Полный текст (1 556 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
(٦) وممّا جاء في الهدايا
الحثّ على الإهداء وذكر فضيلته
قال النبي ﷺ : تهادوا تحابّوا، وقال: الهدية تسلّ السخيمة. وقال عمر ﵁: نعم الشيء الهدية بين يدي الحاجة. وفي الخبر: إذا قدم أحدكم من سفر فليهد إلى أهله وليطرفهم، وإن حجارة. وقيل: أسكفة الباب تضحك من الهدية، وقيل: الهدية هداية. قال:
ما من صديق وإن تمّت صداقته ... يوما بأنجح في الحاجات من طبق
لا تكذبنّ فإنّ النّاس مذ خلقوا ... عن رغبة يعظمون النّاس أو فرق «١»
أما الفعال ففوق النجم مطلبه ... والقول بوجد مطروحا على الطّرق
وقال آخر:
إذا أتت الهديّة دار قوم ... تطايرت الأمانة من كواها «٢»
وقيل: الهدية بضاعة تيسّر الحاجة، ومن صانع بالمال لم يحتشم. قال الغاضري لأصحابه: أي راكب أحسن؟ فقال بعضهم تمرة على زبدة، فقال: لا بل هدية على حمال. ومن أمثال الفرس: الهدية تغالط العقول.
الحثّ على قبول الهدية
قال النبي ﷺ : إن الهدية رزق الله فمن أهدى إليه شيء من غير سؤال ولا إسراف فليقبله فإنما هو رزق ساقه الله إليه، وقال: من سألكم بالله فاعطوه ومن استعاذكم فأعيذوه ومن أهدى إليه كراع فليقبله. وقال: لو أهدي إليّ كراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت.
الحثّ على المقابلة
قال الله تعالى: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
«٣» ، فسّره بعضهم بالهدية وجعل الثواب بها واجبا وروي أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها ما هو خير منها.
стр. 492
أنشدني بعضهم:
رأيت النّاس طرّا في الهدايا ... كبيع السوق خذ منّي وهات
طلب الهدية ومعاتبة من تركها
روي أن رجلا أهدى إلى الحسن والحسين ﵄ ولم يهد إلى ابن الحنفية فأنشأ أمير المؤمنين علي ﵁ يقول:
وما شرّ الثّلاثة أم عمرو ... بصاحبك الذمي لا تصحبينا «١»
وكتب رئيس إلى بعضهم: لا تهدين ما يجحف بحالك فإنه لا يزيد في مالي ولا يمنعك من ملاطفتي بيسير، واللطف استعظامك لمكاني فالكثير منك يسير واليسير عندنا كثير والسلام.
قال المعيطي:
أتاني أخ من غيبة كان غابها ... وكنت إذا ما غاب أنشده الركبا «٢»
فجاء بمعروف كثير فدسّه ... كما دسّ راعي السوء في حضنه رطبا
فقلت له: هل جئتني بهدية ... فقال: بنفسي قلت: أطعمتها الكلبا
هي النفس لا أرثي لها من ملمة ... ولا أتمنّى إن نأيت لها قربا
الهديّة مشتركة
قال النبي ﷺ : إذا أتى أحدكم بهدية فجلساؤه شركاؤه فيها. وكان الهيثم بن عدي يحدث بهذا الحديث فما تمم حتى طلعت هدية فقال: ما خلا هذه.
نهي الولاة عن قبول الهديّة
صعد النبي ﷺ المنبر فقال: ما بال أقوام استعملتهم على الصدقات فيجيء أحدهم فيقول هذا ما لكم وهذا أهدي إليّ، هلّا جلس في حفش أمه فينظر أيهدى إليه، والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقّه إلا لقي الله يحمله فليأتين أحدكم وعلى رقبته بعير له رغاء بقرة لها خوار وشاة لها ثغاء، ثم رفع يده وقال: اللهم قد بلغت.
وروي: إياكم والهدية فإنها ذريعة الرشوة. ولعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي.
قال الشيخ وقد ذكرت خبر أنوشروان مع غيره في مثل هذا الباب في الولايات.
الممتنع من أخذ الهديّة
سأل رجل الخيزران حاجة فاستبطأها فأهدى إليه هدية، فكتب إليه: إن كان ما وجهته ثمنا لرأيي فيك فقد بخستني في القيمة وإن كان استزادة بها استغششتني في النصيحة.
стр. 493
وقال المدائني: أهدى رجل إلى مجوسي هدية فاغتم لذلك فقيل له، فقال: لئن ابتدأني بها فإنه يدعوني إلى أن أتقلد منه، ولئن كافأني على معروف عنده إنه ليروم أخذ ذلك، فمن أي هذين لا أجزع.
وطلب عبد الله بن جعفر لأزادمرد حاجة من أمير المؤمنين ﵁ فأهدى إليه أزادمرد أربعين ألف درهم فامتنع عبد الله من أخذها، وقال: إنّا أهل بيت لا نأخذ على معروفنا ثمنا وأهدى عبد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولاه مصر مائة وصيفة مع كل واحدة بدرة وبعثها إليه ليلا، فردها وكتب إليه: لو قبلت هديتك ليلا قبلتها نهارا وما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون.
من لان بعد شدة لأخذ هديّة
مرّ زياد بأبي العريان بالبصرة، فقال: من هذا؟ فقالوا: زياد بن أبي سفيان، فقال ما أعرف في ولد أبي سفيان زيادا، فبلغه ذلك، فوجه إليه دنانير ثم مر به، فقال: من هذا فقالوا زياد بن أبي سفيان، فقال لقد ذكرني شمائل أبي سفيان، فبلغ ذلك معاوية ﵁، فكتب إليه:
ما لبثتك دنانير رشيت بها ... إن لونتك أبا العريان ألوانا
لله در زياد منذ قدمها ... كانت له دون ما يخشاه قربانا «١»
فكتب له:
ابعث لنا صلة تحيا النفوس بها ... قد كدت يا ابن أبي سفيان تنسانا
من يسد خيرا يجده حيث يجعله ... أو يسد شرا يجدّه حيثما كانا
أما زيّاد فلا أنسيت نسبته ... ولم أرد بالذي حاولت بهتانا «٢»
ولما ولي الحسن بن عمارة المظالم، قيل ذلك للأعمش فقال: ظالم ولي المظالم، فأهدى إلى الأعمش رزمة ثياب فجعل يقول من بعد: إن الحسن كريم وحر سخي. وكان رؤبة له حكومة فلم يكن يبلغ مراده فيها فأهدى إلى الحاكم شيئا فنال ما رام، فقال:
لما رأيت الشفعاء بلدوا ... أسوتهم برشوة فقردوا «٣»
وسهل الله بها ما شدّدوا
وكان بعض الولاة يخاشن بعض عماله فأرضاه بما أهداه، فسألته كيف حالك مع فلان؟ فقال: قد سد ابن بيض الطريق وخبره معروف.
стр. 494
استرداد ظروف الهدايا وتركها
قال الغنوي: استديموا الهدايا برد الظروف، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت مع الرشيد بالكوفة في شهر رمضان، فقال لموسى بن عيسى: يا أبا عيسى. حلواؤنا عليك، وكان يوجه إليه كل ليلة عشر صحاف. فلما كان بعد عشر ليال قطعها، فقال له الرشيد أصغوت فقطعت الحلواء، فقال: ما قطعها غيرك إن أنصفت. قال: كيف؟ قال: إن من يأخذها منا لا يريد صحفة ولا منديلا ولا طبقا، قال: بئس ما عمل إن الهدايا تستدام برد الظروف فإذا صرت المتقاضي وأنت القاضي فلا تحتشم أحدا في استرداد الظروف.
للصاحب وقد أهدى دنانير على طبق فضة فكتب بأبيات فيها:
والظرف يوجب أخذه مع ظرفه
الاعتذار من إهداء شيء طفيف
كتب بعضهم: سهل لي سبيل الملاطفة فأهديت هدية من لا يحتشم إلى من لا يستغنم. كتب أحمد بن يوسف: للهدية معنيان كلاهما يوجب القبول، وإن قل. وقيل: إن كان لك عند المهدي يد فلا تستقصر بمزيدك وإن كان مبتدئا، فالتفضل لا يستقل الهدية.
أظرفها أخفها وأقلها أنبلها. وكتب آخر قدمت المعذرة في إهداء ما اتسعت به المقدرة.
وروي أن سليمان ﵊ مرّ بعش قنبرة فأمر الريح أن تتجنب عشها الذي فيه فراخها. فجاءت القنبرة لما نزل سليمان فرفرفت على رأسه وألقت جرادة هدية له لما فعل، فقال سليمان: هي مقبولة فكل يهدي على قدر وسعه. ومما يروى لأبي يوسف القاضي:
علينا بأن نهدي إلى من نحبّه ... وإن لم يكن في وسعنا ما يشاكله «١»
ألم ترنا نهدي إلى الله ماله ... وإن كان عنه ذا غنى فهو قابله
وقال دعبل:
هذي هدية عبد أنت ملبسه ... ثوب الغنى فاقبل الميسور من خدمك
وقال الخبزارزي:
تفضّل بالقبول على أنّي ... بعثت بما يقلّ لعبد عبدك
أهدى بعض الأدباء إلى المعتز شيئا، وكتب إليه: لا يعيب العبد أن يهدي إلى سيده القليل من نعمته عنده ولا السيد أن يقبل ذلك وإن كان الكل له والسلام.
المقتصر في الهديّة على الشّكر
قال المازني: أظرف من اعتذر للفقر واقتصر على الشكر في الإهداء أحمد بن إبراهيم
стр. 495
كتب إليه ابن ثوابة:
إنّي جعلت هديّتي ... في المهرجان إليك شكري
لمّا تعذّر واجب ... فسح التعذر فيه عذري
فإذا مررت بذكر من ... جاءت هديّته ببرّ
فادر على اسمي دارة ... واكتب عليه أتى بعذر
وقال محمد بن أبي حكيم:
رأيت كثير ما يهدي قليلا ... لعبدك فاقتصرت على الدّعاء
وقال آخر:
وافق المهرجان والعيد منّي ... رقّة الحال وهي داء الكرام «١»
فاقتصرنا على الدعاء وفيه ... عون صدق على قضاء الذّمام «٢»
المقتصر على إهداء النفس
اقتصد المتوكل فلم يبق أحد من جواريه وحشمه إلا أهدى إليه، فأخبرت قبيحة بذلك، وكانت معشوقته فتزينت ودخلت عليه فأنشدته:
طلبت هديّة لك باحتيال ... على ما كان من حسّي وبسّي «٣»
فلمّا لم أجد شيئا نفيسا ... يكون هديّتي أهديت نفسي
فقال المتوكل: نفسك والله أحب إليّ.
قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
حبيبي فصدت العرق من أجل علّة ... فلم تهد لي فيه وصالا مجدّدا
فأهديت نفسي يوم فصدي بوصلها ... إليك فخذها كي تكون لك الفدا
استهداء النفس
كتب أبو العباس بن رشيد إلى صديق كان مشغوفا به:
النّاس يهدون إلى المفتصد ... أحسن ما يلقونه في البلد
فاهد لي وجهك يا سيّدي ... فإنّه أحسن شيء يرد
المهدي شيئا معينا
أهدى أبو عبادة الوزير إلى المأمون مصحفا في يوم مهرجان ووافق أول يوم من شهر
стр. 496
رمضان فكتب إليه عدلت عن هدايا السلطان إلى التيمّن بالقرآن وما يرضى الرحمن فوقع في رقعته فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
«١» . وأهدى أحمد بن يوسف إلى المأمون هدايا وكتب إليه رقعة، فلم يستظرف من هديته شيئا إلّا قوله في رقعته هذا يوم جرت فيه العادة بالطاف العبيد للسادة. وبعث إبراهيم بن المهدي بجراب ملح وجراب أشنان وكتب معهما: قصرت البضاعة عن بلوغ الهمة فكرهت أن تطوى صحف البر خالية من ذكرى، فبعثت بالمبدوء به لبركته والمختوم به لنظافته والسلام. وشرب الرشيد دواء فأهدت إليه الخيزران جارية بكرا معها جام، كتب عليه:
إذا خرج الإمام من الدواء ... وأعقب بالسّلامة والشّفاء
فليس له دواء غير شرب ... بهذا الجام ينزع بالطّلاء
وفضّ الخاتم المهدي إليه ... فهذا العيش من بعد الدواء
وأهدى رجل إلى آخر قلنسوة ونعلا وخاتما فقال لقد أشواني فلان بكسوته أي أصاب شواي.
ذكر الهديّة بأنها أمارة لفضل صاحبها أو نقصه
قيل: يعرف فضل المرء بفضل هديته وسخافته بسخافة بره. وقيل: ثلاثة تدل على عقول أربابها الهدية والرسول والكتاب. وقد حكى الله تعالى عن بلقيس أنها قالت وإني مرسلة إليه بهدية فناظرة بما يرجع المرسلون، فجعلت جواب الهدية دلالة.
قال كشاجم:
إنّ هدايا الرجال مخبرة ... عن قدرهم قلّلوا أو احتفلوا «٢»
المهدي هدية سخيفة
أهدى أبو رهم السدوسي إلى قينة كان يتعشقها زنبيل بصل، فقال فيه ابن المعدل:
قالت جبل ماذا العمل هذا الرجل حين احتفل أهدى بصل. أهدى رجل إلى إسماعيل الطالبي فالوذجة عتيقة قد زنخت، وكتب معها إني اخترت لعملها سكر السوس والعسل الماذي والزعفران الأصفهاني، فكتب إليه: برئت من الله إن كانت هذه الفالوذجة قد عملت إلا قبل أن يوحى ربك إلى النحل. وأهدى أبو علي البصير إلى أبي العيناء كرينجان قد كتب على كل واحدة منها ادخلوها بسلام آمنين، فردها أبو العيناء وقد كتب عليها فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن. وكان رجل قد شغف بصبي فأهدى إليه، كلبا فقال أبو شبل:
وما رأت عيني ولا قيل لي ... إن فتى مستهترا صبّا «٣»
стр. 497
لمّا دنا من وصل أحبابه ... أهدى إلى أحبابه كلبا «١»
قال الصولي:
أهدى إليّ هديّة مذمومة ... وأذمّ منها عندنا مهديها
وكأنّما هي في سماجة منظر ... تحكيه في قبح كما يحكيها «٢»
الممتنّ بهديّة أهداها
أهدى رجل إلى الأعمش بطيخة، فلما أصبح قال: يا أبا محمد كيف كانت البطيخة، قال: طيبة. ثم أعاد عليه ثانيا وثالثا فقال: إن خففت من قولك وإلا قئتها.
وأهدى أبو الهذيل إلى أستاذ له ديكا فكان بعد ذلك إذا خاطبه أرّخ بديكه، فيقول إنه كان يوم أهديت إليك الديك وإنه كان قبل الديك بكذا وبعد الديك بكذا. وقدم زياد على معاوية وأهدى إليه هدايا كثيرة فأعجب بها معاوية، فلما رأى زياد سروره بذلك قال: يا أمير المؤمنين إني دوخت لك العراق وجبيت لك برها وبحرها وغثها وسمينها وحملت لك لبها وسروها، فقال له يزيد: أما إذا فعلت ذلك فقد نقلناك من ولاء ثقيف إلى شرف قريش ومن عبيد إلى أبي سفيان، وما أمكنك تدويخ العراق إلا بنا. فقال معاوية: حسبك فداك أبوك ووريت زناده فيك.
الشاكر المهدي إليه
أتتنا هدايا منه أشبهن فضله ... ومنّ عليّ منعما متفضّلا
ولو أنه أهدى إليّ وصاله ... لكان إلى قلبي ألذّ وأوصلا
(٧) وممّا جاء في الطبّ والمرض والعيادة
قيل: حد الطب دفع الضد بالضد، وقيل: هو معرفة الداء وتلقيه بالدواء. وأصل الطب العلم والطبيب صار اسما للعالم بمداواة أبدان الناس. وقيل: هو استدامة الصحة ومرمة السقم. وقال عبد الله بن المعتز: المرض حبس البدن والهم حبس الروح.
مدح طبيب حاذق
حكي أن سلمويه طبيب المأمون، وكان قد أسنّ وذهب بصره، كان دخل على
стр. 498
المأمون يتكىء على صبية تقوده، فلما قام المأمون قام ثم رجع، فرجع سلمويه إلى حضرته واتكأ على تلك الصبية، فقال للمأمون: هذه الصبية كانت بكرا وخرجت من عندي الساعة وعادت ثيبا فاستخبرها «١» ، فقالت: إن العباس ابن أمير المؤمنين دعاني إلى نفسه لما خرجت فافتضني، فقال له المأمون: وكيف علمت ذلك؟ فقال: كنت أخذت مجستها فوجدتها قوية ثم جسستها فوجدت نقصانها فعلمت ذلك، فتعجب المأمون من حذقه ونحو ذلك في التنجيم.
حديث الفيلسوف
الذي كان ينام على سرير فنام عليه ذات يوم فأنكره وقال: إما أن تكون السماء قد انحدرت أو الأرض قد ارتفعت، فتأمّل فإذا قد جعل تحت قائمة السرير شيء ارتفع به عن الأرض.
ومن الحذق البيّن ما حكي أن عمرو بن الليث زلقت رجله فانخلعت إحدى فخذيه فنام على الفخذ الوجعة واستحضر المجبرين، وجعل يعرض على واحد واحد الفخذ الصحيحة ويئن إذا مست، وكان يقول: بهذا نختبرهم إلى أن حضر المعروف بابن المغازلي فلما جسها أنّ عمرو، فقال ابن المغازلي: ما هذه الجلبة ما بك من قلبة، وإن فخذك أصح من فخذ الظليم. فعرض عليه الفخذ الأخرى فقال أما هذه فنعم، فعلم عمرو أنه حاذق، فقال: إن مداواتها صعبة لأنها تحتاج إلى إشالة الرجل وأنا استسمج ذلك ولكنني أحتال له، فعمد إلى زق فوضعه بين رجلي عمرو وشد إبهامي رجليه بعضهما إلى بعض وجعل ينفخ في الزق وهو يربو وينتفخ ويرتفع الفخذ بانتفاخه إلى أن امتد الزق ورد العضو إلى موضعه، ثم حل الإبهامين وشده إلى أن برأ.
وقال رجل: توجّعت من رجلي مدة وتداويت بكل دواء فلم ينفع فرأيت طبيبا فوصفت ذلك له، قال: انظر فلعل إحدى ركابيك أطول من الآخر فتأملت فإذا هو كذلك، فأصلحته فزال الوجع السري.
قال الكندي:
أحيا لنا علم الفلاسفة الذي ... أودى فأوضح رسم طب عاف «٢»
فكأنه عيسى بن مريم ناطقا ... يهب الحياة بأوهن الأوصاف
يبدو له الداء الخفيّ كما بدا ... للعين رضراض الغدير الصافي «٣»
وله:
كأنّه من لطف تدبيره ... يجول بين الدم واللحم
стр. 499
لو غضبت روح على جسمها ... ألّف بين الروح والجسم
ذمّ طبيب
رأى أفلاطون إنسانا مدعيا للصراع ضعيفا في دعواه ثم تحول طبيبا، فقال له: الآن أحكمت الصراع، تهيأ لصراع من شئت فإنك تصرعه. ترك لافس التصوير وتطبب فقيل له في ذلك فقال: الخطأ في التصوير تدركه العيون وتلحقه العيوب وخطأ الطبيب تواريه القبور. ورأى فيلسوف طبيبا جاهلا، فقال: هذا مستحث للموت.
قال الخبزارزي في طبيب اسمه نعمان:
أقول لنعمان وقد ساق طبّه ... نفوسا نفيسات على ساكني الأرض
أيا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض
مدح الحمية
قيل: الحمية طابع الصحة. وقيل للحرث بن كلدة: ما الدواء الأكبر، فقال: الأزم وقيل حمية شهر أيسر من سهر ليلة، وأن تصبر على الحمية شبرا خير من أن تقاسى العلة فترا. وقيل لا تأكل ما تشتهي فيصيرك إلى ما لا تشتهي. وقيل للسري: قد تركت الشهوة، فقال: تركت ما أحب لأستغني عن العلاج بما لا أحب.
واحتمى أحمد بن المعدل لعلة به فبرأ، فقال: الحمية صالحة لأهل الدنيا تبرئهم من المرض ولأهل الآخرة صالحة تبرئهم من النار. وقال عمر ﵁: عزم الرجل بحميته وحزمه بمتاع بيته. وقال المأمون لطبيبه: ما الذي يذهب بأكل الطين، فقال: عزمة من عزمات الرجال، قال صدقت، فتركه بعد ذلك ولم يعاوده، قيل للصاحب يوما: تحتمي وتشرب الأدوية، فقال افعل ذلك بغضا في الحمية وشرب الأدوية.
ذمّ الأدوية أيام الصحة وتجاوز الحدّ فيها
قيل: ليس الحمية في الصحة بأوجب من التخليط في الصحة. واستوصف العباس أخو المنصور طبيبا فقال له: كلّ في الصحة على الطبيب وفي المرض على مقتضى قول الطبيب. ودخل بيادوق طبيب الحجاج على بشر بن مروان فقال: أما ترى هذه العلة قد طالت بي، فقال: إلى أن أختبرك ولا يكون ذلك إلا على الريق فبكر إليه وأضجعه على الحصير وجسه ما بين أخمص قدمه إلى هامته، ثم قال: أيما أحب إليك الصدق أم الكذب؟ فقال وما حاجتي في الكذب؟ فقال: إنك ميت، فقال أرني أمارة ذلك فدفع إليه قطعة لحم طري وشدها في أبريسم وقال ازدردها ففعل، وتركها ساعة ثم قلعها فإذا عليها دود كثير، فقال: كيف أصابني ذلك وقد قدمت بلدكم وكننت نفسي من الحر والبرد، فقال: منها أتيت فقد نغل جسمك، فالأبدان لا تقوم إلا بالحر والبرد وإن أذياها. فعاش بعد ذلك ثلاثة أيام. وقيل الجوع للحمية أضر على البدن من العلة.
стр. 500
صعوبة الحمية ومدح تركها
قيل: الحمية إحدى العلتين، فمن احتمى فهو على يقين من المكروه وفي شك من المحبوب.
قال عبد الصمد بن المعدّل:
وقالوا شفاؤك في حمية ... تعود عليك بها النّضره
فأصبحت في بلد مخصب ... ببلقعة جدبة قفره «١»
وقال الرشيد للفضل: ما أطيب ما في هذه الدنيا؟ فقال: رفض الحشمة وترك علم الطب، فلا عيش لمحتشم ولا لذة لمحتم. وقيل: من عرف ما يضره مما ينفعه فهو مريض. وقال أفلاطون: الموت موتان طبيعي وإرادي، فالطبيعي مفارقة الروح البدن والإرادي منع الأبدان الشهوات. وقيل: الأبدان المعتادة للحمية آفتها التخليط والأبدان المعتادة للتخليط آفتها الحمية.
مدح القليل من الطّعام وذمّ الإكثار
اجتمع أربعة من الأطباء عند المأمون عراقي ورومي وهندي وسوادي، فقال: ليصف كل منكم الدواء الذي لا داء معه، فقال الرومي حب الرشاد، وقال الهندي الهليلج الأصفر، وقال العراقي الماء الحار، وقال السوادي وهو أبصرهم حب الرشاد يورث الرطوبة والماء الحار يرخي المعدة والهليلج يرقق البطن، ولكن الدواء الذي لا داء معه أن تجلس على الطعام وأنت تشتهيه. وتقوم عنه وأنت تشتهيه وقيل لطبيب كم آكل فقال خوف الجوع ودون الشبع.
مضرّة الشبع فوق مضرّة الجوع
قال أبقراط: الإكثار من المنافع شر من الإقلال من المضار. وقال أرسطوطاليس:
المطعم والمشرب إذا كثرا على المعدة أطفآ نارها، فجرت الأغذية في البدن غير نصيحة فصار ذلك نقصانا للبدن يورث الفترة كالشجرة إذا كثر ماؤها عفنت وإن قل جفت، وكالسراج إذا قل دهنه أو كثر انطفأ.
وقال محمد بن عبد الله بن جعفر: من تغدى وتعشى ولم يأكل فيما بينهما سلم من الأوجاع لقول الله تعالى: وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا
«٢» . وقال بعض الأطباء: أحب الناس إلينا الرغيب البطن لكثرة حاجاتهم إلينا. وقد ذكر بعض هذا الباب في كتاب الأكلة.
ما تستدام به الصحة من الأكل والشّرب والصّوم والجماع
قال طبيب الحجاج: لا يحفظ الصحة كالأكل بالنهار وتقليل الشرب بالليل وأن لا
стр. 501
يحبس البول والنجو والرياح التي تعرض في البطن من أراد حفظ الصحة فليقلّ الغذاء وغشيان النساء وشرب الماء. ولما احتضر الحارث بن كلدة اجتمع إليه شبان قريش فقالوا أوصنا، فقال: لا يتزوجن أحدكم إلّا شابة، ولا يأكل إلا لحم فتي، ولا يتناولن أحدكم الدواء ما احتملت نفسه الداء، ولا تأكلوا الفاكهة إلا في إبان نضجها. وإذا تغدى أحدكم فلينم عليه نومة وإذا تعشى فليتخطّ على أثر عشائه أربعين خطوة، وعليكم بالنورة في كل شهر فإنها مذيبة للبلغم مهلكة للمرة.
وقال أبقراط لما حضرته الوفاة: خذوا جامع العلم مني من كثر نومه ولانت طبيعته ونديت جلدته طال عمره. وقال اسكندر اجمعوا لي الطب في كلمات أتصورها. فقالوا: لا تدخل الفضل على المعدة ولا تمنع نفسك شهوتها فإن النفس تقوى على هضم المشتهي، ولا تنكحن عجوزا ولا تخرج الدم وأنت مستغن عن إخراجه فإنك لا تعل إلا علة الموت.
وقيل: راع غذاءك فأنت تحكم به بناءك.
أخبر حاتم بن زيد بن المهلب بشيخ قد أتت له مائة وخمسون سنة في اعتدال جسم ونضارة لون استدعاه وسأله، فقال: إن كان لما أرى من هذه الموهبة الجميلة سبب بعد تقدير الله تعالى فما أصفه ما احتملت مهما تبعد على مدافعته، ولا رأيت من زوجة مكروها، ولا اجتمع في بطني طعامان، وإذا شربت شرابا تناولته رقيقا طيبا لا أثمل منه ولا استدعي الطبيعة من غير عارض، وما استدعيت للباه حركة ألا أن يهيج بالطبيعة على القلب وإذا فعلت ذلك أقللت الحركة بقية يومي. وكان جالينوس يقول: اجتنبوا ثلاثة وعليكم أربعة ولا حاجة لكم بالطبيب. اجتنبوا الغشيان والغبيراء والنتن وعليكم بالدسم والطيب والحلواء والحمام.
نفع النّوم ومضرّة السهر
قال المأمون: قد أصبت دواء يمرىء ولا يؤكل ولا يشرب فقيل ما هو؟ قال: النوم أثر الغداء. وقيل: إذا أكلت فاضطجع على جنبك الأيسر فإن الكبد يقع على المعدة فينضج الطعام فيهضمه.
ما تتولّد منه العلل
قيل: أضر الأشياء طعام بين شرابين وشراب بين طعامين. وقيل: أضر الأشياء للبدن الفكرة والسهر، وأنهك الأشياء للبدن الخوف. وقيل: ثلاثة تورث الهزال، شرب الماء على الريق والنوم على غير وطاء وكثرة الكلام برفع صوت، وقيل: أربع يهدمن الجسم وربما قتلنه، أكل القديد الجاف والجماع على الامتلاء ومجامعة العجوز وإدخال الطعام على الطعام. وشرب الماء في ثلاثة مواضع متلف: عقيب الخروج من الحمام وأثر الجماع وعلى الإعياء. وقيل: من أدوأ الداء الشرب على اللقمة في الفم وقال طبيب الهند: اجتنبوا ما أخرج الضرع والبحر والنخل تسلموا.
стр. 502
وقال الحارث بن كلدة لأنوشروان: الأكل فوق المقدار يضيق على الروح ساحتها وغشيان المرأة المولية يضعف القوة ويسقم البدن لأنها كالشن البالي ماؤها سم قاتل ونفسها موت عاجل تأخذ منك ولا تعطيك. واجمع علماء الطب على مضرة اللحم الجاف والسمك والبيض البارد، واجمعوا على منفعة النبيذ والسويق والسكنجبين. وقيل: من حم يوما فلا يأكل الكشك سنة، وقيل: كثير الرمان ضار كما أن قليله نافع.
من تناول طعاما وتحقّق تولّد علّة منه
اجتاز رجل بصديق له محموم فسأله عن سببب علته، فقال: أكلت في هذا الصيف فراخا وعسلا وشربت خمرا صلبا ونمت في الشمس، فقال له: عليّ كل يمين لو كانت الحمى من حملة الشمس ورأتك بهذه الحالة لتركت عملها ووافتك. وقال بعضهم: أكل رجل سمكا وخبزارز ولبنا وشرب عليه ماء كثيرا بجليد ودخل سردابا فجامع ونام هناك فأتى الموت حيه ودق عليهم الباب، وقال تعالوا وانظروا إلى هذا المتخلف وفعله، فإن هذا يموت فيقال اختطفته المنية ولا يعرفون سوء تدبيره وقبح صنيعه.
نظر طبيب إلى دهقان يغرس شجرة مشمش فقال له ما تصنع؟ قال: أعمل لي ولك يعني أن الطبيب ينتفع بالمشمش لسوء أثره على آكليه وحاجتهم إلى الطبيب لما يتولد عليهم من الأدواء لأكل الطري منه، وفي هذا المعنى يقول ابن الرومي:
إذا ما رأيت الدهر بستان مشمش ... فأيقن يقينا أنه لطبيب
يغل له ما لا يغل لغيره ... يغل مريضا حمل كلّ قضيب
هيجان الدم ونقصانه
قال النبي ﷺ : إذا تبيغ بأحدكم الدم فليحتجم لئلا يقتله. قال ابن ماسويه: في الفصد ثلاث منافع وثلاث مضار، أما منافعه فإنه يحد البصر ويصفر اللون ويزيد في اللحم، ومضاره أنه يضعف البدن ويجلب الضعف ويقطع الباه، قال جالينوس: الدم في الجسد كالزيت في السراج إذا نفد الدهن طفىء السراج، وقال بختيشوع للمأمون: البدن إلى الدم أحوج منه إلى إخراجه، ألا ترى إلى الطبّاخ الحاذق يجيىء إلى القدر وهي تفور فيأخذ رغوتها ويسكنها بشيء من الماء أو غيره وهي ممتلئة، فكذلك يفعل بالدم.
واقتصد المأمون يوما فأراد أن يشرّح وكان قد أتخم فشدوا الرباط عليه فلم يخرج الدم، فقال المأمون: قد عقرتموني فحلوا الرباط واعتزلوا وتشاوروا بظهر الغيب غني فالهيبة قد أدهشتكم، فاعتزلوا يتشاورون فدعا فراشا وأمره بمصه فمصه فخرج الدم. فقال: ادع هؤلاء الحاكة، فلما رأوه أخبرهم بذلك فقالوا لو فعل جالينوس هذا كان عجيبا.
تهنئة بالفصد
قال ابن رزين الواسطي:
أراق الفصد خير دم ... دم الأذهان والفهم
стр. 503
لقد أخطأ الطبيب غدا ... ة فصدك طيّب النسم
وراح وفي حديدته ... دم المعروف والكرم
قال ابن الرومي:
يا فاصدا من يد جلّت أياديها ... وذاق طعم الردى والبؤس شانيها «١»
يد الندى هي فارفق لا ترق دمها ... فإن أرزاق طلّاب الندى فيها
واقتصد جعفر بن يحيى فكتب إليه الفضل:
إذا أنت أسبلت للباسليق ... عيونا من أجفانه الواهيه «٢»
رأيت اعتدالك يبكي دما ... وتضحك من جنبك العافيه
جملة التّداوي
قال أبقراط: جملة المعالجة خمسة أضرب، يعالج ما في الرأس بالغرغرة، وما في المعدة بالقيء، وما في أسفل المعدة بالإسهال، وما بين الجلد بالعرق، وما في داخل الجلد بإخراج الدم. وقال جالينوس: يعالج ما في قعر الكبد والطحال والكليتين بإخراج البول، وما في المعدة من ضعف أو تغير مزاج أو فضول زائدة يرقق بالأدوية، إن كانت حرارة بردت وإن كانت رطوبة جففت.
من امتنع في مرضه من التّداوي وذكر قلّة غنائه
قيل لأبي بكر ﵁ ألا ندعو لك طبيبا، فقال: قد رآني الطبيب وقال أنا فعال لما أريد. ودخل عثمان على ابن مسعود ﵄ في مرضه. فقال: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال ما تشتهي؟ قال رحمة ربي، قال ألا ندعو لك طبيبا قال الطبيب أمرضني، قال ألا نأمر لك بشيء قال فما منعني قبل اليوم فلا حاجة لي فيه اليوم، قال تدعه لعيالك قال إني علمتهم شيئا إذا راعوه لم يفتقروا.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: من قرأ في كل يوم وليلة سورة الواقعة لم يفتقر أبدا.
وقيل لعمر بن عبد العزيز ﵁ ذلك، فقال: لو علمت أن دوائي في مسح أذني ما مسحتها نعم المذهوب إليه ربي. وقيل للربيع بن خيثم في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا فقرأ: وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا قد كان فيهم مرضى وأطباء فلا المداوي بقي ولا المداوى، واستحسن قول الشاعر:
إن الطبيب بطبّه ودوائه ... لا يستطيع دفاع مقدور أتى
ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرىء مثله فيما مضى
هلك المداوي والمداوى والذي ... جلب الدواء وباعه ومن اشترى
стр. 504
وقال المتنبّي:
يموت راعي الضأن في جهله ... ميتة جالينوس في طبّه «١»
وروي أن موسى ﵇ قال: يا رب من أين الداء؟ قال من عندي، قال فالدواء قال من عندي، قال فالأطباء ما يصنعون، قال يطيّبون قلوب عبادي حتى تحل عافيتي أو بلائي، وقال ابن نباتة:
نعلل بالدواء إذا مرضنا ... وهل يشفي من الموت الدواء
ونختار الطبيب وهل طبيب ... يؤخر ما يقدّمه القضاء
وما أنفاسنا إلا حساب ... ولا حركاتنا إلا فناء «٢»
وقال مسلمة ما وعظني شيء بعد القرآن كما وعظني بيتان لعمران بن حطان:
لنا كل عام مرضة ثم نقهة ... ونبغي ولا نبغى متى وإلى متى
فيوشك يوم أن يوافق ليلة ... يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا
وصف الحمّى
دخل بختيشوع على يحيى بن خالد بعقب حمى، فقال له: توقّ فإن حمى ليلة يبقى في البدن تأثيره سنة، وعنده وكيع فقال صدق، فقال يحيى ما أقرب تصديقك إياه، قال لأن النبي ﷺ قال: حمى ليلة كفارة سنة فعلمت أن هذا كما قال. وقال النبي ﷺ : إن الله تعالى يقول الحمى ناري أسلطها على عبدي فإن لم يشكني إلى عوّاده أبدلته لحما خيرا من لحمه ودما خيرا من دمه وأخرجته من ذنوبه لهيئة يوم ولد. وقال ﷺ : الحمى من قبح جهنم فاطفؤوها بالماء، ويستجاد قول المتنبي:
وزائرتي كأنّ بها حياء ... فليس تزور إلّا في الظلام
بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي
إذا ما فارقتني غسلتني ... كأنّا عاكفان على حرام
أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام «٣»
حمّ أعرابي في أيام القيظ بمكة فأتى الأبطح وقت الظهيرة، فتعرى وطلى بدنه بالزيت ونام في الشمس وجعل يتقلب فيها، ويقول مخاطبا للحمى: لتعلمن ما نزل بك يا حمى عدلت عن الأمراء وأهل الثراء وجئتني، فعرق وذهبت حمّاه. وقام فسمع قائلا يقول: حم الأمير، فقال: أنا والله بعتها فلعن الله من وشى به عليّ.
стр. 505
وقيل: التقى حمتان فسألت إحداهما الأخرى فقالت آتي كل يوم رجلا خريما ناعما فيضجعني على فراش وطيء فأضاجعه في أرغد عيش فأنصرف عنه بأطيب حال، فقالت الأخرى: ويحك إني وقعت إلى كساح قذر متى قصدته يأت بي سبخة فيعركني في التراب فأرجع عنه متربة. فقالت: ويحك تعالي إلى صاحبي لأغاديه أنا وتراوحيه أنت.
الرّمد
كتب علي بن القاسم ﵀: بلغني عن حال رمد عرض له ما أرمد خاطري وأظلم ناظري وأذهلني عن كل مهم وخفف في عيني وقلبي كل ملم. ويستحسن في عين محبوب رمداء قول ابن المعتز:
قالوا شكت عينه فقلت لهم ... من شدة الفتك نالها الوصب «١»
حمرتها من دماء من قتلت ... والدم في النصل شاهد عجب
وقال ابن الحجاج:
أنا الفداء لعين بعض أسهمها ... مسكونة بين أحشائي وفي كبدي
فيها فتور سقام لا خفاء به ... يجرد السقم في قلبي وفي جسدي
كانت تعلّ فؤادي وهي سالمة ... فكيف بي وهي تشكو علة الرمد
النقرس
كان أبو الفضل بن العميد يكثر برجله النقرس، فقيل له: لا تغتم فإن ذلك يؤذن بطول العمر، فقال: طول العمر هو أن من به النقرس يسهر فيصير ليله نهارا فكأنما يتضاعف عمره، قال شاعر:
ألا فاعجبوا من مفلس حلف نقرس ... أما نقرس في مفلس بعجيب «٢»
وقال المبرد: ذكر أعرابي رجلا قد أثرى فقال تنقرس كأنه سمع أن النقرس يكون مع النعمة، ومنه قول أعرابي:
فصرت بعد الفقر والتفلس ... يخشى على الحيّ داء النّقرس
وقال ماسرجويه: لا ينقرس الناطفي في رجله والشطرنجي في يده.
الحبون
دخل شبيب بن شبة إلى ابن هبيرة، فقال: ما حبسك عنا؟ فقال: علة منعت الحركة ولم توجب العيادة حتى خرج علي، فقال ابن هبيرة: إن لحما شديدا أعاد قيحا وصديدا
стр. 506
لأهل أن يعاد صاحبه. وقيل: حبنك يؤذن بمالك، وقال بعض الأدباء: إنما يؤذن بمالك بفتح اللام أي يقتضي أن يقال أي شيء لك.
قال شاعر:
وبي دمّل في كلّ يوم يزورني ... فيقلق أحشائي ويسهر مقلتي
يقول لي العوّاد مال وصحة ... فيا ليتهم آبوا بمالي وصحتي «١»
وقال أبو حكيمة:
أيحسدني إبليس داءين أصبحا ... برأسي ورجلي دمّلا وزكاما
فليتهما كانا وأزيده ... زمانة أير لا يطيق قياما «٢»
الجرب
في الخبر أن النبي ﷺ قال: لا دعوى فقيل: إن البعير يجرب في القطيع فيجرب بجربه الإبل كلها، قال فمن أجرب الأول. ويسمى الجرب حبيبات الطرب. وقيل:
صاحب الجرب شاكر لأنه أبدا يقول قد ذهب، قال الصنوبري:
الشيب عندي والإفلاس والجرب ... هذا هلاك وذا شؤم وذا عطب
وقال عبدان:
ومستخبر حالتي إذ رأى ... أقض على جنبي المضجع
فقلت مجيبا له إنّني ... لضرّي كما قال لي أسجع «٣»
إذا الليل ألبسني ثوبه ... يقلّب فيه فتى موجع
الزّكام
روي أنه قيل: ثلاثة لا يعدن المزكوم والرمد والجرب، وقالت عائشة ﵂: من لا يعودني في الزكام لا أبالي أن لا يعودني في مرض آخر. وقيل مؤنة أنف المزكوم أعظم من مؤنة استين. ودعا عيسى بن علي بن المقفع إلى الغداء، فقال:
لست اليوم بمؤاكل للكرام لأنني مزكوم، والزكمة قبيحة الجوار مانعة من عشرة الأحرار. ويقال: إن الشيطان قال ما حسدت ابن آدم إلا على شيئين الطشاءة والحقوة، أي الزكام والهيضة.
قال الوزير الرئيس الكافي الأوحد:
ونزلة كنت أحمي وجه موردها ... ففاجأتني على ضرب من الحمر
стр. 507
سدت عليّ طريق الروح منتشقا ... وأسلمتني لأيدي الروع والخدر «١»
وأنشأت مزنة في الرأس مضرمة ... ينعق بارقها في السمع والبصر «٢»
حتّى إذا محضتها مدة قدرت ... مدت بصفو حميم غير ذي كدر
ففي شؤني حريق من تلهبه ... وفي الخياشيم ضيق محصد المرر
لا الفصد يغني ولا ماء الشعير ولا ... طول احتماء إذا ما هم بالدرر
فالحمد لله حمدا لا كفاء له ... على السلامة وقاها من الغير
شرب الأدوية المسهلة
سئل طبيب كسرى عن دواء المشي فقال: سهم ترمي به في جوفك أخطأ أم أصاب.
وقيل: الدواء مثل عدوّ إلى جانبه صديق ترمي العدو فلا تأمن من أن يصيب الصديق. وقيل: الدواء في البطن كالصابون في الثوب ينقيه لكن يخلقه.
وقيل لأبقراط: ما بال الإنسان أثور ما يكون بدنا إذا شرب الدواء؟ فقال: مثل ذلك مثل البيت أكثر ما يكون غبارا إذا كنس. وقيل: لا تستعمل الأدوية في ما تنفع فيه الأغذية. وقيل: النفس إذا ألفت الدواء فسدت لأن الدواء يحب أن يطرأ عليها غريبا فتحتشم.
الكناية عن الأدوية المسهلة
كان ظرفاء البصرة يقولون لشارب الدواء: لم لبست النعل، ويقال: شربت فما أنجاني كناية عنه.
وكتب الصنوبري إلى صديق له شرب دواء:
نبّني كيف تخطّيك إلى دار الكرامة ... كم جدار هدّ من رعد وكم سحّت غمامه «٣»
فلم يجبه فكتب إليه ثانيا:
ابن لي كيف أصبحت ... وما كان من الحال
وكم سارت بك النا ... قة نحو المنزل الخالي
فأجابه:
كتبت إليك والنعلان ما إن ... أغبهما من السير العنيف
فإن رمت الكتاب إليّ فاكتب ... على العنوان يوصل في الكنيف
стр. 508
الحقنة
كان كرتكين أمير بغداد أمره الطبيب بالحقنة، قال: يوضع في إسته (كذا) فقال: في إست من؟ فخاف الطبيب، فقال: في إستي أيّد الله الأمير. وكان عين الدولة أصابه مغص فأشير عليه بالحقنة فأبى وتفادى منها فلما اشتد به الوجع، قال: يا قوم أدخلوا هذا الجذع في إستي وأريحوني فحقن وبرأ.
واعتلّ أعرابي فأشير عليه بالحقنة، فقال صديق له:
كفى سوءة أنا نراك محبسا ... على شكوة قبحا وفي إستك عودها «١»
الحثّ على التّداوي بالأدوية
روي في الخبر: تداووا فإن الله ما وضع داء إلا وضع له دواء، إلا الهرم، وقال طبيب لرجل: بم تداوى من حمّاك، قال: بالنشرة «٢» ، فقال: إن رأيت أن تغسلها بماء الشعير وتشربه فافعل. وقال رجل لآخر، وكان معه إبل جرب: هلّا داايتها؟ فقال: إن لنا عجوزا صالحة نتكل على دعائها ونستغني به عن الدواء، فقال اجعل مع دعائها شيئا من القطران.
التداوي بالقرآن والأدعية
وجد ابن أسقع يشكو حلقه فقال له النبي ﷺ : عليك بقراءة القرآن. ووجد بعض الصحابة شكوى في بعض بدنه، فقال ﷺ : ضع يدك اليمنى عليه وقل بسم الله أعوذ بالله وبقدرته من شرّ ما أجده سبع مرات.
ذكر التأنّي في المداواة والمبادرة
قيل: حقّ الطبيب أن يتأنى في المداواة فعثرته لا تقال. وقيل: المتأنى في علاج الداء بعد معرفة الدواء كالمتأني في إطفاء النار وقد أخذت بحواشي ثيابه.
نوادر الأطباء
جاءت امرأة إلى طبيب بقارورة. فقال: ما يجد صاحبها؟ قالت به حرارة وضيق ويبوسة، فقال: ليت ذاك في حرّ امرأتي. وجاءت أخرى ببستوقة فيها ماء، فقال: لو جاز في البستوقة لجاز أن تحمليه في حرك.
وشكا رجل إلى طبيب سوء الهضم، فقال: كله مهضوما. وجاء آخر إلى طبيب، فقال أكلت الشعير والرطبة فأصابني مغص، فقال: هذا طعم الحمار فاذهب إلى يحيى البيطار يعالجك. واعتلّ رستاقي «٣» فجاء إلى الطبيب فقال له: كل الرائب، فقال: والله إني
стр. 509
لو عصرت ما انعصر مني إلا الرائب. وقال طبيب لمريض لا تأكل السمك واللحم، فقال له: لو كانا عندي ما اعتللت.
شكا عبد الله بن جعفر ضرسه، فقال له عبد الله بن صفوان: إن إبليس يقول دواء الضرس قلعه، فقال: إنما يطيع إبليس أولياؤه. شكا رجل إلى أبي السائب وجع رجله، فقال له: لا تأكل القديد، فقال أنا أحبه، قال: فالوجع أيضا يحب رجلك، وظن خادم أن بشرا المريسي طبيب فعرض عليه ماءه فقال أنا طبيب الأديان لا طبيب الأبدان.
سخفيات في الطبّ
نظر عبادة إلى رجل في عينه جرب، فقال: أعطني مائة درهم أصف لك دواء، قال:
افعل، فقال: خذ ورق المدر وعروق الحجر واسحقهما واكتحل بهما سبع سنين فإن لم تذهب عينك فخذني به، فرفع رجله وضرط عليه ضرطتين، فقال خذ هذين الدرهمين فإن نفع دواؤك زدناك.
وركب بختيشوع يوما مع المأمون فتعلق به مجنون، وقال: أيها الطبيب خذ نبضي فأخذه، وقال ما تشتكي؟ فقال المجنون: أشتكي الشبق «١» ، فقال بختيشوع: خذ مسواك أراك «٢» وأدخله من وراك فإنه صالح لذاك، فضرط المجنون وقال: خذ هذا لذاك حتى تجرب دواك فإن كان صالحا زدناك ولا يكون لنا طبيب سواك، فضحك المأمون:
شهوة المريض للطّعام
قيل للخليل في علته أتشتهي شيئا، قال: لا، وبودي أن أشتهي. وقيل ذاك لآخر:
فقال: أشتهي ما لا أجد وأجد ما لا أشتهي. وقيل ذلك لآخر: فقال: أشتهي أن لا أموت. قال أبقراط: المريض الذي يشتهي أرجى عندي من الصحيح الذي لا يشتهي.
وقال المتنبي:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرّ به الماء الزلالا
من شكا علته
قال أبو نواس، وقيل هو آخر شعر قاله:
دبّ فيّ السّقام سفلا وعلوا ... وأراني أموت عضوا فعضوا
ليس يمضي من ساعة بي إلا ... نقصتني بمرها بي جزوا «٣»
لهف نفسي على ليال وأيا ... م تمتّعتهنّ لعبا ولهوا
وقيل لعمرو بن العاص في مرضه: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ولا أثوب
стр. 510
وأجد نجوي «١» أكثر من رزي «٢» ، فما بقاء للشيخ على ذلك.
وقيل:
ولا بدّ من شكوى إذا لم يكن صبر
حمد شكوى العلّة
قال بعضهم: دخلت على سفيان وهو عليل فقال: أشتكي كذا وبت البارحة بكذا، فقلت أما تخشى أن تكون هذه شكاية من الله؟ فقال: أنا أذكر قدرته عليّ. ولما مرض أمير المؤمنين دخل إليه الناس فقالوا: كيف تجدك، قال: بشرّ، قالوا: أهذا كلام مثلك، قال أجل إن الله تعالى يقول: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً
«٣» فالخير الصحة والشر المرض.
وقيل: الشكوى تخفف الهم وتزيل الألم. وقيل لآخر: ما تشكو، فقال: تمام العدة وانقضاء المدة. ووجه المتوكل إلى الجاحظ يدعوه، فقال: ما يصنع أمير المؤمنين بشخص ليس بطائل ذي شق مائل ولعاب سائل وفرج مائل وعقل حائل.
شكوى العلّة
قال المأمون لابنه العباس وقد شكا إليه وجعا في بطنه: يا بني إنك لا تجد مواساة في عرض ما تجده في بدنك ولا يشركك فيه صديقك فلا تشمتن به عدوك. وقال بعضهم لمن يشكو: أتشكو من يرحمك إلى من لا يرحمك؟. وقيل لسعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص، وهو مريض: إن المريض يتفرج إلى الأنين وإلى أن يصف ما به إلى الطبيب، فقال: أما الأنين فو الله إنه لجزع وعار ولا يسمع الله منّي أنيني فأكون عنده جزوعا، وأما الطبيب فو الله لا يحكم غير الله في نفسي فإن شاء قبضها إليه وإن شاء منّ بها عليّ.
فضل الصحّة والعافية
قيل: شيئان لا يعرف فضلهما إلا من فقدهما الشباب والعافية. وقيل: لا يعرف طعم العافية إلا من نالته يد العلة ولا طعم الرخاء من مسته يد البلاء. وقيل: الدنيا بحذافيرها الأمن والعافية لا تزال غنيا ما دمت سويا.
نفع المرض
إعتلّ الفضل بن سهل بخراسان ثم برأ فجلس للناس، فهنأوه بالعافية وتصرّفوا في فنون الكلام، فلما فرغوا، أقبل على الناس، فقال: إنّ في العلل نعما ينبغي للعاقل أن يعرفها: تمحيص الذنب والتعرّض للثواب، والإيقاظ من الغفلة والإذكار بالنعمة في حال الصحة، والاستدعاء للتوبة والحضّ على الصدقة. وفي قضاء الله وقدره الخيار.
стр. 511
ودخل الحسن بن علي ﵄ على عليل، فقال: إن الله قد أقالك فاشكره وذكرك فاذكره.
واعتلّ جعفر بن محمد عليهما الرضوان، فقال: اللهمّ اجعله أدبا لا غضبا، وقال ﵇: إن المريض تتحات «١» عنه خطاياه كما يتحات ورق الشجر.
وذكرت الأدواء عند أبي الدرداء، فقال رجل ما اشتكيت قط، فقال: لا جرم أن ذنوبك لم تحطّ عنك.
وجوب عيادة المريض
قال النبي ﷺ : حق المسلم على المسلم ثلاث: عيادة المريض وتشميت العاطس وتشييع الجنازة.
وقال ﷺ : من عاد مريضا خاض الرحمة فإذا قعد عنده استنقع فيها، وإذا خرج من عنده خاض الرحمة. وقيل: عيادة المريض يعد ثلاث. وفي الخبر: عودوا مرضاها وشيعوا هلكاها وعزوا ثكلاها.
أدب عيادة المريض
قيل: سوء العيادة تلقيح العلّة. وقال الفضل بن الربيع: لا تقولوا كيف أمير المؤمنين ولا تسألوه عن حاله فتكلّفوه الجواب، ولعله يثقل عليه الكلام، ولكن اجعلوا مسألتكم الدعاء له، وقولوا بدل كيف يجد أمير المؤمنين نفسه؟، أنزل الله عليه الشفاء والرحمة. قال شاعر:
حقّ العيادة يوم بعد يومين ... وجلسة لك مثل اللحظ بالعين «٢»
لا تبرمنّ مريضا في مساءلة ... يكفيك من ذاك تسآل بحرفين «٣»
ودخل قوم على السرى السقطي ﵀، وهو عليل، فأطالوا الجلوس وقالوا:
ادع لنا، فقال: ارفعوا أيديكم وقولوا اللهمّ اجعلنا ممّن علّمتهم عيادة المرضى.
ودخل قوم على مريض فأطالوا ثم قالوا أوصنا، فقال أوصيكم أن لا تطيلوا الجلوس عند المريض إذا عدتموه. ودخل ثقيل على مريض فأطال الجلوس، ثم قال: ما تشتكي؟
قال: قعودك عندي:
شكاية من لا يعوده إخوانه
قال جحظة البرمكيّ:
مرضت فلم يكن في الأرض حر ... يشرفني ببرّ أو سلام
стр. 512
وضنّوا بالعيادة وهي أجر ... كأنّ عيادتي بذل الطعام «١»
الاعتذار من ترك العيادة
. قال شاعر:
إن كنت في ترك العيادة تاركا ... حظي فإني في الدعاء لجاهد
ولربما ترك العيادة مشفق ... وأتى على غلّ الضمير الحاسد
من عاده ممرّضه
قال عبد بني الحسحاس:
يعدن مريضا هنّ هيجنّ داءه ... إلا إنّما بعض العوائد دائيا
وقال آخر:
وخبرت ليلى بالعراق مريضة ... فأقبلت من أهلي بمصر أعودها
فو الله ما أدري إذا أنا عدتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها
مريض عاد صحيحا
قال شاعر:
إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم ونعتذر
قال العبّاس بن الأحنف:
قالت مرضت فعدتها فتبرّمت ... وهي الصحيحة والمريض العائد
والله لو أن القلوب كقلبها ... ما رقّ للولد الضعيف الوالد
وصف العلّة بأنها تنال الأماثل
روي أن الله تعالى يجعل تمحيصا لذنوب أوليائه. وقال النبي ﷺ : مثل المؤمن مثل الحزمة من الزرع تفيؤها الريح مرة هكذا ومرة هكذا، ومثل المنافق مثل الأرزة المجدبة على الأرض يكون انجعافها «٢» مرة.
وقال أبو تمّام:
فإن يكن وصب قاسيت صورته ... قالوا رد حلف لليث الغابة الأضم «٣»
إنّ الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعرضن للرتم «٤»
وقال البحتري:
وما الكلب محموما وإن طال عمره ... إلا إنما الحمى على الأسد الورد
стр. 513
ذكر تباطؤ زوال العلّة
دخل سفيان على جار له مخنث فقال له: كيف نجدك؟ قال: جاءتني العلّة باقات والعافية تأتيني طاقات. وقيل: العلّة تحمل على الجمال وتثقل على النمال.
حثّ العائد على تنشيط المريض
قال يوحنا: بشّروا المريض بالبرء ونشطوه لشرب الدواء ولا تصعبوا عليه العلة فتخاف نفسه ويموت حسه.
وقال أبقراط: حدثوا المريض حال من كان في أصعب من علّته فبرأ، ولا تحدثوه عمّن كان في مثل علّته فمات. وقيل: أدب العيادة تشجيع العليل بلطيف اللفظ وحسن الفأل.
الحثّ على تخويفه ليتجنّب المضارّ
قيل: خوّفوا المريض ليجتنب المضار، فمن خوّفك لتلقى الأمن خير لك ممن أمّنك لتلقى الخوف. وقيل: من أوجرك «١» المرّ لتبرأ خير ممّن أوجرك الحلو لتسقم. ودخل طبيب على مريض قد أصاب إصبعه ريح فشمّها، فقال: إن أكلت اليوم شيئا مت فلما كان من الغد برأ أقيل له في ذلك، فقال: لو لم أخوفه لتجاسر على الأكل فكان يطول عليه.
رقيع خوّف مريضا برقاعته
عاد رجل مريضا لم يكن به بأس فقال: لا ضير إذا رأيتم المريض هكذا فاغسلوا أيديكم منه، فقد كان أبي به هذا الداء فمات. وعاد آخر عليلا، فقال: ما علّتك؟ قال:
وجع الركبة، فقال: إن جريرا يقول بيتا ذهب عنّي صدره، وآخره: وليس لداء الركبتين دواء، فقال: ليتما ذهب عنك عجزه مع نفسك.
ودخل آخر على مريض، فقال: آجركم الله، فقيل إنه لم يمت، فقال: يموت إن شاء الله.
وقال رجل لمريض: كيف أنت جعلني الله فداءك؟ فقال: على الموت، فقال: إذا لا جعلني الله فداءك فإني قدرت أن في الأمر فسحة.
تهنئة من برأ من مرض والدعاء له .
قال أشجع:
لئن جرحت شكاتك كلّ قلب ... لقد قرت بصحتك العيون «٢»
وله:
стр. 514
لقد أمسى صلاح أبي عليّ ... لأهل الأرض كلّهم صلاحا «١»
قيل لأعرابي برأ من علته: الحمد لله الذي سلمك، فقال: أو يسلم من الموت في عقبه. كتب عبد الله بن المعتز: أذن الله بشفائك وتلقّى داءك بدوائك ومسحك بيد العافية ووجّه إليك وافد السلامة وجعل علتك ماحية لذنوبك مضاعفة لثوابك.
وقال ابن المعتز:
يا رب أمسك رمق الدنيا به ... واغسله بالصحة من أوصابه «٢»
وقال أبو تمّام:
سقم أتيح له برء فزعزعه ... والرمح ينآد طورا ثم يعتدل «٣»
قد حال لون فردّ الله نضرته ... والنجم يخمد حينا ثم يشتعل
وقال المتنبّي:
صحت بصحتك الغارات وابتهجت ... بها المكارم وأنهلّت بها الديم «٤»
وراجع الشمس نور كان فارقها ... كأنّما فقده في جسمها سقم «٥»
تفدية المريض
قال شاعر:
فديناك لو نعطى المنى فيك والهوى ... لكان بنا الشكوى وكان لك الأجر
وقال البحتري:
بأنفسنا لا بالطوارف والتلد ... نقيك الذي تخفى من السقم أو تبدي «٦»
بنا معشر العافين ما بك من أذى ... فإن أشفقوا ممّا أقول فبي وحدي «٧»
وقال آخر:
يا ليت علّته بي غير أنّ له ... أجر العليل وإني غير مأجور
وقال ديك الجن:
يا ليت حمّاه بي كانت مضاعفة ... يوما بشهر وأن الله عافاه
فيصبح السقم منقولا إلى جسدي ... ويجعل الله منه البرء عقباه
стр. 515
من ذكر شدّة ما قاساه بعدما صحّ .
وقال عبد الله بن المعتز:
أتاني برء لم أكن فيه طامعا ... كمثل أسير حلّ بعد وثاقه
فإن كنت لم أجزع من الموت جزعة ... فإني مججت الموت بعد مذاقه «١»
تغيّر اللون
قال الصولي: لم يسمع أحسن من قول البحتري في صفرة اللون:
بدت صفرة في لونه إن حمدهم ... من الدرّ ما اصفرّت حواشيه في العقد
وقال أبو تمّام:
لم يشن وجهه البهيج ولكن ... جعلت ورد وجنتيه بهارا «٢»
أنواع مختلفة في الطبّ
اشتكى رجل بطنه فقال النبي ﷺ : إذهب إلى امرأتك واستوهب منها درهمين واشتر بهما عسلا واقرأ عليه القرآن وتناوله، ففعل فبرأ، فقيل له في ذلك، فقال ﵊ إن الله تعالى يقول: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
«٣» ، وقال في العسل فيه شفاء للناس، وقيل: في الطعام إذا خرج من الجوف قبل سبع ساعات فهو مذموم غير محمود، وإذا بقي بعد أربعة وعشرين ساعة يضرّ. وقيل: كل شيء ينام من الإنسان إلا أربعة الوريد والسحر والمثانة والمعدة.
وقال جعفر بن محمد قيل: الطبائع أربع، الدم وهو عبد وربما قتل صاحبه، والبلغم وهو خصم ألد جدل إن خصمته من جانب احتج عليك من جانب، والصفراء وهي مرة كالصبى ومرة كالملك تداوى في الحالين، والسوداء وهي كالأرض إذا رجفت رجف ما فوقها. وقيل: إذا كان الطبيب حاذقا والعليل عاقلا والقيم فهما فأجدر بالداء أن يزول.
لسعت عقرب صرم أعرابي، فقيل أين لسعتك؟ فقال: حيث لا يضع الراقي أنفه. ولسعت آخر فقال أعرابي: عندي دواؤه فقيل له: ما هو؟ قال: الصياح إلى الصباح. قيل: فرط الغم والسرور يقتلان، أما الغم فإنه يجمد الدم والسرور يلهبه حتى تعلو حرارته على الحرارة الغريزية.
ولما دخل الرشيد طوس اشتدت علته وطبيبه بختيشوع يغدو ويروح عليه ويعطيه الأباطيل ويمنيه الأماني، ويقول: إن علتك من حدّة السفر، فدعا الفضل يوما وقال: أبغني
стр. 516
رجلا عاقلا من التجار أشاوره في أمري وأفضي إليه بسرّ، فجاءه برجل من أهل طوس «١» فاستنطقه فرآه عاقلا، فقال: أتحفظ السر؟ قال: نعم. فخلا به وقال: خذ هذه القارورة فأت بها جبريل بن بختيشوع فقل له:- هذه قارورة أبي فتأمله فإن كان له دواء فعرّفني وإن لم يكن له دواء فعرفني ليتجهز ويصلح أمره، فذهب إليه بالقارورة. فلما نظر إليها جبريل أقبل على أبيه، وقال: ما أشبه ماءه بماء ذلك الرجل. إن هذا ميت لا محالة، فرجع الرجل وأخبر الرشيد بما قاله، فقال: ويلي على ابن الزانية يا فضل إذهب فاضرب عنقه، يعني الطبيب فأخذه الفضل وحبسه، فقال: أتركني محبوسا عندك ثلاثة أيام فإن عاش فاقتلني، وإلّا فلا تتقلد دمي، ففعل، فمات الرشيد ليلة الثالث.
قال أنوشروان لوزيريه يوما أيّ الفراش ألذ؟ فقال أحدهما: ألذ الفراش الخز محشوا، وقال الآخر: ألذ الفراش الحرير محشوا، وكان بين يديه غلام في عدد الحجاب، فقال: أيها الملك أتأذن لي في الكلام؟ فقال: نعم. قال: ألذ الفراش الأمن، قال: صدقت.
قال: فما ألذ الطعام، قال: ما لا يهيج على طبيعة علة ولا يعقد في عنق آكله منّة، فقال: أحسنت. فما ألذ الشراب؟ فقال: ما لا يزيل عقلا عن محلّه ولا يهيج على طبيعة شيئا من علله، قال: أحسنت. فما ألذ الريحان، قال: الولد السار ريحان أبيه في حياته وخلف له بعد وفاته، فرفع محله وألحقه بأكابر حشمه.
وكان بعض الأصبهانيين أصابه صداع فضمد رأسه بدار صيني وفلفل، فقال له الطبيب: هذا يعمل لرأس يوضع في التنور.
стр. 517
الحدّ السابع في الهمم والجدّ والآمال
(١) فما جاء في الهمم الرفيعة والوضيعة
مدح رفع الهمّة والحثّ عليه
قيل: الهمة تلقح الجد العقيم، وقيل: الهمّة جناح الحظ، وقيل: لا تدور رحى الجدّ إلا بقطب الهمّة وقيمة كل امرىء همّته. وقال عمرو بن العاص: عليك بكل أمر فيه مزلقة ومهلكة أي بجسام الأمور.
قال عمر ﵁: لا تصغرن همّتك فإني لم أر أقعد بالرجل من سقوط همّته.
وقال: أحسن ما قال لبيد:
أكذّب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل «١»
وقيل: ثلاثة لا تدرك إلا برفع الهمة: عمل السلطان، وتجارة البحر، ومناجزة العدوّ.
قال ابن نباتة:
حاول جسيمات الأمور ولا تقل ... إن المحامد والعلى أرزاق «٢»
وارغب بنفسك أن تكون مقصّرا ... عن غاية فيها الطّلاب سباق
المرء تابع لهمّته
المرء حيث يجعل نفسه: إن رفعها ارتفعت وإن قصر بها اتضعت. نظر رجل إلى برذون يستقى عليه، فقال: ما المرء إلا حيث يجعل نفسه لو هملج «٣» في سيره ما استقي عليه. قال شاعر:
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه ... ففي صالح الأخلاق نفسك فاجعل
стр. 518
ولبعض بني عامر:
إذا لم يكن للفتى همة ... تبوّئه في العلا مصعدا
ونفس يعوّدها المكرما ... ت والمرء يلزم ما عوّدا
ولم تعد همّته نفسه ... فليس ينال بها السؤددا
من عظمت همّته وقصّرت موجدته
قيل: ذو الهمة وإن حطّ نفسه، تأبى إلا العلو، كالشعلة من النار يخفيها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعا. وقيل: أسوأ الناس من اتسعت معرفته وضاقت مقدرته وبعدت همته، أخذ ذلك المتنبي فقال:
وأتعب خلق الله من زاد همّة ... ويقصر عمّا تشتهي النفس وجده «١»
وقال ابن نباتة:
أرى همم المرء اكتئابا وحسرة ... عليه إذا لم يسعد الله جنده
الحثّ على طلب الحسام والاعتزال عن الأنام
قال في كليلة: ينبغي لذي المروءة أن يكون إمّا مع الملوك مبجّلا أو مع النساك متبتلا كالفيل إما أن يكون مركبا نبيلا أو في البرية مهيبا جليلا. وقال حكيم: الناس رجلان دنياوي وآخري فالدنياوي صاحب سلطان وذو لسان أو سنان لا يفضي على هوان، والآخري المتباعد من الناس الجاعل بينه وبينهم سدّا ولا واسطة بينهما. وقال معاوية ﵁ لابنه: كن مترفعا عن الناس ومستترا عنهم.
الممدوح بعظم الهمّة
قال أعرابي: فلان يرمى بهمّته حيث يشير إليه الكرم، يتحسى مرارة الإخوان ويسقيهم عذبه، له همة تناطح النجوم وكرم يشامخ الغيوم.
قال أبو الغمر:
وهمة نبلت عن أن يقال لها ... كأنّها وتعالت عن مدى الهمم
وقال آخر:
ولي همم بيني وبين بلوغها ... بحور من الآمال ليس لها جسر
وقال المتنبي:
له همم لا منتهى لكبارها ... وهمّته الصغرى أجلّ من الدهر
стр. 519
وله:
فتى أصاب من الدنيا نهايتها ... وهمة في ابتداآت وتشتيت «١»
وقال آخر:
صدر رحيب لما يأتي الزمان به ... وهمة تسع الدنيا وما تسع
من ضاق به الزمان لعظم همّته
قال المتنبيّ:
فتى يشتهي طول البلاد ووقته ... تضيق به أوقاته والمقاصد
وله:
تجمعت في فؤاده همم ... ملء فؤاد الزمان إحداها «٢»
وقال الموسوي:
ضاق الزمان فضاق فيه تقلّبي ... والماء يجعل نفسه في جدول «٣»
تحمّل المكاره في نيل المكارم:
قيل: المكارم موصولة بالمكاره، وقيل: من سما لمكرمة فليتحمّل مكروهها.
وقال الخبزارزي:
فقل لمرجّي معالي الأمور ... بغير اجتهاد رجوت المحالا
وقال أبو تمّام:
ما ابيض وجه المرء في طلب العلا ... حتّى يسودّ وجهه في البيد «٤»
وقيل: إذا لم تتعن لم تتودع وإذا لم تتفجع لم تتمتع. دون نيل المعالي هول العوالي. وقيل للربيع بن خيثم: أتعبت نفسك في العبادة وإصلاح أمر الناس، فقال:
راحتها أريد فإن أفره العبيد أكسبهم لمولاه. وقيل لروح ابن حاتم: طال وقوفك في الشمس، فقال: ليطول وقوفي في الظلّ. وقد أجمع حكماء العرب والعجم أنه لم يدرك نعيم بنعيم قط، وما أدرك نعيم إلا ببؤس قبله.
قال شاعر:
وتحمل المكروه ليس بضائر ... ما خلته سببا إلى محمود
стр. 520
وقال امرؤ القيس:
فلو أنّ ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال
وقال المتنبّي:
إذا غامرت في شرف مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم
فطعم الموت في أمر صغير ... كطعم الموت في أمر عظيم
وله:
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وقال الصاحب:
وقائلة لم عرتك الهموم ... وأمرك ممتثل في الأمم «١»
فقلت دعيني على غصّتي ... بقدر الهموم تكون الهمم
وكتب بليغ: فلان تعب في طلب المكارم غير ضالّ في طرقها، ولا متشاغل عنها:
استطابة تحمّل الشدّة للوصول إلى الرفعة
قال المتنبيّ:
تلذّ له المروءة وهي تؤذي ... ومن يعشق يلذّ له الغرام
وقال أبو فراس:
تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن يخطب الحسناء لم يغله المهر
وقال أبو دلف:
وليس فراغ القلب مجدا ورفعة ... ولكنّ شغل القلب للهمّ رافع
وذو المجد محمول على كل آلة ... وكلّ قصير الهمّ في الحي وادع «٢»
ذمّ من همته نفسه
لمّا قال الحطيئة في الزبرقان:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
شكاه الزبرقان إلى عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: ما في ذلك هجاء.
فقال: يا أمير المؤمنين إنه عرّاني عما ابتنيته من المعالي فدعا حسّانا وسأله، فقال: ما هجاه ولكنه سلح عليه.
стр. 521
وقال حاتم:
لحى الله صعلوكا مناه وهمّه ... من العيش أن يلفي لبوسا ومطعما «١»
وقال آخر:
إنّي رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خزّ الثياب وتشبعوا
فإذا تذوكرت المكارم مرّة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا
وقال ابن سوادة:
همهم من هذه كلّه ... في الأكل والشرب وفي الباه
أخذ ذلك من قول الأعرابي الذي قال: فلان كالبهيمة تأكل ما جمعت وتنكح ما وجدت، وقال:
إذا الفتى لم يركب الأهوالا ... فاسع له وعدّه عيّالا «٢»
ذمّ من قصّرت همّته عن طلب المعالي
ذم إعرابي رجلا، فقال: هو عبد البدن حر الثياب عظيم الرواق صغير الأخلاق الدهر يرفعه وهمته تضعه.
قال أبو تمّام:
بنو الهمم الهوامد والنفوس ... الخوامد والمروآت النيام
وكان لأعرابية ابن تحرضه على الإقامة والاقتصار على المطعم والمشرب، فأنشدها:
إذا ما الفتى لم يبغ إلا لباسه ... ومطعمه فالخير منه بعيد
وقيل: فلان بطر الدعة بخيل السعة سيء الرعة. قال ابن الأعرابي: فلان يشبعه كراع الأرنب إذا كان دنيء الهمة. ويقرب من هذا الباب ما قاله المنصور للمهدي: أشبع العباس بن محمد فإنّك إن لم تشبعه يأكلك. وأما محمد بن إبراهيم فإنه إذا قدر على فرج امرأته لم يفارقه، وإياك أن تولّي محمد بن سليمان صعود منبر فإنه إن صعده همّ بالخلافة.
تذمّم من قصّر في طلب المعالي
قال المتنبّي:
إلى كم ذا التخلّف والتّواني ... وكم هذا التمادي في التمادي «٣»
стр. 522
وشغل النفس عن طلب المعالي ... ببيع الشعر في سوق الكساد «١»
ذمّ إيثار الدّعة والنهي عنه
قال: ما لزم أحد الدعة إلا ذلّ، وحب الهوينا يكسب الذل، وحب الكفاية مفتاح العجز. وقال الصاحب: إن الراحة حيث تعب الكرام أودع لكنها أوضع، والقعود حيث قام الكرام أسهل لكنّه أسفل.
وقال آخر:
فتى بهمّته يلتذّ في دعة ... وراحة ويولي غيره التعبا
وقال أبو دلف:
ليس المروءة أن تبيت منعّما ... وتظلّ معتكفا على الأقداح
ما للرجال وللتنعم إنّما ... خلقوا ليوم كريهة وكفاح «٢»
قال يزيد بن المهلب: ما يسرني أني كفيت أمر الدنيا كله لئلا أتعود العجز.
ذمّ الكسل وتدرع العجز
قال الأحنف إياك والكسل والضجر فإنك إن كسلت لم تؤد حقا وإن ضجرت لم تصبر على حق.
قال شاعر
لا تضجرن ولا تدخلك معجزة ... فالنجح يهلك بين العجز والضجر
وقيل: زوّج العجز التواني فنتج بينهما الحرمان.
قال ابن المعافى:
كأن التواني أنكح العجز بنته ... وساق إليها حين أنكحها مهرا
فراشا وطيئا ثم قال له اتكىء ... فقصرا كما لا شكّ أن تلدا فقرا
وقال آخر:
خاطر بنفسك لا تنتفع بمعجزة ... فليس حر على عجز بمعذور
مدح إيثار الدّعة وقصر الهمّة
قيل لابن المقفع: لم لا تطلب الأمور العظام؟ فقال: رأيت المعالي مشوبة بالمكاره فاقتصرت على الحمول ضنّا بالعافية، ومنه أخذ العتابي قوله:
دعيني تجئني منيتي مطمئنة ... ولم أتجشم هول تلك الموارد
стр. 523
فإن جسيمات الأمور مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود «١»
مدح الخمول مع الغنى
قيل لحكيم: من أنعم الناس عيشا؟، فقال: من اتسعت مقدرته وقصرت همته. وقال عبد الملك لأعرابي: تمنّ. فقال: العافية والخمول فإني رأيت الشر إلى ذي النباهة أسرع، فقال: ليتني كنت سمعت هذه الكلمة قبل الخلافة.
وقيل لسعد: أرضيت أن تكون مشغولا بأغنامك والناس يتنازعون الملك، فقال:
سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله يحبّ الغني التقي الخفي، قال البريدي:
وما العيش إلا في الخمول مع الغنى ... وعافية تغدو بها وتروح «٢»
قال بعضهم: جرّبنا العيش فوجدنا أهنأه أدناه. وقال محمد بن زبيدة: أتروني لا أعرف الإيراد والإصدار، ولكنّ شرب كأس، وشم آس، واستلقاء من غير نعاس أحب إليّ من مداراة الناس.
مدح التوسّط في الأمور
مدح الله تعالى التوسّط في كلّ الأمور، فقال تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ
«٣» ، وقال النبي ﷺ : خير الأمور أوساطها. وقيل: الغلوّ في العلو مؤد إلى وضع الضعة. وقيل: أكثر الخير في الأوساط.
قال أبو العتاهية:
عليك بأوساط كل الأمور ... وعد عن الجانب المشتبه «٤»
ذمّ التوسّط
قال كشاجم:
وقالوا عليك وسيط الأمور ... فقلت لهم أكره الأوسطا
إذا لم أكن في ذرا شاهق ... ولا في حضيض وطيء المطا «٥»
وحاولت في مرتقى هائل ... توسطه خفت أن أسقطا
وقيل ممّا يستقبح: معنى وسط ومغن وسط ونادرة وسط وحقيقة الوسط ما لم يكن سنيا ولا دنيئا، كما قال أبو مهدية الأعرابي، وقد سئل عن طعام، فقال: ليس بخسيس ولا
стр. 524
نفيس. وقيل لإسحاق الموصلي: قد خبرت فلانا فكيف هو، فقال: ليس في الكمال كما تهوى ولا في التخلف كما تخشى.
ذمّ بلوغ النهاية .
عند التمام يكون النقصان وبقدر السمو في الرفعة تكون وجبة الوقعة.
قال شاعر:
إذا تم أمر بدا نقصه ... توقّع زوالا إذا قيل تمّ
وفي بعض الأدعية: صرف الله عنك التمام. وقال المأمون لأحمد بن أبي خالد وهو يخلف الحسن بن سهل: رأيت أن استوزرك، فقال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفيني ويجعل بيني وبين الغاية منزلة يرجوني إليها المولى ويخشاني لها العدو، فما بعد الغايات إلا الآفات. وما يضاد هذا الباب ما كتب القاسم بن عبد الله الكرخي: ولي فيما جدّد الله من هذه النعمة للوزير من بلوغ النهاية ما استديمها به، قال: انتزعته من كتاب الله تعالى في قوله الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي
«١» وقد علم أن دين الله بعد نزول هذه الآية لم يزل ناميا عاليا على كل دين، وأنه إنما ضرب بجراته وقهر الأمم شرقا وغربا بعد كماله.
(٢) وممّا جاء في الجدّ «٢»
تفضيل الجدّ على الجدّ
قيل: جدّك لا كدّك، عارك بجد أودع. وقيل: لا جد إلّا ما أقعص عنك. الجدّ أجدى والجد أكدى. وقيل: مدّ من حظ خير من صاع من عقل وجد.
قال البديهي:
ليس يجدي عليك سعيّ بجدّ ... لم تيسّر له ملاقاة جدّ «٣»
وقيل:
الحظّ يأتي من لا يؤمه ... ليس بالكدّ بلوغ الراغب
وقال آخر:
الجدّ أنهض بالفتى من سعيه ... فانهض بجدّ في الحوادث أو دع
стр. 525
وقال آخر:
هل نافعي جدّي وفرط تيقّظي ... إن كان جدّي يا أمامة جاهدا
وأنشد محمد بن عمر الورّاق البلخي:
إن السعادة أمر ليس يدركه ... أهل السعادة إلا بالمقادير
مخزونة عن أناس طالبين لها ... وقد تساق إلى قوم بتيسير
وقال عمر للنبي ﷺ لما ذكر من أسعده الله من أهل الجنة وأشقاه من أهل النار:
ففيم العمل يا رسول الله؟ فقال ﷺ : يا ابن الخطاب إعمل فكل ميسّر لما خلق له. أما أهل السعادة فميسرون لعمل أهل السعادة وأما أهل الشقاوة فميسرون لعمل أهل الشقاوة.
تفضيل الجدّ على العقل
تقدّم إخوة إلى سوار في ميراث لهم، فقال سوار: خيّروا الأكبر منكم فإنه خلف أبيكم والمنظور إليه دونكم، قالوا: قد فعلنا فأبى الأكبر أن يقبل ذلك، فقال سوار: ما يمنعك، فقال: إني بحظي أوثق مني بعقلي، فأقرع بينهم فخرج سهمه خيرا من سهامهم، فقال: كيف رأيت فقال سوار: استأذن العقل على الحظ فحجبه. وقد تقدم في باب العقل أمثلة لذلك.
كون العاقل محدودا والجاهل مجدودا
من زيد في عقله نقص من حظه. وقيل: ما جعل الله لأحد عقلا وافرا إلا احتسب عليه من رزقه.
قال شاعر:
وخصلة قلّ فيها من يخالفني ... الرزق والحمق ملزومان في قرن «١»
وقال آخر:
خاب امرؤ ظلّ يرجو أن ينال غنى ... بالعقل ما عاش في دهر المجانين
وقال المتنبّي:
وما الجمع بين الماء والنار في يدي ... بأبعد من أن أجمع الحظّ والفهما
معارضة دنيء ساعده القدر:
ألا ليت المقادر لم تقدر ... ولم تكن إلا حظّى والجدود
فننظر أينا يضحي ويمسي ... له هذي المراكب والعبيد
стр. 526
وقيل لرجل: كيف فلان؟ فقال أحمق مرزوق. وقيل لآخر: فقال عيي غنيّ حظيّ.
الجد يحسن القبيح ويقرب البعيد
قيل: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. وقال شاعر:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم «١»
وقيل: السبب الذي يتقدم به المجدود هو السبب الذي يتأخر به المحدود، قال أبو الشيص:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الموسوي:
لا تحدثن طمعا وجدّك مدبر ... واطلب مدى الدنيا وجدّك مقبل «٢»
تعسّر الأمر على من خذله جدّه
قيل: إذا لم يساعد الجدّ فالحركة خذلان. وقيل: إذا ولّت الدول صارت الحيل وبالا.
قال شاعر:
إذا كان جدّ المرء في الشيء مقبلا ... تأتّت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه يوما توعّرت ... عليه فأعيته وجوه المطالب «٣»
قال ثمامة: لما أخبر يحيى بن خالد بتغير الرشيد له، كان يحتال في تخليص روحه فأمرني يوما بالحضور معه فاجتمعنا على الرأي، فكلما أتى الرأي نقض عليه آخر حتى أعيانا الأمر، فقام وقال: أفّ لهذه الدنيا كان الرأي يجيئنا على البديهة والأمر مقبل، فصار لا يأتينا على الرويّة والأمر مدبر، ليصنع الدهر ما شاء. وقيل: إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبده نعمة فأول ما يزيل عنه عقله.
قال البديهي:
إذا المقادير لم تقبل مساعدة ... على بلوغ المنى لم تنفع الهمم
وقال مخنّث: إذا جاء البخت توقف البيضة على أعلى الوتد، وإذا أدبر البخت أسق الهاون في الشمس.
تأسّف من جد جدّه ولم يساعده جدّه
قال أبو تمّام:
ماذا عليّ إذا ما لم يزل وتري ... إن نال في الرمي أغراضي فلم أصب
стр. 527
وقال آخر:
لم أوت ويحك من سعي فلا تلم ... المنع من جانب الأقدار والقسم
وقال آخر:
تكامل فيّ آلة كل حر ... ولكن لا يساعدني الزمان
وقال الموسوي:
غرست غروسا وكنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غيرها كنت آملا ... ولا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها «١»
المجدود
قال معاوية لما أتاه خبر موت أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: لا جدّ إلّا ما أقعص عنك. قال شاعر:
وكانت قريش يفلق الصخر جدّها ... إذا أقلق الناس الجدود العواثر «٢»
وقال أبو تمّام:
ورثوا الأبوة والحظوظ فأصبحوا ... جمعوا جدودا في العلا وجدودا
وقيل إنه لما قال ذلك أجمع الأدباء أنه أشعر أهل زمانه.
وقالت عابدة المهلبيّة:
ولو أرسلت نبلك ناصلات ... لصارت في الطريق لها نصول
التوفيق
قال عمر ﵁: توفيق قليل خير من مال كثير. وقيل لبزرجمهر: أي الناس أفضل؟ فقال: مجتهد في الخير ساعده القدر، وقيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يستغني عنه المرء في كل حال؟ فقال: التوفيق. من حرم التوفيق، فأقطع ما يكون إذا اجتهد. وقام إلى الشبلي رجل فقال: بم يبعد المرء من ربّه ويخذل عن أمر؟ فزعق زعقة ثم أنشد:
من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب
وقال بعض الصوفية: إن العنايات لا تضرّ معها الجنايات، وأنشد الشبلي:
ويقبح من سواك الشيء عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
سنة التوفيق أجدى من يقظة الرؤية، وقليل النجح خير من كثير من الجهد.
بطلان الجدّ والتدبير مع القضاء والقدر
قيل: إذا جاء الحين حار العين وإذا جاء القدر عمي البصر. المرء طالب والقضاء
стр. 528
غالب. إذا انقضت المدة لم تنفع العدّة. إذا نزل البلاء ذهبت الآراء. إذا حلت المقادير ضلّت التقادير. وقيل: إذا حل القدر بطل الحذر.
لما حجّ أبو مسلم قيل له إن بالحيرة نصرانيا أتت عليه مئتا سنة وعنده علم من علوم الأوائل فقصده، فلما نظر إلى أبي مسلم قال له: قمت بالكفاية ولم تأل في العناية. حتى بلغت النهاية، أحرقت نفسك لمن لا يرحم حسّك، وكأني بك وقد عاينت رمسك، فبكى أبو مسلم، فقال: لا تبك فإنك لم تؤت من حزم وثيق ولا من رأي دقيق ولا من تدبير بارع ولا من سبب قاطع، ولكن ما استجمع لأحد أمله إلا أسرع في تفريقه أجله. قال: فمتى يكون؟ قال: إذا تواطأ الخليفتان على أمر والتقدير في يدي من يبطل معه التدبير. وإذا صرت إلى خراسان فقد سلمت. وهيهات فلولا أن البصر يعمى إذ نزل القدر لكان في ذلك ما يبعث على الاحتيال.
انتهى أعرابي إلى أرض، فقيل له: إنها مفعاة «١» فبات على ظهر راحلته فتعلقت حية بنسعة كانت في يده فلسعته، فقال وهو يجود بنفسه:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولأمير المؤمنين ﵁:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده «٢»
وقال آخر:
سبق القضاء بكل ما هو كائن ... فليجهد المتقلب المحتال
وقال ابن نباتة:
وإنّي إذا ما حاجة حال دونها ... نهار وليل ليس يعتوران «٣»
حملت على سوء القضاء ملامها ... ولم ألزم الإخوان ذنب زماني
إذا الله لم يأذن بما أنت طالب ... أعانك في الحاجات غير معان
وقيل: القضاء يقرب البعيد ويبعد القريب. قال شاعر:
وقد يجلب الشيء البعيد الجوالب
وقيل: إذا كان المقدور كائنا فالهم فضل. وكان نقش خاتم أبي العتاهية:
سيكون الذي قضي سخط العبد أم رضي
стр. 529
(٣) ومما جاء في الأماني والآمال
ما يدلّ على جواز التمنيّ
قال الله تعالى حكاية عن مريم ﵍ قالت: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
«١» فدل أن تمني ما لا يكون محظورا مباح، وقال تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
«٢» ، وسمع ذلك رجل من الصالحين، فقال: ليت ذلك تم.
طيب الأماني والآمال
قيل لبعض من كان يخطب عملا: ما تصنع؟ قال: أخدم الرجاء حتى ينزل القضاء.
قيل: ليس سرور النفس بالجدة والمقدرة إنما هو بالأماني والآمال. وقيل لحكيم: أي شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: الأماني.
وقال رجل من بني الحارث:
منّى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أماني من سعد حسانا كأنّما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
وقال آخر:
إذا ازدحمت همومي في فؤادي ... طلبت لها المخارج بالتمنّي
وقال آخر:
في المنى راحة وإن علّلتنا ... من هواها ببعض ما لا يكون
ذمّ الأماني وبطلانها
قيل: إيّاك والمنى فإنها بضاعة النوكى. الأمل سلطان الشيطان على قلوب الغافلين.
الخذلان مسامرة الأماني والتوفيق رفض التواني.
قال ابن المقفّع: كثرة المنى تخلق العقل وتطرد القناعة وتفسد الحس. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: تجنّبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خوّلتم وتصغر مواهب الله التي رزقتم.
قيل: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضعف: سرعة الجواب وطول التمنيّ والإستغراق في الضحك.
стр. 530
قال رجل لابن سيرين: رأيتني كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح، فقال: أنت رجل تكثر الأماني. وقيل: المنى والحلم أخوان. إن المنى طرق الضلال. إن ليتا وإن ولو إعناء.
قال كثير: وددت وما تغني الودادة أنني ... (البيتين) .
وقال محمد بن أميّة:
أقطع الدهر بظنّ حسن ... وأجلي كربة لا تنجلي
كلّما أملت وجها صالحا ... عرض المكروه دون الأمل
وكذا الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي «١»
وقال البسّامي:
أعلّل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق الأحمق «٢»
وقال المتنبّي
تمنّ يلذّ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي
وقال أبو تمّام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وقال آخر:
إنّ المنى رأس أموال المفاليس
وقال أفنون التغلبي:
ولا خير في أن يكذب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا
أماني من تمنّى أمرا فأدركه
اجتمع ابن عمر وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال مصعب: هلموا نتمن. فتمنى عروة الفقه وأن يحمل عنه الفقه، وتمنى عبد الملك الخلافة، وتمنى مصعب ولاية العراق وتزويجه سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وعبد الله بن عمر الجنة. فنال مصعب وعبد الملك وعروة ما تمنوه، وشهد ابن عمر ﵄ مدرك ما تمناه وطلبه.
وروي أن كعب بن ربيعة بن عامر أتاه آت في المنام فقال: إجمع بنيك ومرهم بالتمنيّ فإنهم يعطون، فجمعهم فقال لعقيل: تمنّ، فقال: العدد والرمي فليس في بني كعب أكثر عددا منهم ولا أرمى. وقال لجعدة: تمنّ، فقال: المال فهم أكثر بني كعب خيلا
следующие страницы →