← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

فاستحقر «١» المرزبان أمره، إلى أن انتهى إليه وهو نائم في ناحية المسجد فلما رفع رأسه امتلأت نفس المرزبان منه رعبا فقال: هذا والله الملك الهنىء لا يحتاج إلى حراس ولا إلى عدد وقال عمر ﵁ حين نظر إلى صفوان مبتذلا لأصحابه هذا رجل يفر من الشرف والشرف يتبعه، وقال معاوية لرجل: من سيّد قومك؟ فقال: الجاهم الدهر إليّ فقال بمثله من التواضع يحل الشرف، وقال عمر ﵁ أريد رجلا إذا كان في القوم وهو أميرهم كان كبعضهم فإذا لم يكن أمير فكأنه أميرهم، قال أبو تمام: متبذل في القوم وهو مبجّل ... متواضع في الحيّ وهو معظّم «٢» وقال آخر: متواضع والنبل يحرس قدره ... وأخو التواضع بالنباهة ينبل قال الخوارزمي: عجبت له لم يلبس الكبر حلّة ... وفينا إذا جزنا على بابه كبر ذمّ التكبر والنهي عنه قال الله تعالى: أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ «٣» وقال تعالى: كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ «٤» ، وقال: إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ «٥» ، وقال النبي ﷺ : إن الله يقول الكبر إزاري «٦» والعظمة ردائي، من نازعني واحدا منهما ألقيته في النار، وأخذ أبو نواس هذا المعنى فقال: حذّرتك التيه لا يعلقك ميسمه ... فإنّه ملبس نازعته الله وقال بزرجمهر: وجدنا التواضع مع الجهل والبخل، أحمد عند العقلاء من الكبر مع الأدب والسخاء. فانبل بحسنة غطّت سيئتين، وأقبح بسيئة غطت على حسنتين. كم من صلف أدى إلى تلف، العجب لابن آدم لم يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين. أخذ ابن الرومي ذلك فقال: كيف يزهو من رجيعه ... أبا الدهر ضجيعه قال: منصور الفقيه، يا قريب العهد بالمخرج لم لا تتواضع، ويروى عن النبي ﷺ لا يبغى على الناس إلّا ولد بغى أو من فيه عرق سوء، وقيل: ما تاه إلّا وضيع ولا فاخر إلا سقيط ولا تعظم إلا لقيط «٧» وقيل: دع الكبر فمتى كنت من أهل النبل لم يضرك التبذّل ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك التبتل.

стр. 317

ذكر السبب الداعي إلى التكبّر قال المأمون «١» : ما تكبّر أحد إلّا لنقص وجده في نفسه ولا تطاول إلّا لوهن أحسنّ من نفسه قال أحمد بن أسماعيل: رأيت الرياسة مقرونة ... بلبس التكبّر والنخوه ذمّ متكبّر لولاية نالها قيل: من نال منزلة فابطرته دل على رداءة أصله وعنصره. قال أحمد بن أبي طاهر: وتاه سعيد أن أفيد ولاية ... وقلّد أمرا لم يكن من رجاله وأدبر عنّي عند إقبال حظّه ... وغيّر حالي عنده حسن حاله وضاق علي حقّي بعقب اتساعه ... فأوسعنه عذرا لضيق احتماله وقال سفيان ﵀: السفل إذا تمولوا استطالوا وإذا افتقروا تواضعوا والكرام إذا تموّلوا تواضعوا وإذا افتقروا استطالوا. قال صالح بن عبد القدوس: تاه على إخوانه كلّهم ... فصار لا يطرف من كبره «٢» أعاده الله إلى حاله ... فإنّه يحسن في فقره «٣» المبغيّ عليه منصور قال الله تعالى: ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ «٤» ، وقال تعالى: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ «٥» وقال ﷺ : ما رأيت أسرع هلاكا من البغي، وقال ﷺ : ذنبان عجل عقوبتهما: البغي وقطيعة الرحم. قال يزيد بن الحكم: البغي يصرع أهله ... والظلم مرتعه وخيم «٦» ذمّ متكبّر بخيل أو دنيء قال النبي ﷺ : البخل والكبر لا يجتمعان في مؤمن. وقيل: من استطال بغير تطوّل وامتنّ بغير منّة فقد استعجل المقت. قال عليّ بن الجهم: جمعت أمرين ضاع الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك

стр. 318

قال أبو بكر بن الزبير: يا قليل القدر موفور الصلف ... والذي في التيه قد حاز السرف «١» كن لئيما وتواضع تحتمل ... أو سخيّا يحتمل منك الصلف وقيل: أنف في السماء واست في الماء. ومن هذا النحو قول الجعدي: بالأرض أستاههم عجزا وأنفهم ... عند الكواكب بغيا يا لذا عجبا ذمّ فقير متكبر قيل: أبغض الناس ذو عسر يخطر في رداء كبر، قال الشاعر في ذم آخر: فخر بلا حسب عجب بلا أدب ... كبر بلا درهم هذا من العجب ذمّ الفخر وذويه قال الله تعالى: وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً «٢» وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ «٣» ونظر النبي ﷺ إلى رجل بخرازاره فقال: أرفع إزارك فإنه أبقى وأنقى وأتقى فقال: يا رسول الله إنّه مروءة. فقال أليس: لك بي أسوة وكان إزاره ﷺ إلى انصاف ساقيه. نظر مطرف إلى المهلب وعليه حلة يسحبها فقال: ما هذه المشية التي يبغضها الله؟ فقال: أو ما تعرفني؟ قال: بلى أولك نطفة «٤» مذرة وآخرك جيفة قذرة «٥» وأنت بين ذلك حامل عذرة «٦» فلم يعد إلى تلك المشية، ونظر الحسن ﵁ إلى رجل يخطر في ناحية المسجد، فقال: انظروا إلى هذا ليس فيه عضوا إلّا ولله عليه نعمة وللشيطان فيه لعبة. ذمّ من ضرع ذلّة بعد التكبّر قال شاعر: رفع الكلب فاتّضع ... ليس في الكلب مصطنع بلغ الغاية التي ... دونها كلّ ما ارتفع إنّما قصر كلّ شي ... ءإذا طار أن يقع لعن الله نخوة ... صار من بعدها ضرع مدح متواضع بسرعة المشي والتجوز في الأكل كان عمر بن الخطاب ﵁ يسرع المشي فقيل له في ذلك فقال: هو أنجح

стр. 319

للحاجة وأبعد من الكبر أما سمعت قول الله تعالى: وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ «١» ، وكان النبي ﷺ يأكل على الأرض فقيل له في ذلك فقال: إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد. المتواضع بالقيام بحوائج النّاس وتحمّل أثقالهم كان النبي ﷺ يمشي مع الأرملة يقضي حاجتها ولا يستنكف «٢» ، واشترى رجل شيئا فمر بسلمان وهو أمير المدائن فلم يعرفه فقال: احمل هذا معي يا علج «٣» ، فحمله وكان من يتلقاه يقول ادفعه إليّ أيها الأمير فيقول: لا والله لا يحمله إلا العلج والرجل يعتذر إليه ويسأله أن يردّه عليه وهو يأبى حتى حمله إلى مقرّه. المتواضع في قيامه بأمر عياله اشترى أمير المؤمنين رضوان الله عليه تمرا بدرهم فحمله في ملحفته فقال له بعض أصحابه: دعني أحمله، فقال: أبو العيال أحق أن يحمله. ورؤي بعض الكبار وبيده بطن شاة فقال له رجل: ادفعه إليّ فإنه يزري «٤» بك، فقال: ما نقّص الكامل من كماله ... ما جرّ من نفع إلى عياله وكان أبو هريرة ﵁ يحمل الحزمة من الحطب وهو خليفة مروان، وكان يقول: وسّعوا للأمير. حمد تعظيم الكبار قدم قيس بن عاصم على النبي ﷺ وكان سيد أهل الوبر فبسط له رداءه ثم قال: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه. وروي أن مجوسيا دخل على رسول الله ﷺ فأخرج ﷺ من تحته وسادة حشوها ليف وطرحها له وأقبل عليه يحدّثه، فلما نهض قال عمر ﵁: إنّه مجوسي، فقال ﵊: قد علمت ولكن جبريل ﵇ يأمرني أن أكرم كلّ كريم قوم إذا أتى، وهذا سيد قومه. وقال الشعبي: ركب زيد بن ثابت فدنا منه عبد الله بن العباس ﵃ ليأخذ بركابه فقال: ما تفعل يا ابن عم رسول الله؟ فقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأمرائنا فقال زيد ارني يدك فأخذها وقبلها وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا. النهي عن التصدّر في المجالس قال زياد لابنه: إياك وصدر المجالس فإنه مجلس قلعة. قال الأحنف: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري ولهذا باب في غير هذا الموضع.

стр. 320

حمد تصديرك صاحبك دخل سالم بن مخزوم على عمر بن عبد العزيز ﵁: فتنحى له عن الصدر فقيل له في ذلك فقال: إذا دخل عليك من لا ترى لك عليه فضلا فلا تأخذ عليه شرف المنزلة. مدح معرفة الرجل قدر نفسه قال أمير المؤمنين علي ﵁: لن يهلك امرؤ عرف قدره. وقال الشافعي ﵁: أنفع الأشياء أن يعرف الرجل قدر منزلته ومبلغ عقله ثم يعمل بحسبه. وقد تقدّم من ذلك صدر في باب العقل. ذمّ اعجاب المرء بنفسه قال النبي ﷺ : ثلاث مهلكات: شحّ مطاع وهوى متبّع وإعجاب المرء بنفسه. وقيل: عجب المرء بنفسه أحد حساد عقله. وقال الشاعر: ما النّاس عندك غير نفسك وحدها ... والناس عندك ما خلاك بهائم وقال أعرابي لرجل معجب بنفسه يسرني أن أكون عند الناس مثلك في نفسك وعند نفسي مثلك عند الناس. وقال إبليس: إذا ظفرت من ابن آدم بثلاث لم أطالبه بغيرها إذا أعجب بنفسه واستكثر عمله ونسي ذنبه. ذكر من عظم إعجابه وصلفه حكي عن ابن ثوابة أنه قال لغلامه: اسقني ماء، فقال: نعم فأمر بصفعه فقيل له: في ذلك فقال: إنما يقول نعم من يقدر أن يقول لا، وليس لهذا هذه المنزلة. ودعا يوما أكّارا يكلمه. فلما فرغ دعا بماء وتمضمض به استقذارا لمخاطبته وكان جذيمة «١» الأبرش لا ينادم أحدا استعظاما. وقال: إنما ينادمني الفرقدان «٢» . فكان يشرب كأسا ويصب لهما كأسين في الأرض واستأذن نافع بن جبير بن مطعم على معاوية فمنعه الحاجب فهشم أنفه، فقال له معاوية: أتفعل هذا بحاجبي؟ فقال له: وما يمنعني وأنا بالمكان الذي أنا به من أمير المؤمنين. فقال له أبوه: فض الله فاك إلا قلت وأنا بالمكان الذي أنا عليه من عبد مناف. معتذر لعجبه وعزّته قيل لأياس بن معاوية: ما فيك عيب غير أنك معجب، فقال: أيعجبكم ما

стр. 321

أقول؟ قالوا نعم قال: فأنا أحق أن أعجب به محمد بن عمران، يقولون ذو كبر ولو خص بعضهم، ببعض خصالي ما استفاق من الكبر، قيل لخالد بن يزيد بن معاوية: لم تطعم الأرض من فضل ثيابك؟ فقال: أكره أن أكون كما قال علي بن عبد العزيز: قصير الثياب فاحش عند بيته ... وشرّ قريش في قريش مركبا وقال يمنّي ليزيد بن مزيد وعليه برد «١» يمنى يسحبه لم يعرق جبينك في نسجه فلذلك تسرف في بذله، فقال: عليكم نسجه وعلينا سحبه. وقال رجل للحسن: ما أعظمك في نفسك فقال: لست بعظيم ولكن عزيز من قول الله تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ «٢» البديهي في معناه: وما أنا مزهر ولكنّني فتى ... أبت لي نفس عزة أن أزيلها الممتنع من التذلّل لكبير ومتكبّر عليه قال عدي بن أرطاة وهو أمير لوكيع بن أبي الأسود: سوّ عليّ ثيابي فقال: ذكرتني الظعن «٣» وكنت ناسيا، في خفي ضيق فليمده الأمير حتى أنزعه. فقال له عديّ إن الجليس ليلقى من جليسه أكثر من هذا. فقال: يا عدي إذا عزلت عنا فكلفنا أكثر من هذا أما وأنت ترى لك علينا بسطة فلا الموسوى يذكر والده وامتناعه من تقبيل يد بعض السلاطين: فتى تاه عن بسط الملوك وقد عنت ... عليها جباه من رجال وآنف «٤» زمام علا لو غيره رام جرّه ... لساق به حاد من الذّل معنف «٥» متكبّر على ذي كبر سئل الحسن عن التواضع فقال: هو التكبر على الأغنياء. وأتى سليمان بن عبد الملك طاووسا فلم يكلمه، فقيل له في ذلك فقال: أردت أن يعلم أن في عباد الله من يستصغر ما يستعظم ذلك من نفسه. أنشد المبّرد: إذا تاه الصديق عليك كبرا ... فته كبرا على ذاك الصّديق فإيجاب الحقوق لغير راع ... حقوقك رأس تضييع الحقوق «٦» وعلى هذا قال بعضهم: ما تكبر عليّ أحد قط إلا تحول داؤه في أن قابلته بفعله. وقال بعضهم: ما تاه أحد عليّ أكثر من مرة واحدة لأني تركته بعد ذلك وأعرضت عنه.

стр. 322

من ترك حقّه إشفاقا من وصمة «١» تلحقه اختصم الأصبهيد صاحب طبرستان والمصمعان صاحب دباوند في شيء، فكتب إلى الحجّاج أن يوجه رجلا يحكم بينهما، فوجه أياسا إليهما، فلما صار بالمنصف بعث إليهما فحضر الأصبهيد على سريره وألقى للمصمعان وسادة فقال أياس للأصبهيد: أنت ظالم وقد عرفت ذلك منك. قال فيم؟ قال: العدل أن تساويه في الحكم فقال: إذا أدع حقى ولا أساويه في المجلس فترك حقه وعاد إلى مكانه. وقال الرشيد يوما لجلسائه: إن عمارة قد ذهب في التيه كلّ مذهب وأحب أن أضع منه، فقيل له لا شيء أوضع للرجال من منازعة الرجال والرأي أن يؤمر رجل ليدعي أفضل ضيعة له أنه غصبه إياها، ففعل ذلك، فلما دخل عمارة قام الرجل فتظلم منه وشنّع عليه، فقال الرشيد: أما تسمع ما يقول الرجل؟ فقال من يعني؟ فقال الرشيد: يعنيك أنك غصبته كذا فقم واجلس معه مجلس الحكم. فقال: إن كانت هذه الضيعة له فلست أنازعه فيها وإن كانت لي فقد جعلتها له. فانقطع كلام الرجل فلما انصرف قال عمارة لرجل كان معه: من هذا المدّعي فإذا أنه لم يملأ عينه منه فأخبر الرشيد بذلك. فقال: سوّغنا «٢» تيهه له بعد ذلك. النهي عن الإفراط في التّواضع قال ابن المقفع: الإفراط في التواضع يوجب المذلّة، والإفراط «٣» في المؤانسة يوجب المهانة. وقيل: من التواضع ما يضع. عذرخ من تواضع لدنىء مهابة قال النبي ﷺ : إنّ من شرار الناس من أكرمه الناس اتقاء شرّه كان أبو العباس ضم المنصور إلى حميد بن قحطبة فقال له يزيد بن حاتم: أترضى بمتابعة حميد؟ فقال: اسجد لقرد السّوء في زمانه ... وداره ما دام في سلطانه «٤» وفي المثل الحمى أضرعتني «٥» لك.

стр. 323

الحدّ الرابع في النصرة والأخلاق والمزاح والحياء والأمانة والخيانة والرفعة والنذالة (١) الجوار والنّصرة الحث على مراعاة الجار قال الله تعالى: وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ «١» وقال النبي ﷺ : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه وقال ﷺ : من كان له جيرة ثلاثة كلهم راضون عنه غفر له. وقيل: عليكم بحسن الجوار فإن السباع وعتاق الطير في الهواء تحامى على من يجاورها. وقيل: الكريم يرعى حق اللحظة ويتعهد حرمة اللفظة. وقال جعفر بن محمد: حسن الجوار عمارة الديار. وقال زهير: وجار البيت والرّجل المنادي ... أمام البيت عقدهما سواء «٢» الأمر بكفّ الأذى عنه قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذين جاره. وقيل: ليس من حسن الجوار ترك الأذى، ولكن من حسن الجوار الصبر على الأذى. وفي الخبر من آذى جاره أورثه الله داره. وقيل: من آذى جاره خرّب الله داره. الناصر من استجار به كان أبو سفيان إذا نزل به جار قال يا هذا إنك قد اخترتني جارا واخترت داري دارا فجناية يدك على دونك وإن جنت عليك يد فاحتكم علي حكم الصبيّ على أهله، وكان أبو حنبل يقال له مجير الجراد، وذلك أنه نزل عليه جراد بفنائه فعدا الحي إليه فقال لهم: إلى أين؟ فقالوا أردنا جيرانك جرادا نزل بفنائك. فقال أما إذا سميتموه جاري فلا تصلون إليه

стр. 324

أبدا فأمر قومه أن يسلّوا سيوفهم ويمنعوه. وفيهم يقول الشاعر: ومنّا ابن مرّ أبو حنبل ... أجار من النّاس رجل الجراد وقال مروان: هم يمنعون الجار حتّى كأنّما ... لجارهم بين السّماكين منزل «١» وقال نهشل: وجار منعناه من الضّيم والعدا ... وجيران أقوام بمدرجة النمل وقال ابن نباتة: ولو يكون سواد الشعر في ذممي ... ما كان للشّيب سلطان على القمم «٢» قال الحطيئة: قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدّوا العناج وشدّوا فوقه الكربا «٣» المستنصر ذويه على أعاديه وتوائب لياليه كتب عثمان ﵁ إلى عليّ كرم الله وجهه حين حصر: فإن كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلّا فأدركني ولمّا أمزّق «٤» قال أحمد بن أبي فنن: هل أنت منقذ شلوي من يدي زمن ... أضحى يقّد أديمي قدّ منتهس «٥» دعوتك الدعوة الأولى وبي رمق ... وهذه دعوتي والدّهر مفترسي قال ابن الحجّاج: يا راعي السّرب يحميه ويحرسه ... إن الذئاب قد استولت على الغنم فعافني بتلافي العين من سقم ... لم يبق منّي سوى لحم على وضم «٦» حتى أقول لريب الدهر كيف ترى ... تعصّب السادة الأحرار للخدم نصرة قريب وإن كان عدوا قيل: الحفائظ تحلل الأحقاد قال: عند الشدائد تذهب الأحقاد وهذا باب مستقصى في الأقارب.

стр. 325

ناصر مستنصره وإن لم يكن بينهما معرفة روي أن حاتما كان بأرض عنزة فناداه أسير يا أبا سفانة أكلني الأسار والقمل، فقال: ويلك ما أنا في بلاد قومي وما معي شيء، وقد أسأت إذ نوّهت باسمي. فاشتراه وقال: خلوا سبيله واجعلوني في القيد مكانه حتى أؤدي فداءه فجعل مكانه وبعث إلى قومه فاتوه بالفداء. وفي المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمك. المبادرة إلى نصرة مستنصره قيل: لا تسأل الصارخ واسأل ما له بعض بني العنبر: لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النّائبات على ما قال برهانا «١» قال السري: ملك إصاخته لأوّل صارخ ... وسجال أنعمه لأوّل طالب قال عمرو بن مخادة: دعوت إلى ما نابني فأجابني ... كريم من الفتيان غير مزلج «٢» قال المتنبّي: سبقت إليهم مناياهم ... ومنفعة الغوث قبل العطب قال الصنوبري «٣» : يا خير مستصرخ لنائبة ... يضيق بالعالمين قطراها من تحمّل من جاره الضرّاء ووفّر له السرّاء قال زهير: وجار سار معتمدا علينا ... أجاءته المخافة والرجاء ضمنّا ما له فغدا سليما ... علينا نقصه وله النّماء قال شبيب بن البرصاء: وجاراتنا ما دمن فينا عزيزة ... كأروى ثبير لا يحلّ اصطيادها «٤» يكون علينا نقصها وضمانها ... وللجار إن كانت تريد ازديادها

стр. 326

مدح من كرم جاره ومستنصروه قال شاعر: وعزّت جوار عصبة أنت جارها قال أبو تمّام: وليس امرؤ في النّاس كنت سلاحه ... عشية يلقى الحادثات بأعزلا ترى درعه حصداء والسيف قاضبا ... وزجّيه مسهومين والسوط معولا «١» قال السري الرفاء: ما عذر من بسطت يمينك كفّه ... أن لا ينال بها السها والمرزما «٢» قال المتنبي: إذا شدّ زندي حسن ذاتك في يدي ... ضربت بنصل يقطع الهام مغمدا وقال آخر: إذا كانت الأحرار أصلي ومنصبي ... ودافع عنّي حازم وابن حازم عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريّا قاعدا غير قائم قال ابن الحجاج «٣» : وكيف يخشى صولة الذئب من ... قد جعل السبع له عدّة «٤» الحامي جاره الحابيه ماله قال ابن الرومي: هم أمّلونا في هضاب غيومهم ... ندى ورعونا بالقنا والقنابل قال السري الرفاء: أمّن في ظلّه رعيّته ... خوف أعاديه حين عاداها أهّلها في نواله وغدا ... مشتملا بالحسام يرعاها الحامي جاره والمبيح ماله قال ابن الرومي: هو المرء أما ماله فمحلّل ... لعاف وأمّا جاره فحرام «٥»

стр. 327

وقال آخر: فنحن حلال في حريمك للغنى ... ونحن على الأيّام فيه حرام الراعي مال جاره من النوب والسرّاق كانوا يقولون جار كجار أبي دؤاد وذلك أنه إذا مات له بعير أو شاة أخلفه وإذا مات له قريب وداه، قال شاعر: إذا نزل الشتاء بدار قوم ... تجنّب دار قومهم الشتاء قال الفرزدق: الضامنون على المنيّة جارهم ... والمطعمون غداة كلّ شمال «١» قال المتنبّي: يذمّ على اللصوص لكلّ تجر ... ويضمن للصّوارم كلّ جان «٢» المستجير بمن أمّنه من النّوب قال أبو نواس: أخذت بحبل من حبال محمّد ... أمنت به من طارق الحدثان «٣» تغطّيت من دهري بظلّ جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني قال ابن أبي فنن: كبا الدهر بي فاستلّني من جيرانه ... وقد كنت لاقيت المنية أو كدت «٤» وحكّمني في ماله وجياده ... وخيّرني بين الحكومة فاخترت مدح الناصر صاحبه وإن كان ذا عذر في المثل، الفحل يحمي شوله معقولا، والخيل تجري على مساويها. قال شاعر: يفرّ جبان القوم عن أمّ نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه الحثّ على نصرة واقع في محنة قال بعض البلغاء: لتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء أكثر من معاونتك إياه عند الرخاء. وقيل: أفضل المعروف نصرة الملهوف.

стр. 328

حامي الحرم قال عنترة: أبينا أبينا أن تضبّ لثاتكم ... على مرشفات كالظّباء عواطيا «١» وقال آخر: فأيقن كلّنا أن سوف تحمي ... جرامتها بشوكتها النّخيل «٢» الحامي حرمه المبيح حرم غيره قال الأخنس بن شهاب: وحامي لواء قد قتلنا وحامل ... لواء منعنا والسيوف شوارع قال طفيل «٣» الغنوي: أبحنا روضة ولنا رياض ... تقطع دون مطلعها النفوس قال جرير «٤» : أبحت حمى جرير بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح المؤثر نفع غيره على نفع نفسه قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر «٥» : أبى دهرنا إسعافنا في نفوسنا ... وأسعفنا من نجلّ ونكرم فقلنا له نعماك فيهم أتمها ... ودع أمرنا إنّ الأهم المقدم قال عمارة «٦» : ينسى مضرّته لنفع صديقه ... لا خير في شرف إذا لم ينفع «٧» نصر كل امرىء لشكله قال: إن الكريم للكريم محلّ

стр. 329

وفي كتاب كليلة إذا عثر الكريم لم يستقل إلا بكرام كالفيل إذا وحل لم يقلعه إلا الفيلة قال جرير: إن الكريمة ينصر الكرام ابنها الحثّ على التظاهر لن يعجز القوم إذا تعاونوا فبالساعد يبطش الكف، قال شاعر: إنّ السّهام إذا تبدّد جمعها ... فالوهن والتكسير للمتبّدد «١» قال يامض الكلابي: ألم تر أن جمع القوم يخشى ... وإن حريم واحدهم مباح وأنّ القدح حين يكون فردا ... فيهصر لا يكون له اقتداح تولى نزار بن محمد التجيبي البصرة فرفع إليه رجل يقول بخلق القرآن، فأمر بحبسه، فاستعان الرجل بإسماعيل الصفار، وكان أحد شيوخ المعتزلة بالبصرة فكلّم غير واحد من أجلاء البصرة فلم يجيبوه. ثمّ أن إسماعيل طاف على المعتزلة وجمعهم وقال: قد جرأ عليكم إذ رآكم متفرقين فاتى بهم دار نزار بن محمد وقال: لم حبست فلانا قال: إنّه يقول: القرآن مخلوق. قال فكلّنا ممن يقول بقوله فأما تحبسنا معه أو تطلق صاحبنا فقوله في ذلك قولنا. فنظر نزار فإذا فتنة تثور فرأى إطلاقه، وترك التعرّض لهم في مذهبهم. وصف متظاهرين قال أبو فراس: وإنّي وإيّاه كعين وأختها ... وإني وإيّاه ككفّ ومعصم قال بعض القدماء من جهينة «٢» : فإنّا وكلبا كاليدين متى تقم ... شمالك في الهيجاء تعنها يمينها «٣» ذمّ جار السوء في بعض الأدعية. أعوذ بالله من جار السوء عينه تراني وقلبه يرعاني، إن رأى حسنة كتمها وإن رأى سيئة أذاعها. وعرض على أبي مسلم فرس جواد فقال: لمن بحضرته: لم يصلح هذا الفرس؟ فقيل: للغزو، فقال: لا، إنما يصلح أن يركبه الرجل فيفرّ به من جار السوء. وقيل له: ما الداء العياء؟ فقال: الجار السوء إن قاولته بهتك وإن غبت سبعك. وقيل لبعضهم: لم بعت دارك؟ فقال: لأبيع جاري. وقيل: الجار قبل الدار ثم الرفيق قبل الطريق.

стр. 330

ذمّ من لا يصون جاره قال الحطيئة «١» : لمّا بدا لي منكم ذات أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آس «٢» أزمعت ياسا مبينا من جواركم ... ولن ترى طاردا للحرّ كالياس قال المتنبّي: رأيتكم لا يصون العرض جاركم ... ولا يدرّ على مرعاكم اللبن جزاء كلّ قريب منكم ملل ... وحظّ كلّ محبّ منكم ضغن «٣» وقال رجل لابن الزيات: أمتّ إليكم بجواري، فقال نسب بين حيطان، نظم ذلك بعضهم فقال: أرى الجوار نسبا بين الجدر ... والعطف والرقة حينا والخور «٤» طباع نسوان وصبيان غرر ذمّ من لا نصرة لديه قال إبراهيم بن العباس: وإني إذا أدعوك عند ملمّة ... كداعية بين القبور نصيرها «٥» قال ريقان: فما دار عمّي لي بدار خفارة ... ولا عهد عمّي لي بعهد جوار قال عامر: فجارك عند بيتك لحم ظبي ... وجاري عند بيتي لا يرام «٦» وقال آخر: تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشّجر «٧» وسأل سليمان بن علي خالد بن صفوان عن ابنيه فقال كيف تحمد جوارهما فأنشد: أبو مالك جار لها وابن برثن ... فيا لك جاري ذلّة وصغار «٨» وفي المثل: لا حرّ بوادي عوف.

стр. 331

المستنصر بمن يضرّه في المثل: كالمستغيث من الرمضاء «١» بالنار، قال شاعر: ربّ من ترجو به دفع الأذى ... سوف يأتيك الأذى من قبله «٢» وقال ابن الرومي: كمتّق لفح نار يستعدّ له ... بالجهل در عين من قار وكبريت وله: كان كمن خاف حريقا واقعا ... فزاد فيه حطبا على حطب قال إبراهيم بن العباس: اتخذتكم درعا وترسا لتدفعوا ... نبال العدا عنّي فكنتم نصالها وله في أولاده: خلتكم عدّة لصرف زماني ... فإذا أنتم صروف زماني «٣» المستنصر بمن لا نصرة لديه في المثل: مقعد استعان بدف، ذليل عاذ بقرملة، عبد صريحه أمة. قال شاعر: بعثتك عاجلا فلبثت حولا ... متى يأتي غياثك من تغيث «٤» وقال آخر: لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصّان بالماء اعتصاري «٥» وقال آخر: كنت من كربتي أفرّ إليهم ... فهم كربتي فأين الفرار؟ «٦» تأسّف من خذله ناصره قال اليزيدي: إذا كنت تجفوني وأنت ذخيرتي ... وموضع حاجاتي فما أنا صانع «٧» ؟

стр. 332

وقال آخر: بأيّ نجاد تحمل السيف بعد ما ... قطعت القوى من محمل كان باليا «١» ذلّة من لا ناصر له قدمت امرأة مكة وكانت ذات جمال، فأعجبت ابن أبي ربيعة فآذاها، فلما أرادت الطواف قالت لأخيها: إصحبني فصحبها، فإذا ابن أبي ربيعة تعرض لها بمقال فرأى أخاها فانزجر، فأنشأت: تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتّقي مريض المستنفر الحامي قال عدي: وفي كثرة الأيدي عن الظّلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد «٢» وقيل: اللؤم إحراز المرء نفسه وإسلامه عرسه. المستعين بغيره في أمر قال شاعر: أعيين هلّا إذا أتى قدر ... كنت استغثت بفارغ العقل أقبلت ترجو الغوث من قبلي ... والمستغاث إليه في شغل معاتبة متباطىء عن النّصرة قال أبو الشمردل: ومن يفرد الإخوان في ما ينوبهم ... ثنته الليالي مرة وهو مفرد «٣» قال عديّ التميمي: ألا هبلتك أمّك يا عديّ ... أتقعد لا أفكّ ولا أصول «٤» ولو كنت الأسير ولا تكنه ... إذا علمت معدّ ما أقول عذر متباطىء عن ذلك قال شاعر: أيّ عذر يكون أوضح في إبطاء ... نصر من قلّة الإمكان «٥»

стр. 333

وقيل للجاحظ: لم خذلت ابن الزيات «١» وهربت منه لمّا أصابته المحنة؟ فقال: خفت أن يقال ثاني اثنين إذا هما في النار وذلك أنّ ابن الزيات عوقب في تنور من حديد حتى مات. وفي الأخوانيات وذكر الأقارب أبواب تليق بهذا الفصل. (٢) ومما جاء في الأخلاق الحسنة والقبيحة الحثّ على حسن الخلق ومدح ذلك قال الله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ «٢» قيل ما عفا لك من محاسن أخلاق الناس وقال تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ «٣» وقال النبي ﷺ : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ويقارب ذلك ما قيل لفيلسوف، هل من جود يتناول به الخلق فقال: نعم أن تحسن الخلق وتنوي لكل أحد الخير. وقال ﷺ : إنّ أحبّكم إليّ أحاسنكم أخلاقا الموطؤن أكنافا «٤» الذين يألفون ويؤلفون وقال ﷺ : حرّم الله النار على كل هين، لين سهل قريب. وقال لأبي الدرداء: ألا أدلك على أيسر العبادة وأهونها على البدن. قال: بلى يا رسول الله فقال: عليك بالصمت وحسن الخلق فإنك لن تعمل مثلهما. وقيل: في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق. وقال مكحول: المؤمنون هينون لينون كالجمل الأنف إن قدته إنقاد وإن أنخته «٥» على صخرة استناخ، قال شاعر: ما لم يضق خلق الفتى ... فالأرض واسعة عليه وقال آخر: لو أنني خيّرت كلّ فضيلة ... ما اخترت غير مكارم الأخلاق الممدوح بحسن الخلق سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: أو ما تقرؤن القرآن: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ «٦» وقيل: فلان على خير ما تبنى عليه الضرائب.

стр. 334

وقال البحتري: سلام على تلك الخلائق إنّها ... مسلّمة من كلّ عار ومأثم «١» قال أبو الفرج الأصبهاني «٢» : خلائق كالحدائق طاب منها ... النسيم وأينعت منها الثّمار وقيل: صفاء الأخلاق من نقاء الأعراق. النهي عن سوء الخلق قال النبي ﷺ : من ساء خلقه عذب نفسه. وقال ﵇: خصلتان لا تجتمعان في مؤمن: البخل وسوء الخلق. وقيل: سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الصبر العسل. وقال الأحنف: الداء الدوي الخلق الرديء «٣» واللباس البذي، بئس الملبوس العبوس وقيل: ليس لسيء الخلق توبة لأنه كلما خرج من ذنب دخل في آخر لسوء خلقه. المذموم بسوء الخلق صحب رجل رجلا سيء الخلق فلما فارقه قال: قد فارقته وخلقه لم يفارقه وقال أعرابي لرجل: أنك شكس الخلق دائم القطوب. قال عمرو بن كلثوم: وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المنى ... بلغت بأدنى غاية تستديمها ولكنّ فطام النفس أثقل محملا ... من الصّخرة الصّماء حين ترومها «٤» وقيل: لا مداراة للخلق السيء القبيح كالشجرة المرة لو طليت بالعسل لم تثمر الأمر أو كذنب الكلب لو أدخلته القالب سنين لعاد إلى إعوجاجه. المتمدح بمصابرة سيء الخلق قال رجل لأحمد بن أبي خالد لقد أعطيت ما لم يعط رسول الله ﷺ فقال: لئن لم تخرج من ذلك لا ضرّبنك. فقال الرجل: إن الله تعالى قال لنبيه ولو كنت فظّا غليظ القلب لا نفضّوا «٥» من حولك وأنت فظّ ونحن لا ننفض من حولك. وقال شعيب بن حرب خطبت امرأة فأجابتني فقلت: إني سيء الخلق. فقالت: أسوأ خلقا منك من يلجئك إلى سوء الخلق. وقال حبيب لرجل سيء الخلق: إن استطعت أن تغير خلقك وإلا فليسعك من أخلاقنا ما ضاق به ذرعك.

стр. 335

صعوبة ترك العادة والرجوع عنها قيل: للعادة على كل إنسان سلطان، وكل امرىء جار على ما تعوّدا، وقيل: لكل كريم عادة يستعيدها، وقيل: اللسان متقاضيك ما عودته. قال المتنبي: وتأبى الطّباع على الناقل. وقالت الحكماء العادة طبيعة ثانية. نفي العيب عن تعاطي ما كان خلقا قال بعض القدماء: ظلمت امرأ كلّفته غير خلقه ... وهل كانت الأخلاق إلا غرائزا «١» قال الخبزارزي: يعاب الفتى فيما أتى باختياره ... ولا عيب في ما كان خلقا مركّبا المتخلّق يرجع إلى شيمته قال عمر رضي الله تعالى عنه من تخلّق للناس بما ليس خلقا له شأنه الله وفي كتاب كليلة: الطبع المتكلّف كلما زدته تثقيفا زادك تعقيفا «٢» . وقيل: كل إناء يرشح بما فيه. وقال إن التخلق يأبى دونه الخلق. قال ذو الإصبع «٣» : ومن يبتدع ما ليس من خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها «٤» قال زهير «٥» : ومهما تكن عند امرىء من خليقة ... وإن خالها تخفى على النّاس تعلم «٦» وقال آخر: وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى ... أكان سخاء ما أتى أم تساخيا

стр. 336

الحثّ على ملازمة العادة الحسنة قال أبو عبد الله بن حنيف: رأيت رسول الله ﷺ في المنام وعليه قميص محلول الأزار فسلم عليّ فقال: يا أبا عبد الله من عرف طريقا من الخير فسلكها ثم رجع عنها، عذّبه الله تعالى عذابا لم يعذّب به أحدا من العالمين، فانتبهت وأنا أقرأ، ومن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. وقال جعفر بن محمد وقد ليم في جوده: إنّ الله عوّدني عادة وعوّدته عادة فأخاف أن يقطع عني عادته إن قطعت عادتي. الحثّ على لين الكلام وطلاقة الوجه قال الله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً «١» وقال: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً «٢» وقال: وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً «٣» وقال: فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً «٤» وقيل: من لانت كلمته وجبت محبته. قال سفيان بن عيينة: بنيّ أن البرّ شيء هيّن ... وجه طليق وكلام ليّن وقال طلاقة الوجه عنوان الضمير بها يستنزل الأمل البعيد: وقيل: حسن البشر اكتساب الذكر. البشاشة مصيدة المودة. الحثّ على مداراة النّاس عن النبي ﷺ : مداراة الناس صدقة وقيل: ثلثا التعايش مداراة الناس. وقال إبراهيم بن يسار: ما يسرني ترك المداراة ولي حمر النعم. قيل لم قال: لأن الأمر إذا غشيك فشخصت له أرداك وإذا تطأطأت له تخطاك. وقيل: داروا الناس تسلموا وقال معاوية: لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت لأنهم إذا جذبوها أرسلتها وإذا أرسلوها جذبتها: دار الصّديق إذا استشاط تغيّظا ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد حثّ من حسن خلقه أن يحسّن خلقه نظر فيلسوف إلى غلام حسن الوجه يتعلم العلم فقال: أحسنت إذ قرنت بحسن خلقك حسن خلقك. وقال جالينوس «٥» : ينبغي للرجل أن ينظر إلى وجهه في المرآة فإن كان حسن الوجه جعل عنايته أن يضمّ إلى جمال وجهه كمال خلقه وكمال نفسه وإن رأى صورة سمجة تحرّز من أن يكون ذميم الخلق والخلق.

стр. 337

مدح من حسن خلقه وخلقه قال النبي ﷺ : ما أحسن الله خلق أحد وخلقه فاطعمه النار. ووصف خالد بن صفوان رجلا فقال: يقري العين جمالا والأذن بيانا. قال ابن الرّومي: كلّ الخلال التي فيكم محاسنكم ... تشابهت فيكم الأخلاق والخلق «١» كأنّكم شجر الأترج طاب معا ... حملا ونورا وطاب العود والورق محياه قد زرت عليه شمائله، وقال أحمد بن يوسف لرجل: ما أدري أي حسنيك أبلغ ما وليه الله تعالى من تسوية خلقك وكمال خلقك أو ما وليته لنفسك من تحسين أدبك وكمال مروءتك. الاستدلال من حسن الوجه على حسن الخلق قال قتادة: ما بعث الله تعالى نبيّا إلا بعثه حسن الخلق حسن الوجه. وقيل لابن دلير المنجم: ما الدليل على أن المشتري «٢» سعد؟ فقال: حسنه. وقالت الفلاسفة: قلّ صورة حسنة تتبعها نفس رديئة: منظره ينبيك عن مخبره. نقش الطوالع مقروء من الطين كفاك منظره إيضاح مخبره. في حمرة الخد ما يغني عن الخجل. حثّ من قبح وجهه على تحسين خلقه تقدم ما قال جالينوس في ذلك وقال الأوقص: قالت لي أمي: خلقت خلقة قبيحة لا تصلح معها لمجالسة الفتيان في بيوت القيان، فعليك بالأخلاق التي ترفع الخسيسة وتتم النقيصة فنفعني الله تعالى بكلامها فتعلّمت العلم فأدركت به. وقال الأحنف لابنه وكان دميما: إنّك جميل فكن فطنا. ذمّ من حسن منظره وقبح مخبره نظر فيلسوف إلى رجل حسن الوجه خبيث النفس، فقال: بيت حسن وفيه ساكن نذل ورأى آخر شابا جميلا، فقال: سلبت محاسن وجهك فضائل نفسك. قال الشاعر: خلق ممثّلة بغير خلائق ... ترجى وأجسام بلا أرواح

стр. 338

وقال آخر: فإنّكم ومدحكم بجيرا ... تراه العين أخضر ذا رواء «١» لك النفس التي ترجو المعالي ... وتمنع بالمرارة والإباء وقال آخر: قلت وجوه المصر حتّى إذا ... كشفتهم كشّفت إستاها وقال غيره: ألم تر أنّ الماء يخلف طعمه ... وإن كان لون الماء في العين صافيا «٢» وقال غيره: لا تجعلنّ دليل المرء صورته ... كم مخبر سمج من منظر حسن «٣» وقال غيره: فلا تجعل الحسن الدليل على الفتى ... فما كلّ مصقول الحديد يماني «٤» ذمّ من قبح خلقه وخلقه استعرض المأمون الجند فمر به رجل دميم فاستنطقه فرآه ألكن «٥» ، فأمر بإسقاطه وقال: إن الروح إذا كانت ظاهرة كانت وسامة وإذا كانت باطنة كانت قصاحة وأراه لا ظاهر له ولا باطن. وفي المثل أحسن ما في خالد وجهه وفيه ستعلم الشاهد بالغائب. قال الشاعر: مخبره أقبح من وجهه ... ووجهه بالقبح مشهور وقال آخر: قد رأيناك فما أعجبتنا ... وبلوناك فلم ترض الخبر الاستدلال بقبح الوجه على قبح الصّنيع قالت العرب: ليس على وجه الأرض قبيح إلا وجهه أحسن شيء منه. قال شاعر: يدلّ على قبيح الفعل منكم ... وأصلكم وجوهكم القباح وقيل: أحسن ما في القبيح وجهه.

стр. 339

من قبح منظره وحسن مخبره لما عاد الحجاج من محاربة الخوارج قال: اطلبوا لي فاضلا أخرجه إلى عبد الملك، فأتوه برجل دميم المنظر حسن المخبر، فلما رآه عبد الملك استبشع منظره فاستنطقه فملا أذنه صوابا، فتعجب منه عبد الملك وأنشد متمثلا: وإن عرارا أن يكن غير واضح ... فإني أحبّ الجون ذا المنكب العمّ «١» فقال: يا أمير المؤمنين أتدري لمن هذا الشعر؟ قال: نعم هو لعمرو بن شاس في ابنه عرار فقال: أنا عرارابته فتعجب عبد الملك من مطابقة القول الحال فأمر له بمال وأوصى به إلى الحجاج وكلّم علي بن الهيثم عمر ﵁ في حاجة وكان أعور دميما فلما تكلم فأحسن، صعّد عمر ﵁ فيه النظر وصوّبه وقال: لكل أناس في جميلهم خبر: ألم تسل الفوارس من سليم ... بنضلة وهو موتور يشيح «٢» رأوه فازدروه وهو خرق ... وينفع أهله الرّجل القبيح فلم يخشوا مصالته عليهم «٣» ... وتحت الرغوة اللبن الصّريح واستعان عمر بن عبد العزيز ﵁ برجل كريه المنظر فوجده حسن المخبر، فقال: ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا. وقال بعضهم: فلان دميم الخلق كريم الخلق ولئن أمرّت «٤» أوراقه لقد حلا مذاقه. تفاوت أخلاق النّاس الناس أشكال وشتّى في الشيم ... وكلّهم يجمعهم بيت الأدم «٥» الناس في اختلافهم في خلقهم كاختلافهم في خلقهم قال شاعر: وتفاضل الأخلاق إن حصّلتها ... في النّاس حسب تفاضل الأجناس قال غيره: الناس أخلاقهم شتّى وإن جبلوا ... على تشابه أرواح وأجساد قال خالد بن صفوان: الناس أخياف منهم من هو كالكلب لا تراه الدهر إلا هرارا «٦» على الناس، ومنهم كالخنزير لا تراه الدهر إلا قذارا، ومنهم كالقرد يضحك من نفسه. وقال

стр. 340

سلمان الفارسي «١» ﵁: الناس أصناف أربعة أسد وذئب وثعلب وضأن. فأما الأسد فالملوك يأكلون الناس أكلا، والذئب التجار يختلسون، والثعلب القراء المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينتهشه كل من رآه. وقال بعضهم الناس أخياف «٢» علق «٣» مضنة «٤» لا يباع وعلق مظنة لا يبتاع. وقال بعضهم الناس في أخلاقهم كما قال أبو العتاهية: من لك بالمحض وليس محض ... يخبث بعض ويطيب بعض التمدّح بمخالفة النّاس والحثّ عليه قال الشاعر: أنا كالمرآة ألقى ... كلّ وجه بمثاله وقال آخر: متخلّق من حسن كلّ خليقة ... كعطارد في طبعه المتمازج وقال آخر: أحامقه حتّى يقال سجيّة ... ولو كان ذا عقل لكنت أعاقله وقال آخر: فكن أكيس الكيسى إذا كنت فيهم ... وإن كنت في الحمقى فكن مثل أحمقا «٥» ذمّ متفاوت الخلق متلوّن هو ذو لون مختلف الفعال وقال الأحنف لأن ابتلي بألف جموح لجوج أحّب إليّ من أن ابتلي بمتلون واحد: فتى شان أخلاقه بلقة ... ففيهنّ بيض وفيهنّ سود «٦» أديب جواد جميل الرّجاء ... فصيح بليغ كريم مجيد وقد شان تحسينه أنّه ... عجول حديد حقود حسود وقال رجل: إنه ليبلغ من مللي أن أغيّر كلّ شهر كنيتي مرتين. وقال خالد بن صفوان إنّه ليبلغ من مللي أن أتبرم بنفسي فأتمنّى أن يؤخذ مني رأسي فلا يرد إليّ إلا في كل أسبوع. وقال الجاحظ: التلوّن أن يكون سرعة رجوع المرء عن الصواب كسرعة رجوعه عن الخطأ.

стр. 341

الحثّ على تخلية المتلوّن إذا كان ذو لون حؤول من الهوى ... موجّهة في كل صوب ركائبه فخلّ له وجه الفراق ولا تكن ... مطيّة رحّال كثير مذاهبه اللجوج قيل: اللجاج «١» أن يكون ثبات العزم على إمضاء الخطأ كثبات العزم على إمضاء الصّواب. قال النافع: ألجّ لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب «٢» (٣) وممّا جاء في المزاح والضّحك مدحا وذّما النهي عن المزاح والتخويف منه روي عن النبي ﷺ أنّه قال: إيّاك والمزاح فإنه يذهب ببهاء المؤمن ويسقط مروءته ويجرّ غضبه. وقيل: المزاح مجلبة للبغضاء مثلبة «٣» للبهاء مقطعة للأخاء. وقيل: إذا كان المزاح أوّل الكلام كان آخره الشتم واللكام «٤» . سأل الحجّاج ابن الفرية عن المزاح فقال: أوله فرح وآخره ترح وهو نقائص السفهاء مثل نقائص الشعراء. المزاح فحل لا ينتج إلا الشر. وقال مسعر بن كدام: أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق «٥» المزاح أسباب النّوك. وقيل: لا تمازح صغيرا فيجترىء عليك ولا كبيرا فيحقد عليك، ونحوه قول الشاعر: فإيّاك إيّاك المزاح فإنّه ... يجري عليك الطفل والدنس النّذلا وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: لا يكون المزاح إلا من سخف أو بطر

стр. 342

وقيل: المزاح يبدي المهانة ويذهب المهابة والغالب فيه واتر. والمغلوب ثائر. وقيل: لا تفاكه أمة ولا تبل على أكمة، وقيل: احذر فلتات المزاح فسقطة الاسترسال لا تقال. النهي عن مزاح من لا تجوز مباسطته قيل: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم: لا تعرضنّ بمزح لامرىء طبن ... ما رامه قلبه أجراه في الشفة «١» فربّ مخرمة بالمزح جارية ... مشبوبة لم يرد إنماؤها نمت «٢» حمد الاقتصاد في المزح روي أن النبي ﷺ ، كان يمزح ولا يقول إلا حقا، وقال تعالى في صفة المؤمنين: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً «٣» وقال سعيد «٤» بن العاص لابنه اقتصد في مزاحك فالافراط به يذهب البهاء ويجرىء عليك السفهاء وتركه يقبض المؤانسين ويوحش المخالطين قال خالد بن صفوان: لا بأس بالمفاكهة تخرج الرجل من حال العبوس. وقال رجل لابن عيينة: المزاح سبة فقال بل سنة لمن يحسنه: يا ساعتي في مجوني ... قد طبت فيك وطبت إنّي إذا ضاق صدري ... قطعت بالسّخف وقتي وقيل الناس في سجن ما لم يتمازحوا، وقد ينفس عن جدّ الفتى اللعب. بعض ما روي عن الأماثل في المزاح روي أن النبي ﷺ كان من أفكه الناس. قالت له عجوز من الأنصار: يا رسول الله أدع لي بالجنة فقال ﷺ إن الجنة لا يدخلها عجوز فبكت المرأة وضحك النبي ﷺ وقال: أما سمعت قول الله تعالى: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً عُرُباً أَتْراباً «٥» وقال لأخرى: زوجك في عينه بياض فرجعت إلى زوجها فأخبرته، فقال أما ترين بياض عيني أكثر من سوادها. وقال ﷺ لصبي: يا أبا عمير ما فعل النغير «٦» ؟ وجاء رجل إلى أمير المؤمنين

стр. 343

رضي الله عنه فقال: إني احتملت على أمي، فقال: لتقم في الشمس وليضرب ظلّك الحدّ. وقال ﷺ لجاريته وقد وضأته فلما نهض اعتمد عليها، فقال: انظري لا تضرطي. وقال ابن عمر ﵄ لخادمه: خلقني خالق الكرام وخلقك خالق اللئام. النهي عن الغضب من المزح قال ابن سيرين ﵁ ليس بحسن الخلق الغضب من المزح. الممدوح بأن فيه الجد والهزل في موضعهما إذا جدّ عند الجدّ أرضاك جدّه ... وذو باطل إن شئت ألهاك باطله وقال آخر: الجدّ شيمته وفيه فكاهة ... طورا ولا جدّا لمن لا يلعب «١» قال آخر: أهازل حيث الهزل يحسن بالفتى ... وإنّي إذا جدّ الرجال لذو جدّ وقال بعضهم: لأعدمتك مزينا بجدك مجلس الحفلة وبهزلك مجالس البذلة. هو الظفر الميمون إن راح أو غدا ... به الركب والتلعابة المتحبّب «٢» عذر من كان منه ضحك وهو مهموم وربّما ضحك المكروب من عجب ... السّن تضحك والأحشاء تضطرم «٣» وقال آخر: وقد يضحك الموتور وهو حزين النهي عن كثرة الضحك وذمّه قال النبي ﷺ : إياك وكثرة الضحك فإنها تميت القلب وتورث النسيان، وقال عبد الله بن أبي دؤاد: فشا الضحك في أصحاب النبي ﷺ فأنزل الله تعالى: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ «٤» عن الثوري عظموا العلم ولا تكثروا الضحك فتمجه القلوب وكثرة الضحك من الرعونة، وضحك إسحاق بين يدي المأمون حتى فتح فاه، فأمر بأن يؤخذ سيفه ومنطقته ويدفع إليه منديل الشراب، وقال: الشراب أليق بك فقال أقلني مرة يا أمير المؤمنين فأقاله، فما رؤي بعد ذلك ضاحكا. ومرت معاذة العدوية على شبان عليهم الصوف وهم يضحكون فقالت: سبحان الله لبس الناسكين وضحك الغافلين. قال كعب: أن الله يبغض المضحاك من غير عجب.

стр. 344

النّهي عن تعاطي ما يضحك قال النبيّ ﷺ ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك القوم، ويل له ويل له. وقال رسول الله ﷺ : إن الرجل يتكلم بالكلمة يضحك بها الناس فيذل أبعد ما بين السماء والأرض، وقيل لأبي العيناء: فلان يضحك منك فقال: إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون. إيراد جدّ في مسلك هزل قيل: جديدة في لعيبة، وقال خالد بن صفوان رماني بأصلب من الجندل ونشقني بأحرّ من الخردل، ثم قال أني أمازحك. لي صاحب ليس يخلو ... لسانه من جراحي يجدّ تمزيق عرضي ... على طريق المزاح «١» (٤) ومما جاء في الحياء والوقاحة قال النبي ﷺ : الحياء شعبة من الإيمان ومن لا حياء له فلا إيمان له وفسر قوله تعالى: وَلِباسُ التَّقْوى «٢» بالحياء وقال: أبى عليك بالحياء والأنفة فإنك إن استحييت من الغضاضة «٣» اجتنبت من الخساسة، وإن أنفت من الغلبة لم يتقدمك أحد في مرتبة. وقيل: أحي حياءك بمجالسة من يستحى منه، وقيل: من جمع بين الحياء والسخاء فقد أجاد الخلة إزارها ورداءها. الممدوح بالحياء في وصف النبي ﷺ أنّه كان شديد الحياء، وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها «٤» ، وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. وسأل يحيى ابن خالد رجلا عن ابنه فقال تركته وماء الحياء يتحدر من أسارير وجهه، وسيول الجود سائلة من فروج أنامله ولآلىء العلم متناثرة من ميازيب «٥» منطقه. قال شاعر: ترك الحياء بها رداع سقيم «٦» قال المتنبّي: وأوجه فتيان حياء تلتمّوا ... عليهنّ لا خوفا من الحرّ والبرد

стр. 345

وليس حياء الوجه في الذئب شيمة ... ولكنّه من شيمة الأسد الورد «١» وقال مروان بن أبي حفصة: يكاد يخرج في ديباج أوجههم ... خوف المذلّة حتى ينفطرن دما من مدح بالحياء في السّلم والوقاحة في الحرب قال شاعر: كريم يغضّ الطرف فرط حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان «٢» وقال آخر: يتلقّى النّدى بوجه حييّ ... وسيوف العدا بوجه وقاح «٣» قال الموسوي: يجري الحياء الغضّ من قسماتهم ... في حين يجري في أكفّهم الدّم «٤» من يستحي من النّاس دون نفسه وربّه قال كعب: استحيوا من الله في سرائركم كما تستحيون من الناس في علانيتكم. وقيل من يستحي من الناس ولا يستحي من نفسه فلا قدر لنفسه عنده. قال رجل للنعمان: أوصني فقال إستح من الله كما تستحي من رجل من عشيرتك وفي ضد ذلك: إذا كان ربّي عالما بسريرتي ... فما النّاس في عيني بأعظم من ربّي ذمّ الوقاحة قال النبي ﷺ : إنّ مما أدرك الناس من كلام النبوّة. إذا لم تستح فاصنع ما شئت. قال شاعر في معناه: إذا لم تخش عاقبة الليالي ... ولم تستحي فاصنع ما تشاء وفي معناه أيضا: إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا ... وتستح مخلوقا فما شئت فاصنع وقيل إذا لم تستح فقل، وإذا لم تخش فقل: الفاقة خير من الصفاقة «٥» .

стр. 346

هجاء وقح قيل: فلان يعد الحياء جنّة والوقاحة جنّة، هو أوقح من الدهر، وجه صلب ولسان خلب. قال شاعر: يا ليت لي من جلد وجهك رقعة ... أقدّ منها حافرا للأشهب قال منصور بن ماذان: الصخر هش عند وجهك في الوقاحة ومن الأبيات الرائقة الرائعة التي لا أرتاب لها: أن يعجزوا أو ينجلوا ... أو يغدروا لم يحفلوا «١» وغدوا عليك مرجّلين ... كأنّهم لم يفعلوا قال الناجم: لك عرش مثلّم «٢» من قوار ... ير ووجه ململم من حديد مدح الوقاحة قال علي ﵁: قرنت الخيبة بالهيبة والحياء بالحرمان والفرصة تمرمر السحاب. قال شاعر: إذا رزق الفتى وجها وقاحا ... تقلّب في الأمور كما يشاء ولم يك للأمور ولا لشيء ... يعالجه له فيه عناء «٣» وقال معاوية لعبد الله بن جعفر «٤» ﵃: ما اللذة؟ فقال: ترك الحيا واتباع الهوى. الشّاكي حياءه قال العتابي: فيّ خصلتان اعتقلتاني عن كثير من المنافع حصر مقيد بالحياء وعزة نفس شبيهة بالجفاء. قال أبو الأسود «٥» : وأعطيت حظّا من حياء وأشتكي ... من العجز ما لم يبد للنّاس عائبه

стр. 347

وقال آخر: لساني وقلبي شاعران كلاهما ... ولكنّ وجهي مفحم غير شاعر قال العبّاس بن الأحنف: من راقب النّاس مات غمّا ... وفاز باللذّة الجسور (٥) الأمانة والخيانة الحثّ على الأمانة والنهي عن الخيانة قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «١» وقال: وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً «٢» وقال: وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ «٣» وقال النبي ﷺ : لا إيمان لمن لا أمانة له. ومن دعائه ﵇: أعوذ بك من الخيانة فبئست البطانة. وقال الجاحظ: سقى الله قبر الأحنف حيث يقول: الزم الصيحة يلزمك العمل. وقال: إذا لم تكن خائنا فبت آمنا. وقيل: أفحش الزمانة عدم الأمانة إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا مات الاعتصام عاش الانتقام. خيانة الناس أقبح الإفلاس وقال معاوية: إلزم الرفيعين: الأمانة والعدل. الحثّ على الوفاء ومدحه قال الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ «٤» وقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٥» وقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها «٦» وقيل إذا ذهب الوفاء نزل البلاء وإذا ظهرت الخيانات استمحقت «٧» البركات. وقيل: الوفاء من شيم الكرام والغدر من همم اللئام. وقيل في قوله تعالى: وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ «٨» ، لا تلبس ثيابك على الغدر. مدح ذوي الوفاء قال الله تعالى: وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ... وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ* «٩» ، قال شاعر: ولم توقد لها بالغدر نار

стр. 348

قال المسيّب بن عيسى: أنت الوفيّ فما تذمّ وبعضهم ... يوفى بذمّته عقاب الملاع «١» وقال أعرابي: فلان لا يشكره الخنى «٢» ولا يشكوه الوفا. قال التنوخي: عظائم لو أنّ السموءل خافها ... لخان امرأ القيس الوكيد من العهد «٣» من التزم مكروها في التزام الوفاء قيل: أكرم الوفاء ما كان عند الشدّة وألأم الغدر ما كان عند الثقة، كان السموأل أودعه امرؤ القيس دروعا، فقصده الملك وأخذ ابنه وقال: إن دفعت الدروع إليّ وإلّا ذبحت ابنك، فقال: أجّلني يوما. فجمع عشيرته واستشارهم فكلّ أشار بأن يدفع إليه. فلما أصبح قال: ليس إلى دفعها سبيل، فافعل ما بدا لك. فذبح الملك ابنه. فوافى السموأل بالدروع الموسم ودفعها إلى ورثة امرىء القيس، فقال «٤» : وفيت بأدرع الكندي إنّي ... إذا ما خان أقوام وفيت «٥» وفيه قال الأعشى وهي أبيات جيّدة رائقة «٦» : كن كالسّموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرّار بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدّار «٧» قد سامه خطّتي خسف فقال له ... قل ما بدا لك إني سامع حار» فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر وما فيهما حظّ لمختار فشكّ غير طويل، ثمّ قال له ... أقتل أسيرك إنّي مانع جاري «٩» وعمير بن سليم الحنفي كان يقصده السواقط «١٠» فلا يتعرض لقصّاده، وكان مرداس في سجن عبيد الله بن زياد فقال له السجّان: أنا أحب أن أوليك حسني، فإن أذنت لك في

стр. 349

الانصراف إلى دارك أتدلج «١» علي؟ فقال: نعم، فكان يفعل ذلك به. فلما كان ذات يوم قتل بعض الخوارج صاحب شرطة زياد، فأمر زياد أن يقتل من في الحبس من الخوارج وكان مرداس خارجا، فقال أهله: اتّق الله في نفسك فإنّك مقتول إن رجعت، فقال: ما كنت لألقى الله غادرا وهذا جبار ولا آمن أن يقتل السجان فرجع، وقال للسجّان: تساقط «٢» إليّ ما عزم صاحبك عليه من قتل أصحابنا فبادرت لئلا يلحقك مكروه، فقال السجّان: خذ أي طريق شئت فانج نجّاك الله. الوفيّات من النساء قال أبو عبيدة: لم تف امرأة لزوجها إلّا قضاعيتان نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان ﵁، وذلك أنه خطبها معاوية لما قتل عثمان فدعت بفهر «٣» ، فقلعت ثنيتها «٤» وقالت: أني رأيت الحزن يبلى فلم آمن أن يبلى حزنى فتدعوني نفسي إلى التزوّج وامرأة هدبة فإنها حين قتل زوجها قطعت أنفها وكانت حسنة الأنف لئلا يرغب فيها. قلّة الوفاء في النّاس ووصف عامّتهم بالغدر قال تعالى: وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ «٥» وكان يحيى بن خالد إذا اجتهد في يمينه يقول: لا والذي جعل الوفاء أعز ما يرى. وكان يقول هو أعز من الوفاء، وقيل لحكيم أي أصناف الناس أقل وفاء فقال أهل الأمانة والوفاء. قال موسى العلوي: وخان الناس كلّهم ... فلا أدري بمن أثق قال المتنبّي: غيري بأكثر هذا الناس ينخدع ... إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا أهل الحفيظة إلا أن تجرّبهم ... وفي التجارب بعد الغيّ ما يزع «٦» قال أبو فراس: بمن يثق الإنسان فيما ينوبه ... ومن أين للحرّ الكريم صحاب وقد صار هذا الناس إلا أقلّهم ... ذئابا على أجسادهنّ ثياب وله: أبغي الوفاء بدهر لا وفاء له ... كأننّي جاهل بالدّهر والنّاس

стр. 350

وله: نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم وجهول وقال آخر: والمنتمون إلى الوفاء جماعة ... إن حصّلوا أفناهم التحصيل وقال الموسوي: أبى النّاس إلّا ذميم الفعال ... إذا جرّبوا وقبيح الكذب ذمّ الغدر وذويه قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ «١» وقال تعالى: أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ «٢» ، وقال أمير المؤمنين ﵁ الغدر مكر والمكر كفر. وقيل: الخيانة خزي وهوان، وقيل: من عامل الناس بالمكر كافأوه بالغدر. قال شاعر: لقد غدرت وعيب الغدر مشتهر وكانت العرب إذا غدر منهم غادر يوقدون له بالموسم نارا وينادون عليه، يقولون ألا أن فلانا غدر ولذلك قال الغادرة الغطفاني: اسمى ويحك هل سمعت بغدرة ... رفع اللواء بها لنا في المجمع وقيل: حجّ وفاء زهير المازني في الجاهلية ورأى في منامه كأنه حاض، فقص رؤياه على قس بن ساعدة فقال: إنك غدرت أو غدر بعض عشيرتك. فلّما قدم على أهله وجد أخاه قد غدر بجار له فعقله، وقال علام سمّيت وفاء إذا رضيت الغدر. رجوع الغدر إلى صاحبه وسرعة إدراك عقوبته قال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: ثلاث هنّ راجعات إلى أهلها: المكر «٣» والنكث «٤» والبغي «٥» ، ثم تلا قوله تعالى: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ «٦» وقال: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «٧» وقال: إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ «٨» ، وقيل: ربّ حيلة كانت على صاحبها وبيلة. وقيل: رب حيلة أهلكت المحتال.

стр. 351

قال امرؤ القيس: ويغدو على المرء ما يأتمر وقال آخر: وكم من حافر لأخيه ليلا ... تردّى في حفيرته نهارا وقيل: من حفر مغواة «١» وقع فيها، وقيل: من عاد إليه مكره عاد الرمي على النزعة، وقيل أربع من أسرع الأعمال عقوبة: من عاهدته ورأيك أن تفي له ورأيه الغدر، ومن سعى على من لم يسع عليه، ومن قطع رحم من يواصله، ومن كافأ الإحسان باساءة. الموصوف بالغدر قال أعرابي: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقما وفلان يحسوها حسوا ويقال فلان أغدر من الذئب. قال شاعر: هو الذئب أو للذّئب أوفى أمانة وقيل الذئب يأدو الغزال أي يختله. واستبطأ عبيد الله بن يحيى أبا العيناء فقال: أنا والله ببابك أكثر من الغدر في آل خاقان. قال حسّان: إن تغدروا فالغدر فيكم شيمة ... والغدر ينبت في أصول السّخبر «٢» وقال الخبزارزي: ولم تتعاطى ما تعودت ضدّه ... إذا كنت خوّانا فلم تدّعي الوفا وقال الباذاني في أبي دلف وكان نقش خاتمه الوفاء: الغدر أكثر فعله ... وكتاب خاتمه الوفا وقيل كان بنو سعد يسمون الغدر كيسان ويستعملونه وفيهم يقول اليمين: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد «٣» التعريض بمن كان منه غدر قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي عند قتله ابن هبيرة: ما كان أعظم رأس صاحبك. فقال: نعم وأمانته كانت أعظم.

стр. 352

وكان لعبد الملك صديق يختصه، فغاب عنه غيبة قتل عبد الملك فيها عمرو بن سعيد بعد أن أمنه. فلما قدم قال له يوما: ما تقول في قتل عمرو بن سعيد؟ فقال: اعفني. فقال: أقسمت عليك لتقولنّ. فقال لو قتلته يا أمير المؤمنين وأنت كان حي جميلا. فقال أو ما تراني حيا قال ليس بحي من أقام نفسه مقاما لا يوثق به، والله لا يخرج عليك بعدها خارجى إلا وبلغ الغاية في معاداتك، وإن بذلت له كل أمانة. فقال عبد الملك: لو سبق إلى إذني لم أصنع ما صنعت، ولقد صدق من قال نصف عقلك مع صاحبك. قال جحظة «١» : وأمّنتني ثمّ عاقبتني ... فكان أمان أبي مسلم مدح سوء الظنّ بالنّاس قيل: ما الحزم؟ قال: سوء الظن بالناس. وقال ببغاء «٢» البغدادي: وأكثر من تلقى يسرّك قوله ... ولكن قليل من يسّرك فعله وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي ... فأدبّني هذا الزمان وأهله «٣» وقد تقدم هذا الباب. ذمّ من ساء ظنّه قيل لبعضهم: ما ظنّك بالناس؟ قال: ظنّي بنفسي. قال المتنبّي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهم وقيل: أخفض الناس «٤» من لا يثق بأحد ولا يثق به أحد. النهي عن الوقوف موضع التّهمة قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقومّن مقام التهمة. وقيل: من وقف موقف التهمة لم يكن له أجر الغيبة. من جعل نفسه عرضا للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن.

стр. 353

حقيقة النّفاق قيل: حقيقة النفاق أخلاف السرّ والعلانية واختلاف القول والعمل، وقال ﷺ : علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان. ذمّ ذي الوجهين «١» قال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها. قال صالح بن عبد القدوس «٢» : قل للّذي لست أدري من تلوّنه ... أناصح أم على غشّ يداجيني إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبا ... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني «٣» تذمّني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ منك يأتيني النهي عن الاستعانة بخائن قيل: من استرعى الذئب ظلم. قال شاعر: إن العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأثم «٤» قال آخر: إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنّك قد أسندتها شرّ مسند وقال آخر: إن العفيف إذا تكنّفه الظنين هو الظنين وقال علي ﵁: من تتّهمه فلا تأتمنه ومن تأتمنه فلا تتّهمه. عذر من استعان بخائن سهوا قال أبو تمّام: هذا النبّي وكان صفوة ربّه ... من بين باد في الأنام وقار «٥» قد خصّ من أهل النّفاق عصابة ... وهم أشدّ أذى من الكفّار «٦»

стр. 354

واختار من سعد لعين بني أبي ... سرح لوحي الله غير خيار «١» الحثّ على نقض عهد الغادر قال بعض العلماء: حقّ على من جعل لغادر عهدا أن ينقضه، لأن الله تعالى يقول: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ «٢» وقال الأعمش: نقض العهد مع من لا عهد له وفاء بالعهد. الحثّ على الغدر والتبجّح به قال شاعر: خرق على الناس وخرق لهم ... فإنّما الدّنيا مخاريق» وقال مسعود الأسدي: قالوا غدرت فقلت جير فربّما ... نال العلى وشفى الغليل الغادر «٤» وقال العباس بن الأحنف: ملّني واثقا بحسن وفائي ... ما أضرّ الوفاء بالإنسان (٦) وممّا جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل الممدوح بأن مجاريه إلى العلاء تأخّر عنه مدح كاتب رجلا قال: فلان طالت إلى المساعي خطاه وبذّ «٥» بشأوه «٦» من ساعاه وجاراه. وخطب عمر ﵁ أبا بكر وفضّله، فقال: وإنه كان كما قال الشاعر: من يسع كي يدرك مسعاته ... يجتهد الشّدّ بأرض فضاء والله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ضاف ولا ذو رداء

стр. 355

وفي المثل فلان لا يشقّ غباره «١» . وكتب كاتب: لسنا لاحقيك إذا ابتدأت ولا سابقيك إذا كافأت. وسئل مجنون: كيف رأيت بني فلان مع من فاخر؟ فقال: كانوا ومن عاداهم من البشر ... كأنما أجريت خيلا وبقر وقال سلم الخاسر: جاراك قوم فلم ينالوا ... مداك والجري لا يعار «٢» وقال المتنبّي: من تعاطى تشبّها بك أعيا ... هـ ومن دلّ في طريقك ضلّا «٣» وقال البحتري: في فتية طلبوا غبارك إنّه ... وهج ترفع من طريق السؤدد قال ابن الرومي: رجحتم على أكفائكم إذا وزنتم ... وهل يستوي الآلاف والعشرات قال أبو تمّام: محاسن أقوام متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالخبائث «٤» من يبكّت مساميه ومباريه وقال بشّار: أيها الجاهل المباهي بريدا ... ليس بدر السماء منك بدان «٥» وقال أبو تمّام: ويا أيّها السّاعي ليدرك شأوه ... تزحزح قصيّا أسوأ الظّنّ كاذبه «٦» بحسبك من نيل المكارم أن ترى ... عليما بأن ليست تنال مناقبه «٧» وقال آخر: نحيت بيربوع لتدرك دارما ... ضلالا لمن منّاك تلك إلا مانيا سعيت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالان لمّا أصبح الدهر فانيا قال الموسوي: يريد المعالي عاطل من أداتها ... وهيهات من محصوصة طيرانها
следующие страницы →