← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

عند أجبن الناس وأبخلهم وألكنهم، فقال: من الذي تعنيه؟ قال: علي بن أبي طالب. فقال: كذبت يا فاجر. أما الجبن فلم يك قط فيه وأما البخل فلو كان له بيتان بيت من تبر وبيت من تبن لأنفق تبره قبل تبنه، وأما اللكن فما رأيت أحدا يخطب ليس محمدا ﷺ أحسن من عليّ إذا خطب. قم قبّحك الله ومحا اسمه من الديوان. وقف رجل على شيرويه فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك وملّكك ما كنت أحقّ به منه وأراحنا من عتوّه ونكده، فقال للحاجب: احمله إليّ. فقال له: كم كان رزقك؟ قال: ألفان، قال: والآن، قال: ما زيد شيء. قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه وإنما ابتداء نعمتك منه ولم نزد لك. وأمر أن ينزع لسانه من قفاه. بخيل راغب في مدح بلا صلة قال الغفالي: عثمان يعلم أن المدح ذو ثمن ... لكنّه يبتغي حمدا بمجّان والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتّى يروا عنده آثار إحسان وقال علي بن الجهم: أردت شكرا بلا برّ ومرزية ... لقد سلكت طريقا غير مسلوك وقال البحتري: خطب المديح فقلت خلّ طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه أخذه أبو تمّام حيث يقول: تزحزحي عن طريق المجد يا مضر عذر من يغتاب مسيئا قال المتوكل لأبي العيناء: إلى كم تمدح الناس وتذمهم؟ فقال: ما أحسنوا وأساؤوا، وذلك دأب الله رضي عن عبد فمدحه. وقال: نعم العبد أنه أواب، وغضب على آخر فزناه فقال: ويلك وكيف زناه؟ قال: إنه قال في الوليد عتل بعد ذلك زنيم، والزنيم هو الداخل في القوم وليس منهم، ثم أنشد: إذا أنا بالمعروف لم أثن صادقا ... ولم أذمم الحيس اللئيم المذمّما «١» ففيم عرفت الخير والشر باسمه ... وشق لي الله المسامع والفما وقال ابن أبي عيينة: أنا ما عشت عليه ... أسوأ النّاس ثناء

стр. 457

إنّ من كان مسيئا ... لحقيق أن يساء تذمّم من مدح لئيما فحرمه قال أعرابي وقد مدح رجلا فخيّبه: إن فلانا تعدّى بلؤمه من تسمى باسمه ولئن خيبني فلرب قافية قد ضاعت في طلب كرمي. ومدح بشار المهدي بشعر فخيبه، فقيل له: لعلك لم تستجد المدح، فقال: لو مدحت بشعري ذلك الدهر لم أخش صرفه على حر ولكن أكذب في العمل وأخيب في الأمل، وأنشد: إنّي مدحتك كاذبا فأثبتني ... لما مدحتك ما يثاب الكاذب قال ابن الرومي وقد هجا كبيرا أمل منه كثيرا فأجازه حقيرا: أتيتك مادحا فهجوت شعري ... وكانت هفوة منّي وغلطه لذلك قيل في مثل سخيف ... جزاء مقبّل الوجعاء ضرطه ولابن ربذة: مدحت الغالبيّ بمدح صدق ... فقابل مدحتي بجريب حنطه فإن لاقيته يا صاح يوما ... فحيّ سباله عنّي بضرطه «١» قال أبو هشام الباهلي: لكلّ أخي مدح ثواب يعده ... وليس لمدح الباهليّ ثواب مدحت ابن سلم والمديح مهزة ... فكان كصفوان عليه تراب ومدح أعرابي رجلا فلم يعطه، فقال المادح: إنه أباحني عرضه فتنزهت له. وقال أبو الهول: هززتك للعلى فكبوت عنها ... كبوّ البغل طال به التعنّي «٢» وقال آخر: ولم ألبسك ثوب الفخر إلا ... وجدتك قد خريت على الطّراز وقال آخر: ألا في سبيل الله سعي سعيته ... فمرّ ضياعا لا ثواب ولا يد فخيبة آمالي وعصيان خالقي ... وكفّارة الزّور الذي كنت أنشد متى يستحقّ الأجر من ظلّ عاكفا ... على صنم يعنو له ثمّ يسجد «٣»

стр. 458

ومدح مخنث رجلا فذمه الرجل، فالتفت إلى القوم وقال أكذب عليه ويكذب عليّ، ليعلم أينا أكذب. من ردّ إليه مدحه مدح ابن الرومي بعض الكتاب بشعر وتردد إليه طالبا جائزته، فدفع شعره إلى غلامه وقال: أمدح به غيري فلست أرغب فيه، فقال: رددت عليّ شعري بعد مطل ... وقد دنّست ملبسه الجديدا «١» وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المدح الرّديدا وما للحيّ في أكفان ميت ... لبوس بعد ما امتلأت صديدا «٢» من استردّه لمّا حرم الجدوى قال ابن الرومي: ردّوا عليّ صحائفا سوّدتها ... فيكم بلا حقّ ولا استحقاق وله: إن كنت من جهل حقّي غير معتذر ... وكنت من ردّ مدحي غير متّئب «٣» فأعطني ثمن الطرس الذي كتبت ... فيه القصيدة أو كفّارة الكذب «٤» من لا يليق به المدح قال البحتري: خطب المديح فقلت خلّ طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه وقال منصور بن باذان: نبت المدائح عن طبائعه ... ولقد يليق بوجهه القذف وقال سلم الخاسر: فإن تعطني جرم لأني أمتدحتها ... فما علمت جرم لها مادحا قبلي «٥» ومدح أبو خليفة رجلا فلم يكن منه ما يحب، فقال: لله در الكميت حيث يقول: وقرّظتكم لو أن تقريظ مادح ... يواري عوارا من أديمكم النغل «٦»

стр. 459

وقال أبو نواس لما مات جعفر بن يحيى. لا يكون في الدنيا أكرم منه هجوته وقلت فيه: فلست وإن أطنبت في مدح جعفر ... بأوّل إنسان خرى في ثيابه فأمر لي بعشرة آلاف درهم وقال اغسل بهذا ثيابك التي خريت فيها. قال الموسوي: مدحتهم فاستقبح المدح فيهم ... ألا ربّ عنق لا يليق به العقد من لا يستحقّ الهجو لخسّته ودناءته قال أبو مسلم لأصحابه: أي الإعراض أدنأ، فقال بعضهم: عرض بخيل. فقال: رب بخيل لم يكلم عرضه أدنأ الأعراض عرض لم يرتع فيه حمد ولا ذم. وقيل للفرزدق: وضعت كل قبيلة إلا تيما فقال: لم أجد حسبا فأضعه ولا بناء فأهدمه. وقال ابن مناذر لرجل: مالك أصل فأحقره ولا فرع فأهصره. وقال رجل للنمري: اهجني. قال: إنما يهجو مثلك مثلك، وقال: إنّي لأكرم نفسي أن أكلّفها ... هجاء جرم وما يهجوهم أحد ماذا يقول لهم من كان هاجيهم ... لا يبلغ النّاس ما فيهم وإن جهدوا قال مسلم: أمّا الهجاء فدقّ عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل فاذهب فأنت طليق جدّك إنه ... جدّ عززت به وأنت ذليل «١» وقال المتنبّي: فلو كنت امرأ يهجي هجونا ... ولكن ضاق فتر عن مسير «٢» أخذه من قول الراعي: لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرّقاع ولكن لست من أحد من لا يهتزّ لمدح ولا يغتمّ لهجو قال رجل لحكيم: لا أبالي مدحت أم هجيت، فقال: استرحت من حيث تعب الكرام. وقيل: من لا يبالي سخط الكرام وشكية الأحرار فطوقه سوءة الحمار. وقيل: ليعد ميتا من لم يهتز لمدح ولا يرتمض من ذم. قال ابن الرومي: فما يرتاح للمدح ... ولا يرتاح للذّم

стр. 460

وله: لا يبالي الشتم عرض ... كلّه شتم وذمّ وقال إبراهيم بن المدبر: أحقّ النّاس كلّهم بعيب ... مسيء لا يبالي أن يعابا وقال أبو نواس، وقد تبجح بقلة مبالاته وبما يقال فيه، ويعني بذلك في باب تعاطيه الخسارة: جريت مع الصّبا طلق الجموح ... وهان عليّ مأثور القبيح من يشرّف بالهجو قال أبو نواس: أصبح فضل ظاهر التّيه ... وذاك مذ صرت أهاجيه كم بين فضل منذ هاجيته ... وبينه قبل هجائيه من يصدق هاجيه ويكذب مادحه قال مثقال: ما قلت فيك هجاء خلته كذبا ... إلا بدت لك سوآت تحقّقه وقال ابن الرومي: خير ما فيهم ولا خير فيهم ... أنهم غير آثمي المغتاب «١» وقال منصور بن باذان: أبا دلف يا أكذب النّاس كلّهم ... سواي فإنّي في مديحك أكذب ونظر رجل إلى أبي هفان يحدث آخر فقال: فيم تكذبان؟ فقالا: في مدحك. من لا يأثم هاجيه ورد في الحديث: اذكروا الفاسق بما فيه. وقيل: لا غيبة للفاسق. قال عبدان: وقالوا في الهجاء عليك إثم ... وليس الإثم إلا في المديح لأنّي إن مدحت مدحت زورا ... وأهجو حين أهجو بالصحيح المهجوّ بكلّ لسان ذكر أعرابي قوما، فقال: قد سلخت أقفاؤهم بالهجاء ودبغت جلودهم باللؤم. لباسهم في الدنيا الملامة وزادهم في الأخرى الندامة.

стр. 461

الداعي على هاجيه وعائبه نظر الفرزدق إلى رجل ذي عمة، فقال: قبحت العينان تحتّ العمّة فقال: بل قبّح الهاجي وناك أمّه قال البسامي: من هجاني من البريّة طرّا ... وسعى في مساءتي أو لحاني «١» فاللواتي عليه حرمهنّ الله ... في سورة النساء زواني وقال أخو دعبل: بنيت قافية قيلت تناشدها ... قوم سأترك في أعراضهم ندبا «٢» ناك الذين رووها أمّ قائلها ... وناك قائلها أمّ الذي كتبا ذمّ قبيح الكلام قيل: قبيح الكلام سلاح اللئام. وسمع المهلب رجلا يسبّ آخر، فقال: اكفف فو الله لا ينقى فوك من سهكها «٣» أبدا. وقال يزيد: إياك وشتم الأعراض فإن الحرّ لا يرضيه من نفسه شين. النهي عن المشاتمة وذمّ الغالب منهما قال النبي ﷺ : البذاء لؤم وصحبة الأحمق شؤم. وقال ابن عامر: دعوا قذف المحصّنات تسلم لكم الأمهات. وقيل: المبتدىء شاتم نفسه والبادىء أظلم. وشتم رجل حكيما فقال: اسكت فلست أدخل في حرب الغالب فيها شرّ من المغلوب. وقال أمير المؤمنين كرم الله تعالى وجهه: ما تسابّ اثنان إلّا غلب ألأمهما. قال شاعر: وإنك قد ساببتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالسّب أحذق «٤» وقيل: ما تسابّ اثنان إلا انحط الأعلى مرتبة الأسفل. وقال حذيفة بن بدر لرجل: أيسرّك أن تغلب شر الناس، قال: نعم. قال: لن تغلبه حتّى تكون شرا منه. نازع رجل المهلب فأربى عليه فقيل: لم أمسكت عنه، فقال: كنت إذا أردت إجابته رغبت في غلبة اللئام، وكان إذا سبني تهلل وجهه واستنار لونه وتبجّحت نفسه، فإن ظفر

стр. 462

فبفضل القحّة ونبذ المروءة وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء. الحثّ على قطع مادّة الذمّ بالسّكوت عنه قيل: من سمع كلمة كرهها فسكت عنها انقطعت، وإلا سمع أكثر منها. وما أحسن ما قال الشاعر: وتقلق نفس المرء من أجل شتمة ... فيشتم ألفا بعدها ثمّ يصبر وقيل: إذا سمعت كلمة تؤذيك فتطأطأ لها تتخطاك. قال شاعر: كلّما خفت من لئيم جوابا ... فأطلت السّكوت عنه غممته وشتم الحسن رجل وأكثر، فقال: أما أنت فما أبقيت شيئا وما يعلم الله أكثر. ذمّ من ينزّه عن سبّه قيل: ذمّ من كان خاملا إطراء، وشتم رجل آخر فلم يرد عليه، فقيل له في ذلك، فقال: أرأيت لو نبحك كلب أتنبحه أو رمحك حمار أكنت ترمحه. وقال آخر: قد ينبح الكلب النّجوما وقال آخر: وما كلّ كلب نابح يستفزّني ... ولا كلّما طنّ الذّباب أراع وقال شاعر: شاتمني عبد بني مسمع ... فصنت منه النّفس والعرضا ولم أجبه لاحتقاري له ... من ذا يعضّ الكلب إن عضّا وقال عليّ بن الجهم: بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين ينيلك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون «١» ونحو ذلك ما قال جرير لذي الرمة: هل لك أن تهاجيني؟، فقال: لا، إن حرمك قد هتكتهن الأشعار فما فيهن مرتع. قال شاعر: أو كلّما طنّ الذّباب زجرته ... إنّ الذّباب إذا عليّ كريم

стр. 463

وقيل لنصيب: ألا تهجو فلانا وقد حرمك، فقال: إنما كان ينبغي أن أهجو نفسي حيث سألته، فقيل: ويحك قد هجوته بأشد هجاء؟ قال أبو علي بن عروس الشيرازي: ومتى هجيت فقد مدحت لقد غلا ... سوم البعوضة إن رماها الصائد وقال عبد الله بن خلف: دناءة عرضك حصن منيع ... يقيك إذا شاء منك الضّبيع «١» فقل لعدوّك ما تشتهي ... وأنت الرفيع المنيع الوضيع من لا يخاف لكونه ممتنعا بغيره قيل: وقف جدي على سطح فمر به ذئب فأقبل الجدي يشتمه، فقال الذئب: لست تشتمني وإنما يشتمني المكان الذي تحصّنت به. قال منصور بن باذان: لو كنت أجسر أن أقولا ... لشفيت من نفسي الغليلا لكن لساني صارم ... ملئت مضاربه فلولا «٢» وقال آخر: وما جهلت مكان الآمريك بذا ... يا من هويت ولكن في فيّ ماء «٣» إجابة من عابك تعريضا بما عابك به كتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: لست أعرف طريقا للمعروف أحزن ولا أوعر من طريقه إليك لأنه ينضاف إلى حسب دنيء ولسان بذيء وجهل قد ملك عنانك، فكتب إليه أبو العيناء في أسفل رقعته: وأنت رعاك الله فينا فإنّما ... مدحت بفضل ضعفه فيك يوجد فعدّوه أبلغ من الأول. قال ابن مكرم لأبي العيناء: يا مخنّث، فقال: وضرب لنا مثلا ونسي خلقه. وقال ابن ثوابة لرجل: يا مأبون، فأنشد: كلانا يرى الجوزاء يا جمل إن بدت ... ونجم الثريّا والمزار بعيد وقال رجل لآخر: يا دعيّ، فقال: عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد

стр. 464

وقال رجل لآخر: يا ابن الفاعلة، فقال له ذاك: يا ابن الصالحة، أكذب حتى أكذب، وعلى هذا المعنى قال: ثالبني عمرو فثالبته ... فأثم المثلوب والثالب قلت له خيرا وقال الخنى ... كلّ على صاحبه كاذب «١» وقال رجل لشاعر: إنك تغتاب المحصنات، فقال: إذا لا بأس على عيالك منّي. تعريضات عن الأجوبة في الذمّ بالنثر والنظم لما قال كعب الأشتر لزياد الأعجم: وأقلف صلى بعد ما كان أمة ... يرى ذاك في دين المجوس حلالا فقال زياد: لا جزيت أمه خيرا ... فقد أخبرته أني أقلف ولما قال جرير لابن الرقاع: يقصر باع العامليّ عن العلا ... ولكنّ أير العامليّ طويل قال ابن الرقاع: أأمك كانت أخبرتك بطوله ... أم أنت امرؤ لم تدر كيف تقول فقال: لم أدر كيف أقول. ولما قال أرطأة بن سهية للربيع بن قعنب: لقد رأيتك عريانا ومؤتزرا ... فما دريت أأنثى أنت أم ذكر فقال الربيع: لكن سهية أدرى يوم زرتكم ومرّ الفرزدق بباب المكاري، فقال: وكم من هن يا باب ضخم حملته ... على الرجل فوق الأخدريّ المراكب «٢» فقال باب: قد حملت النوار فيمن حملت فقال الفرزدق: غلبني والله. ولما قال مسكين الدارمي: ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي ينزل القدر قالت امرأته: نعم، لأن القدر والنار للجار.

стр. 465

ولما قال إبراهيم بن هرمة: لأمنع العود بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل «١» قال المزبد: صدق ابن الخبيثة فإنه يشتري شاة الأضحية فيذبحها من ساعته. وتبجّح رجل فقال: إن أبي ممّن قال فيهم شاعر: يقوم القعود إذا أقبلوا فقال له: صدقت، لأنه كان بين يديه حمل شوك. من قصد مدحا فاتفق منه هجو عيب على جرير قوله: تعرضت تيم لي عمدا لأهجوها ... كما تعرّض لإست الخارىء المدر «٢» فقيل: جعل نفسه إست الخارىء ولو هجى بهذا لكان كثيرا. وقد تقدم في هذا المعنى باب في كتاب الشعر. التهديد بالهجاء لما هجا جرير حنيفة بقوله: إن اليمامة أضحت لا أنيس بها ... إلا حنيفة تفسو في مناحيها لقيه عطية بن دعبل الحنفي، فقال يا جرير: إنك قد عرفت نصرة الفخم وإن لي سيفا يختصم الجزور فو الله لئن عدت لهجاء قومي لأسيلنه منك بشرطين، فقال: لا أنطق بعد هذا فاعف هذه المرة. وتهدد الفرزدق رجلا بالهجاء فقال له: قل واصدق فقال: إذا أقول خيرا. قال أبو القاسم بن أبي العلاء: دع الفضائح تخفى ... والليث في الغيل رابض وله: لا تخرجني من خيسي فتنكرني ... وتؤذي النّاس أحياء وأمواتا «٣» كأنني بك قد ضيّعت موعظتي ... وجئتني نادما والأمر قد فاتا

стр. 466

(٣) وممّا جاء في الغيبة والنّميمة حقيقة الغيبة قال محمد بن عبيدة: الغيبة أن تغتابه إذا أقلع لا أن تغتابه وهو مقيم على فسقه، ولذلك قال النبي ﷺ : ليس للفاسق غيبة. وقال ﵊: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فقد بهته. وقيل: ما قلته في وجه الرجل ثم تقوله من ورائه فليس بغيبة. وقال بعض الفقهاء: الغيبة أن تذكر الإنسان بما فيه من العيب من غير أن تحوج إليه، وفي ذلك احتراز مما يقول الشاهد عند الحاكم. ذمّ الغيبة والنميمة وفضل تركهما قال الله تعالى: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ «١» فما رضي بأن جعله آكلا لحم أخيه حتى جعله ميتا. وقال النبي ﷺ : الغيبة أشدّ من الزنا لأن الله تعالى يتوب على الزاني ولا يغفر الغيبة إلا بتحليل صاحبها. وقال علي بن الحسين ﵄ إياك والغيبة فإنها أدم كلاب النار. وقال قتيبة لرجل يغتاب آخر: لقد تلمظت بمضغة طالما لفظها الكرام، الغيبة مرعى اللئام وجهد العاجز. وقال المأمون: حسبك من السعاية أن ليس في الدنيا صدق مذموم غيرها. وقال تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ «٢» ، وقال النبي ﷺ : لا يدخل الجنة قتات «٣» ، وقال: النميمة تفطر الصائم وتنقض الوضوء، وقال: من قلّ ماله وكثر عياله وحسنت صلاته ولم يغتب المسلمين كان معي يوم القيامة كهاتين. وقال: عذاب القبر من ثلاثة من الغيبة والنميمة والبول. وقيل: الساعي غاش وإن قال: قول المتنصح. وقال ابن أكثم: القول بالمحاسن في المغيب فريضة على كل ذي نعمة. وقال المأمون لابنه العباس: قلّم أظفارك من جليسك فأخس الناس من دمّى جليسه بظفره، قال ولله در القائل: لا أخدش الخدش بالجليس ولا ... يخشى جليسي إذا انتشبت يدي «٤» من امتنع أن يجعل مغتابه في حلّ قال رجل لابن سيرين: قد نلت منك فاجعلني في حلّ، فقال لا أحل ما حرم الله

стр. 467

عليك. وقيل للحسن: إن الحجّاج كان يذكرك بسوء، قال: علم ما في نفسي له فنطق وعلمت ما في نفسي له فسكت، وكل امرىء بما كسب رهين. من سمحت نفسه بأن يجعل في حلّ كان أبو الدرداء ﵁ إذا خرج يقول: اللهم إني قد تصدّقت بعرضي على عبادك، وقد روي عن النبي ﷺ ذلك. وقال كثيّر: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت «١» وقيل لرجل: فلان شتمك واغتابك، فقال: هو في حلّ. فقيل: اتحل من يغتابك وبه يقل ميزانك، فقال: لا أحب أن أثقل ميزاني بأوزار إخواني. من قلّت مبالاته بمن اغتابه قيل لفيلسوف: فلان يشتمك بالغيب، فقال: لو ضربني بالسياط في الغيب لم أبال به، قال: وإنّ الذي يؤذيك منه استماعه ... وإن الذي قالوا وراءك لم يقل قال المتوكل لأبي العيناء: ما بقي أحد إلا اغتابك، فقال: إذا رضيت عنّي كرام عشيرتي ... فلا زال غضبانا عليّ لئامها وقيل للأحنف: فلان اغتابك، فقال: ربّ من يعيبه امرؤ ... وهو لم يخطر ببالي قلبه ملآن من غيظي ... وقلبي منه خال وقيل لأعرابية: فلانة تقع فيك، فقالت: دعوها فشكاتها وسكاتها عندي سواء. وقيل لرجل: فلان يغتابك، فقال دعني يرفضي الله بذلك، فمن أكثرت فيه الوقيعة رفعه الله فإن بني أمية لعنوا عليا على المنابر فما زاده الله إلا رفعة. وحكي عن ببغا الشاعر البغدادي أنه قيل له: إن فلانا يغتابك، فقال: لا ضير أنه أراد أن يمتحن ودّي. وقيل: لآخر ذلك، فقال: ولم يمح من نور النبيّ أبو جهل ذمّ ناقص يغتاب فاضلا قيل: كفى بالمرء شرا أن لا يكون صالحا، وهو يقع في الصحالين. قال شاعر: عثيثة تقرض جلدا أملسا

стр. 468

وقال المتنبّي: وإذا أتتك مذمّتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأنّي كامل وقال الموسوي: عادات هذا الدّهر ذمّ مفضل ... وملام مقدام ونقص جواد وكأنه من قول الآخر: وما زالت الأشراف تهجى وتمدح ونحوه قول الآخر: إنما الغيبة تلقيح الشّرف من رمى غيره بعيبه رمتني بدائها وانسلت عير بجير بجره، نسي بجير خيره. وقيل: أتبصر القذاة في عين أخيك وتدع الجذع المعترض في حلقك. اغتياب المرء غيره يدلّ على عيبه قيل: من وجدتموه عيّابا وجدتموه معيبا، لأنه يعيب الناس بفضل عيبه، وفي ذلك قال: ويأخذ عيب المرء من عيب نفسه ... مراد لعمري ما أراد قريب قال أبو العيناء: ما قطعني أحد كما قطعني المهدي، فإنه قال: بلغني أنك تغتاب الناس، فقلت له: يبطل ما قيل في شغلي بعيبي، فقال: والله ذاك أشد لغيظك على أهل العافية، أعرف الناس بعوار الناس المعور. تشهّي الغيبة واستطابتها قال قتيبة لرجل يغتاب آخر: لقد تلمظت بما يعافه الكرام، فقال: لو تلمظت به ما صبرت عنه. وقال رجل لبنيه: إذا اجتمعتم فعليكم حديث أنفسكم ودعوا الاغتياب، فقال أحدهم: نحن نحتاج في هذه السنة إلى كذا وكذا ونفعل ونصنع كذا وكذا، فقد فرغنا من حديثنا فبماذا نشتغل؟ وقيل: الغيبة فاكهة النساك والقرّاء. وقصد رجل ابن عمه مسترفدا لحق له فأحسن إليه فلما عاد سئل فقال: منعني التلذذ بالغيبة والشكوى. ونحوه قول الآخر: فقضت حاجتي معجلة ... فجعتّني بلذّة الشّكوى من اغتاب فاغتيب قيل: من رمى الناس بما فيهم رموه بما ليس فيه، وقيل: بحثك عن عيوب الناس

стр. 469

يدعو إلى بحثهم عن عيوبك، وقال آخر: ومن دعا النّاس إلى ذمّه ... ذمّوه بالحقّ وبالباطل وقال الكلوشي: تحللت بالسبّ لما رأيت ... أديمك صحّ ومن سبّ سبّ فإن لم نجد فيك من مغمز ... سلكنا إليك طريق الكذب وقال الشطني: لا تكشفنّ مساوىء النّاس ما ستروا ... فيهتك الله سترا عن مساويكا النهي عن استماع الغيبة قال عمرو بن عبيد لرجل يستمع إلى آخر يغتاب: ويلك نزّه أذنك عن استماع الخنا كما تنزه لسانك عن النطق به. قال شاعر: وسمعك صن عن سماع القبيح ... كصون اللسان عن النّطق به وقال آخر: والسامع الذمّ شريك له ... والمطعم المأكول كالآكل وقال: الفضيل الرجل يقول سبحان الله وأخشى عليه بذلك النار وهو الذي يستمد بذلك الغيبة إذا سمعها وقيل: إذا رأيت من يغتاب الناس فاجهد جهدك أن لا يعرفك، فاشقى الناس به معارفه. قال إبراهيم بن المهدي: من نمّ في النّاس لم تؤمن عقاربه ... على الصّديق ولم تؤمن أفاعيه «١» الممدوح بصيانة مجلسه عن الغيبة مدح بعضهم رجلا فقال: ينزه مجالسه عن الغيبة ومسامعه عن النميمة. قال كعب الغنوي: إذا ما تراآه الرجال تحفّظوا ... فلم تنطق العوراء وهو قريب «٢» ومثله قول البهلول: نبئت أن النار بعدك أوقدت ... واستبّ بعدك يا كليب المجلس «٣» الحثّ على التثبّت فيما يسمع من السعاية وشي برجل إلى بلال فلما أتى به، قال: قد أتاك كتاب من الله في أمرنا فاعمل به،

стр. 470

قال الله تعالى: إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ «١» ، فقال: صدقت. وأبلغ ملك عن رجل منكرا فأمر بقتله، فقال: إن قتلتني ومن سعى بي كاذب يعظم وزرك، وإن تركتني وهو صادق قلّ وزرك، وأنت من وراء ما تريد، والعجلة موكل بها الزلل فأمر بإبقائه والفحص عن أحواله. قال كثيّر: وإن جاءك الواشون عنّي بكذبة ... فروها ولم يأتوا لها بحويل «٢» فلا تعجلي يا عزّ أن تتبيّني ... بنصح أتى الواشون أم بحبول «٣» من سأل صاحبه أن لا يصغي إلى الساعي لما أراد عند الملك بن صالح الهاشمي الخروج إلى الشأم استدعى حوائجه من جعفر بن يحيى، فقال: أسألك أن تكون لي كما قال ابن الدّمينة: فكوني على الواشين لداء شغبة ... كما أنا للواشي ألدّ شغوب «٤» فقال له جعفر أكون كما قال الآخر: وإذا الواشي أتى يسعى بها ... يقع الواشي بما جاء يضرّ من بكّت الساعي به ودلّ على بطلان قوله سعى رجل بالليث بن سعد إلى والي مصر فأحضره، فقال: إن رأيت أن تسأله أمرا ائتمنته عليه فخانه أم كذب بقوله فالخائن والكاذب لا يقبل قولهما. ووشى واش إلى زياد بن همام وقال: إنه هجاك فاحضره واعلمه، فقال: كلا. فقال: أخبرني بذلك الثقة، فقال: الثقة لا يكون نماما فأحضر الساعي وجبهه بذلك، فقال: وأنت امرؤ ما ائتمنتك خاليا ... فخنت وإما قلت قولا بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم وقال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد: فلان قال فيك كذا، فقال: الحمد لله الذي أحوجه إلى الكذب فيّ ونزّهني عن الصدق فيه. من ردّ السعاية على السّاعي وبكّته كان الفضل بن سهل يبغض السعاة، فإذا أتاه ساع، يقول: إن صدقتنا أبغضناك وإن كذّبتنا عاقبناك وإن استقلتنا أقلناك. ودخل رجل على عبد الملك، فقال: هل من خلوة فأقبل عبد الملك على أصحابه، وقال: إذا شئتم، فقاموا. فقال له عبد الملك: اسمع لا

стр. 471

تمدحني في وجهي فإني أعرف بنفسي منك ولا تكذبني فليس لكذوب رأي ولا تسعين بأحد إليّ، فقال الرجل: أأنصرف، قال إذا شئت، فقام وانصرف. ووقع عبد الله بن طاهر في قصة ساع سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين؟ ورفع رجل قصة إلى أنوشروان أن رجلا من العامة دعاه إلى منزله فأطعمه طعام الخاصة فوقّع في قصته قد أحمدنا فعلك فيما تأتيه وذممنا صاحبك لسوء اختياره لمن يؤاخيه. ووقّع طاهر بن الحسين في رقعة متنصح: قد سمعنا ما كره الله فانصرف لا رحمك الله. ووقّع السفاح في قصة ساع: أنت ظاهر السعاية قليل النكاية. وسعى إلى عبد الملك بن مروان في عبد الحميد فوقّع: أقلّوا عليه لا أبا لابيكم ... من اللوم أو شدّوا المكان الذي سدّا وقال الواثق لأحمد بن أبي دؤاد: ما زال القوم في ثلبك إلى الساعة، فقال: يا أمير المؤمنين لكل امرىء منهم ما اكتسب من الإثم، والله وليّ جزائه وعقابك من ورائه فما الذي قلت لهم، قال قلت: وسعى إليّ بعيب عزّة نسوة ... جعل الإله خدودهنّ نعالها وقال الموسوي: وأوطأت أقوال الوشاة أخامصي ... وقد كان سمعي مدرجا للنمائم «١» قلّة التخلّص من اغتياب النّاس وذمّهم سأل بعض الأنبياء ربه أن يدفع عنه ألسنة الناس باغتيابه وذمه، فقال: هذه خصلة لم أجعلها لنفسي فكيف أجلعها لك. وقيل: ليس إلى السلامة من ألسنة الناس سبيل فانظر إلى ما فيه صلاحك فالزمه. قال شاعر: إذا كنت مليحا مسيئا ومحسنا ... فغشيان ما تهوى من الأمر أكيس «٢» ذمّ ناقل الغيبة قيل: الرواية أحد الشاتمين، وقيل من بلّغك فقد سبك، قال: مبلغك السوء كباغيه لكا وقيل لحكيم: فلان عابك بكذا، فقال: لقد لقيتك نفحتني بما استحى الرجل من استقبالي به. وقيل: ما ضرّت كلمة ليس لها مخاطب. ويدخل في هذا الباب قول الشاعر: وأنت امرؤ ما ائتمنتك خاليا البيتين وقد تقدما.

стр. 472

وكان أبو ضمضم إذا قعد للحكم يقوم بإزائه رجل يعلق نوادره فعلم بذلك أبو ضمضم فرماه يوما بلوح في يده فشجّه، فقال له بعضهم: ما أصاب فقال استرق السمع فاتبعه شهاب ثاقب. الموصوف بالنّميمة قال الله تعالى: هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ . وقيل: فلان أثم من الزهر. قال ابن الرومي: أنمّ بما استودعته من زجاجة ... ترى الشيء فيها ظاهرا وهو باطن وقال آخر: قد كان صدرك للأسرار جندلة ... ضنينة بالذي تحوي نواحيها «١» فصار من بثّ ما استودعت جوهرة ... رقيقة تستشف العين ما فيها وأنكر بعضهم لمحة جليس له فنسبه إلى النميمة، فقال: ما نطقت ولكن رمقت وربّ عين أنمّ من لسان وطرف، أشد من سيف وأوجع من حتف، وقال الرشيد لأبي عمرو الشفافي: فلان نم بك فقال: يا أمير المؤمنين إن فلانا لو كان بينك وبين الله واسطة لسعى بك إليه. وقال أعرابي: فلان بنميمة منمنمة وسخيمة مسخمة. قال العباس بن الأحنف: أناس أمناهم فنمّوا حديثنا ... فلمّا كتمنا السرّ عنهم تقوّلوا من قول أبي ذهل: أمنا أناسا كنت قد تأمنينهم ... فزادوا علينا في الحديث وأوهموا وقالوا لنا ما لم نقل ثم أكثروا ... عليّ وراحوا بالذي كنت أكتم من اغتاب غيره فرآه اغتاب أعرابي رجلا فالتفت فرآه، فقال: لو كان خيرا ما حضرته. ويقال لمن حضر إذا ذكر غائبا نزه: اذكر الكريم وافرش له اذكر الكلب وهيىء له العصا. الحثّ على التحرّز ممّا يقتضي الغيبة قال الحسن ﵁: من دخل مداخل التهمة لم يكن له أجر الغيبة. وقيل: من عرّض نفسه للتهمة فلا يلومنّ من أساء به الظن واغتابه.

стр. 473

من لا يحرّم اغتيابه قال النبي ﷺ : للفاسق غيبة، وقال: اذكروا الفاسق بما فيه. وقال: لا غيبة لثلاثة فاسق مجاهر وإمام جائر ومبتدع فاجر. نوع من ذلك روي فيما أظن عن ابن عمر ﵄ أنه قال: سعى رجلان بمؤمن آل فرعون إليه وقالا إن فلانا لا يقول إنك ربه، فأحضره فرعون وقال للساعيين: من ربكما فقالا: أنت، وقال للمؤمن: من ربّك فقال: ربّي ربهما، فقال: سعيتما برجل على ديني لأقتله، لأقتلنكما، وأمر بهما فقتلا، فذلك قول الله : فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ . جرى بين عتبة بن رؤبة وبين بشار شيء، فقال عتبة: أتقول لي كذا وأنا شاعر ابن شاعر ابن شاعر؟ فقال: أقول لك ذلك ولو كنت من الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. (٤) وممّا جاء في التحية والأدعية والتهنئة الحثّ على التحيّة ووصف فضلها قال النبي ﷺ : إذا التقيتم فابدؤا بالسلام قبل الكلام، ومن بدأ بالكلام فلا تجيبوه وقال ﷺ : بلوا أرحامكم ولو بالسلام. وقال بعضهم: بثوا السلام فهو رفع للضغينة بأيسر مؤنة واكتساب أخوة بأهون عطية. قال شاعر: كيف أصبحت كيف أمسيت ممّا ... يزرع الودّ في قلوب الكرام عنى تحية فقال هدية فلانا وقال رجل لآخر: أبلغ حسنة ومحمل خفيف. الحثّ على الجواب روي أن التحية نافلة والجواب فريضة ويدل على ذلك قوله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها «١» . ومر رجل بقوم فسلم فلم يردّوا عليه، فقال: يا عجبا ممن خولتهم نافلة فمنعوا عني واجبا. وسلم نصراني على الشعبي فقال: وعليك السلام ورحمة الله، فقيل: أتقول ذلك لنصراني؟ فقال: أليس في رحمة الله يعيش؟ وقال ﷺ : أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام وصلوا بالليل والناس نيام.

стр. 474

ذمّ من بخل بالتحيّة وعذره أنشد ثعلب: ومالك نعمة سلفت إلينا ... فكيف نراك تبخل بالسّلام وقال كشاجم: إذا كاتبوا صادقوا في الدعا ... كان دعاءهم مستجاب وأنشد المبرّد: إذا لم تجد بجميل الكلام ... فما الذي بعده تبذل؟ وقال آخر: يا جوادا بالثّراء ... وبخيلا بالدّعاء فتفضّل يا أخا ... الفضل بتفخيم الثّناء وسلم آخر على رجل بسوطه فلم يجبه، فقيل له في ذلك، فقال: سلم عليّ بالإيماء فرددت عليه بالضمير: لقد مرّ عمرو على مجلسي ... فسلّم تسليمة خافيه لئن تاه عمرو بفضل الغنى ... لقد فضّل الله بالعافيه وقيل: من بدأ بغيضا بالسلام فهو أبغض منه. وقال ابن المقفع: لا تكوننّ نزر الكلام والسلام ولا تتهافتن بالبشاشة والهشاشة، فإن أحدهما كبر والآخر سخف. وقال الشعبي: انتهت التحية إلى قولهم وبركاته. ولقي رجل أبا العيناء فقال أطال الله بقاءك وأدام عزك وتأييدك، فقال: هذا العنوان ما هو. وقال المتنبي في عذر تخفيف السلام: أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكم ... واسكت كيما لا يكون جواب مواضع التسليم جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو يبول فسلم عليه فقال ﷺ : إذا أتيتني على هذه الحال فلا تسلم عليّ، فإنك إن فعلت لم أرد عليك وقال ﷺ : إذا أتى أحدكم المجلس فليسلم، فإن قام والقوم جلوس فليسلم فإن الأولى ليست بأحق من الآخرى. أتى أبو معكم الأسدي النبي ﷺ فقال: يقول أبو معكم صادقا ... عليك السلام أبا القاسم فقال ﷺ : إن عليك السلام تحية الموتى وكذا يقال للميت نحو، عليك سلام الله قيس بن عاصم. ودخل الحسن بن الكناني على عبد الله بن جعفر فأنشد: عليك السلام أبا جعفر ... ولست بهر لدى المحضر فقال: أخطأت حييتني بتحية الموتى، وقد أمكنك أن تقول: سلام عليك أبا جعفر

стр. 475

قال: ألا طرقتنا آخر الليل زينب ... عليك سلام هل لما فات مطلب فقلت لها حيّيت زينب خدنكم ... تحيّة موتى وهو في الحيّ يشرب ذمّ تحية من لا نفع لديه قال شاعر: وما مرحب إلا كريح تنسّمت ... إذا أنت لم تخلط نوالا بمرحب «١» وقال آخر: إذا كان ردّ المرء ليس بزائد ... على مرحبا أو كيف أنت وحالكا فلم يك إلا كاشرا ومواريا ... فأفّ لودّ ليس إلا كذلكا «٢» التسليم دخل رجل على أمير المؤمنين كرّم الله وجهه فقال: السلام عليك سلاما تتصل آماله بسمعك أبدا ما بقيت من وليك بطوع قلبه وصادق ودّه، ومن عدوك برغم أنفه وذل خدّه. في التّلبية لبيك إذ دعوتني لبّيكا ... أحمد ربّا ساقني إليكا حمد المصافحة والحثّ عليها قال النبي ﷺ : إذا لقي المؤمن المؤمن فصافح أحدهما الآخر تناثرت الخطايا بينهما كما يتناثر ورق الشجر. وكان ﷺ إذا صافحه إنسان لم ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده وقيل: المصافحة تزيد في المودّة. قال شاعر: تصافحت الأكفّ وكان أشهى ... إلينا أن تصافحت الخدود نعيش إذا التقى كفّ وكفّ ... فكيف إذا التقى جيد وجيد وقال آخر: وصافحت من لاقيت في البيت غيرها ... وكلّ الهوى منّي لمن لا أصافح وقال القصاني: قد أحدث النّاس ظرفا ... أربى على كلّ ظرف كانوا إذا ما تلاقوا ... تصافحوا بالأكفّ

стр. 476

فأحدثوا اليوم لثم ال ... خدود واللثم يشفي فصرت ألثم خدّي ... هـ من طريق التحفّي «١» بقية باب حمد المصافحة والحثّ عليها قيل لرجل من قريش: كيف حالك؟ فقال: حال من يهلك ببقائه ويسقم بصحته ويؤتى من مأمنه. قال الربيع الحاجب لأبي العتاهية: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت والله في مضيق ... هل من دليل إلى طريق ولها باب في غير هذا الموضع. جواب من سئل من الصالحين عن حاله فشكا علّة أو حالة منكرة قيل لأبي عمرو بن العلاء ﵁: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، كما قال الربيع الفزاري: أصبحت لا أحمل السلاح ولا ... أملك رأس البعير إن نفرا والذئب أخشاه إن مررت به ... وحدي وأخشى الرياح والمضرا «٢» وقيل للحسن بن وهب: قال: أصبحت على النشاط كالّ «٣» القريحة صدىء الذهن ميت الخاطر من سوء اختيار الزمان وتغيّر الإخوان. وقيل لمحارب بن دثار، فقال: كما قال الأعشى: ولكن أراني لا أزال بحادث ... أعادي التي لم تمس عندي وأطرق «٤» وقيل لأبي العالية السامي: كيف أنت؟ فقال: على غير ما يحب الله وغير ما أحب وغير ما يحب إبليس، لأن الله يحب أن أطيعه وأنا أعصيه، وإبليس يحب أن أتعاطى ضروب الخسارة ولست كذلك، وأنا أحب أن يكون لي ثروة وصحة وليس كذلك. وقال أبو حزابة ليزيد بن المهلب: كيف الأمير؟ فقال: كما تحب. فقال: لو كنت كذلك لكنت قائما مقامي وكنت قاعدا محلّك. الدعاء بالرحب والسّعة قال رجل للأصمعي: مرحبا وأهلا وسهلا، فقال: أرحب الله بلدك وأهلّ رحلك وسهل أمرك. وقال رجل لخالد بن صفوان: مرحبا بك، فقال: رحب واديك وعزّ ناديك. الدعاء بإطالة البقاء قيل: ليس في الدعاء مثل أطال الله لك البقاء وأدام لك العلاء، ومثل ذلك: عش ما شئت كما شئت.

стр. 477

وقال المتنبّي: بقيت بقاء ما تبني فإنّي ... أراه بقاء يذبل أو أبان وقال آخر: فلا زالت الشمس التي في سمائه ... مطالعة الشمس التي في لثامه «١» ولا زال تجتاز البدور بوجهه ... فتعجب من نقصانها وتمامه «٢» وقال عمارة: فذا العرش زد في عمره من صلاتنا ... وأعمارنا حتّى يطول له العمر وقد نسب قوم: أطال الله بقاءك وجعلني فداءك إلى الإحالة. وقد روي أن أول من خاطب بذلك أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه. التفدية قال ابن بوقة: أفديك بل أيّام عمري كلّها ... يفدين أيّاما عرفتك فيها وله: نفسي فداؤكما وقلت في الورى ... للسيّد المخدوم نفس الخادم «٣» وقال آخر: بنفسي أنت لا بأبي فإنّي ... رأيت الجود بالآباء لؤما وقال رجل لعمر بن الخطاب ﵁: جعلني الله فداء نعلك، فقال: إذا يطيل الله هوانك وقال يعقوب بن الربيع: فلو أنني إذ كان وقت حمامها ... أحكّم في عمري لشاطرتها عمري «٤» فحلّ بنا المقدار في ساعة معا ... فماتت ولا أدري ومتّ ولا تدري وقال الخوارزمي: أطال الله أعمار المعالي ... وذاك بأن يطول لك البقاء

стр. 478

ولا زالت تمدّ إليك كفّ ... بضاعتها ثناء أو دعاء وإن رضي الزمان بمثل روحي ... فداء عنك فهي لك الفداء وقال أبو سعيد الرستمي: وقاك بنو الدنيا جميعا صروفها ... جميعا فإن الجفن من خدم النّصل وقال آخر: فداؤك مالي فهو منك ومهجتي ... فإنّك قد أقررتها في جوانحي «١» قال إبراهيم الصولي: إن قولهم قدّمني الله قبلك مأخوذ من قول الأقرع بن حابس: إذا ما أتى يوم يفرّق بيننا ... بموت فكن أنت الذي تتأخّر وقال منكة الطبيب الهندي ليحيى بن خالد البرمكي: لو أمكنني تخليف الروح عندك لفعلت، وهذا يجوز على سبيل الدعاء له. الدعاء بصبّحك الله بخير كانت العرب تتحيا في الجاهلية بقولهم: صبّحك الله بخير فاخر ... ولحم طير وشراب خازر «٢» قبل طلوع الشمس للمسافر صبّحك الافلاح بكل خير ونجاح، صبحك الخير وجنّبك الضير وقوّى منك الأير. وقال رجل لآخر: كيف أصبحت؟ فقال بخير، فقال: هلا قلت: أحمد الله وأستغفره فكان أوله شكرا وآخره عبادة، صبحتك الأنعمة بطيّبات الأطعمة. الدعاء بكبت العدا والحسّاد والإعاذة من شماتتهما قال أعرابي: أراك الله في عدّوك ما يعطفك عليه وقالت امرأة لرجل كبت الله كلّ عدو لك إلا نفسك، وإنما أرادت بذلك قول النبي ﷺ : أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، أعاذك الله تعالى مما يقلق قلب الصديق ويضحك سنّ العدو، أعاذك الله من خيبة الرجاء وشماتة الأعداء وزوال النعمة وفجاءة النقمة. قال الصاحب لا زال أعداؤه في قل وذل وأمر منحل مضمحل وقال الخوارزمي: ولا زالت عداك بكلّ أرض ... لهم من سوء ظنّهم نذير قصير نهارهم خوف طويل ... بهم وطويل عمرهم قصير

стр. 479

وقال المتنبّي: وأراك دهرك ما تحاول في العدى ... حتّى كأنّ صروفها الأقدار «١» الدعاء ببلوغ الأمل قال شاعر: أنالك ربّك ما تأمله ... وحقّ لك الله ما تسأله قال الموسوي: ظفرت بما اشتهيت من الليالي ... وأعطيت المراد من الأماني الدعاء بأن جعل الله له النعم وأدامها عليه زادك الله كما زاد نابك وأعطاك أكثر مما أعطانا منك، وقال ابن القرية: لا زلت في رحب من البال وثروة من المال في غبطة وسرور وبعد من المكروه والشرور. أعطاك تعالى حتى ترضى وزادك بعد الرضا وتوفر لك من سعته ما لا تهتدي لمسألته ولا يحيط قلبك بمعرفته، وجعل ذلك موصولا بالثواب المدّخر للمحسنين. أنعم الله عليك بما يعجز عنه شكرك ولا أبلاك بما يضيق عنه صدرك، منحكم الله منحة لا تغار ليست بجداء ولا نكراء ولا ذات داء جعل الله نعمك هبة مخلّدة لا عارية مستردة. قال المتنبّي: أتمّ سعدك من لقاك أوله ... ولا استردّ هبات منك معطيها وقال عليّ بن الجهم: أتم الله نعمته علينا ... فإنّ تمامه نعم علينا الدعاء بزيادة النعماء والعلاء قال المتنبّي: إن كان فيما نراه من حسن ... فيك مزيد فزادك الله «٢» وقال أبو تمّام: إسمع أقامت في ديارك نعمة ... خضراء ناعمة ترفّ رفيفا «٣» وقالت عنان جارية الناطفي: نعم إذا النعم انتقلن تخيّمت ... وإذا نفرن عدت عليك ألوفا «٤»

стр. 480

وقال آخر: أيا رب زده نعمة وكرامة ... على غيظ أعداء وإرغام حاسد الدعاء بأن يقيه الله من الفقر ويجعل له سعة من اليسر جعل الله لك في الخير جدا ولا جعل معيشتك كدّا، أعاذك الله من القنوع والخضوع والخنوع، أعاذك من بطر الغنى ومذلة الفقر، جعل الله لك رزقا واسعا وجعلك به قانعا، وهب الله من غناه ما لا يقدر عليه سواه. قال رجل لمسروق بن الأجدع: أعاذك الله من خشية الفقر وطول الأمل ولا جعلك ردية السفهاء وشينا على الفقهاء. وقال أعرابي: رزقك الله من غير طلب شديد ولا سفر بعيد، جعلك الله في الرزق حولا لغيرك. الدعاء بالتّوفيق والإعاذة من الشّرور فرّغك الله لما له خلقك ولا شغلك بما تكفل به لك. وقال سعيد بن المسيب: مرّ بي صلة بن أشيم فقلت: ادع لي، فقال لي: رغبك الله في ما يبقى وزهدك في ما يفنى أعاذك من هيجان الحرص وسورة الغضب وغلبة الحسد ومخالفة الهدى وسنة الغفلة وإيثار الباطل على الحق، وأعاذك من سوء السيرة واحصاء الصغيرة ومن شماتة الأعداء والفقر إلى غير الاكفاء ومن عيشة في شدة وميتة من غير عدة ومن سوء المآب وحرمان الثواب وحلول العقاب. وقال أعرابي: أعاذك الله من هول المطلع وضيق المضطجع وبعد المرتجع. وقال آخر: أعانك الله على الدنيا بالسعة وعلى الآخرة بالمغفرة. قال المتنبّي: فلا تنلك الليالي إن أيديها ... إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب «١» ولا تعزّ عدوا أنت قاهره ... فإنّهنّ يصدن الصّقر بالخرب «٢» وقال ابن الرومي: فزادكم بالمدح كلّ قصيدة ... ولا قصدتكم بالمراثي القصائد وقال أبو محمد الخازن: لا زال ألسنة القريض نواطقا ... تخدمن مجدك بالثّناء الأفصح تهنئة بولاية أهنىء بك العمل الذي وليته ولا أهنئك به، لأن الله تعالى أصاره إلى من يورده موارد الصواب ويصدره مصادر الحجّة. لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ دخل عليه شاب من الأنصار، فقال: ما طيبتك الخلافة ولكن طيّبتها

стр. 481

وما زينتك الولاية بل زينتها، فأنت كما قال: وتزيدن أطيب الطيب طيبا وقال إبراهيم بن العباس: ما حددت لك من نعمى وإن عظمت ... إلا يصغرها القدر الذي فيكا لا زلت مستحدثا نعمى تسرّ بها ... على الليالي ولا زلنا نهنّيكا «١» وقال ابن الرومي: قل لك الملك ولو أنه ... مجموعة فيه الأقاليم «٢» والله يبقيك لنا سالما ... يأتيك تبجيل وتعظيم وقال أبو الغمر: ليهنك الفتح مشفوعا حسا وزكا ... وصاحبتك الليالي غضّة ضحكا تهنئة بنيروز قال شاعر: أنعم بنيروزك وابهج به ... متّعت ألفا مثله بعده «٣» أهدي بعض الأدباء يوم نيروز وردة وسهما ودينارا ودرهما فقال: لا زلت كالورد لذيذ المنسم ... ونافذا مثل نفاذ الأسهم في عزّ دينار ونجح درهم تهنئة بمهرجان قال المهلّب بن مالك: جاءك المهرجان يختال طلقا ... في هواء صاف وفي زعفرانه نلت فيه الذي به نال افريدون من رغم حاسد وهوانه تهنئة بزفاف نهى النبي ﷺ أن يقال بالرفاء والبنين، وكان يقول: بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينما بخير. وهنأ ابن القرية الحجّاج، فقال: أقرّ الله عينك ورزقك ودها وولدها وجعلك الباقي بعدها. قال ابن الرومي: سيدة زفت إلى سيّد ... أبدلنا اليسر من العسره ألّف بالتوفيق شملاهما ... في نعمة تمّت وفي خيره

стр. 482

عمّره الله وأبقى له ... ركنيه من عزّ ومن قدره تهنئة بولد قال شبيب بن شبة للمهدي: أراك الله في بنيك ما رأيته في أبيك. وقال رجل عند الحسن: ليهنك الفارس، فقال: لعله يكون بغالا، قل شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب ورزقت رشده وبلغ أشده. ونظر رسول الله ﷺ إلى رجل معه صبي فقال: أهذا ابنك؟ قال: نعم. قال: أمتعك الله به. وقال إسحاق الموصلي للفضل بن الربيع: مدّ لك الله الحياة مدّا ... حتّى يكون ابنك هذا جدّا ثم يفدّى مثلما تفدى ... أشبه منك سنّة وقدّا وقال الرفّاء: تملّ فارسك المذكور في شيم ... بمثلها الذكر الصمصام مذكور «١» وافى ومولده الوافي يخبرنا ... بأنه ناصر للمجد منصور فعاش ما نشر الديجور حلّته ... وما انطوى بضياء الفجر ديجور «٢» حتّى تراه وقدح السيف في يده ... مثلم وسنان الرّمح مأطور «٣» تهنئة بابنة كانوا يقولون: أمّنكم الله منها العار وكفاكم منها المؤونة. قال الصاحب: إيّاك أن تنكر الإناث فكم ... أنثى غدت في فخارها ذكرا الدعاء للمسافر قال النبي ﷺ لرجل أراد سفرا: اللهم أطوله البعيد وهوّن عليه العسير. وكانوا يقولون: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم أعمالك، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل. قال السري الرفاء: الله جارك ظاعنا ومقيما ... وظهير نصرك حادثا وقديما «٤» إن تغن كان لك النجاح مصاحبا ... أو تثو كان لك السرور نديما «٥»

стр. 483

وقال المتنبّي: وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامة ... حيث اتجهت وديمة مدرار «١» وصدرت أغنم صادر عن مورد ... مرفوعة لقدومك الأبصار وقال الخبزارزي: رعاه الله حيث غدا وسار ... وأعقبه الغنيمة والإيابا وقال أبو المعافاة: ردّك الله إلينا سالما ... بعد غنم واغتباط وظفر الدعاء للقادم من سفر قال أبو العتاهية : لا زلت من غنم إلى راحة ... تقدّم يا خير فتى قادم وقال ابن الرومي: لا زلت من غنم إلى ... دعة وأمن قادما «٢» وله: قدوم سعادة وقفول يمن ... هو البشر المخفّف كلّ حزن وقيل لما دخل النبي ﷺ المدينة كان نساؤها يقلن: طلع البدر علينا ... من ثنيّات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع تهنئة بالصوم قال الصنوبريّ: نلت في ذا الصّيام ما ترتجيه ... ووقاك الإله ما تتّقيه أنت في النّاس مثل ذا الشهر ... في الأشهر بل مثل ليلة القدر فيه «٣» تهنئة بالعيد قيل: قبل الله منك الفرض والسنّة واستقبل بك الخير والنعمة. وقال ابن خلاد: بأسعد طالع عيّدت يا من ... بطلعته سعادة كلّ عيد

стр. 484

وقال المتنبّي: هنيئا لك العيد الذي أنت عيده ... وعيد لمن سمّى وضحّى وعيّدا «١» ولا زالت الأعياد لبسك بعدها ... تسلّم مخروقا وتعطى مجدّدا وقال آخر: البس النعماء ما أو ... مض برق في غمام واصلا عيدا بعيد ... ودواما بدوام تهنئة بخلعة قال أبو بكر الصولي: خلع خلعت بها قلوب عداكا ... ملأت سرورا كلّ من يهواكا لا زلت تلبس كلّ يوم مثلها ... أبدا على إرغام من عاداكا «٢» ووقاك ربّ النّاس ما تخشاه من ... عنت الزّمان وظلمه وكفاكا «٣» تهنئة بدار قال ابن الرومي: دار أمن وقرار ... واعتلاء واقتدار أسست والطير باليمن وبالسّعد جوار ... خير دار حلّ فيها خير أرباب الدّيار ... وقديما وفق الله خيار الخيار وقال القاضي علي بن عبد العزيز: ليهن ويسعد من به سعد الفضل ... بدار هي الدنيا وسائرها فضل دعاء لتناول شيء من لحيته نزع رجل من لحية الحسن قذاة، فقال: لا بك السوء، وقال آخر: لا عدمت ربك نافعا. وتناول بعضهم من لحية رجل شيئا فقال: صرف الله عنك السوء. فقال إليك لا عاد. ورأى الفتح شيئا في لحية المتوكل فلم يمد يده إليه ولا قال له شيئا، بل قال يا غلام هات مرآة أمير المؤمنين فجيء بها ونظر فيها فأخذه بيده. وعلى العكس من هذا الباب قال الأصمعي: نزع رجل من لحية آخر شيئا فقال: نزع الله ما بك من نعمة. وتناول

стр. 485

بشّار من لحية رجل شيئا فقال: لا يمنعني أن أقول صرف الله عنك السوء إلا مخافتي أن يذهب الله بوجهك إنه سوء. ومن هذا الباب قال أبو الأسود: لا يفض الله فاك أي لا يجعله فضاء بذهاب الأسنان. وقال بعضهم: طاب طيبك وعاش حبيبك ولا زال خير ينوبك. وقال رجل لآخر: رحمك الله فقال له مجيبا له: يغفر الله لي ولكم، فقال ما أنصفتنا آثرناك على أنفسنا بالدعاء وجعلتنا علاوة على نفسك. دعاء مكروه المبدأ دعا رجل لسلطان فقال: لا صبّحك الله إلا بخير فأمر بأن يصفع، وقال: من آخذني باحتمال قبيح ابتداء سلامه والصبر على انتظار تمامه. ولما أنشد أبو مقاتل الضرير الراعي يهنئة بمهرجان: لا تقل بشرى ولكن بشريان أمر بطرده، وقال: أعمى ينشد يوم المهرجان لا تقل بشرى. وقال رجل لبعض الخلفاء في كلام نفاه: لا أطال الله بقاءك، فقال: قد علمتم لو تعلمتم ألا قلت: لا وأطال الله بقاءك، وعنى بذلك ما روي أن رجلا قال بلعضهم: لا وأطال الله بقاءك، فقال: ما رأيت واوا أحسن موقعا من هذا الواو. وقال رجل لآخر: كيف أنت؟ فقال: كبر ضعفي، فقال قوّى الله ضعفك، فقال: اسكت إذا يزيد في علتي، قل: قوّاك الله على ضعفك. ويقرب من ذلك ما حكي أن رجلا تعرض للصاحب فقال: أنا قاضي شلنبة وأدعو أبدا على مولانا، فقال: ادع على نفسك. فقال: لا بل على مولانا، وقدر أن ذلك زيادة في الدعاء، فقال الصاحب: زادنا في البر. (٥) ومما جاء في الدعاء على الإنسان حذق اللئيم بالسّباب وعجز الكريم عنه قال أمير المؤمنين علي ﵁: ما تساب اثنان قط إلّا غلب ألأمهما. أخذه الشاعر، فقال: وإنّك قد ساببتني فغلبتني ... هنيئا مريئا أنت بالسبّ أحذق «١» ونازع رجل المهلب فأربى عليه، فقيل له: لم سكتّ عنه؟، قال: استحييت من سخف المسابة ورغبت عن غلبة اللئام، وكان إذا سبني تهلل وجهه واستنار لونه وتبجحت

стр. 486

نفسه فإن غلب فبفضل القحة ونبذ المروءة وخلع ربقة الحياء وقلة الاكتراث بسوء الثناء. ما جعلته العرب تعجّبا من الشّتّم تقول العرب: قاتله الله. قال ابن الأعرابي: إذا قيل قتله الله لا يكون إلا شتما وإذا قيل قاتله الله يكون تعجبا. وماله، لا عد من نفره وتربت يداه وثكلته أمه وهوت أمه كل ذلك يستعمل على طريق التعجب واستعظام القول فيه، ولهذا قال بعض الشعراء: أسب إذا أجدت القول ظلما ... كذاك يقال للرجل المجيد الحثّ على التعريض بالشتم دون التصريح قال أبو عمرو بن العلاء: أحسن الشتم ما يتذاكره ذوو المروآت في مجالسهم ولا يتحاشى من روايته أهل الأديان. من شتم كثيرا معرّضا غير مصرّح سأل رجل بعض الكبار شيئا فاعتذر إليه بفقر ناله، فقال: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت محجوبا فجعلك الله معذورا. كتب هشام إلى ملك الروم: من هشام أمير المؤمنين إلى ملك الطاغية، فكتب إليه ما ظننت أن الملوك تسب وما الذي يؤمنك أن أكتب إليك من ملك الروم إلى الملك المذموم هشام الأحول المشؤوم. كان محرز الكاتب إذا رأى ابن شاهين قال: حيّاك الله وجها ألقاك به وهو لا يفهم، فلما أكثر، قيل له: إنما عنى نفسه بما يقوله، فقال: دعوه لي فلما رآه وقال له ذلك، قال: لا حيا الله وجها أراك به، فضحك محرز وقال: آمين. قال بعضهم: سلام ساقط الميم ... على وجهك بالحاء لنا في البيت خروف ... فكل منه بلا فاء وقال ابن الحجّاج: وزنته ألفين يا ليته ... أصبح في تصحيف ألفين أي في القبر. وسأل أمير المؤمنين بعض الناس فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يقول: عليّ مني كهرون من موسى، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، فقال: كبرت سنّي ونسيته، فقال: إن كنت كاذبا فضربك الله ببيضاء لا تواريها العمامة فصار ذا برص إلى أن مات. من تملح في شتم كبير خرج المهدي إلى الصيد فتفرد مع غلام فرأى أعرابيا، فقال: إني أريد أن أضحك من هذا الأعرابي فأتاه الغلام فقال: أجب أمير المؤمنين فقال مالي ولأمير المؤمنين؟ فزناه وشتمه. فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين هذا شتمني. فقال المهدي: يا غلام اعطه دانقا،

стр. 487

فقال الأعرابي أدية فريتكم دانق يا أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: فأنت زان وابن زانية وابن زان خذ درهما ومر في حفظ الله. وقال هشام: من يسبني ولا يفحش وهذا المطرف له، فقال له أعرابي: هاته يا أحول، فقال: خذه قاتلك الله. وقال البوشجان: حضرت مجلس المبرّد فسمعنا نفاشا يقول في حر أم أصفهان، فقال أبو العباس: هذا قد شتمكم على قول الله تعالى: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ «١» أي أهلها. الدعاء على إنسان بالمرض قال أعرابي لرجل: إن كنت كاذبا فبعث الله عليك داء ليس له دواء. وقال آخر: رماه الله من الداء بما يصير به رحمة للأطباء. وقيل: ماله خرب وحرب وذرب، معنى ذرب فسدت معدته. ماله وراه الله الورى سعال يقيء منه الدم، قال عبد بني الحسحاس: وراهنّ ربّي مثل ما قد ورينني ... وأحمى على أكبادهن المكاويا وقيل: بفيه الثرى وحمى خيبرا. فإنه خيسرى ابن خاسر أبرد الله مخّه، أي أهزله. ماله ال «٢» وغل وسل كساه الله عصابة رمد ورداء نكد وإزار جذام. الدعاء عليه بفقدان الجوارح جذعه الله جذعا مرعبا، ... أشل الله عشره فلا استقلّت أبدا ... سوطا من الأرض يده وقالت جارية الناطفي: فليت من يضربها ظالما ... تيبّس يمناه على سوطه الدّعاء عليه بذهاب المال شرب باردا وجلب قاعدا. أي لا كان له لبن حتى يشرب الماء القراح، وعوّض من الإبل غنما يحلبها قاعدا ونحوه. أباد الله رواغيه وأبقى ثواغيه. رماه لله بقرع الفناء وصفر الإناء. قرع مراحه وساف ماله. لا طلبته الخيول ولا تكاءدته المحول، أي لا جعل الله له مالا تطلبه الخيول للغارة أو يتكاءه «٣» جدب الزمان. فعلى هذا حمل قول الشاعر: وجنّبت الجيوش أيا زينب ... وجاد على منازلك السّحاب الدعاء عليه بالهلاك رماه الله حيث لا يرى بفاقرة الثرى، أي الأفعى. كقولهم: رماه الله بأفعى عادية ورماه الله ببليّة لا أخت لها، وتقول: ثل عشره وجذ ثدي أمه وهوت أمه، وزال زواله ولا

стр. 488

عد من نفره، رماه الله بثالثة الأثافي ورياح عاصفة وسيول جارفة. ويقال: مالكم تفاقدتم فجع الله به وادا ودودا واشمت به حاسدا حسودا، وسلّط عليه هما يضنيه وجارا يؤذيه وعدوا يرديه، أقام الله عليه ناعيه وأشمت به أعاديه. قالت امرأة: ارم بسهمين على فؤاده ... واجعل حمام نفسه في زاده «١» وفي معنى أفقدنيه الله فقدت خيالك لا من عمى ... وصوت كلامك لا من صمم قال الحميري: ربّ قد أعطيتناه ... وهو من شرّ عطاء فارجعنه ربّ عنّا ... بإزار ورداء الدعاء بإزالة الدولة قال أبو هفّان: أزال الله دولتهم سريعا ... فقد ثقلت على عنق الزّمان وقال جحظة البرمكي: سألت الله تعميرا طويلا ... ليبهجني بخطب يعتريكم «٢» أخاف بأن أموت ولن تريني ... صروف الدّهر ما أهواه فيكم الدعاء على ظاعن ودعت امرأة زوجها ورمته بروثة ونواة وحصاة، وقالت: راث خبرك وتناءت دارك وانحصى أثرك، ثم أنشدت: اتبعته إذ رحل العيس ضحى ... بعد النواة روثة حيث انتوى «٣» للروثة الريث وللنأي النّوى وقال علي بن عاصم: أمّا وقد ضمّه الفرار ... فلا يضمنّه القرار ولا اطمأنت به الفيافي ... ولا استقرّت به الدّيار وقال ابن حازم: وداع دون أوبته النّشور ... ونأي لا يقربه مسير «٤»

стр. 489

وقال غير ميمون ولكن ... بأنكد ما يدور وما يطير وقال أبو هفّان: في عذاب يطلب الطا ... لب من أدناه موته ونحوس قاطعات ... لك عما قد نويته الدعاء على متزوّج قال بعضهم: المتزوج بالبيت المهدوم والطائر المشؤوم والرحم المعقوم. قال أبو الفرج الكاتب: بالرّزايا والطائر المنكوس ... كان يوم الزفاف والتعريس «١» واصل الله باتصالك هذا ... نكبات مبيدة للنفوس «٢» دخلت رجلها دخول قدار ... وطويس ومنشم والبسوس «٣» وتبدلت بالجلاء جلاء ... وبرحب الديار ضيق الحبوس «٤» الدعاء على باني دار قال البسّامي: شدت دارا خلتها مكرمة ... سلط الله عليها الغرقا وأرانيك فقيرا وسطها ... وأرانيها صعيدا زلقا «٥» أنواع مختلفة قال أبو الوليد الكناني: بلوناهم واحدا واحدا ... فكلّهم شأنهم واحده فلا ذرأ الربّ أولادهم ... ولا بارك الربّ في الوالده «٦» وقال أعرابي: وصاحب قلت ولم أسمه ... لما به من مقته وغمّه لعن الإله ثعلة بن سافر ... لعنا عليه يشقّ من قدّامه

стр. 490

وقال أبو الأشعث الهمداني وقد سرق له أضحية: يا سارق الكبش رجلاه وجبهته ... في صدع أمّك بالقرنين والذنب «١» هلا سرقت جزاك الله لعنته ... من الموالي ولم تسرق من العرب سمع ذو الرمة رجلا يقول: على فلان لعنة الله، فقال: لم يرض بواحدة حتى شفعها بأخرى، ومعنى ذلك أنه اعتقد في قوله لما سمعه مفتوحا أنه مرفوع مثنى كقولك. هذان عبد الله. قال شاعر: وما دعوت عليه قطّ ألعنه ... إلا وآخر يتلوني بآمين «٢» سقط مخنث من جبل فغشي عليه، فلما أفاق قال: يا جبل ما أصنع بك أضربك لا يوجعك، أشتمك لا تبالي، ولكن بيني وبينك يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش. ومن كلام أبي العبر: استودعك الله حائطا مائلا وكنيفا سائلا. وقع بين أنس بن مالك وامرأته شرّ فقال لامرأته: لأدعون الله عليك، فقالت: قد دعوته على الحجّاج فما زادت رقبته إلا غلظا. حكى الصاحب أن أبا علي بن مثوبة كان إذا شتم إنسانا في غضب عظيم يقول: يا قواد يا قواد ترقال هذه الزيادة لم تسمع إلا منه. قال لرابية الأسدية: فمن لامني في حبّ نجد وأهله ... فليم على مثل وأوعب جادعه «٣» وقال معاذ الدهلي: لحى الله أدنانا إلى اللؤم زلفة ... وألأمنا أمّا وأسقطنا جدا «٤» قال الأصمعي: كان النساء يقلن للشيخ إذا سعل وريا وقحابا، وللشاب عمرا وشبابا. القحب السعال. حكي عن يهودي بأصبهان أنه كان إذا أتاه جندي فيقول: يا أخا القحبة، يقول: لما سمعت صوتك علمت أنه هو، وقال له غلامه. إن هذا يقول يا ديوث، فقال: الديوث إيش يعمل ههنا يعرض به. وقال إنسان امرأته قحبة، فقال: أليست أختا لك أليست بنتا لك. قال له إنسان: امرأته قحبة، فقال: خلالت هوذا أي أنها امرأتك.

стр. 491

(٦) وممّا جاء في الهدايا الحثّ على الإهداء وذكر فضيلته قال النبي ﷺ : تهادوا تحابّوا، وقال: الهدية تسلّ السخيمة. وقال عمر ﵁: نعم الشيء الهدية بين يدي الحاجة. وفي الخبر: إذا قدم أحدكم من سفر فليهد إلى أهله وليطرفهم، وإن حجارة. وقيل: أسكفة الباب تضحك من الهدية، وقيل: الهدية هداية. قال: ما من صديق وإن تمّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق لا تكذبنّ فإنّ النّاس مذ خلقوا ... عن رغبة يعظمون النّاس أو فرق «١» أما الفعال ففوق النجم مطلبه ... والقول بوجد مطروحا على الطّرق وقال آخر: إذا أتت الهديّة دار قوم ... تطايرت الأمانة من كواها «٢» وقيل: الهدية بضاعة تيسّر الحاجة، ومن صانع بالمال لم يحتشم. قال الغاضري لأصحابه: أي راكب أحسن؟ فقال بعضهم تمرة على زبدة، فقال: لا بل هدية على حمال. ومن أمثال الفرس: الهدية تغالط العقول. الحثّ على قبول الهدية قال النبي ﷺ : إن الهدية رزق الله فمن أهدى إليه شيء من غير سؤال ولا إسراف فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه، وقال: من سألكم بالله فاعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليه كراع فليقبله. وقال: لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت. الحثّ على المقابلة قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها «٣» ، فسّره بعضهم بالهدية وجعل الثواب بها واجبا وروي أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها.

стр. 492

أنشدني بعضهم: رأيت النّاس طرّا في الهدايا ... كبيع السوق خذ منّي وهات طلب الهدية ومعاتبة من تركها روي أن رجلا أهدى إلى الحسن والحسين ﵄ ولم يهد إلى ابن الحنفية فأنشأ أمير المؤمنين علي ﵁ يقول: وما شرّ الثّلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذمي لا تصحبينا «١» وكتب رئيس إلى بعضهم: لا تهدين ما يجحف بحالك فإنه لا يزيد في مالي ولا يمنعك من ملاطفتي بيسير، واللطف استعظامك لمكاني فالكثير منك يسير واليسير عندنا كثير والسلام. قال المعيطي: أتاني أخ من غيبة كان غابها ... وكنت إذا ما غاب أنشده الركبا «٢» فجاء بمعروف كثير فدسّه ... كما دسّ راعي السوء في حضنه رطبا فقلت له: هل جئتني بهدية ... فقال: بنفسي قلت: أطعمتها الكلبا هي النفس لا أرثي لها من ملمة ... ولا أتمنّى إن نأيت لها قربا الهديّة مشتركة قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها. وكان الهيثم بن عدي يحدث بهذا الحديث فما تمم حتى طلعت هدية فقال: ما خلا هذه. نهي الولاة عن قبول الهديّة صعد النبي ﷺ المنبر فقال: ما بال أقوام استعملتهم على الصدقات فيجيء أحدهم فيقول هذا ما لكم وهذا أهدي إليّ، هلّا جلس في حفش أمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقّه إلا لقي الله يحمله فليأتين أحدكم وعلى رقبته بعير له رغاء بقرة لها خوار وشاة لها ثغاء، ثم رفع يده وقال: اللهم قد بلغت. وروي: إياكم والهدية فإنها ذريعة الرشوة. ولعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي. قال الشيخ وقد ذكرت خبر أنوشروان مع غيره في مثل هذا الباب في الولايات. الممتنع من أخذ الهديّة سأل رجل الخيزران حاجة فاستبطأها فأهدى إليه هدية، فكتب إليه: إن كان ما وجهته ثمنا لرأيي فيك فقد بخستني في القيمة وإن كان استزادة بها استغششتني في النصيحة.

стр. 493

وقال المدائني: أهدى رجل إلى مجوسي هدية فاغتم لذلك فقيل له، فقال: لئن ابتدأني بها فإنه يدعوني إلى أن أتقلد منه، ولئن كافأني على معروف عنده إنه ليروم أخذ ذلك، فمن أي هذين لا أجزع. وطلب عبد الله بن جعفر لأزادمرد حاجة من أمير المؤمنين ﵁ فأهدى إليه أزادمرد أربعين ألف درهم فامتنع عبد الله من أخذها، وقال: إنّا أهل بيت لا نأخذ على معروفنا ثمنا وأهدى عبد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولاه مصر مائة وصيفة مع كل واحدة بدرة وبعثها إليه ليلا، فردها وكتب إليه: لو قبلت هديتك ليلا قبلتها نهارا وما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. من لان بعد شدة لأخذ هديّة مرّ زياد بأبي العريان بالبصرة، فقال: من هذا؟ فقالوا: زياد بن أبي سفيان، فقال ما أعرف في ولد أبي سفيان زيادا، فبلغه ذلك، فوجه إليه دنانير ثم مر به، فقال: من هذا فقالوا زياد بن أبي سفيان، فقال لقد ذكرني شمائل أبي سفيان، فبلغ ذلك معاوية ﵁، فكتب إليه: ما لبثتك دنانير رشيت بها ... إن لونتك أبا العريان ألوانا لله در زياد منذ قدمها ... كانت له دون ما يخشاه قربانا «١» فكتب له: ابعث لنا صلة تحيا النفوس بها ... قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا من يسد خيرا يجده حيث يجعله ... أو يسد شرا يجدّه حيثما كانا أما زيّاد فلا أنسيت نسبته ... ولم أرد بالذي حاولت بهتانا «٢» ولما ولي الحسن بن عمارة المظالم، قيل ذلك للأعمش فقال: ظالم ولي المظالم، فأهدى إلى الأعمش رزمة ثياب فجعل يقول من بعد: إن الحسن كريم وحر سخي. وكان رؤبة له حكومة فلم يكن يبلغ مراده فيها فأهدى إلى الحاكم شيئا فنال ما رام، فقال: لما رأيت الشفعاء بلدوا ... أسوتهم برشوة فقردوا «٣» وسهل الله بها ما شدّدوا وكان بعض الولاة يخاشن بعض عماله فأرضاه بما أهداه، فسألته كيف حالك مع فلان؟ فقال: قد سد ابن بيض الطريق وخبره معروف.

стр. 494

استرداد ظروف الهدايا وتركها قال الغنوي: استديموا الهدايا برد الظروف، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت مع الرشيد بالكوفة في شهر رمضان، فقال لموسى بن عيسى: يا أبا عيسى. حلواؤنا عليك، وكان يوجه إليه كل ليلة عشر صحاف. فلما كان بعد عشر ليال قطعها، فقال له الرشيد أصغوت فقطعت الحلواء، فقال: ما قطعها غيرك إن أنصفت. قال: كيف؟ قال: إن من يأخذها منا لا يريد صحفة ولا منديلا ولا طبقا، قال: بئس ما عمل إن الهدايا تستدام برد الظروف فإذا صرت المتقاضي وأنت القاضي فلا تحتشم أحدا في استرداد الظروف. للصاحب وقد أهدى دنانير على طبق فضة فكتب بأبيات فيها: والظرف يوجب أخذه مع ظرفه الاعتذار من إهداء شيء طفيف كتب بعضهم: سهل لي سبيل الملاطفة فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يستغنم. كتب أحمد بن يوسف: للهدية معنيان كلاهما يوجب القبول، وإن قل. وقيل: إن كان لك عند المهدي يد فلا تستقصر بمزيدك وإن كان مبتدئا، فالتفضل لا يستقل الهدية. أظرفها أخفها وأقلها أنبلها. وكتب آخر قدمت المعذرة في إهداء ما اتسعت به المقدرة. وروي أن سليمان ﵊ مرّ بعش قنبرة فأمر الريح أن تتجنب عشها الذي فيه فراخها. فجاءت القنبرة لما نزل سليمان فرفرفت على رأسه وألقت جرادة هدية له لما فعل، فقال سليمان: هي مقبولة فكل يهدي على قدر وسعه. ومما يروى لأبي يوسف القاضي: علينا بأن نهدي إلى من نحبّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله «١» ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله وقال دعبل: هذي هدية عبد أنت ملبسه ... ثوب الغنى فاقبل الميسور من خدمك وقال الخبزارزي: تفضّل بالقبول على أنّي ... بعثت بما يقلّ لعبد عبدك أهدى بعض الأدباء إلى المعتز شيئا، وكتب إليه: لا يعيب العبد أن يهدي إلى سيده القليل من نعمته عنده ولا السيد أن يقبل ذلك وإن كان الكل له والسلام. المقتصر في الهديّة على الشّكر قال المازني: أظرف من اعتذر للفقر واقتصر على الشكر في الإهداء أحمد بن إبراهيم

стр. 495

كتب إليه ابن ثوابة: إنّي جعلت هديّتي ... في المهرجان إليك شكري لمّا تعذّر واجب ... فسح التعذر فيه عذري فإذا مررت بذكر من ... جاءت هديّته ببرّ فادر على اسمي دارة ... واكتب عليه أتى بعذر وقال محمد بن أبي حكيم: رأيت كثير ما يهدي قليلا ... لعبدك فاقتصرت على الدّعاء وقال آخر: وافق المهرجان والعيد منّي ... رقّة الحال وهي داء الكرام «١» فاقتصرنا على الدعاء وفيه ... عون صدق على قضاء الذّمام «٢» المقتصر على إهداء النفس اقتصد المتوكل فلم يبق أحد من جواريه وحشمه إلا أهدى إليه، فأخبرت قبيحة بذلك، وكانت معشوقته فتزينت ودخلت عليه فأنشدته: طلبت هديّة لك باحتيال ... على ما كان من حسّي وبسّي «٣» فلمّا لم أجد شيئا نفيسا ... يكون هديّتي أهديت نفسي فقال المتوكل: نفسك والله أحب إليّ. قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: حبيبي فصدت العرق من أجل علّة ... فلم تهد لي فيه وصالا مجدّدا فأهديت نفسي يوم فصدي بوصلها ... إليك فخذها كي تكون لك الفدا استهداء النفس كتب أبو العباس بن رشيد إلى صديق كان مشغوفا به: النّاس يهدون إلى المفتصد ... أحسن ما يلقونه في البلد فاهد لي وجهك يا سيّدي ... فإنّه أحسن شيء يرد المهدي شيئا معينا أهدى أبو عبادة الوزير إلى المأمون مصحفا في يوم مهرجان ووافق أول يوم من شهر
следующие страницы →