Полный текст (1 556 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وقيل لرجل: كيف فلان؟ فقال أحمق مرزوق. وقيل لآخر: فقال عيي غنيّ حظيّ.
الجد يحسن القبيح ويقرب البعيد
قيل: إذا أقبلت الدنيا على إنسان أعارته محاسن غيره وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه. وقال شاعر:
إن المقادير إذا ساعدت ... ألحقت العاجز بالحازم «١»
وقيل: السبب الذي يتقدم به المجدود هو السبب الذي يتأخر به المحدود، قال أبو الشيص:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ... ويعطى الفتى من حيث يحرم صاحبه
وقال الموسوي:
لا تحدثن طمعا وجدّك مدبر ... واطلب مدى الدنيا وجدّك مقبل «٢»
تعسّر الأمر على من خذله جدّه
قيل: إذا لم يساعد الجدّ فالحركة خذلان. وقيل: إذا ولّت الدول صارت الحيل وبالا.
قال شاعر:
إذا كان جدّ المرء في الشيء مقبلا ... تأتّت له الأشياء من كل جانب
وإن أدبرت دنياه يوما توعّرت ... عليه فأعيته وجوه المطالب «٣»
قال ثمامة: لما أخبر يحيى بن خالد بتغير الرشيد له، كان يحتال في تخليص روحه فأمرني يوما بالحضور معه فاجتمعنا على الرأي، فكلما أتى الرأي نقض عليه آخر حتى أعيانا الأمر، فقام وقال: أفّ لهذه الدنيا كان الرأي يجيئنا على البديهة والأمر مقبل، فصار لا يأتينا على الرويّة والأمر مدبر، ليصنع الدهر ما شاء. وقيل: إذا أراد الله تعالى أن يزيل عن عبده نعمة فأول ما يزيل عنه عقله.
قال البديهي:
إذا المقادير لم تقبل مساعدة ... على بلوغ المنى لم تنفع الهمم
وقال مخنّث: إذا جاء البخت توقف البيضة على أعلى الوتد، وإذا أدبر البخت أسق الهاون في الشمس.
تأسّف من جد جدّه ولم يساعده جدّه
قال أبو تمّام:
ماذا عليّ إذا ما لم يزل وتري ... إن نال في الرمي أغراضي فلم أصب
стр. 527
وقال آخر:
لم أوت ويحك من سعي فلا تلم ... المنع من جانب الأقدار والقسم
وقال آخر:
تكامل فيّ آلة كل حر ... ولكن لا يساعدني الزمان
وقال الموسوي:
غرست غروسا وكنت أرجو لحاقها ... وآمل يوما أن تطيب جناتها
فإن أثمرت لي غيرها كنت آملا ... ولا ذنب لي إن حنظلت نخلاتها «١»
المجدود
قال معاوية لما أتاه خبر موت أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: لا جدّ إلّا ما أقعص عنك. قال شاعر:
وكانت قريش يفلق الصخر جدّها ... إذا أقلق الناس الجدود العواثر «٢»
وقال أبو تمّام:
ورثوا الأبوة والحظوظ فأصبحوا ... جمعوا جدودا في العلا وجدودا
وقيل إنه لما قال ذلك أجمع الأدباء أنه أشعر أهل زمانه.
وقالت عابدة المهلبيّة:
ولو أرسلت نبلك ناصلات ... لصارت في الطريق لها نصول
التوفيق
قال عمر ﵁: توفيق قليل خير من مال كثير. وقيل لبزرجمهر: أي الناس أفضل؟ فقال: مجتهد في الخير ساعده القدر، وقيل لحكيم: ما الشيء الذي لا يستغني عنه المرء في كل حال؟ فقال: التوفيق. من حرم التوفيق، فأقطع ما يكون إذا اجتهد. وقام إلى الشبلي رجل فقال: بم يبعد المرء من ربّه ويخذل عن أمر؟ فزعق زعقة ثم أنشد:
من لم يكن للوصال أهلا ... فكلّ إحسانه ذنوب
وقال بعض الصوفية: إن العنايات لا تضرّ معها الجنايات، وأنشد الشبلي:
ويقبح من سواك الشيء عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
سنة التوفيق أجدى من يقظة الرؤية، وقليل النجح خير من كثير من الجهد.
بطلان الجدّ والتدبير مع القضاء والقدر
قيل: إذا جاء الحين حار العين وإذا جاء القدر عمي البصر. المرء طالب والقضاء
стр. 528
غالب. إذا انقضت المدة لم تنفع العدّة. إذا نزل البلاء ذهبت الآراء. إذا حلت المقادير ضلّت التقادير. وقيل: إذا حل القدر بطل الحذر.
لما حجّ أبو مسلم قيل له إن بالحيرة نصرانيا أتت عليه مئتا سنة وعنده علم من علوم الأوائل فقصده، فلما نظر إلى أبي مسلم قال له: قمت بالكفاية ولم تأل في العناية. حتى بلغت النهاية، أحرقت نفسك لمن لا يرحم حسّك، وكأني بك وقد عاينت رمسك، فبكى أبو مسلم، فقال: لا تبك فإنك لم تؤت من حزم وثيق ولا من رأي دقيق ولا من تدبير بارع ولا من سبب قاطع، ولكن ما استجمع لأحد أمله إلا أسرع في تفريقه أجله. قال: فمتى يكون؟ قال: إذا تواطأ الخليفتان على أمر والتقدير في يدي من يبطل معه التدبير. وإذا صرت إلى خراسان فقد سلمت. وهيهات فلولا أن البصر يعمى إذ نزل القدر لكان في ذلك ما يبعث على الاحتيال.
انتهى أعرابي إلى أرض، فقيل له: إنها مفعاة «١» فبات على ظهر راحلته فتعلقت حية بنسعة كانت في يده فلسعته، فقال وهو يجود بنفسه:
لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا
ولأمير المؤمنين ﵁:
إذا لم يكن عون من الله للفتى ... فأكثر ما يجني عليه اجتهاده «٢»
وقال آخر:
سبق القضاء بكل ما هو كائن ... فليجهد المتقلب المحتال
وقال ابن نباتة:
وإنّي إذا ما حاجة حال دونها ... نهار وليل ليس يعتوران «٣»
حملت على سوء القضاء ملامها ... ولم ألزم الإخوان ذنب زماني
إذا الله لم يأذن بما أنت طالب ... أعانك في الحاجات غير معان
وقيل: القضاء يقرب البعيد ويبعد القريب. قال شاعر:
وقد يجلب الشيء البعيد الجوالب
وقيل: إذا كان المقدور كائنا فالهم فضل. وكان نقش خاتم أبي العتاهية:
سيكون الذي قضي سخط العبد أم رضي
стр. 529
(٣) ومما جاء في الأماني والآمال
ما يدلّ على جواز التمنيّ
قال الله تعالى حكاية عن مريم ﵍ قالت: يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا
«١» فدل أن تمني ما لا يكون محظورا مباح، وقال تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً
«٢» ، وسمع ذلك رجل من الصالحين، فقال: ليت ذلك تم.
طيب الأماني والآمال
قيل لبعض من كان يخطب عملا: ما تصنع؟ قال: أخدم الرجاء حتى ينزل القضاء.
قيل: ليس سرور النفس بالجدة والمقدرة إنما هو بالأماني والآمال. وقيل لحكيم: أي شيء أدوم إمتاعا؟ فقال: الأماني.
وقال رجل من بني الحارث:
منّى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أماني من سعد حسانا كأنّما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا
وقال آخر:
إذا ازدحمت همومي في فؤادي ... طلبت لها المخارج بالتمنّي
وقال آخر:
في المنى راحة وإن علّلتنا ... من هواها ببعض ما لا يكون
ذمّ الأماني وبطلانها
قيل: إيّاك والمنى فإنها بضاعة النوكى. الأمل سلطان الشيطان على قلوب الغافلين.
الخذلان مسامرة الأماني والتوفيق رفض التواني.
قال ابن المقفّع: كثرة المنى تخلق العقل وتطرد القناعة وتفسد الحس. وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه: تجنّبوا المنى فإنها تذهب ببهجة ما خوّلتم وتصغر مواهب الله التي رزقتم.
قيل: ثلاث تخلق العقل وفيها دليل على الضعف: سرعة الجواب وطول التمنيّ والإستغراق في الضحك.
стр. 530
قال رجل لابن سيرين: رأيتني كأني أسبح في غير ماء وأطير بغير جناح، فقال: أنت رجل تكثر الأماني. وقيل: المنى والحلم أخوان. إن المنى طرق الضلال. إن ليتا وإن ولو إعناء.
قال كثير: وددت وما تغني الودادة أنني ... (البيتين) .
وقال محمد بن أميّة:
أقطع الدهر بظنّ حسن ... وأجلي كربة لا تنجلي
كلّما أملت وجها صالحا ... عرض المكروه دون الأمل
وكذا الأيام لا تدني الذي ... أرتجي منك وتدني أجلي «١»
وقال البسّامي:
أعلّل نفسي بما لا يكون ... كما يفعل المائق الأحمق «٢»
وقال المتنبّي
تمنّ يلذّ المستهام بمثله ... وإن كان لا يغني فتيلا ولا يجدي
وقال أبو تمّام:
من كان مرعى عزمه وهمومه ... روض الأماني لم يزل مهزولا
وقال آخر:
إنّ المنى رأس أموال المفاليس
وقال أفنون التغلبي:
ولا خير في أن يكذب المرء نفسه ... وتقواله للشيء يا ليت ذا ليا
أماني من تمنّى أمرا فأدركه
اجتمع ابن عمر وعروة بن الزبير ومصعب بن الزبير وعبد الملك بن مروان بفناء الكعبة، فقال مصعب: هلموا نتمن. فتمنى عروة الفقه وأن يحمل عنه الفقه، وتمنى عبد الملك الخلافة، وتمنى مصعب ولاية العراق وتزويجه سكينة بنت الحسين بن علي وعائشة بنت طلحة، وعبد الله بن عمر الجنة. فنال مصعب وعبد الملك وعروة ما تمنوه، وشهد ابن عمر ﵄ مدرك ما تمناه وطلبه.
وروي أن كعب بن ربيعة بن عامر أتاه آت في المنام فقال: إجمع بنيك ومرهم بالتمنيّ فإنهم يعطون، فجمعهم فقال لعقيل: تمنّ، فقال: العدد والرمي فليس في بني كعب أكثر عددا منهم ولا أرمى. وقال لجعدة: تمنّ، فقال: المال فهم أكثر بني كعب خيلا
стр. 531
وإبلا. وهم أهل رضاخ وضرية والفلج، وقال لقشير: تمنّ، فقال: البقاء والجمال فهم أجمل بني كعب ويكثر فيهم ذو السن وذو الرقية منهم أدرك الإسلام وله مائة وعشرون سنة وله ألف من ولده، هذا يقول: يا أبتاه وذا يقول: يا جداه، وقال لحريش: تمنّ، فقال:
النعظ فهم أنكح بني كعب. وقال لخبيب: تمنّ، فقال: المودّة من إخوتي فيما بينهم وأن لا يؤثروا بهم. قال الشيخ أبو القاسم ﵀: نسأل الله أن يعطينا منانا بعد أن يوفقنا التمنّي ما فيه مصالحنا.
من ذكر قلّة مبالاته بالمنيّة لإدراكه قاصية الأمنية
قال الله تعالى مخبرا عن يوسف ﵇: رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ
«١» .
وقال قيس بن الحطيم:
متى يأت هذا الموت لا تلف حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها
ونحوه:
أدركت في الدهر أياما بلغت بها ... رضا الشباب الذي قد كان عاصاني
وقال منصور بن طلحة بن عامر: رأيت عبد الله بن طاهر في المنام بعد موته فقلت له: ما خبرك أيها الأمير؟ فقال:
من كلّ شيء قضت نفسي لبانتها ... فإذ أتاني رآني قاضيا أجلي «٢»
وقال زهير بن خباب الكلبي وكان من المعمرين:
من كلّ ما نال الفتى ... قد نلته إلا التحيّة
طيب إدراك المنى
في المثل: أطيب من نيل المنى وإدراك الأمل. وقيل: ليس بعد بلوغ المنى إلا نزول المنيّة. قال الله تعالى: حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
«٣» . وقال أبو الفتح بن العميد:
إذا المرء أدرك آماله ... فليس له بعد ذا مقترح
أماني قوم بحسب أحوالهم
قال قتيبة بن مسلم للحصين بن المنذر: ما تتمنى؟ فقال: لواء منشور وجلوس على السرير وسلام عليك أيها الأمير. وقيل لعبد الله بن الأهتم ذلك، فقال: رفع الأولياء وقمع
стр. 532
الأعداء وطول البقاء مع القدرة والنماء. وقيل ذلك للفضل بن سهل، فقال: توقيع نافذ وأمر جائز. وقيل لحكيم: تمنّ، فقال: محادثة الأخوان وكفافا من عيش والانتقال من ظل إلى ظل. وقيل ذلك لمطرف فقال: مركب وطي ومطعم شهي وملبس دفي. وقيل لآخر، فقال: شواء مستنشل وغناء مسترسل ونكاح مستعجل.
وقال بعضهم: العيش كلّه في صحة البدن وكثرة المال وخمول الذكر. وقيل لحكيم، قال: هوى وافق حقا. وقيل لرجل، فقال: أن تعطي جوارحك لذاتها. وقيل لأعرابي، فقال: خباء في أرض خلاء وكلب إذا أصابه المطر زاحمني فيه. وقيل لابن سنان فقال: ليل طويل الطرفين أقرن بينهما بذكر الله تعالى. وقيل لمأبون: فقال: لذّة الأبنة وحكّ الجرب فمن حرمهما فقد حرم لذات الدنيا. نعوذ بالله من بعض الأماني.
أماني البله
قال شاعر:
إذا تمنّى مائق أمنية ... تحسبها كائنة مقضيّة
قال الأصمعي: قال شيخ من بني العجيف إني تمنيت أن أبني دارا فمكثت أربعة أشهر للدرجة أين أضعها. ومرّ الحجاج ليلة بدكان لبّان وعنده بستوقة فيها لبن. وهو يتمنى ويقول: أنا أبيع هذا اللبن بكذا درهما وأشتري به كذا، ثم أبيعه ثم يكثر مالي ويحسن حالي، وأخطب إلى الحجّاج ابنته فأتزوج بها فتلد لي إبنا فأدخل عليها يوما فتخاصمني، فأضربها برجلي هكذا، ومدّ رجله فكسر البستوقة، فقرع الحجاج بابه واستفتحه فضربه خمسين، وقال: أليس لو ضربت بنتي بوكزة هكذا لفجعتني بها.
نوع من الأماني
قال الوليد بن عبد الملك لبديح المغني: خذ بنا في الأماني فلأغلبنّك، فقال: والله لا تغلبني فيها أبدا إني أتمنى كفلين من العذاب وإن يلعنني الله لعنا يشن علي من خلفي ومن قدّامي أتتمنى مثله؟ فقال: غلبتني لعنك الله. وقيل لرجل: أيسرك أن يكون لك ألف درهم؟ فقال: نعم وأضرب مائة، فقال: وضرب المائة لمه، فقال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء.
وقيل: كان رجل يطلبه الحجّاج فمر بساباط فيه كلب، فقال: ليتني كنت هذا الكلب فأستريح من الغمّ والخوف، فما لبث أن جيء بذلك الكلب وفي عنقه حبل، وقيل: ورد كتاب الحجاج يأمر فيه بقتل الكلاب. وقعد ابن أبي عتيق فقال: ليت لنا لحما فنطبخ سكباجا «١» فما لبث أن جاء جار له بصحفة، فقال أعطونا قليل مرق، فقال إن جيراننا يشمّون رائحة الأماني.
стр. 533
التحذير من طول الأمل
قال النبي ﷺ : أخوف ما أخوف على أمتي الهوى وبعد الأمل. أما الهوى فيعدل عن الحق وأما طول الأمل فينسى الآخرة. ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل، من جرى في عنان أمله فعاثر «١» لا شك بأجله. الآمال مصائد الرجال.
ووجد على حجر مكتوب: يا ابن آدم لو رأيت ما بقي من أجلك لزهدت في طول ما ترجوه من أملك.
تبكيت من أطال الأمل
أقام معروف الكرخيّ الصلاة فقال لمحمد بن ثوابة: تقدّم، فقال: إن صليت بكم الصلاة لم أتقدم بعده، فقال: وأنت تحدث نفسك بصلاة أخرى نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع من خير العمل، من عدّ غدا من أجله فقد أساء.
نفع طول الأمل في الورى
قال النبي ﷺ : الأمل رحمة لأمتي ولولا الأمل ما أرضعت أمّ ولدا ولا غرس غارس شجرا. ومن هذا أخذ الحسين رضي الله تعالى عنه: لو عقل الناس وتصوروا الموت بصورته لخربت الدنيا. وقال مطرف: هذه الغفلة رحمة فلو دخل الناس الخوف من الموت ما انتفعوا بدنياهم.
مضرّة انقطاع الأمل
قيل: أعظم المصائب انقطاع الرجاء. وقيل لبزرجمهر: ما الذي يشدد البلاء على الناس؟ فقال القنوط والاستبسال، قيل: فما الذي يهوّنه عليهم، قال الرجاء وحسن الظن.
قال النظّام: كنا نلهو بالأماني وتطيب أنفسنا بها، فذهبت من بعد وانقطع الأمل.
بقاء الأمل والمنى ببقاء الحياة
قيل: لا ينقطع رجاء المرء ما لم تنقطع حياته. وقيل: الأمل يساوق الأجل.
قال علقمة:
والعيش شحّ وإشفاق وتأميل
ومثله:
العيش إن تجل عنه كلّه تعب ... والمرء إن قرّ عينا كلّه أمل
قال بشار: الإنسان لا ينفك من أمل فإن فإنه عوّل على الأماني، فالأمل نفع نسيب، والهوى لا يكون نسيبا وبابه مفتوح لمن يكلّف الدخول فيه.
стр. 534
تضمن الرجاء للخوف
قيل: خوف وقوع المكروه مقرون برجاء السلامة، كل رجاء متضمن للخوف ولذلك استعمل كل واحد منهما موضع الآخر، وقول الهذليّ:
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها
أي لم يخف. وقيل: لا ينبغي للعاقل أن يسرّ بالرجاء فإنه مشوب بالذعر والسرور به غرور، إن خاب أضعف الأكداء عليه الغم.
стр. 535
الحد الثامن في الصناعات والمكاسب والتقلّب والغنى والفقر
(١) فممّا جاء في الحرفة
مدح الحرفة وفضلها
قال النبي ﷺ لوفد عبد القيس: ما المروءة فيكم؟ قالوا: العفة والحرفة. وقال النبي ﷺ : خير الكسب كسب اليد لمن نصح. وكان عمر ﵁ إذا نظر إلى رجل سأله أله حرفة فإذا قال: لا، سقط من عينه.
ونظر عمر ﵁ إلى أبي رافع وهو يقرأ ويصوغ، فقال: يا أبا رافع أنت خير من تؤدي حقّ الله تعالى وحقّ مواليك. وقيل لأعرابي ينسج: ألا تستحي أن تكون نسّاجا، قال: إنما أستحي أن أكون أخرق لا أنفع أهلي، وحرفة يقال فيها خير من مسألة الناس.
وقال ﷺ : إن الله يحب التاجر الصدوق والصانع الناصح لأنه حكيم.
وقال أبو العتاهية:
ولا تدع مكسبا حلالا ... تكون منه على بيان
ذمّ السّرقة
قيل: لا ترج الخير ممن يكون رزقه من ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل يؤتى يوم القيامة بسوقي فيوزن عمله فتميل به الميزان، فيقول حوّلوا إلى الكفة الأخرى ففي الميزان عيب.
أصناف الصنّاع وتفضيل بعضها على بعض
قيل: الناس أربعة: ذو صناعة وزراعة وتجارة وإمارة، وما سوى ذلك فإنهم يغلون الأسعار ويكدرون المياه. وقال المأمون: السوقيون سفل والصناع أنذال والتجار بخلاء والكتاب ملوك على الناس.
كتب الوليد إلى صاحب الساحل: اجعل الحائك والإسكاف في مرتبة والحجام والبيطار في مرتبة، والبزّاز والصيرفي في مرتبة، والمعلّم والخصيّ في مرتبة والنخاس والشيطان في مرتبة.
стр. 536
وقيل: ثلاثة أعمال لم تزل في سفلة الناس: الحياكة والحجامة والدباغة. وقال حبيب بن محمد لمالك بن دينار: لو خيرت في الصناعات ما كنت تختار؟ فقال: أكون حدادا فأرى لفح النار لعلّي أتقيها، فقال حبيب: كنت أختار أن أكون حفّارا للقبور.
المتولّي صناعة تنافيه
قال شريك بن عبد الله: خمسة من الكبائر: عمياء مكتحلة، وسوداء مختضبة وخصي له امرأة، ومخنث يؤم قوما، وإعرابي أشقر. ومن العجائب: منجّم أعمى وأطروش صاحب خبر، وعطار أخشم، ومناد أخرس ومؤاجر أصلع، وجندي محفوف الشارب، وكنّاس متعزز وفيج منقرس ولحياني ينتف لحية كوسج، وديدبان أعمش وحجام قليل الفضول، وإمام أمي وكحال أرمد.
وضرب عبد الله بن أبي بكر ملاحا لم يحسن السباحة، وقال: من العجائب ملاح غير سابح.
المتولّي صناعة تليق به
من تمام آلة القاضي أن يكون لحيانيا، والقاص أن يكون أعمى شيخا بعيد الصوت، والزامر أن يكون أسود، والمغني فاره الدابة برّاق الثوب عظيم الكبر سيء الخلق، والشاعر أن يكون أعرابيا، والداعي إلى الله أن يكون صوفيا. من عمل عمل أبيه كفي نصف المعاش.
أنذال من الصناع متبجّح بعضهم على بعض
دعا حجّام كناسين يكنسان له كنيفا، فقال أحدهما للآخر: أتدري عند من نعمل؟
قال: لا، قال: نعمل عند حجّام، فقال: الحمد لله الذي أعلمنا ذلك قبل أن نشرب من كوزهم أردت والله أن أرمي بكل ما في جوفي. أطلب لي شيئا أشرب به فضرب يده إلى كوز معه في جوف جرّة ينقلون فيها الخرء، فمسحه بيده وناوله فشرب منه.
اجتمع كناسان على كنيف، فقال أحدهما: فيه من الخرء قامة، وقال الآخر: قامة وبسطة، فنزع ثوبه وقفز فيه وغاص ثم أخرج رأسه، وقال: تظنني حائكا.
وقع شرّ بين حجّام وحذّاء، فقال: أنت تمشط وتسرج، وأنا أحذو وأنت تشق بمبضع، وأنا بمخصف فما فضلك عليّ؟
ذكر من تولّى صناعة دنيئة من الأكابر
قيل: كان طالوت دباغا فآتاه الله الملك على رغم من كره، وكان داود ﵇ راعى غنم وآتاه الله الملك والحكمة، وموسى راعيا أجيرا لشعيب ﵉، وعيسى ﵇ صيّاد سمك وهذا باب يكثر أن يتبع.
стр. 537
ذمّ الحاكة
قيل: الحمق عشرة أجزاء تسعة في الحاكة. مرّ على أمير المؤمنين كرم الله وجهه رجل فقال له: إلى أين؟ قال: إلى البصرة في طلب العلم، فقال: أتترك عليا وتطلب العلم بالبصرة؟ ثم قال له: ما صناعتك؟ فقال نسّاج فقال ﵁: من مشى مع حائك في طريق ارتفع رزقه، ومن كلّم حائكا لحقه شؤمه، ومن اطلع في دكانه اصفرّ لونه. فقال قائل: لم يا أمير المؤمنين وهم إخواننا؟ فقال: إنهم سرقوا نعل النبي ﷺ وبالوا في فناء الكعبة، وهم تبع الشيطان وشيعة الدجّال، وسراق عمامة يحيى بن زكريا وجراب الخضر وعصا موسى وغزل سارة وسمكة عائشة من التنور، واستدلتهم مريم ﵍ فدلّوها على غير طريق، فدعت عليهم أن يجعلهم الله سخرية وأن لا يبارك في كسبهم.
وقال حائك لعالم: دلّني على عمل أتواضع به، فقال له: ما عمل أوضع من عملك فالزمه. وقال: شهادة الحائك تجوز مع عدلين.
وكان النظّام يسمّى العروضي أخضر البطن فكشف عن بطنه وقال: ما ههنا خضرة، فقال: إنه يريد أنه حائك. ويقال فلان أخضر النواجذ «١» ، والبراجم «٢» للأكار بمعنى أنه يأكل الكراث ويتناول الخضراوات.
في مدحه:
لولا الحياكة والذين يلونها ... بدت الفروج ولاحت الأدبار
وفي ذم صناعة قليلة النفع يتمثل بقول الشاعر:
ومن يحترث حرثي وحرثك يهزل
مدح الحجّام
قال النبي ﷺ : نعم العبد يقل الدم ويخف الصلب ويجلو البصر. ومن فضلاء الحجّامين أبو ظبية حجّام رسول الله ﷺ حجم النبي ﷺ ، وشرب دمه فاختلط دمه بدمه فخطب إلى الأشراف وزوج من الكرام ومنهم أبو هبة.
قال النبي ﷺ : يا بني هند إنما أبو هبة رجل منكم فانكحوه وانكحوا إليه. ومنهم عبيد الحجّام بالبصرة وكان أديبا، قيل له: كم يعطيك فلان؟ قال سدوسي، عنى قول الشاعر:
فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإنّ الريح طيّبة قبول «٣»
стр. 538
وقال ابن طباطبا:
أبو سليمان داود بن بنكلة ... قد فات في الحجم حذقا كل حجّام
وزان ذاك بصوت لا يجاوزه ... إلى الفضول سوى نطق بإبهام
لطفا ورفقا وحذقا في صناعته ... وخفّة لم تشن منه بإبرام
لولا مواقع موساه ومشرطه ... لخلتني منه في أضغاث أحلام
وقال محمد بن مسافر:
مزيّن حذّفني حاذق ... ليس له في النّاس من شبه
ظننت إذ حذّفني أنّه ... أحدث لي وجها سوى وجهي «١»
وقال أبو ذرّ البلخي:
كأنّما المحجم في كفّه ... شمس نهار آذنت بالغروب
يأخذ من مجروحه أرشه ... فيا له من جارح مستثيب «٢»
كثرة فضول الحجّامين
استحضر عبد الله بن سليمان حجاما شيخا يقال له أبو دلحمة، وقال: أنا متبرم بحجامي لكثرة فضوله. فأخذ آلة التحذيف وطفق يشحذ الموسى فنظر الوزير إلى بعض أصحابه، فقال اعط القوس باريها، فقال أبو دلحمة: ما أول هذا البيت أيها الوزير. فقال الوزير: الله أكبر هربت من فضول فوقعت فيما فوقه، وقال ما هو يا أبا دلحمة، فقال:
أنشدني الرياشي بمكة:
يا باري القوس بريا ليس يحسنه ... أفسدت قوسك أعط القوس باريها
وكان أبو دلحمة من الشعراء والفضلاء.
وقال الفضل بن الربيع: قال لي الرشيد أطلب لي حجّاما أصمت من الحجر، فقلت: نعم، لي غلام سكيت، فقال: إبعثه إليّ. فدعوت به وأخذت عليه الوصيّة أن لا ينبس ولا ينبض عرقه إذا خدم أمير المؤمنين وأوصيته بأن يتأهب ثم دخلت إلى الرشيد فرأيته يضحك، وقال لي: إن لذلك الحجام شأنا ولا نراه بعد، ثم سألت فراشا مختصا بالرشيد عن خبره، فقال: إنه لما بدأ بالمحجمة قال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أسألك عن شيء فقال له ما هو؟ قال: لم قدّمت الأمين على المأمون والمأمون أسن منه؟ قال:
أخبرك بالجواب إذا فرغت، فلم يلبث غير قليل حتّى قال: وأسألك عن شيء آخر، قال الرشيد: هات، قال: لم قبلت جعفر بن يحيى، قال: وهذا أيضا أخبرك به إذا فرغت،
стр. 539
قال واسألك: لم اخترت الرقة على بغداد وبغداد أطيب منها، قال: نعم أخبرك إذا فرغت. فلما فرغ دعا مسرورا الخادم فقال له: لا تشرب عليه الماء البارد إنه سألني عن ثلاث لو سألني المنصور عنها ما أجبته.
ومر المأمون متنكرا بحجّام فسمعه يقول لآخر: سقط هذا المأمون من عيني منذ قتل أخاه، فبعث إليه ببدرة، وقال: إن رأيت أن ترضى عنّي فعلت. وكان كسرى يستصفي الحجّامين في كل سبع سنين، ويقول: إنهم يبطرون إذا أثروا.
ذم التكسب به
قيل: إنما يقال للحجّام قبيس لأن المسان تحمل إليهم من جبل أبي قبيس: ويقال:
إن الحجّامين بقم في بعض الأوقات غضبوا فاجتمعوا وخرجوا من البلد حتى طالت شعور أهلها واضطروا إلى أن خرجوا إليهم وقبلوا الأرض بين أيديهم وحلفوا لهم أن لا يؤذوهم ولا يلقبوهم فرجعوا.
وقيل: إن الفرزدق حضر مجلسا فيه بلال بن أبي بردة فجعل بلال يذكره مناقب جدّه، فقال الفرزدق: لو لم يكن له من المنقبة إلا أنه حجم النبي ﷺ ، فقال: إنه ما حجم قبله ولا بعده. فقال الفرزدق: جدّك والله كان أفضل من أن يجرب الحجم على رسول الله ﷺ .
قال شاعر:
أبوك أوهى النجاد عاتقه ... كم من كميّ أدمى ومن بطل «١»
يأخذ من ماله ومن دمه ... لم يمس من ثاره على وجل «٢»
وقال منصور بن باذان:
كم من رقاب جرحت طائعة ... من غير كفّيك لا ترام حمى «٣»
ونهى رسول الله ﷺ عن كسب الحجّام وقال هو خبيث، وهذا على التنزيه. وروي أنه ﵊ احتجم وأعطى الحجّام أجره فلو كان حراما لم يعطه. وروي أنه حجمه عبد لبني بياضة فأعطاه أجره صاعا من تمر، وسأل مواليه أن يخفّفوا عنه من ضريبته.
ذمّ الإسكاف
قيل لمجنون: ما تقول في إسكاف مات وترك أختا وأما؟ فقال: ميراثه للكلاب ونفقته على الدباغين وليس لأمه ولا لأخته إلّا نثر التراب وتخريق الثياب. وقيل: وقع
стр. 540
كليب في كنيف فدعا إسكافا فقال: إدفع يدك إلى أخيك واخرج، فقال: ذرني في الكنيف ولا تصحح علي بذلك أخوتك. وقال الشاعر يعرّض به:
أنفذ في الطّعن من كليب ومن ... عمر والزبيدي فارس اليمن
الخيّاط
قال النبي ﷺ : عمل الأبرار من الرجال الخياطة وعمل الأبرار من النساء الغزل.
وقال ابن عباس: كان إدريس ﵇ خيّاطا وكذلك هود ولقمان ﵉، وكان نوح نجارا. وأتى أعرابي إلى خياط بثوب ليخيطه قميصا فقطعه فعلاه الأعرابي بالهراوة، وقال:
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله ... فيما مضى في سالف الأحقاب
من فعل علج جئته ليخيط لي ... ثوبا فخرقه كفعل مصاب
فعلوته بهراوة كانت معي ... ضربا فولّى هاربا للباب
أيشقّ ثوبي ثم يقعد آمنا ... كلا ومنزل سورة الأحزاب «١»
ذم الندّاف
قال رجل لندّاف: لو وضعت إحدى رجليك على حرّاء والأخرى على طور سيناء، ثم أخذت قوس قزح تندف به قطن الغمام في جياب الملائكة ما كنت إلا ندّافا، قال الصاحب:
قل لابن ماسويه الفقيه ... يا آنف النّاس من أبيه
جمعت ضدّين في مكان ... صنعة حلج وفرط تيه «٢»
المخاطر بنفسه من الصنّاع
في كتاب كليلة: خمس نفر، المال أحب إليهم من أنفسهم: المقاتل بالأجرة وراكب البحر للتجارة وحافر البئر والاسراب، والمدل بالسباحة والمخاطر على السم. وقد تقدم مدح الطبيب وذمه.
القين
قال جرير:
هو القين يدني الكير من صدر إسته ... ويعرف مدّ الكلبتين أنامله «٣»
стр. 541
وقال آخر:
القين لا يصلح إلا ما جلس ... للكلبتين والعلاة والقبس «١»
الراعي
ذمّ قوم الرعاة فنسبوهم إلى الحمق وقالوا: أحمق من راعي ثمانين. وقالوا: لا تشاور راعي الضأن.
ومما يدلّ على فضيلتهم قول النبي ﷺ : ما من نبي إلا وقد رعى وقد رعيت. وقال النبي ﷺ : ما بعث الله نبيّا إلا راعيا، بعث موسى وهارون راعيين، وبعثت وأنا أرعى لأهلي.
وشرط صاحب الإبل على الراعي، فقال: عليك أن تهنأ جرباها وتلوط حوضها وتنشد ضالتها وترد نادتها وتستقصي في الرسل ما لم تنهكما حلبا أو تضرّ بنسل، فقال الراعي: نعم، على أن يدي مع أيديكم في الحار والقار ولا تذكر أمي بشرّ ولي مقعد موسع من النار، فقال:
هذا لك، فإن خنت فما عليك. قال حذفة: بالعصا أخطأت أم أصبت.
وتفاخر راعيان، فقال أحدهما: والله ما اتخذت عصا فيها غير هذه منذ شبت وما انكسرت، فقال الآخر: تعست إن اتخذت فيها عصا غير يدي. ويوصف الراعي بأنه ضعيف العصا أي قليل الضرب بها. قال الشاعر:
ضعيف العصا بادي العروق ترى له ... عليها إذا ما أجدب الناس إصبعا
الكنّاس
قال رجل من الكناسين لآخر: ويحك ألا تعجب من فلان يزعم أنه كناس ابن كناس؟ فقال: قل له يا ابن الخبيثة مالك والكنس، قد والله بغضوا إلينا هذا العلم، أف وتف من النوكى رجاء أمس. ويقول أنا كناس، أما والله لو شهدنا ونحن نكنس المطابق والسجون فلا نخطىء ما قدرنا بزنبيل واحد ولا نتحاشى من الدخول في كنفها. علم من الكناس ابن الكناس، وكان أبو إبراهيم الكساح رئيس الكساحين، قال له أحمد بن سليمان: احمل مائة سفينة مع المائة التي كنت حملتها قبل، وخذ ثمنها. فقال: تلك المائة كنت قد جعلتها طعمة للأمير.
باب مختلف من الصّناعات
قيل: من حذق في صناعته احتسب حذقه في رزقه، ولذلك ترى أكثر الحاذقين محرومين. وسمعت بعض العلماء يقول: إنما نرى أكثر الحذاق في صناعتهم يضيق رزقهم لا تكالهم على حذقهم لا يبذلون جهدهم فيما يعملونه، وغير الحاذق يبذل جهده ويفرغ نصحه خشية أن تسترذل صنعته، فيبارك الله فيه بجدّه وجدّه واستفراغ نصحه.
стр. 542
وقال الحسن بن سهل: لا يكسد رئيس صناعة إلا في شرّ زمان ومملكة أنذل سلطان. وقيل: من انتكاس الدهر أن يولى امتحان الصناع من ليس بحاذق في صناعتهم.
روي في الخبر: لا بد للناس من عريف والعرفاء في النار، كأنه أخبر عن علم الله تعالى في أكثرهم أنهم يعملون بالمعاصي. فأما العرافة والنقابة فقد كانتا في قوم صالحين يقال: عريف ونقيب ومنكب، والعريف فوق النقيب.
نظر حمال إلى راكب، فقال: سبحان من حملك وحملني. وعطس حمّال، فقال:
رجل راكب مخمور يرحمك من أخرج العطسة من المضيق، فقال يغفر لك من حملك وجعل على قفاي هذه الكارة الدقيق.
(٢) وممّا جاء في المبايعات
مدح السوق
كان النبي ﷺ : إذا دخل السوق يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، اللهمّ إني أسألك من خير هذه السوق وأعوذ بك من الكفر والفسوق. وقيل: السوق موائد الله فمن أتاها أصاب منها. وقال ﷺ لرجل: الزم سوقك.
ذمّ السّوق
قيل للحسن ﵁: هلا تصلي فإن أهل السوق قد صلّوا، قال: من يأخذ دينه من أهل السوق، إن نفقت سوقهم أخّروا الصلاة وإن كسدت عجلوها. وقال: أهل السوق ذئاب تحت ثياب. وقال ابن السماك: يا أهل السوق سوقكم كاسد وبيعكم فاسد وجاركم حاسد ومأواكم النار.
ذكر أسواق العرب
كانت عكاظ ومجنّة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام تأثّموا أن يتجروا في الحج، فأنزل الله: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
«١» يعني في مواسم الحج.
مدح التجارة وذمّها
قال مجاهد في قوله تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ
«٢» إنها التجارة، وأشراف قريش
стр. 543
كانوا تجارا، قال النبي ﷺ : لا خير في التجارة إلا لستة، تاجر إن باع لم يمدح وإن اشترى لم يذم وإن كان عليه دين أيسر الاقتضاء وإن كان له أيسر الاقتضاء وتجنب الحلف والكذب وقال ﵊: بعثت مرحمة ومرغمة ولم أبعث تاجرا ولا زارعا، وإن شاور هذه الأمة التجار والزراعون إلا من شح على دينه. وقال ﷺ : ما أوحى الله إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحى إليّ أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين، وقال تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها
«١» فقرن التجارة باللهو وهو مذموم.
الحثّ على التّجارة في جنس دون جنس
قال عمر بن الخطاب ﵁: من اتّجر في شيء ثلاث مرات فلم يصب منه شيئا فليتحول إلى غيره. ودخل ناس على عبد الله بن الزبير ﵁، فسألهم عن صناعتهم، فقالوا: بيع الرقيق، فقال بئست التجارة ضمان نفس ومؤنة ضرس. وقال ابن المبارك: إياك والتجارة في الإبل فإنها غنم وغرم، وأحب التجارة إلي ما كان بين غنمها وغرمها حجاز من السلامة.
وقال بطليموس: لا يكاد الإنسان ينحس في جميع الأشياء ولا يسعد في جميعها فينبغي أن يعرف وجوه منافعه في وجوه شتّى، فمتى دخلت المنحسة في شيء كانت السعادة في شيء. وقيل: شرّ الناس من باع الناس، يعني النخّاسين. وقيل: بيع الرجل صاحبه بالطفيف من الأمر، وقد قال ﷺ : التجارة في الرقيق ممحقة.
وقال محمد بن واسع ﵀: أفضل التجارات لديّ بيع العطر والجوهر والحصر والساج وكل شيء لا يشتريه إلا من في أمواله فضل عن القوت لأن ظلم أصحاب الفضل أهون، وأبغض التجارة إليّ القطن وشراء الغزل فإن ظلم هؤلاء صعب إذا كان داخلا على أقواتهم.
فضل الصدق في البيع
قال النبي ﷺ : ما أفلس تاجر صدوق. وقال رسول الله ﷺ : التجار فجّار. قيل: يا رسول الله ولم وقد أحل الله البيع؟ فقال: إنهم يحلفون ويكذبون. وقال الجاحظ: رحم الله الأحنف حيث يقول: إلزم الصحة يلزمك العمل. وقال الأشج الصيدلاني: مرّ بي رجل فرأى قلّة الناس عندي وكثرتهم عند غيري، فقال: أتريد أن تكثر مبايعتك ويحسن حالك؟
قلت: نعم، فقال: أصدق واصبر سنة فإن الصدق يستحي لنفسه أن يبطىء عنك أكثر من سنة، ففعلت، فكثر زحام الناس عند حانوتي. ثم مرّ بي فرأى كثرة الناس عندي فقال:
إحذر ولا تتكل على ما وهمتهم من الصدق فتدعوك نفسك إلى ضعف ربحك اليوم، فإنك إن عدت إلى الكذب عاد عليك الكساد فلم أزل قابلا لوصيته، ثم مرّ بي بعد سنيات، فقال: قليل الربح مع كثرة الحرفاء أربح من كثره مع قلة الحرفاء. وق د قالوا: الزم الصحة
стр. 544
يلزمك العمل، ولو حلفت أنها كلمة نبي، لرجوت أن لا أحنث، ثم لم أره بعد ذلك فرحمه الله حيا وميتا فقد نصح. وقيل: التاجر الصدوق، مع النبيين والصديقين.
ذمّ الحكرة
قال النبي ﷺ : من احتكر على المسلمين طعامهم ضرب الله ماله بالإفلاس، وعنه ﷺ : من احتكر طعاما أربعين يوما فقد برىء من الله ورسوله وقال ﷺ : الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون.
وفي عهد أزدشير: لا تحبوا الاحتكار فيعمّكم القحط. وقال معاذ بن جبل ﵁: قلت يا رسول الله ما الحكرة، فقال: الذي إذا سمع بالغلاء فرح وإذا سمع بالرخص اغتم. وقال علي ﵁: لا أسمع بالكوفة برجل احتكر إلا أحرقت طعامه بالنار أو أنهبته. وكتب الوليد بن مصعب إلى صاحبه بالساحل: تفقد أمر الحناطين فإن زادوا في السعر من غير علة فأنهبهم عوامك فالغلاء من أسباب الفتن. مع الغلاء تكون الشكوى ثم الجلاء ثم الوباء.
تحليل البيع وذمّ الرّبا
قال الله تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا
«١» وقال: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ
«٢» وقال: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
«٣» ولعن النبي ﷺ : آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه. وقال ﷺ : الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله من ستة وثلاثين زنية زناها زان. وقال ﷺ : يأتي على الناس زمان لا يبقى فيه أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره. وروي: كل قرض جر منفعة فهو الربا.
الحثّ على مراعاة العلم في المبايعة
قال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: من أتجر بغير فقه فقد ارتطم في الربا. وقال الضحاك: ما من تاجر ليس بفقيه إلا أكل الربا شاء أم أبى.
المكروه من البيوع
قال النبي ﷺ : لا يبيع أحدكم على بيع أخيه ولا يخطب على خطبة أخيه. وقال ﷺ : لا تناجشوا والنجش الزيادة في السلعة من غير حاجة، ونهى عن تلقي الركبان وبيع حاضر لباد. وقال ﷺ : لا يحل شراء المغنيات ولا بيعهن ولا تعليمهن، وتلا قول الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ
«٤» . ونهى عن بيع فضل الماء، فقال: من منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة. وقال ﷺ : لا يحل
стр. 545
منع الملح، وكل ذلك مكروه، وإذا فعله إنسان صح بيعه وشراؤه.
المحرّم بيعه
نهى النبي ﷺ : عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد، وفي خبر آخر: نهى عن ثمن الكلب والهر وعن مهر البغي. وقال جابر: سمعت رسول الله ﷺ يوم فتح مكة يقول: ألا إن الله حرم بيع الخمرة وبيع الخنازير وبيع الأصنام، فقيل له: أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن به السفن والجلود، فقال ﷺ : قاتل الله اليهود إن الله حرم عليهم الشحوم فحملوها وباعوها.
وروى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه.
وقال ﷺ : الورق بالورق والذهب بالذهب والبر بالبر والشعير وبالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح ربا إلا هاء وهاء مثل بمثل، ومن زاد أو ازداد فقد أربى. وأهل الظاهر قصروا الحكم على هذه المذكورات، وغيرهم تعداها، فجعل الشافعي ﵁ العلة فيه الأكل فحرم بيع كل مأكول بجنسه إلّا مثلا بمثل. وأبو حنيفة ﵀ جعل العلة الكيل فحرّم بيع كل مكيل بجنسه إلا مثلا بمثل. ونهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وعن بيعين في بيعة وعن بيع وسلف وعن ربح ما لم يضمن وبيع ما لم يقبض. وعن المحاقلة والمزابنة فالمحاقلة بيع البر الموضوع بالأرض والمزابنة بيع ثمر النخل بالتمر يابسا، ورخص في العرايا والعرية بيع ثمر النخل بالتمر يابسا إذا كان دون خمسة أوسق، ونهى عن الثنيا وعن المنابذة وبيع الغنيمة قبل القسمة.
وعن بيع المجر وهو أن يباع الشيء بما في بطن الشاة، وعن حبل الحبلة وعن بيع الغرز وعن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وفي الحديث: أن ﵇ نهى عن الكالىء بالكالىء وهو بيع الدين بالدين، ونهى عن بيع أمهات الأولاد، وقال: لا يبعن ولا يوهبن ولا يورثن، يستمتع بها سيدها ما بدا له فإذا مات فهي حرّة.
السّلف
قال ابن عباس ﵄: قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في التمر العام والعامين، فقال ﷺ : من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم. وكان ﷺ استسلف بكرا فجاءته إبل من إبل الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني النبي ﷺ أن أقضي الرجل بكره فلم أجد إلا رباعيا، فقال ﷺ : أعطه إياه فإنّ خير الناس أحسنهم قضاء.
السّهل البيع
مر النبي ﷺ برجل يبيع شيئا، فقال: عليك بالسماح أول السوق فالرباح في المساح.
وعن أبي هريرة ﵁: أحب الله عبدا سهلا، إذا باع أو ابتاع سمحا إذا قضى أو اقتضى. وقال ابن عون: ما أرسلني الحسن ﵁ في ابتياع شيء له إلا قال: لما عدت بارك الله فيك، ولم يسألني عن ثمنه وما أرسلني ابن سيرين إلا قال حين عدت:
стр. 546
كيف اشتريت؟ وقيل لعبد الرحمن بن عوف ﵁: بم بلغ بسارك فقال لم أرد ربحا ولم أشتر عيبا ولم أبع بنسيئة.
جواز المماكسة
قيل: المماكسة في البيع مكايسة. وكان عبد الله بن جعفر يماكس في درهم ويجود بمال، فقيل له في ذلك، فقال: الغبن في البيع بله وفي الجود كرم. وقيل لآخر مثل ذلك، فقال: الغبن في البيع جود بالعقل وفي السخاء جود بالمال، ولا أسخى بالعقل وقيل: الحر يتغابن في ابتياع الحمد ولا يتغابن في الشراء والبيع. وقيل: من الغباوة السخاء في التجارة.
وكان ابن عمر ﵁ لا يرى بأسا بالمماكسة والمكايسة. والهند لا تستحل غرارة الجاهل وتستحل غبن البائع.
ذمّ المبالغة في المماكسة
قيل: كثرة المكاس من أفعال الخساس. ورأى رجل إبنه يماكس في ابتياع لحم فقال: يا بني تساهل، فمما تضيعه من عرضك أكثر مما تناله من عرضك. وكان الأصمعي مضيقا في معيشته مستقصيا في مبايعته، فقال العتبي: لو بذلت الجنة للأصمعي بدرهم لما رضي واستنقص شيئا. وقال رجل لخياط: خط لي هذا الثواب وسامحني في الأجرة، فقال: أخيطه لك مجانا، فقال زدني. قال: إذا تخرق رقعته لك. ونحو ذلك أن رجلا كان يستأجر غلاما فقال كم تطلب، فقال: أخدمك بملء بطني، فقال: سامحني، فقال: لا أعرف مسامحة في ذلك إلا أن أصوم لك الإثنين والخميس في الأسابيع لتربح غداءهما.
وكان ابن بالة ببغداد قد اكترى غلاما كوفيا فاستحضره المزين فحلق رأسه فلما فرغ وتنحى، جاء الغلام الكوفي إلى المزين فقعد بين يديه ليحلقه، فخرج ابن باله وقد حلق المزين بعض رأسه فناداه وقال له: هذا من حسابي أو من حسابك يحلق فقام الغلام على حالته محلوق بعض الرأس، وأخذ المنديل وعدا من بين يدي المزيّن، وحلف بالطلاق أنه لا يحلق رأسه حتى يعود إلى الكوفة.
عذر مبتاع مرغوب فيه بفضل ثمن
اشترت سكينة شيئا بفضل ثمن، فقيل: غبنت فقالت: ما غبن من بلغ شهوته، وقيل:
استكرمت فاربط واشدد يديك بغرزة ولا تنظر إلى كثرة ثمنه. قال شاعر:
أشدد يديك به وحز ... هـ فإنه علق مضنّه «١»
الحثّ على استجادة ما تشتريه
قال عمر ﵁: إذا اشتريت بعيرا فاشتره سمينا فإن أخطأك الخبر لم يخطئك
стр. 547
النظر، وقيل: الغبن غبنان غبن الغلاء وغبن الرداءة، فإذا اشتريت فاستجد تربح أحد الغبنين. وقيل لبعضهم: بم كثر مالك؟ فقال: لم أشتر قط غبنا ولا شينا.
مدح متظلف «١» عن المبايعة
وعن التفكر في الطفيف. قال شاعر
يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالسّيوف هم تجار
وقال العباس بن المأمون لغلامه: إن رأيت نقلا حسنا فاشتر بنصف درهم، فقال المأمون: لا تفلح إذا عرفت للدرهم نصفا. وطلب الحسن ﵁ ثوبا، فقيل:
بثلاثة عشر ونصف، فقال: خذ أربعة عشر فالمسلم لا يشاطر أخاه الدرهم.
المتغالي ببيع شيء
ساوم مديني نعلا، فقال صاحبها: بعشرة، فقال المديني: لو كانت من جلد بقرة بني إسرائيل ما أخذتها بأكثر من درهم، فقال الحذاء: لو كانت دراهمك من دراهم أصحاب الكهف ما أعطيتكها. باع رجل شيئا مماكسة، فقال البائع لما باعه: لو صبرت لبعت منك بدرهم، فقال المشتري: لو صبرت لاشتريت منك بأضعاف ما اشتريت دنانير. ساوم أشعب رجلا بقوس، فقال: بدينارين، فقال: لو أنها إذا رمى بها الطير في الهواء يسقط مشويا بين رغيفين ما اشتريتها بدينارين. كان رجل ضلّ له بعير فحلف إن وجده ليبيعنه بدرهم فوجده فلم تسمح نفسه أن يبيعه بدرهم، فعمد إلى سنور فعلقه في عنقه وجعل ينادي عليه: الجمل بدرهم والسنور بخمسمائة ولا أبيعهما إلا معا، فقال رجل: ما أرخص الجمل لولا قلادته.
ترك مبيع لغلائه
كان الفضيل ﵁ إذا أرسل غلامه ليشتري له شيئا فرجع إليه، فقال وجدته غاليا، قال: الحمد لله إذا غلا علينا شيء تركناه. وقال بعضهم: إذا غلا عليّ شيء تركته فيكون حينئذ أرخص ما يكون، قال شاعر:
وإذا غلا شيء عليّ تركته ... فيكون أرخص ما يكون إذا غلا
وأنشد جحظة هذا البيت مجيزا له:
إلا الدقيق فإنّه قوت لنا ... فإذا غلا يوما فقد نزل البلا «٢»
واشتهت امرأة مزبد يوما عليه جراد فقالت: اشتر لي فإن مدا منه بدرهم. فقال لو جاء الدجال بزلزلة المدينة وأنت ما خض بالمسيح تنتظرين أن تأكلي الجراد وتضعي الحمل ما اشتريته بهذا السعر.
стр. 548
من باع نفيسا واشترى خسيسا
قال الله تعالى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ
«١» . باع رجل دابة واشترى بها بازيا فقال له أبوه: يا أحمق بعت ما تركبه واشتريت ما يركبك. وباع رجل بستانا واشترى به دابة، فقال له رجل: بعت ما كنت تعلفه السرجين «٢» فيعوضك الشعير بما يأكل ويعوضك السرجين.
وفي المثل: كالمشتري النافقاء باليربوع وما كل مبتاع من رابح، قال ابن معروف القاضي:
يا خاسر الصفقة في سعيه ... وبائعا بالخزف الدرّه «٣»
كان يباع زرياب بدينار فقال أعرابي: لماذا يصلح هذا؟ فقيل إنه يضغب «٤» ضغيب السنور، فقال: اشتر سنورا بنصف درهم يضغب لك أجود من هذا ويصطاد الفأر زيادة.
بيع نفيس للحاجة إليه
دخل أعرابي بفرس يبيعه، فقيل له: صف فرسك، فقال: ما طلبت عليه قط إلا لحقت ولا طلبت عليه إلا سبقت، فقيل له: فلم تبيعه؟ فقال:
وقد تخرج الحاجات يا أمّ مالك ... كرائم من ربّ بهنّ ضنين «٥»
ذمّ البيع والابتياع نسيئة
قيل: إياك أن تتكلم على وجهك في سوقك دون رأس مالك، أو تشتري شيئا بجميع مالك وخير التجارة ما لا يعرف أهلها النسيئة. باع رجل دارا من تركي نسيئة فجاءه يوما متقاضيا فأخذه وصفعه صفعات، فلما انصرف، قيل له: ما استوفيت من ثمن الدار، فقال:
صفعات في قفاي. عرضت جارية على عمر بن عبد العزيز ﵁ فأحب شراءها ولم يكن عنده ثمنها، فقال البائع: أنا أوخرك، إلى العطاء، فقال: لا أريد لذة عاجلة بذلة آجلة. وعرض على رجل شيء ليشتريه، فقال: ما عندي ثمنه، فقال البائع: أنا أؤخرك، فقال: أنا أؤخر نفسي.
بيع مرغوب عنه
قال أبو حكيمة في عبد باعه:
بعنا تعيسا ولم يحزن له أحد ... قد غاب عنّا فغاب الهمّ والنكد
أحسن به خارجا من بين أظهرنا ... لم نفتقده وكلب الدار يفتقد
وباع عبيد الله ضيعة له، فقال:
قيل لي كيف أنتم قلت بعنا ... ضيعة عدة بشيء قليل
стр. 549
فيه أدنى صون وأدنى نوال ... واسترحنا من طول غمّ الوكيل
وله:
ومبتاع بعض الملك منّي يقول لي ... وما باعه إلّا نوائب تعتري
متى صرت مضطرا لبيع ذخائر ... فقلت له مذ صار مثلك يشتري
المغالاة بما لا يقلّ وجوده
عاتب محمد بن عبد الملك الزيات أبا تمام في أنه يمدح غيره من السوقة، فقال:
رأيتك سمح البيع سهلا وإنّما ... يغالي إذا ما ضنّ بالشيء بائعه
فأما إذا هانت بضائع ماله ... فيوشك أن تبقى عليه بضائعه
هو الماء إن أجممته طاب ورده ... ويفسد منه أن تباح شرائعه «١»
وقال ربيب النصراني:
وكلّ شيء غلا أو عزّ مطلبه ... مسترخص ومهان القدر إن رخصا «٢»
أحبّ شيء إلى الإنسان ما منعا
قيل: كل مبذول مملول، وكل ممنوع متبوع.
الوزن والكيل
قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ
«٣» (الآية) وقال ابن عمر ﵄: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: يا معشر المهاجرين لا ينقص قوم المكيال والميزان إلا أخذهم الله بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم. قال عكرمة:
أشهد لكل كيال ووزان بالنار إلا القليل منهم، فقيل له: سبحان الله وكيف؟ قال: لأنه لا يزن كما يتزن ولا يكيل كما يكتال. وقال ﷺ لقوم شكوا إليه سرعة فناء طعامهم: كيلوا ولا تهيلوا، وقال ﷺ لرجل ابتاع منه شيئا: زن وأرجح.
مدح الإقالة في البيع والحثّ عليها
قال ﷺ : من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة.
الشريك في البيع
قال السائب: كان رسول الله ﷺ شريكي، وكان خير شريك لا يشاري ولا يماري.
وقال ﷺ : لا تزال يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خان أحدهما صاحبه رفع البركة عنهما.
стр. 550
الشّفعة في البيع
قال النبي ﷺ : الجار أحق بصفقته. وقال ﷺ : الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها إن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا، وقال ﷺ : من كان له شريك في زرع أو نخل فليس له أن يبيع حتى يأذن شريكه، فإن رضي أخذ وإن كره ترك وقال ﷺ : إذا أرفت الحدود فلا شفعة، يعني ميزت وبيتت، وقال: الشفعة فيما لم يقسم.
الخيار في البيع
قال النبيّ ﷺ : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار. وشكا رجل إلى رسول الله ﷺ أنه يغبن في البيع، فقال ﷺ : إذا ما بعت فقل لا خلابة ثم أنت بالخيار إلى ثلاثة أيام.
وقال ﷺ : من اشترى شاة مصرّاة فهو بالخيار إن شاء أمسك وإن شاء ردها ومعها صاعا من تمر.
ما هو في حكم المستثنى من البيع
قال النبي ﷺ : من باع عبدا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع. ومن باع نخلا مؤبرا فثمرته للبائع إلا أن يشترطه المبتاع.
مدح الدلالين وذمّهم
قال بعضهم: نعم المعين على البيع والإبتياع وعلى الألفة والاجتماع الدلالون، ولو أمكن الاستعانة بهم في الفراش لا نتفع بمكانهم. وقيل: آذى بعض الدلالين الأصمعي في شيء، فقال: شر الناس الدلالون لأن أول من دل إبليس حيث قال لآدم: هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى.
نوادر لأنذال الباعة
جاءت عجوز إلى لحام بالمدينة ومعها درهمان، فقالت: أعطني بهما أطيب لحم وأخبرني باسمك أدعو لك، فأعطاها أخبث لحم، وقال اسمي من يمد، فجعلت العجوز عند الأكل تمد اللحم فلا تقدر على أكله، فجعلت تقول: لعن الله من يمد، فتلعن نفسها وهي لا تعلم. وقال جحظة: رأيت سوقيا ينادي على جدي علقه، يقول: هذا مانع نفسه، فقلت له: ما معنى مانع نفسه؟ فقال: يا سيدي لا يقدر أحد أن يأكل منه لقمتين لسمنه.
قال، ورأيت آخر وهو يقول: زبد في أديم. وقال جراب الدولة: رأيت ثلاثة من الهراسين على بقعة وهم يتكايدون في مدح هرائسهم، فواحد أخرج قطعة هريسة علقها بالمغرفة وهو يقول: إنزل ولك الأمان، وآخر يقول: يا قوم إلحقوني أدركوني أجذبها وتجذبني والغلبة لها، والثالث يقول: أنا لا أدري ممن أكل من هريستي لقمتين أسرج ببوله شهرين.
وقال رجل للحام: ليس لحمك بسمين، فقال: إن فلانا جالسني ووضع راحته على هذا اللحم وانصرف إلى منزله فجعل ما علق بها في قدر واتخذ منها دعوة، وكان بائع رمان
стр. 551
قشّر رمانا وهو يقول: نزع الأمير قميصه وخرج في غلالة.
الكفالة
قال النبي ﷺ : الزعيم غارم. وكلم رجل آخر في أن يؤخر شيئا على غيره، فقال:
إضمن أنت عنه، فقال: أردنا منك سعة المهلة فكفتنا ضيق الضمان. قال الخليل: في الكفالة ست خصال، الندامة والملامة والكفران والخسران والغرامة والقطيعة. وقيل: إن الفرس صورت كل شيء حتى الكفيل ينتف لحيته من الندامة.
الحوالة
قال النبي ﷺ : إذا اتبع أحدكم على ملأ فليتبع، ومن غير هذا الباب احتيج أن يكتب على المعتضد كتاب ليشهد فيه العدول، فكتب في صحة من عقله وجواز أمر له وعليه، فقال جعفر بن محمد بن ثوابة: لا يجب أن يكتب هذا للخليفة، فضرب عليه وكتب: في سلامة من جسمه وأصالة من رأيه.
الإجارة
روي عن فاطمة ﵂ أنها قالت: دخل عليّ يوما وأخذ بيد الحسن والحسين فأخرجهما فجاء النبي ﷺ فقال: أين إبناي، فقلت: أصبحنا وليس في بيتنا شيء نذوقه فدخل عليّ فأخرجهما حتى لا يبكيا، فخرج النبي ﷺ في أثرهما فوجدهم في حائط يهودي وعليّ ينزع كل دلو بتمرة والحسن والحسين يلعبان في سربة لليهودي وبين أيديهم أفضل من تمر، فقال: يا علي، ألا تنقلب يا بني قبل أن يشتد عليهما الحر، فقال: إجلس فإني قد أشبعتهما، فجلس حتى اجتمع له شيء من تمر فجعله في حجره، ثم حمل النبي ﷺ أحدهما وعليّ الآخر.
وروي: ما أكل أحد طعاما خيرا له من أن يأكل من عمل يده. وكان داود ﵇ لا يأكل إلا من كسب يده. ونهى النبي ﷺ أن يستعمل الرجل أجيرا حتى يعلمه أجرته، وقال: من استأجر أجيرا فليعلمه أجرته. وروي في الخبر: بينما نفر يتماشون فأخذهم المطر فأووا إلى غار في جبل فانحطت صخرة على فم الغارة فأطبقت عليهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة، فادعوا الله بها لعلّه يفرجها عنا. فقال أحدهم:
اللهم إنك تعلم أني استأجرت أجيرا بقفيز أرز فلما قضى عمله سخطه فتركه فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرا ورعاء، ثم جاء فقال: اتق الله ولا تظلمني حقّي، فقلت له: انطلق إلى هذه البقر ورعائها فخذها، فقال: أتهزأ بي؟ فقلت: أنا لا أهزأ خذها فأخذها، فإن كنت تعلم أني إنما فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنّا ففرج لهم.
إعطاء أجرة الأجير
قال النبي ﷺ : ث لاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى ثم غدر،
стр. 552
ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى عمله ولم يوفه أجره. وكان أبو بكر ﵁ لما استخلف، قال للناس: إنكم شغلتموني عن تجارتي، فافرضوا لي ففرضوا له كل يوم درهمين. استأجر رجل حمالا ليحمل قفصا فيه قوارير على أن يعلمه ثلاث خصال ينتفع بها، فحمل الحمال القفص فلما بلغ ثلث الطرق، قال: هات الخصلة الأولى فقال: من قال لك أن الجوع خير من الشبع فلا تصدقه، فقال: نعم. فلما بلغ ثلثي الطريق، قال: هات الثانية، فقال له: من قال لك أن المشي خير من الركوب فلا تصدقه.
فقال: نعم، فلما انتهى إلى باب الدار قال هات الثالثة، فقال: من قال لك أنه وجد حمالا أرخص منك فلا تصدقه، فرمى الحمال القفص على الأرض، وقال: من قال لك في هذا القفص قارورة صحيحة فلا تصدقه.
(٣) ومما جاء في الدّين ومتعلّقاته
ذم الدّين والنهي عنه
قيل إن النبي ﷺ بعث إلى رجل من اليهود يستسلفه إلى الميسرة، فقال: ليس لمحمد زرع ولا ضرع فأي ميسرة له، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: كذب عدو الله لو أعطانا لأدينا إليه، ولأن يلبس أحدكم ألوانا شتّى خير له من أن يستدين ما ليس عنده قضاؤه.
وقال معاذ بن جبل: الدّين شين. وقال النبي ﷺ : أعوذ بالله من الكفر والدّين. وقال بعض الحكماء: الدّين رقّك فلا تبذل رقك لمن لا يعرف حقك. وقيل: الدين هدم الدين، وقيل: ما استرق الكريم مالك أفظّ عليه من الدين، وقيل: الدّين غلّ الله في أرضه فإذا أراد أن يذلّ عبدا جعله في عنقه. وسأل فيلسوف رجلا أن يقرضه مالا فرده وذمه.
وقال بعض الناس إلى الفيلسوف إنه جبهك بالرد، فقال: ما زاد على أن حمّر وجهي بالخجل مرة واحدة ولو أقرضنيه لصفّر وجهي مرات كثيرة.
من مات وعليه دين
قال النبي ﷺ : من داين الناس بدين في نفسه وفاؤه ثم مات وليس عنده وفاؤه، تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء. ومن داين الناس بدين ليس في نفسه وفاؤه ثم مات وليس عنده وفاؤه اقتص الله لغريمه منه. وقال النبي ﷺ : نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضي عنه وقال أبو هريرة ﵁: جيء بجنازة يوما فوضعت بين يدي النبي ﷺ ، فقام ليصلّي عليه، فقيل: إن عليه دينا، فقال صلّوا على صاحبكم، فقال أبو قتادة ﵁، على دينه يا رسول الله، ثم خطب فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، من مات وعليه دين أو ضياع فعليّ ومن ترك مالا فلورثته.
стр. 553
مدح الدّين والرخصة فيه
قال النبي ﷺ : من أعياه الرزق فليستدن على الله ورسوله. دخل عتبة بن هشام على خالد بن عبد الله القسري، فقال خالد معرّضا به: إن رجالا يدانون في أموالهم فإذا أفنيت أموالهم أدانوا في أعراضهم، فقال عتبة: أصلح الله الأمير إن رجالا تكون أموالهم أكثر من مروآتهم فلا يدانون، ورجالا مروآتهم أكثر من أموالهم، فإذا نفدت أموالهم أدانوا على سعة ما عند الله، فخجل خالد وقال: إنك منهم فيما علمت. وقيل: تعرف مروءة الرجل بكثرة ديونه. وقيل: الدين من مواسم الأشراف.
قال المقنع الكندي:
يعاتبني في الدّين قومي وإنّما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
وقال أبو شراعة:
والدّين طوق مكارم لا تلتقي ... طرفاه في عنق البخيل الحازم «١»
وذلك من قول عمر لزنباع، حين قال له: ما أقدمك المدينة؟ قال: دين عليّ.
فقال: الدّين ميسم الكرام. وسأل عمرو بن عبيد عن رجل، فقالوا: إنه استتر لدين حصل عليه. فقال: طالما وفد به الكرام.
مدح من أدنت عليه .
وقال سعدان:
ولو كنت مولى قيس عيلان لم تجد ... على الإنسان من الناس درهما
ولكنّني مولى قضاعة كلّها ... فلست أبالي أن أدين وتغرما «٢»
وهذا أجمع شعر جمع فيه بين مديح وهجاء. وقال ابن الرومي:
عليّ دين نبيل أنت قاضيه ... يا من يحملني دينا رجائيه
من قضى دينا بدين
قال شاعر:
إذا ما قضيت الدّين بالدّين لم يكن ... قضاء ولكن كان غرما على غرم
وقال آخر:
أخذت الدين أدفع عن تلادي ... وكان الدين أدفع للتلاد «٣»
وقيل لمحمد بن واسع: فلان قد قضى دينه مما كسبه، فقال: ما كان أكثر دينا قط منه الساعة.
стр. 554
من أعطى دينا على أن يسترجع
قال أبو الأصبع:
أيها المسترفدون ... القرض في برد الشتاء «١»
ليس قرضي لكم الدهر ... بقرض ذي اقتضاء
أنت عندي منه في ... حلّ إلى جن الظّباء «٢»
فاستعن بالواحد الفر ... د وأخلص في الدّعاء
فلعلّ الدهر يأتي ... عن قريب بامتلاء
من تقاضى دينا قديما .
للبحتري:
من أمارات مفلس أن تراه ... موجفا في اقتضاء دين قديم «٣»
وطلب رجل دينا عتيقا، فقال: دعني من هذا، فهذا دين عتيق. فقال: لعن الله من أعتقه.
من أحسن التقاضي
قال النبي ﷺ : خيركم أحسنكم قضاء. وقال ﷺ : خيركم الذي إذا كان عليه دين أحسن القضاء وإذا كان له أحسن الاقتضاء. وقال ﷺ : من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه إلى صاحبه فهو سارق.
قال ابن الرومي:
هو دين وأحسن الأمر فيه ... أن يكون القضاء قبل التّقاضي
الحثّ عليه
قال النبي ﷺ : رحم الله امرأ سهل البيع سهل الشراء سهل التقاضي. وقال ﷺ : من طلب أخاه فليطلبه في عفاف وافيا أو غير واف. وقال ﷺ : كفى بالمرء من الشحّ أن يقول آخذ حقي لا أترك منه شيئا، قال:
إنّي وجدتك من قوم إذا طلبوا ... بعد النسيئة دينا أحسنوا الطّلبا «٤»
وقال آخر:
وحسبك من تقاض المرء يوما ... لحاجته الزيارة والحديث
الرخصة في التقاضي
استسلف النبي ﷺ من رجل تمرا فلما جاء يتقاضاه قيل له في ذلك، فقال رسول الله ﷺ :
стр. 555
دعه فإن لصاحب الحق مقالا، انطلق إلى خولة بنت حكيم فالتمسوا عندها تمرا، فقالت: والله ما عندي إلا تمر ذخيرة. فقال: خذوه فاقضوه، فلما استوف ى قال له: استوفيت، قال: نعم قد أوفيت وأطيبت. فقال ﷺ : إن خيار هذه الأمة الموفون المطيبون.
ذمّ ماطل دينا
قال النبيّ ﷺ : مطل الغني ظلم، وقال ﷺ : الواجد يحل عرضه وعقوبته، فقيل:
عقوبته حبسه وعرضه شكواه. قال:
فما بال ديني إذا يحلّ عليكم ... أرى النّاس يقضون الديون ولا أقضي
يقال: حل الدين يحل وجب محله وحل يحل حصل. وكتب رجل إلى غريم له:
أماطلك العصرين حتّى تملّني ... وترضى بنصف الدّين والأنف راغم «١»
فأجابه:
ستعطي برغم منك في السجن نادما ... وتشقى بطول الحبس والحقّ لازم
وقيل: الأكل سلجان «٢» والقضاء ليان. وقيل: الأكل سر يطي والقضاء ضريطي.
مرّ بائع زيتون بامرأة فطلبت منه نسيئة، فقال: ذوقي لتعرفي جودته. فقالت: أنا صائمة قضاء عن رمضان العام الماضي، فقال: يا فاعلة أنت تمطلين ربّك هذا المطل وتطلبين منّي الزيتون بنسيئة متى تقضي؟
قال: ومما يتمثّل به في هذا الموضع، قول كثيّر.
قضى كلّ ذي دين فوفى غريمه ... وعزّة ممطول معنّى غريمها «٣»
وقال آخر:
من النّاس إنسانان ديني عليهما ... مليان لو شاء القضا قضياني «٤»
خليلي أما أمّ عمرو فمنهما ... وأما عن الأخرى فلا تسلاني
إلى الله أشكو ما ألاقي وأشتكي ... غريما لو أن الدين منذ زمان
الحثّ على إنظار المعسر
قال الله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
«٥» . وروي عن النبي ﷺ :
أن رجلا فيما مضى لم يعمل خيرا قط، وكان يداين الناس فيقول لرسوله: خذ ما تيسر ودع
стр. 556
ما تعسر وتجاوز لعل الله يتجاوز عنا، فلما هلك، قال الله تعالى له. هل عملت خيرا قط قال: لا، إلا أنه كان لي غلام أقول له خذ ما تيسر ودع ما تعسر لعل الله يتجاوز عنا، فقال الله تعالى لقد تجاوزت عنك. وقال ﷺ : من أنظر معسرا ووضع عنه أظلّه الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلا ظلّه. وقال ﷺ : من يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة.
لزم رجل غريما له وهو يقرأ عليه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
«١» ، والغريم يقرأ: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
«٢» . وسئل ابن الزيات في رجل له عليه دين أن يصالحه على بعض وينظره به، فقال: إما توفير وتأجيل وإما صلح وتعجيل.
المتبجّح بمطل الدين والنّاوي الذهاب به
قال بعضهم:
أماطله العصّرين حتّى يملّني ... ويرضى بنصف الدّين والأنف راغم
وقال عبّاس السليطي:
إني وجدّك ما أقضي الغريم وإن ... حان القضاء ولا رقّت له كبدي
إلّا عصا رزنت طالّت برايتها ... تنوء ضربتها بالكفّ والعضد «٣»
وقال، وقد نظر إلى غريم له يحسب ربحه:
يلوي بنان الكفّ يحسب ربحه ... ولا يحسب المطل الذي أنا ماطله
ومن دون ما يرجو عناء مبرح ... أواخره ما تنقضي وأوائله «٤»
وذهب رجل إلى صديق له، فقال: أقرضني مائة درهم لأشتري بها شيئا عسى أربح فيه عشرين درهما، فقال: إني أعطيك عشرين درهما وأتخلص. فقال: لا أريد إلا المائة، فقال: حديث من لا يريد أن يرد الدين.
العارية
قال النبي ﷺ : العارية مؤداة. قال بشر: أحق الخيل بالركض المعار. وجلس بعض أصحاب الحديث فقال واحد لآخر: تفضل وأعرني قلما فأعطاه، فقال: وأولني ورقا فدفعه إليه، فقال: ومحبرة فأعطاه، وقال: يا فتى أتنشط للتزوج فإن أمي فارغة. وفي ذم من لا يعير، قال الله تعالى: وَيَمْنَعُونَ الْماعُونَ.
الإفلاس
قال رسول الله ﷺ : أيما رجل أفلس وعنده مال امرىء بعينه لم يقبض منه شيئا فهو
стр. 557
أحق بعين ماله، فإن قبض منه شيئا فهو أسوة الغرماء. وقال الحجّاج: لا تجعلوا مالي عند من لا يمكنني استرجاعه منه، فقيل: ومن الذي لا يمكنك استرجاعه منه، قال: المفلس.
وقيل لمفلس: يا مرابي، فقال: فأل حسن. وفي المثل: أفلس من طنبور بلا وتر.
وقيل لمفلس: هل في كفّك مال، فقال: هو أفرغ من فؤاد أم موسى. وفلس القاضي رجلا فأركبه حمارا وطوّف به ونودي عليه أن لا يبايع فإنه مفلس، فلما أنزل، قال له صاحب الحمار: هات الكراء، فقال له: فيم كنا من أول النهار يا أبله.
الحثّ على أخذ الرّهن
قال الله تعالى: فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ
«١» . وقيل: إن الله تعالى لا يسمع دعاء من له على غيره حق، ولا رهن لديه ولا قبالة له عليه، فيقول: قد أمرتك بالاستيثاق فخالفت. ورهن ﷺ درعه بثلاثين صاعا من شعير كان أخذها رزقا لأهله.
حكم غلق الرهن وتلفه
روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : لا يغلق الرهن الرهن، من راهنه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه. وروي: الرهن بما فيه وروي عنه ﷺ : الرهن مركوب ومحلوب. وقال بعض الشعراء في السخف:
أمسى غلامك رهنا لا انفكاك له ... والرهن في الحكم مركوب ومحلوب
فالدرّ منه حرام ما نطيف به ... والظهر منه على الأحوال مركوب «٢»
الراهن آلات داره لفقره
قال زياد الأعجم يشكو فقرا:
لقد لجّ هذا الدهر في نكباته ... عليّ إلى أن ليس في الكيس درهم
وأمست جواليقي برغم طبيعتي ... رهانا عليّ ما في الجواليق يعلم «٣»
وأخذ ذلك أبو زرعة الكناني، فقال:
وسفرتي في السّوق مرهونة ... على الذي يؤكل في السّفرة «٤»
الرهون الظريفة من السخفاء
قيل: تقدم رجل إلى بقال يسأله فامتنع فدنا منه فسارّه فدفع إليه، فقيل له: ما قال لك؟
قال: رهنني طلاق امرأته وذلك أنه حلف بالطلاق أنه يرده غدا. فقال: ما رأيت رهينا مثله قط.
стр. 558
وتقدم فتيان إلى فقاعي «١» فشربوا فقاعا، وقالوا: ما معنا شيء فخذ من كل واحد منا صفعة رهنا، فصفع كل واحد صفعة، فجاؤوه في اليوم الثاني فقالوا خذ حقك ورد الرهن، فقال:
حلال لكم، فأبوا إلّا رد الرهن وأخذ الحق فأعطوه حقه وصفعه كل واحد صفعة.
(٤) ومما جاء في الأيمان
النهي عن الأيمان وذمّ من يكثرها
قال الله تعالى: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا
«٢» وقال الله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ
«٣» قال سعيد بن جبير: هو أن يقول الرجل فيما شكّ على يمين وقال النبي ﷺ : اليمين الغموس تدع الديار بلاقع. وقال: اليمين حنث أو مندمة، وأخذه بعض الشعراء فقال:
يا أيّها المولي على جهد القسم ... بعض التأنّي لا تسفّه أو تلم «٤»
وقال النبيّ ﷺ : الأيمان الكاذبة منفقة للسلعة ممحقة للكسب. وقال أمير المؤمنين ﵁: الحلف ينفق السلعة ويمحق البركة، والتاجر فاجر إلا من أخذ الحق وأعطاه. قيل: العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها مثلا، والفاجر إذا تكلم أتبع كلامه حلفا.
قيل: فلان لو سكن الفالج في لسانه لما نقص حرفا من أيمانه.
النهي عن الحلف بغير الله
قال النبي ﷺ : من كان حالفا فليحلف بالله. وكانت قريش تحلف بآبائهم، فقال ﷺ : لا تحلفوا بآبائكم.
الرخصة في لغو اليمين
قال الله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ
«٥» وقيل: لغو اليمين أن يقول كان كذا والله ولا والله ونحو ذلك، وروي أن رجلا قال للحسن، وعنده الفرزدق، ما تقول فيمن يقول بلى والله ونعم والله، فقال الفرزدق: أما سمعت قولي في ذلك. فقال الحسن ما قلت، فقال:
فلست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمّد عاقدات العزائم «٦»
стр. 559
فقال الحسن: أصبت. ثم قيل له: ما تقول في امرأة لها حليل؟ فقال الفرزدق: ألم تسمع قولي:
وذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلالا لمن يبني بها لم تطلّق «١»
فقال الحسن: أصبت. فقال الفرزدق: كنت أراني أشعر منك، فإذا أنا أفقه منك أيضا.
وصف الكاذب بكثرة الحلف
قيل: علامة الكاذب جوده بيمينه لغير مستحلف، ومنه أخذ المتنبّي:
وفي اليمين على ما أنت واعذه ... ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم «٢»
وقال المنصور لعمر بن عبيد: بلغني أن كتاب محمد بن عبد الله الدارمي ورد عليك، فقال: قد ورد له كتاب وما قرأته وأنت تعلم رأيي في الخوارج، فقال له: طيّب نفسي بخلعة، فقال: لا تسمني فإني إن كذبتك تقية لأحلفن تقية.
القليل المبالاة بالحلف
قال النبي ﷺ : ومن لم يحلف على ماله فلا مال له وادّعى رجل على المأمون مالا فاستحضر قاضيه يحيى بن أكثم فاستحلفه فحلف، ثم أمر للمدعي بما ادعى عليه، فقيل له في ذلك، فقال: حلفت له لئلا يجعل إتقاي ذريعة إلى أن يدعو عليّ، وبذلت المال لئلا يظن أحد أني حلفت لمبالاتي بهذا المال.
وادّعى رجل على عمر ما لم يلزمه فحلف له واستحلف أبيّ بن كعب عمر بن الخطاب ﵁ فحلف كراهة أن يجعل الناس ترك الإيمان مع معرفتهم بالبراءة سنة، فدخل ذلك في شدة الورع.
واستحلف عمرو ابن عبيد على درهم ادعاه عليه بعض من أراد عنته، فقال حفص بن سالم: نعطيه نحن ونعفيك منه ونرفع قدرك عن مطالبة مثله، فقال: ما أكره أن أحلف على حق وما كنت لأعينه على معصية. وادعى رجل على عثمان ﵁ مالا واستحلفه فأبى واتقاه بدعواه، فقيل له: هلّا حلفت إذ كان مبطلا، فقال: خشيت أن يوافق حلفي قضاء، فيقال إن ذلك أصابه لجراءته على الحلف.
قال المتنبّي:
وفاعل ما أشتهي يغنيه عن حلف ... على الفعال حضور الفعل والكرم «٣»
стр. 560
من لم يتحاش من اليمين ولم يبال له
حلف مديني على حقّ كان قبله، فقيل له في ذلك، فقال: بالله أدفع ما لا أطيق، وأخذ ذلك ابن الرومي فقال:
وإنّي لذو حلف كاذب ... إذا ما اضطررت وفي المال ضيق
وهل من جناح على معسر ... يدافع بالله ما لا يطيق
ويقال في المثل: جذها جذ العير الصليانة إذا أسرع في اليمين، كأنه اقتلعها اقتلاع العير هذا النبت. جاءت امرأة بزوجها إلى ابن شبرمة فحلف لها، فلما ولي أنشد:
ألم تعلمي أني جموح عنانه ... وأنّي لا أعدي عليّ أمير «١»
محوت الذي في الصكّ عنّي بحلفة ... سيغفرها الرحمن وهو غفور
فسمعها الحاكم فردّه، فعلم الأعرابي أنه أخطأ، فقال: أيها الحاكم أنت أفضل من أن ترجع في قضيتك، فقال: صدقت ولكنني أقضي عنك، وقضى عنه. قال البحتري:
سألوني اليمين فارتعت منها ... ليغروا بذلك الارتياع «٢»
ثم أرسلتها كمنحدر السّيل ... تهاوى من المكان اليفاع «٣»
وكان الشمّاخ عليه دين فقعد به، فقيل له: إنك تحضر القاضي وتحلف فتروع لذلك، فقال: حاش الله أن أحلف، ولو سيم مني باطل فكيف وعليّ حق لازم، فاغتر خصمه فأحضره وحلفه فحلف وخرج من عند الحاكم، فقال:
وجاءت سليم قضّها بقضيضها ... تنفض حولي بالبقيع سبالها
يقولون لي إحلف قلت لست بحالف ... أخادعهم عنها لكيما أنالها
ففرّجت همّ النفس عنّي بحلفة ... كما قدّت الشقراء يوما جلالها «٤»
وقال أعرابي:
إذا حلّفوني بالغموس منحتهم ... يمينا كسحق الألحمي المحرق «٥»
وإن حلّفوني بالعتاق فقد درى ... سحيم غلامي أنني غير معتق «٦»
قال ابن المعتز بودي لو أن لي بيت الخثعمي بألف بيت:
وآلت يمينا كالزجاج رقيقة ... وما حلفت إلا لتحنث من أجلي
стр. 561
الحثّ على الحنث وكفّارة اليمين
قال النبي ﷺ : إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا له منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وقال أبو العيناء: أتي بابن أبي خالد الذي كان بالسند بين يدي المتوكل، فقال: والله لأضربنه بالسياط، والله لا يشفع فيه أحد إلا ضربت ظهره وبطنه.
وكان ابن أبي دؤاد حاضرا فتركه حتى ضربه عشرين سوطا، ثم قال يا أمير المؤمنين في هذا أدب وإن تجاوزت فسرف. فقال له: أما سمعت يميني، فقال: بلى ولكن ما كان أمير المؤمنين ليؤثر غيظه على ما قال نبيه وابن عمه صلوات الله عليه وعلى آله، قال: من حلف على شيء فرأى خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، وكفارة أمير المؤمنين مع العفو أقرب إلى الله وأفضل، فعفا عنه وكفّر عن يمينه.
سأل بعض الناس بعض الخلفاء حاجة، فقال: حلفت أن لا أفعل. فقال يا أمير المؤمنين: إن لم تكن حلفت بيمين إلا بررتها فما أحب أن أكون أوّل من يؤثمك وإن كنت ربما حلفت فرأيت ما هو خير منها فكفرتها، فلست أحب أن أكون أهون إخوانك عليك، فقال سحرتني وقضى حاجته.
الإستثناء في اليمين
قال بعضهم لرجل يحلف: قل إن شاء الله فإنه يدفع الخبث ويذهب الحنث وينجز الحاجة ويدرأ اللجاجة. كانت العرب تسمي الاستثناء في اليمين التحليل والمثنوية على ذلك، قال الشاعر:
تحلّل أبيت اللعن في قول آثم
وقال:
وإذا حلفت مماريا فتحلّل «١»
وقال تعالى: تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
«٢» .
وقال النابغة:
حلفت يمينا غير ذي مثنويّة «٣»
وكان عبد الله بن عباس ﵄ يقول: إن الاستثناء بعد تراخي الأزمان يصح وكان المنصور دعا أبا حنيفة يوما، فقال الربيع وكان يعاديه هذا: أبو حنيفة يخالف جدك حيث يقول إذا استثنى الرجل في يمين بعد يوم جاز استثناؤه، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين هذا الربيع يزعم أنه ليس لك بيعة في رقبة جندك، قال: كيف؟ قال:
يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور، وقال:
يا ربيع إياك وأبا حنيفة، فلما خرجا قال الربيع: كدت تشيط بدمي، فقال أبو حنيفة: أنت أردت أن تشيط بدمي فحصنت نفسي وإياك.
стр. 562
المعاريض «١» في الأيمان
قيل: في المعاريض مندوحة على الكذب. وقال عمر ﵁: إن في المعاريض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب. وقال أبو الحسن اللؤلؤي: واللاه لا أفعل كذا، ويعني فاعل اللهو، ومالي صدقة يعني ليس لي صدقة. وفي كتاب المنقذ للمفجع الشاعر ما فيه مقنع من معاريض الأيمان.
الإيمان بالله
من حلف أمير المؤمنين ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا والذي أمن من آمن به، وبالله جهد المقسم، وبالله الذي لا شيء أعظم منه وكل يمين بعد دونه، وأنا أعلم علم اليقين واحلف إن دعيت إلى اليمين الصابي، والله العظيم مالك يوم الدين وأنا غني عن اليمين، إني أعلم ذلك علم اليقين، بالله يمينا حلوة مرة. ومن أقسام النبي ﷺ : لا ومقلب القلوب، لا والذي نفسي بيده، قال شاعر:
وأقسمت بالرحمن لا شيء غيره ... يمين امرىء برّ ولا أتحلّل «٢»
قال أبو بكر الصولي: لا أعرف في الأيمان شعرا أعذب من قول البحتري:
حلفت بربّ زمزم والمصلّى ... وربّ الحجر والحجر اليماني
وبالسّبع الطّوال ومن تولّى ... تلاوتهنّ والسبع المثاني «٣»
اليمين بالبيت والهدى
تقول العرب: وحقّ هذه البنية.
قال عويف بن الأحوص:
وإنّي والذي حجّت قريش ... محارمه وما جمعت حراء
وشهر بني أميّة والهدايا ... إذا حبست تضرّجها الدماء «٤»
وقال الفرزدق:
حلفت بما إليه يؤم ناس ... من الآفاق من يمن ومصر
اليمين بالطّلاق
أول من استحلف بالطلاق ابن مسلمة، وكان واليا على كرمان، استحلف جنده بالطلاق، فقال بعضهم:
رأيت هذيلا أحدثت في طلاقهم ... طلاق نساء لم يسوقوا لها مهرا «٥»
стр. 563
وقيل: أول من استحلف بالطلاق العبّاس بن عبد المطلب استحلف الأنصار ليلة العقبة حين أخذ عليهم البيعة لرسول الله ﷺ .
طلق رجل امرأته عدد نجوم السماء فجاء إلى ابن عباس واستفتاه، فقال: يكفيك من ذلك الهقعة «١» ، وهي رأس الجوزاء ثلاثة أنجم. قيل لمزيد المديني: لم تكثر الحلف بالطلاق؟ فقال لأني لما تزوجت امرأتي حلفت بالطلاق إني أحلف بالطلاق في كل حقّ وباطل كل يوم، فيميني بالطلاق إمساك لها وإلا بانت «٢» . حلف رجل بالطلاق فقدمته امرأته إلى القاضي فسأله عن اليمين فأخبره فجعل القاضي يتفكر، فقال له الرجل: فيم تتفكر؟ قال:
أطلب لك مخرجا من اليمين قال قد هون الله عليك: أشهدك أنها طالق سبعين. قال الأصمعي: كان على بعض الأعراب دين ثقيل فتعلق به غرماؤه وكان معدما فساموه أن يحلف لهم بالطلاق أن لا يهرب فحلف لهم بطلاق امرأتين كانتا له ثم هرب، وأنشأ يقول:
لو يعلم الغرماء ما مقتي لهم ... ما حلّفوني بالطّلاق العاجل
قد ملّتا ومللت من وجهيهما ... عجفاء مرضعة وأخرى حامل «٣»
وقال ابن الرومي:
إذا ما حلف النغل ... ففي أيمانه رخصه «٤»
وقال منصور بن باذان:
يا ذا الذي جعل الطلا ... ق سلاحه عند الحقيقه
لا تحلفنّ بطلاق من ... أمست حوافره رقيقه
هيهات قد علم الأنا ... م بأنّها صارت صديقه
الأيمان بأهل البيت
كان حمّاد بن موسى يترفض، وكان له صديق يثق إليه ويوافقه في مذهبه فأودعه حمّاد دراهم وطالبه بها بعد مدة، فجحده فاضطر إلى أن مضى لمحمد بن سليمان وسأله أن يحضره، ويحلف له بحق عليّ بن أبي طالب فإنه يتحرج من ذلك، فقال: أعز الله الأمير، هذا الرجل أجل عندي من أن أحلف له بالبراءة من مختلف في ولايته وإيمانه، ولكني أحلف له بالمتفق على إيمانهما وخلافتهما أبي بكر وعمر فضحك محمد بن سليمان، والتزم بعض ما ادّعى عليه وصالحه على بعض.
اعترضت امرأة المأمون، وكان قد غصبها ضيعة، فقالت:
ألا أيّها الملك المرتجى ... لريب المنون وصرف الزّمن «٥»
стр. 564
بحقّ النبيّ وحقّ الوصيّ ... وحقّ الحسين وحقّ الحسن
وحقّ التي غصبت حقّها ... ووالدها بعد ذا ما اندفن «١»
شفعت إليك بأهل الكساء ... فإن لم تشفع شفيعي فمن «٢»
وكان أهل الكوفة إذا حلفوا يقولون: وحق الثلاثة يعنون النبي وأبا بكر وعمر، فرفع رجل إلى الحسن بن زيد وهو أمير المدينة في ذنب فأمر أن يضرب فقال له: بحق الثلاثة عليك إلا ما عفوت عني، فقال: وحق أحد الثلاثة عليّ وحقي على الإثنين ألا أوجعتك، فبلغ قوله المنصور، فقال: قاتله الله فما أمر نفسه.
أيمان الأعراب
اختصم أعرابيان في حق فأقبلا إلى وال فوجبت اليمين على أحدهما، فقال المدّعي:
كله إليّ أيها الحاكم أحلفه، فقال له: أنت وذاك فدوّر له دائرة في الأرض، وقال: إجلس فيها فجلس، فقال له: جعل الله نومك نغصا وأكلك غصصا ومشيك رقصا ومسحك برصا وقطعك حصصا فأدخلك قفصا وأدخل في إستك هذا العصا، فأبى أن يحلف واتقاه بحقّه.
واستحلف أعرابي خصما فقال: قل لا أصحبني الله عصمة ولا سدّ عنّي خلة وأحضرني كل نقمة وأثكلني كل نعمة وصرّد لي المشرب وسلبني الأقرب فالأقرب، إن كان ما ادعيت حقا، فاتقاه بحقّه.
اختصم أعرابيان إلى أمير اليمامة فقال أحدهما: إن لي قبل صاحبي حقا فمره يخرج منه فأنكر، فقال الوالي: أحالف أنت؟ قال: نعم، فقال خصمه: دعني من يمينك حتى أحلفه، فقال: قل لا ترك الله لي خفا يتبع خفا ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتني «٣» من أهلي ومالي حتّ الورق، وخلعني من أهلي ومالي خلع الخضاب، وأحوجني إلى شرّ خلق الله إن كان لهذا قبلي حق. فقال: لا أحلف واتقاه بما ادّعى عليه.
وحلف أعرابي آخر، فقال: قل لا استتبت الله من خطيئة ولا استنجدته لبليّة ولا وفيت له بعهد ولا استجزته أوان جهد، فأتقاه بحقّه. وقال أعرابي لآخر في حق: أتحلف، فقال نعم، فقال: قل ألزمني الله الزلل ولا سدّ عني الخلل، وألبسني القل والملل، وألصق بي الغمّ والعلل، وقطع عني سببه وأصحبني غضبه وأحضرني نقمه وأعدمني نعمه، وكدر لي المشرب وأفقدني الأقرب فالأقرب، إن كان لك عندي حق فاتّقاه ولم يحلف.
أيمان الأسخياء وذوي العلاء
كان من يمين يحيى بن خالد: لا وعزّة الوفاء وحرمة السخاء. قال الأشتر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
стр. 565
وقال أبو علي البصير:
أكذبت أحسن ما يظنّ مؤمّلي ... وهدمت ما شادته لي أسلافي
وعدمت عاداتي التي عوّدتها ... قدما من الإخلاف والإتلاف
وغضضت من ناري ليخفى ضوؤها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافي «١»
إن لم أصب على عليّ حلّة ... أضحت قذى في أعين الأشراف
وقال أبو مسلم الرستمي:
إذا فلا رفعت كاسا بنان يدي ... ولا سعت بي لتطلاب العلى قدمي
وأثكلتني القوافي رقّتي وغدت ... في نسجها كلمى غفلا بلا علم «٢»
وقال الأستاذ الرئيس:
عققت العلى إن كنت خنتك بالقلا ... وعفت النّدى إن لم أكن ذا جوى يذوي «٣»
وقال التنوخي:
إذا فرأيت العرف في صورة النكر
وقال آخر:
إذا فلا بلغت نفسي أمانيها
وقال آخر:
إذا فثكلت سابغتي وسيفي ... غداة وغى وراحلتي وزادي «٤»
وقال الموسوي:
وإلا فلا أمّني النازلون ... ولا جاءني الطارق المجتدي «٥»
أيمان الشّرب ومتعاطي اللهو
قال وهب الهمذاني:
لا والذي سنّ للمدامة ولا ... ماء نكاحا بغير طلاق
وقال المخزومي:
لا والذي قسّم الصهباء من ذهب ... والماء من فضّة ما ساد من بخلا
وقال علي الأحول:
كفرت إذا بحقوق الصّديق ... وعربدت في الشّرب عند المدام «٦»
следующие страницы →