← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال امرؤ القيس: ويغدو على المرء ما يأتمر وقال آخر: وكم من حافر لأخيه ليلا ... تردّى في حفيرته نهارا وقيل: من حفر مغواة «١» وقع فيها، وقيل: من عاد إليه مكره عاد الرمي على النزعة، وقيل أربع من أسرع الأعمال عقوبة: من عاهدته ورأيك أن تفي له ورأيه الغدر، ومن سعى على من لم يسع عليه، ومن قطع رحم من يواصله، ومن كافأ الإحسان باساءة. الموصوف بالغدر قال أعرابي: إنّ الناس يأكلون أماناتهم لقما وفلان يحسوها حسوا ويقال فلان أغدر من الذئب. قال شاعر: هو الذئب أو للذّئب أوفى أمانة وقيل الذئب يأدو الغزال أي يختله. واستبطأ عبيد الله بن يحيى أبا العيناء فقال: أنا والله ببابك أكثر من الغدر في آل خاقان. قال حسّان: إن تغدروا فالغدر فيكم شيمة ... والغدر ينبت في أصول السّخبر «٢» وقال الخبزارزي: ولم تتعاطى ما تعودت ضدّه ... إذا كنت خوّانا فلم تدّعي الوفا وقال الباذاني في أبي دلف وكان نقش خاتمه الوفاء: الغدر أكثر فعله ... وكتاب خاتمه الوفا وقيل كان بنو سعد يسمون الغدر كيسان ويستعملونه وفيهم يقول اليمين: إذا ما دعوا كيسان كانت كهولهم ... إلى الغدر أدنى من شبابهم المرد «٣» التعريض بمن كان منه غدر قال المنصور لإسحاق بن مسلم العقيلي عند قتله ابن هبيرة: ما كان أعظم رأس صاحبك. فقال: نعم وأمانته كانت أعظم.

стр. 352

وكان لعبد الملك صديق يختصه، فغاب عنه غيبة قتل عبد الملك فيها عمرو بن سعيد بعد أن أمنه. فلما قدم قال له يوما: ما تقول في قتل عمرو بن سعيد؟ فقال: اعفني. فقال: أقسمت عليك لتقولنّ. فقال لو قتلته يا أمير المؤمنين وأنت كان حي جميلا. فقال أو ما تراني حيا قال ليس بحي من أقام نفسه مقاما لا يوثق به، والله لا يخرج عليك بعدها خارجى إلا وبلغ الغاية في معاداتك، وإن بذلت له كل أمانة. فقال عبد الملك: لو سبق إلى إذني لم أصنع ما صنعت، ولقد صدق من قال نصف عقلك مع صاحبك. قال جحظة «١» : وأمّنتني ثمّ عاقبتني ... فكان أمان أبي مسلم مدح سوء الظنّ بالنّاس قيل: ما الحزم؟ قال: سوء الظن بالناس. وقال ببغاء «٢» البغدادي: وأكثر من تلقى يسرّك قوله ... ولكن قليل من يسّرك فعله وقد كان حسن الظنّ بعض مذاهبي ... فأدبّني هذا الزمان وأهله «٣» وقد تقدم هذا الباب. ذمّ من ساء ظنّه قيل لبعضهم: ما ظنّك بالناس؟ قال: ظنّي بنفسي. قال المتنبّي: إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهم وقيل: أخفض الناس «٤» من لا يثق بأحد ولا يثق به أحد. النهي عن الوقوف موضع التّهمة قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقومّن مقام التهمة. وقيل: من وقف موقف التهمة لم يكن له أجر الغيبة. من جعل نفسه عرضا للتهم فلا يلومنّ من أساء به الظن.

стр. 353

حقيقة النّفاق قيل: حقيقة النفاق أخلاف السرّ والعلانية واختلاف القول والعمل، وقال ﷺ : علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان. ذمّ ذي الوجهين «١» قال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها. قال صالح بن عبد القدوس «٢» : قل للّذي لست أدري من تلوّنه ... أناصح أم على غشّ يداجيني إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبا ... يد تشجّ وأخرى منك تأسوني «٣» تذمّني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ منك يأتيني النهي عن الاستعانة بخائن قيل: من استرعى الذئب ظلم. قال شاعر: إن العفيف إذا استعان بخائن ... كان العفيف شريكه في المأثم «٤» قال آخر: إذا أنت حمّلت الخؤون أمانة ... فإنّك قد أسندتها شرّ مسند وقال آخر: إن العفيف إذا تكنّفه الظنين هو الظنين وقال علي ﵁: من تتّهمه فلا تأتمنه ومن تأتمنه فلا تتّهمه. عذر من استعان بخائن سهوا قال أبو تمّام: هذا النبّي وكان صفوة ربّه ... من بين باد في الأنام وقار «٥» قد خصّ من أهل النّفاق عصابة ... وهم أشدّ أذى من الكفّار «٦»

стр. 354

واختار من سعد لعين بني أبي ... سرح لوحي الله غير خيار «١» الحثّ على نقض عهد الغادر قال بعض العلماء: حقّ على من جعل لغادر عهدا أن ينقضه، لأن الله تعالى يقول: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ «٢» وقال الأعمش: نقض العهد مع من لا عهد له وفاء بالعهد. الحثّ على الغدر والتبجّح به قال شاعر: خرق على الناس وخرق لهم ... فإنّما الدّنيا مخاريق» وقال مسعود الأسدي: قالوا غدرت فقلت جير فربّما ... نال العلى وشفى الغليل الغادر «٤» وقال العباس بن الأحنف: ملّني واثقا بحسن وفائي ... ما أضرّ الوفاء بالإنسان (٦) وممّا جاء في المسابقة إلى المعالي والرفعة والمجد وصيانة النفس والمروءة والفتوة وتعظيم الأماثل الممدوح بأن مجاريه إلى العلاء تأخّر عنه مدح كاتب رجلا قال: فلان طالت إلى المساعي خطاه وبذّ «٥» بشأوه «٦» من ساعاه وجاراه. وخطب عمر ﵁ أبا بكر وفضّله، فقال: وإنه كان كما قال الشاعر: من يسع كي يدرك مسعاته ... يجتهد الشّدّ بأرض فضاء والله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ضاف ولا ذو رداء

стр. 355

وفي المثل فلان لا يشقّ غباره «١» . وكتب كاتب: لسنا لاحقيك إذا ابتدأت ولا سابقيك إذا كافأت. وسئل مجنون: كيف رأيت بني فلان مع من فاخر؟ فقال: كانوا ومن عاداهم من البشر ... كأنما أجريت خيلا وبقر وقال سلم الخاسر: جاراك قوم فلم ينالوا ... مداك والجري لا يعار «٢» وقال المتنبّي: من تعاطى تشبّها بك أعيا ... هـ ومن دلّ في طريقك ضلّا «٣» وقال البحتري: في فتية طلبوا غبارك إنّه ... وهج ترفع من طريق السؤدد قال ابن الرومي: رجحتم على أكفائكم إذا وزنتم ... وهل يستوي الآلاف والعشرات قال أبو تمّام: محاسن أقوام متى تقرنوا بها ... محاسن أقوام تكن كالخبائث «٤» من يبكّت مساميه ومباريه وقال بشّار: أيها الجاهل المباهي بريدا ... ليس بدر السماء منك بدان «٥» وقال أبو تمّام: ويا أيّها السّاعي ليدرك شأوه ... تزحزح قصيّا أسوأ الظّنّ كاذبه «٦» بحسبك من نيل المكارم أن ترى ... عليما بأن ليست تنال مناقبه «٧» وقال آخر: نحيت بيربوع لتدرك دارما ... ضلالا لمن منّاك تلك إلا مانيا سعيت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالان لمّا أصبح الدهر فانيا قال الموسوي: يريد المعالي عاطل من أداتها ... وهيهات من محصوصة طيرانها

стр. 356

حثّ من يحسد فاضلا أن يفعل فعله رأى الحسن قوما يتهافتون على جنازة بعض الصالحين، فقال: مالكم تتهافتون على ما لا يجدي عليكم؟ ها هي الاسطوانة التي كان يلزم إلزموها تكونوا مثله. قال أسجع: يريد الملوك مدى جعفر ... ولا يصنعون كما يصنع وقال ابن المعتز: يا طالبا للملك كن مثله ... تستوجب الملك وإلّا فلا وأنشد أبو العيناء: إذا أعجبتك خلال امرىء ... فكنه يكن منك ما يعجبك «١» الموصوف بأنه نال السّماء رفعة قال تميم بن مقبل: نالوا السماء فأمسكوا بعنانها ... حتى إذا كانوا هناك استمسكوا «٢» قال صاحب البصرة: ملكنا السماء بأحسابنا ... ولولا السماء ملكنا السما أخذه من قول النابغة الجعدي: بلغنا السماء نجدة وتكرّما ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا وأنشد ذلك النبي ﷺ فقال: إلى أين؟ فقال: إلى الجنة فقال ﷺ : لافضّ فوك، وقال الفرزدق: فلو أن السّماء دنت لمجد ... ومكرمة، دنت لهم السماء النازل ذروة الشرف قال شاعر: سما فوق صعب لا تنال مراتبه وقال حسّان: سموت إلى العليا بغير مشقّة ... فنلت ذراها لا دنيئا ولا وغلا «٣» قال ابن الرومي: تدلّوا على هام المعالي إذا ارتقى ... إليها أناس غيرهم بالسّلالم «٤»

стр. 357

وقال غيره: على قمّة المجد المؤثّل جالس «١» المبادر إلى تناول المكرمات يستحسن في هذا المعنى قول الشمّاخ «٢» : إذا ما راية رفعت لمجد ... وقصّر مبتغوها عن مداها وضاقت أذرع المثرين عنها ... سما أوس إليها فاحتواها وقال ابن الرومي: سجايا إذا همّت بخير تسرّعت ... إليه وإن همّت بشّر تناءت «٣» وصف أعرابي رجلا فقال: هو وسّاع إلى الخير قطوف عن الشر وعكس ذلك شاعر: فقال: هو في الخير قطوف ... وهو في الشرّ وساع المختصر طريق المكرمات قال البحتري: له طريق إلى العليا مختصر قال ابن طباطبا: كأنّه من سموّ همّته ... يأتي طريق العلا فيختصر قال الرفّاء «٤» : قلت إذ برز سبقا في العلا ... إلى المجد طريق مختصر المتدرع للعلا قال شاعر: ألبسه الله ثياب العلا ... فلم تطل عنه ولم تقصر قال أشجع «٥» : مكارم ألبست أثوابها ... كلّ جديد عندها بال

стр. 358

قال الأخطل «١» : وأقسم المجد حقّا لا يحالفهم ... حتّى يحالف بطن الراحة الشعر وقيل: المجدّد ثأره والكرم شعاره. من انتهى إلى العلا ابتداء منه قال أحمد بن أبي طاهر: خلائقه للمكرمات مناسب ... تناهى إليه كلّ مجد مؤثّل «٢» قال أبو تمّام: ما أنشئت للمكرمات سحابة ... إلا ومن أيديهم تتدّفق الموصوف بأنه يحمي المكرمات قال أعرابي لقوم: أنتم والله حضان الشرف وقال رجل لآخر لو وجد الكرم في يد غيرك لعلم أنه ضالة لك. قال أبو شراعة: مولى المكارم يرعاها ويعمرها ... إن المكارم قد قلّت مواليها «٣» قال أبو تمّام: قوم تراهم غيارى دون مجدهم ... حتّى كأنّ المعالي عندهم حرم قال أبو تمّام: مضوا وكأنّ المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهنّ شرائع «٤» قال آخر: يحمي شريعة مجد غير مورود من ارتفع بيت شرفه قال شاعر: فأما بيتكم إن عدّ بيت ... فطال السمك وارتفع الفناء «٥»

стр. 359

وأما أسّه فعلى قديم ... من العاديّ إن ذكر البناء قال أبو تمّام: له نبعة فرعها في السماء ... وفي هامة الحوت أعراقها قال أبو فراس: لنا بيت على عنق الثريّا ... بعيد مذاهب الأطناب سام «١» تظلّله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطّعام وقال آخر: له قبّة في المجد رأس عمادها المتدرّع للمعالي قال الراعي «٢» : فمن يفخر بمكرمة فإنّا ... سننّاها لأيدي الفاعلينا قال ابن الرومي، وقد أحسن: هم المبدعون بديع العلى ... إذا كان غيرهم المتّبع وما الدين إلا مع التّابعين ... ولكنّما المجد للمبتدع قال أبو تمام، وقد أحسن: فمهما تكن من وقعة بعد لا تكن ... سوى حسن ممّا فعلت مردّد محاسن أصناف المغنّين جمّة ... وما قصبات السّبق إلا لمعبد «٣» قال المتنبّي: يمشي الكرام على آثار غيرهم ... وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع «٤» وقال أرسطوطاليس للإسكندر: أمّا مناقبك فقد نسخها تواترها فصارت كالشيء القديم يتأسى به كالبديع بتعجب منه.

стр. 360

المتثبّت بالمعالي والخادم لها قال أبو الشيص «١» : عشق المكارم فهو معتمد لها ... والمكرمات قليلة العشّاق قال المتنبّي: تلد له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام ومن هنا أخذ الصاحب قوله: اشبب لكن بالمعالي اشبب ... وانسب لكن بالمكارم أنسب قال أبو تمّام: خدم العلى فخدمنه وهي التي ... لا تخدم الأقوام ما لم تخدم العديم النظير والشبيه وصف أعرابي رجلا فقال ما نطف «٢» فحل بمثله، قال: ما ولدت مثلك أرحام النساء وقال آخر: إنّ الزمان بمثله لعقيم قال المتنبّي: ليس له عيب سوى أنه ... لا تقع العين على شبهه وليس ذلك بعيب وإنما هو كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم ... بهنّ فلول من قراع الكتائب «٣» قال علي بن عبد العزيز: جملة القول أنّ مثلك لا يمكن في مثل دهرنا تكوينه قال أبو نواس: خلقت بديعا لا يقال كأنّه ... تعالى ولم يسمع بمثلك سامع قال آخر: ولم تقع عين على مثله

стр. 361

قال ابن سكّرة في الصّابي: خرجت أطلب شيئا لا وجود له ... ومن غدا يطلب المفقود لم يجد شبه الكريم أبي إسحاق في كرم ... ما ليس في الظنّ هل يسطاع في بلد من اشتغاله كسب المعالي قال البحتري: إلى فارغ من كلّ شغل يشينه ... فإن يشتغل بالمجد طاب اشتغاله قال المتنبّي: ويشغلهم كسب الثّناء عن الشغل من يتزايد في المجد على مرور الدهر قال شاعر: وجدتك أمس خير بني معّد ... وأنت اليوم خير منك أمس قال أبو الهول: ما كنت في غاية إلا سبقت ولا ... طال المدى بك إلّا زدت إحسانا من لا يحصى مجده وقال أبو شراعة: وحزت بهم لا بل بنفس ابن حرّة ... مآثر يحصى دون إحصائها الرّمل قال دعبل: معاليه يحصى قبل إحصائها القطر الموصوف بان تجمّع فيه عالم لفضله عقيل يصول إذا استجير به نفير، قال أبو نواس: متى تخطى إليه الرجل سالمة ... تستجمع الخلق في تمثال إنسان وله: ليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد قال المتنبّي: نسقوا لنا نسق الحساب مقدما ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخّرا من يستحقر في جنبه أجلّاء الناس قال بكر بن النطاح: ما النّاس إلا ملك واحد ... غير خشارات......... «١»

стр. 362

قال رشتة بن الأبيض: الناس عند علي حين تذكرهم ... كالشّوك يذكر بين الورد والآس قال ابن العوّام: فنحن السنام والمناسم غيرنا ... ومن ذا يسوّي بالسنام المناسما «١» وذلك مأخوذ من قول الآخر: ومن يسوّي بأنّف الناقة الذنبا قال أبو السعداء: النّاس أيام الشهو ... ر وأنت فيهم يوم عيد «٢» من تتزيّن به الدنيا وصف أعرابي رجلا فقال لئن عابه كونه في الزمان لقد تزين الزمان بكونه فيه. قال الجريمي: تحلّت به الدنيا فغطّت عيوبها ... وأمست به الدنيا تجّل وتحمد قال المتنبّي: أنت الذي بجح الزمان بذكره ... وتزيّنت بحديثه الأسمار «٣» وقال أبو الفضل بن العميد: أمدح بيت قول المتنبي: الدهر لفظ وأنت معناه قال الشيخ ﵀ وأنا استحسن قول الشاعر: فما أحسن الدنيا وفي الدار خالد ... وأقبحها لمّا تجهّز غازيا قال ابن الرومي: يا زينة الدين والدنيا إذا احتفلا ... وأظهرا ما أعداه من الزين من تنافست فيه الأيّام قال نصيب: وقد تغايرت الأيام فيك فما ... تنفكّ تسني لها الحذيا وتحتشد «٤»

стр. 363

قال أبو تمّام: يشتاقه من كماله غده ... ويكثر الوجد نحوه الأمس قال ابن الرومي: تنافس الناس في أيّام دولته ... فما يبيعون ساعات بأعوام ومن الأقوال المشهورة: فلان لا يحجب في العلم ... (أي لا يخفى مكانه) وقال شاعر: وهل يخفى على الناس النهار قال ابن الرومي: شمس الضحى أبرع من أن تطمسا «١» وقال آخر: إنّي إذا خفي الرجال وجدتني ... كالشّمس لا تخفى بكلّ مكان قال ابن هرمة «٢» : إذا خفي القوم اللئام رأيتني ... مقارن شمس في المجرّة أو بدر «٣» وكان علي بن الحسين ﵄ يطوف بالبيت فرآه يزيد. فقال: من هذا؟ فقال له الحارث بن الليث: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحلّ والحرم «٤» اعتذار من لم يعرف قال رجل لسقراط ذكرتك عند فلان فلم يعرفك فقال: يضرّه أنه لا يعرفني، لأنه لا يجهل مكان ذي العلم إلّا خسيس. وقال محمد بن الزيات لبعض أولاد البرامكة: من أنت ومن أبوك؟ فقال: أما أنا فالذي تعرفني وأما أبي فالذي لم يعرفك ولا أباك. قال المتنبي: وإذا خفيت على الغبيّ فعاذر ... أن لا تراني مقلة عمياء

стр. 364

وصف الإنسان بأنّه لا يخلو من العيب قيل لبعض الفلاسفة: من الذي لا عيب فيه؟ فقال: الذي لا يموت. وقال الأحنف: الشريف من عدّت سقطاته، أي الرجل المهذب. قال شاعر: ومن ذا الذي ترضي سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلا أن تعّد معايبه ولهذا باب آخر في الإخوانيات. الحثّ على إكرام النفس عند المذلّة قال عمرو بن العاص: المرء حيث يجعل نفسه إن صانها «١» ارتفعت، وإن قصّر بها اتّضعت. قال بعضهم: وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل قال حاتم: ونفسك أكرمها فإنك إن تهن ... عليك فلن تلقى لها الدهر مكرما «٢» قال صالح بن عبد القدوس: إذا ما أهنت النفس لم تك مكرما ... لها بعد ما عرّضتها لهوان أنشد غلام أبي عبيده: ولا تهن للصّديق مكرمة ... نفسك حتّى تعدّ من خوله يحمّل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله وإنما يعني بذلك الهوان الذي هو العسف لا الهون الذي قالت العرب فيه إذا عز أخوك فهن. قال ﷺ : سيد القوم خادمهم. الممدوح بصيانة النفس قال بعضهم: جعلت الدنيا دون عرضى فآثرها لدى ما صانه وأهونها على ما شانه، ووصف آخر رجلا فقال: اشترى بالمعروف عرضه ومن الأذى فلو كانت الدينا له فأنفقها صيانه لنفسه لاستقلها. قال ابن نباتة «٣» : لبست من الحوادث كلّ ثوب ... سوى ثوب المذلّة والهوان

стр. 365

مدح إهانة النفس حيث تحمد مدح أعرابي رجلا فقال: كان يهين نفسا كريمة لقومه ولا يبقي لغد ما وجد في يومه. قالت الخنساء «١» : نهين النفوس وهون النفو ... س يوم الكريهة أوفى لها ويروى عن الشافعي ﵁: أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ... ولن تكرم النفس التي لا تهينها ما جاء في الفتوّة قيل: الفتوة طعام موضوع ونائل مبذول وبشر مقبول وعفاف معروف وأذى مكفوف، وجاء جماعة إلى حسان فقالوا من الفتى؟ فقال: إن الفتى لفتى الهواجر والثرى ... وفتى الطّعان ومدره الحدثان «٢» ذاك الفتى إن كان كهلا أو فتى ... ليس الفتى بمنعم الشبان المروءة قال معاوية لقرشي: ما المروءة؟ قال إطعام الطعام وضرب الهام. وقال ذلك لثقفي فقال: هي تقوى الله وإصلاح المعيشة. فقال لعمرو اقض بينهما. فقال: أما ما قال القرشي فهو المروءة وقد أجاد الثقفي ولم يصب ولكن من بدأ بكلام حسن زيّن بذلك سائر كلامه. وإن المروءة أن تعطى من حرمك وتعفو عمن ظلمك. وقال عبد الله بن عباس المروءة أن تحقق التوحيد وتركب المنهج السديد وتستدعى من الله المزيد، وقيل جماع المروءة في قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ «٣» . وقيل لعمرو بن العاص ما المروءة؟ فقال: العفة عما حرم. وقيل للأحنف ذلك فقال: أن لا تعمل في السرّ ما يستحيا منه في العلانية. وقيل له مرة أخرى فقال: اجتناب الريب «٤» فإنه لا ينبل مريب، وإصلاح المال فلا مروءة لمحتاج، والقيام بحوائج الأهل فلا مروءة لمن يحتاج قومه إلى غيره، وقيل: لآخر

стр. 366

فقال مواطأة القلب اللسان، وقيل الحسب «١» إحصاء المكارم والنسب إحصاء الآباء. جواز تقبيل اليد روي عن النبي ﷺ أنه قال: لا يحلّ لأحد أن يقبّل يد آخر إلا رجلا من أهل بيتي أو يد عالم. وقال ابن عباس ﵄: صنع رسول الله ﷺ إلى رجل معروفا فقبل يد رسول الله ﷺ خمس مرات، ولما قدم عمر بن الخطاب الشأم، قبّل أبو عبيدة بن الجراح ﵁ يده ثم تناول رجله ليقبلها فقال: مه «٢» أما هذا فلا. ودخل عطية بن عبد الرحمن الثقفي فمثل بين يدي مروان ابن محمد فاستأذنه أن يقبل يده، فقال: القبلة من المسلم ذلّة ومن الذميّ خدعة. لا حاجة لي في أن نذل أو تخدع. مد المأمون يده لأعرابي ليقبلها فتناولها بكمه فقال: أتقذر لها؟ فقال: لا بل أتعزز بها. من منع من ذلك أو امتنع قالت امرأة لأبي مسلم: ناولني يدك أقبلها فقد نذرت، فقال: عليك بالحجر الأسود تصيبين أجرا وتقضين نذرا. ودخل عقال بن شبة على هشام وأراد أن يقبل يده فقال: لا يفعل هذا من العرب إلا هلوع «٣» ولا من العجم إلا خضوع «٤» . وقيل لما أفضت الخلافة إلى أبي العباس السفاح وفدت عليه قريش فأمروا بتقبيل يده، حتى دخل إبراهيم بن محمد العدوي فقال: يا أمير المؤمنين لو كان تقبيل اليد يزيد في القربة منك لأخذت بخطّي منه. وانك لغني عمّا لا أجر فيه لك وفيه منقصة لنا فأقره ولم ينقصه من حظوظ أصحابه شيئا. الممدوح بأنّه مقبّل اليد والرجل قال إبراهيم الصولي: لفضل بن سهل يد ... تقاصر عنها المثل «٥» فباطنها للنّدى ... وظاهرها للقبل «٦»

стр. 367

أخذه ابن الرومي فقال: فامدد إليّ يدا تعوّد بطنها ... بذل النوال وظهرها التقبيلا قال الخوارزمي: تعاورت الشفاه الكم عنها ... ونافست الشفاه بها الخدودا وله: يقبّل رجليه رجال أقلّهم ... تقبّل في الدست الرفيع أنامله وفي ضده يقول الهنادي لبعض بني هاشم: يا قبلة ذهبت ضياعا في يد ... ضرّ الإله بنانها بالنّقرس ودخل أبو العميثل على طاهر بن الحسين متمدحا وقبل يده فقال: ما أخشن شاربك يا أبا العميثل. فقال: أيها الأمير إن شوك القنفذ لا يضر ببرثن الأسد. فضحك وقال إن هذه الكلمة أعجب إليّ من كل شعر. فأعطاه للشعر ألف درهم ولكلمته هذه ثلاثة آلاف درهم. المقبّل أرضه قال المتنبّي: تقبّل أفواه الملوك بساطه ... ويكبر عنها كمّه وبراجمه «١» قال أبو القاسم بن أبي العلاء: يقبّل صيد النّاس سدّة بابه ... ويعظم عنه أخمص وركاب لدى ملك قد خطّ في كلّ جبهة ... كتابة رقّ والمداد تراب «٢» قال أحمد بن إبراهيم: سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدي القرود فما بلت أناملنا بشيء ... رجوناه سوى ذلّ الخدود من يقام له وينزل إليه وجواز ذلك وكرامته قال شاعر: فلا تعجب لإسراعي إليه ... فإنّ لمثله شرّع القيام قال إبراهيم الصولي: إذا ما بدا والقوم فوق سروجهم ... تناثرت الأشراف منهم على الأرض

стр. 368

وقال آخر: وترى النّاس هيبة حين يبدو ... من قيام وركّع وسجود وقال آخر: يأتي الجوانب لا يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان «١» الممدوح بأنواع من المكارم قال عمرو بن عتبة في أمر وقع بين بني أمية وبين غيرهم إنّ لقريش درجا يزلق عنه أقدام الرجال وأفعالا تخضع لها رقاب الأموال، وألسنا تكلّ عنها الشفار المحدّدة «٢» وغايات تقصر عنها الجياد المسومة لو احتفلت الدنيا لم تتزيّن إلّا بهم. وقال عمرو بن معدي كرب «٣» في مدح قوم: نعم القوم عند السيف المسلول والخير المسؤول والطعام المأكول، وذكر إدريس بن معقل أبا مسلم فقال: بمثله يدرك الثأر وينفى العار ويؤكّد العهد ويبرم العقد ويسهل الوعر ويخاض الغمر ويفلّ الناب ويفتح الباب ومدح أعرابي رجلا فقال: كان للإخوان وصولا وللأموال بذولا وكان الوفاء به كفيلا. ووقف أعرابي على قبر عامر ابن الطفيل فقال: لقد كنت سريعا إذا وعدت، بطيئا إذا أوعدت وكانت هدايتك هداية النجم وجراءتك جراءة السهم. وأخبر بعض الحكماء عن صاحب له فقال: عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه. كان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهي ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد وخارجا من سلطان فرجه فلا يستخف له رأيا ولا بدنا. قال امرؤ القيس: أفاد وجاد وساد وقاد ... وذاد وعاد وزاد وأفضل قال ديك الجن «٤» : أنّ العلى شيمي والبأس من نقمي ... والمجد خلط دمي والصّدق حشو فمي قال مسلم بن عقيل «٥» : يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوّقع وقال آخر: يذكّرنيك الجود والبخل والنهى ... وقول الخنى والحلم والعلم والجهل

стр. 369

فألقاك عن مذمومها متنزّها ... وألقاك في محمودها ولك الفضل تشبيه الممدوح بجماعة مختلفة في معان مختلفة قال رجل للمهدي: إنّك ليوسفيّ العفو إسماعيلي الصدق شعبيّ الرفق سليماني الملك داوودي الفضل «١» ، وحكى محمد الأنماطى الفقيه يوما قال: قد تغدينا يوما عند المأمون، فكان كلما وضع لون يقول: من به كذا فليأكل هذا ومن به كذا فليجتنبه. فقال يحيى بن أكثم: لله درك يا أمير المؤمنين فإنا إن خضنا في الطّب «٢» فأنت جالينوس، وإن ذكرنا النجوم فأنت هرمس «٣» أو العلم فأنت علي بن أبي طالب، أو السخاء فأنت حاتم «٤» ، أو الصدق فأنت أبو ذر «٥» ، أو الكرم فأنت كعب بن مامة أو الوفاء فأنت السموأل «٦» . فقال المأمون: للإنسان: فضل على غيره بالنطق والفهم ولولا ذلك لم يكن لحمه أطيب. قال أبو تمام: إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس قيل: فلان فيه ورع ابن سيرين وعقل مطرف ودهاء معاوية وحفظ قتادة، وقيل له بذل هاشم وعز كليب وضبط عائشة وبرّ عثمان وشجاعة عتيبة ومكر قيصر قال الطائي: أصبحت حاتمها جودا واحنفها ... حلما وكيسانها علما ودغفلها قال الرستمي: سماحة كعب في رزانة أحنف ... ونجدة عمرو في وفاء ابن ظالم قال السريّ الرفاء: أوفى وكان محلّقا ومضى وكا ... ن مزلقا وسطا وكان محرقا «٧» تشبيه الممدوح بأشياء مختلفة في معان مختلفة. قال أبو تمّام: له كبرياء المشتري وسعوده ... وسورة بهرام وطرف عطارد

стр. 370

قال مسلم: كأنّه قمر أو ضيغم هصر ... أو حيّة ذكر أو عارض هطل «١» قال وهب الهمداني تلقاه في الظلماء والهيجاء والمحل المجيع كالغيث والليث المحامي والعقيلة والصديع قال البحتري: كالغيث في أخذامه والغيث في ... أرهامه والليث في إقدامه إن كنت تنكر ما أقول فجاره ... أوباره أو حاكه أو سامه قال ابن طباطبا: كالبدر إذ يجري وكالليل إذ ... يسري وكالصّارم إذ يفري «٢» قال محمد بن وهيب: تحكي أفاعيله في كلّ نائبة ... والغيث والليث والصمصامة الذّكرا قال الخوارزمي: ستلقى به بدرا وبحرا وضيغما ... وسيفا وإنسانا وطودا وفيلقا «٣» قال أبو طالب المأموني: جبال الحجا أسد الوغا غصص العدا ... شموس العلا سحب النّدى أنجم الفضل الممدوح بمعنى واحد في أحوال أو جوارح مختلفة قال المتنبيّ: طويل النجاد طويل العماد ... طويل القناة طويل اللسان حديد اللحاظ حديد الحفاظ ... حديد الحسام حديد الجنان قال الخوارزمي: سريع اللسان سريع السنان ... سريع البنان سريع القلم الممدوح بأنّه لو كان كذا لكان خيره قال أبو عمرو بن العلاء لو كانت ربيعة فرسا لكان شيبان غرّتها. قال شاعر: لو كنت ماء كنت من مزنة ... أو كنت نجما كنت سعد السعود «٤»

стр. 371

وقال آخر: فلو كنت ماء كنت ماء غمامة ... ولو كنت نوما كنت تعريسة الفجر «١» ولو كنت لهوا كنت تعليل ساعة ... ولو كنت ليلا كنت من ليلة القدر قال الكندي: ولو خلق الناس من دهرهم ... لكانوا الظلام وكنت النهارا «٢» ضرب من المدح يقال فيه يا كذا: يا مشربا سائغا بلا كدر ... يا سمرا ممتعا بلا سهر قال كشاجم: يا عوضا من فائت ... لم يحتسب منه عوض يا دعة وراحة ... من تعب ومن مضض (٧) ومما جاء في النذالة والتأخر عن المكارم حدّ السفلة ووصفها قال معاوية: السفلة من ليس له فعل موصوف ولا نسب معروف، وقيل هو الذي لا يعيبه ما صنع له وقيل هو الذي لا يبالي بما يقول وبما يقال له، وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى هو الذي يعصى الله تعالى. وقال أبو ناظرة: أيا سفلة الناس والأصدقاء ... ويا سفلة الكسب في المأكل ونحوه لابن الحجّاج: وسخ الثوب والعمامة والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام وقيل: المروءة التامة مباينة العامة، وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: ما لله على العاقل بعد الإسلام نعمة أفضل من مباينة العامة بالفهم والعقل. مضرّة اجتماع السفلة والغاغة يروى عن النبي ﷺ نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا غلبوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا، وقيل

стр. 372

في قول الله تعالى: قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ «١» أي من السلطان أو من تحت أرجلكم أي من السفل، أتى أمير المؤمنين كرّم الله وجهه برجل ذي جناية فرأى ناسا يعدون خلفه، فقال: لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا عند كل سوء. وقال معاوية لصعصعة بن صوحان: صف لي الناس. فقال: خلق الناس أطوارا «٢» طائفة للسيادة والولاية وطائفة للفقه والسنة وطائفة للبأس والنجدة ورجرجة «٣» بين ذلك، يغلّون السعر ويكدّرون الماء، إذا اجتمعوا ضروا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. من تصاحبه النّذالة قال الشاعر: أناخ اللؤم وسط بني رباح ... مطيّته فاقسم لا يريم «٤» كذلك كلّ ذي سفر إذا ما ... تناهى عند غايته مقيم قال جحظة: كم سألنا عن النذالة واللؤ ... م فكانا في داره راتبين الموصوف بالذلّة قيل: هو أذل من النقد ومن القردان تحت المناسم ومن الوتد: وكنت أذلّ من فقع بقاع ... يشجج رأسه بالفهر واجي «٥» أي وأجىء فلين الهمزة ويقال هو أذل من الحذا. المتبجّح بالإساءة والنّذالة قيل: شر الناس الذي لا يتوقى أن يراه الناس مسيئا ومن هنا أخذ الشاعر: أحقّ النّاس في الدنيا بعيب ... مسيء لا يبالي أن يعابا وقال بعضهم: فلان لا يستحيى من الشر ولا يحب أن يكون من أهل الخير لا يقعد مقعدا إلا حرمت الصلاة فيه ولو أفلتت كلمة سوء لم تضم إلا إليه ولو نزلت لعنة لم تقع إلا عليه. تشاجر رجلان فقال: كل واحد منهما أنا ألام فتحا كما إلى رجل فقال: قد حكمتماني فأخبراني بأخلاقكما فقال أحدهما: ما مربي أحد إلا اغتبته ولا أئتمنني أحد إلا خنته وقال آخر أنا أبطر الناس في الرخاء وأجبنهم عند اللقاء وأقلهم عند الحياء فقال الرجل: كلاكما لئيم،

стр. 373

وألأم منكم الحطيئة فإنه هجا أباه وأمّه ونفسه ومن أحسن إليه هجا أباه. فقال: لحاك الله ثم لحاك أبا ... وما ألحاك من عمّ وخال «١» وقال يهجو نفسه: أرى لي وجها شوّه الله خلقه ... فقبّح من وجه وقبّح حامله وقال فيمن أعطاه: سئلت فلم تبخل ولم تعط طائلا ... فسيّان لا لوم عليك ولا حمد «٢» الموصوف بالشرية ذم أعرابي قوما فقال: ما زال فيهم خميرة سوء يبقيها الماضي للباقي حتى أورثوها فلانا فعجنها بيده ثم أكلها بفمه. وقال الصاحب ﵀ في بعض أهل الزمان فلان راية «٣» الشر. المقصّر في المكارم والمعالي قال إبراهيم بن رجاء: يمدّ بنو كليب للمعالي ... سواعد لم تزل عنها قصارا «٤» وقال آخر: متى جرت الكودان في الرّهان وقال آخر: لن يلحق الفرس الحمار الموكف «٥» وقال آخر: وابن اللئيم معقل باللؤم يغمر وقال آخر: جرى طلقا حتّى إذا قيل سابق ... تداركه عرق اللئيم فبلّدا وقال آخر: جرى المداكي حسرت عنه الحمر «٦»

стр. 374

وقال آخر: وابن اللبون إذا ما لزّ في قرن ... لم يستطع صولة البذل القناعس «١» وقال غيره: إنّك كالجاري إلى غاية ... حتّى إذا قاربها قام قال أبو الهداهد الأصفهاني: لهم عن كلّ مكرمة حجاب ... فقد تركوا المكارم واستراحوا السابق إلى الملاوم المتأخر عن المكارم قال هشام بن قيس: إذا ما سوءة دارت رحاها ... وجدتهم لا سواها ثقالا قال الطرماح «٢» : تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلّت قال البسامي: هو في الخير قطوف ... وهو في الشرّ وساع وقال آخر: إذا نهض الناس للمكرمات ... وقاموا إليها جميعا قعد قال الباذاني: يداك يد تطول إلى المخازي ... وعن طلب العلا أخرى قصيره «٣» وقال آخر: رأوا في اللؤم رخصا فاشتروه ... ويمنعهم عن الكرم الغلاء «٤» وقال آخر يهجو امرأة: تكره ذكر الله في بيتها ... وهي إلى الحشّاء مشتاقه إن ذكر الخير فما إن لها ... من جمل فيه ولا ناقه مقدامة في الشرّ سبّاقة ... وفي تقى الله على السّاقه

стр. 375

ذمّ من يتكلّف إدراك ما لا يدركه ذكران قصارا كان يعمل على شاطىء نهر وكان يرى كركيا يجيء كلّ يوم فيلتقط من الحمأة دودا ويقتصر في القوت عليه. فرأى يوما بازيا قد ارتفع في الجو فاصطاد حماما فأكل منها بعضا وترك في موضعه البعض وطار فتفكر الكركي في نفسه. وقال: مالي لا أصطاد الطيور كما يصطاد وأنا أكبر جسما منه. فارتفع في الجو وانقض على الحمام، فأخطأه فسقط في الحمأة فتلطخ ريشه ولم يمكنه أن يطير فأخذه القصار وحمله إلى منزله فاستقبله رجل فقال: ما هذا قال: كركي يتصقر. وكان المتنبي ألم بهذا المعنى في قوله: ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى وفي المثل: - أطرق كرى أن النعام في القرى ونحو ذلك قول يربوع: - بخست بيربوع لتدرك دارما ... ضلالا لمن منّاك تلك الأمانيا وقد تقدّم ذلك. الحكم بين فاضل ونذل سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: وما يستوى البحران هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج. وسئل أبو ثور عن حماد بن زيد بن درهم وحماد بن سلمة بن دينار فقال: بينهما في القدر ما بين جديهما في الصرف، وقال أعرابي: فلان يدعي الفضل على فلان ولو وقع في ضحضاح معروفة لغرق شاعر. وهل يقاس ضياء الشمس بالقمر! قال محمد بن منادر: ومن يجعل الوجه مثل القفا ... وعالية الرّمح كالسّافل وفي المثل: مذكية تقاس بالجذاع «١» وفيه: ليس قطا مثل قطي وقال سبيع التميميّ: أسوّيك بالمرء الذي لست مثله ... وكيف يسوّى صالح القوم بالرّذل

стр. 376

تفضيل رجل على آخر في الفضل في المثل: ماء ولا كصداء ومرعى ولا كالسعدان، وفتى ولا كمالك. في كل شجرة نار واستمجد المرخ «١» والعفار «٢» . قال حسان بن ثابت للحارث بن أبي الشمر: أبيت اللعن إنّ النعمان بن الحارث يساميك وو الله إن قفاك أحسن من وجهه، وشمالك خير من يمينه، وإن عدّتك أحضر من عدة وغدك أوسع من يومه، وكرسيك أرفع من سريره وأمّك أشرف من أبيه. من يغبط أو يحسد فاضلا أن يفعل مثله رأى الحسن ﵁ قوما يتزاحمون على جنازة بعض الصالحين فقال: مالكم تتهافتون عليه افعلوا فعله تكونوا مثله. قال أبو العميثل: يا من يؤمّل أن تكون خصاله ... كخصال عبد الله أنصت واسمع فلأنصحنّك في المروءة والذي ... حجّ الحجيج إليه فأقبل أودع اصدق وعفّ وبرّ وانصر واحتمل ... واحلم وكفّ ودار واصبر واشجع أخذ ذلك من قول عروة بن الزبير: يا أيّها المتمنّي أن يكون فتى ... مثل ابن زيد لقد خلّى لك السبلا أعدد نظائر أخلاق عددن له ... هل سبّ من أحد أو سبّ أو بخلا «٣» وأنشد أبو العيناء في معناه: إذا أعجبتك خلال امرىء ... فكنه يكن منك ما يعجبك «٤» فليس على الجود والمكرمات ... إذا جئتها حاجب يحجبك الحكم بين نذلين سئل أبو العيناء عن رجلين فقال: هما الخمر والميسر ائمهما أكبر من نفعهما، وتفاخر رجلان في الكرم وتراضيا بأبي العيناء فحكماه فقال: أنتما كما قال الشاعر: حمارا عبادي إذا قيل نبنا ... بشرّهما يوما يقول كلاهما وفي المثل كثير ويرعو، وكل عير خير. وقيل زندان في وعاء وقيل زندان في رقعة.

стр. 377

وقيل سواسية كأسنان الحمار. وعكس هذا المعنى الصنوبري «١» فأتى بأجود لفظ وأوضح معنى، فقال: أناس هم المشط استواء لدى الوغا ... إذا اختلف الناس اختلاف المشاجب عذر من ذكر فاضلا ونذلا معا قال بعض الكبار لرجل: أتذكرني مع فلان وفلان فقال: قد ذكر الله النار والجنة وفرعون مع موسى وآدم مع إبليس فلم يهن بذلك أولياءه ولم يكرم به أعداءه. اختيار أراذل وصف أعرابي قوما فقال: هم كلاب وفلان من بينهم سلوقي وهم حنظل وهو هبيد «٢» . وإن في الشر خيارا وليس العاقل من يعرف الخير من الشر وإنما العاقل من يفرّق بين الشرين. قال محمود: ذممتك أولا حتّى إذا ما ... بلوت سواك عاد الذمّ حمدا ولم أحمدك من خير ولكن ... رأيت سواك شرّا منك جدّا فعدت إليك مختلا ذليلا ... لأني لم أجد من ذاك بدّا كمجهود تعاظم أكل ميت ... فلمّا اضطرّ عاد إليه شدّا من لا يفرح بموته ولا يسر بحياته قال شاعر: إذا كنت لا ترجى لدفع ملمّة ... ولم يك في المعروف عندك مطمع «٣» ولا أنت ممّن يستعان بجاهه ... ولا أنت يوم الحشر ممّن يشفع «٤» فعيشك في الدنيا وموتك واحد ... وعود خلال من وصالك أنفع ذكر أحمد بن الخطيب عند أبي العيناء فقال: إن دنوت منه عرّك «٥» وإن بعدت منه ضرك. فبلغ كلامه أحمد فقال: تفسيره أن حياته لا تنفع وموته لا يضرّ. وقيل لرجل: مات فلان فقال: من لم تنفع حياته لم تجزع وفاته: فبعدا لا انقضاء له وسحقا ... فغير مصابه الخطب العظيم

стр. 378

من لا يستحضر في المحافل ولا يعرج عليه الأماثل وقال الأخطل: أما كليب بن يربوع فليس لهم ... عند التفاخر إيراد ولا صدر «١» مخلفون ويقضي النّاس أمرهم ... وهم بغيب وفي عمياء ما شعروا الآكلون خبيث الزاد وحدهم ... والسائلون بظهر الغيب ما الخبر؟ وقيل: هادته وغيبته سواء «٢» وقال آخر: كزائدة الابهام خلف الرواجب «٣» وقال آخر: كزائدة النّعامة في الكراع قال عبدان: خرجنا غداة إلى نزهة ... وفينا زياد أبو صعصعه فستة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعه قال سحيم بن موسى: عن المكارم تنفى طيىء طردا ... نفي الزيوف أبتها كفّ منتقد «٤» المتعري من الإنسانية وصف أعرابي رجلا فقال: ليس فيه من الآدمية ألا أنه يسمى آدميا. وقال فتى لأبيه: مالي إذا أخذتم في الأشعار والأخبار تسلط على المنام. فقال: لأنك حمار في مسلاخ «٥» إنسان. ويقال فلان حارض بن حارض لمن لا خير فيه. ذم من لا يبالي بما ارتكب وصف أعرابي رجلا فقال: يهون عليه عظام الذنوب ويحسن في عينه قباح العيوب ولو كان في بني آدم سباخ أنه لمن سباخهم. قال المري: قوم إذا خرجوا من سوءة ولجوا ... في سوءة لم يخبّوها بأستار وقيل: من الأبيات الرائعة المعجبة التي لا أرباب لها قول الشاعر:

стр. 379

أن يغدروا أو يجبنوا ... أو يبخلوا لا يحفلوا وغدوا عليك مرجلين كأنّهم لم يفعلوا الموصوف بكثرة المساوىء قيل: مدفع المعائب ومجمع المثالب لو قذف على الليل لونه لانطمست نجومه. الأخطل: قوم تناهى إليهم كلّ فاحشة ... وكلّ مخزية سبّت بها مضر «١» قال أبو تمّام: مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطّلاق «٢» وقال زبينا النصراني: لي صاحب لست أحصي من محاسنه ... شيئا صغيرا ولا أحصي مساويه وليس فيه من الخيرات واحدة ... وأكثر السوء لإبل كلّه فيه قال ابن الرومي: معايب النّاس وسوآتهم ... قد جمعت لي منك في شخص قال ابن أبي عيينة: جمعت خصال الردي جملة ... وبعت خصال النّدى جملة وقال آخر: فما لك في الخير من خلّة ... وكم لك في الشرّ من خلّة «٣» قال ابن الحجّاج: مقابح فيك شتّى ... أوصافها لا تحّد ذمّ من لا يصلح لخير ولا شرّ قال بعضهم: فلان أملس ليس فيه مستقر لخير ولا شر، فقيل ذلك ميت الأحياء وقال حاجب بن زرارة ما هو برطب فيعصر ولا بيابس فيكسر، قال شاعر: مسيخ مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مرّ «٤»

стр. 380

كأنّك ذاك الذي في الضّروع ... بقادم أضرتها المنتشر وسمع رجل آخر يقول: أنت لم تأت قط بخير، فقال: إن لم آت بخير فقد أتيت بشر. وقد قيل إذا لم ترفع في الخير شعارا فارفع في الشر شنارا، ثم أنشد: إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما ... يرجى الفتى كيما يضرّ وينفع وهذا ضد قول القائل: خمول الذكر أسنى ... من الذكر الذّميم قال مروان بن أبي حفصة «١» : وما فعلت بنو مروان خيرا ... ولا فعلت بنو مروان شرّا قال أبو الفرج الأصبهاني: كأنّه التيس قد أودى به هرم ... فلا لحم ولا عسب ولا ثمن «٢» وسئل ابن عباس ﵄ عن رجل فقال: هو فصل لا حر ولا برد وهو عوسجة لا ظل ولا ثمر، وقال أبو علي ابن عبدوس الشيرازي: هم الكسوب فلا أصل ولا ثمر ... ولا نسيم ولا ظلّ ولا زهر ذمّ من لا يضرّ ولا ينفع قيل: فلان إن دنوت منه عرّك وإن تباعدت عنه ضرك، شرّه يفيض وخيره يغيض: وشرّك في البلاد يسيل سيلا ... وخيرك رمية من غير رام «٣» هو كالسمرة التي قلّ ورقها وكثر شوكها وصعب مرتقاها لا كالكرمة، التي حسن ورقها وطاب ثمرها وسهل مجتناها «٤» . لا يؤمن خباله «٥» ولا يرجى نواله «٦» حديثه غثّ «٧» وكلامه رثّ «٨» عيال في الجدب عدو في الخصب قليل الخير جمّ الضير «٩» . قال ابن الحجّاج: أعيذكم بالله من عصبة ... تباع مجّانا ولا تشترى فإنّكم من حيث ما استنشقت ... روائح الآمال فيكم خرا

стр. 381

وفي المثل يا عبرى مقبلة ويا سهري مدبرة وقيل أغيرة وجبنا: يا ليت حظّي من نداك الصافي ... والخير أن تركتني كفافي وقال آخر: ليت حظّي من أبي كرب ... سدّ عنّي خيره خبله وقال آخر: فراشة الحلم فرعون العذاب وإن ... تطلب نداه فكلب دونه كلب من يرضى منه أن يكفّ شرّه قيل: أسوأ ما في الكريم أن يمنعك نداه وأحسن ما في اللئيم أن يكفّ عنك أذاه، قال المتنبي في معناه: إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسان وإجمال ذمّ من يعادي أولياءه دون أعدائه قيل لمعاوية: ما النذالة؟ قال: الجراءة على الصديق والنكول «١» عن العدو. وذم أعرابي رجلا فقال: هو أقل الناس ذنوبا إلى أعدائه وأكثرهم تجرؤا على أصدقائه وأوليائه وكتب بعضهم عدوه بمعزل عنه وصديقه على وجل منه إن شهد عافه وإن غاب عنه خافه وفي الأقارب باب يقرب من هذا. من أخلف فيه الظنّ لنذالته قال أبو علي البصير كان ظنّي بك الجميل فألفي ... تك من كلّ ما ظننت بعيدا قيل لجعيفر: أن اقصد فلانا وسله. فقال: إنه قطوف عن الخيرات لا يثمر شجرة ولا يميه حجره. فقيل ليس كما تظنه فأتاه فلم ير منه طائلا فقال: له: يا فتى أخلف فيه الظ ... نّ من كلّ فنون لم يكن ظنّي بك ال ... خير ولكن خدعوني الموفي على كلّ لئيم قد كان لأم طفل لفّ في خرق، وقيل هو ألام من الذئب وفي ضده قيل هو أكرم من الليث ولؤم الذئب أنه يأخذه ما يعن له وإن كان شعبان والأسد يتلطف عن ذلك إذا شبع وقيل: لئيم راضع وذلك من باب البخل.

стр. 382

من لا يبالي بغضبه قيل لرجل: فلان غضب عليك. فأنشد: إذا غضبت تلك الأنوف لم أرضها ... ولم أطلب العتبى ولكن أزيدها قال ابن الرومي: غضبت وطلت من سفه وطيش ... تهزهز لحية في قدّ رفش فما افترقت لغضبتك الثريّا ... ولا اجتمعت لذاك بنات نعش وفي المثل: غضب الخيل على اللجم، ومما يضرب به المثل في ذلك قول المتنبي: وغيظ على الأيام كالنّار في الحشا ... ولكنّه غيظ الأسير على القدّ «١» وقيل: فلا سلّ من تلك الصدور قتادها قال أبو علي البصير: أبو جعفر كالناس يرضى ويغضب ... ويبعد في كلّ الأمور ويقرب ولكن رضاه ليس يجدي قلامة ... فما فوقها إذ سخطه ليس يرهب «٢» ويقرب من ذلك قولهم ما أبالي ما نهي من ضبك وما نضج وعكس هذا الباب قول جرير: إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت النّاس كلّهم غضابا «٣» وضيع ارتفع قيل: إذا استنسر البغاث «٤» حلت الأحداث، وقيل إذا ذهبت العتاق ارتفعت الدقاق «٥» ، وجاء ما لا يطاق. وقال أزدشير ما شيء أسرع في انتقال الدول من رفع وضيع إلى مرتبة شريف. قيل السفل إذا تعلموا تكبروا وإذا تمولوا استطالوا، والكرام إذا تعلموا تواضعوا وإذا افتقروا صالوا، وقيل لأن يسقط ألف من العلية خير من أن يرتفع واحد من السفلة. الاغتياظ لوضيع تعرض لرفيع لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم، منهن النصيحة لا

стр. 383

يأتيني شريف بوضيع لم يعرف شرفه إلا عاقبته ولا هل بحدث لم يعرف فضل سنه إلا عاقبته ولا عالم بجاهل عنته إلا عاقبته، فإنّما الناس أشرافهم وذوو سنهم وعلماؤهم، ووجد في كتب العجم أنّ بازيار الأبرويز أطلق شاهينه «١» على طائر فاخطأه فانقض على عقاب تراءت له فضربها ضربة أبان رأسها من جسدها، فأخذ البازيار الشاهين والعقاب وأتى به الملك ليعلمه بفعل الشاهين رجاء أن يسرّه بذلك وينال به مالا، فلما أخبره أخذ الشاهين من البازيار فقطف رأسه ثم التفت إلى وزرائه وأوليائه وقال يتكايدني أن أرى يدا دنيئة تسلّطت على يد رفيقة. وضيع يتعرض لرفيع لعجزه قال الأعشى: كناطح صخرة يوما ليوهنها ... فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل قال كشاجم: تبارزني ونفسك من رصاص ... وهل يبقى على النّار الرصاص «٢» من افتخر بما ليس عنده قيل لأبي عبيدة: أن الأصمعي قال: بينا أبي يساير سلم بن قتيبة على فرس قال أبو عبيدة: سبحان الله المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زورو والله ما ملك أبوه دابة إلا في ثوبه. وقيل فخر البغي يخدج زينتها فلان يفخر بغير نداه ويبجح «٣» بما في بطن سواه، قال طاهر بن الحسين: محارب يفرحون بعزّ قيس ... كما فرح الخصيّ بمن يقود وقيل: تجشّى لقمان من غير شبع. وقيل: ليس هذا بعشك فادرجي. وقيل: من فاته الدين والمروءة فرأس ماله العصيبة والتبجح بمال غيره، ورؤي رجل من نظارة السباق وقد سبق فرس وهو يظهر النشاط وفرط السرور والابتهاج، فقيل له أهو لك فقال: لا ولكن لجامه لي. وللمتنبي في نفي المفاخرة بما لغيره عن نفسه: وما أسرّ بما غيري الحميد به ... ولو حملت إليّ الدّهر ملآنا وقال الأجدع الهمداني وهو مما يتمثل به فيمن يتبجح بفعل لم يفعله بعد: وكيف افتخار القوم قبل لقائهم ... إلا أن ما بعد اللقاء هو الفخر الموصوف بأنواع من المعائب سئل بعضهم عن رجل فقال: هو غث في دينه، قذر في دنياه، رثّ في مروءته سمج

стр. 384

في هيئته منقطع إلى نفسه راض عن عقله، بخيل بما وسع الله عليه من رزقه، كتوم لما آتاه الله من فضله حلاف لجوج لا ينصف إلا صاغرا ولا يعدل إلا راغما، لا يرفع عن منزلة إلا ذلّ بعد تعززه فيها. وقال بعضهم فلان قليل الخير جم الضير عسيف السير كذوب الوعد خؤوف العهد قليل الرفد، وقال آخر هو صغير القدر قصير الشبر ضيق الصدر كثير الفخر ولئن كان للإنسان سبخ أنه لمن سبخ بني آدم، وذكر أعرابي رجلا فقال: لو أفلتت مخزنية لم تصل إلا إليه ولو نزلت لعنة لم تكن إلا عليه وقال إبراهيم بن المدبر في رجل له كبد مخنث وجسد نائحة وشره قواد، وذلّ قابلة وملق داية وبخل كلب وحرص نباش «١» وقحة مصلحى ونتن جورب ووحشة قرد، قال ابن الحجاج: نسيم حشّ وريح مقعدة ... ونفث أفعى ونتن مصلوب «٢» وقال ابن ثوابة لأبي العيناء أما تعرفني؟ فقال: أعرفك ضيق العطن «٣» لئيم الوطن نؤوما على الذقن. قال شاعر: النّاس من كدّتيك في تعب ... فم بذيء وفقحة غلمه «٤» والأصل نذل والدّين ذو دخل ... والأب فدم والأم متّهمه «٥» قال بعض الأدباء: أرى فيك أخرقا ولست بقائف ... ولكنّها لم تخف في متحدّث «٦» شمائل تيّاس وخفّة حائك ... وتقطيع طبّال وطيش مخنّث المشهور بالشؤم يضرب المثل في الشؤم بقدار وطويس ووافد عاد فأما قدار فعاقر ناقة صالح ﵇، وأما طويس فإنه كان يقول ولدت يوم توفي النبي ﷺ وفطمت يوم مات أبو بكر ﵁، وبلغت الحليم يوم قتل عمر ﵁، وتزوجت يوم قتل عثمان ﵁، وولد لي يوم توفي علي ﵁. ووافد عاد هو الذي بعثوه إلى الحرم ليستسقى لهم، فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرا يشرب الخمر وتغني له الجرادتان، ثم أتى جبال مهرة فقال: اللهم إني لم أجىء لفائت فأوديه، ولا لأسير فأفاد به ولا لمريض فأداويه، اللهم اسق عادا ما كنت تسقيه فعرضت لهم سحابة أهلكتهم.

стр. 385

وقيل أشأم من قاشر لفحل أرسل في إبل فماتت عن آخرها. وقيل هو من قولهم أبعث إليهم سنة قاشورة، تحتلق المال احتلاق النورة، وأشأم من داحس والغبراء وخبرهما مشهور. قال محمد بن حازم: لقاؤك للمبكر فال سوء ... ووجهك أربعاء لا تدور «١» وقال عمرو بن لحا: جريت ليربوع بشؤم كما جرى ... إلى غاية قادت إلى الموت داحس وقال إبراهيم بن سبأ: شؤمه يفلق الصخور فلو زا ... ر أبانا لهدّ ركني أبان «٢» وقال مخنث لآخر: يا وجه البوم وعين الزقوم «٣» ومقراض الآمال وجلم الآجال وقال الشاعر: يا سعد إنّك قد حجبت ثلاثة ... كلّ عليه منك وسم لائح وأراك تخدم رائعا لتبيده ... فارفق به فالشّيخ شيخ صالح وصف العائن بعينه ذكر بعض العلماء إن العين حق وإن النبي ﷺ أثبته، والهند والفرس تتدين به وكذلك اليونانيون. ويذكرون أنه بخار ينفصل من العين والجوف فيدخل في المعيون ولهذا كرهوا الأكل بين يدي السباع والكلب والسنور ورأوا أن يشغلوا السباع عند أكلهم بشيء يرمى به لئلا ينفصل بخار رؤيته فيؤثر في المعيون. قالوا ومثل تأثير العائن في المعيون نظر الرجل إلى العين المحمرة فتحمر عينه، والطامث تدنو من إناء اللبن لتسوطه «٤» فتفسده. وصعد سليمان بن عبد الملك المنبر يوم الجمعة وقد غلّف لحيته بالغالية. وقال أنا الملك الشاب فأصابته عين فما جمع بعدها. وكان المعدل بن غيلان العبدي شديد العين، دخل يوما على جعفر بن سليمان فاستحسن أكله فعانه. فاقشعرّ جلده فقال: لدمني المعدل بعينه فخرج عبد الله ابن جعفر ليقتله فطار واستخفى، وكتب إلى جعفر لو كنت أخشى أن أعينك قلعتها أتعين عيني نورها وكان ابن الزبير ومعاوية يتسايران فأبصرا راكبا من بعيد، فقال ابن الزبير: هو فلان فلما قدم كان إياه، فقال معاوية: ما أحسن هذه الحدّة مع الكبر. فقال: برك يا أمير المؤمنين،

стр. 386

فسكت فقال ابن الزبير: ما أحسن هذه الثنايا واطرأ هذه الوجه. فقال معاوية: برك فسكت فافترقا فشكا ابن الزبير عينه ثم شارفت الذهاب وسقطت ثنيتا معاوية فالتقيا بعد ذلك بسنة فقال معاوية: يا أبا بكر أينا أشوه فقال رجل: معين أصابته العين وشأنه ومشوه وشقذ شديد الإصابة بالعين. المذموم بأنه لو كان كذا لكان شره دخل أبو الأسود على ابن عباس ﵄ يجر رجله فقال: لو كنت بعيرا كنت ثقالا. فقال له أبو الأسود: ولو كنت راعي البعير لما بلغته الكلأ ولما حفظته من الضيعة وقيل لام بهلول كيف ترين ابنك؟ فقالت: قبحه الله لو كان داء ما برىء منه. قال: لو كنت ريحا كانت الدّبورا ... أو كنت غيما لم تكن مطيرا «١» أو كنت ماء لم تكن نميرا ... أو كنت بردا كنت زمهريرا أو كنت مخا كان مخّا ريرا «٢» وقال آخر: لو كنت ماء لم تكن بعذب ... أو كنت سيفا لم تكن بعضب «٣» أو كنت لحما كنت لحم كلب ضرب من الذمّ يقال يا كذا يا طيرة الشؤم ويا فأل التلف ... يا سوء كيل وغلاء وحشف «٤» قال أبو نواس: يا غراب البين في الشؤ ... م وميزاب الجنابه «٥» يا كتابا بطلاق ... وعزاء بمصابه يا مثالا من هموم ... وتباريح كآبه قال الناجم: يا قوة اليأس ويا ضعف الأمل ... يا كلّ مكروه وكرب وبخل يا حيرة المملق أعيته الحيل ... يا زحل الدهر ومرّيخ الدول «٦»

стр. 387

الحدّ الخامس في الأبوّة والبنوّة ومدحهما وذمّهما (١) فممّا جاء في البنين والبنات نفع الولد وحمده قال الله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً «١» وقال النبي ﷺ : إذا مات الرجل انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له. وقال حكيم في ميت: إن كان له ولد فهو حي وإن لم يكن له ولد فهو ميت؟ والعرب تسمّي من لا ولد له صنوبرا، ولهذا قالوا إن محمدا صنوبر، وقيل لحكيم: ما منفعة الولد؟ فقال: يستعذب به العيش ويهون به الموت. وقيل: خير ما أعطى الرجل بعد الصحة والامن والعقل ولد موافق من زوجة موافقة قال: ومتعة العيش بين الأهل والولد قال ابن أبي فنن في وصف شراب: أطيب في الأنف إذا ... جاءتك من ريح الولد وقيل لبعضهم: أيّ ريح أطيب؟ فقال: ريح ولد أربه وبدن أحبه. وفي الحديث: ريح الولد من رائحة الجنّة. قيل لبزرجمهر: ما السعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابن واحد فقال: الواحد يخشى عليه الموت. قال: لم تسألني عن الشقاوة. مضرّة الولد وذمّه قيل: لبعض الزهاد ألا تزوجت فريما يكون لك، خلف فقال: كفى بالتزهيد فيه قوله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ «٢» وقوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ «٣» وقال النبي ﷺ : الولد مبخلة مجبنة مجهلة. وقيل: قلة العيال أحد اليسارين. وقيل: قلة العيال كنز لا ينفد. وسئل حكيم عن ولده فقال: إن عاش كدّني وإن مات هدّني. وبشّر حسن البصري بابن فقال: لا مرحبا بمن إن كنت غنيا أذهلني وإن كنت

стр. 388

فقيرا أتعبني، ولا أرضى كدى له كدا ولا سعي له في الحياة سعيا، أهتم بفقره بعد وفاتي حين لا ينالني به سرور، ولا يهمه لي حزن، واصحر يوما فرآى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك، قال كل طير زاق. فقال الحسن: هلك المعيلون. قال ابن عباس ﵄ لرجل معه ولده: إن عاش فتنك وإن مات أحزنك وقد أحسن المتنبي في قوله: وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل وقيل: النكد كل النكد من رماه الأبد كل عام بولد. كون الولد مكسبا لأبويه بأفعاله قال النبي ﷺ : أنت ومالك لأبيك وقال ﷺ أولادكم كسبكم فكلوا من أموالهم. وناول عمر ﵁ رجلا شيئا فقال له: خدمك بنوك فقال: بل أغناني الله عنهم. شفقة الأبوين على الولد كان النبي ﷺ يخطب فطلع الحسن ﵁ يتخطى الناس فسقط فنزل النبي ﷺ فتناوله ثم رجع فقال: والذي نفسي بيده ما علمت كيف نزلت صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة. وضرب رجل وطولب بمال فلم يسمح به فأخذ ابنه وضرب فجزع فقيل له في ذلك فقال: ضرب جلدي فصبرت وضرب كبدي فلم أصبر. قال شاعر: وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض «١» من كره الموت شفقة على ولده قال شاعر: يقرّ بعيني وهو ينقص مدّتي ... مرور الليالي كي يشبّ حكيم مخافة أن يغتالني الموت قبله ... فينشو مع الصّبيان وهو يتيم وقال آخر: لقد زاد الحياة إليّ حبا ... بناتي إنهنّ من الضعاف مخافة أن يذقن اليتم بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف متحمل تعبا لأولاده قال شاعر: والله لولا صبية صغار ... وجوههم كأنّها أقمار لمّا رآني ملك جبار ... ببابه ما طلع النّهار ونحو هذا قولهم:

стр. 389

لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجا في حندس الظّلم «١» الأبيات وهي مذكورة في الحماسة. قال حطان بن المعلي: لولا بنيّات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض وقال معاوية ﵁ لولا يزيد لا بصرت رشدي. محبّة الولد وملاعبته كان رسول الله ﷺ يقبل الحسن فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الأولاد فما قبلت واحدا منهم، فقال النبي ﷺ : فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك. قال موسى ﵇: يا رب أي الأعمال أحب إليك؟ قال الطاف الصبيان فإنهم فطرتي وإذا ماتوا أدخلتهم جنتي. وقال كسرى لغيلان «٢» أي الأولاد أحب إليك؟ فقال: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يبرأ. كان عبد الله بن عمير يدخل معه سبعون ذكرا المقصورة فقيل له كيف حبك لجماعتهم؟ فقال: تفرق حب الأول عليهم وهذا من غريب الحب. محبّة الأب للابن وبغض الابن له قال زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃ لابنه: إنّ الله رضيني لك فأوصاك بي وحذرنيّ منك. وأجمعوا أن الولد البار أبر من الوالد لأن برّ الوالدين طبيعة وهذا واجب والواجب أبدا ثقيل. كتب إبراهيم بن داحة إلى أحد أبويه: جعلني الله فداءك. فكتب إليه لا تكتب بمثل هذا فأنت على يومي أصبر مني على يومك. إعجاب المرء بابنه قيل: زين «٣» في عين والد ولده ونحوه، وإن لم يكن من بابه من يمدح العروس إلا أهلها. قال أبو تمّام الطائي: ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون وقيل: شكت الخنفساء إلى أمها استقذار «٤» الناس إياها وإن من دنا منها يبزق

стр. 390

عليها، فقالت لها: إنهم لحسنك ونظافتك ينفثون عليك مخافة العين، أعيذك بالله. وقال أعرابي: يا ربّ مالي لا أحبّ حشوده ... وكلّ خنزير يحبّ ولده اعجاب المرء بأبيه في المثل: كلّ فتاة بأبيها معجبة. وقيل: من يطل أير أبيه ينتطق به. وحضر صالح العباسي مجلس المنصور وكان يحدثه ويكثر من قوله أبي ﵀، فقال له الربيع: لا تكثر الترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال له: ألومك فإنك لم تذق حلاوة الآباء. فتبسم المنصور وقال هذا جزاء من تعرض لبني هاشم. وقال أبو العيناء: ما أخجلني أحد كما أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن رجاء قلت له يوما أيبيعك أبوك منّي فإني أريد ابنا مثلك، فقال: البيع لا يمكن إن شئت أحمل أبي على امرأتك لتأتيك بولد مثلي. ومرّ الأخطل بالفرزدق وهو صبي فقال: أيسرّك أن أكون أباك فقال: ولكن يسرني أن تكون أمي ليأكل أبي من أطايبك. تفضيل كبار الولد وصغاره قيل: من سرّه بنوه ساءته نفسه وبذلك ألم الشاعرى فقال: نشا بنيّ فكان مثلى ... يلبس ما قد نزعت عنّي «١» فسرّني ما رأيت منه ... وساءني ما رأيت منّي وقال: إنّ بنيّ صبية صيفيّون ... أفلح من كان له ربعيّون وقيل: كان بين عمرو بن العاص وبين ابنه عبد الله اثنا عشر سنة في السن ولا يعلم أحد كان بينه وبين أبيه هذا القدر. فأما من بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة فعددهم كثير. وقال حماد بن إسحاق بن إبراهيم كان أبي أكبر مني بأربع عشرة سنة وأنا أكبر من ابني بأربع عشرة سنة والموفق أكبر من المعتضد بأربع عشرة سنة. وقال أنوشروان لرجل هرم: رآه يعمل هلا أدلجت؟ فقال: أدلجت ولكني أضللت والخبر مذكور في فصل النكاح وقيل ابنك ريحانك سبعا وخادمك سبعا ثم يصير عدوا ظاهرا أو شريكا مظاهرا وقيل لرجل أبطأ في التزوج فقال: أريد أن أسبق أولادي في اليتم قبل أن يسبقوني في العقوق. فضل الابن
следующие страницы →