Полный текст (1 556 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
المستنكف والمزرى بهم
سمع أعرابي يقول لآخر أترى هذه العجم تنكح نساءنا في الجنة، فقال الآخر: نعم أرى ذلك بأعمالهم الصالحة، فقال: توطأ رقابنا والله قبل ذلك.
وكان ناسك يقول: اللهم اغفر للعرب خاصة وللموالي عامة، وأما العجم فهم عبيدك والأمر إليك.
وقال زياد «١» للأحنف: أرى هذه الحمراء قد كثرت وكأني أنظر إلى وثبة منهم على العرب وعلى السلطان، وقد رأيت أن أقبل شطرا وأدع شطرا لإقامة الشرف وعمارة الطرق.
وقال ابن الحجّاج:
لا تغترر أنّك من فارس ... في معدن الملك وديوانه
لو حدّثت كسرى بذا نفسه ... صفّعته في جوف إيوانه «٢»
ذمّ النبط وأهل الرساتيق
روي في الخبر أن النبي ﷺ قال إذا تفيهقت الأنباط ونطقت بالعربية وتعلمت القرآن فالهرب الهرب منهم، فإنهم أكلة الربا ومعدن الشر وأهل غش وخديعة. قال ابن عباس ﵄ لو كان الشيطان أنسيا ما كان إلا نبطيا.
وقال شاعر:
نبط إذا عرك الهوان بهم ... ذلوا وإن أكرمتهم ضغنوا «٣»
ورفع إلى المأمون أن رجلا شكا جارا له وقال: واسيرة عمراه ذهب العدل منذ مات عمر، فاستحضره وسأله فذكر ما يشكو منه فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل ناتية وهم نبط، فقال المأمون: إن عمر كان يقول من كان جاره نبطيا فاحتاج إلى ثمنه فليبعه فإن كنت تطلب سيرة عمر فهذا حكمه ثم أمر له بألف درهم وأمر صاحبه أن ينصفه.
ولمّا نزل الحجاج واسطا نفى النبط عنه وكتب إلى عامله بالبصرة وهو الحكم بن أيوب، يقول: إذا أتاك كتابي فانف من قبلك من النبط فإنهم مفسدة للدين والدنيا، فكتب إليه قد نفيت النبط إلا من قرأ منهم القرآن وتفقه في الدين. فكتب إليه الحجاج: إذا قرأت كتابي فادع من قبلك من الأطباء ونم بين أيديهم ليقفوا «٤» عروقك فإن وجدوا فيك عرقا نبطيا فاقطعه والسلام.
وأمر بعض الملوك عاملا له أن يصيد شر طائر ويشويه بشر حطب ويبعثه على شر
стр. 422
رجل، فصاد رخمة وشواها ببعر ودفعها إلى خوزي، فقال الخوزي: أخطأت في كل ما أمرك به الملك. صد بومة واشوها بدفلى وادفعها إلى نبطي ولد زنا. ففعل الرجل وكتب به إلى الملك، فقال الملك: أصبت ولكن كفى أن يكون الرجل نبطيا لا يحتاج إلى ولد زنا فليس يزداد النبطي بذلك شرا فقد بلغ بجنسه الغاية.
قيل إذا جاء الرستاقي «١» بسلة فارغة ومعدة جائعة فاضرب الباب في وجهه. وقال أبو الحسن علي بن أحمد بن العباس لم يظلم أحد كما ظلم أهل الرستاق لأنهم غرسوا الخشب وليست تكسر إلا على ظهورهم. ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ روى عن النبي ﷺ أنه قال: الأكراد جيل الجن كشف عنهم الغطاء، وإنما سموا الأكراد لأن سليمان ﵇ لما غزا الهندسبى منهم ثمانين جارية وأسكنهن جزيرة فخرجت الجن من البحر فواقعوهن فحمل منهم أربعون جارية فأخبر سليمان بذلك فأمر بأن يخرجن من الجزيرة إلى أرض فارس فولدن أربعين غلاما فلما كثروا وأخذوا في الفساد وقطع الطرق فشكوا ذلك إلى سليمان فقال أكردوهم إلى الجبال فسموا بذلك أكرادا.
(٣) ومما جاء في الدعوة
النهي عن ادّعاء غير الأب
قال الله تعالى: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ
«٢» . وقال ﷺ : ملعون ملعون من انتسب إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه. وقال ﵊: الولد للفراش وللعاهر الحجر ونهى رسول الله ﷺ عن قبول شهادة الزنيم «٣» .
المعرّض بنسبه
لقي مزيد رجلا فقال له ممن أنت؟ قال قرشي والحمد لله. فقال: الحمد لله في هذا الموضع ريبة.
قال أبو نواس:
إذا ذكرت عديّا في بني ثعل ... فقدم الدال قبل العين في النّسب «٤»
وقال أحمد بن أبي سلمة:
حنفي كما زعم ... وبريء من الكرم
стр. 423
زد على الفاء نقطة ... وارفع النّون بالقلم «١»
وقال زياد لرجل: يا دعيّ، فقال: الدعوة قد تشرف بها المدعي علي فكيف غير بها.
التعريض بمن لا يشبه أباه أو ذويه خلقة
قال عبد الملك لعبيد الله بن زياد: بلغني أنك لا تشبه أباك قال إني والله أشبه به من الماء بالماء والتمرة، بالتمرة ولكن إن شئت أنبأتك بمن لا يشبه أباه. قال: من هو. قال:
من لم يولد لتمام ولم ينضج في الأرحام ولم يشبه الأعمام، يعرض بعبد الملك. فقال:
ومن هو، قال: سويد بن هجوف فقال لسويد: أكذا أنت قال نعم. قال دعبل:
إن بني عمرو لأعجوبة ... تعجز عن وصفهم الفكره
أبوهم أسمر في لونه ... وهؤلاء لونهم شقره
أظنّه حين أتى أمّهم ... صيّرفي نطفته مغره «٢»
وقال آخر:
كأنّهم خبز كتّاب وبقّال
وقال وهيب الهمداني:
ألوانهم إليك عن ... أنسابهم معتذره
كان بأصبهان مجنون يعرف بابن المستهام، فقيل لأحمد بن عبد العزيز إنه مليح ذو نوادر، قال فاستحضره فلما تأمله قال:
في اختلاف الوجوه من آل عجل ... لدليل على فساد النساء
فأراد أن يبطش به ثم كف عنه مخافة أن يتحدث الناس بقوله فيكثر.
التعريض بمن لا يشبه أباه فعلا
دخل أبو الحسن بن طباطبا على أحمد بن عثمان البري، وكان هجاه أبو الحسن بأهاجي كثيرة، فقال له: بلغني أنك تشعر وتجيد فقال كذا يقول الناس. فقال له تعريضا:
أشعرت أن قريشا لم تكن تجيد الشعر. وقال مروان بن أبي الجيوب في عليّ بن الجهم، وقد أجاد تعريضا إلى الغاية:
لعمرك ما جهم بن بدر بشاعر ... وهذا على ابنه يدّعي الشعرا
ولكن أبي قد كان جارا لأمّه ... فلما ادّعى الأشعار أفهمني أمرا
التعريض بالرجل أن ابنه من زانية
اختصم إلى معاوية ﵁ في غلام ادعى، فقال: ائتنوني غدا أقض بينكما
стр. 424
فلما أتوه أخرج حجرا دفعه إلى المدعي، يعني بذلك قول النبي ﷺ وللعاهر الحجر، فقال له الرجل: أنشدك بالله هلّا قضيت بقضائك في زياد. فقال معاوية: قضاء رسول الله ﷺ أولى بأن يتبع من قضائي.
دخل ابن مكرم على أبي العيناء مهنئا له بابن ولد له، فوضع عنده حجرا، فلما خرج قيل: لأبي العيناء: فقال: لعن الله هذا أما تعلمون ما عنى، إنما أراد قول النبي ﷺ الولد للفراش وللعاهر الحجر. ورأى عنده منجّما فقال ما يصنع هذا، قال إنه يعمل طالع مولد ابني، قال: فسله قبل هل هو ابنك حقيقة.
قال أبو علي البصير:
أتانا أبو العيناء بابن مزور ... سنحكم فيه عادلا غير جائر
نهنّئه في أسبوعه وملاكه ... فإن مات عزّينا سعيد بن ياسر
وله فيه:
لأبي العيناء أولاد ... دهم في النّاس آيه
فأبو القوم سعيد ... وأبو العيناء دايه
وقيل لرجل ولدت امرأة فلان بعد الزفاف بخمسة أشهر، فقال: كان إناؤها ضاربا.
وقيل لآخر مثله، فقال: إنه بنى جدارا على أس غيره. وقال رجل من أولاد زياد لآخر يا ابن الزانية، فقال: لا تسبني بشيء به شرفت «١» .
من راجع قاذفه بدعوة بأحسن تعريض
كان بين يزيد بن معاوية وبين إسحاق بن طلحة بن عبيد الله كلام بين يدي معاوية، فقال يزيد: يا إسحاق إن خيرا لك أن يدخل بنو حرب كلهم الجنة، فقال إسحاق: وأنت والله لخير لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة، فأنكر يزيد ولم يدر ما عناه، فلما قام إسحاق قال معاوية: أتدري ما عناه إسحاق، قال يزيد: لا، قال: فكيف تشاتم رجلا قبل أن تعلم ما يقال لك وفيك أنه عنى ما زعم الناس أن أبا العباس أبي وكانت هند اتّهمت به وبغيره، ولذلك لما جاءت إلى النبي ﷺ تبايعه فتلا عليها الآية، فلما بلغ قوله ولا يزنين، قالت: وهل تزني الحرة؟ فنظر النبي ﷺ إلى عمر وتبسم.
وخاصم غيلان رجلا من ولد زياد، فقال له الزيادي يا دعيّ، فأنشد يقول:
بثينة قالت يا جميل أربتنا ... فقلت كلانا يا بثين مريب
فبلغ قولهما ابن عائشة، فقال: والله إن غيلان في التمثل بهذا البيت أشعر من جميل. وشاتم أعرابي ابنه، فقال: لست بابني، فقال الابن: أنا والله أشبه بأبيك ولأنت كنت أغير على أمي من أبيك على أمك.
стр. 425
من احتمل عيبا لتصحيح نسبه
نافر لهبي «١» رجلا من ولد عمرو بن العاص فعابه بسورة إِنَّا أَعْطَيْناكَ
«٢» ، وعاب اللهبي بسورة تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
«٣» ، فقال اللهبي: إنك لو علمت ما لأولاد أبي لهب من الدرك في سورة تبت لم تفه بها، لأن الله تعالى صحح نسبهم بقوله: وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ
«٤» وأنهم من نكاح لا من سفاح ونفى بني العاص بقوله عتل بعد ذلك زنيم، والزنيم المنتسب إلى غير أبيه. قال العودي مضيت يوما في حاجة مع يحيى بن أكثم فاختصر بين طريقا لم أعرفها، فقلت له: أنا ابن بجدة «٥» هذه البلدة ومن لا يبرحها ولا أعرف هذا الطريق، قال لأن قول الشاعر لم يلحقك:
تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا
فاحتمل هذا الهجاء تصحيحا لنسبه
المعروف بأنه عجمي أو نبطي متعرّب
قال بشّار:
أرفق بعمرو إذا حرّكت نسبته ... فإنّه عربيّ من قوارير
وقال آخر:
عربيّ في مجان ... نبطيّ في الحقيقه
وقال مخلد المولي:
أنت عندي عربيّ ... ليس في ذاك كلام
عربيّ عربيّ ... عربي والسّلام
شعر أجفانك قيصو ... م وشيح وثمام «٦»
المدعي أكارم العجم
لبعضهم:
يصيح لكسرى حين يسمع ذكره ... بصمّاء عن ذكر النبيّ صدوف
ويعجبه أخبار كسرى وذكره ... وما هو في أعلاجهم بشريف
وقال جحظة:
وأهل القرى كلّهم ينتمون ... لكسرى ادعاء فأين النّبيط
стр. 426
ذمّ مدّعي العلوية
قال محمد بن وهب:
فتى لما رأى الأنساب عزا ... تناول غير نسبة والديه
ويرضى أن يقال له شريف ... ومن يرضى إذا كذبوا عليه
ذمّ من يدّعي نسبا مرغوبا عنه
قال حمّاد عجرد في بشّار بن برد:
نسبت إلى برد وأنت لغيره ... فمنك لبرد نكت أمك من برد
وهذا البيت في الهجاء من الأبيات النادرة العجيبة، وقيل إن بشارا لما سمع ذلك قال: تهيأ لحمّاد في هذا البيت بهجائي خمسة معان أرادها جرير في الفرزدق فلم يستكملها، حيث يقول:
لما وضعت على الفرزدق ميسمي ... وضغا البغيث جدعت أنف الأخطل «١»
وقال أبو محمد البريدي في الأصمعي:
ابن لي دعيّ بني أصمع ... متى كنت في الأسرة الفاضله
ومن أنت؟ هل أنت إلا امرؤ ... إذا صحّ أصلك من باهله
المتقلّب في الدّعوة
قال دعبل:
كل يوم لأبي سعد على الأنساب غاره ... فهو يوما في تميم
وهو يوما في فزاره «٢»
وقال أبو نواس:
لهم في بيتهم نسب ... وفي وسط الملا نسب
من ادّعى نسبا لاستفادته جاها أو نشبا
وقال خالد التمار:
عصام بن فيض باللجين وبالذّهب ... ولبس الكسا والزعفران الذي يهب «٣»
ودار بناها في ثقيف ومسجد ... يرجى عصام أن يعدّ من العرب
وقال دعبل:
ليهنك دولة حدثت ... فأحدث عزّها نسبا
стр. 427
من نسبه مقصور عليه
قيل: فلان نفع بقاع، ليس له فعل موصوف ولا نسب معروف.
قال شاعر:
كالودّ بالقاع لا أصل ولا ورق «١»
وقال الجاحظ:
نسب الخمار مقصو ... ر إليها منتهاه
وقال آخر:
يقول سهل والدي صاعد ... فقل لسهل من أبو صاعد؟
للناس آباء وما ينتمي ... سهل إلى أكثر من واحد
وقال آخر:
ليس له ما خلا اسمه نسب ... كأنّه آدم أبو البشر
من صار مدّع بين جماعة
خبر زياد بن أبيه معروف جعيفران:
ما جعفر لأبيه ... ولا له بشبيه
هذا يقول بنيّ ... وذا يخاصم فيه
والأمّ تضحك منهم ... لعلمها بأبيه
من نفى عنه الدعوة خسة
قال ابن الزيات لابن أبي دؤاد في مناظرته: ما أنا بدعي. فقال: صدقت ما دونك أحد فتستنزل إليه ولا فوقك من يقبلك فتنتمي إليه. وقال رجل بين يدي أبي عبيدة: إن الأصمعي دعيّ. فقال: كذبت لا يدّعي إلى أصمع أحد.
وقال شاعر:
فما أنفيك كي تزداد لؤما ... لا ألأم من أبيك ولا أذلّا
المتشكّك في أمه فضلا عن أبيه
قال عبدان، وهو من الأبيات الجيدة المشهورة:
صحح لنا والدة أولاد ... وأنت في حلّ من الوالد
وقال آخر:
إذا أقمت لنا أما فصح لها ... وأنت في حرج إن جئتنا بأب
стр. 428
وقال آخر:
إذا الأدعياء ادعوا والدا ... وجدناك مدّعيا والده
وقال مساور الوراق:
ابن عبد العزيز أدغم فيه ... شبه من شرار كلّ قبيله
صدره من محارب ويداه ... من غني ورأسه من بجيله «١»
ذكاء ولد الزنا وفرعنته
قال قدامة: أولاد الزنا أنجب لأن الرجل يزني بشهوة ونشاط فيخرج الولد كاملا، وما يكون عن حلال فعن تصنع للرجل إلى المرأة.
قال ابن بوسة الأصبهاني:
إني إذا ما رأيت فرخ زنا ... فليس يخفى عليّ جوهره
لو في جدار يخطّ صورته ... لماج في كفّ من يصوّره
(٤) وممّا جاء في الأقارب
فضل صلة الرحم وذم قطيعته
قال الله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
«٢» وقال النبي ﷺ يقول الله: أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى فمن وصلها وصلته ومن قطعها قطعته.
وقال عبد الله بن أبي أوفى: كنا مع النبي ﷺ فقال لا يجالسنا قاطع رحم فقام شاب فأتى خالة له، وكان بينه وبينها شيء فأخبرها بقول النبي ﷺ فاستغفرت له واستغفر لها، ثم رجع والنبي ﷺ في مجلسه فأخبره فقال النبي ﷺ : إن الرحمة لا تنزل على قاطع رحم. وقال ﷺ : الرحم منماة للعود مثراة للمال منسأة «٣» في الأجل. وقال جعفر بن محمد: صلة الرحم تهون الحساب يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
«٤» وتذاكر واصلة الرحم فقال أعرابي: منسأة في العمر مرضاة للرب محبة في الأهل. وقيل: الصلة بقاء والقطيعة فناء.
стр. 429
حثّ الأقارب على التظاهر
دعا أكثم بن صيفي أولاده عند موته، فاستدعى بضمامة من السهام وتقدم إلى كل واحد أن يكسرها فلم يقدر أحد على كسرها، ثم بددها، وتقدم إليهم أن يكسروها فاستسهلوا كسرها، فقال: كونوا مجتمعين ليعجز من ناواكم عن كسركم كعجزكم.
وفي ذلك شعر:
إن القداح إذا اجتمعن فرامها ... بالكسر ذو حرد وبطش أيّد «١»
عزت فلم تكسر وإن هي بددت ... فالوهن والتكسير للمتبدد
وقال عبد العنبري:
إذا ما أراد الله ذلّ قبيلة ... رماهم بتشتيت الهوى والتخاذل
المراعي رحمه والمحامى عليه
قال بعض بني أسد:
وأستنفذ المولى من الأمر بعد ما ... يزلّ كما زلّ البعير عن الدحض «٢»
وأمنحه مالي وودّي ونضرتي ... وإن كان محنيّ الضلوع على بغضي
وقال بعضهم:
ومولى جفت عنه الموالي كأنّه ... من البؤس مطليّ به القار أجرب
رئمت إذا لم ترأم البازل ابنها ... ولم يك فيها للملبسين محلب «٣»
تفضيل الأقارب على الأباعد وإن عادوا
لما استخلف يزيد بن المهلب ابنه بجرجان، قال له: انظر إلى هذا الحي من اليمن فكن لهم كما قال العباس:
فقومك إن المرء ما عاش قومه ... وإن لامهم ليسوا له بأباعد
ونحوه قول بعضهم:
أدناك أدناك وإن رفضك وقلاك «٤»
وقال بعض بني قيس:
وآخ لحال السلم إن شئت واعلمن ... بأن سوى مولاك في الجور أجنب «٥»
стр. 430
ومولاك مولاك الذي إن دعوته ... أجابك طوعا والدماء تصبّب
وقال آخر:
لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه وإن عالوا به كلّ مركب «١»
استبقاء الأقارب لدفع الأباعد
قال النعمان بن حنظلة:
وإني لأستبقي امرأ السوء عدّة ... لعدوة عريض من القوم جانب «٢»
أخاف كلاب الأبعدين وهرشها ... إذا لم تهارشها كلاب الأقارب
وقال هبيرة المري:
ولا تهجر كلابك واصطنعها ... لتطعمها كلاب الأبعدينا
وله:
وذوي ضباب مظهرين عداوة ... قرحى القلوب معاودي الأفناد «٣»
ناسيتهم نقصاهم وتركتهم ... وهم إذا ذكر الصّديق أعادي
كيما أعدّهم لأبعد منهم ... عدّ السلاح إلى ذوي الأحقاد
تفضيل بعض الأقارب على بعض
قيل لامرأة أسر الحجاج زوجها وابنها وأخاها: اختاري واحدا منهم، فقالت: الزوج موجود والابن مولود والأخ مفقود، أختار الأخ. فقال الحجّاج عفوت عن جماعتهم لحسن كلامها.
ذمّ الأقارب
قال بعضهم: الأب رب والعم غم والأخ فخ والولد كمد والأقارب عقارب. قال شاعر:
إنّ الأقارب كالعقار ... ب أو أضرّ من العقارب
وقال آخر:
يقولون عزّ في الأقارب إن دنت ... وما العزّ إلا في فراق الأقارب
تراهم جميعا بين حاسد نعمة ... وبين أخي بغض وآخر عائب
وقال أبو نواس:
وما أنا مسرور بقرب الأقارب ... إذا كان لي منهم قلوب الأباعد
стр. 431
تفضيل بعيد موال على قريب معاد
قال مقاتل: صديق موافق خير من ولد مخالف، ألم تسمع قول الله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
. وقيل: القرابة تحتاج إلى المودة والمودّة تستغني عن القرابة:
ربّ بعيد كأخ ناصح ... وابن أب منهم الغيب
وقال الزبيري:
لمغترب يسرّ بحسن حالي ... وإن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... تبات صدورهم بي مسترابه «١»
وقال بشار:
ربّما سرّك البعيد وأصلا ... ك القريب النسيب نارا وعارا «٢»
وقال يزيد بن الحكم:
ولقد يكون لك الغريب ... أخا ويقطعك القريب
التذمّم لترك الأقارب واتّباع الأباعد
قال الحارث بن ظلامة:
سفهنا باتّباع بني بغيض ... وترك الأقربين لنا انتسابا
سفاهة قارص لما تروّى ... هراق الماء واتّبع السرابا
ذم من نفعه للأباعد دون الأقارب
قال ابن الأحوص:
من النّاس من يغشى الأباعد نفعه ... ويشقى به حتّى الممات أقاربه «٣»
وقال آخر:
وما خير من لا ينفع الأهل عيشه ... وإن مات لم تجزع عليه أقاربه
وقال آخر:
فتى هو لابن العمّ كالذئب إن رأى ... لصاحبه يوما دما فهو آكله
ذمّ من يناوىء ذويه ويضرع لأعاديه
ذمّ أعرابي رجلا، فقال: هو أقل الناس ذنوبا إلى أعدائه وأكثرهم تجرؤا على أصدقائه
стр. 432
وأقربائه. وقيل لمعاوية ﵁ ما النذالة، فقال: الجراءة على الصديق والنكول عن العدو.
وقال الجعدي:
ألا إن قومي أصبحوا مثل خيبر ... بها الداء لكن لا يضرّ الأعاديا
وقال بيهس الضبيّ:
إذا ما ألقى العدوّ فثعلب ... وعلى الأقارب شبه ليث ضيغم
وقال الغطفاني:
جهلا علينا وجبنا عن عدوّهم ... لبئست الخلّتان النكل والجبن «١»
وقال زياد الأعجم:
تلين لأهل الغلّ والغمّ منهم ... وأنت على أهل الصفاء غليظ
وقال أيوب:
تصول على الأدنى وتجتنب العدا ... وما هكذا تبنى المكارم يا يحيى
وأنت كفحل السّوء يبدأ بأمّه ... ويترك باقي الخيل سائمة ترعى «٢»
وقال كشاجم:
وتراه يكرم من نأى ... عنه ويؤذي من حضر
كالشّمس تنحس من دنا ... منها وتسعد من نظر
عذر من يكره بعيدا ويطرح قريبا
إن يعجب الأقوام أني عندهم ... من دون ذي رحم بها يتوصّل
فبنو أمية والفرزدق صنوهم ... نسبا وكان وصالهم لا يقبل
عداوة الأقارب وتعسّر إزالتها
أعداؤكم اكفاؤكم والأقارب عقارب وأمسهم بك رحما أشدهم لك لدغا. وقال جاويذان: فروخ ثلاث لا يستصلح فسادهم بشيء من الحيل: العداوة بين الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركالة في الملوك.
وكان ابن هبيرة يقول: اللهمّ احفظني من عداوة الأقارب.
وقال طرفة بن العبد:
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهنّد
стр. 433
ويروى عداوة ذي القربى.
قال الهيثم النخعي:
بني عمّنا إن العداوة شرّها ... ضغائن تبقى في نفوس الأقارب
وقال ببغاء:
للظّلم بين الأقربين مضاضة ... والدلّ ما بين الأباعد أروح «١»
فإذا أتتك من الرّجال قوارض ... فسهام ذي القربى القريبة أجرح
من يتحامل على ذويه إذا رآهم في محنة
قال عامر بن لقيط:
لعمرك إني لو أخاصم حيّة ... إلى قعفس ما أنصفتني قعفس
فما لهم طلسا إليّ كأنّهم ... ذئاب الفضا والذئب بالليل أطلس «٢»
وقال عدي النبهاني:
أعان على الدّهر إذ حلّ بركه ... كفى الدهر لو وكّلته بي كافيا «٣»
وقال آخر:
وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... يصاحبه يوما أحال على الدم
الحميّة للأقارب وإن كانوا أعداء
في المثل: آكل لحمي ولا أدعه لآكل. وقيل: الحفائظ تذهب الأحقاد لا يعدم الجوار من أمه حية.
قال شاعر:
لكلّ امرىء حالان بؤس ونعمة ... وأعطفهم في النّائبات أقاربه
وقال حريث بن جابر:
إذا ظلم المولى فزعت لظلمه ... فحرّك أحشائي وهرّت كلابيا «٤»
وقيل لأعرابي: ما تقول في ابن العم، فقال: عدوّك وعدوّ عدوّك. ولما مات عبادة بن الصامت، ﵁ بكى عليه أخوه أوس بن الصامت فقيل له: أتبكي عليه وقد كان يريد قتلك فقال حركني للبكاء عليه ارتكاضنا في بطن وارتضاعنا من ثدي.
стр. 434
التجافي عن ذنوبهم ومداواة عداوتهم
قال الشعبي: لا يكون الرجل سيدا حتى يكون مستعملا قول الشاعر:
وإنّي للبّاس على المقت والقلى ... بني العمّ منهم كاشح وحسود «١»
أذبّ وأرمي بالعصا من ورائهم ... وابدأ بالحسنى لهم وأعود
وقال سالم بن وابصة:
ونيرب من موالي السّوء ذي حسب ... يقتات لحمي وما تشفيه من قرم «٢»
داويت صدرا طويلا غمره حقدا ... منه وقلّمت أظفارا بلا جلم «٣»
وقال محمد بن عبد الأزدي:
ولا أدع ابن العم يمشي على شفا ... وإن بلغتني من أذاه الجنادع «٤»
والأبيات كلها.
قال الموسوي:
لويت إلى ودّ العشيرة جانبي ... على عظم داء بيننا وتفاقم
وقلّمت أظفاري وكنت أعدّها ... لتمزيق قربى بيننا ومحارم
وأوطأت أقوال الوشاة أخامصي ... وقد كان سمعي مدرجا للنّمائم «٥»
تأسّف من جنى عليه أقاربه فلم يكنه الانتصاف منهم
قال المتلمّس:
فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما
وما كنت إلا مثل قاطع كفّه ... بكفّ له أخرى فأصبح أجذما
يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليه مقدما
فاطرق إطراق الشّجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع ليمّما «٦»
وقال ذو الأصبع:
لولا أواصر قربى لست تحفظها ... ورهبة الله في من لا يعاديني
إذا بريتك بريا لا انجياب له ... إنّي رأيتك لا تنفكّ تبريني
стр. 435
من جازى أقاربه بذنوبهم فتأسّف لذلك
قال العديل العجلي:
ظللت أساقي الهمّ إخوتي الألى ... أبوهم أبي عند المزاح وفي الجدّ
كفى حزنا أن لا أزال أرى القنا ... يمجّ نجيعا من ذراعي ومن عضدي «١»
وإني وإن عاديتهم وجفوتهم ... لتألم ممّا عضّ أكبادهم كبدي
وقال قيس بن زهير:
فإن أك قد برّدت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلّا بناني «٢»
وقال آخر:
فإن تك حين تبلغهم بجرم ... وإن ظلموا لمحترق الضمير
الحثّ على معاقبة من يعادي من الأقارب
قال أوس بن حبنا التميمي:
إذا المرء أولاك الهوان فأوله ... هوانا وإن كانت قريبا أواصره «٣»
وقال غيره:
إذا مولاك كان عليك عونا ... أتاك القوم بالعجب العجيب
فلا تخنع إليه ولا تردّه ... ورام بنفسه عرض الجنوب
فما لك كالقلى في غير جدّ ... إذا ولّى صديقك من طبيب
من تبجّح بمعاداة ذويه
قال أرطاة بن سهية:
ونحن بنو عمّ على ذات بيننا ... ذراني فينا بغضة وتنافس
ونحن كصدع العسّ إن يعط شاعبا ... يدعه وفيه عيبه متشاخس «٤»
وتمثل يزيد بن معاوية لما بلغه قتل الحسين بن علي ﵄ بقول الفضل بن العباس بن عتبة:
مهلا بني عمّنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
(الأبيات) وهي في الحماسة.
стр. 436
ذمّ من يتطاول على ذويه في الرّخاء ويضرع لهم في اللأواء «١»
قال علمس بن عقيل:
فأما إذا عضّت بك الحرب عضّة ... فإنّك معطوف عليك رحيم
وأما إذا آنست أمنا ورخوة ... فإنّك للقربى ألدّ خصوم «٢»
وقال شاعر:
إذا أخصبتم كنتم عدوّا ... وإن أجدبتم كنتم عيالا «٣»
الشاكي ظلم مولاه وحده
قال شاعر:
إذا ما ابتنى المجد ابن عمّك لم تعن ... وقلت ألا يا ليت بنيانه هوى
تملّا من غيظ عليّ فلم يزل ... به الغيظ حتّى كاد في الغيظ ينشوى
وقال عبد الله بن طاهر:
أخي مالك لا تنفكّ عن ترتي ... كأن أعضاءنا لم تغذ من جسد
ذمّ عشيرة بدّد الجهل شملهم
وقال أبو يعقوب الجريمي:
كانوا بني أم ففرّق شملهم ... عدم العقول وخفّة الأحلام
وقال علاق بن مروان:
وكانت بنو ذبيان عزّا وإخوة ... فطرتم وطاروا يضربون الجماجما
وجوب تعظيم الأخ الأكبر
حضر عند النبي ﷺ أخوة، فتكلم أصغرهم فقال ﵇: كبروا كبروا. وقيل لحكيم معه أخ أكبر منه، أهذا أخوك، فقال: بل أنا أخوه.
وكان بين الحسن والحسين رضى الله عنهما كلام فقيل للحسين ادخل على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي ﷺ يقول أيما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضا الآخر كان سابقه إلى الجنة، وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر فبلغ قوله أخاه فأتاه عاجلا وأرضاه.
وصف أخوين مختلفين في الكيس والبلّة
من الأخوين اللذين كانا لأب وأم وتفاوتا في العقل جدا علي وعقيل ابنا أبي طالب، أمهما فاطمة الأسدية. ومعاوية وعتبة ابنا أبي سفيان، أمهما هند بنت عتبة.
стр. 437
وصف أخوين وضيع ورفيع
قال الأصمعي: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخ وهما لأب وأم مثل قول ابن المعتز لأخيه صخر:
أبوك أبي وأنت أخي ولكن ... تفاضلت المناكب والرؤوس «١»
وقال ابن أبي عيينة:
داود محمود وأنت مذمّم ... عجبا لذاك وأنتما من عود
فلربّ عود قد يشقّ لمسجد ... نصف وسائره لحشّ يهود «٢»
وقال الموسوي:
تفرّد بالعلياء عن أهل بيته ... وكلّ يهدّيه إلى المجد والد
وتختلف الأثمار في شجراتها ... إذا شرقت بالماء والماء واحد
وقال السيد الحميري:
فإن قلتم أبونا عبد شمس ... فإن الزنج من أولاد نوح
هما عرقان من أصل جميعا ... ولكن ليس نبع مثل شيح «٣»
وقال أبو العواذل:
عليّ وعبد الله ينميهما أب ... وشتّان ما بين الطبائع والفعل
ألم تر عبد الله يلحى على النّدى ... عليّا ويلحاه عليّ على البخل «٤»
وقال رجل لأخيه لأهجونّك، فقال: كيف تهجوني وأنا أخوك لأبيك وأمك. فقال:
غلام أتاه اللؤم من شطر نفسه ... ولم يأته من شطر أم ولا أب
عذر من صارم أخاه وباعده وجفاه
كتب الفضل بن سهل إلى المأمون أما بعد فإن المخلوع وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة فقد فرق كتاب الله بينهما، فيما اقتص علينا من نبأ نوح، قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح. فلا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة ما كانت القطيعة في ذات الله والسلام وقيل لأعرابي لم تقطع أخاك شقيقك، فقال: أنا أقطع الفاسد من جسدي الذي هو أقرب إليّ منه فكيف لا أقطعه إذا فسد.
стр. 438
وصف أخوة متفاوتة في الخلقة
قال مخنث لأبي عباد وكان قبيحا ومعه أخ صبيح: ما أمّك إلا شجرة البلوط تحمل سنة بلوطا وسنة عفصا، أخذه ابن طباطبا فقال:
أمّ أبي عيسى وإسحاق غدت مرتهنه ... بصورة قبيحه جدا وأخرى حسنه
متى تسل عن قصة إبنيها تقل يا ابن هنه ... أنا التي تشبهها البلوطة الممتحنه
تحمل بلّوطا سنة ... وتحمل العفص سنه
لقد أتت بحجّة ... لله درّ الفطنه
وقال آخر:
أما رأيت بني بدر وقد حفلوا ... كأنّهم خبز بقال وكتّاب
هذا طويل وهذا حنبل جحد ... يمشون خلف عمير صاحب الباب «١»
ما يجب أن يكون عليه فضلاء الأقارب
قال عبد الملك لغيلان: أخبرني عن أفضل البنين، فقال: السار البار المأمون منه العار. قال: فأفضل البنات، قال: المتعجلة إلى القبر المفيدة أباها سنا الأجر. قال:
فأفضل الإخوان، قال: الشديد العضد الكريم المشهد الذي إذا شهد سرّك وإذا غاب برّك.
قال: فأفضل الأخوات، قال: التي لا تفضح أخاها ولا تكسو عارا أباها. فقال عبد الملك: لله أم درّت عليك.
فضيلة الخؤولة وكونها كالأبوة
يروى أن الأسود ابن وهب خال رسول الله ﷺ استأذن عليه فبسط له رداءه، فقال الأسود:
حسبي أن أجلس على ما أنت عليه، فقال ﷺ : اجلس فإن الخال والد، فأجلسه عليه.
وقال عمر ﵁: لئن بقيت لأسوّينّ بين طرفي رسول الله ﷺ حتى إذا قيل: بنو هاشم قيل: بنو زهرة، فإن الله اختارهم له من قبل أمه كما اختار بني هاشم من قبل أبيه.
وقال الحجّاج لابن معمر: إنك تزعم أن الحسن والحسين ﵄ ابنا رسول الله ﷺ ، قال: نعم، قال: والله لأقتلنك. فقال ابن معمر: أليس الله يقول ومن ذريته داود وسليمان إلى قوله وزكريا ويحيى وعيسى وإنما عيسى ابن مريم ابن بنت، فقال: نجوت.
ذمّ الخؤولة وإنّها ليست بنسب
قال حسّان بن وعلة:
إذا كنت في سعد وأمّك منهم ... غريبا فلا يغزرك خالك من سعد
стр. 439
فإنّ ابن أخت القوم مصغ إناءه ... إذا لم تزاحم خاله بأب جلد «١»
وتقدم شاب إلى عبد الله بن الحسين فقال: إن جدّي أوصى بثلث ماله لو لد ولده وأنا من ولد بنته والوصي ليس يعطيني منه، فقال: لا حق لك فيه، أما سمعت قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهنّ أبناء الرّجال الأباعد
المدّعي قرابة بعيدة
قال رجل لآخر: لست ترعى حقى وبيننا قرابة فقال من أين؟ قال: إن أباك كان قد خطب أمي فلو تم الأمر لكنت أنا أنت، فقال هذه والله رحم ماسة.
وتعرض رجل لهشام وادعى أنه أخوه، فسأله من أين ذلك؟ قال من الأم فأمر بأن يعطى درهما، فقال: لا يعطى مثلك درهما، فقال: لو قسمت ما في بيت المال على القرابة التي ادعيتها لم ينلك إلا دون ذلك.
وقال ابن مقرع في زياد:
وأشهد أن آلك في قريش ... كآل السقب من ولد الحمار
وفي شعر آخر:
كآل السقب من آل النّعام
стр. 440
الحدّ السادس في الشكر والمدح والحمد والذم والاغتياب والأدعية والتهنئة والهدية والمرض
(١) فمما جاء في الشكر
حقيقة الشّكر
قيل: الشكر ثلاثة: شكر لمن فوقك بالطاعة قال الله تعالى: اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً
«١» ، ولمن فوقك بالإفضال قال الله تعالى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ
«٢» ، ولنظيرك بالمكافأة «٣» قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
«٤» .
وقيل: الشكر ثلاث منازل، ضمير القلب وثناء اللسان والمكافأة بالفعل. وقال عمر بن عبد العزيز: ذكر النعم شكر.
إيجاب الشكر
قال النبي ﷺ : من كان عليه يد فليكافأ عليها فإن لم يفعل فليثنين عليه فإن لم يفعل فقد كفر النعمة. وقيل: إذا قصرت يدك بالمكافأة فليطل لسانك بالشكر.
قال شاعر:
أعليّ لوم إن مدحت معاشرا ... خطبوا إلى المدح بالأموال «٥»
يتزحزحون إذا رأوني مقبلا ... عن كلّ متكامن الإجلال
ذمّ الكفران
خطب نصر بن سيار فقال: قال النبي ﷺ من أنعم على قوم فلم يشكروه فدعا الله
стр. 441
عليهم استجيب له فيهم، اللهم إني قد أحسنت إلى آل سام فلم يشكروه اللهم فاذقهم حر الحديد فما دار عليهم الحول حتى قتلوا جميعا. وقال الله تعالى: وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ
«١» إذا قلّ الشكر حسن المن. روي عن النبي ﷺ أنه قال لعن الله قاطعي سبل المعروف فقيل: من هم؟ قال: من أزهد في المعروف لكفران النعمة.
الحثّ على استزادة النّعمة وارتباطها بالشكر
قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
«٢» وقال عمر ﵁: أهل الشكر في مزيد من الله تعالى لهذه الآية، قيل: لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت.
الشكر نسيم النعم، النعمة وحشية فاشكلوها بالشكر.
وقال النبي ﷺ : أوطد الناس نعمة أشدهم شكرا، وقال النبي ﷺ : أشكر لمن أنعم عليك وأنعم على من شكرك فإنه لا زوال للنعمة إذا شكرت ولا بقاء لها إذا كفرت وإذا كانت النعمة وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة.
وقال ابن المقفع: استوثقوا عز النعم بالشكر. وقيل: النعم إذا شكرت قرت وإذا كفرت فرت. قال ابن سقلاب: رأيت البحتري فقلت ما خبرك فأنشد بديهة:
يزيد تفضّلا وأزيد شكرا ... وذلك دأبه أبدا ودأبي
الحثّ عن الإسداء إلى من لا يشكر
قال عمرو بن مسعدة قيل: لا تصحب من يكون استمتاعه بمالك وجاهك أكثر من امتاعه لك بشكر لسانه وفوائد عمله. وقيل: اصنع المعروف إلى من يشكره ويذكره واطلبه ممن ينساه.
من تكفّل لمسترفده بشكره
قال دعبل:
لأشكرنّ لنوح فضل نعمته ... شكرا تصادر عنه ألسن العرب
وقال البحتري:
فإن أنا لم أشكرك نعماك جاهدا ... فلا نلت نعمى بعدها توجب الشّكرا
وقال عمارة بن عقيل:
فلأشكرنّك بالذي أوليتني ... ما بلّ ريقي للكلام لساني
وقال أبو تمّام:
لئن جحدتك ما أوليت من حسن ... إنّي لفي اللؤم أحظى منك في الكرم
стр. 442
ولبعض المتأخرين:
لأملأنّ لسان الشّكر فيك فقد ... أطلقته بفعال ملؤه كرم
من لم يردعه خوفه عن شكر المحسن إليه
بعث المنصور إلى شيخ من بطانة هشام فاستحضره وسأله عن تدبير هشام وأحواله، فأقبل الشيخ يقول: فعل ﵀، وقال: يوم كذا ﵀، فقال المنصور قبّحك الله أتطأ بساطى وتترحّم على عدوّي، فقال الشيخ: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي لا ينزعها إلّا غاسلي، فقال المنصور: ارجع إلى حديثك فإني أشهد أنك غرس شريف وابن حرة.
ولما قتل مسلمة بن عبد الملك يزيد بن المهلب أمر بأن يحضر الشعراء ليقولوا في ذلك، فلم يألوا أن ذكروه بأقبح ما قدروا عليه ما خلا رجلا من بني دامر فإنه قال: لا أذم رجلا لا أملك ربعا ولا مالا ولا أثاثا إلا منه ولو قطعت إربا إربا، ولقد رثيته بأحسن ما يرثى به رجل، فأنشد أبياتا رائعة فجزاه سليمان خيرا، وقال: إذا اصطنع فليصطنع مثل هذا.
المظهر عجزه عن شكر المنعم عليه
قال أبو الوفاء:
أيادي لا أستطيع كنه صفاتها ... ولو أن أعضائي جميعا تكلّم
وقال بعضهم:
شكري لا يقع من نعمه المتظاهره ... موقع النقطة من الدائره
وقال شاعر:
ولو أنّ لي في كلّ منبت شعرة ... لسانا يبثّ الشكر فيك لقصّرا
وقال آخر:
وأسكتتي نعمى كأنّي مفحم ... ولم أر مثلي مفحما وهو مقول «١»
وقال آخر:
أيادي منهم ليس يبلغها الشّكر
وقال الغسّاني:
أثقلت بالشّكر كلّ عاف ... فراقب الله في الرّقاب «٢»
وقال آخر:
ما زلت تحسن ثمّ تحسن عائدا ... وأعود شاكر نعمة فتعود
فتزيدني نعما وأشكر جاهدا ... فكذاك نحن تزيدني وأزيد
стр. 443
وقال آخر:
فإن يك أربى عفو شكرك عن يدي ... أناس فقد أربى نداه على شكري «١»
المستنكف آلاء معطيه عجزا عن شكره
وقال المتنبّي:
ولم نملل تفقدك الموالي ... ولم نذمم أياديك الجساما
ولكن الغيوث إذا توالت ... بأرض مسافر كره الغماما
وقال محمد بن أبي عمران:
رويدك لا تعنف عليّ واعفني ... على حسب أقضي ما أطيق من الشكر
وقد أجاد أبو نواس في هذا المعنى:
أنت امرؤ جلّلتني نعما ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا
لا تسدينّ إليّ عارفة ... حتّى أقوم بشكر ما سلفا «٢»
وقد أبدع البحتري في هذا المعنى، حيث يقول:
أخجلتني بندى يدي وسوّدت ... ما بيننا تلك اليد البيضاء
وقطعتني بالجود حتّى إنّنّي ... متخوّف أن لا يكون لقاء
وله أيضا:
أيها أبا الفضل شكري منك في نصب ... أقصّر فمالي في جدواك من أرب «٣»
لا أقبل الدّهر نيلا لا يقوم له ... شكري ولو كان مسديه إلى أبي
وقال العثماني في الصاحب:
وفدنا لنشكر كافي الكفاة ... ونسأله الكفّ عن برّنا «٤»
فقال العلوي قد كفيت فإن الصاحب صار لا يعطي شيئا.
من لا يخفي أياديه
أياد تتضوع ونعم تسطع وآلاء تتطلع.
قال الشمردلي:
أياديك لا تخفى مواقع صوبها ... فتعفو إذا ما ضيّع الحمد والشكر
وهل تستطيع الأرض من بعد ما انطوت ... على ريّها إنكار ما فعل القطر
стр. 444
وقال نصيب:
فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «١»
وقال آخر:
هب الروض لا يثني على الغيث نشره ... أمنظره تخفى مآثره الحسنا
وقال أبو الحسين الحسني:
وكيف بكفراني صنائعه التي ... إذا جحدت يوما أقرّ بها جلدي
ذكر الحال بأنّها منبئة عن المقال
في المثل: لسان الحال أفصح من لسان الشكر. وقال الجاحظ: نحن نزخرف باللسان والناس يقضون بالعيان وفي أمرنا أثر ينطق عنا ويتكلم إذا سكتنا.
وقال الموسوي:
وإذا سكتّ فإنّ أنطق من فمي ... عنّي يد المعروف والإحسان
المسلف شكره قبل النّعم
وقال محمد بن عمران:
شكرتك قبل الخير أن كنت واثقا ... بأني بعد الخير لا شكّ شاكر
عتبك من شكرته ولما يستوجب
وقال مسلم:
فما من يد قدمتها كنت مثنيا ... عليك ولكنّي هززتك للمجد
وإن شئت ألقيت التفاضل بيننا ... وقلنا جميلا واقتصرنا على الحمد
وقال آخر:
وشكر الفتى من غير عرف ولا يد ... ولا منّة توليه هزة عاتب «٢»
وقال الصاحب:
وإذا الصديق أدام شكري للّتي ... لم آتها إلّا على التّقدير
أيقنت أن العتب باطن أمره ... فسكّت محتشما على التقصير
وقال آخر:
إذا ما المدح صار بلا ثواب ... من الممدوح كان هو الهجاء
стр. 445
وقال دعبل:
لا يقبلون الشكر ما لم ينعموا ... نعما يكون لها الثناء تبيعا
وقيل: من رضي بالثناء قبل الاستحقاق تبين ضعف عقله.
الحثّ على الشكر بقدر الاستحقاق
قال أمير المؤمنين ﵁ الثناء من غير الاستحقاق ملق «١» والتقصير عن الاستحقاق عيّ وحسد. وقال رجل لابن الأعرابي: إن نصيبا يقول إنما تمدح الرجال على قد ثوابها، فقال: إن العرب تقول: على قدر ريحكم تمطرون.
شكر من همّ بإحسان وإن لم يفعله
من لم يشكر على حسن النية على إسداء العطية، وكتب الصاحب: إن شكرت فاشكر النية لا العطية، قال شاعر:
لأشكرنّك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف
ولا أذمّك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المحتوم مصروف
ثقل الحمد وتفضيله على الرفد
قال محمود:
فما بلغت أيدي المنيلين بسطة ... من الطول إلا بسطة الشكر أطول
ولا رجحت في الوزن يوما صنيعة ... على المرء إلا منّة الشكر أثقل
وقال آخر:
تبهج لي بعرف تشتريه ... بشكرك أنه بالشكر غال
وقال أبو تمّام:
والحمد شهد لا ترى مشتاره ... يجنيه إلا من نقيع الحنظل «٢»
غل لحامله ويحسبه الذي ... لم يوه عاتقه خفيف المحمل «٣»
ومن باب ثقل الشكر ما روى عن بعض الصالحين، وقد قيل له: مالك لا تطلب الدنيا، فقال: من خاف السؤال عن الشكر طابت نفسه عن المال.
المستغني عن رفد من استغنى عن الشّكر
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
لئن طبت نفسا عن ثنائي إنني ... لأطيب نفسا عن نداك على عسري
стр. 446
وقال أبو العتاهية:
ما فاتني خير امرىء وضعت ... عنّي يداه مؤونة الشّكر
ذمّ من كفر نعمة
قال الله تعالى: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ
«١» وقال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
«٢» وقيل:
من لم يشكر الناس لم يشكره الله، وأخذه البحتري فقال:
فمن لا يؤدي شكر نعمة خلّه ... فأنّى يؤدي شكر نعمة ربّه
وقال النبي ﷺ : إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة قال لعبد هل شكرت فلانا فيقول:
يا رب علمت أنك المنعم فشكرتك، فيقول الله تعالى: لم تشكرني إذا لم تشكر من أجريت ذلك على يده. وقيل: إذا وقع الكفر وجب المن.
وقال الخبزارزي:
من لم يلاق كرامات الرجال له ... بالشكر أصبح في طرق الهوان لقى «٣»
وقال أبو تمّام:
شر الأوائل والأواخر ذمّة ... لم تصطنع وصنيعة لم تشكر
وقيل: هو أكثر من ناشرة، وكان قد أخذه همام بن مرة من أمه وأرادت أن تئده فلما بلغ سعى في قتل همام، وقيل: من لم يحمد صاحبه على حسن العطية كيف يحمد على حسن النية.
(٢) ومما جاء في المدح ومستحقيه والهجو وذويه
وصف الثناء بالبقاء والترغيب فيه
فسر قول الله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
«٤» بأنه الثناء الحسن، وقال تعالى: وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ
«٥» أي يقال له هذا أطول الناس عمرا أعمهم بالخير ذكرا، في الثناء الباقي على الدهر خلف من نفاد العمر. وقال الأسدي:
وإنّي أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أبيت ولم ألم
стр. 447
وقال آخر:
وبقاء الذكر في الأحياء للأموات عمر وقال الروم: ما فني من بقي ذكره. وقيل لبزرجمهر حين كان يقتل: تكلم بكلام نذكره، فقال: الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن تكون حديثا حسنا فافعل.
قال شاعر في معناه:
وكن أحدوثة حسنت فإني ... رأيت الناس كلّهم حديثا
وقال آخر:
أرى النّاس أحدوثة ... فكوني حديثا حسن
ولما جعل ابن الزيات في التنور، قال له خادمه: يا سيدي قد صرت إلى ما صرت وليس لك حامد. قال: وما نفع البرامكة صنيعهم. قال: ذكرك لهم الساعة. فقال:
صدقت وقال:
حب الثناء طبيعة الإنسان
التحذير من ألسنة الشعراء وذمّهم
قيل: اتقوا ألسنة الشعراء فإنها سمة لائحة، وأنشد:
وللشعراء ألسنة حداد ... على العورات موفية دليله
إذا وضعت مكاويهم عليها ... وإن كذبوا فليس لهن حيله
ومن عقل الفتى أن يتقيهم ... ويدفعهم مدافعة جميلة
فضل الشكر على الوفر والحمد على الرّفد
قال عمر بن الخطاب ﵁ لابنة هرم: ما وهب أبوك لزهير فقالت أموالا فنيت وأثوابا بليت وأشياء انتسيت، فقال عمر ﵁: لكن ما أعطاكموه زهير لا يفنى ولا ينسى وكتب أرسطوطاليس إلى الإسكندر أن كل عقيلة يأتي عليه الدهر فيخلق أثره ويميت ذكره إلا ما رسخ في القلوب من الذكر الحسن يتوارثه الأعقاب.
التخويف من فعل يورث قبح الذكر
قال بعضهم: فلان حافظ من اليوم أعقاب الأحاديث في غد.
قال عوف بن محلم:
فتى يتّقي أن يخدش الذمّ عرضه ... ولا يتّقي حد السيوف البواتر
وقال أبو لحاد:
حذار الأحاديث التي يوم غيّها ... عقدن بأعناق الرجال المخازيا «١»
стр. 448
حثّ محبّ الحمد على أسداء النعم
قال حكيم: من أحب الثناء فليصبر على بذل العطاء وليوطن نفسه على الحقوق المرة على احتمال المؤونة.
وقال شاعر:
ما أعلم النّاس أن الجود مكسبة ... للحمد لكنّه يأتي على النّشب «١»
وقال:
أي أحدوثة تحب فكنها
فضل استقبال الإنسان بممادحه
خياركم من ملئت مسامعه من حسن الثناء وهو يسمع وشراركم من ملئت مسامعه من قبح الثناء وهو يحذر. وقال خالد بن سالم دخلت عليّ أسامة بن زيد فأثنى عليّ ثناء حسنا، ثم قال لي: إنما حملني على أن أمدحك وجهك لأني سمعت النبي ﷺ يقول: إذا مدح الإنسان في وجهه ربا الإيمان في قلبه، وقال رجل لرسول الله ﷺ : إني أحب أن أمدح، فقال: وما عليك أن تعيش حميدا وتموت فقيدا. وروي عنه ﷺ أنه قال: ما أحد أحب إليه المدح من الله فقد مدح نفسه وأمر العباد بمدحه.
كراهية ذلك
سمع النبي ﷺ رجلا يثني على آخر فقال: قطعت مطاه «٢» لو سمع ما أفلح. وقال عمر بن الخطاب ﵁: المدح ذبح. وقيل إن الإطراء يدعو إلى الغفلة. ولما جرح عمر رضي الله تعالى عنه أثنى عليه الناس، فقال: المغرور من غررتموه لو أن لي ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع. وقيل: استحياء الكريم من المدح أكثر من استحياء اللئيم من الذم. وأثنى رجل على هشام بن عبد الملك فقال: إنا نكره المدح، فقال: لست أمدحك ولكني أحمد الله فيك.
استحسان المدح بين الإخوان واستقباحه
قيل: إذا قدم الإخاء سمج الثناء.
قال كشاجم:
ومستهجن مدحي له إن تأكدت ... لنا عقد الإخلاص والحقّ يمدح
وما بي الذي في القلب إلا تبيّنا ... وكلّ إناء بالذي فيه يرشح «٣»
стр. 449
التحذير ممّن يمدحك في وجهك تصنّعا
قيل: أعوذ بالله من صديق يطري وجليس يغري. وكان رجل يكثر الثناء على أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه، وعلم من قلبه خلاف قوله، فقال له: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك. قال الجاحظ: شر الشكر ثناء المواجه لك المسرف في مدحك وخيره ثناء الغائب عنك المقتصد في وصفك.
وصف العتابي رجلا بالمداهنة، فقال: ذلك إن وجد مادحا مدح وإن وجد قادحا قدح وإن استودع سرا افتضح.
قال أبو فراس:
ولا تقبلنّ القول من كل قائل ... سأرضيك مرأى لست أرضيك مسمعا
التحذير ممّن يتجاوز الحدّ في مدحك
قيل: كن ممن أفرط في تزكيتك أحذر ممن أفرط في الزراية بك. وقيل: من مدح الرجل بما ليس فيه فقد بالغ في ذمه. وفي المثل: من حفنا أو رفنا فليقتصد. وقيل: من أحب أن يمدح بما ليس فيه استهدف للسخرية.
من وضع نفسه وكره الثناء
لما ولي أبو بكر ﵁ خطب فقال: إني وليتكم ولست بخيركم فلما بلغ الحسن قوله قال: بلى ولكن المؤمن يهضم نفسه. وقال الفضيل: لو شممتم رائحة الذنوب مني ما قربتموني، وأثنى على زاهد فقال: لو عرفت مني ما عرفت من نفسي لأبغضتني.
قال المتنبيّ:
يحدّث عن فضله مكرها ... كأنّ له منه قلبا حسودا «١»
ما يقول الفاضل عند مدح الناس له
كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه يقول إذا مدح: اللهم أنت أعلم مني بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرا مما يحسبون واغفر لي ما لا يعلمون ولا تؤاخذني بما يقولون. وقيل لأعرابي: ما أحسن الثناء عليك، فقال: بلاء الله عندي أحسن من وصف المادحين وإن أحسنوا وذنوبي إلى الله أكثر من عيب الذامين وإن أكثروا.
النهي عن المدح قبل الاختبار
قيل: لا تهرف قبل أن تعرف. وقيل: لا تحمدنّ أمة عام شرائها ولا حرة قبل بنائها.
وقال رجل لعمر ﵁: إن فلانا رجل صدق فقال: هل سافرت معه أو ائتمنته، قال
стр. 450
لا. فقال: إذا لا تمدحه فلا علم لك به لعلك رأيته يرفع رأسه ويخفضه في المسجد «١» .
عتب من يمدح نفسه
قيل: خطب معاوية خطبة حسنة فقال: هل من خلل فقال رجل: من عرض الناس خلل كخلل المنخل فاستدعاه، وقال: ما ذاك الخلل فقال: إعجابك به ومدحك له. وقيل لحكيم: ما الذي لا يحسن وإن كان حقا قال مدح الرجل نفسه.
وقال معاوية لرجل: من سيد قومك فقال: أنا، فقال له: لو كنت كذلك لم تقله.
وسئل الشاعر الأهوازي كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله أظرف الناس وأشعر الناس وآدب الناس، فقال السائل: اسكت حتى يقول الناس ذلك، فقال: أنا منذ ثلاثين سنة انتظر الناس وليسوا يقولون ومدح أعرابي نفسه فعوتب في ذلك، فقال: أكله إليكم إذا لا تقولون أبدا.
الرخصة في ذلك
قال النبي ﷺ : أنا سيد العرب ولا فخر. وحكى الله تعالى عن يوسف الصديق ﵇ أنه قال: إني حفيظ عليم ولم يستقبح ذلك من الشعراء، إذ قالوه نظما.
عذر من يحوج إلى مدح نفسه ومن عرّض بذلك
قد أحسن ابن الرومي في ذلك حيث يقول:
وعزيز عليّ مدحي لنفسي ... غير أني جشّمته للدّلاله «٢»
وهو عيب يكاد يسقط فيه ... كلّ حرّ يريد يظهر حاله
ووصف للمنصور مشير بن ذكوان فأمر بإشخاصه إليه، فلما دخل قال له: أعالم أنت؟ فقال: أكره أن أقول نعم وفيه ما فيه أو أقول لا فأكون جاهلا، فأعجب المنصور بجوابه وألزمه المهدي. وسأل المأمون عبد الله بن طاهر عن ابنه، فقال ابني: إن مدحته ذممته وإن ذممته ظلمته إلا أنه نعم الخلف لسيده من عبده إذا اخترمته منيته.
من عجز الشعراء عن استيعاب مدحه
قال المالكي:
جهدت ولم أبلغ مداك بمدحة ... وليس مع التقصير عندي سوى العذر
وفي شعر آخر:
وليس على من كان مجتهدا عتب
стр. 451
وقال آخر:
يزيد على شأوي زياد وجرول ... وقد غودر ابن العبد في نظمه عبدي
وقال أشجع:
مدحناهمّ فلم ندرك بمدح ... مآثرهم ولم نترك مقالا
وقال المتنبيّ:
وقد وجدت مكان القول ذا سعة ... فإن وجدت لسانا قائلا فقل «١»
وقال ابن الحجّاج:
هو البحر إن حدثت عن معجزاته ... ضعفت عن استغراق تلك العجائب
وإن رام شعري بأن يحيط بوصفه ... أحاط بشعري العجز من كلّ جانب
من كثرت ممادحه سهل الشعر على مادحه
قيل للفرزدق: أحسن الكميت في الهاشميات، فقال: وجد آجرا وجصّا فبنى. كتب بعضهم: فتحت شيمه على المداح مستغلقات الكلام. وقال آخر: جود آل المهلب تراهم أهدافا للمديح.
قال أحمد بن أبي طاهر:
إذا نحن حكنا الشعر فيك تسهّلت ... علينا معانيه وذلّت صعابها
فما انتظمت إلا عليك عقودها ... وما انتشرت إلا عليك ثيابها
وقال ابن الرومي:
كرمتم فجاش المفحمون لمدحكم ... إذا رجزوا فيكم أبيتم فقصّدوا «٢»
كما أزهرت جنّات عدن وأثمرت ... فأضحت وعجم الطير فيها تغرّد
وله:
عجبت لمن يهديه للشعر مدحكم ... وتنطقه أيامكم وهو مفحم
وقال نصيب الأصغر:
ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك النّاس كلّهم شعراء
فأجمعوا على جودته، وأنه لا عيب فيه إلا أنه منفرد. ولعابدة المهلبيّة:
فيا يوما أديل الموت فيه ... وقال السّيف للشعراء قولوا
стр. 452
من أحيا بأفضاله طريقة الشعر .
قال أبو تمّام:
ملك إذا ما الشعر حار ببلدة ... كان الطريق لطرفه المتحيّر «١»
وله:
وحياة القريض إحياؤك الجو ... د فان مات الجود مات القريض
وقال المتنبّي:
يا أيها المحسن المشكور من جهتي ... والشكر من قبل الإحسان لا قبلي
وقالت عابدة المهلبية:
إليّ إليّ أيتها القوافي ... سيغلي مهرك الملك الجليل
ويروى للخوارزمي:
خذي ثأر الكساد من اللّيالي ... لكل صناعة يوما مديل «٢»
وقيل لذي الرمّة: لم خصصت بلالا بمدحك؟ قال: لأنه وطأ مضجعي وأكرم مجلسي فاستولى بذلك على شكري ومدحي.
المستفاد منه ما يمدح به
قال أحمد بن إسماعيل:
وإني وإن أحسنت في القول مرة ... فمنك ومن إحسانك امتارها جسمي «٣»
وقال آخر:
تعلّمت ممّا قلته وفعلته ... فأهديت حلوا من جناي لغارس
وقال ابن طباطبا:
لا تنكرنّ إهداءنا لك منطقا ... منك استفدنا حسنه ونظامه
والله يشكر فعل من ... يتلو عليه وحيه وكلامه
وقال آخر:
إن جدّ معنى فمن جدواه معتصر ... أو جلّ لفظا فمن علياه مهتصر «٤»
المعني بكلّ مدح حسن
متى ما أقل في آخر الدهر مدحة ... فما هي إلا في ليالي المكرم
стр. 453
قال المتنبيّ:
فظنّوني مدحتهم كثيرا ... وأنت بما مدحتهم مرادي
من يليق به مدحه
قال المتنبّي:
وأصبح شعري منهما في مكانه ... وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
وقال ابن الرومي:
خذها هديا ولم أنكحكها عزبا ... يا ابن الوزير وكم أنكحت من عزب
وقال عليّ بن عبد العزيز:
وأرى المديح إذا عداك نقيصة ... فأعافه ولو أنّه في حاتم «١»
فإذا امتدحت سواك قال الشعر لي ... لم ترع حقّي إذ أبحت محارمي
من يستطاب مدحه
قال أبو تمّام:
عذبت ممادحه بأفواه الورى ... فثناؤه ينتاب كلّ مكان «٢»
وقال المتنبّي:
ألذّ من الصّهباء بالماء ذكره ... وأحسن من يسر تلقاه معدم
المجمع على مدحه
ذكر أعرابي رجلا فقال: كأن الألسن والقلوب ريضت له فما تعقد إلا على ودّه ولا تنطق إلّا بحمده. وقيل: غاية المدح أن يمدحك من لا معرفة له بك ضرورة إلى مدحك، وأن يسلفك حسن الثناء من عسى أن لا يصل منك إلى نفع.
وقال البحتري:
وأرى الخلق مجمعين على فضلك ... من بين سيّد ومسود
عرف الجاهلون فضلك با ... لعلم وقال الجهال بالتقليد
وقال ابن أبي طاهر:
وما أنا في شكري عليّا بواحد ... ولكنّه في الفضل والجود واحد
من لا يجد أحد عن مدحه محيصا
قال أبو عمر: وغاية المدح أن يمدحك من لا يريد مدحك وغاية الذم أن يذمك من
стр. 454
لا يريد ذمك، وكتب بعضهم: الجاحد فضلك كمن سمى النهار ليلا والشمس ظلا.
قال ابن الرومي:
يا من إذا قلت فيه صالحة ... عند عدو أقرّ واعترفا
وقال آخر:
ليس يستطيع أن يقول المعادي ... فيك إلا الذي يقول الموالي
وقال السلامي:
فما عثرت لكم تهم الأعادي ... على خلق ولا خلق قبيح
من مدحه صدق غير منحول
قال الأحوص:
وما أثني من خير عليك فإنّه ... هو الحق معروفا كما عرف الفجر
وقال ابن الرومي:
إذا امتدحوا لم ينحلوا مجد غيرهم ... وهل ينحل الأطواق ورق الحمائم «١»
وكتب بعضهم: مما يبسط لسان مادحك أمنه من تحمل الإثم فيه وتكذيب السامعين.
من يتزيّن بممادحه المدح والمدّاح
قال ابن الرومي:
أنت زنت القلائد الزّهر قدما ... ضعف ما زانت القلائد جيدك
وقال الرفاء:
إذا القوافي بذكره اشتملت ... عطّرها ذكره وحلّاها
وقال آخر:
وتزينت بصفاته المدح
وقال آخر:
على تطيب بريّاها مدائحنا ... كالمسك تأخذ منه الريح أعرافا «٢»
المستغني عن المدح لكثرة فضله
كتب بعضهم: إذا أنا تعاطيت مدحك فكالمخبر عن ضوء النهار الباهر والقمر الزاهر وهل يخفى ذلك على الناظر.
стр. 455
قال البحتري:
جلّ عن مذهب المديح فقد ... كاد يكون المديح فيه هجاء «١»
وقال المتنبّي:
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّه ... بأكثر ما يثنى عليه يعاب
من ذكر أن أحدا لا يستغني عن الشّكر
وقال شاعر:
فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزّة ملك وارتفاع مكان
لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيّها الثقلان «٢»
مدحك محسنا لم ينلك إحسانه
قال أبو تمّام:
وحسبي أن أطري الحسام إذا مضى ... وإن كان يوم الروع غيري حامله «٣»
وقال عمارة بن عقيل:
أرى الناس طرّا حامدين لخالد ... وما كلّهم أفضت إليه صنائعه
ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى ... إذا كرمت أعراقه وطبائعه
المعتذر إلى رئيس لمدحه غيره
كان ابن الزيات عاتب أبا تمام في مدحه سواه فاعتذر إليه بقوله:
أما القوافي فقد عضلت عذرتها ... فما يصاب دم منها ولا سلب «٤»
ولو منعت من الأكفاء أيّمها ... ولم يكن لك في إظهارها أرب «٥»
كانت بنات نصيب حين ضنّ بها ... عن العوالي ولم تحفل بها العرب «٦»
وقال بعض الأكابر لأبي هفان مالك لا تمدحني، فقال:
لسان الشكر تنطقه العطايا ... ويخرس عند منقطع النوال «٧»
تبكيت من يذمّ من لا يستحق الذم
قام رجل في أيام صفّين إلى معاوية ﵁، فقال: اصطنعني فقد قصدتك من
стр. 456
عند أجبن الناس وأبخلهم وألكنهم، فقال: من الذي تعنيه؟ قال: علي بن أبي طالب.
فقال: كذبت يا فاجر. أما الجبن فلم يك قط فيه وأما البخل فلو كان له بيتان بيت من تبر وبيت من تبن لأنفق تبره قبل تبنه، وأما اللكن فما رأيت أحدا يخطب ليس محمدا ﷺ أحسن من عليّ إذا خطب. قم قبّحك الله ومحا اسمه من الديوان.
وقف رجل على شيرويه فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك وملّكك ما كنت أحقّ به منه وأراحنا من عتوّه ونكده، فقال للحاجب: احمله إليّ. فقال له: كم كان رزقك؟ قال: ألفان، قال: والآن، قال: ما زيد شيء. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه وإنما ابتداء نعمتك منه ولم نزد لك. وأمر أن ينزع لسانه من قفاه.
بخيل راغب في مدح بلا صلة
قال الغفالي:
عثمان يعلم أن المدح ذو ثمن ... لكنّه يبتغي حمدا بمجّان
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتّى يروا عنده آثار إحسان
وقال علي بن الجهم:
أردت شكرا بلا برّ ومرزية ... لقد سلكت طريقا غير مسلوك
وقال البحتري:
خطب المديح فقلت خلّ طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه
أخذه أبو تمّام حيث يقول:
تزحزحي عن طريق المجد يا مضر
عذر من يغتاب مسيئا
قال المتوكل لأبي العيناء: إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا، وذلك دأب الله رضي عن عبد فمدحه. وقال: نعم العبد أنه أواب، وغضب على آخر فزناه فقال: ويلك وكيف زناه؟ قال: إنه قال في الوليد عتل بعد ذلك زنيم، والزنيم هو الداخل في القوم وليس منهم، ثم أنشد:
إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا ... ولم أذمم الحيس اللئيم المذمّما «١»
ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما
وقال ابن أبي عيينة:
أنا ما عشت عليه ... أسوأ النّاس ثناء
стр. 457
إنّ من كان مسيئا ... لحقيق أن يساء
تذمّم من مدح لئيما فحرمه
قال أعرابي وقد مدح رجلا فخيّبه: إن فلانا تعدّى بلؤمه من تسمى باسمه ولئن خيبني فلرب قافية قد ضاعت في طلب كرمي.
ومدح بشار المهدي بشعر فخيبه، فقيل له: لعلك لم تستجد المدح، فقال: لو مدحت بشعري ذلك الدهر لم أخش صرفه على حر ولكن أكذب في العمل وأخيب في الأمل، وأنشد:
إنّي مدحتك كاذبا فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب
قال ابن الرومي وقد هجا كبيرا أمل منه كثيرا فأجازه حقيرا:
أتيتك مادحا فهجوت شعري ... وكانت هفوة منّي وغلطه
لذلك قيل في مثل سخيف ... جزاء مقبّل الوجعاء ضرطه
ولابن ربذة:
مدحت الغالبيّ بمدح صدق ... فقابل مدحتي بجريب حنطه
فإن لاقيته يا صاح يوما ... فحيّ سباله عنّي بضرطه «١»
قال أبو هشام الباهلي:
لكلّ أخي مدح ثواب يعده ... وليس لمدح الباهليّ ثواب
مدحت ابن سلم والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب
ومدح أعرابي رجلا فلم يعطه، فقال المادح: إنه أباحني عرضه فتنزهت له.
وقال أبو الهول:
هززتك للعلى فكبوت عنها ... كبوّ البغل طال به التعنّي «٢»
وقال آخر:
ولم ألبسك ثوب الفخر إلا ... وجدتك قد خريت على الطّراز
وقال آخر:
ألا في سبيل الله سعي سعيته ... فمرّ ضياعا لا ثواب ولا يد
فخيبة آمالي وعصيان خالقي ... وكفّارة الزّور الذي كنت أنشد
متى يستحقّ الأجر من ظلّ عاكفا ... على صنم يعنو له ثمّ يسجد «٣»
стр. 458
ومدح مخنث رجلا فذمه الرجل، فالتفت إلى القوم وقال أكذب عليه ويكذب عليّ، ليعلم أينا أكذب.
من ردّ إليه مدحه
مدح ابن الرومي بعض الكتاب بشعر وتردد إليه طالبا جائزته، فدفع شعره إلى غلامه وقال: أمدح به غيري فلست أرغب فيه، فقال:
رددت عليّ شعري بعد مطل ... وقد دنّست ملبسه الجديدا «١»
وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرّديدا
وما للحيّ في أكفان ميت ... لبوس بعد ما امتلأت صديدا «٢»
من استردّه لمّا حرم الجدوى
قال ابن الرومي:
ردّوا عليّ صحائفا سوّدتها ... فيكم بلا حقّ ولا استحقاق
وله:
إن كنت من جهل حقّي غير معتذر ... وكنت من ردّ مدحي غير متّئب «٣»
فأعطني ثمن الطرس الذي كتبت ... فيه القصيدة أو كفّارة الكذب «٤»
من لا يليق به المدح
قال البحتري:
خطب المديح فقلت خلّ طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه
وقال منصور بن باذان:
نبت المدائح عن طبائعه ... ولقد يليق بوجهه القذف
وقال سلم الخاسر:
فإن تعطني جرم لأني أمتدحتها ... فما علمت جرم لها مادحا قبلي «٥»
ومدح أبو خليفة رجلا فلم يكن منه ما يحب، فقال: لله در الكميت حيث يقول:
وقرّظتكم لو أن تقريظ مادح ... يواري عوارا من أديمكم النغل «٦»
стр. 459
وقال أبو نواس لما مات جعفر بن يحيى. لا يكون في الدنيا أكرم منه هجوته وقلت فيه:
فلست وإن أطنبت في مدح جعفر ... بأوّل إنسان خرى في ثيابه
فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال اغسل بهذا ثيابك التي خريت فيها.
قال الموسوي:
مدحتهم فاستقبح المدح فيهم ... ألا ربّ عنق لا يليق به العقد
من لا يستحقّ الهجو لخسّته ودناءته
قال أبو مسلم لأصحابه: أي الإعراض أدنأ، فقال بعضهم: عرض بخيل. فقال: رب بخيل لم يكلم عرضه أدنأ الأعراض عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم. وقيل للفرزدق:
وضعت كل قبيلة إلا تيما فقال: لم أجد حسبا فأضعه ولا بناء فأهدمه. وقال ابن مناذر لرجل: مالك أصل فأحقره ولا فرع فأهصره. وقال رجل للنمري: اهجني. قال: إنما يهجو مثلك مثلك، وقال:
إنّي لأكرم نفسي أن أكلّفها ... هجاء جرم وما يهجوهم أحد
ماذا يقول لهم من كان هاجيهم ... لا يبلغ النّاس ما فيهم وإن جهدوا
قال مسلم:
أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل
فاذهب فأنت طليق جدّك إنه ... جدّ عززت به وأنت ذليل «١»
وقال المتنبّي:
فلو كنت امرأ يهجي هجونا ... ولكن ضاق فتر عن مسير «٢»
أخذه من قول الراعي:
لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع ولكن لست من أحد
من لا يهتزّ لمدح ولا يغتمّ لهجو
قال رجل لحكيم: لا أبالي مدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام. وقيل: من لا يبالي سخط الكرام وشكية الأحرار فطوقه سوءة الحمار. وقيل: ليعد ميتا من لم يهتز لمدح ولا يرتمض من ذم.
قال ابن الرومي:
فما يرتاح للمدح ... ولا يرتاح للذّم
стр. 460
وله:
لا يبالي الشتم عرض ... كلّه شتم وذمّ
وقال إبراهيم بن المدبر:
أحقّ النّاس كلّهم بعيب ... مسيء لا يبالي أن يعابا
وقال أبو نواس، وقد تبجح بقلة مبالاته وبما يقال فيه، ويعني بذلك في باب تعاطيه الخسارة:
جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان عليّ مأثور القبيح
من يشرّف بالهجو
قال أبو نواس:
أصبح فضل ظاهر التّيه ... وذاك مذ صرت أهاجيه
كم بين فضل منذ هاجيته ... وبينه قبل هجائيه
من يصدق هاجيه ويكذب مادحه
قال مثقال:
ما قلت فيك هجاء خلته كذبا ... إلا بدت لك سوآت تحقّقه
وقال ابن الرومي:
خير ما فيهم ولا خير فيهم ... أنهم غير آثمي المغتاب «١»
وقال منصور بن باذان:
أبا دلف يا أكذب النّاس كلّهم ... سواي فإنّي في مديحك أكذب
ونظر رجل إلى أبي هفان يحدث آخر فقال: فيم تكذبان؟ فقالا: في مدحك.
من لا يأثم هاجيه
ورد في الحديث: اذكروا الفاسق بما فيه. وقيل: لا غيبة للفاسق.
قال عبدان:
وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح
لأنّي إن مدحت مدحت زورا ... وأهجو حين أهجو بالصحيح
المهجوّ بكلّ لسان
ذكر أعرابي قوما، فقال: قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم.
لباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الأخرى الندامة.
следующие страницы →