Полный текст (1 556 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
أقرّ بذنبك ثم اطلب تجاوزنا ... عنه فإنّ جحود الذنب ذنبان «١»
قيل: يجب للحازم أن لا يتقدّم غفرانه تعريف الجاني ما جنى لئلا ينسب عفوه إلى الغفلة وكلال حدّ الفطنة.
سوء الاعتذار دليل على الإصرار
قال:
لا ترجع رجعة مذنب ... خلط احتجاجا باعتذار
وقال آخر:
فلا أنت أعتبت في زلّة ... ولا أنت أغليت في المعذرة «٢»
حسن العفو عن المصرّ
سمع حكيم رجلا يقول: ذنب الإسرار أولى بالاغتفار. فقال: صدق الله ليس فضل من عفا عن السهو القليل، كمن عفا عن العمد الجليل.
مستعف مقرّ بالذنب
قال ابن المعتز «٣» في كلام له: تجاوز عن مذنب لم يسلك بالإقرار طريقا حتى اتخذ من رجائك رفيقا، وقال الفضل بن مروان لرجل عاتبه: بلغني أنك تبغضني فلم ينكر الرجل، وقال: أنت كما قال الشاعر:
فإنك كالدّنيا نذمّ صروفها ... ونوسعها ذمّا ونحن عبيدها «٤»
قال أبو فراس:
إن لم تجاف عن الذنو ... ب وجدتها فينا كثيرة
لكن عادتك الجميلة أن تغض على الجريرة «٥» . أتى المنصور برجل أذنب فقال: إنّ الله يأمر بالعدل والإحسان فإن أخذت في غيري بالعدل فخذ فيّ بالإحسان، فعفا عنه. قال شاعر:
إنّ للاعتذار حظّا من العف ... ويراه المقرّ بالإنصاف
стр. 282
ولعمري لقد أجلّك من جا ... ءمقّرا بذلّة الإعتراف
قال الرفّاء:
فإن تعف عنّي تعف عن غير جاحد ... لما كان والإقرار بالذنب أروح
وقال آخر:
صفحا فلو شقّ قلبي عن صفيحته ... لظلّ يقرأ منه الخوف والندم
وقال آخر:
فلست بأوّل عبد هفا ... ولست بأوّل مولى عفا «١»
استعفاء من خلط إقرارا بإنكار
ما أعرف تقصيرا فابلغ ولا ذنبا فاعتب ولكني أقول:
هبني أسأت كما زعم ... ت فأين عاقبة الأخوّه
وإذا أسأت كما أسأ ... ت فأين فضلك والمروّه «٢»
قال ابن نوقة:
وهبني- وما أجرمت- أجرمت. كلّ ما ... أتاك به الواشي فجد باحتماله
وقال ابن باذان:
لئن أسأت فأين إحسانك ... وإن أفرطت فأين افضالك؟
وقال آخر:
أقررت بالجرم على أنّني ... لست بمخليك من العربده
وقال الشعبي لابن بسرة، وقد كلمه في قوم حبسهم: إن حبستهم بالباطل فالحقّ يخرجهم وإن حبستهم بحق، فالعفو يسعهم. فأمر بإطلاقهم.
معتذر مع إنكار
قال رجل لمعن: ما على المذنب أكثر من الرجوع فهل على من لم يذنب أكثر من الاعتذار.
قال ولما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح قال: إنّ الملك شيء مانويته ولا تمنّيته ولو أردته لكان أسرع من السيل إلى الحدور والنار إلى يبس العرفج «٣» ولكن لما رآني بالملك قمينا «٤» وإن لم أترشح له في سرّ ولا جهر ورآه يحنّ إلى حنين الأم الوالهة
стр. 283
إلى ولدها عاقبني عقاب من سهر في طلبه فإن حبستني على أني أصلح له ويصلح لي فليس ذلك ذنبا فأتوب منه، وقال الرشيد لرجل يرمى بالزندقة: لأضربنّك حتى تقرّ بالذنب، فقال هذا خلاف ما أمر الله تعالى به، لأنّه أمر أن يضرب الناس حتى يقرّوا بالإيمان وأنت تضربني حتى أقرّ بالكفر فخجل وعفا عنه. قال التنوخي:
إن كان إقراري بما لم أجنه ... يرضيك عنّي قلت إنّي ظالم
معتذر بتكذيب نفسه
خرج النعمان «١» متنكرا فمرّ برجل فقال له: أتعرف النعمان؟ قال أليس ابن سلمى؟
قال: نعم. قال: طالما أمررت يدي على فرجها. فلحقته خيله فقال: كيف؟ قلت: قال أبيت اللعن والله ما رأيت شيخا أكذب ولا ألأم ولا أوضع ولا أعض لبظر أمه منّي.
فضحك وخلّاه فأنشد اليشكري:
تعفو الملوك عن العظيم من الذّنوب لفضلها ... ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها
لكن ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها
انقطع عبد الملك عن أصحابه فانتهى إلى إعرابي فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال:
نعم جائر بائر «٢» . قال: ويحك أنا عبد الملك قال: لا حيّاك الله ولا بيّاك ولا قربك.
أكلت مال الله وضيّعت حرمته. قال: ويحك أنا أضرّ وأنفع. قال: لا رزقني الله نفعك ولا دفع عنّي ضرك فلما وصلت خيله علم صدقه، فقال: يا أمير المؤمنين اكتم ما جرى فالمجالس بالأمانة.
مستعف سأل أن ينخدع له
قال ابن الرومي:
فسامح وليّك إنّ الكري ... م قد يتخادع للخادع
وقال:
وما بك من غفلة إنّما ... لفرّط الحياء وفرط الكرم
وكان جعفر بن سليمان عثر برجل سرق درة فباعها؟ فلما بصر بالرجل استحيا فقال له: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني فوهبتها؟ فقال الرجل: نعم فخلّى سبيله.
وبلغني أنّ ركن الدولة كان يوما في الدار بحيث لا يرى فدخل فراش فرأى طاسا من ذهب ولم يكن بقربه أحد، فتناوله وخرج، فرآه ركن الدولة ولم يعلم به فلما استقصى عليه الخدم قال: دعوه فإن من أخذه لم يأخذه على أن يرده ورائيه لا يريد
стр. 284
أن يذكر. فبعد ذلك كان الفراش يصبّ ماء على يديه وعليه ثياب فاخرة فقال ركن الدولة: هذه الثياب من ذلك الطاس، وكان الفراش جلدا فقال نعم أيها الأمير: وغير ذلك من أثر النعم، فعفا عنه.
الحثّ على استبقاء نعمة بإقالة عثرة
قال ابن الرومي:
لا تطيّر وسنا عن مقلة ... أنت أهديت لها حلو الوسن»
قال ابن نوقة:
أترضى بإلزام الدنيئة خادما ... رجا في ذراكم أن ينال المعاليا «٢»
وقال روح بن ذنباع «٣» : لا تشمتنّ بي عدوا أنت رقمته ولا تسوءنّ بي صديقا أنت سررته ولا تهدمنّ ركنا أنت بنيته.
استعفاء من زعم أن ذنبه كان خطأ أو نسيانا
قال النبي ﷺ : رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وقال غلام هاشميّ أراد عمّه أن يجازيه بسهو منه: يا عم إنّي قد أسأت وليس معي عقلي فلا تسىء ومعك عقلك. قال أبو تمّام:
فإن يك سخط عمّ أو تك هفوة ... على خطإ منّي فعذري على عمد «٤»
قال عليّ بن الجهم:
ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا اهدى
ومفسد أمر تلافيته ... فعاد وأصلح ما أفسدا
قال المتنبّي:
وعين المخطئين هم وليسوا ... بأوّل معشر خطئوا فتابوا
وما جهلت أياديك البوادي ... ولكن ربّما حفي الصّواب
المتمدّح بذلك
اعتذر رجل إلى المنتصر فقال: أتراني أتجاوز بك حكم الله حيث يقول: لَيْسَ
стр. 285
عَلَيْكُمْ جُناحٌ «١» فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
«٢» .
قال الحسن بن وهب:
وعندي إغضاء وعفو عن الذي ... يزلّ إذا ما لم يكن ذاك عن عمد
مستعف سأل أن يقوّم ويؤدّب
قال أحمد بن أبي فنن:
أحين كثّرت حسّادي وساءهم ... جميل فعلك بي أشمتّ حسّادي
فإن تكن هفوة أو زلة سلفت ... فأنت أولى بتقويمي وإرشادي «٣»
مستعف سأل العفو لفرط خوفه
قال علي بن الجهم:
فعفوك عن مذنب خاضع ... قرنت المقيم به المقعدا
إذا ادرع الليل أفضى به ... إلى الصّبح من قبل أن يرقدا «٤»
مستعف اتكل على سالف حرمته
قال هاشمي للمأمون: من حصل له مثل دالتي، ولبس ثوب حرمتي، ومت بمثل قرابتي، واسلف مثل مودّتي، أقيل له أعظم من عثرتي، وغفر له فوق زلّتي، فقال:
صدقت وعفا عنه. قال شاعر:
أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيّامي وحسن بلائيا «٥»
وكفى بالحثّ على ذلك قول الله تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ
«٦» .
الاستعفاء لمذنب من قوم محسنين
قال إبراهيم الصولي:
أساءوا وفيهم محسنون فإن تهب ... لمحسنهم أهل الإساءة يصلحوا
стр. 286
متوصل إلى العفو بمراجعة أو حجة
غضب عبد الملك على رجل فلما أتى به. قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين فقال: لا سلم الله عليك. فقال: ما هكذا أمر الله تعالى إنما قال تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
«١» وقال: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ
«٢» فعفا عنه. وكان عمر ﵁ يعس ليلة فسمع غناء رجل من بيت فتسوّر عليه فرآه مع امرأة يشربان الخمر. فقال: يا عدوّ الله أرأيت أن يسترك الله وأنت على معصية، فقال: يا أمير المؤمنين لا تعجل إن كنت عصيت الله في واحدة فقد عصيت في ثلاث قال الله تعالى: وَلا تَجَسَّسُوا
«٣» وقد تجسست وقال: وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
«٤» وقد تسوّرت علي وقال: ولا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها
«٥» وقد دخلت بغير سلام. فقال عمر ﵁: أسأت فهل تعفو؟
فقال: نعم وعليّ أن لا أعود.
من توصّل إلى العفو بذمّ نفسه
كان جعفر بن أمية خرج مع مصعب «٦» بن الزبير وكان صديقا لعبد الملك، فلما أتى به بعد قتل مصعب قال عبد الملك: لا أنعم الله بك، خرجت مع مصعب؟ قال: نعم قال:
ونعم أيضا فلا أنعم الله بك. قال: إني أعرف نفسي بالشؤم فاردت أن أصيب مصعبا بشؤمي، فضحك وخلّاه.
وأتى الحجّاج برجل من أصحاب ابن الأشعث «٧» فقال له: أفيك خير إن عفوت عنك؟ فقال: لا. قال: ولمه؟ قال: لأني كنت خاملا فرفعتني وألحقتني بالناس فخرجت مع ابن الأشعث لا لدين ولا لدنيا ومعي الحماقة التي لا تفارقني أبدا ولا أفلح معها سرمدا.
فضحك منه وخلّى سبيله.
من توصّل إلى العفو بحيلة
أتى معن بن زائدة «٨» بأسرى فأمر بضرب أعناقهم، فقام غلام منهم فقال: أنشدك الله
стр. 287
أيها الأمير أن لا تقتلنا ونحن عطاش. فقال: اسقوهم، فلما شربوا قال: ناشدتك الله إن قتلت ضيفانك، قال: أحسنت فخلّى سبيلهم.
همّ الأزارقة «١» بقتل رجل فقال: أمهلوني لأركع فنزع ثوبه واتزر ولبّى وأظهر الإحرام، فخلّوا سبيله لقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ
«٢» .
ولما غشى أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه عمرو بن العاص طرح نفسه على الدابة وتلقاه بعورته. فأعرض عنه وقال: قبحك الله، ولما أتى عمر ﵁ بالهرمزان «٣» أراد قتله فاستسقى ماء فأتى بقدح فامسكه بيده فاضطرب وقال: لا تقتلني حتى أشرب هذا الماء، فقال: نعم، فألقى القدح من يده، فأمر عمر ﵁ بأن يقتل فقال: أو لم تؤمني وقلت لا أقتلك حتى تشرب هذا الماء؟ فقال عمر: قاتله الله أخذ أمانا ولم نشعر به.
مستعف ذكر فرط خوفه من الوعيد
قال مروان «٤» بن أبي حفصة
أبيت وجنبي لا يلائم مضجعا ... إذا ما اطمأنّت بالجنوب المضاجع
قال سلم الخاسر:
لقد أتتني من المهديّ معتبة ... تظلّ من خوفها الأحشاء تضطرب
قال أبو تمّام:
أتاني عائر الأنباء تسري ... عقاربه بداهية نآد «٥»
فيا خبرا كأنّ القلب أمسى ... يجرّ به على شوك القتاد «٦»
قال البحتري:
عذيري من الأيام رقّقن مشربي ... ولقينني نحسا من الطير أشأما
وألبسنني سخط امرىء بتّ موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما «٧»
من هرب خشية العتاب فاعتذر لذلك
قال شاعر:
لئن أخفى حذاري عنك شخصي ... لما أرسلت من كفّي خيلك
стр. 288
ولم أهرب على ثقة وعلم ... بأنّي إن رميت أفوت نبلك
ولكنّي هربت على يقين ... بأنك معمل في الحكم فضلك
المتوصّل إلى العفو بمغالظة القول
أتى مخرق بنساء، فطلبن أن يعفو عنهن فأبى، فقالت امرأة منهنّ: أطال الله سهادك وأخمد رمادك فما قتلت إلا نساء أعلاهن ندى وأسفلهن دما، ما أدركت من قتلنا ثارا ولا محوت عن نفسك به عارا. فأمر بتخلية سبيلهن غيرها، وقال: إنّي لأخشى أن تلد مثلها.
وأتى الحجاج بأسارى «١» فقال أحدهم: لا جزاك الله عن السنة خيرا، قال: كيف؟ قال: إنّ الله تعالى يقول: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتَّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ
«٢» فإمّا منا بعد وإمّا فداء، فلا مننت ولا فاديت، فقال الحجاج: خلّوا سبيلهم. وقالت امرأة في جملة أسري: قبّحك الله فلئن أسأنا في الذنب فما أحسنت في العفو. فقال: أف لهذه الجيف أما كان فيهم من يقول مثل هذا. وأمر بتخلية من بقي منهم.
المتوصّل إلى العفو بتذكّر الله ومناشدته
غضب رجل على مولاه فقال: أسألك بالله إن علمت أني لأطوع لك منك لله فاعف عنّي، عفا الله عنك، فعفا عنه.
وقال رجل لأمير غضب عليه: أسألك بالذي أنت أذلّ بين يديه غدا منّي بين يديك إلا ما عفوت عنّي، فعفا عنه. وقال آخر لأمير يضربه: اضرب بقدر ما تعلم أنك تجشّمه «٣» عند القصاص يوم الجزاء «٤» ، فعفا عنه.
من استعفى واستوهب جميعا
جنى غلام للحسن بن علي ﵄ فأمر بعقابه فقال: يا مولاي إن الله تعالى قد مدح قوما فكن منهم، فإنه يقول: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
«٥» فقال: خلوا سبيله قال وقد قال: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
«٦» قال: أنت حر لوجه الله ولك من المال كذا.
واستعفى رجل من مصعب بن الزبير فعفا عنه فقال: اجعل ما وهبت لي من حياتي في خفض، فأعطاه مائة ألف، فقال الرجل: إنّي قد جعلت نصفها لابن قيس الرقيّات لقوله:
إنّما مصعب شهاب من الله تجلّت عن وجهه الظّلماء
стр. 289
فقال له مصعب: هذا لك وعلينا أن نعطيه ذلك، قال المتنبّي:
فاغفر فديتك وأحبني من بعدها ... لتخصّني بهدّية منها أنا «١»
وقال:
رددت مالا ولم تمنن عليّ به ... وقبل مالي قدما قد حقنت دمي
المتوصّل إلى العفو بدفع الوقت
أتي عبيد الله بن زياد»
بخارجيّ فأمر بقتله، فقال: إن رأيت أن تؤخّرني إلى غد فأمر بتأخيره فقال:
عسى فرج يأتي به الله إنّه ... له كلّ يوم في خليقته أمر
فعفا عنه. وغضب المأمون على علي بن الجهم «٣» فقال: لآخذن مالك ولاقتلنك أقتلوه. فقال أحمد بن أبي «٤» دؤاد: إذا قتلته فمن أين تأخذ المال يا أمير المؤمنين؟ قال:
من ورثته، فقال: حينئذ تأخذ مال الورثة وأمير المؤمنين يأبى ذلك. فقال: يؤخّر حتى يستصفى ماله. وانقضى المجلس وسكن غضبه وتوصل إلى خلاصه.
قال شاعر:
وإذا ابن عمك لجّ بعض لجاجه ... فانظر به غده ولا تستعجل
المتوصّل إلى ذلك بالتثبّت إلى حين التبيّن
قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ
«٥» ، وقيل: لوال: تأنّ فإن التأني من الوالي صدقة. وغضب الرشيد على رجل فقال له جعفر: غضبت لله فاطع الله في غضبك بالوقوف إلى حال التبين كما غضبت له.
وقال الشعبيّ لعبد الملك: إنّك على إيقاع ما لم توقع أقدر منك على ردّ ما أوقعت.
فأخذ هذا المعنى شاعر، فقال:
فداويته بالحلم والمرء قادر ... على سهمه ما دام في يده السّهم
стр. 290
التثبّت في العقوبة نصف العفو
قال المتنبّي:
ترفّق أيّها المولى عليهم ... فإنّ الرفق بالجاني عتاب
نهي العافي عن التثريب
رضي بعض الملوك عن رجل ثم أخذ يوبّخه. فقال: إن رأيت أن لا تخدش وجه رضاك بالتثريب «١» فافعل. وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع به «٢» . وقيل: العفو مع العذل «٣» أشد من الضرب على ذي العقل. فرّب قول أنفذ من صول وعفو أشد من انتقام، قال ابن نوقة:
إن كنت تعفو فاعف عفو مهنىء ... إحسانه إنّ الكريم وهوب
قل قول يوسف حين قال لإخوة ... جاؤه معتذرين لا تثريب
أو لا فعاقبني فليس بمنكر ... من مثلك التقويم والتأديب
وفيمن يعاقب ثم يعاتب، قال شاعر:
إذا عوقب الجاني على قدر جرمه ... فتعنيفه بعد العقاب من الرّبا «٤»
معاتبة من صفح ثم ندم
قال ابن طباطبا: كان جرى بيني وبين رجل كلام واحتملت عنه، ثم ندمت فرأيت في المنام كأنّ شيخا أتاني فأنشدني:
أندمت حين صفح ... ت عمّن قد أساء وقد ظلم
لا تندمن فشرّنا ... من أتبع الخير الندم
ذمّ من اعتذر فأساء
قيل في المثل: عذره أشد من جرمه، رب أضرار أحسن من اعتذار. وقال آخر:
أنسيتنا باعتذارك كلّ عثارك وقيل بث من عذرك ثم من ذنبك.
قال الخبزارزي:
وكم مذنب لمّا أتى باعتذاره ... جنى عذره ذنبا من الذّنب أعظما
قال ابن الحجّاج:
لي صديق جنى عليّ مرارا وكثّرا
стр. 291
ثمّ لمّا عتبته ... غسل البول بالخرا
قال عليّ بن عبد العزيز الجرجاني:
ربّ ذنب ينمى على العذر حتّى ... يبصر الاحتجاج عنه يشينه
كمقال الجريء يزداد قبحا ... كلّما ازداد منهم تحسينه
النهي عن الذنب المفضي إلى الاعتذار
قيل: إياك وما يسبق إلى القلوب إنكاره وإن كان عندك اعتذاره، فما كل من يحكي عنك وينكر تطيق أن توسعه عذرا وقيل من وثق بحسن العذر وقع في الذنب. قال قال الموسوي:
ومن قيّد الألفاظ عند نزاعها ... بقيد النّهى أغنته عن طلب العذر
النّهي عن العذر
قال النبي ﷺ : إياكم والمعاذير فإنّها مفاجر. وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه:
امسك عن الاعتذار واستمسك بالاستغفار.
وكتب الحجاج إلى بعض من اعتذر إليه أن يعلم الله ذلك من نيتك تكف المقال.
صعوبة الاعتذار والحثّ على تركه
قال عليّ بن الجهم:
إنّ دون السّؤال والاعتذار ... خطّة صعبة على الأحرار
فارض للمذنب الخضوع وللقا ... رف ذنبا مضاضة الأعتذار «١»
قال الزبير وهو في نهاية الحسن:
تعالوا نصطلح وتكون منّا ... معاودة بلا عدّ الذّنوب
فإن أحببتم قلتم وقلنا ... فإن القلب أشفى للقلوب
نهي من لم يذنب عن العذر
إيّاك والعذر عما لم تجنه فالمعتذر من غير ذنب يوجب على نفسه الذنب. وقيل:
أحقّ منزلة بالاجتناب منزلة العذر لأنه يقف مواقف تهمة وقلّما سلم من ظنّة «٢» . وقيل:
الإغراق في العذر يحقق التهمة كما أن الافراط في النصيحة يوجب الظنّة.
الاعتذار من ترك الاعتذار
قال بعضهم: سكوتي عن التفسير لاعترافي بالتقصير. وقال آخر: لست أعتذر إليك
стр. 292
من الذنب إلا بإقلاع عنه. وكتب كاتب: إن تركت الأعتذار فلما قال الشاعر:
إذا لم يكن للعذر وجه مبين ... فإن اطراح العذر خير من العذر «١»
وقيل للمطيع «٢» وقد بلغ المهتدي «٣» عنه شيء أنكره: إن كان ما بلغك حقا فما تغني المعاذير وإن كان كذبا فما تضرّ الأباطيل.
الممتنع من العذر عن حقّ أورده
سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف: كيف تركته؟ فقال: تركته سمينا عظيما. قال: إنما سألت عن سيرته، قال: ظلوما غشوما. قال: أما علمت أنه أخي؟ قال:
نعم ما هو بك أعزّ منّي بالله فأمر بضربه، فقيل له: اعتذر إليه. فقال: معاذ الله أن أعتذر من حق أوردته.
وخطب الحجاج يوما فأطال، فقام رجل فقال: الصلاة والوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك فأمر بحبسه فأتاه قومه وزعموا أنه مجنون فإن رأى أن يخلي سبيله فقال: إن أقر بالجنون خلّيته. فقيل له ذلك فقال: معاذ الله لا أزعم أن الله ابتلاني وقد عافاني. فبلغ ذلك الحجّاج فعفا عنه لصدقه.
ودخل رجل على سلطان وكان قد أذنب فقال: بأي وجه تلقاني؟ فقال: بالوجه الذي ألقى به الله، فإن ذنوبي إليه أكثر وعقوبته أكبر. فعفا عنه ووصله.
تأسّف من يعاتب من غير ذنب
قال شاعر:
قد يلام البريء من غير ذنب ... وتغطّى من المسيء الذّنوب
وقال آخر:
إذا كنت ملحيا مسيئا ومحسنا ... فغشيان ما تهوى من الأمر أكيس «٤»
وقال البحتري:
إذا محاسني اللاتي أدلّ بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر!
وفي المثل: ربّ ملوم لا ذنب له. قال شاعر:
وكم من موقف حسن أحيلت ... محاسنه فعدّ من الذّنوب
стр. 293
من اعتذر بتكذيب الواشي
قال زهير بن بلال:
وذي حنق أغراه بي غير ناصح ... فقلت له: وجه المحرّش أقبح «١»
قال أبو تمام:
ومن يأذن إلى الواشين يسلق ... مسامعه بألسنة حداد
قال ابن الحجاج:
قل للذي جهّز بالسّعي بي ... بضاعة عادت بخسرانه
يا ذا الذي لا بدّ من صفعه ... يوما ومن تعريك آذانه
لو حدّثت كسرى به نفسه ... صفعته في جوف إيوانه
قلّة الاعتذار بقول الواشي
قال شاعر:
دع الناس ما شاؤوا يقولون، إنني ... لأكثر ما قالوا عليّ حمول
وما كلّ من أسخطته أنا معتب ... ولا كلّ ما يروى عليّ أقول
من ذكر إرضاء صاحبه
قال العتابي «٢» :
فهل أنا مغض في هواك وصابر ... على حدّ مصقول الغرار بن قاضب
ومنتزع عمّا كرهت وجاعل ... رضاك مثالا بين عيني وحاجبي
وقال آخر:
لو أسخطتك حياتي ... قتلت نفسي لترضى
(٣) ومما جاء في ذمّ الحلم ومدح العقاب
النهي عن الملاينة حيث لا تنفع
قال شاعر:
بالرفق مارس ولاين من تخالطه ... وغالظنّ إذا لم ينفع اللين
стр. 294
قال سعد بن ناشب:
وفي اللين ضعف والشراسة هيبة ... ومن لا يهب يحمل على مركب وعر «١»
وقيل: الكريم يلين عند استعطافه واللئيم يقسو عند استلطافه.
النهي عن الحلم إذا كان يلحق منه مذلّة
قال سالم بن وابصة:
إنّ من الحلم ذلا أنت عارفه ... والحلم عن قدرة فضل من الكرم
قال قيس بن زهير «٢» :
وقد يستجهل الرجل الكريم
وقال آخر:
وفي الحلم ضعف والعقوبة هيبة ... إذا كنت تخشى كيد من عنه تصفح
إذا الحلم لم ينفعك فالجهل أحزم
قال المتنبي:
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
وله:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه ... إذا اتّسعت في الحلم طرق المظالم
دفع الجهل بالجهل
قال هدبة:
ما إن نفى عنك قوما أنت تكرههم ... كمثل وقمك جهّالا بجهّال
وقال آخر:
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج «٣»
وما كنت أرضى الجهل خدنا ولا أخا ... ولكنّني أرضى به حين أحوج «٤»
وقيل: الشرّ لا يدفعه إلا الشر والحديد بالحديد يفلح.
من حلم وقتا ونهى عن الاغترار به
قال بعضهم:
فلا يغررك طول الحلم منّي ... فما أبدا تصادفني حليما
стр. 295
قال المتنبّي:
وأطمع عامر البقيا عليها ... وترّفها احتمالك والوقار «١»
وصف الحلم بأنه مضرّ مذلّل
قيل: الشهرة بالملاينة والخير شرّ من الاشتهار بالغلظة والشر لأن من عرف بالخير اجترأ عليه الناس، ومن عرف بالشّر هابه الناس وتجنّبوه. وقيل: آفة الحلم الذلّ وقيل للأحنف: ما الحلم؟ فقال: الرضا بالذل.
كون الحلم مغريا
قال معاوية: ما ولدت قرشية خيرا منّي فقال ابن زرارة الكلابية: بل ما ولدت شرّا لهم منك فقال: كيف؟ قال: لأنك عودتهم عادة يطلبونها ممّن بعدك فلا يجيبونهم إليها فيحملون عليهم كحملهم عليك، وكأنّي بهم كالزقاق «٢» المنفوخة على طرقات المدينة.
وقال الأحنف لرجل: ليت طول حلمنا عليك لا يدعو جهل غيرنا إليك.
النهي عن إكرام اللئام
قال يزيد بن معاوية لأبيه: هل ذممت عاقبة حلم؟ قال: ما حلمت عن لئيم وإن كان وليا إلا أعقبني ندما، ولا أقدمت على كريم وإن كان عدوا إلا أعقبني أسفا. قال شاعر:
متى تضع الكرامة في لئيم ... فإنّك قد أسأت إلى الكرامه
وقد ذهبت صنيعته ضياعا ... وكان جزاء فاعلها النّدامه «٣»
وقيل: الكريم يستصلح بالكرامة واللئيم بالمهانة.
قال المتنبي:
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمرّدا «٤»
فوضع الندى في موضع السيف بالعلى ... مضرّ كوضع السيف في موضع النّدى
وقيل: استعمال الحلم مع اللئيم أضر من استعمال الجهل مع الكريم.
الاستخفاف بمن لا يصلحه الإكرام
إذا لم تنفع الكرامة فالإهانة أحزم. وقيل: من لا يصلحه الطالي أصلحه الكاوي من
стр. 296
كان الإكرام مفسده لم تكن الزيادة فيما يفسده له مصلحة. جنّب كرامتك اللئام فإنك إن أحسنت إليهم لم يشكروا وإن نزلت بهم شدة لم يصبروا.
قال شاعر:
سأحرمكم حتّى يذلّ صعابكم ... فانجع «١» شيء في صلاحكم الفقر
قال آخر:
إنّ اللئيم إذا رأى ... لينا تزايد في خسرانه
لا تكذبنّ فصلاح من ... جهل الكرامة في هوانه
الاستعانة بالجهل عند الحاجة إليه
أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار، وبينما ابن عمر ﵄ جالس إذ أقبل أعرابي فلطمه فقام إليه رجل فجلد به الأرض، فقال ابن عمر: ليس بعزيز من ليس في قومه سفيه. وقيل: اجعل لكلّ كلب كليبا يهرّ دونك، فالعرض يصان بمثل سفيه يصول «٢» وحاد يقول:
لا بدّ للسؤدد من أرماح ... ومن سفيه دائم النباح
قال الأحنف:
ومن يحلم وليس له سفيه ... يلاقي المعضلات من الرّجال
وقال آخر:
ولا يلبث الجهّال أن يتهضّموا ... أخا الحلم ما لم يستعن بجهول
الرخصة في عقاب المجرم والحثّ عليه
قال الله تعالى: وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ
«٣» وقال: فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ
«٤» ، وجاء أعرابيّ إلى ابن عباس ﵄ فقال:
أتخاف عليّ جناحا إن ظلمني رجل فظلمته؟ فقال ابن عباس: وإن تعفوا أقرب للتقوى ولمن انتصر بعد ظلمه، فأولئك ما عليهم من سبيل.
وقال الشعبي: يعجبني الرجل يكافىء بالسيئة السيئة، فإذا سيم هوانا «٥» أبت له الأنفة إلا المكافأة. فبلغ قوله الحجّاج فقال: لله درّه «٦» . أيّ نفس بين جنبيه. وقال الجاحظ: من قابل الإساءة بالإحسان فقد خالف الربّ في تدبيره، وظنّ أن رحمته فوق رحمة الله تعالى والناس لا يصلحون إلا على الثواب والعقاب.
стр. 297
وضرب الحجّاج رجلا فقال: اعتديت أيّها الأمير فقال: لا عدوان إلا على الظالمين. ووقّع «١» إبراهيم بن العباس: إذا كان للمحسن من الحق ما يقنعه وللمسيء من النكال ما يقمعه بذل المحسن الحق له رغبة، وانقاد المسيء له رهبة.
حثّ القادر على العقاب قبل فوته
قيل: صمّم إذا أيقنت أنك عاقره «٢» ، وقال بعض الغسانيين يحرض الأسود بن المنذر على قتل أعدائه:
ما كلّ يوم ينال المرء فرصته ... ولا يسوغه المقدار ما وهبا
فأحزم الناس من إن نال فرصته ... لم يجعل السبب الموصول مقتضبا
لا تقطعن ذنب الأفعى وترسلها ... إن كنت شهما فأتبع رأسها الذّنبا
دخل الأبرش على هشام لما غضب على خالد القسري فقال: يا أمير المؤمنين أقلّ خالدا عثرته»
وتدارك بحلمك هفوته فقال:
مضى السهم حتّى لا يريد سوى الحشا ... فصادف ظبيا في الحديق راتعا «٤»
وكتب يحيى بن خالد إلى الرشيد من الحبس: إن كان الذنب خاصا فلا تعمم بالعقوبة في سلامة البري ومودة الولي. فكتب إليه: قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
«٥» .
وقال عبد الصمد للمنصور: لقد هجمت بالعقوبة حتى كأنك لم تسمع بالعفو. فقال: لأن بني مروان لم تبل رممهم وآل أبي طالب لم تغمد سيوفهم، ونحن بين أقوام قد رأونا بالأمس سوقة واليوم خلفاء فليس تتمهد الهيبة في صدورهم إلا باطراح العفو واستعمال العقوبة. وقال لما قتل أبا مسلم: لقد شاركت عبد الملك في قول كثير:
يصدّ ويغضي وهو ليث خفية ... إذا أمكنته فرصة لا يقيلها
التبجّح «٦» بقسوة القلب وقلّة الرحمة
كان محمّد بن عبد الملك بن الزيات يقول: رقة القلب من خور «٧» الطبيعة. ولما أمر
стр. 298
الواثق بتعذيبه وبحبسه في تنور من الحديد وإطباقه عليه قال لمعذبه: ارحمني. فردّ الخبر إلى الواثق فقال: أين قول لا تكون الرحمة إلا من خور، ثمّ تمثل بقوله:
فلا تجز عن من حسنة سنة أنت سرّتها
ووقع في قصة رجل دعني من ذكر الرحمة والاشفاق فما هما إلا للنسوان والصبيان.
قال المتنبّي:
يدخل صبر المرء في مدحه ... ويدخل الإشفاق في قلبه
المتمدّح بأنه يقابل الإساءة بمثلها
قال شاعر:
اعلم بأنّك ما أسديت من حسن ... إليّ أو سيء أوفيتك الثّمنا
قال مسلم بن الوليد «١» :
فإن يك أقوام أساؤا فأحسنوا ... إليّ فإنّي بالجزاء لراصد
قال الحارثي إذا عفا لم يكن في عفوه من ولا يكدر نعماه، إن سطا عاتب ذا جرم بقدره لا يتعداه.
أخذ البريء بجرم السقيم
قال الله تعالى: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً
«٢» . قال الحارث بن حلزة «٣» :
عننا باطلا وظلما كما يع ... ترّ عن حجرة الربيض الظّباء «٤»
وقال آخر:
كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع «٥»
وقال آخر:
كالثور يضرب لما عافت البقر
ووقف رجل على الحجّاج فقال: أصلح الله الأمير جنى جان في الحيّ فأخذت بجريرته وأسقط عطائي. فقال الحجّاج: أما سمعت قول الشاعر:
جانيك من يجني عليك وقد ... يعدي الصّحاح مبارك الجرب
стр. 299
ولربّ مأخوذ بذنب صديقه ... ونجا المقارف صاحب الذّنب
فقال: أعز الله الأمير كتاب الله أولى ما اتبع. قال الله تعالى: مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ
«١» فقال الحجاج: صدقت يا غلام رد اسمه وأثبت رسمه وسن عطاءه.
وقال الحسن ﵁: عقر الناقة رجل واحد ولكن عم القوم بالعذاب لما رضوا بفعله. وقيل لرجل ما فعلت حتى ضربك السلطان؟ فقال:
وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من النّاس إلا ما جنى، لسعيد
عذر من بدر منه سخط
قال البحتري:
إذا أحرجت ذا كرم تخطّى ... إليك ببعض أخلاق اللئام
عذر من عاتب على صغير
قال رجل من بني يشكر:
تعفو الملوك عن العظيم من الذّنوب لفضلها ... ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك لجهلها
لكن ليعرف فضلها ... ويخاف شدّة نكلها «٢»
فضل غلبة الخصم بالحجّة دون البطش
قال معاوية ﵁ عجبت لمن يطلب أمرا بالغلبة وهو يقدر عليه بالحجّة ولمن يطلبه بخرق وهو يقدر عليه برفق. ولمّا ظهر ماني الزنديق في أيام سابور بن أزدشير ودعا الناس إلى مذهبه، فأخذه سابور قال له نصحاؤه: اقتله، قال: إن قتلته من غير أن قطعته بالحجة قال عامة الناس بقوله، ويقولون ملك جبار قتل زاهد ولكني أحاجه فإذا غلبته بالحجة قتلته، ففعل ثم حشا جلده تبنا وصلبه.
(٤) وممّا جاء في العداوات
الاحتراس من غرس العداوة
قيل: لا تشتر عداوة رجل واحد بمودة ألف رجل. وفي كتاب كليلة لا ينبغي للعاقل أن تحمله ثقته بقوته على أن يجتر العداوة كما لا يجب لصاحب الترياق أن يشرب السم اتكالا على أدويته. وقيل: توسّد النار وافتراش الأفاعي أقل غائلة ممن أوجس عداوتك فيروح بها.
стр. 300
وقيل: احذر معاداة الرجال فالناس رجلان عاقل فأحذر ختله «١» وأحمق فاحذر حمقه.
وقال عبد الله بن الحسن بن الحسين ﵃ لابنه: إتّق معاداة الرجال فانك لا تعدم مكر حليم أو مفاجأة لئيم.
وقيل: الأحقاد مخوفة وأخوفها ما كان في أنفس الكبار فإنهم يرون الطلب الوتر «٢» مكرمة.
وقال بعضهم في التحذير من العداوة:
سيعلم إسماعيل أنّ عداوتي ... له سمّ أفعى لا يصاب دواؤها
النهي عن الاعتذار بالعداوة إذا ظهر الودّ
قيل: العدوّ المبطن للعداوة كالنحل تمج الدواء وتجتنب الداء. قال سديف بن ميمون يحرض بني العباس على بني أمية:
لا يغرّنّك ما ترى من رجال ... إنّ تحت الضّلوع داء دويّا
فخذ السيف واطّرح السوط حتّى ... لا ترى فوق ظهرها أمويّا
وله:
أنزلوها بحيث انزلها الل ... هـ بدار الهوان والأتعاس
ذلّها أظهر التودّد منها ... وبها منكم كحزّ المواسي
قال المتنبي:
فلا يغررك ألسنة موال ... تقلّبهنّ أفئدة أعادي
وكن كالموت لا يرثي لباك ... بكى منه ويروى وهو صاد «٣»
وقال آخر:
تعلم أنّ أكثر ما تنادي ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي «٤»
وفي كتاب كليلة: لا يغرّ العاقل سكون الحقد في القلب ما لم يجد محركا كالجمر المكنون، ما لم يجد حطبا. والعداوة إذا وجدت فرصة اشتعلت فلا يطفئها شيء دون النفس.
النهي عن السّكون إلى من يخافك
من خاف شرك أفسد أمرك ومن خاف صولتك ناصب دولتك، قال معاوية: من خاف اساءتك اعتقد مساءتك.
стр. 301
النهي عن السّكون إلى من تقدّم منك له إساءة
قيل: إذا أوحشت الحرّ فلا ترتبطه فإذا ارتبطته فلا توحشه. لمّا قدم عبد الملك المدينة خطب فقال: والله ما تحبونا ولا نحبكم ونحن أصحاب يوم الحرة وإنما مثلنا، كما قال النابغة «١» :
أبى لك قبر لا يزال مواجها ... وضربة فأس فوق رأسي ناقره «٢»
وحديث ذلك أن العرب زعمت أن حية كانت في بيت رجل فقتلته فترصدها أخوه ليقتلها طالبا بثأره فقالت له الحية: صالحني على أن اؤدى إليك كل يوم دينارا ففعل. فلما كثر ماله تذكر دخله فأعد فأسا وترصدها فرماها وأشواها، فقطع ذنبها فافلتت وندم الرجل لما لم ينل ثأره، وفاته ما كان يناله فدعاها يوما إلى المراجعة على أن يصالحها فقالت: لا يقع الصلح بيننا ما رأيت قبر أخيك وأرى أثر الفأس في ذنبي.
وحكي أن رجلا كان له عبد سندي فتعرض لامرأته فعلم الرجل بذلك فأخذه وجبهه «٣» ثم تحوّب «٤» لذلك فداواه. فلما برأ اتفق إن غاب الرجل يوما فعمد السندي المحبوب إلى ابنين كانا لسيده فأخذهما وصعد السور فلما بصر بالرجل قال: والله إن لم تجب نفسك كما جببتني لاقذفهما من السور ليموتا، وإن نفسي لأهون من شربة ماء. فلما رأى الرجل منه الجدّ جبّ نفسه فرمى العبد بالابنين من السور، وقال إن جبّك نفسك قصاص لما جببتني وقتل ابنيك زيادة أعطيتكها.
التحذير من عدوّ قاهر
قيل: أحذر الناس أن يحذر عدوّ قاهر وسلطان جائر. وقيل: إيّاك ومعاداة من أن أرادك بسوء أرداك «٥» ، وإن أردته بسوء لم توجع إلّا حشاك، وقيل: لا تعاد من غيظك عليه غيظ الأسير على القد.
النهي عن الاستعانة بمن ظلمته
قيل: العدوّ عدوان عدوّ ظلمته وعدو ظلمك، فإن اضطرك الدهر إلى أن تستعين بأحدهما فاستعن بالذي ظلمك فإنه أحرى «٦» أن يعينك وإن الذي ظلمته موتور «٧» .
стр. 302
النهي عن استصغار العدوّ
قيل: لا تستصغرّن أمر عدوك إذا جاريته لأنك إن ظفرت به لم تحمد وإن ظفر بك لم تعذر.
الضعيف المحترس من العدوّ القوي أقرب إلى السلامة من القوي المغتر بالعدوّ الضعيف.
وقيل: العدو المحتقر ربما اشتد كالغصن النضر بما صار شوكا، وقيل: لا تأمنن العدوّ الضعيف إن تورطك فالرمح قد يقتل به وإن عدم السنان والزجّ «١» ، قال شاعر:
لا تحقرّني فربّما نفذت ... في ردم يأجوج جيلة الجرذ «٢»
قال الموسوي الفيل يضجر وهو أعظم ما رأيت من البعوض. وفي المثل إذا عز أخوك فهن وإذا لم تغلب فاخطب. لا يتقى العدو والقوي بمثل الخضوع واللين فمثل ذلك كمثل الريح العاصف، تقلع الأشجار العظام لتأبّيها عليها، ويسلم منها النبات اللين لتمايله معها، قال سليمان بن وهب:
غرّك الدهر بما تهوى فهن ... وإذا ما أخشن الدّهر فلن «٣»
لا تعاسره وخذ ميسوره ... وتفنّن معه في كل فن «٤»
قال المأمون لأبي دلف: شد ما استحذيت للحسن بن رجاء. فقال: يا أمير المؤمنين ذلك بما وهبت له من القدرة وصحبه من حداثة الغرارة. وكانت الطاعة تعارض الانتصار منه وخفت أن يكون من قدرته ما يعنيك بي فلا أجد لذلك عوضا فسلمت قال ابن نباتة «٥» :
وإذا عجزت عن العدوّ فداره ... وامزج له إن المزاج رفاق «٦»
فالنّار بالماء الذي هو ضدها ... تعطي النضاج وطبعها الإحراق «٧»
حمد المداجاة طلبا للفرصة
قيل لابن القرية: ما الدهاء؟ فقال: تجرع الغصه، وتوقع الفرصة، وقيل: من تمام
стр. 303
الأدب أن تستر العداوة إلى وقت الفرصة لئلا يستسلح لذلك. قال أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه: انكى الأشياء لعدوك أن لا تعلمه أنك اتخذته عدوا. وقيل: لا يكونّن سلاحك على عدوك أن تكثر ثلبه وقصبه فإنك تخبر عن حزمه وعجزك، ولكن دامجه حتى تبادره بالكظم وتساتره بالختل. قال التنوخي:
إلق العدّو بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودّات
وقيل: إذا لم تجد لشفرتك محزا فلا تضعها في صلابة فتكلها.
المتبجّح باظهار الليان وإبطان العداوة
قال عبد الملك بن مروان لما قتل عمر والاشدق سكنته ليقلّ منه نفره، فاصول صولة حازم مستمكن. قال حميد الأكاف:
وإني ليلقاني العدوّ مواصلا ... فيحسبني منه أبرّ وأوصلا
أجرّ له ذيلي لأدرك فرصتي ... ويحسبني في جرّ ذيلي مغفّلا
قال المتنبي:
وجاهل مدّه في جهله ضحكي ... حتّى أتته يد فرّاسة وفم
وقال آخر:
أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم باد على مراضها «١»
وصف عدوّ يكاشرك إذا حضرك
قال عمرو بن جابر الحنفي:
يكاشرني وأعلم أنّ كلانا ... على ما ساء صاحبه حريص «٢»
قال عمرو بن أم عاصم:
كلّ يداجي على البغضاء صاحبه ... ولن أعالنهم إلا كما علنوا»
قال المثقب:
إن شرّ الناس من يكشر لي ... حين ألقاه وإن غبت شتم «٤»
قال ابن الرومي:
يبيح لي صفحة السلّامة والسّلم ويخفي في قلبه مرضا «٥»
стр. 304
وقال المتنبي:
أبدو فيسجد من بالسّوء يذكرني ... ولا أعاتبه صفحا وإهوانا
وقيل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ فقال: إذا حضر هبناه وإن غاب اغتبناه «١» . قال:
ذاك هو السيد فيكم.
من نظره ينبىء عن عداوته
وقال زهير:
الودّ لا يخفى وإن أخفيته ... والبغض تبديه لك العينان «٢»
وقال آخر:
ستور الضمائر مهتوكة ... إذا ما تلاحظت الأعين «٣»
وذكر أعرابي قوما فقال: ما زالت عيون العداوة تتجهم فتمجها أفواههم وأسباب المودة تخلق من قلوبهم فتخرس عنها ألسنتهم حتى ما لعداوتهم مزيد.
العداوة المستورة والتحذير منها
قال الشاعر:
وفينا وإن قيل اصطلحنا تضاغن ... كماطر أوبار الجراب على النشر «٤»
وقال آخر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى ... وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
وقال أبو نواس:
كمن الشنآن فيه لنا ... ككمون النّار في حجره
وقال المتنبي:
وإنّ الجرح ينفر بعد حين ... إذا كان البناء على فساد
وقيل هدنة على دخل وجماعة على أقذاء. قال شاعر:
ومستخبر عنّا يريد لنا الرّدى ... ومستخبرات والعيون سواجم «٥»
стр. 305
وفي كتاب كليلة: لا تأمنن عدّوك على مكنون سرّك فكمون عداوته ككمون الجمر في الرماد إذا وجد فرصة اشتعل.
ثبات العداوة الجوهريّة
في كتاب كليلة: ليس بين العداوة الجوهرية صلح وإن اجتهد فالماء وإن أطيل إسخانه فليس يمتنع من إطفاء النار إذا صبّ عليها. وحكي أنّ أعرابيا أخذ جر وذئب فربّاه بلبن شاة عنده، وقال: إذا ربيته مع الشاة يأنس بها فيذبّ عنها ويكون أشد من الكلب ولا يعرف طبع أجناسه، فلما قوي وثب على شاته فافترسها، فقال الأعرابي:
أكلت شويهتي ونشأت فينا ... فما أدراك أنّ أباك ذيب «١»
وروي أن النبي ﷺ قال: الودّ والعداوة يتوارثان، وقيل: لكل حريق مطفىء فللّنار الماء وللئيم العداوة وللحزين الصبر وليس للحقد الغريزي دواء.
المسرّة بوقوع المعاداة بين أعدائك
في كتاب كليلة: من حق العاقل أن يرى معاداة بعض عدوه لبعض ظفرا حسنا. ففي اشتغال بعضهم ببعض خلاصه منهم وفي الأدعية المجمع عليها: اللهمّ أخذل الكافرين وأوقع بينهم العداوة والبغضاء.
دنىء يعاديك بلا سبب
قال عبد الصمد:
ربّ من يشجيه أمري ... وهو لم يخطر ببالي
قلبه ملآن من ذكري وقلبي منه خال
قال الموسوي:
واتعب من ناداك من لا تجيبه ... وأغيظ من عاداك من لا تشا
تأسّف من يعاديه لئيم أو دنيء
قال علي بن الجهم:
بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون
ولما حاصر المنصور ابن هبيرة بعث إليه ابن هيبرة أن يبارزني فقال: لا أفعل فقال ابن هبيرة «٢» لأشهرنّ امتناعك ولأعيّرنك به فقال المنصور مثلنا ما قيل: إن خنزيرا بعث
стр. 306
إلى الأسد وقال قاتلني فقال الأسد لست بكفؤى ومتى قتلتك لم يكن لي فخر وإن قتلتني لحقني وصم «١» عظيم. فقال لأخبرنّ السباع بنكولك «٢» فقال الأسد: احتمال العارفي ذلك أيسر من التلطخ بدمك، وفي عذر من يخاصم دنيئا ويدافعه قول المتنبي:
إذا أتت الإساءة من وضيع ... ولم ألم المسيء فمن ألوم؟
الحثّ على العداوة بالفعل لا القول
قيل: غضب الجاهل في قوله وغضب العاقل في فعله. وولي أبو مسلم رجلا ناحية فقال له: إياك وغضبة السفلة فإنها في ألسنتها وعليك بغضبة الأشراف فإنها تظهر في أفعالها.
الحثّ على إماتة الحقد
أرسطوطاليس «٣» استعدّ لإهماد «٤» لهب العداوة بالاناة قبل تلّهب ناره فإن إطفاءه قبل انتشاره سهل يسير، وقيل: ما أحسن بالرجل أن يحسن مداراة عدوه حتى يطفىء سورة «٥» ناره وقال بعض أصحاب المأمون يوما إن عجيف بن عنبسة خبيث النية رديء السريرة «٦» ، وأراك قد قربت مجلسه. فقال: والله لأحسنن إليه ولا تفضلن عليه حتى أكون أحب الناس إليه. فلم يزل يختصه حتى صار يبذل دونه مهجته.
مدح الحقد وذويه
وصف أعرابي حقودا فقال: يحقد حقد من لا ينحلّ عقده ولا يلين كيده، وقال يحيى لعبد الملك ابن صالح: إنك حقود فقال: إن كان الحقد عندك بقاء الخير والشر إنهما عندي لثابتان، فلما قام قال يحيى ما رأيت من احتج للحقد حتى حسنه سواه وقيل لرجل: أنك لحقود، فقال:
وإن امرأ لم يحقد الوتر لم يكن ... لديه لذي النعماء جزاء ولا شكر
قال ابن الرومي:
وما الحقد إلا توأم الشكر في الفتى ... وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع ... من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
стр. 307
قال الأخطل:
شمس العداوة حتى يستقاد لهم «١»
ذمّ الحقد وذويه
قال النبي ﷺ : ترفع أعمال العباد فترفع إلى الله في كل جمعة فيغفر للمستغفرين ويرحم المترحّمين ويترك أهل الحقد لنيتهم. وقيل للأحنف: من أسود الناس فقال:
الأخرق في ماله المطرّح لحقده.
أسباب العداوات
شكا رجل إلى سهل بن هارون عداوة رجل فقال: العداوة تكون من المشاكلة والمناسبة والمجاورة واتفاق الصنائع فمن أيّها معاداته لك وقال رجل لآخر إنّي أخلص لك المودة، فقال: قد علمت. قال كيف علمت وما معي من الشاهد إلا قولي. قال إنك لست بجار قريب ولا بابن عم نسيب ولا بمشاكل في صناعة، وقيل لمشيب بن شبة: ما بال فلان يعاديك فقال لأنّه شقيقي في النسب وجاري في البلد ورفيقي في الصناعة، وقيل: كل عداوة لعلة فإنها تزول بزوال العلة وكل عداوة لغير علّة فإنها لا تزول.
عداوة الأقارب
قيل: عداوة الأقارب كالنار في الغابة. ما النار في الفتيلة بأحرق من تعادى القبيلة.
وقيل: عداوة الأقارب كلسع العقارب. قال: إن الأقارب كالعقارب بل أضرّ من العقارب.
وسئل بعضهم عن بني العم فقال: هم أعداؤك وأعداء أعدائك، ولهذا باب في الأقارب.
من لا يبالى بعداوته
قال الأعشى «٢» :
ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل «٣»
كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل
وقال كشاجم:
تبارزني ونفسك في رصاص ... وكم يبقى على النّار الرّصاص
стр. 308
وقال الحجاج: أهل العراق أهل الشقاق والنفاق ومساوىء الأخلاق. ثلث من الدين مارق وثلث منافق وثلث سارق. والله لو عاديتموني لما ضررتموني وما مثلي ومثلكم إلا كما قيل:
فرأيك لو أبغضتني ما ضررتني ... ولو رمت نفعا ما وسعت لذلك
(٥) ومما جاء في الحسد
حدّ الحسد
قيل: الحسد أن تتمنى زوال نعمة غيرك والغبطة أن تتمنى مثل حال صاحبك وقال ﷺ المؤمن يغبط والمنافق يحسد. وقيل: الحسد خلق دنيء وقال ابن المعتز: الحسد من تعاطى الطبيعة واختلاف التركيب. وقيل: الحسد داعية النكد.
استعظام الحسد من بين الذّنوب
قال ابن السماك: إن الله تعالى أنزل سورة جعلها عوذة لخلقه من صنوف الشر فلما انتهى إلى الإعاذة من الحسد جعلها خاتما إذ لم يكن بعده في الشر نهاية الحسد أوّل ذنب عصى الله به في السماء والأرض.
قال ابن المقفع: الحسد والحرص دعامتا الذنوب فالحرص أخرج آدم ﵇ من الجنة والحسد نقل إبليس من جوار الله تعالى. وقال أنس بن مالك ﵁: رفع البركة عن خمسة عن الناكث والباغي «١» والحسود والحقود والخائن. وقال ﷺ : الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
النهي عن الحسد
روي أن سليمان ﵇: سأل الله تعالى أن يعلمه كلمات ينتفع بها، فأوحى إليه أني معلّمك ستّ كلمات لا تغتابن عبادي وإذا رأيت أثر نعمتي على عبد فلا تحسده.
فقال: يا رب حسبي أنا لا أقوم بهاتين من حسد من دونه قل عدوه ومن حسد من فوقه أتعب نفسه.
كون الحسد ضارّا لصاحبه
قال علي كرم الله وجهه: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من الحاسد: نفس دائم وعقل
стр. 309
هائم وحزن لازم وقال أيضا لله در الحسد ما أعدله يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقيل: الحسود لا يسود. وقال الجاحظ: من العدل المحض والإنصاف الصريح أن تحط عن الحاسد نصف عقابه لأن ألم جسمه قد كفاك مؤنة شطر غيظك. وقيل: لا راحة لحسود ولا وفاء لملول الحسود غضبان على القدر والقدر لا يعتبه. ولمنصور الفقيه:
ألا قل لمن بات لي حاسدا ... أتدري على من أسأت الأدب
أسأت على الله في حكمه ... إذا أنت لم ترض لي ما وهب
وجد على بساط لملك الروم البخيل مذموم، والحسود مغموم، والحريص محروم.
وسئل ابن عباس ﵄ عن الحسد والنكد «١» أيهما شر؟ فقال: الحسد داعية «٢» النكد بدلالة أن إبليس حسد آدم ﵇ فصار حسده سبب نكده فأصبح لعينا بعد أن كان مكينا «٣» .
صعوبة إرضاء الحاسد
قال معاوية: كل الناس يمكنني أن أرضيه إلا الحاسد فإنه لا يرضيه إلا زوال نعمتي.
وقيل: لزاذان فروح: أيّ: عدو لا تحب أن يعود صديقا؟ قال: الحاسد الذي لا يرده إلى مودتي إلّا زوال نعمتي. قال المتنبي:
سوى وجع الحسّاد داو فإنّه ... إذا حلّ في قلب فليس يحول «٤»
وقال الببغا:
ومن البليّة أن تداوي حقد من ... نعم الإله عليك من أحقاده
وصف الحسد بأنه أعظم عداوة
قال أبو العيناء: إذا أراد الله أن يسلّط على عبده عدوّا لا يرحمه، سلط عليه حاسدا.
وقال بعضهم: ما ظنك بعداوة الحاسد وهو يرى زوال نعمتك نعمة عليه.
صعوبة شماتة الحساد
سأل بعض الملوك جماعة من الحكماء عن أشد ما يمرّ على الإنسان، فقال بعضهم:
الفقر، وقال آخرون: الفقر في الغربة، وقال غيرهم الغربة مع المرض. ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله شماتة العدو ثم أجمعوا على أن أشد من ذلك كله رحمة العدو للمرء من نكبة تناله. فقال:
وحسبك من حادث بامرىء ... ترى حاسديه له راحمينا
стр. 310
قال ابن أبي عيينة:
كلّ المصائب قد تمرّ على الفتى ... وتزول غير شماتة الحسّاد
قال الخبزارزي «١» :
شماتتكم لي فوق ما قد أصابني ... وما بي دخول النار بل طنز مالك «٢»
الحسد يظهر فضل المحسود
قال البحتري:
ولن يستبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد
وقال أبو تمّام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود «٣»
وفي مثله:
يبين فضل الشيء من عاداه «٤»
وقال:
فضل الفتى يغري الحسود بسبّه ... والعود لولا طيبه ما أحرقا «٥»
الفضائل مقتضية «٦» للحسد
قيل: لا يفقد الحسد إلا من فقد الخير أجمع، فمنبع الحسد مقرّ النعمة.
قال شاعر:
وحذاء كل مروءة حسّادها «٧»
قال البحتري:
وليس يفترق النعماء والحسد
وقال آخر:
وترى الكريم محسّدا لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم
стр. 311
ومرّ قيس بن زهير ببلاد بني غطفان فرأى ثروة فكره ذلك، فقال له الربيع ألا يسرّك ما يسرّ الناس؟ فقال: إن مع الثروة التحاسد والتخاذل ومع القلة التحاشد والتناصر، وقيل لبعض المهالبة: ما أكثر حسادكم؟ فقال:
إن العرانين تلقاها محسدة ... ولن ترى للئام الناس حسّادا «١»
قال ابن المعتز:
المجد والحسّاد مقرو ... نان، إن ذهبوا فذاهب
وإذا ملكت المجد لم ... تملك مودّات الأقارب
قال الموسوي:
عادات هذا الدهر ذمّ مفضل ... وملام مقدام وعذل جواد
المحسود لفضله
قال شاعر:
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم «٢»
كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا إنّه لدميم «٣»
قال ابن المعتزّ:
ومن عجب الأيام بغي معاشر ... غضاب على سبقي إذا أنا جاريت
يغيظهم فضلي عليهم ونقصهم ... كأنّي قسمت الحظوظ فحابيت
الدعاء للإنسان بأن يكون محسودا
قال شاعر:
لا ينزع الله عنهم ما له حسدوا
وقال آخر:
لا زلت عرض قرير العين محسودا
وقال آخر:
لا زال مكتسيا سربال محسود
وقال آخر:
ولا برحت نعماك داء حسودها «٤»
стр. 312
وقيل في الدعاء: حسد حاسدك. وقال بعض أهل اللغة: ولا يقال حاسد حسدك لأنه يصير دعاء للحاسد.
ذمّ من لا يحسد
قال:
ولن ترى للئام النّاس حسّادا
الحارثي:
وأسوأ أيام الفتى يوم لا يرى ... ما أحدا يزري عليه وينكر «١»
دنيء يحسد سريّا
قال مروان بن أبي حفصة «٢» :
ما ضرّني حسد اللئام ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذو والتّقصير
قال أبو تمّام:
لكلّ كريم من ألائم قومه ... على كلّ حال حاسدون وكشّح «٣»
من يحسد الذين تصل إليهم نعمه
قيل: توصل رجل إلى إبليس فقال له: لي إليك حاجة إنّ لي ابن عم ذا ثروة وله إحسان كثير إلي وتوفر علي ولي بماله نفع بيّن، ولكنّي أريد أن تزيل نعمته، وأن افتقرت بفقره. فقال إبليس لاصحابه من أراد أن يرى من هو شر منّي فلينظر إليه. وقيل لرجل:
أتحسد فلانا وهو يواليك ويكرمك. فقال نعم حتى أصير مثله أو يصير مثلي قال المتنبي:
وأظلم أهل الأرض من بات حاسدا ... لمن بات في نعمائه يتقلّب
قال ابن الرومي:
يا من يعادي السماء إن رفعت ... كلّ خيرها تحتها ودع نكدك «٤»
المكذب بأفعاله قول الحساد
يكذّب قول الحاسدين سماحتي ... وصبري إذا ما الأمر عضّ فأضجعا
قال لبيد:
بنو عامر من خير حي علمتم ... وإن نطق الأعداء زورا وباطلا
стр. 313
تبكيت الحاسد وحثّه على أن يفعل فعل محسود لينال منزلته
قال البحتري:
لا تحسدوه فضل رتبته التي ... اعيت عليه وافعلوا كفعاله
قال السري الرفّاء:
نالت يداه أقاصي المجد الذي ... بسط الحسود إليه باعا ضيّقا
أعدوه هل للسّماك جريرة ... في أن دنوت من الحضيض وحلّقا
أم هل لمن ملأ اليدين من العلا ... ذنب إذا ما كنت منه مملقا «١»
استراحة من لا يحسد وطيب عيشه
الفضل لمن نبذ الحسد وأراح الجسد ولزم الجدد «٢» قال البحتري:
مستريح الأحشاء من كلّ ضغن ... بارد الصدر من غليل الحسود «٣»
قال الأصمعي: رأيت أعرابيا أتى عليه عمر كثير، فقلت: أراك حسن الحال في جسدك.
قال: نعم تركت الحسد فبقيت نفسي. وهذا من قول سقراط: الحسد يأكل الجسد. قال الفضيل: لا يستريح قلبك حتى يترك كلّ الدنيا. وقيل: من دعته نفسه إلى ترك الدنيا فلينظر هل يحسد أحدا فإن حسد كان تركه عجزا لأنه لو زهد فيها ما حسد عليها.
الممدوح بأنه لا يحسد
وقف الأحنف على قبر الحارث بن معاوية فقال: رحمك الله كنت لا تحقر ضعيفا ولا تحسد شريفا.
قال التنوخي:
فما نشرت أعراضهم عن معائب ... ولا طويت منهم قلوب على حقد
وأنّى يكون الحقد والنّاس دونهم ... ولا حقد إلا أن يكون على ندّ «٤»
من جلّ عن أن يحسد أو يعادى
قال ابن الرومي:
ما أنت بالمحسود لكن فوقه ... أن المبين الفضل غير محسّد
стр. 314
فتحاسد القوم الذين تقاربت ... طبقاتهم وتقاربوا في السؤدد
فإذا أبرّ أميرهم وبدا لهم ... تبريزه في فضله لم يحسد «١»
وقال أبو تمّام:
وسمحت في الدّنيا فما لك حاسد
الحثّ على التحرّز «٢» من حسد السلطان
قال أبو بكر الصديق ﵁: إنّ الرجل إذا ملك زهّده الله فيما في يده ورغّبه فيما لغيره وأشرب قلبه الإشفاق. فهو يحسد على القليل ويتسخط الكثير. لما فرغ جعفر ابن يحيى من بناء قصره صار إليه وجوه أصحابه وفيهم مؤنس بن عمران وكان رجلا كاملا فاستحسنوه، ومؤنس ساكت. فقال جعفر: لم لا تتكلم؟ فقال: فيما قالوه كفاية. فألحّ عليه أن يقول شيئا فقال مؤنس: أتصبر على الحق والصدق. قال نعم فقال: إن خرجت ومررت بدار لبعض أصحابك تشبهها أو تفوقها، ما أنت قائل؟ قال: قد فهمت فما الرأي؟
فقال له: تأتي أمير المؤمنين وتقول: إني قد بنيت هذا القصر للمأمون واتبعه من الكلام ما أنت أعلم به. فسأله الرشيد عن خبره فقال له ذلك، وقال له: إني استعملت لكل بيت من الفرش ما يليق به، فزال عن قلب الرشيد ما خامره.
وقال الشعبي: وجهني عبد الملك إلى ملك الروم فلما انصرفت دفع إلي كتابا مختوما فلما قرأه عبد الملك رأيته تغيّر وقال: يا شعبي أعلمت ما كتب هذا الكلب، قلت: لا.
قال: إنه كتب لم يكن للعرب أن تملك إلا من أرسلت به إلي. فقلت: يا أمير المؤمنين إنّه لم يرك ولو رآك لكان يعرف فضلك، وإنه حسدك على استخدامك مثلي. فسرّي عنه، وقيل: إذا أردت أن تسلم من حسد سلطانك فعم عليه مجامع شأنك.
ما لا يستقبح فيه الحسد
قال النبي ﷺ : لا حسد إلا في اثنين رجل آتاه الله ما لا ثم أنفقه في حقّ، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها. وقال أرسطوطاليس: الحسد حسدان محمود ومذموم فالمحمود أن ترى عالما فتشتهي أن تكون مثله أو زاهد فتشتهي مثل فعله والمذموم أن ترى عالما أو فاضلا فتشتهي أن يموت.
المتبجّح بكونه حسودا
اجتمع ثلاثة نفر فقال أحدهم لصاحبه: ما بلغ من حسدك؟ قال: ما اشتهيت أن أفعل بأحد خيرا قط. فقال الثاني: إنك رجل صالح أنا ما اشتهيت أن يفعل أحد بأحد خيرا قط. فقال
стр. 315
الثالث: ما في الأرض أفضل منكما، أنا ما اشتهيت أن يفعل بي أحد خيرا قط. وقال عبد الملك للحجاج: صف نفسك فليس العاقل إلّا من عرف نفسه. فقال: أنا حديد حقود حسود.
حمد الغبطة وذمّها
روي في الخبر: المؤمن يغبط «١» والمنافق يحسد. وروي أنّ النبي ﷺ سئل: أيضرّ الغبط؟ قال: نعم كما يضرّ الورق الخبط «٢» .
(٦) ومما جاء في التواضع والكبر
ما حدّ به التواضع والكبر
قيل لبعضهم: ما التواضع؟ قال: أخلاق المجد واكتساب الود. فقيل ما الكبر؟ قال:
اكتساب البغض، وقيل لأزدشير: ما الكير؟ فقال: اجتماع الرذائل لم يدر صاحبها أين يضعها فيصرفها إلى الذم.
فضل التواضع والحثّ عليه
قال النبي ﷺ : طوبى لمن تواضع التواضع أحد مصائد الشرف، من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره وفي الثمل تواضع الرجل في مرتبته زبّ للشماتة عند سقطته، وقيل: من وضع نفسه دون قدره رفعه الناس فوق قدره ومن رفعها عن حده وضعه الناس دون قدره، وقيل لبزرجمهر: هل تعرف نعمة لا يحسد عليها؟ قال: نعم التواضع فقيل:
هل تعرف بلاء لا يرحم صاحبه؟ قال: نعم الكبر.
فضل كبير متواضع
قال ابن عباس ﵄: كان رسول الله ﷺ يجلس على الأرض ويأكل على الأرض ويعتقل الشاة ويجيب دعوة المملوك ويقول: لو دعيت إلى كراع «٣» لأجبت. وكان يحيى بن سعيد خفيف الحال فاستقضاه أبو جعفر فلم يتغير فقيل له: في ذلك فقال: من كانت نفسه واحدة لم يغيره المال. ولما ورد المرزبان على عمر ﵁ فاورد باب داره وقرع بابه فقيل: أنه قد خرج آنفا فكانوا يسألون عنه فيقولون مر من ههنا آنفا،
стр. 316
فاستحقر «١» المرزبان أمره، إلى أن انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد فلما رفع رأسه امتلأت نفس المرزبان منه رعبا فقال: هذا والله الملك الهنىء لا يحتاج إلى حراس ولا إلى عدد وقال عمر ﵁ حين نظر إلى صفوان مبتذلا لأصحابه هذا رجل يفر من الشرف والشرف يتبعه، وقال معاوية لرجل: من سيّد قومك؟ فقال: الجاهم الدهر إليّ فقال بمثله من التواضع يحل الشرف، وقال عمر ﵁ أريد رجلا إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبعضهم فإذا لم يكن أمير فكأنه أميرهم، قال أبو تمام:
متبذل في القوم وهو مبجّل ... متواضع في الحيّ وهو معظّم «٢»
وقال آخر:
متواضع والنبل يحرس قدره ... وأخو التواضع بالنباهة ينبل
قال الخوارزمي:
عجبت له لم يلبس الكبر حلّة ... وفينا إذا جزنا على بابه كبر
ذمّ التكبر والنهي عنه
قال الله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ
«٣» وقال تعالى: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ
«٤» ، وقال: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ
«٥» ، وقال النبي ﷺ :
إن الله يقول الكبر إزاري «٦» والعظمة ردائي، من نازعني واحدا منهما ألقيته في النار، وأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال:
حذّرتك التيه لا يعلقك ميسمه ... فإنّه ملبس نازعته الله
وقال بزرجمهر: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل، أحمد عند العقلاء من الكبر مع الأدب والسخاء. فانبل بحسنة غطّت سيئتين، وأقبح بسيئة غطت على حسنتين. كم من صلف أدى إلى تلف، العجب لابن آدم لم يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. أخذ ابن الرومي ذلك فقال:
كيف يزهو من رجيعه ... أبا الدهر ضجيعه
قال: منصور الفقيه، يا قريب العهد بالمخرج لم لا تتواضع، ويروى عن النبي ﷺ لا يبغى على الناس إلّا ولد بغى أو من فيه عرق سوء، وقيل: ما تاه إلّا وضيع ولا فاخر إلا سقيط ولا تعظم إلا لقيط «٧» وقيل: دع الكبر فمتى كنت من أهل النبل لم يضرك التبذّل ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التبتل.
стр. 317
ذكر السبب الداعي إلى التكبّر
قال المأمون «١» : ما تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسنّ من نفسه قال أحمد بن أسماعيل:
رأيت الرياسة مقرونة ... بلبس التكبّر والنخوه
ذمّ متكبّر لولاية نالها
قيل: من نال منزلة فابطرته دل على رداءة أصله وعنصره. قال أحمد بن أبي طاهر:
وتاه سعيد أن أفيد ولاية ... وقلّد أمرا لم يكن من رجاله
وأدبر عنّي عند إقبال حظّه ... وغيّر حالي عنده حسن حاله
وضاق علي حقّي بعقب اتساعه ... فأوسعنه عذرا لضيق احتماله
وقال سفيان ﵀: السفل إذا تمولوا استطالوا وإذا افتقروا تواضعوا والكرام إذا تموّلوا تواضعوا وإذا افتقروا استطالوا. قال صالح بن عبد القدوس:
تاه على إخوانه كلّهم ... فصار لا يطرف من كبره «٢»
أعاده الله إلى حاله ... فإنّه يحسن في فقره «٣»
المبغيّ عليه منصور
قال الله تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ
«٤» ، وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
«٥» وقال ﷺ : ما رأيت أسرع هلاكا من البغي، وقال ﷺ : ذنبان عجل عقوبتهما:
البغي وقطيعة الرحم.
قال يزيد بن الحكم:
البغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم «٦»
ذمّ متكبّر بخيل أو دنيء
قال النبي ﷺ : البخل والكبر لا يجتمعان في مؤمن. وقيل: من استطال بغير تطوّل وامتنّ بغير منّة فقد استعجل المقت.
قال عليّ بن الجهم:
جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك
стр. 318
قال أبو بكر بن الزبير:
يا قليل القدر موفور الصلف ... والذي في التيه قد حاز السرف «١»
كن لئيما وتواضع تحتمل ... أو سخيّا يحتمل منك الصلف
وقيل: أنف في السماء واست في الماء. ومن هذا النحو قول الجعدي:
بالأرض أستاههم عجزا وأنفهم ... عند الكواكب بغيا يا لذا عجبا
ذمّ فقير متكبر
قيل: أبغض الناس ذو عسر يخطر في رداء كبر، قال الشاعر في ذم آخر:
فخر بلا حسب عجب بلا أدب ... كبر بلا درهم هذا من العجب
ذمّ الفخر وذويه
قال الله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً
«٢» وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
«٣» ونظر النبي ﷺ إلى رجل بخرازاره فقال: أرفع إزارك فإنه أبقى وأنقى وأتقى فقال: يا رسول الله إنّه مروءة. فقال أليس: لك بي أسوة وكان إزاره ﷺ إلى انصاف ساقيه.
نظر مطرف إلى المهلب وعليه حلة يسحبها فقال: ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال: أو ما تعرفني؟ قال: بلى أولك نطفة «٤» مذرة وآخرك جيفة قذرة «٥» وأنت بين ذلك حامل عذرة «٦» فلم يعد إلى تلك المشية، ونظر الحسن ﵁ إلى رجل يخطر في ناحية المسجد، فقال: انظروا إلى هذا ليس فيه عضوا إلّا ولله عليه نعمة وللشيطان فيه لعبة.
ذمّ من ضرع ذلّة بعد التكبّر
قال شاعر:
رفع الكلب فاتّضع ... ليس في الكلب مصطنع
بلغ الغاية التي ... دونها كلّ ما ارتفع
إنّما قصر كلّ شي ... ءإذا طار أن يقع
لعن الله نخوة ... صار من بعدها ضرع
مدح متواضع بسرعة المشي والتجوز في الأكل
كان عمر بن الخطاب ﵁ يسرع المشي فقيل له في ذلك فقال: هو أنجح
стр. 319
للحاجة وأبعد من الكبر أما سمعت قول الله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ
«١» ، وكان النبي ﷺ يأكل على الأرض فقيل له في ذلك فقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد.
المتواضع بالقيام بحوائج النّاس وتحمّل أثقالهم
كان النبي ﷺ يمشي مع الأرملة يقضي حاجتها ولا يستنكف «٢» ، واشترى رجل شيئا فمر بسلمان وهو أمير المدائن فلم يعرفه فقال: احمل هذا معي يا علج «٣» ، فحمله وكان من يتلقاه يقول ادفعه إليّ أيها الأمير فيقول: لا والله لا يحمله إلا العلج والرجل يعتذر إليه ويسأله أن يردّه عليه وهو يأبى حتى حمله إلى مقرّه.
المتواضع في قيامه بأمر عياله
اشترى أمير المؤمنين رضوان الله عليه تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال له بعض أصحابه: دعني أحمله، فقال: أبو العيال أحق أن يحمله. ورؤي بعض الكبار وبيده بطن شاة فقال له رجل: ادفعه إليّ فإنه يزري «٤» بك، فقال:
ما نقّص الكامل من كماله ... ما جرّ من نفع إلى عياله
وكان أبو هريرة ﵁ يحمل الحزمة من الحطب وهو خليفة مروان، وكان يقول: وسّعوا للأمير.
حمد تعظيم الكبار
قدم قيس بن عاصم على النبي ﷺ وكان سيد أهل الوبر فبسط له رداءه ثم قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وروي أن مجوسيا دخل على رسول الله ﷺ فأخرج ﷺ من تحته وسادة حشوها ليف وطرحها له وأقبل عليه يحدّثه، فلما نهض قال عمر ﵁: إنّه مجوسي، فقال ﵊: قد علمت ولكن جبريل ﵇ يأمرني أن أكرم كلّ كريم قوم إذا أتى، وهذا سيد قومه.
وقال الشعبي: ركب زيد بن ثابت فدنا منه عبد الله بن العباس ﵃ ليأخذ بركابه فقال: ما تفعل يا ابن عم رسول الله؟ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأمرائنا فقال زيد ارني يدك فأخذها وقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا.
النهي عن التصدّر في المجالس
قال زياد لابنه: إياك وصدر المجالس فإنه مجلس قلعة. قال الأحنف: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري ولهذا باب في غير هذا الموضع.
стр. 320
حمد تصديرك صاحبك
دخل سالم بن مخزوم على عمر بن عبد العزيز ﵁: فتنحى له عن الصدر فقيل له في ذلك فقال: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المنزلة.
مدح معرفة الرجل قدر نفسه
قال أمير المؤمنين علي ﵁: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقال الشافعي ﵁: أنفع الأشياء أن يعرف الرجل قدر منزلته ومبلغ عقله ثم يعمل بحسبه. وقد تقدّم من ذلك صدر في باب العقل.
ذمّ اعجاب المرء بنفسه
قال النبي ﷺ : ثلاث مهلكات: شحّ مطاع وهوى متبّع وإعجاب المرء بنفسه. وقيل:
عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله.
وقال الشاعر:
ما النّاس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم
وقال أعرابي لرجل معجب بنفسه يسرني أن أكون عند الناس مثلك في نفسك وعند نفسي مثلك عند الناس. وقال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها إذا أعجب بنفسه واستكثر عمله ونسي ذنبه.
ذكر من عظم إعجابه وصلفه
حكي عن ابن ثوابة أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم فأمر بصفعه فقيل له: في ذلك فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وليس لهذا هذه المنزلة. ودعا يوما أكّارا يكلمه. فلما فرغ دعا بماء وتمضمض به استقذارا لمخاطبته وكان جذيمة «١» الأبرش لا ينادم أحدا استعظاما.
وقال: إنما ينادمني الفرقدان «٢» . فكان يشرب كأسا ويصب لهما كأسين في الأرض واستأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب فهشم أنفه، فقال له معاوية: أتفعل هذا بحاجبي؟ فقال له: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين. فقال له أبوه: فض الله فاك إلا قلت وأنا بالمكان الذي أنا عليه من عبد مناف.
معتذر لعجبه وعزّته
قيل لأياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك معجب، فقال: أيعجبكم ما
следующие страницы →