان لا يسأم خطّة الخسف ... ولا يحمل على مركب العنف
قال:
لا يعلف الضيم ذو مجد وذو شرف ... ولا يبيت بوادي الخسف مذموما «٤»
стр. 271
وقال:
كأنّه من حذار الظلم مجنون
قال آخر:
ولا ألين لغير الحق أسأله ... حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
وقد أحسن الذي قال: من ظلمني مرة فالله ينتقم لي منه ومن ظلمني مرتين فالله ينتقم له منّي.
عادة النّاس ظلم من استضعفوه
قال ابن عائشة «١» :
تراهم يغمزون من استركّوا ... ويجتنبون من صدق المصاعا
قال المتنبّي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلّة لا يظلم «٢»
قال رجل عبسيّ:
إن المحكّم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهب السيف أو حد القنا حنفا
ظالم متظلّم
في المثل يلدغ العقرب وتصيء «٣» قال الخبزارزي:
ظلمت سرا وتستعدي علانية ... ألهبت نارا وتستعفي من اللهب
قال الشعبي: حضرت مجلس شريح فجاءته امرأة تخاصم زوجها باكية، فقلت: ما أظنها إلا مظلومة. فقال: إن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم ظالمون.
ذمّ ممتنع من قبول الإنصاف
قيل: ما أعطي أحد قط النصف فأبى إلا أخذ شرا منه. وقال الأحنف: ما عرضت النصفة على أحد فقبلها إلّا تداخلني منه هيبة ولا ردّها أحد إلا طمعت فيه.
стр. 272
(٢) مدح الحلم وكظم الغيظ وفضل الرحمة والعفو والاستعفاء والاعتذار
حدّ الحلم
قيل: الحلم تجرع الغيظ. وقيل: الحلم دعامة العقل وقال الأفوه الأودي: الحلم محجزة عن الغيظ. وقيل: ليس الحليم من ظلم فحلم حتى إذا قدر انتصر ولكن الحليم من ظلم فحلم فإذا قدر غفر.
وقالت الفلاسفة: الحلم فضيلة النفس يكسبها الطمأنينة لا يحرّكها الغضب بسهولة وسرعة. سأل عليّ ﵁ فقال: الحلم والأناة. توأمان ينتجهما علو الهمة.
وقيل لعمر بن الاهتم: من أشجع الناس؟ قال: من رد جهله حلمه. وقال سفيان:
ما تقلد امرؤ قلادة أحسن من حلم فهو محمود عاجله وآجله ورأى حكيم من ملك ترفأ، فقال: ليس التاج الذي يفتخر به علماء الملوك فضة ولا ذهبا لكنه الوقار المكلّل بجواهر الحلم. وأحمق الملوك بالبسطة عند ظهور السقطة من اتسّعت قدرته.
قال شاعر:
لن يدرك المجد أقوام ذوو كرم ... حتّى يذلّوا وإن عزوّا لأقوام
ويشتموا فترى الألوان مسفرة ... لا خوف ذلّ ولكن فضل أحلام «١»
الآخذ نفسه بالحلم من الملوك
دفع أزدشير بن بابك ثلاثة كتب إلى رجل يقوم على رأسه وقال له: إذا رأيتني قد غضبت فادفع إليّ الأول، فإن لم أندم فالثاني ثم الثالث وكان في الأول أمسك فلست بإله، وإنما أنت جسد يوشك أن يأكل بعضه بعضا. وفي الثاني إرحم عباد الله يرحمك الله. وفي الثالث احمل عباد الله على حقه.
الحثّ على تكلّف الحلم واستعماله
قيل: إذا لم تحلم فتحالم فقلّ من تشبّه بقوم إلّا كان منهم. قال:
تحلّم عن الأدنين واستبق ودّهم ... فلن تستطيع الحلم حتى تحلما
стр. 273
الممدوح بالحلم
قال حسان «١» :
أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتزيد جاهلنا على الجهّال «٢»
قال ابن هرمة:
ولو وزنت رضوى ببعض حلومهم ... لشالت ولو زيدت عليه تضارع «٣»
قال أبو فراس:
يجني الخليل وأستحلي جنايته ... كيما يدلّ على حلمي وإحساني «٤»
قال المتنبي:
وأحلم عن خلّي وأعلم أنّني ... متى أجزه حلما عن الجهل يندم «٥»
من اجتهد في إغضابه فحلم
بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف فجاءه فخطب إليه أمه. فقال: لسنا نردك انتقاصا بحسبك ولا قلة رغبة في مصاهرتك، ولكنها امرأة قد علا سنها وأنت تحتاج إلى امرأة ودود ولود، تأخذ من خلقك وتستمد من أدبك، ارجع إلى قومك وأخبرهم أنك لم تغضبني.
خطب آخر إلى معاوية أمه. فقال: ما الذي رغبّك فيها وهي عجوز؟ فقال: بلغني أنها عجوز عظيمة العجز، فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم قال: نعم.
قال: ارجع فلست به.
فضل كظم الغيظ
قال الله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
«٦» ومر النبي ﷺ بقوم يربعون حجرا فقال: ألا أخبركم بأشدكم من ملك نفسه عند الغضب، وقال ﷺ : من كظم الغيظ وهو يقدر على أن ينفذه خيّره الله في أي حور شاء، وقيل: الكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفىء حر الضرم. كظم يتردد في حلقي أحب إلى من نقص أجده في خلقي. قال: وأفضل حلم حسبة حلم مغضب.
стр. 274
ما يسكّن به الغضب
قيل: من غضب قائما فقعد سكن غضبه وإن كان قاعدا فاضطجع سكن والعجم تقول: من غضب فليستلق.
قال أبو بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم، وقيل: أذكر قدرة الله إذا غضبت. قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ
«١» فقيل: الطيف من الشيطان حرّ الغضب.
من أغضب من الكبار فصبر
قام رجل إلى عمر بن عبد العزيز فكلّمه بكلام أغضبه، فقال: أردت أن يستفّزني الشيطان، فإياك ومعاودة مثله، عافاك الله.
أمر محمد بن سليمان برجل أن يطرح من القصر كان قد غضب عليه، فقال الرجل:
اتّق الله. فقال: خلوا سبيله فإني كرهت أن أكون من الذين قال الله تعالى فيهم: وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
«٢» .
ذمّ الغضب
قيل لحكيم: أيّ الأحمال اثقل؟ فقال: الغضب. وروى أن إبليس لعنه الله. قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا غضب لأنه ينقاد لي فيما أبتغيه ويعمل ما أريده وأرتضيه.
وقيل لأبي عباد: أيما أبعد من الرشاد السكران أم الغضبان؟ فقال: الغضبان: لا يعذر أحد في طلاق ولا ماثم يجترمه وما أكثر ما يعذر السكران. وسئل ابن عباس ﵁ عن الغضب والحزن أيّهما أشدّ؟ فقال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف فمن نازع من يقوى عليه أظهره غضبا ومن نازع من لا يقوى عليه كتمه حزنا، ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
وحزن كلّ أخي حزن أخو الغضب
من غضب في غير مغضب
قال بعض الحكماء: إذا كانت الموجدة «٣» من علّة كان الرضا مفقودا. وقيل: من غضب من غير ذنب رضي من غير عذر. وقيل: من فاته الدين والمروءة فرأس ماله الغضب.
عذر من كان منه غضب
قال الشافعي «٤» ﵁: من استغضب ولم يغضب فهو حمار، ومن استرضي
стр. 275
ولم يرض فهو جبار، وقيل: من لم يغضب من الجفوة لم يشكر أخا النعمة. وقيل: فلان يملك حالتيه أي غضبه ورضاه.
الحثّ على ترك الغضب المؤدّي إلى الاعتذار
قال حكيم: إياك وعزة الغضب فإنها تصير «١» بك إلى ذلّ الاعتذار.
قال الشاعر:
ولا تحكم من بعض الأمور تعزّزا ... فقد يورث الذلّ الطويل تعزّز
وقال آخر:
ولرّب ممتعض هو المتذّلل «٢»
وقال آخر:
متى ترد الشفاء لكل غيظ ... تكن مما يغيظك في إزدياد
سرعة الغضب وبطؤه
قيل: أسرع الناس رضا أسرعهم غضبا، كالحطب أسرعه خمودا أسرعه وقودا.
وكان بعض الناس يقول: أعوذ بك من غضب من لا يكاد يغضب، وأعوذ بك من غضب امرأة قادرة وذي قوة قاهرة.
الحثّ على ملأمة النّاس
قال أبو العتاهية «٣» :
ساهل النّاس إذا ما غضبوا ... وإذا عزّ أخوك فهن
قال محمود الورّاق:
دار الصديق إذا استشاط تغضّبا ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد «٤»
ولربّما كان التغضّب باحثا ... لمثالب الآباء والآجداد
النّهي عن مراجعة السفيه ومدح فاعل ذلك
قال الله تعالى: وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً
«٥» قال الشاعر:
لا ترجعنّ إلى السّفيه خطابه ... إلا جوّاب تحيّة حيّاكها
فمتى تحرّكه تحرّك جيفة ... تزداد نتنا ما أردت حراكها
стр. 276
وقال رجل للأحنف: إن قلت واحدة لستمعن عشرا. فقال: أنت إن قلت عشرا لم تسمع واحدة. وألحّ رجل على الأحنف بالشتم فلما فرغ قال: هل لك في الغذاء فإنك مذ اليوم تحدو بأحمال ثقال، وشتم سفيه حكيما وهو ساكت فقال: إياك أعني. فقال: وعنك أغضي. قال:
وبعض انتقام المرء يردي بعقله ... وإن لم يقع إلا بأهل الجرائم
وقيل لبعضهم وقد كان من صاحب له ذنب إليه: هلّا جازيت فقال:
الصقر يحقر عن طراد الدّخّل «١»
قال شاعر:
شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت عنه النّفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعضّ الكلب إن عضّا
ولهذا باب في موضع آخر.
الحثّ على التصامم عن القبيح والتمدّح بذلك
قال المهلب «٢» : إذا سمع أحدكم العوراء فليطأطىء لها تتخطّاه، وأسمع رجل آخر وهو ساكت فقال: إني وإياك كما قال زهير:
وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمّم به فهو قائله
وقال حاتم:
وكلمة حاسد من غير جرم ... سمعت فقلت مرّي فانفذيني
عنيت بها كأن قيلت لغيري ... ولم يعرق لها يوما جبيني «٣»
قال السموأل اليهودي «٤» :
ربّ شتم سمعت فتصاممت ... وعيّ تركته فكفيت
قال البحتري:
وأحبس عن تعريض عرضي لجاهل ... وإن كنت في الإقدام أطعن في الصّف «٥»
стр. 277
الحثّ على الرحمة ومدح ذويها
قال النبي ﷺ : إرحم من في الأرض يرحمك من في السماء وقال ﷺ : من لا يرحم الناس لا يرحمه الله، وقال ﵊: لا تنزع الرحمة إلّا من قلب شقيّ.
وقال: من كرم أصله لان قلبه وقيل: من أمارات الكرم الرحمة ومن أمارات اللؤم القسوة.
الحثّ على العفو مطلقا
قال الله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ
«١» وقال تعالى: وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
»
وقال تعالى: فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
«٣» وأدب نبيه ﷺ فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
«٤» . فلّما علم أن قد قبل أدبه.
قال: وإنك لعلى خلق عظيم. وقال الأحنف: إياكم وحمية الأوغاد. قيل وما حميتهم؟
قال: يرون العفو مغرما والبخل مغنما، وقيل لبعضهم: هل لك في الإنصاف أو ما هو خير من الإنصاف؟ قال: وأيّ شيء خير من الإنصاف؟ قال: العفو فالانصاف ثقيل، وسئل الجنيد ﵀ عن الفتوة فقال: العفو بدلالة قوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
«٥» ، وقيل: العفو عن المذنب زكاة النفس. قيل: من كرم الأخلاق أن تغفر الذنب من شكر الموهوب العفو عن الذنوب الاحتمال قبر العيوب. قال البحتري:
إذا أنت لم تضرب عن الحقد لم تفز ... بشكر ولم تسعد بتقريظ مادح «٦»
استطابة العفو ولذّته
قيل: لذة العفو أطيب من لذة التشفيّ «٧» لأن لذّة العفو يتبعها حمد العاقبة، ولذة التشفي يتبعها غمّ الندامة، وقيل للإسكندر: أيّ شيء أنت به أسر مما ملكت؟ قال: مكافأة من أحسن إليّ بأكثر من إحسانه وعفوي عمّن أساء بعد قدرتي عليه.
ما يستحسن في الكبار من الحلم وما يستقبح
قال معاوية ﵁ وقد أغلظ له رجل: إني لا أحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين السلطان، وقال المأمون الحلم يحسن بالملوك إلا في ثلاثة: قادح في ملك ومتعرّض لحرمة ومذيع لسر. وقال السفّاح: الحلم يحسن إلا ما أوضع الدين وأوهن السلطان.
الحثّ على درء الحدّ
قال النبي ﷺ : ادرؤا الحدود بالشبهات، وقال عمر ﵁: لأن يخطىء الإمام
стр. 278
في العفو خير له من أن يخطىء في العقوبة. قال إبراهيم النخعي: لئن أعطّل مائة حد قد ثبتت أحبّ إليّ من أن أقيم حدا قد ثبت.
حثّ القادر على العفو
قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: إذا قدرت على العدوّ فاجعل العفو شكر قدرتك.
ظفر الإسكندر ببعض الملوك فقال له: ما أصنع بك؟ قال: ما يجمل بالكرام أن يصنعوه إذا ظفروا، فخلّى سبيله ورده إلى مملكته. ولما ظفر أنوشروان ببزرجمهر «١» قال:
الحمد لله الذي أظفرني بك فقال: كافىء من أعطاك ما تحب بما يحب.
قالت عائشة ﵂: إذا ملكت فاسجح «٢» . وقيل: المقدرة تذهب الحفيظة، وقيل ليوسف «٣» ﵇: بعفوك عن إخوتك عند قدرتك رفع قدرك.
ذمّ المتشفيّ من الغيظ
قال معاوية ﵁: العقوبة الأم حالات ذي القدرة. وقال حكيم: من شفى غيظه لم يجب شكره. وقال: التشفيّ طرف من الجزع فمن رضي أن لا يكون بينه وبين الظالم إلّا ستر رقيق وحجاب ضعيف فلينتصف، وقال شاعر:
متى ترد الشفاء لكلّ غيظ ... تكن ممّا يغيظك في ازدياد
متى لم تتّسع أخلاق قوم ... يضيق بها الفسيح من البلاد
مدح من صفح عن قدرة
قال شاعر
وأعظم النّاس أحلاما إذا قدروا
وقيل: عفو العزيز أعزّ له وعفو الذليل أذلّ له وقال آخر:
ما أحسن العفو من القادر ... لا سيّما عن غير ذي ناصر
قال أشجع:
يعفو عن الذنب العظي ... م وليس يعجزه انتصاره
صفحا عن الباغي علي ... هـ وقد أحاط به اقتداره «٤»
стр. 279
قال المتنبي:
فتى لا تسلب القتلى يداه ... ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا «١»
الممدوح بأنه إن شاء صفح وإن شاء انتقم
قال الأعشى:
يقوم على الرغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم
وقال كثير:
حليم إذا ما نال عاقب مجملا ... أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب «٢»
قال علي بن الجهم «٣» :
يعاقب تأديبا ويعفو تطوّلا ... ويجزي على الحسنى ويعطي فيجزل
وقال آخر:
تسطو بعدل وتعفو إن عفوت به ... فلا عدمناك من عاف ومنتقم
الحثّ على إقالة من سلم ظاهره
قيل: لا تعتد بما لم تسمعه أذناك فإن السيد إذا حضر هيب وإذا غاب اغتيب. وقال بعض الملوك: إنما نملك الأجساد دون النيات ونحكم بالعدل لا بالهوى ونفحص عن الأعمال لا عن السرائر «٤» . قال البحتري:
إذا عدوّك لم يظهر عداوته ... فما يضرّك إن عاداك إسرارا «٥»
وقال آخر:
إذا دحسوا بالكره فاعف تكرّما ... وإن حبسوا عنك الحديث فلا تسل «٦»
فإنّ الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل
العفو عمّن سلم باطنه
قد يهفو «٧» المرء ونيته سليمة ويزلّ «٨» وطريقته مستقيمه، قال إبراهيم بن المهدي:
стр. 280
ما إن عصيتك والغواة تمدّني ... أسبابها إلا بنيّة طائع
قال ابن طباطبا:
أرى زلّتي كفرا فهل لي توبة ... وكم كافر بالله راج لغفرانه
فإن كنت في الكفر الذي جئت مكرها ... فما زال قلبي مطمئنا بإيمانه «١»
قال الفرزدق:
فلست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم
ذمّ من لا يقيل العثرة
قال النبي ﷺ : ألا أخبركم بشراركم من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده. ألا أخبركم بشر من ذلكم من لا يقبل معذرة ولا يقيل عثرة. قال شاعر:
موقّح الوجه قليل الصّفح ... كلامه مثل عصى الطّلح «٢»
أي معوج.
عتب من يحفظ الذنب بعد تقادمه
قال البحتري:
تناس ذنوب قومك إنّ حفظ الذ ... ذنوب إذا قد من الذّنوب
وقيل: الآثام تدرسها الأيام.
وجوب العفو عن المعترف
الاعتراف يزول به الاقتراف «٣» . لا عتب مع إقرار ولا ذنب مع استغفار. المعترف بالجريرة مستحق للغفيرة، قال محمد بن جابر:
إذا ما امرؤ من ذنبه جاء تائبا ... إليك فلم تغفر له فله الذّنب
وقيل: التوبة تغسل الحوبة.
الحثّ على العفو بعد الإقرار
قال عمرو بن كلثوم لصديق له أنكر ذنبا: إمّا أن تقرّ بذنبك فيكون إقرارك حجّة لنا في العفو وإلّا فطب نفسا بالانتصار منك. فإن الشاعر يقول:
стр. 281
أقرّ بذنبك ثم اطلب تجاوزنا ... عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان «١»
قيل: يجب للحازم أن لا يتقدّم غفرانه تعريف الجاني ما جنى لئلا ينسب عفوه إلى الغفلة وكلال حدّ الفطنة.
سوء الاعتذار دليل على الإصرار
قال:
لا ترجع رجعة مذنب ... خلط احتجاجا باعتذار
وقال آخر:
فلا أنت أعتبت في زلّة ... ولا أنت أغليت في المعذرة «٢»
حسن العفو عن المصرّ
سمع حكيم رجلا يقول: ذنب الإسرار أولى بالاغتفار. فقال: صدق الله ليس فضل من عفا عن السهو القليل، كمن عفا عن العمد الجليل.
مستعف مقرّ بالذنب
قال ابن المعتز «٣» في كلام له: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقا حتى اتخذ من رجائك رفيقا، وقال الفضل بن مروان لرجل عاتبه: بلغني أنك تبغضني فلم ينكر الرجل، وقال: أنت كما قال الشاعر:
فإنك كالدّنيا نذمّ صروفها ... ونوسعها ذمّا ونحن عبيدها «٤»
قال أبو فراس:
إن لم تجاف عن الذنو ... ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجميلة أن تغض على الجريرة «٥» . أتى المنصور برجل أذنب فقال: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ فيّ بالإحسان، فعفا عنه. قال شاعر:
إنّ للاعتذار حظّا من العف ... ويراه المقرّ بالإنصاف
стр. 282
ولعمري لقد أجلّك من جا ... ءمقّرا بذلّة الإعتراف
قال الرفّاء:
فإن تعف عنّي تعف عن غير جاحد ... لما كان والإقرار بالذنب أروح
وقال آخر:
صفحا فلو شقّ قلبي عن صفيحته ... لظلّ يقرأ منه الخوف والندم
وقال آخر:
فلست بأوّل عبد هفا ... ولست بأوّل مولى عفا «١»
استعفاء من خلط إقرارا بإنكار
ما أعرف تقصيرا فابلغ ولا ذنبا فاعتب ولكني أقول:
هبني أسأت كما زعم ... ت فأين عاقبة الأخوّه
وإذا أسأت كما أسأ ... ت فأين فضلك والمروّه «٢»
قال ابن نوقة:
وهبني- وما أجرمت- أجرمت. كلّ ما ... أتاك به الواشي فجد باحتماله
وقال ابن باذان:
لئن أسأت فأين إحسانك ... وإن أفرطت فأين افضالك؟
وقال آخر:
أقررت بالجرم على أنّني ... لست بمخليك من العربده
وقال الشعبي لابن بسرة، وقد كلمه في قوم حبسهم: إن حبستهم بالباطل فالحقّ يخرجهم وإن حبستهم بحق، فالعفو يسعهم. فأمر بإطلاقهم.
معتذر مع إنكار
قال رجل لمعن: ما على المذنب أكثر من الرجوع فهل على من لم يذنب أكثر من الاعتذار.
قال ولما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح قال: إنّ الملك شيء مانويته ولا تمنّيته ولو أردته لكان أسرع من السيل إلى الحدور والنار إلى يبس العرفج «٣» ولكن لما رآني بالملك قمينا «٤» وإن لم أترشح له في سرّ ولا جهر ورآه يحنّ إلى حنين الأم الوالهة
стр. 283
إلى ولدها عاقبني عقاب من سهر في طلبه فإن حبستني على أني أصلح له ويصلح لي فليس ذلك ذنبا فأتوب منه، وقال الرشيد لرجل يرمى بالزندقة: لأضربنّك حتى تقرّ بالذنب، فقال هذا خلاف ما أمر الله تعالى به، لأنّه أمر أن يضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقرّ بالكفر فخجل وعفا عنه. قال التنوخي:
إن كان إقراري بما لم أجنه ... يرضيك عنّي قلت إنّي ظالم
معتذر بتكذيب نفسه
خرج النعمان «١» متنكرا فمرّ برجل فقال له: أتعرف النعمان؟ قال أليس ابن سلمى؟
قال: نعم. قال: طالما أمررت يدي على فرجها. فلحقته خيله فقال: كيف؟ قلت: قال أبيت اللعن والله ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أعض لبظر أمه منّي.
فضحك وخلّاه فأنشد اليشكري:
تعفو الملوك عن العظيم من الذّنوب لفضلها ... ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها
لكن ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها
انقطع عبد الملك عن أصحابه فانتهى إلى إعرابي فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال:
نعم جائر بائر «٢» . قال: ويحك أنا عبد الملك قال: لا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قربك.
أكلت مال الله وضيّعت حرمته. قال: ويحك أنا أضرّ وأنفع. قال: لا رزقني الله نفعك ولا دفع عنّي ضرك فلما وصلت خيله علم صدقه، فقال: يا أمير المؤمنين اكتم ما جرى فالمجالس بالأمانة.
مستعف سأل أن ينخدع له
قال ابن الرومي:
فسامح وليّك إنّ الكري ... م قد يتخادع للخادع
وقال:
وما بك من غفلة إنّما ... لفرّط الحياء وفرط الكرم
وكان جعفر بن سليمان عثر برجل سرق درة فباعها؟ فلما بصر بالرجل استحيا فقال له: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها؟ فقال الرجل: نعم فخلّى سبيله.
وبلغني أنّ ركن الدولة كان يوما في الدار بحيث لا يرى فدخل فراش فرأى طاسا من ذهب ولم يكن بقربه أحد، فتناوله وخرج، فرآه ركن الدولة ولم يعلم به فلما استقصى عليه الخدم قال: دعوه فإن من أخذه لم يأخذه على أن يرده ورائيه لا يريد
стр. 284
أن يذكر. فبعد ذلك كان الفراش يصبّ ماء على يديه وعليه ثياب فاخرة فقال ركن الدولة: هذه الثياب من ذلك الطاس، وكان الفراش جلدا فقال نعم أيها الأمير: وغير ذلك من أثر النعم، فعفا عنه.
الحثّ على استبقاء نعمة بإقالة عثرة
قال ابن الرومي:
لا تطيّر وسنا عن مقلة ... أنت أهديت لها حلو الوسن»
قال ابن نوقة:
أترضى بإلزام الدنيئة خادما ... رجا في ذراكم أن ينال المعاليا «٢»
وقال روح بن ذنباع «٣» : لا تشمتنّ بي عدوا أنت رقمته ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.
استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ أو نسيانا
قال النبي ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال غلام هاشميّ أراد عمّه أن يجازيه بسهو منه: يا عم إنّي قد أسأت وليس معي عقلي فلا تسىء ومعك عقلك. قال أبو تمّام:
فإن يك سخط عمّ أو تك هفوة ... على خطإ منّي فعذري على عمد «٤»
قال عليّ بن الجهم:
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا اهدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد وأصلح ما أفسدا
قال المتنبّي:
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأوّل معشر خطئوا فتابوا
وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربّما حفي الصّواب
المتمدّح بذلك
اعتذر رجل إلى المنتصر فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: لَيْسَ
стр. 285
عَلَيْكُمْ جُناحٌ «١» فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
«٢» .
قال الحسن بن وهب:
وعندي إغضاء وعفو عن الذي ... يزلّ إذا ما لم يكن ذاك عن عمد
مستعف سأل أن يقوّم ويؤدّب
قال أحمد بن أبي فنن:
أحين كثّرت حسّادي وساءهم ... جميل فعلك بي أشمتّ حسّادي
فإن تكن هفوة أو زلة سلفت ... فأنت أولى بتقويمي وإرشادي «٣»
مستعف سأل العفو لفرط خوفه
قال علي بن الجهم:
فعفوك عن مذنب خاضع ... قرنت المقيم به المقعدا
إذا ادرع الليل أفضى به ... إلى الصّبح من قبل أن يرقدا «٤»
مستعف اتكل على سالف حرمته
قال هاشمي للمأمون: من حصل له مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومت بمثل قرابتي، واسلف مثل مودّتي، أقيل له أعظم من عثرتي، وغفر له فوق زلّتي، فقال:
صدقت وعفا عنه. قال شاعر:
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيّامي وحسن بلائيا «٥»
وكفى بالحثّ على ذلك قول الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
«٦» .
الاستعفاء لمذنب من قوم محسنين
قال إبراهيم الصولي:
أساءوا وفيهم محسنون فإن تهب ... لمحسنهم أهل الإساءة يصلحوا
следующие страницы →