← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فسكت فقال ابن الزبير: ما أحسن هذه الثنايا واطرأ هذه الوجه. فقال معاوية: برك فسكت فافترقا فشكا ابن الزبير عينه ثم شارفت الذهاب وسقطت ثنيتا معاوية فالتقيا بعد ذلك بسنة فقال معاوية: يا أبا بكر أينا أشوه فقال رجل: معين أصابته العين وشأنه ومشوه وشقذ شديد الإصابة بالعين. المذموم بأنه لو كان كذا لكان شره دخل أبو الأسود على ابن عباس ﵄ يجر رجله فقال: لو كنت بعيرا كنت ثقالا. فقال له أبو الأسود: ولو كنت راعي البعير لما بلغته الكلأ ولما حفظته من الضيعة وقيل لام بهلول كيف ترين ابنك؟ فقالت: قبحه الله لو كان داء ما برىء منه. قال: لو كنت ريحا كانت الدّبورا ... أو كنت غيما لم تكن مطيرا «١» أو كنت ماء لم تكن نميرا ... أو كنت بردا كنت زمهريرا أو كنت مخا كان مخّا ريرا «٢» وقال آخر: لو كنت ماء لم تكن بعذب ... أو كنت سيفا لم تكن بعضب «٣» أو كنت لحما كنت لحم كلب ضرب من الذمّ يقال يا كذا يا طيرة الشؤم ويا فأل التلف ... يا سوء كيل وغلاء وحشف «٤» قال أبو نواس: يا غراب البين في الشؤ ... م وميزاب الجنابه «٥» يا كتابا بطلاق ... وعزاء بمصابه يا مثالا من هموم ... وتباريح كآبه قال الناجم: يا قوة اليأس ويا ضعف الأمل ... يا كلّ مكروه وكرب وبخل يا حيرة المملق أعيته الحيل ... يا زحل الدهر ومرّيخ الدول «٦»

стр. 387

الحدّ الخامس في الأبوّة والبنوّة ومدحهما وذمّهما (١) فممّا جاء في البنين والبنات نفع الولد وحمده قال الله تعالى: آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً «١» وقال النبي ﷺ : إذا مات الرجل انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية وعلم ينتفع به وولد صالح يدعو له. وقال حكيم في ميت: إن كان له ولد فهو حي وإن لم يكن له ولد فهو ميت؟ والعرب تسمّي من لا ولد له صنوبرا، ولهذا قالوا إن محمدا صنوبر، وقيل لحكيم: ما منفعة الولد؟ فقال: يستعذب به العيش ويهون به الموت. وقيل: خير ما أعطى الرجل بعد الصحة والامن والعقل ولد موافق من زوجة موافقة قال: ومتعة العيش بين الأهل والولد قال ابن أبي فنن في وصف شراب: أطيب في الأنف إذا ... جاءتك من ريح الولد وقيل لبعضهم: أيّ ريح أطيب؟ فقال: ريح ولد أربه وبدن أحبه. وفي الحديث: ريح الولد من رائحة الجنّة. قيل لبزرجمهر: ما السعادة؟ قال: أن يكون للرجل ابن واحد فقال: الواحد يخشى عليه الموت. قال: لم تسألني عن الشقاوة. مضرّة الولد وذمّه قيل: لبعض الزهاد ألا تزوجت فريما يكون لك، خلف فقال: كفى بالتزهيد فيه قوله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ «٢» وقوله: إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ «٣» وقال النبي ﷺ : الولد مبخلة مجبنة مجهلة. وقيل: قلة العيال أحد اليسارين. وقيل: قلة العيال كنز لا ينفد. وسئل حكيم عن ولده فقال: إن عاش كدّني وإن مات هدّني. وبشّر حسن البصري بابن فقال: لا مرحبا بمن إن كنت غنيا أذهلني وإن كنت

стр. 388

فقيرا أتعبني، ولا أرضى كدى له كدا ولا سعي له في الحياة سعيا، أهتم بفقره بعد وفاتي حين لا ينالني به سرور، ولا يهمه لي حزن، واصحر يوما فرآى صيادا فقال: ما أكثر ما يقع في شبكتك، قال كل طير زاق. فقال الحسن: هلك المعيلون. قال ابن عباس ﵄ لرجل معه ولده: إن عاش فتنك وإن مات أحزنك وقد أحسن المتنبي في قوله: وما الدهر أهل أن يؤمّل عنده ... حياة وأن يشتاق فيه إلى النسل وقيل: النكد كل النكد من رماه الأبد كل عام بولد. كون الولد مكسبا لأبويه بأفعاله قال النبي ﷺ : أنت ومالك لأبيك وقال ﷺ أولادكم كسبكم فكلوا من أموالهم. وناول عمر ﵁ رجلا شيئا فقال له: خدمك بنوك فقال: بل أغناني الله عنهم. شفقة الأبوين على الولد كان النبي ﷺ يخطب فطلع الحسن ﵁ يتخطى الناس فسقط فنزل النبي ﷺ فتناوله ثم رجع فقال: والذي نفسي بيده ما علمت كيف نزلت صدق الله إنما أموالكم وأولادكم فتنة. وضرب رجل وطولب بمال فلم يسمح به فأخذ ابنه وضرب فجزع فقيل له في ذلك فقال: ضرب جلدي فصبرت وضرب كبدي فلم أصبر. قال شاعر: وإنّما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض «١» من كره الموت شفقة على ولده قال شاعر: يقرّ بعيني وهو ينقص مدّتي ... مرور الليالي كي يشبّ حكيم مخافة أن يغتالني الموت قبله ... فينشو مع الصّبيان وهو يتيم وقال آخر: لقد زاد الحياة إليّ حبا ... بناتي إنهنّ من الضعاف مخافة أن يذقن اليتم بعدي ... وأن يشربن رنقا بعد صاف متحمل تعبا لأولاده قال شاعر: والله لولا صبية صغار ... وجوههم كأنّها أقمار لمّا رآني ملك جبار ... ببابه ما طلع النّهار ونحو هذا قولهم:

стр. 389

لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجا في حندس الظّلم «١» الأبيات وهي مذكورة في الحماسة. قال حطان بن المعلي: لولا بنيّات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطّول والعرض وقال معاوية ﵁ لولا يزيد لا بصرت رشدي. محبّة الولد وملاعبته كان رسول الله ﷺ يقبل الحسن فقال الأقرع بن حابس: إنّ لي عشرة من الأولاد فما قبلت واحدا منهم، فقال النبي ﷺ : فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك. قال موسى ﵇: يا رب أي الأعمال أحب إليك؟ قال الطاف الصبيان فإنهم فطرتي وإذا ماتوا أدخلتهم جنتي. وقال كسرى لغيلان «٢» أي الأولاد أحب إليك؟ فقال: الصغير حتى يكبر والغائب حتى يقدم والمريض حتى يبرأ. كان عبد الله بن عمير يدخل معه سبعون ذكرا المقصورة فقيل له كيف حبك لجماعتهم؟ فقال: تفرق حب الأول عليهم وهذا من غريب الحب. محبّة الأب للابن وبغض الابن له قال زيد بن علي بن الحسين بن علي ﵃ لابنه: إنّ الله رضيني لك فأوصاك بي وحذرنيّ منك. وأجمعوا أن الولد البار أبر من الوالد لأن برّ الوالدين طبيعة وهذا واجب والواجب أبدا ثقيل. كتب إبراهيم بن داحة إلى أحد أبويه: جعلني الله فداءك. فكتب إليه لا تكتب بمثل هذا فأنت على يومي أصبر مني على يومك. إعجاب المرء بابنه قيل: زين «٣» في عين والد ولده ونحوه، وإن لم يكن من بابه من يمدح العروس إلا أهلها. قال أبو تمّام الطائي: ويسيء بالإحسان ظنّا لا كمن ... هو بابنه وبشعره مفتون وقيل: شكت الخنفساء إلى أمها استقذار «٤» الناس إياها وإن من دنا منها يبزق

стр. 390

عليها، فقالت لها: إنهم لحسنك ونظافتك ينفثون عليك مخافة العين، أعيذك بالله. وقال أعرابي: يا ربّ مالي لا أحبّ حشوده ... وكلّ خنزير يحبّ ولده اعجاب المرء بأبيه في المثل: كلّ فتاة بأبيها معجبة. وقيل: من يطل أير أبيه ينتطق به. وحضر صالح العباسي مجلس المنصور وكان يحدثه ويكثر من قوله أبي ﵀، فقال له الربيع: لا تكثر الترحم على أبيك بحضرة أمير المؤمنين، فقال له: ألومك فإنك لم تذق حلاوة الآباء. فتبسم المنصور وقال هذا جزاء من تعرض لبني هاشم. وقال أبو العيناء: ما أخجلني أحد كما أخجلني ابن صغير لعبد الرحمن بن رجاء قلت له يوما أيبيعك أبوك منّي فإني أريد ابنا مثلك، فقال: البيع لا يمكن إن شئت أحمل أبي على امرأتك لتأتيك بولد مثلي. ومرّ الأخطل بالفرزدق وهو صبي فقال: أيسرّك أن أكون أباك فقال: ولكن يسرني أن تكون أمي ليأكل أبي من أطايبك. تفضيل كبار الولد وصغاره قيل: من سرّه بنوه ساءته نفسه وبذلك ألم الشاعرى فقال: نشا بنيّ فكان مثلى ... يلبس ما قد نزعت عنّي «١» فسرّني ما رأيت منه ... وساءني ما رأيت منّي وقال: إنّ بنيّ صبية صيفيّون ... أفلح من كان له ربعيّون وقيل: كان بين عمرو بن العاص وبين ابنه عبد الله اثنا عشر سنة في السن ولا يعلم أحد كان بينه وبين أبيه هذا القدر. فأما من بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة فعددهم كثير. وقال حماد بن إسحاق بن إبراهيم كان أبي أكبر مني بأربع عشرة سنة وأنا أكبر من ابني بأربع عشرة سنة والموفق أكبر من المعتضد بأربع عشرة سنة. وقال أنوشروان لرجل هرم: رآه يعمل هلا أدلجت؟ فقال: أدلجت ولكني أضللت والخبر مذكور في فصل النكاح وقيل ابنك ريحانك سبعا وخادمك سبعا ثم يصير عدوا ظاهرا أو شريكا مظاهرا وقيل لرجل أبطأ في التزوج فقال: أريد أن أسبق أولادي في اليتم قبل أن يسبقوني في العقوق. فضل الابن

стр. 391

قيل: ابنك ابن بوحك أي الذي ولدته نفسك لا من تبنيته، ونحوه ابنك من دمى عقبيك أي من نفست به. وقال بعض العرب أن ابنك ابنك وابن أخيك ابنك وابن عمّك ابنك، وابنك ابن بوحك مصطبحا بصبوحك. وفي ضدّه ربّ ابن لم تلده. المادح ولده مدحا حسنا كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين: صف لي ابنك، فقال: ابني: إن مدحته ذممته وإن ذممته ظلمته، إلا أنه نعم الخلف لسيّده من بعده إذا اخترمت عبده منيته. فكتب إليه المأمون يا ذا اليمينين لم ترض بمدحه حتّى أوصيت به. وقال له يوما: أخبرني عن ابنك فقال: قدح في كفّ مثقف ليوم رهان أمير المؤمنين. وقيل لرجل صف ابنك، فقال: ولد الناس ابناء وأولدته أبا يحسن ما أحسن ولا أحسن ما يحسن. مدح أعرابي ابنه فقال: يا حبّذا روحه وملمسه ... أملح شيء ظلا وأكيسه الله يرعاه لي ويحرسه أولاد سخنت أعين آبائهم لتخلّفهم مات لعبد الملك ابن فجاء له آخر فعزّى أباه به، فقال: يا بني مصيبتي فيك أقدح في بدني من مصيبتي في أخيك. فقال: أمي أمرتني بذلك. فقال: يا بني إذا كانت الأبناء قرة أعين الوالدين فأنت قرة عين الشامتين. وبعث رجل ابنه ليشتري حبلا فقال: اجعله عشرين ذراعا فقال: في عرض كم؟ قال في عرض مصيبتي فيك يا بني. وقال أبو حنيفة: لشيطان الطاق وكان له ابن معتوه: إنك في بستان من ابنك. فقال: ذاك لو كان ابنك. وقيل: لصبيّ لم لا تتعلم الأدب؟ فقال: أخاف أن أكذب والدي لأنه قال لي أنك لا تفلح أبدا. وكان للمبرّد «١» ابن متخلف فقيل له يوما غطّ سوءتك «٢» فوضع يده على رأس ابنه. من كثرت أولاده فأنجب قيل: كان لعبد الله بن عمير سبعون ذكرا كلهم يطيقون حمل السلاح، وكانت فاطمة بنت الحوشب الإنمارية يقال لها أم الكملة وأم البنين بنت عامر ابن فارس ولدت عامر بن ملك وطفيل الخيل ومعاوية بن ملك معوذ الحكماء وسقط للمهلب لصلبه إلى الأرض

стр. 392

ثلاثمائة ولد وكان الرجل في الجاهلية إذا ولد له سبعة ولد تقنع وتمّ شرفه. وكان يقال فلان من المقنعين فمنهم حذيفة من بني بدر وعيينة وعلقمة بن الأحوص. وقال عبد الملك للفرزدق أي الحي «١» أكثر؟ فقال تميم: فقال: وأين طيىء؟ فقال: يا أمير المؤمنين لو أن نساء تميم بلن على جبل طيىء لغرقوا، فقال: صبي من طيىء كان حاضرا: يا أمير المؤمنين لو إنا سددنا مبال نساء تميم لكان يفضل كمر كثير. المشبه أباه وغير المشبهه قيل: من سعادة المرء أن يشبهه ابنه. وقيل: فلان ينظر عن عين أبيه ويبطش بيديه، وقال سعيد بن صمصمة يرقص ابنه: أحبّ ميمون أشدّ حبّ ... أعرف منه شبهي ولبّي ولبّه أعرف منه ربّي «٢» وقال قال بعض بني عبس: وإنّا نرى أقدامنا في نعالهم ... وآنفنا بين اللحى والحواجب وقال آخر: والله ما أشبهني عصام ... لا خلق منه ولا قوام محبّة البنات وتفضيلهن قال محمد بن جعفر بن محمد: البنات حسنات والبنون نعم والحسنات مثاب عليها والنعم مسؤول عنها وقال المدائني: قال وهب بن منبه من يمن المرأة أن تلد الأنثى قبل الذكر، إنّ الله بدأ بالإناث فقال: يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، دخل عمرو بن العاص على معاوية وعنده بنية له يلاعبها. فقال له: انبذها «٣» عنك يا أمير المؤمنين، فو الله انهن يلدن الأعداء ويقربن البعداء ويؤدين الضغائن «٤» فقال معاوية: لا تقل فما ندب الموتى ولا تفقّد المرضى ولا أعان على الحزن مثلهنّ. وولدت لأعرابية بنيّة، فقالت: وما عليّ أن تكون الجاريه ... تكنس بيتي وتردّ العاريه تمشّط رأسي وتكون الفالية ... وترفع الساقط من خماريه «٥» حتّى إذا ما بلغت ثمانية ... رديتها ببردة يمانيه «٦»

стр. 393

زوّجتها مروان أو معاوية ... أصهار صدق للمهور غاليه وقال آخر: بنيّتي ريحانة أشمّها ... فديت بنتي وفدتني أمّها وكان لمعن بن أوس ثمان بنات ويقول ما أحب أن يكون لي بهن رجال وفيهن قال: رأيت رجالا يكرهون بناتهم ... وفيهنّ لا تكذب نساء صوالح وفيهنّ والأيام يعثرن بالفتى ... عوائد لا يمللنه ونوائح كراهة البنات قال الله تعالى: وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ «١» وبشّر الأحنف بابنة فبكى فقيل له في ذلك فقال: وكيف لا تأخذني العبرة وهي عورة هديتها سرقة وسلاحها البكاء ومهنؤها لغيري. وولدت لأعرابي جارية اسمها حمزة فهجر أمها وبنته فسمع أمها يوما ترقصها وتقول: ما لأبي حمزة لا يأتينا ... غضبان أن لا نلد البنينا وإنّما يكره ما أعطينا فرجع إلى منزله وصالحها وطابت نفسه بها. وقال الحسين ﵁ والد بنت متعب ووالد بنتين مثقل ووالد ثلاث فعلى العباد أن يعينوه. وقال الزهري كانوا لا يرون على صاحب ثلاث بنات صدقة ولا جهادا والعرب لم تكن تأكل طعام صاحب البنات وقال: إذا ما المرء شبّ له بنات ... عصبن برأسه عنتا وعارا «٢» وسأل عمر بن عبد العزيز ﵁ نصيبيا عن حاله فقال: كبر سنّي ورق عظمي وبليت ببنات نفضت عليهنّ من لوني فكسدن علي، فبكى عمر ﵁ من قوله. فائدة موتها وتمنّيه قال النبي ﷺ نعم الختن «٣» القبر وقال دفن البنات من المكرمات ونظر أعرابي إلى بنت تدفن فقال: نعم الصهر صاهرتم. وكانوا إذا هنؤا بها قالوا أمنكم الله عارها وكفاكم مؤنتها وصاهرتم قبرها وقيل تقديم الحرم أفضل النعم وموت الحرة أمان من المعرّة، قال: ولم أر نعمة شملت كريما ... كعورته إذا سترت بقبر «٤»

стр. 394

وقال إسحاق بن خلف: تهوى حياتي وأهوى موتها شفقا ... والموت أكرم نزال على الحرم قال: وما ختن فينا أعف من القبر. تمنّي موت الأولاد قال أعرابي كان له أولاد: النّاس يعطون أموالا وميسرة ... وأنت أعطيتني يا ربّ صبيانا خذهم إليك فكلّ صار في خلق ... وأنت أعطيته يا ربّ عريانا قد كنت كلّفتهم في أمّهم ثمنا ... فخذهم عاجلا يا ربّ مجّانا وأد البنات «١» كانت العرب تئد البنات إلى أن جاء النبي ﷺ فنهى عن ذلك وأنزل الله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ «٢» ، ودخل قيس بن عاصم على النبي ﷺ فقال: إني وأدت اثنتي عشرة بنتا فما أصنع؟ فقال: اعتق عن كل موؤدة نسمة. فقال له أبو بكر ﵁: فما الذي حملك على ذلك وأنت أكثر العرب مالا؟ قال مخافة أن ينكحهن مثلك. فتبسم رسول الله ﷺ وقال هذا سيد أهل الوبر. وقال قيس ما ولدت لي ابنة إلا وأدتها سوى بنية ولدتها أمها وأنا في سفر فلما عدت ذكرت أنها ولدت ابنة ميتة، فأودعتها أخوالها حتى كبرت، فادخلتها منزلي متزينة فاستحسنتها فقلت من هذه؟ فقالت هذه ابنتك. وهي التي أخبرتك أنني ولدتها ميتة، فأخذتها ودفنتها حيّة وهي تصيح وتقول أتتركني هكذا؟ فلم أعرج عليها فقال: ﷺ : من لا يرحم لا يرحم. سياسة الولد وتأديبه قال النبي ﷺ : إذا بلغ أولادكم سبع سنين فمروهم بالطهارة والصلاة، وإذا بلغوا عشرا فأضربوهم عليها وإذا بلغوا ثلاثة عشر ففرقوا بينهم في المضاجع. وقيل لاعب ابنك سبعا وعلمه سبعا وجالس به إخوانك سبعا يتبين لك أخلف هو بعدك أم خلف. حقّ الولد على الوالد قال النبي ﷺ : من حق الولد على الوالد أن يحسن اسمه ويحسن كنيته وأدبه وأن يعفه إذا بلغ وقال ﷺ : حق الولد على الوالد أن يعلمه كتاب الله والسباحة والرمي. وقال رجل لأبيه يا أبت إن أعظم حقك علي لا يذهب بصغير حقي عليك وأن الذي تمت به إليّ

стр. 395

أمت بمثله إليك ولست أزعم أنهما سواء، ولكن لا يحل الاعتداء. حقّ الوالدين على الولد والحثّ على مراعاته قال الله تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً «١» وقال تعالى: فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ «٢» ولو علم الله أدنى من أف لنهى عنه. وقال النبي ﷺ إنّ الوالد باب من أبواب الجنة فاحفظ ذلك الباب. وقال رجل للنبي ﷺ إني أريد الغزو فقال ﵊: أحي أبواك قال نعم قال ففيهما فجاهد وقال ﵊: لآخر: هل لك من أم. قال نعم قال الزمها وإن مفتاح الجنة تحت رجليها. وقال الحسن حق الوالد أعظم وبرّ الوالدة ألزم. حقيقة برّهما سئل الحسن ﵁ عن برّ الوالدين فقال: أن تبذل لهما ما ملكت وتطيعهما في ما أمراك ما لم يكن معصية، والدلالة على ذلك قوله تعالى: وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً «٣» . وصف بررة قيل لعلي بن الحسين ﵄: إنّك من أبر الناس بوالدتك ولسنا نراك تأكل معها قال إني أخاف أن أسبقها إلى شيء سبقت عينها إليه فأعقّها بذلك، وقيل لعمرو بن ذر لما مات ابنه: كيف برّه بك قال ما ماشيته قط بالنهار إلا مشى خلفي ولا بالليل إلا مشى أمامي ولا رقي سطحا أنا تحته. وقيل كان أعرابي يحمل أمه على ظهره ويطوف بها وينشد: أحمل أمّي وهي الحمّاله ... ترضعني الدرة والعلاله ولا يجازي أحد فعاله وقيل: في المثل أبرّ من الهرة. وصف عققة قيل الولد: العاق إن مات نغصّك وإن عاش نقصّك. وقال بعضهم لابن له عاق أنت كالإصبع الزائدة إن تركت شانت وإن قطعت آذت، وقيل: أعظم الأسف سوء الخلف العقوق ثكل من لا يثكل. قيل لأعرابي كيف ابنك؟ قال هو عذاب رعف به الدهر وبلاء لا يقاومه الصبر وفائدة لا يجب بها الشكر.

стр. 396

وكان لمنازل بن فرعان ابن يقال له خلنج فعق والده فقدمه إلى والي اليمامة فقال: تظلّمني حقّي خلنج وعقّني ... على حين كانت كالحني عظامي «١» لعمري لقد ربيّته فرحا به ... فلا يفرحن بعدي امرؤ بغلام قال فأراد الوالي ضربه فقال الابن للوالي: لا تعجل على هذا منازل بن فرعان الذي يقول فيه أبوه: جزت رحم بيني وبين منازل ... جزاء كما يستنزل الدين طالبه (الأبيات) : وهي في الحماسة فقال الوالي: يا هذا عققت وعققت. قال: إنّ بنيّ خيرهم كالكلب ... أبرّهم أولعهم بسبّي «٢» فليتني كنت عقيم الزب ... وليتني متّ بغير عقب «٣» وقيل: في المثل أعق من ضب. احتجاج عاقّ لعقوقه قيل لبعض الفلاسفة: لم تعق والديك؟ قال لأنهما أخرجاني إلى الكون والفساد، وقال العتبي لابن له صغير: يا بنّي أعرف وصية الله إياك بي. فقال: يا أبت وأنت أعرف وصيته إياك بي. واستجز الأولى بالأخرى وضرب رجل أباه فقيل له: أما عرفت حقه؟ قال لا لأنه لم يعرف حقي قيل فما حق الولد على الوالد قال أن يتخير أمه ويحسن اسمه ويختنه ويعلمه القرآن ثم كشف عن عورته فإذا هو أقلف «٤» وقال اسمي برغوث ولا أعلم حرفا من القرآن وقد استولدني من زنجية فقيل للوالد احتمله فإنك تستاهل. المعارض أبويه فيما ادعيا من حقوقهما عليه بسخف جفا جحا أمه فقالت هذا جزائي وقد حملتك في بطني تسعة أشهر فقال: ادخلي في استي حتى أحملك سنين وخلصيني وقالت امرأة لابنها هذا جزائي وقد أرضعتك سنين فقال: ارتجعي عن دورقين لبنا دورقين مخيضا واعفيني. المناقض أباه فيما ادّعى عليه من فساد أمه غضب الرشيد يوما على المأمون فقال: يا ابن الزانية فقال المأمون: الزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك. وقال أبو العيناء مثل ذلك لابنه فقال: لقد كنت والله أحفظ لأهلك من

стр. 397

أبيك لأهله. وعيّر رجل ابنه بأمه فقال: هي والله خير لي منك لأنها أحسنت لي الاختيار فولدتني من حر وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمه. المعارض أباه في السبّ كان لحنظلة النميري ابن عاق يقال له مرة، فقال: له يوما: يا مرة إنك لمر، فقال: أعجبتني حلاوتك يا حنظلة، فقال: إنك خبيث كاسمك فقال: أخبث منّي من سماني به، فقال: كأنك لست من الناس فقال: من أشبه أباه فما ظلم. فقال: ما أحوجك إلى أدب. فقال: الذي نشأت على يده أحوج إليه منّي، فقال: عقمت أم ولدتك. فقال: إذ ولدت من مثلك. فقال: لقد كنت مشؤوما على اخوتك دفنتهم وبقيت. فقال: أعجبني كثرة عمومتي. فقال: لا تزداد إلا خبثا. فقال: لا يجتني من الشوك العنب. وقال عبد الله بن صفوان لابنه يا لكع. فقال: أما يشبه الرجل أباه فمهما كان من حسن وقبيح فمنك تولده وفعلك جالبه. وقال رجل لابنه ما أطيب الثكل يا بني فقال: الابن اليتم أطيب منه يا أبت. اختيار الأمّهات للأولاد قال أبو الأسود لبنيه: أحسنت إليكم قبل أن ولدتم وبعده قالوا كيف أحسنت قبل الولادة؟ فقال: لأني اتخذت أمهاتكم من حيث لا تعابون به. قال شاعر: حميت على الأولاد اطهار أمّهم ... وبعض الرجال المدّعين جفاء وقال آخر: تخيرتها للنسل وهي غريبة ... فجاءت به للنّسل خرقا سميدعا «١» تأثير أجناس الأمهات في الأولاد سئل بعضهم عن ولد الرومية فقال: صلف معجب بخيل. قيل: فولد الصقلبية. قال: طفس «٢» زنيم «٣» ، قيل فولد السوداء قال: شجاع سخي، قيل فولد الصفراء قال: هم أنجب أولادا وألين أجسادا وأطيب أفواها، قيل فولد النوبية قال: فاسق زان، قيل فولد العربية قال: أنف حسود، قيل فولد اليهودية قال: دغل قذر، قيل فولد الفارسية قال: مكر وخديعة. وقيل لم نر أما حمقاء أنجبت إلّا أم النعمان بن المنذر وأم هشام ابن عبد الملك، قال: فلو كنتم لمكيسة أكاست ... وكيس الأم يعرف في البنينا وقال عبد الله بن زياد لم يكن جنين في بطن حمقاء تسعة أشهر إلا خرج مائقا.

стр. 398

ضواية الولد من بنات العمّ روي في الخبر اغتربوا لا تضووا. قال شاعر: وقد يضوى وليد الأقارب «١» ونظر عمر ﵁ إلى قوم من قريش صغار الأجسام فقال: ما لكم صغرتم؟ قالوا قرب أمهاتنا من آبائنا قال صدقتم اغتربوا فتزوجوا في البعداء فانجبوا. قال شاعر: ليس أبوه بابن عمّ أمه وقال آخر: أنذر من كان بعيدا لهم ... تزويج أولاد بنات العم فليس ناج من ضوى وسقم وقال العتبي: تزوج أهل بيت بعضهم في بعض فلما بلغ البطن الرابع بلغ بهم الضعف إلى أن كانوا يحبون حبوا لا يستطيعون القيام ضعفا. وفي ضده قال أزدشير: تزوجوا في الأقارب فإنه أمس للرحم وأثبت للنسب وهذا مبنيّ على مذهب المجوس. أولى الأبوين بتفقّد الولد تنازع أبو الأسود الدؤلي وامرأته في ابن لهما وكل واحد منهما يقول أنا آخذه، فقال: أبو الأسود حملته قبل أن حملته ووضعته قبل أن وضعته، فقالت امرأته حملته خفّا وحملته ثقلا ووضعته شهوة ووضعته كرها. وكان حجري فناءه وبطني وعاءه وثديي سقاءه. فدفع الولد إلى أمه. الرضاعة قال النبي ﷺ : يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. قالت عائشة ﵂: دخل علي ابن أبي القعيس «٢» فاستترت منه فقال: تستترين مني وأنا عمك قالت من أين قال أرضعتك امرأة أخي قلت إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل. فدخل رسول الله ﷺ فحدثته فقال: إنه عمك فليلج عليك وقال ﷺ : لا تحرم المصة ولا المصتان ولا الإملاجة «٣» ولا الإملاجتان. مدّة الرضاع سنتان وإذا فطم الصبيّ قبل ذلك يقال له مختل قال الله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ «٤» لمن أراد أن يتم الرضاعة

стр. 399

وقال الصاحب في سبطه عباد الحسنى وكان أبلغ أنه فطم قبل حين الفطم: يا ربّ لا تخلني من صنعك الحسن ... يا ربّ حطّني في عبادك الحسن إن كان قد فطموه قبل موعده ... لا بأس فهو رضيع المجد لا اللبن وله: لئن فطموه عن رضاع لبانه ... لما فطموه عن رضاع المكارم «١» تأثير الرضاع في الأولاد والحثّ على اعتباره نهى النبي ﷺ عن رضاع الحمقاء، وقال لا تسترضعوا الحمقاء فإن الولد ينزع إلى اللبن. وقال عبد الملك إياك وحضانة الرعناء ورضاعة الورهاء. وقال رجل في وصف آخر نسبة إلى الرعونة كيف لا يكون أرعن وقد أرضعته فلانة وو الله أنها كانت تزق الفرخ فأرى الرعونة في طيرانه. وقيل أن الحسن البصري ﵀ عليه كانت أمه تغشى أم سلمة ﵂ على ثديها فدرت عليه من لبنها فورث منه علمه وفصاحته وإنما قالت العرب لله دره إشارة إلى أنه أرضعته من أورثته الفضائل لا الرذائل. اليتم قال النبي ﷺ : لا يتم بعد حلم واليتيم من الناس من فقد أباه، ومن البهائم من فقد أمه، والعجمي من الناس من فقد أمه واللطيم من فقد أبويه، وقال ﷺ : ما بيت بر ولا مدر أكرم من بيت فيه يتيم، قتادة في قوله تعالى: فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ «٢» ، أي ينتهره. بلوغ الصبيان بلوغ الصبي بالاحتلام أو استتمام خمس عشرة سنة، وبلوغ الجارية الحيض أو استكمال خمس عشرة سنة، والإنبات بلوغ في الكفار دون المسلمين. وقال أمير المؤمنين لا يلقح الغلام حتى يتفلك «٣» ثدياه ويسطع ابطاه. (٢) وممّا جاء في ممادح الأبوة ومذامّها اعتبار الأب قيل: نجل الجواد جريه يتقيّل «٤»

стр. 400

وقال آخر: وابن السّرى إذا سرى أسراهما «١» وقال آخر: ألا إنّ غصن الدّوح للدّوح تابع وقال عدي بن أرطاة لأياس: دلّني على قوم من القرّاء أوليهم، فقال: القراء ضربان ضرب يعملون للدنيا فما ظنك بهم وضرب يعملون للآخرة فلا يعملون لك ولكن عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لا حسابهم قولهم. قال الحسن ﵀ لعمر بن عبد العزيز عليك بذوي الأحساب فإنهم إن لم يتقوا استحيوا وإن لم يستحيوا تكرّموا. الممدوح بأنه من أصل شريف مدح أعرابيّ رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره ومن ماء لا يخاف كدره. قال مصعب: كأنّك جئت محتكما عليه ... تخيّر في الأبوّة ما تشاء وقال آخر: هم حلّوا من الشّرف المعلّى ... ومن حسب العشيرة حيث شاؤوا «٢» قال أبو تمّام: نسب كان عليه من شمس الضّحى ... نورا ومن فلق الصّباح عمودا وقال آخر: نمته بدور ليس فيهنّ كوكب ودخل بعض أولاد ابن الزبير على سليمان بن محمد فجلس على نمرقة «٣» فاغتاظ من ذلك، وقال من أجلسك ههنا قال صفية بنت عبد المطلب فسكن غضبه. من تمنّى كلّ قوم كونه منهم لشرفه قال الفرزدق: أرى كلّ قوم ودّ أكرمهم أبا ... إذا ما انتمى لو كان منّا أوائله قال مسلم: وكم عائب لي ودّ أني ولدته ... وإن كرمت أعراقه وزكا الأصل المسابق أباه في ابتناء علاه قال الربيع جلس المنصور يوما فقال: من يصف صالحا ابني وقد رشحه لأن

стр. 401

يوليه بعض أموره فكلهم هاب المهدي فقال: شبة بن عقال لله دره ما أفصح لسانه وأمضى جنانه وأبلّ ريقه وأسهل طريقه وكيف لا يكون كذلك وأمير المؤمنين أبوه المهدي أخوه ثم أنشد: هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدما من صالح سبقا فقال المنصور «١» : ما رأيت مثل مخلصه مدحه وأرضاني وسلم من المهدي «٢» . قال زهير: وما يك من خير أتوه فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل قال الأحنف: إنّ زهيرا ألقى على المادحين فضول الكلام بهذا البيت. ذكر أشراف توالوا في الخبر الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم صلوات الله عليهم ليس في الأرض خمسة أشراف متناسقة كتب عنهم الحديث إلا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم الرضوان، ولا أربعة إلا محمد بن علي بن عبد الله بن العباس ﵃ وكان قيس بن عبادة بن دلهم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف سبعة أجواد يتلو بعضهم بعضا ليس بينهم فرق ولا فضل. المشابه أباه في علاء ابتناه شنشنة أعرفها من أخزم «٣» قال عمرو بن سراقة: ومكرمة كانت سجيّة والدي ... فعلّمنيها والدي فعلمتها وقال شاعر: وإنّ امرأ في الفضل أشبه جدّه ... ووالده الأدنى لغير ظلوم قال أبو الغمر: تشابهوا في العلا حتّى كأنّهم ... لم يفتقد لهم ميت ولا افترقوا

стр. 402

وقيل: أصل راسخ وفرع شامخ. محمد بن وهيب: وليس بديعا بأن تحتذي ... مذاهب آسادها الأشبل ونحوه لعماءة بن عقيل: وهل يشبه الأشبال ألا أسودها وقال بعض المحدثين: أنت غصن من ذلك المنبت الزا ... كي ونصل من ذلك الفولاذ من مكارمه تدلّ على كرم سلفه قال أبو تمّام: فروع لا ترّف عليك إلا ... شهدت بها على طيب الأروم وفي الشّرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على الشرف القديم قال أبو هفان: لا تنظرنّ إلى امرىء ما أصله ... وانظر إلى أفعاله ثمّ احكم «١» المستغني بنفسه عن شرف آبائه دخل البحتري على بعض العلوية فسأله حاجة بعد حاجة، فأجابه إلى كل ما التمس فأثنى عليه فقال: بعض من حضر كيف لا يعطى وهو من منصب الفضل، فقال: لا توجبنّ لكريم أصلك منة ... لو كنت من عكل لكنت كريما «٢» قال دعبل: لو لم تكن لك أجداد تنوبهم ... إلا بنفسك نلت النجم من كثب قال عامر بن الطفيل: وإني وإن كنت ابن فارس عامر ... وفي السرّ منها والصّميم المهذّب فما سوّدتني عامر عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب قال المتنبيّ: ويغنيك عمّا ينسب النّاس أنه ... إليك تناهى المكرمات وتنسب وله: خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به ... في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل «٣»

стр. 403

من تشرّف به آباؤه ولم يتشرّف بهم قال الفرزدق: وإن تميما كلّها غير سعدها ... زعانف لولا عزّ سعد لذلّت فقيل لقد وضع من قومه أكثر مما رفع من نفسه. قال علي بن جبلة: فما سوّدت عجلا مآثر قومه ... ولكن به سادت على غيرها عجل فغير عليه هذا المعنى وقيل غض عن حسبه ونقص من شأن نفسه واقتدى المتنبي به فقال: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي فخرت لا بجدودي أنشد الحسن يوما: لولا جرير هلكت بجيله ... نعم الفتى وبئست القبيله فقال الحسن: أمدحه أم ذمه فقيل مدحه وذم قومه فقال: ما مدحة من ذم قومه وما فضل الولد على الوالد بأحسن من قول المتنبي حيث يقول: فإن تكن تغلب العلياء عنصرها ... فإن في الخمر معنى ليس في العنب وقوله أيضا: فإنك ماء الورد إن ذهب الورد من ازداد شرف آبائه به ولو علم الشيخان أدّ ويعرب ... لسرت إذا تلك العظام الرمائم قال الخوارزمي: هو ابن الرئيس والعميد كليهما ... وفوقهما قدرا وإن كان منهما وقد يوقد الزندان نار المقابس ... فتضحي من الزّندين أعلى وأعظما «١» قال ابن الرومي: وكم أب قد علا بابن ذرى شرف ... كما علت برسول الله عدنان يسمو الرجال بآباء وآونة ... يسمو الرجال بأبناء وتزدان من زان شرف أبيه بفعله قال شاعر: زانوا قديمهم بحسن حديثهم ... وكريم أخلاق بحسن وجوه «٢»

стр. 404

قد زيّنوا أحسابهم بسماحهم ... لا خير في حسن بغير سماح «١» المزيّن أباه والمتزيّن به قال أبو تمّام: وحسب امرىء أنت امرؤ آخر له ... وحسبك فخرا أنّه لك أوّل وقال الخبزارزي: فطوبى لقوم أنت فارع أصلهم ... وطوباك إذ من أصلهم أنت فارع «٢» المتزيّن بمكانه النّاس قاطبة قال المتنبيّ: تشرّف عدنان به لا ربيعة ... وتفتخر الدّنيا به لا العواصم وقال آخر: يا زينة الدّين والدّنيا إذا احتفلا ... وأظهرا ما أعداه من الزّين لا اعتداد بمن شرف أصله ولم يشرّف بنفسه قال الأحنف: من فاته حسب بدنه فلا حسب له. وقيل: الشرف بالهم العالية لا بالرمم «٣» البالية. وقال أبو وائل لرجل شريف الأصل دنيء النفس: ما أحوج عرضك إلى أن يكون لمن يصونه فيكون فوق من أنت اليوم دونه. وقال أرسطوطاليس: إذا كان الإنسان خسيس «٤» الأبوين شريف النفس كان خسة أبويه زائدا في شرفه وإذا كان شريف الأبوين خسيس النفس كان شرف أبويه زائدة في خسته. وقال الصاحب: شرف نفسي خير من شرف رمسي وعصامي خير من عظامي يعني قول النابغة: نفس عصام سوّدت عصاما ويعني بعظامي قول الآخر: إذا ما الحيّ عاش بعظم ميت ... فذاك العظم حيّ وهو ميت وقال ابن الرومي: وما الحسب الموروث لا درّ درّه ... لمحتسب إلا بآخر مكتسب

стр. 405

إذا الغصن لم يثمر وإن كان شعبة ... من المثمرات اعتدّه الناس في الحطب «١» وقال ببغاء: إذا المرء لم يبن افتخارا لنفسه ... تضايق عنه ما ابتنته جدوده ولا خير في من لا يكون طريفه ... دليلا على ما شاد قدما تليده «٢» وقال آخر: وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النّفس من باهله «٣» عذر من شرفت نفسه ولم يشرف أصله وقال سقراط: لرجل عيره بحسبه حسبي مني ابتدأ وحسبك إليك انتهى. وقال آخر: قومي عار عليّ وأنت عار على قومك، وطعن في حسب رجل آخر فقال: لئن يكون حسبي عيبا عليّ أصلح من أن أكون عيبا على حسبي، وقيل: لئن يكون الرجل شريف النفس دنيء الأصل أفضل من أن يكون دنيء النفس شريف الأصل، ألا ترى أن رأس الكلب خير من ذنب الأسد. عذر دنيء قصّر عن أفعال آبائه الأشراف قيل لرجل: من ولد بشر بن مروان وكان مأبونا إن أباك كان سهما من سهام المسلمين وسيفا لآل رسول الله ﷺ ، فقال: وأنا جعبة من جعابهم وغمد لسيوفهم. قال الأصمعي ﵀: دخلت خضراء روح بن زنباع فإذا أنا برجل من ولده يفسق به في موضع كان أبوه يهب فيه المال ويضرب فيه أعناق الرجال، فقلت يا فضيحة. هذا موضع كان أبوك يهب فيه، فأنشد: ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصّنيعا إذا الحسب الرفيع تعاورته ... ولاة السّوء أوشك أن يضيعا وقيل لحكيم: كان أبوك أجمل منك وأعقل وأفضل فقال: لأني كنت به ولم يكن بي فهو أولى بالكمال مني. وخطب أبو العذري إلى رجل من بني تميم ابنته، فقال: لو كنت مثل أبيك زوّجتك. فقال: لو كنت مثل أبي لم أخطب إليك. قيل لرجل من الأعراب: ما أشبهت أباك، فقال: لو أشبه كلّ رجل أباه كنا كآدم.

стр. 406

من أخذ سوء خصال أبيه قيل لرجل: كان أبوك أقبح الناس خلقا وأحسنهم خلقا، وكانت أمك أحسن الناس وجها وأقبحهم خلقا، فأخذت قبح أبيك وسوء خلق أمك، فيا جامعا مساوىء أبويه. وقال آخر: إنما أنت كالبغل يأخذ أسوأ خصال الفرس والحمار. وكان عمارة بن عقيل قال: والله لأتزوجن امرأة جميلة يخرج ولدها على جمالها وفطنتي، فتزوج برعناء «١» فجاءت بابن في رعونتها ودمامته. ذمّ من قصّر عن آبائه ذمّ رجل آخر فقال: هو مزبلة بين جبلين أي دنىء من رفيعين. وقال علي بن الجهم: فإن تكن منهم بلا شكّ فللعود قتار «٢» وقال آخر: فإن قلتم كعب أبونا وأمّنا ... فأيّ أديم ليس فيه أكارع «٣» وقال آخر: لئن فخرت بآباء لهم شرف ... لقد صدقت ولكن بئسما ولدوا وقال آخر: إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكنّ الفعال فعال عكل «٤» وقال أبو خالد، يهجو خالد بن يزيد المهلبي ويمدح أباه، ولم يجتمع هذان المعنيان لأحد كما اجتمعا له: أبوك لنا غيث نعيش بسيبه ... وأنت جواد لست تبقي ولا تذر «٥» وله فيه: أيا عجبا نبعة أنبتت ... خلافا وريحانة بقلة «٦» وله: خالد لولا أبوه ... كان والكلب سواء

стр. 407

وقال الحارثيّ في معناه: شريف بجدّيه وضيع بنفسه ... لئيم محيّاه كريم المركب «١» وأخذه أبو تمّام فقال: يا أكرم الناس آباء ومفتخرا ... وألأم النّاس مبلوّا ومختبرا ونظر رجل إلى ابن دنىء عن أب شريف، فقال: سبحان الله من قائل: يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ «٢» ، ونظر خالد بن صفوان إلى لئيم النفس كريم الأبوين، فقال: فلا يعجبنّ الناس منك ومنهما ... فما خبث من فضّة بعجيب ذمّ من شأن آباءه الكرام بلؤمه قال إبراهيم بن العباس: لئن لحقت بأبناء الكرام به ... لقد تقدّم أبناء اللئام بكا وقال أبو حنش: لئن كان معن زان شيبان كلّها ... لقد شان روح كلّ آل مهلّب «٣» من لم يعتدّ بشرف النفس ما لم يضامه أبوه سمع عمر بن أبي ربيعة قول القائل: كن ابن من شئت واتّخذ أدبا ... يغنيك موروثه عن النّسب فقال اسكت فلا فخر، ثم أنشأ يقول: لا فخر إلا فخار منتخب ... يسمو بأمّ كريمة وأب من يخزى من ذكر آبائه سئل رجل عن نسبه، فقال: أنا ابن أخت فلان، فقال أعرابي: الناس ينتسبون طولا وأنت تنتسب عرضا. قال أبو محمد الترمذي: قلت وأدغمت أبا خاملا ... أنا ابن أخت الحسن الحاجب وقال دعبل: سألته عن أبيه ... فقال دينار خالي فقلت دينار من هو ... فقال والي الجبال

стр. 408

ولعبد الله بن سليمان في فصل إلى إسماعيل بن بلبل وإن من كان بلبلا أبوه لجدير أن يفضّ فوه «١» ليخرس عن تشقيق الكلام وتزويق الكتب بالكذب والآثام. من نسب أبوه إليه قال عبدان: أرى الآباء ينتسبون جهلا ... إلى الأبناء من فرط النّذاله ونازع عبد الله بن مسعدة عمرو بن هبيرة، فقال: يا واحد ابن واحد عرفت بأبيك فنسبت إليه وعرف أبوك بك فنسب إليك. من لا يعتدّ بأبيه قال الأخطل: فإذا وضعت أباك في ميزانهم ... قفزت حديدته إليك فشالا «٢» ولبعض شعراء أصبهان ويعرف بمحمد بن عبد الله بن كسبر: تبجّح بالكتابة كلّ وغد ... فقبحا للكتابة والعماله أرى الآباء نسبتهم جميعا ... إلى الأبناء من فرط النّذاله كون الابن جاريا مجرى الأب العصا من العصية هل تنتج الناقة إلا لمن لقحت له. قال زهير: وما يفعلوا من فعل صدق فإنّما ... توارثه آباء آبائهم قبل وهل ينبت الخطيّ إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النّخل وقال الربيع اليهودي: وفي أرومته ما ينبت العودا وقال الأعشى: العود يعصر ماؤه ... ولكلّ عيدان عصاره هل تلد الحيّة إلا حيّة وقال الحميري: كيف تأتيك بخير ... بيضة من بيض حيّة أشبه الفرخ أباه ... والعصا من العصيّه «٣»

стр. 409

وقيل: فلان لا أصل له ولا فصل، فالأصل الوالد والفصل الولد. وقال ظفر بن الحرث العبدلي: وإنّ أحقّ الناس أن لا تلومه ... على الشرّ من لم يفعل الخير والده إذا المرء ألفى والديه كليهما ... على اللؤم فاعذره إذا خاب رائده «١» قوم تشابهوا في اللؤم قال كثيّر عزة: سواء كأسنان الحمار فما ترى ... لذي كثرة منهم على ناشىء فضلا وقال آخر: إذا ما قلت أيّهم لأيّ ... تشابهت المناكب والرؤوس وقال آخر: بلوناهم واحدا واحدا ... وجدناهم الكلّ كالواحد فلا ذرأ الربّ ولدانهم ... ولا بارك الربّ في الوالد «٢» وقال آخر: وان امرأ في اللؤم أشبه جدّه ... ووالده الأدنى لغير ظلوم من لؤم نفسه وأصله قيل في المثل: الكمأة لا أصل ثابت ولا فرع نابت. وقال جرير: فرع لئيم وأصله غير مغروس «٣» وقال معاوية ﵁: السفلة من ليس له نسب معروف ولا فعل موصوف. من لؤم أبواه إذا ذكر الإنسان بغاية اللؤم، قيل: هو عبد قن وهو المملوك الأبوين. قال شاعر: أب غير محمود السّجيّات سفلة ... ووالدة فيها الحديث يطول «٤» وقال آخر: أب كثرت في العالمين فضائحه

стр. 410

من ذكر أن الشرف بالتّقى قال الله تعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ «١» قال بعض العارفين ما أبقى الله بهذه الآية لاحد شرف أبوّة. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى رجلا يقول أنا ابن بطحاء مكة، فوقف عليه فقال: إن كان لك دين فلك شرف وإن كان لك عقل فلك مروءة وإن كان لك علم فلك شرف، وإلا فأنت والحمار سواء. وقيل: كان الشرف في الجاهلية بالبيان والشجاعة والسماحة، وفي الإسلام بالدين والتقى. وأما الأبوة فلا أبوة. قال شاعر: لعمرك ما الإنسان إلّا بدينه ... فلا تترك التّقوى اتّكالا على الحسب فقد زيّن الإيمان سلمان فارس ... وقد وضع الشّرك الشريف أبا لهب «٢» كون الشريف من شرّفه السّلطان اصطنع كسرى أنوشروان رجلا لم يكن له نسب فقيل له في ذلك، فقال: اصطناعنا إياه نسب له. وفد حاجب بن زرارة على كسرى فاستأذن عليه، فقال: كسرى لحاجبه: سله من هو، فقام رجل منهم فلما مثل بين يديه، قال له: من أنت؟ قال: سيد العرب، قال: ألست زعمت أنك رجل منهم؟ قال: منذ أكرمتني وأجلستني صرت سيدهم فحشا فاه لآلىء. ما اختصّ به كل قبيلة من فضيلة قال النبي ﷺ : الأئمة من قريش وقال: الناس تبع لقريش في الخير والشر، وقال: لا يقومنّ أحد لأحد إلا لهاشمي. قال يونس: ما في أسد إلا خطيب أو شاعر أو قائف أو زاجر أو فارس، وقال: ليس في هذيل إلّا شاعر أو رام أو شديد العدو. وقال معاوية: من لم يكن من بني هاشم جوادا ومن بني العوام شجاعا ومن بني مخزوم ذا أباء وأبهة ومن بني أمية حليما لم يشبه أباه. وقال محمد بن إسحاق: ما فتش أحد من بني المطلب إلا عن خصلتين بأس وكرم. وقيل لرجل ممن أنت؟ فقال: من قوم إذا عشقوا ماتوا، قيل: فأنت إذا من بني عذرة «٣» .

стр. 411

المعرّض بهجاء قبيلة قصد شويعر أبا دلف يمدحه، فقال أبو دلف: ممن أنت؟ قال: من تميم قال: الذي يقول فيهم الشاعر: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا فقال: نعم بتلك الهداية جئتك، فخجل أبو دلف وخوله وشارطه أن يستر ذلك عليه. ومازح معاوية الأحنف بن قيس، فقال: ما الشيء الملفّف في البجاد «١» ، فقال الأحنف: السخينة «٢» يا أمير المؤمنين، أراد معاوية قول الشاعر: إذا ما مات ميت من تميم ... فسرّك أن يعيش فجىء بزاد بسمن أو بتمر أو بخبز ... أو الشيء الملفّف في البجاد وأراد الأحنف ما يعير به قريش من أكل السخينة. ولقي شريك النميري تميما فقال له التميمي: يعجبني البازي، فقال: خاصة إذا اصطاد القطا. أراد التميمي قول الشاعر: أنا البازي المطلّ على نمير وأراد شريك قوله: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا وكان سنان النميريّ يماشي عمرو بن هبيرة الفزاري وهو على بغلة، فقال: غضّ من بغلتك فقال: إنها مكتوبة. أراد ابن هبيرة قول الشاعر: فغضّ الطرف إنّك من نمير وأراد سنان قول الأخطل: لا تأمننّ فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار «٣» ومرّت أعرابية بجماعة من بني نمير فرمقوها، فقالت: يا بني نمير ما أخذتم بقول الله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ «٤» ، ولا بقول جرير: فغضّ الطرف إنّك من نمير ودخل محاربي على هلالي وكان على حافة غدير فيه ضفادع، فقال: ما تركتنا البارحة شيوخ بني محارب أن ننام، فقال: إنها أضلت برقعا فكانت في بغائه، أراد الهلالي قول الشاعر: تنقّ بلا شيء شيوخ محارب ... وما خلتها كانت تريش ولا تبري «٥»

стр. 412

ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدلّ عليها صوتها حيّة البحر وأراد المحاربي قول الشاعر: لكلّ هلالي من اللؤم جبّة ... ولابن يزيد برقع وقميص ورأى بعضهم على قيسيّ بردا، فقال: إنكم لتغالون بالبرود أراد قول الشاعر: المشتري الفسو ببرد حبره «١» وعرض ابن هبيرة على ضبيّ يلاعبه فصّ فيروزج فخجل منه، أراد به قول الشاعر: ألا كلّ ضبيّ من اللؤم أزرق هجو القبائل روي أن رجلا عطش في مفازة فانتهى إلى خباء فعدت صبية فأقبلت عليه بماء ولبن، فسألها عن قبيلتها فقالت: من بني عامر. فقال: الذي يقول فيهم الشاعر: لعمرك ما تبلى سرائر عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها «٢» فتعثرت الصبية كمدا فكسرت الإنائين، وقالت: يا عماه ممن أنت؟ قال: من تميم. قالت: الذي يقول فيهم الشاعر: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا فقال: بل أنا من بالهة. فقالت: إذا ولدت حليلة باهليّ ... غلاما زاد في عدد اللئام فقال: بل أنا من بني أسد، فقالت: ما سرّني أنّ أمّي من بني أسد ... وأنّ لي كلّ يوم ألف دينار قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمّهم بولي على النّار فقال: بل أنا من بني عبس، فقالت: إذا عبسية ولدت غلاما ... فبشّرها بلؤم مستفاد فقال: بل أنا من قيس، فقالت: إذا قيسية عطست فنكها ... فإنّ عطاسها سبب الوداق «٣» فقال: بل أنا من كلب، فقالت: إذا كلبيّة خضبت يداها ... فزوّجها ولا تأمن زناها

стр. 413

فقال: أنا من ثقيف، فقالت: أضلّ الناسبون أبا ثقيف ... فما لهم أب إلّا الضلال فقال: بل أنا من خزاعة، فقالت: باعت خزاعة بيت الله إذ سكرت ... بزقّ خمر وأثواب وأبراد فقال بل أنا من جرم، فقالت: إذا ما اتّقى الله الفتى وأطاعه ... فليس به بأس وإن كان من جرم «١» فقال: بل أنا من حنيفة، فقالت: أكلت حنيفة ربها ... زمن التقحّم والمجاعه «٢» فقال: بل أنا من عبد القيس، فقالت: علامة عبد القيس لا ينكرونها ... أعاصير من فسو عليهم تفتر «٣» فضجر الرجل، فقال: أنا من إبليس، فقالت: عجبت من إبليس في تيهه ... وخبث ما أظهر من نيّته تاه على آدم في سجدة ... وصار قوّادا لذريّته «٤» فقال: اعفيني، فقالت: إلى لعنة الله إذا نزلت بقوم فلا تجحد إحسانهم. خرج قتيبة متنزّها فلقى أعرابيا فقال: له ممّن الرجل؟ فقال: من عبد قيس، فقال: نسب مهزول. فقال الأعرابي: ممن أنت؟ فقال: من باهلة، فقال: وا ويلاه واهولاه أمثلك يقول نسبي مهزول وأنت بين الدعة والخمول. فقال له قتيبة: يا أعرابي أيسرك أنك أمير وأنك باهلي، فقال: لا ولا خليفة الله في أرضه. فقال: ولك حمر النعم، فقال: لا ولا ما طلعت عليه الشمس. فقال: وإنّك تدخل الجنة فاطرق ثم رفع رأسه فقال: إن كان ولا بد فعلى أن لا تعلم بذلك أهل الجنة فضحك قتيبة ووصله. وسأله أعرابي عن نسبه، فقال: من باهلة فقال: أعيذك بالله. وقال آخر لأعرابي: أنا مولى باهلة، فأخذ الأعرابي يتمسح به ويقول: ما أبلاك الله بذلك إلا وجعلك من أهل الجنة. وتساب رجلان فقال أحدهما: يا ابن الزانية فقال الآخر: يا باهلي فقضى له، وقيل له ربأت عليه. سأل أعرابي عبد الملك وقد رآه متنكرا ممن أنت؟ قال: من بني أمية، فقال: أنتم في الجاهلية مربون في التجارة وفي الإسلام تعادون أهل الطهارة، سيدكم حمار وأميركم حبار، إن نقصتم عن أربعين لم تدركوا بثار وإن بلغتموه كنتم بشهادة الرسول من أهل النار.

стр. 414

وفخر على خالد بن صفوان ناس من بني الحارث بن كعب عند السفاح، فقال له السفاح: ألا تتكلم يا خالد؟ فقال: أخوال أمير المؤمنين وعصبته وما عسى أن أقول لقوم كانوا بين ناسج برد ودابغ جلد وسائس قرد وراكب عرد «١» ، دل عليهم هدهد وملكتهم امرأة وغرقتهم فأرة. فقال الجاحظ وقد بلغه مقاله: لئن تفكر في هذا الكلام وأعده إنه لرواية كبير، ولئن حضره حين حرك فما له في العالمين نظير. وقال عمر بن عبد العزيز لحميري قومك الذين قالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم، فقال: وقومك الذين قالوا فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فتبسم عمر رضي الله تعالى عنه. من افتخر بنسبه فاعترض عليه بما أخجله قال قرشي لشريك: ألا ترى إلى حسن ما قال الله تعالى فينا: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ «٢» فقال شريك قد قال في موضع آخر: وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُ «٣» . وقال علويّ لرجل: إنك تحتاج أن تدعو لي كل يوم خمس مرات تقول اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، فقال: إني أقول معه الطيبين الطاهرين، فأخرجك منهم. ودخل رجل من ولد قتيبة الحمام وبشّار في الحمام، فقال: يا أبا معاذ وددت أنك مفتوح البصر فترى استي فتعلم أنك كذبت في قولك: إذا أعيتك نسبة باهليّ ... فرفّع عنه حاشية الإزار «٤» على أستاه سادتهم كتاب ... موالي عامر وسم بنار فقال بشار: فأنت من سادتهم أو من سفلتهم، فقال: بل أنا من سادتهم فقال: أخطأت، إنما قلت على أستاه سادتهم وأنت من سفلتهم لا من سادتهم. من افتخر بأب مطعون فيه فعورض بتعريض أو تصريح قال بلال بن أبي بردة لأبي الأسود: أنا ابن الحكمين. فقال: أما أحدهما ففاسق وأما الآخر فمخدوع مائق. أنشد ذو الرمّة بلالا: وحق لمن أبو موسى أبوه ... يوفّقه الذي نصب الجبالا فقال ابن أبي علقمة: والله ما وفق الله أبا موسى نفسه فكيف يوفق ابنه. تفضيل العلوية على سائر النّاس قال منصور لجعفر بن محمد: نحن وأنتم في رسول الله سواء. فقال: لو خطب

стр. 415

إليكم رسول الله ﷺ وتزوج منكم لجاز له، ولا يجوز أن يتزوج منا فهذا دليل على أنا منه وهو منا. وقال المأمون لعلوي: ما فضلكم علينا في العرب من رسول الله ﷺ ؟ فقال: إنه ﵊ يدخل على حرمنا ولا يدخل على حرمكم. وقال عمر بن عبد العزيز يوما وقد قام من عنده علي بن الحسين من أشرف الناس، فقيل: أنتم لكم الشرف في الجاهلية والخلافة في الإسلام، فقال: كلا أشرف الناس هذا القائم من عندي، فإن أشرف الناس من أحب كل إنسان أن يكون منه ولا يحب أن يكون من أحد وهذه صورته. الممدوح بأنه من عترة الرسول قال أبو الغمر: تبوّأ من بيت النبوة مفخرا ... علا في السّماء فوق قطب الكواكب يخاطب فيه الروح بالوحي جدّه ... وقدّك هما من مرسل ومخاطب «١» وقال بشّار: دم النبيّ مشوب في دمائهم ... كما يخالط ماء المزنة الضّرب «٢» وقال عبد الله بن موسى: أنا ابن الفواطم من هاشم ... نماني عليّ وبنت النّبي إليّ تناهى فخار الورى ... وكلّهم لي بحقّ ولي الحجّة في أنهم أبناء الرسول ﷺ قال الحجّاج ليحيى: أنت تزعم أن الحسن والحسين أبناء رسول الله ﷺ ، قال: نعم. قال: والله لأقتلنك إن لم تأت بآية تدل على ذلك، فقال: نعم، إن الله تعالى يقول: وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ «٣» إلى قوله: وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى «٤» وهو ابن مريم، وقد نسبه إليه. فقال الحجّاج: أولى لك قد نجوت، ولما أنزل الله تعالى آية المباهلة دعا النبي ﷺ الحسن والحسين فدعا بهما إلى المباهلة، ولما قدم على البصرة اتخذ الأحنف طعاما فحضره فقعد على سرير والحسن عن يمينه والحسين عن يساره، وجاء محمد بن الحنفية فلم يكن له على السرير موضع فقعد ناحية فتغيّر لذلك، فقال: أمير المؤمنين له: إنهما ابنا رسول الله وأنت ابني.

стр. 416

ذمّ علويّ كتب أبو الحسين بن طباطبا إلى الكادوشي: لن تحلب الشاة أفاويقها ... أو يخلع التيس عليها الرّسن «١» فاحذر على ثغرك من منعظ ... يقطع عن ضرعك عرق اللبن «٢» فكتب إليه الكادوشي: أبا حسن أيما حاجة ... دعتك إلى شين هذا النّسب تصون بعرضك عرض اللئام ... كأنّك تحلّهم عن نشب «٣» وتعنق في سبل المنكرا ... ت ظلما لتنصر أهل الريب «٤» لذاك الخلافة لم ترضكم ... ولا نصرتكم عليها العرب تحللت بالسبّ لما رأيت ... أديمك صحّ ومن سبّ سب «٥» فإن لم نجد فيك من مغمز ... سلكنا إليك طريق الكذب ولولا النبيّ ﵇ ... ولولا عليّ لقيت العجب وقال المتنبيّ: بها علويّ جدّه غير هاشم وله: إذا علويّ لم يكن مثل طاهر ... فما هو إلا حجّة للنواصب «٦» وقال الخوارزمي: كأن الله لم يخلقه إلا لتنعطف القلوب على يزيد، وقال ابن الحجّاج علوي من أجله رحم الله معاوية، وقال بعضهم في ذم جعفري وبكري: إن كان جعفرهم طيار أجنحة ... فإن أولادهم فينا مقاصيص وإن تقولوا إلى الطيّار نسبتنا ... فالتمر ينبت في أضعافه الشّيص «٧» قال أحمد بن يزيد: تعدّى بكري على أبي في مجلس، فاحتمله وقال: احتملته كرامة لأبي بكر، فقال ما أمكنك أن تقول فيّ فقل، فقال أبي: لا بارك الله في البكري أن له ... أبا خيار أو سعيا غير مختار ثان لراكبه رجليه معتمل ... أبوه ثاني رسول الله في الغار «٨»

стр. 417

أبوك يعلو إلى الفردوس سلّمة ... وأنت مقتحم تهوي إلى النّار وكان ثوباه من فضل ومن كرم ... وأنت ثوباك من خزي ومن عار استنكاف العرب من الهجنة صار أعرابي إلى سوّار القاضي، فقال: إن أبي مات وتركني وأخي فخط خطين ناحية وترك هجينا فخط آخر ناحية بعيدا من الأولين فكيف يقسم المال، قال: المال بينكم أثلاثا. فقال الأعرابي لا أحسبك فهمت فأعاد عليه الفتيا، فقال: المال بينكم سواء. فقال: أيأخذ الهجين كما نأخذ؟ قال سوار: نعم. فغضب الأعرابي وقال: أعلم أنك قليل الحالات بالدّهناء فقال: لا يضرّني. وجاء أعرابي إلى المهدي في طريق مكة فقال يا أمير المؤمنين أنا عاشق بنت عمّ لي وقد أبى أن يزوجنيها، فقال: لعله أكثر منك ما لا قال: لا. قال: فما القصة؟ قال: ادن منّي يا أمير المؤمنين، فضحك المهدي وأصغى إليه برأسه، فقال سرا: أنا هجين. فدعا عمه وقال: لم لا تزوج ابن أخيك؟ فقال إنه هجين، فقال: إن ذلك لا يضره، أخوة أمير المؤمنين كلهم هجناء. زوجه فقد أصدقت عنه عشرة آلاف درهم. قال الجاحظ: قلت لعبيد الكلابي وكان فصيحا فقيرا أيسرّك أن تكون هجينا ولك ألف جريب، قال: لا أحب اللؤم بشيء قلت فإن أمير المؤمنين ابن أمة قال أخزى الله من أطاعه، قلت: نبيا الله محمد وإسماعيل كانا ابني أمة، قال: لا يقول هذا إلا قدري. قلت: فما القدري، قال: لا أدري. قال شاعر: لا أرضع الدهر إلا ثغر واضحة ... لواضح الجسم يحمي بجور الجار ذلّة الموالي عندهم والاستخفاف بهم كانت العرب إلى أن عادت الدولة العباسيّة إذا أقبل العربي من السوق ومعه شيء فرأى مولى دفعه إليه ليحمله معه فلا يمتنع ولا السلطان يغير عليه. وكان إذا لقيه راكبا وأراد أن ينزله فعل، وإذا رغب أحدهم في مناكحة مولاة خطب إلى مولاها دون أبيها وجدّها. وكان نافع بن جبير إذا مرت به جنازة فيقال عربي يقول يا قوماه، وإن قيل مولى يقول مال الله يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء ولا يقولون للمولى كريم ولا حسيب وإنما يقولون فاره «١» . مناقب أولاد السّراري «٢» قال عمر بن الخطاب ﵁: ليس قوم أكيس من أولاد السراري لأنهم

стр. 418

يجمعون عزّ العرب ودهاء العجم. عاتب هشام زيد بن علي وقال: بلغني أنك تريد الخلافة، وكيف تصلح لها وأنت ابن أمه، فقال: كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرّة فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم. فقال هشام: إذا لا تراني إلا حيث تكره. كانت أم علي بن الحسين ﵉ جيهان شاه بنت يزدجرد أخذها الحسين من جملة الفيء، وقال له أمير المؤمنين: خذها فستلد لك سيدا في العرب سيدا في العجم سيدا في الدنيا والآخرة. ولما فتح قتيبة بعض بلاد العجم أخذ إحدى بنات يزدجرد فقال يوما لبعض جلسائه: أترى ابن هذه يكون هجينا؟ فقالت امرأة: نعم من قبل الأب. عذر الهجناء سابق عبد الملك بين بنيه فجاء الوليد سابقا وسليمان مصليا ومسلمة مكيثا «١» وكان ابن أمة، فقال عبد الملك: لله در الأعور الشني حيث يقول: نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدركوا «٢» وما يستوي المرآن هذا ابن حرّة ... وهذا هجين بضعه متشرّك «٣» قعدن به خالاته فخذلنه ... ألا إن عرق السوء لا بدّ يدرك فقال مسلمة بيني وبينك الشني، أليس هو القائل: وكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا لقي الأبطال يطعنهم شزرا فما زادها فينا السباء نقيصة ... ولا احتطبت يوما ولا طبخت قدرا «٤» وقال آخر: لا تزرينّ فتى من أن يكون له ... أمّ من الروم أو سوداء عجماء فإنّما أمهات النّاس أوعية ... مستودعات وللأحساب آباء «٥» أصناف الموالي الناس ثلاثة أصناف عرب وعجم وموال. فالعرب قسمان: ولد إسماعيل بن إبراهيم وقحطان بن عابر وهم هجان وهو الخالص وهجين وهو الذي أمه أعجمية حرّة كانت أو

стр. 419

أمة، فإذا تردد فيه أعراق العجم فهو المعلهج، وأما الفلنقس فهو الذي أمه أمة وخاله عبد، والمكركس الذي أمه أمة وكذلك جدته وجدة أمه. وإذا أحدقت به الإماء فحيوس من الحيس وهو الخلط، وإذا وصفوا الإنسان بغاية اللؤم قيل قن، وهو المملوك الأبوين وعبد العصا لكل ذليل وعبد مملكة وكعبيد ذي الكلاع باليمن، وعبيد ابن الأشعث بن قيس من أهل نجران الذين حكم عمر ﵁ بأن يردوا أحرارا بلا عوض، وعبيد الأعتاق من سباهم النبي ﷺ من هوازن وفزارة وبني المصطلق وسمّاهم بذلك لأنه سار بهم كسيرته في سبايا غيرهم. ومن الموالي مولى السائبة وهذا كان في الجاهلية، وهو الذي سيب نذرا إلى الآلهة فلا يمنع من ماء ولا كلأ ولا يورث ولا يعقل عنه وصار خليعا. كون الموالاة قرابة قال النبي ﷺ مولى القوم منهم. وقال ﷺ الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يورث. وقيل: الرجل لأبيه والمولى من مواليه. وقيل: المعتق من فضل طينة المعتق. وروي أن سلمان أخذ من بين يدي النبي ﷺ تمرة من تمر الصدقة فوضعها في فيه فانتزعها النبي ﷺ من فمه، فقال إنما يحلّ لك من هذا ما يحلّ لنا. وقال عمر ﵁: أبو بكر سيدنا أعتق بلالا سيدنا فأجراه مجراه في السودد. وكان المهدي يمشي وبين يديه عمارة بن حمزة فقال له رجل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال هذا أخي وابن عمي عمارة، فلما ولى الرجل، قال عمارة: انتظرت أن تقول ومولاي، فانقض يدي من يدك فتبسم المهدي وقال: إنّا بنو هاشم موالينا أحب إلينا من أهالينا. وكان لرجل عبد عامل فأراد أن يستخلفه، فقال: لست استأثر عليكم ولأن أكون عبد أحب إليّ من أن أكون عربيا لا حقا. فضلاء الموالي قال عمر ﵁ لو كان سالم مولى حذيفة حيّا لاستلحقته. ولّى رسول الله ﷺ أسامة بن زيد على المهاجرين والأنصار، وولّى عليهم أبو بكر ﵁ سالما يوم اليمامة. وقال أبو بكر حين أرادوه على البيعة: علام تبايعون ولست بأقواكم ولا أتقاكم أقواكم عمر وأتقاكم سالم. قال الله تعالى: أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ «١» يعني بقوله أفمن يلقى في النار أبا جهل، وبقوله أم من يأتي آمنا عمار بن ياسر. فضيلة العجم قال النبي ﷺ : لا تسبّوا فارسا فما سبّه أحد إلا انتقم الله منه عاجلا وآجلا. وحضر

стр. 420

عند النبي ﷺ مجوسي حسن الهيئة وضيء الوجه فجعل تحته وسادة حشوها قزو وأكرمه، فلما نهض قال عمر ﵁ هذا مجوسي. فقال: قد علمت ولكن أمرني جبريل ﵇ أن أكرم كريم كل قوم. قال سليمان بن عبد الملك: العجب لهذه الأعاجم كان الملك فيهم فلم يحتاجوا إلينا، فلما ولينا لم نستغن عنهم. وقال أيضا: ألا تتعجبون من هذه الأعاجم، احتجنا إليهم في كل شيء حتى في تعلم لغاتنا منهم. قال المأمون: الشرف نسب، فشريف العرب أولى بشريف العجم من وضيع العجم بشريفهم، وشريف العجم أولى بشريف العرب من وضيع العرب بشريفهم، وهذا كلام شريف. ورأى النبي ﷺ في المنام كأنه ردفه غنم سود فردفتها غنم بيض ما يرى السود فيها لكثرتها، فأخبر النبي ﷺ بذلك أبا بكر ﵁، فقال: السود العرب ويسلمون والبيض العجم يسلمون بعدهم حتى ما يرى فيهم العرب لكثرتهم، فقال ﷺ : بذلك أخبرني الملك سحرا. الممدوح بكونه من العجم قال بشّار: نمت في الكرام بني عامر ... فروعي وأصلي قريش العجم وأنشد الموبذ «١» : أنا ابن المكارم من آل جم ... وطالب إرث ملوك العجم لنا علم الكابيان الذي ... به نرتجي أن نسود الأمم «٢» فقل لبني هاشم أجمعين ... هلمّوا إلى الخلع قبل النّدم وعودوا إلى أرضكم بالحجاز ... وأكل الضّباب ورعي الغنم فإنّي لأعلو سرير الملوك ... بحدّ الحسام ورأس القلم وقال أبو سعيد الرستمي: بهاليل عزّ من ذؤابة فارس ... إذا انتسبوا إلا من عرينة أو عكل «٣» هم راضة الدّنيا وسادة أهلها ... إذا افتخروا لا راضة الشاء والإبل «٤»

стр. 421

المستنكف والمزرى بهم سمع أعرابي يقول لآخر أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة، فقال الآخر: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ رقابنا والله قبل ذلك. وكان ناسك يقول: اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة، وأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك. وقال زياد «١» للأحنف: أرى هذه الحمراء قد كثرت وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب وعلى السلطان، وقد رأيت أن أقبل شطرا وأدع شطرا لإقامة الشرف وعمارة الطرق. وقال ابن الحجّاج: لا تغترر أنّك من فارس ... في معدن الملك وديوانه لو حدّثت كسرى بذا نفسه ... صفّعته في جوف إيوانه «٢» ذمّ النبط وأهل الرساتيق روي في الخبر أن النبي ﷺ قال إذا تفيهقت الأنباط ونطقت بالعربية وتعلمت القرآن فالهرب الهرب منهم، فإنهم أكلة الربا ومعدن الشر وأهل غش وخديعة. قال ابن عباس ﵄ لو كان الشيطان أنسيا ما كان إلا نبطيا. وقال شاعر: نبط إذا عرك الهوان بهم ... ذلوا وإن أكرمتهم ضغنوا «٣» ورفع إلى المأمون أن رجلا شكا جارا له وقال: واسيرة عمراه ذهب العدل منذ مات عمر، فاستحضره وسأله فذكر ما يشكو منه فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل ناتية وهم نبط، فقال المأمون: إن عمر كان يقول من كان جاره نبطيا فاحتاج إلى ثمنه فليبعه فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه ثم أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه. ولمّا نزل الحجاج واسطا نفى النبط عنه وكتب إلى عامله بالبصرة وهو الحكم بن أيوب، يقول: إذا أتاك كتابي فانف من قبلك من النبط فإنهم مفسدة للدين والدنيا، فكتب إليه قد نفيت النبط إلا من قرأ منهم القرآن وتفقه في الدين. فكتب إليه الحجاج: إذا قرأت كتابي فادع من قبلك من الأطباء ونم بين أيديهم ليقفوا «٤» عروقك فإن وجدوا فيك عرقا نبطيا فاقطعه والسلام. وأمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شر طائر ويشويه بشر حطب ويبعثه على شر

стр. 422

رجل، فصاد رخمة وشواها ببعر ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كل ما أمرك به الملك. صد بومة واشوها بدفلى وادفعها إلى نبطي ولد زنا. ففعل الرجل وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا فليس يزداد النبطي بذلك شرا فقد بلغ بجنسه الغاية. قيل إذا جاء الرستاقي «١» بسلة فارغة ومعدة جائعة فاضرب الباب في وجهه. وقال أبو الحسن علي بن أحمد بن العباس لم يظلم أحد كما ظلم أهل الرستاق لأنهم غرسوا الخشب وليست تكسر إلا على ظهورهم. ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: الأكراد جيل الجن كشف عنهم الغطاء، وإنما سموا الأكراد لأن سليمان ﵇ لما غزا الهندسبى منهم ثمانين جارية وأسكنهن جزيرة فخرجت الجن من البحر فواقعوهن فحمل منهم أربعون جارية فأخبر سليمان بذلك فأمر بأن يخرجن من الجزيرة إلى أرض فارس فولدن أربعين غلاما فلما كثروا وأخذوا في الفساد وقطع الطرق فشكوا ذلك إلى سليمان فقال أكردوهم إلى الجبال فسموا بذلك أكرادا. (٣) ومما جاء في الدعوة النهي عن ادّعاء غير الأب قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ «٢» . وقال ﷺ : ملعون ملعون من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه. وقال ﵊: الولد للفراش وللعاهر الحجر ونهى رسول الله ﷺ عن قبول شهادة الزنيم «٣» . المعرّض بنسبه لقي مزيد رجلا فقال له ممن أنت؟ قال قرشي والحمد لله. فقال: الحمد لله في هذا الموضع ريبة. قال أبو نواس: إذا ذكرت عديّا في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النّسب «٤» وقال أحمد بن أبي سلمة: حنفي كما زعم ... وبريء من الكرم

стр. 423

زد على الفاء نقطة ... وارفع النّون بالقلم «١» وقال زياد لرجل: يا دعيّ، فقال: الدعوة قد تشرف بها المدعي علي فكيف غير بها. التعريض بمن لا يشبه أباه أو ذويه خلقة قال عبد الملك لعبيد الله بن زياد: بلغني أنك لا تشبه أباك قال إني والله أشبه به من الماء بالماء والتمرة، بالتمرة ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه. قال: من هو. قال: من لم يولد لتمام ولم ينضج في الأرحام ولم يشبه الأعمام، يعرض بعبد الملك. فقال: ومن هو، قال: سويد بن هجوف فقال لسويد: أكذا أنت قال نعم. قال دعبل: إن بني عمرو لأعجوبة ... تعجز عن وصفهم الفكره أبوهم أسمر في لونه ... وهؤلاء لونهم شقره أظنّه حين أتى أمّهم ... صيّرفي نطفته مغره «٢» وقال آخر: كأنّهم خبز كتّاب وبقّال وقال وهيب الهمداني: ألوانهم إليك عن ... أنسابهم معتذره كان بأصبهان مجنون يعرف بابن المستهام، فقيل لأحمد بن عبد العزيز إنه مليح ذو نوادر، قال فاستحضره فلما تأمله قال: في اختلاف الوجوه من آل عجل ... لدليل على فساد النساء فأراد أن يبطش به ثم كف عنه مخافة أن يتحدث الناس بقوله فيكثر. التعريض بمن لا يشبه أباه فعلا دخل أبو الحسن بن طباطبا على أحمد بن عثمان البري، وكان هجاه أبو الحسن بأهاجي كثيرة، فقال له: بلغني أنك تشعر وتجيد فقال كذا يقول الناس. فقال له تعريضا: أشعرت أن قريشا لم تكن تجيد الشعر. وقال مروان بن أبي الجيوب في عليّ بن الجهم، وقد أجاد تعريضا إلى الغاية: لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا على ابنه يدّعي الشعرا ولكن أبي قد كان جارا لأمّه ... فلما ادّعى الأشعار أفهمني أمرا التعريض بالرجل أن ابنه من زانية اختصم إلى معاوية ﵁ في غلام ادعى، فقال: ائتنوني غدا أقض بينكما

стр. 424

فلما أتوه أخرج حجرا دفعه إلى المدعي، يعني بذلك قول النبي ﷺ وللعاهر الحجر، فقال له الرجل: أنشدك بالله هلّا قضيت بقضائك في زياد. فقال معاوية: قضاء رسول الله ﷺ أولى بأن يتبع من قضائي. دخل ابن مكرم على أبي العيناء مهنئا له بابن ولد له، فوضع عنده حجرا، فلما خرج قيل: لأبي العيناء: فقال: لعن الله هذا أما تعلمون ما عنى، إنما أراد قول النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر. ورأى عنده منجّما فقال ما يصنع هذا، قال إنه يعمل طالع مولد ابني، قال: فسله قبل هل هو ابنك حقيقة. قال أبو علي البصير: أتانا أبو العيناء بابن مزور ... سنحكم فيه عادلا غير جائر نهنّئه في أسبوعه وملاكه ... فإن مات عزّينا سعيد بن ياسر وله فيه: لأبي العيناء أولاد ... دهم في النّاس آيه فأبو القوم سعيد ... وأبو العيناء دايه وقيل لرجل ولدت امرأة فلان بعد الزفاف بخمسة أشهر، فقال: كان إناؤها ضاربا. وقيل لآخر مثله، فقال: إنه بنى جدارا على أس غيره. وقال رجل من أولاد زياد لآخر يا ابن الزانية، فقال: لا تسبني بشيء به شرفت «١» . من راجع قاذفه بدعوة بأحسن تعريض كان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله كلام بين يدي معاوية، فقال يزيد: يا إسحاق إن خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلهم الجنة، فقال إسحاق: وأنت والله لخير لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة، فأنكر يزيد ولم يدر ما عناه، فلما قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق، قال يزيد: لا، قال: فكيف تشاتم رجلا قبل أن تعلم ما يقال لك وفيك أنه عنى ما زعم الناس أن أبا العباس أبي وكانت هند اتّهمت به وبغيره، ولذلك لما جاءت إلى النبي ﷺ تبايعه فتلا عليها الآية، فلما بلغ قوله ولا يزنين، قالت: وهل تزني الحرة؟ فنظر النبي ﷺ إلى عمر وتبسم. وخاصم غيلان رجلا من ولد زياد، فقال له الزيادي يا دعيّ، فأنشد يقول: بثينة قالت يا جميل أربتنا ... فقلت كلانا يا بثين مريب فبلغ قولهما ابن عائشة، فقال: والله إن غيلان في التمثل بهذا البيت أشعر من جميل. وشاتم أعرابي ابنه، فقال: لست بابني، فقال الابن: أنا والله أشبه بأبيك ولأنت كنت أغير على أمي من أبيك على أمك.

стр. 425

من احتمل عيبا لتصحيح نسبه نافر لهبي «١» رجلا من ولد عمرو بن العاص فعابه بسورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ «٢» ، وعاب اللهبي بسورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ «٣» ، فقال اللهبي: إنك لو علمت ما لأولاد أبي لهب من الدرك في سورة تبت لم تفه بها، لأن الله تعالى صحح نسبهم بقوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ «٤» وأنهم من نكاح لا من سفاح ونفى بني العاص بقوله عتل بعد ذلك زنيم، والزنيم المنتسب إلى غير أبيه. قال العودي مضيت يوما في حاجة مع يحيى بن أكثم فاختصر بين طريقا لم أعرفها، فقلت له: أنا ابن بجدة «٥» هذه البلدة ومن لا يبرحها ولا أعرف هذا الطريق، قال لأن قول الشاعر لم يلحقك: تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا فاحتمل هذا الهجاء تصحيحا لنسبه المعروف بأنه عجمي أو نبطي متعرّب قال بشّار: أرفق بعمرو إذا حرّكت نسبته ... فإنّه عربيّ من قوارير وقال آخر: عربيّ في مجان ... نبطيّ في الحقيقه وقال مخلد المولي: أنت عندي عربيّ ... ليس في ذاك كلام عربيّ عربيّ ... عربي والسّلام شعر أجفانك قيصو ... م وشيح وثمام «٦» المدعي أكارم العجم لبعضهم: يصيح لكسرى حين يسمع ذكره ... بصمّاء عن ذكر النبيّ صدوف ويعجبه أخبار كسرى وذكره ... وما هو في أعلاجهم بشريف وقال جحظة: وأهل القرى كلّهم ينتمون ... لكسرى ادعاء فأين النّبيط
следующие страницы →