Полный текст (1 556 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
الحثّ على الحنث وكفّارة اليمين
قال النبي ﷺ : إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا له منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه. وقال أبو العيناء: أتي بابن أبي خالد الذي كان بالسند بين يدي المتوكل، فقال: والله لأضربنه بالسياط، والله لا يشفع فيه أحد إلا ضربت ظهره وبطنه.
وكان ابن أبي دؤاد حاضرا فتركه حتى ضربه عشرين سوطا، ثم قال يا أمير المؤمنين في هذا أدب وإن تجاوزت فسرف. فقال له: أما سمعت يميني، فقال: بلى ولكن ما كان أمير المؤمنين ليؤثر غيظه على ما قال نبيه وابن عمه صلوات الله عليه وعلى آله، قال: من حلف على شيء فرأى خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه، وكفارة أمير المؤمنين مع العفو أقرب إلى الله وأفضل، فعفا عنه وكفّر عن يمينه.
سأل بعض الناس بعض الخلفاء حاجة، فقال: حلفت أن لا أفعل. فقال يا أمير المؤمنين: إن لم تكن حلفت بيمين إلا بررتها فما أحب أن أكون أوّل من يؤثمك وإن كنت ربما حلفت فرأيت ما هو خير منها فكفرتها، فلست أحب أن أكون أهون إخوانك عليك، فقال سحرتني وقضى حاجته.
الإستثناء في اليمين
قال بعضهم لرجل يحلف: قل إن شاء الله فإنه يدفع الخبث ويذهب الحنث وينجز الحاجة ويدرأ اللجاجة. كانت العرب تسمي الاستثناء في اليمين التحليل والمثنوية على ذلك، قال الشاعر:
تحلّل أبيت اللعن في قول آثم
وقال:
وإذا حلفت مماريا فتحلّل «١»
وقال تعالى: تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ
«٢» .
وقال النابغة:
حلفت يمينا غير ذي مثنويّة «٣»
وكان عبد الله بن عباس ﵄ يقول: إن الاستثناء بعد تراخي الأزمان يصح وكان المنصور دعا أبا حنيفة يوما، فقال الربيع وكان يعاديه هذا: أبو حنيفة يخالف جدك حيث يقول إذا استثنى الرجل في يمين بعد يوم جاز استثناؤه، فقال أبو حنيفة: يا أمير المؤمنين هذا الربيع يزعم أنه ليس لك بيعة في رقبة جندك، قال: كيف؟ قال:
يحلفون لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون، فتبطل أيمانهم، فضحك المنصور، وقال:
يا ربيع إياك وأبا حنيفة، فلما خرجا قال الربيع: كدت تشيط بدمي، فقال أبو حنيفة: أنت أردت أن تشيط بدمي فحصنت نفسي وإياك.
стр. 562
المعاريض «١» في الأيمان
قيل: في المعاريض مندوحة على الكذب. وقال عمر ﵁: إن في المعاريض ما يكفي أن يعف الرجل عن الكذب. وقال أبو الحسن اللؤلؤي: واللاه لا أفعل كذا، ويعني فاعل اللهو، ومالي صدقة يعني ليس لي صدقة. وفي كتاب المنقذ للمفجع الشاعر ما فيه مقنع من معاريض الأيمان.
الإيمان بالله
من حلف أمير المؤمنين ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، لا والذي أمن من آمن به، وبالله جهد المقسم، وبالله الذي لا شيء أعظم منه وكل يمين بعد دونه، وأنا أعلم علم اليقين واحلف إن دعيت إلى اليمين الصابي، والله العظيم مالك يوم الدين وأنا غني عن اليمين، إني أعلم ذلك علم اليقين، بالله يمينا حلوة مرة. ومن أقسام النبي ﷺ : لا ومقلب القلوب، لا والذي نفسي بيده، قال شاعر:
وأقسمت بالرحمن لا شيء غيره ... يمين امرىء برّ ولا أتحلّل «٢»
قال أبو بكر الصولي: لا أعرف في الأيمان شعرا أعذب من قول البحتري:
حلفت بربّ زمزم والمصلّى ... وربّ الحجر والحجر اليماني
وبالسّبع الطّوال ومن تولّى ... تلاوتهنّ والسبع المثاني «٣»
اليمين بالبيت والهدى
تقول العرب: وحقّ هذه البنية.
قال عويف بن الأحوص:
وإنّي والذي حجّت قريش ... محارمه وما جمعت حراء
وشهر بني أميّة والهدايا ... إذا حبست تضرّجها الدماء «٤»
وقال الفرزدق:
حلفت بما إليه يؤم ناس ... من الآفاق من يمن ومصر
اليمين بالطّلاق
أول من استحلف بالطلاق ابن مسلمة، وكان واليا على كرمان، استحلف جنده بالطلاق، فقال بعضهم:
رأيت هذيلا أحدثت في طلاقهم ... طلاق نساء لم يسوقوا لها مهرا «٥»
стр. 563
وقيل: أول من استحلف بالطلاق العبّاس بن عبد المطلب استحلف الأنصار ليلة العقبة حين أخذ عليهم البيعة لرسول الله ﷺ .
طلق رجل امرأته عدد نجوم السماء فجاء إلى ابن عباس واستفتاه، فقال: يكفيك من ذلك الهقعة «١» ، وهي رأس الجوزاء ثلاثة أنجم. قيل لمزيد المديني: لم تكثر الحلف بالطلاق؟ فقال لأني لما تزوجت امرأتي حلفت بالطلاق إني أحلف بالطلاق في كل حقّ وباطل كل يوم، فيميني بالطلاق إمساك لها وإلا بانت «٢» . حلف رجل بالطلاق فقدمته امرأته إلى القاضي فسأله عن اليمين فأخبره فجعل القاضي يتفكر، فقال له الرجل: فيم تتفكر؟ قال:
أطلب لك مخرجا من اليمين قال قد هون الله عليك: أشهدك أنها طالق سبعين. قال الأصمعي: كان على بعض الأعراب دين ثقيل فتعلق به غرماؤه وكان معدما فساموه أن يحلف لهم بالطلاق أن لا يهرب فحلف لهم بطلاق امرأتين كانتا له ثم هرب، وأنشأ يقول:
لو يعلم الغرماء ما مقتي لهم ... ما حلّفوني بالطّلاق العاجل
قد ملّتا ومللت من وجهيهما ... عجفاء مرضعة وأخرى حامل «٣»
وقال ابن الرومي:
إذا ما حلف النغل ... ففي أيمانه رخصه «٤»
وقال منصور بن باذان:
يا ذا الذي جعل الطلا ... ق سلاحه عند الحقيقه
لا تحلفنّ بطلاق من ... أمست حوافره رقيقه
هيهات قد علم الأنا ... م بأنّها صارت صديقه
الأيمان بأهل البيت
كان حمّاد بن موسى يترفض، وكان له صديق يثق إليه ويوافقه في مذهبه فأودعه حمّاد دراهم وطالبه بها بعد مدة، فجحده فاضطر إلى أن مضى لمحمد بن سليمان وسأله أن يحضره، ويحلف له بحق عليّ بن أبي طالب فإنه يتحرج من ذلك، فقال: أعز الله الأمير، هذا الرجل أجل عندي من أن أحلف له بالبراءة من مختلف في ولايته وإيمانه، ولكني أحلف له بالمتفق على إيمانهما وخلافتهما أبي بكر وعمر فضحك محمد بن سليمان، والتزم بعض ما ادّعى عليه وصالحه على بعض.
اعترضت امرأة المأمون، وكان قد غصبها ضيعة، فقالت:
ألا أيّها الملك المرتجى ... لريب المنون وصرف الزّمن «٥»
стр. 564
بحقّ النبيّ وحقّ الوصيّ ... وحقّ الحسين وحقّ الحسن
وحقّ التي غصبت حقّها ... ووالدها بعد ذا ما اندفن «١»
شفعت إليك بأهل الكساء ... فإن لم تشفع شفيعي فمن «٢»
وكان أهل الكوفة إذا حلفوا يقولون: وحق الثلاثة يعنون النبي وأبا بكر وعمر، فرفع رجل إلى الحسن بن زيد وهو أمير المدينة في ذنب فأمر أن يضرب فقال له: بحق الثلاثة عليك إلا ما عفوت عني، فقال: وحق أحد الثلاثة عليّ وحقي على الإثنين ألا أوجعتك، فبلغ قوله المنصور، فقال: قاتله الله فما أمر نفسه.
أيمان الأعراب
اختصم أعرابيان في حق فأقبلا إلى وال فوجبت اليمين على أحدهما، فقال المدّعي:
كله إليّ أيها الحاكم أحلفه، فقال له: أنت وذاك فدوّر له دائرة في الأرض، وقال: إجلس فيها فجلس، فقال له: جعل الله نومك نغصا وأكلك غصصا ومشيك رقصا ومسحك برصا وقطعك حصصا فأدخلك قفصا وأدخل في إستك هذا العصا، فأبى أن يحلف واتقاه بحقّه.
واستحلف أعرابي خصما فقال: قل لا أصحبني الله عصمة ولا سدّ عنّي خلة وأحضرني كل نقمة وأثكلني كل نعمة وصرّد لي المشرب وسلبني الأقرب فالأقرب، إن كان ما ادعيت حقا، فاتقاه بحقّه.
اختصم أعرابيان إلى أمير اليمامة فقال أحدهما: إن لي قبل صاحبي حقا فمره يخرج منه فأنكر، فقال الوالي: أحالف أنت؟ قال: نعم، فقال خصمه: دعني من يمينك حتى أحلفه، فقال: قل لا ترك الله لي خفا يتبع خفا ولا ظلفا يتبع ظلفا، وحتني «٣» من أهلي ومالي حتّ الورق، وخلعني من أهلي ومالي خلع الخضاب، وأحوجني إلى شرّ خلق الله إن كان لهذا قبلي حق. فقال: لا أحلف واتقاه بما ادّعى عليه.
وحلف أعرابي آخر، فقال: قل لا استتبت الله من خطيئة ولا استنجدته لبليّة ولا وفيت له بعهد ولا استجزته أوان جهد، فأتقاه بحقّه. وقال أعرابي لآخر في حق: أتحلف، فقال نعم، فقال: قل ألزمني الله الزلل ولا سدّ عني الخلل، وألبسني القل والملل، وألصق بي الغمّ والعلل، وقطع عني سببه وأصحبني غضبه وأحضرني نقمه وأعدمني نعمه، وكدر لي المشرب وأفقدني الأقرب فالأقرب، إن كان لك عندي حق فاتّقاه ولم يحلف.
أيمان الأسخياء وذوي العلاء
كان من يمين يحيى بن خالد: لا وعزّة الوفاء وحرمة السخاء. قال الأشتر:
بقيت وفري وانحرفت عن العلا ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس
стр. 565
وقال أبو علي البصير:
أكذبت أحسن ما يظنّ مؤمّلي ... وهدمت ما شادته لي أسلافي
وعدمت عاداتي التي عوّدتها ... قدما من الإخلاف والإتلاف
وغضضت من ناري ليخفى ضوؤها ... وقريت عذرا كاذبا أضيافي «١»
إن لم أصب على عليّ حلّة ... أضحت قذى في أعين الأشراف
وقال أبو مسلم الرستمي:
إذا فلا رفعت كاسا بنان يدي ... ولا سعت بي لتطلاب العلى قدمي
وأثكلتني القوافي رقّتي وغدت ... في نسجها كلمى غفلا بلا علم «٢»
وقال الأستاذ الرئيس:
عققت العلى إن كنت خنتك بالقلا ... وعفت النّدى إن لم أكن ذا جوى يذوي «٣»
وقال التنوخي:
إذا فرأيت العرف في صورة النكر
وقال آخر:
إذا فلا بلغت نفسي أمانيها
وقال آخر:
إذا فثكلت سابغتي وسيفي ... غداة وغى وراحلتي وزادي «٤»
وقال الموسوي:
وإلا فلا أمّني النازلون ... ولا جاءني الطارق المجتدي «٥»
أيمان الشّرب ومتعاطي اللهو
قال وهب الهمذاني:
لا والذي سنّ للمدامة ولا ... ماء نكاحا بغير طلاق
وقال المخزومي:
لا والذي قسّم الصهباء من ذهب ... والماء من فضّة ما ساد من بخلا
وقال علي الأحول:
كفرت إذا بحقوق الصّديق ... وعربدت في الشّرب عند المدام «٦»
стр. 566
أيمان الكهنة وأهل الجاهلية
أقسم بالضياء والحلك، والنجوم والفلك، والشروق والدلك «١» . لقد خبأت ثدين فرخ في إعليط مرخ.
كانت العرب تتحالف على النار وتتعاقد على الملح، ولذلك قال الشاعر:
حلفت لهم بالملح والقوم شهد ... وبالنّار واللات التي هي أعظم
وقال الكميت:
بهولة ما أوقد المخلفون ... لدى الخائفين وما هوّلوا «٢»
والهولة نار كانوا يوقدونها ويلقون عليها الكبريت ليستعظم مرآها، ويهابها من أقدم على اليمين، ويخشاها.
أيمان النوكة والسفل
من أيمان أهل بغداد: أعطيت الله ألف جوالق عهود، ويقولون: أعطيت الله مائة ألف كر مواثيق. كانت أيمان مزبد، وإلا فسلحت في القبلة وحشرت في صورة قرد. قال: بعض أعقاب الأنبياء: ادّعى رجل على آخر طنبورا عند بعض القضاة، فقال: حلفه، فقال القاضي: إن كان عندك الطنبور فأيري في حجرك، فقال: أي يمين هذا، فقال: يمين الطنابيريين.
وادّعى رجل على امرأة، فقال الرجل: إن كنت كاذبة فأير القاضي في حرّك فتوقفت المرأة. فقال لها القاضي: قولي وإلا أخرجي من حقه. وادّعى ريحاني شيئا على آخر عند قاض، فقال القاضي له: قل والله الذي لا إله غيره، فقال: ليس هذا من يمين الريحانيين.
أمي بظراء إن كان له عندي شيء، فقال القاضي: قم فما أراك إلا صادقا. وحلف مزبد فقال: إن كان كذا فعليّ أن أصعد السماء في حزيران على سلم من الزبد.
أيمان الظرفان
قال الرصافي:
أما وتفتير طرفك الوسن ... وحسن خال بخدّك الحسن «٣»
وقال الخبزارزي:
بمجاري فلك الحسن التي في وجناتك
وقال ابن المعتز:
وحياة عاذلتي لقد صارمته ... وكذبت بل واصلته وحياته «٤»
стр. 567
وقال البحتري:
وحياة من أهوى فإنّي لم أكن ... أبدا لأحلف كاذبا بحياته
أيمان أهل الذمة
قال إسحاق الموصلي: وجبت على عون العيادي يمين بحضرة الفضل بن الربيع، وكانت بيننا وحشة، فقلت: ولّني استحلافه، فقال: قد فعلت، فقلت: قل بالذي لا يعبد غيره ولا ندين إلا له وإلا فخلعت النصرانية وبرئت من المعبودية، وطرحت على المذبح حيض يهودية، وقلت في المسيح ما يقول المسلمون إن الله خلقه من غير أب كمن خلقه من تراب، ثم قال له كن فيكون، ولعنك البطريق الأكبر والبطارقة والقمامسة والأساقفة والديرانيون وأصحاب الصوامع عند مجمع الخنازير وتقريب القربان، وعليك لعنة الثمانية عشر أسقفا الذين خرجوا من رومية حتى أقاموا عهود النصرانية، وإلا فشققت الناقوس وطبخت به لحم الجمل يوم الإثنين عند مدخل الصوم وهدمت كنيسة لد وبنيت بحجارتها مستراحا لليهود، وهتكت درع داود وإلا فسقط عليك قربانك من يدك وأخذته من يد يهودي، وأنت حنيف مسلم، وهذه اليمين لازمة لك ولعقبك من بعدك، فقال: والله ما أجوز أن أسمعها فكيف أحلف بها.
ومن أيمان اليهود
والله الذي لا إله إلا هو منزل التوراة على موسى، وإلا فأنت بريء من اليهودية داخل في الحنيفية، وبرئت من الآيات العشر التي أنزلت على موسى بطور سيناء، وبرأك الله من الأربعة الأخياط التي في كساء هارون أخي موسى، وبرئت من شمعون وشمعى ومن يوم السبت وحقّه، وحرمت الفطير في وقته، وخرقت توراة موسى بأسنانك ومحوت كل آية بلسانك، وعليك المشي إلى بيت المقدس.
أنواع من ذلك
حلف أعرابي بالمشي إلى بيت الله أن لا يكلم ابنه، فحضرته الوفاة فقيل له كلمة قبل مفارقة الدنيا، فقال: ما كنت قط أعجز عن المشي إلى بيت الله منّي الساعة. كان قوم عليهم دين لأعرابي فقدموا على أن يحلفوا، فقال الأعرابي:
يا ربّ إن كان بنو عميره ... قد أجمعوا بحلفة مشهوره
فابعث إليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال احتلاق النوره «١»
стр. 568
(٥) وممّا جاء في الاكتساب والإنفاق
الحثّ على تثمير المال في الصّغر والكبر
حكي أن كسرى مرّ بشيخ كبير يغرس فسيلا «١» ، فقال له يا هذا: كم أتى عليك من العمر؟ قال: ثمانون سنة، قال أفتغرس فسيلا بعد الثمانين. فقال: أيها الملك لو اتكل الآباء على هذا لضاع الأبناء. قال كسرى: زه «٢» يأخذ أربعة آلاف درهم. فقال: أيها الملك:
الفسيل يطعم بعد سنين من غرسه وهذا قد أطعمني في سنته فقال: زه يأخذ أربعة آلاف درهم فقال: أيها الملك: الفسيل يطعم في السنة مرة وهذا قد أطعمني في أوّل السنة مرتين، فقال:
زه يأخذ أربعة آلاف درهم، فقال الوزير: إن لم ينهض الملك أردى هذا بحكمته بيت المال.
تثمير ذي مال كثير لمال حقير
قال سعيد: ولاني عتبة بن أبي سفيان ماله بالحجاز، فقال: تعهد صغير مالي يكبر ولا تجف كبيره فيصغر، فإنه ليس يمنعني كثير ما في يدي من إصلاح قليل مالي، ولا يشغلني قليل ما في يدي عن الصبر على كثير ما ينوبني. وأتى قوم قيس بن عبادة يسألونه حمالة، فصادفوه في حائط له يتبع ممّا يسقط من الثمر فيعزل جيده ورديئه، فقاموا حتى فرغ، فكلّموه في ذلك، فبذل لهم ما أرادوا، فقال بعضهم: صنيعك هذا مناف لترقيح «٣» عيشك، فقال: بما رأيتم من فعلي أمكنني أن أقضي حاجتكم. وقال زياد: لو أن لي ألف ألف درهم ولي بعير أجرب لقمت به قيام من لا يملك غيره، ولو أن عندي درهما واحدا فلزمني حق لوضعته فيه. قال الوليد بن يزيد:
لأجمعن جمع من يعيش أبدا ولأنفقنّه إنفاق من يموت غدا.
التمدح بالتكسّب والحثّ على ذلك
قال الله تعالى: وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
«٤» ، فدل على وجوب الطلب أو فضيلته. قال الموصلي: عليكم بالتكسب فأوّل ما يبدأ به الفقر دين الإنسان. ولما أقبل النبي ﷺ من غزوة تبوك استقبله معاذ فصافحه، فقال: كبنت يداك، قال: نعم أحترث بالمسحاة وأنفقه على عيالي فقبله، وقال لا تمسها النار. وقال بعض الحكماء: لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان فالكريم محتال والدنيء عيال.
قال عروة بن الورد:
إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكى الفقر أو لام الصديق فأكثرا
стр. 569
فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا
وقيل: هو أكسب من الذر والنمل ومن الذئب. وقيل: فلان يسعى سعي الأم البرّة ويجمع بجهده جمع الذره.
تفضيل الكسب على السؤال
كان عمر ﵁ إذا نظر إلى فتى وأعجبه، سأل: هل له حرفة فإذا قالوا: لا سقط من عينه. وكان يقول: مكسبة فيها دناءة خير من مسألة الناس. وقال ابن عباس ﵁:
قدم قوم على النبي ﷺ فقالوا إن فلانا يصوم النهار ويقوم الليل ويكثر الذكر، فقال: أيكم كان يكفي طعامه وشرابه، فقالوا: كلنا فقال كلكم خير منه. وروى أنس أن رجلا من الأنصار جاء إلى النبي ﷺ وقال: أتيتك من أهل بيت لا أراني أرجع إليهم من الجوع، فقال: أما عندك شيء؟
قال: لا، فأعطاه درهمين وقال له: إذهب فابتع بأحدهما طعاما وبالآخر فاسا واحتطب وبع.
فغاب خمسة عشر يوما ثم جاء فقال: بارك الله لي فيما أمرتني به أصبت عشرة دراهم فابتعت لأهلي بخمسة طعاما وبخمسة كسوة، فقال النبي ﷺ : هذا خير لك من المسألة «١» ، إن المسألة لا تحلّ إلا لأحد ثلاثة دم موجع أو غرم مفظع أو عدم مدقع.
وقال إبراهيم ﵇: يا رب استحييت من كثرة تصرّفي في طلب الرزق فأوحى الله إليه ليس طلب المعيشة من طلب الدنيا.
وقال شاعر:
ولا تدع مكسبا حلالا ... تكون منه على بيان
تفضيل التكسّب على التوكّل
قال حكيم لرجل يجلس إليه: ما حرفتك؟ قال التوكل على ربّي والثقة بما عنده، فقال الحكيم: الثقة بربّك تحرم عليك إصلاح معيشتك، أو ما علمت أن طلب ما تعف به عن المسألة حزم والعجز عنه فشل والفقر مفسد للتقى، متهم للبريء ولا يرضى به إلا الدنيء، وأنشد:
فإن قلت يكفيني التوكّل والأسى ... فقد يطلب الرزق الذي يتوكّل
وقيل لحكيم: إحذر كل الحذر أن يخدعك الشيطان فيمثل لك التواني في التوكل ويورثك الهوينا بإحالتك على القدر، فإن الله أمرنا بالتوكل عند انقطاع الحيل والتسليم للقضاء بعد الأعذار، فقال: خذوا حذركم، وقال: ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة. وقال النبي ﷺ : إعقلها وتوكل. وقال عمر لرجل: ما معيشتك؟ قال: رزق الله، فقال: لكل رزق سبب فما سبب رزقك؟ قال أبو تمّام:
وصدقت إن الرزق يطلب أهله ... لكن بسيرة متعب مكدود
стр. 570
وقال الموسوي وقد أحسن في معناه:
اعزم فليس عليك إلّا عزمة ... والعجز عنوان لمن يتوكّل
أو حمّل اللّوم القضاء فإنه ... عود لأحمال الملام مذلّل «١»
الترغيب في طلب المعاش مع مراعاة المعاد
قال النبي ﷺ : خيركم من لم يدع دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه. وقال أبو الدرداء ﵁: إحرث لآخرتك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا. ينبغي للعاقل أن يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد ومرمة لمعاش ولذة في غير محرم، قال جرير:
فلا هو في الدنيا مضيع نصيبه ... ولا غرض الدّنيا عن الدّين شاغله
وقال خالد: يا بني، خصلتان لا تبال ما صنعت بعدهما، دينك لمعادك ودرهمك لمعاشك.
التّرغيب في اكتساب الحلال
قال ابن المبارك: لقيت رجلا بمكة يبيع الخرز وكان أبوه خزازا فسألته عن ذلك، فقال: إن الله لا يسألني هلّا كنت خزازا، وإنما يسألني من أين اكتسبت وفيم أنفقت؟ وقال ﷺ : لا يكتسب عبد درهما من حرام فيتصدق به أو ينفقه أو يتركه إلا كان زاده إلى النار.
وقال سفيان: عليكم بعمل الأبطال الإكتساب من الحلال والإنفاق على العيال.
واستأذن رجل النبي ﷺ في الجهاد، فقال: ألك من تعوله؟ قال: نعم، قال: كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعوله.
النّهي عن التّواني في التّكسب
قال هرم: من التوفيق رفض التواني ومن الخذلان مسامرة الأماني.
قال شاعر:
وإنّ وطاء العجز أورث خلّة ... وأصلد ما أورى الأكّف القوادح «٢»
وقال:
وما طلب المعيشة بالتمنّي ... ولكن ألق دلوك في الدّلاء
وقيل:
حبّ الهوينا يكسب النّصبا «٣»
стр. 571
مدح الشغل وذمّ الفراغ
قال بزرجمهر: إن يكن الشغل محمدة فالفراغ مفسدة. الراحة للرجال عقلة وللنساء غلمة. واستشار رجل في عمل يتولاه آخر، فقال: إعلم أن الفراغ من شأن الأموات والإشتغال من شأن الأحياء، فإن قدرت أن تكون حيا فافعل. وقال حكيم: لا تفرغ قلبك من ذكر ولا ولدك من شغل، فالقلب الفارغ يبحث عن السوء واليد الفارغة تنازع إلى الإثم. وقال آخر: أحذركم عاقبة الفراغ فإنه شر من السكر. وقال الفضل بن مروان:
الكاتب كالدولاب إذا تعطل انكسر.
الأمر بالاقتصاد في الطلب
قال النبي ﷺ : اقتصدوا في الطلب فإن ما رزقتموه أشد طلبا منكم له وما حرمتموه فلن تنالوه ولو حرصتم. وقيل: لا يدرك بالحذق هارب الرزق.
قال المرقش الأصغر:
أجمل العيش إن رزقك آت ... لا يرّد الترقيح شروى فتيل «١»
وقال أبو الشّيص:
لكل امرىء رزق وللرزق جالب ... وليس يفوت المرء ما خطّ كاتبه «٢»
يساق إلى ذا رزقه وهو وادع ... ويحرم هذا الرزق وهو يطالبه
وقال أبو تمّام:
والحظ يعطاه غير طالبه ... ويحرز الدرّ غير مجتلبه
تلك بنات المخاض راتعة ... والعود في كور وفي قتبه «٣»
وقال آخر:
حظك يأتيك وإن لم ترم
وقال راشد الكاتب:
إذا كانت الأرزاق في القرب والنّوى ... عليك سواء فاغتنم لذة الدّعه «٤»
وإن ضاق أمر يفرج الله ما ترى ... ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه
وقال العطوي:
لا تحسبنّ طول الرحل ... يزيد في رزق الأجل
стр. 572
ولا مقاما وادعا ... يدفع رزقا قد نزل
وقيل: لبعض من تقاعد به الزمان ألق الدلاء وأجذبها ملاء، فقال: كيف أنزع دلوا خان رشاؤها «١» وأسدد سهما زالت أغراضها.
الحثّ على السفر في طلب المال
قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ
«٢» . وقال النبي ﷺ : سافروا تغنموا. وسئل ضمرة بن ضمرة عن الفقر الحاضر والعجز الظاهر، فقال: أما الفقر الحاضر فمن لا تشبع نفسه وأما العجز الظاهر فالشاب القليل الحيلة اللازم الحليلة إن غضبت ترضّاها وإن رضيت فداها، يحوم حولها ويطيع قولها.
قيل: رأس العجز أن تقيم فلا تريم وأن تخيم فلا تظعن، فمن طلب جلب ومن تبغل تبقل، ومن نام رأى الأحلام. وقيل: الحركة لقاح الجد العقيم.
قال أبو تمّام:
أراد بأن يحوي الغنى وهو وادع ... وهل يغرس الليث الطلا وهو رابض «٣»
قال بزرجمهر: السعيد يتبع الغني والشقي يتبع مسقط رأسه، قال شاعر:
ذو اللبّ تنزع للرفاهة نفسه ... وترى الشقي نزوعه للموطن
أخذه المبرّد:
الفقر في أوطاننا غربة ... والمال في الغربة أوطان
وقال آخر:
وكلّ بلاد أخصبت فبلادي
وقال المتنبيّ:
وما بلد الإنسان غير الموافق ... ولا أهله الأدنون غير الأصادق «٤»
إقامة العذر في الطلب
قال عروة بن الورد:
لتبلغ عذرا أو تصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح
وقال كشاجم:
وعليّ أن أسعى وليس ... عليّ إدراك النّجاح
стр. 573
وقال آخر:
قد قضى ما عليه من بلغ الجه ... د وإن لم يصل إلى ما أرادا
المتكسّب بسلاحه
دخل رجل على أبي دلف فاستماحه وانتسب له، فقال له: أتستميح وجدك القائل:
ومن يفتقر منّا يعيش بحسامه ... ومن يفتقر من سائر الناس يسأل
فخرج الرجل وجرّد سيفه فاستقبله وكيل لأبي دلف معه مال، فاستلبه وقتله، فاتصل الخبر بأبي دلف. فقال: دعوه، فإني علّمته. وقال بعض الشجعان: التظلل ضرر والاتكال غرر، ولا يكسب الأموال إلا منازلة الأبطال ومصاولة الرجال وتجريد السيوف ومباشرة الحتوف.
قال الأعشى:
فتى لا يحب الزاد إلا من التّقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف
وقال ابن نباتة:
شرابهم في الحرب ما تمطر القنا ... وأكلهم ما تجتنيه الصوارم «١»
وصف الناس بأنّ تصرفهم في طلب المعاش
وقال أبو العتاهية:
المرء يغلط في تصرّف حاله ... فلربما اختار العناء على الدّعه
كل يحاول حيلة يرجو بها ... دفع المضرّة واجتلاب المنفعه
وقيل لفارسي: فيم تقلب الناس، فقال بالفارسية أش نياز واز، أي من الفقر والحرص، قال آخر:
كلّ امرىء مشتغل بنفسه ... يطلب ما يطحنه بضرسه
النهي عن الاغترار بما في يد الغير
قيل: غثّك خير من سمين غيرك. قال شاعر:
وإن حدّثتك النفس أنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فجرّب
وقال أبو العتاهية:
لا تغضبنّ على امرىء ... لك مانع ما في يديه
واغضب على الطمع الذ ... ي استدعاك تطلب ما لديه
стр. 574
تفضيل الحاضر على المنتظر
في المثل: عش ولا تغتر. وقيل: لقمة في فمك أحضر منفعة من فخذ في تنور.
معاطاة الموجود خير من انتظار المفقود.
الحثّ على حفظ المكتسب
قال سقراط: لتكن عنايتك بحفظ ما اكتسبته كعنايتك باكتسابه. قال شاعر:
لحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشدّ من إدراك الذي أنت طالبه
وقال آخر:
لحفظ المال خير من ضياع ... وطوف في البلاد بغير زاد
وقيل: حفظ الموجود أيسر من طلب المفقود، وقيل: احذر نفاد النعم فما كل شارد مردود.
الحثّ على حفظ المال لنوب الأيام «١»
قال محمد بن غالب:
إنّما الدّنيا ضباب قذى ... تكفّ الأحزان عن مطره «٢»
فاتّخذ للدهر في يسر ... عدة تقضي على عسره
وقال البديهي:
لا تحسبنّ إدخار المرء قنيته ... لصونه وجهه بل لا، هو الكرم «٣»
عزّ القناعة بالموجود يمنع من ... ذلّ القنوع، وحفظ العرض مغتنم
حفظ المال بالختم عليه
قيل: من ختم البضاعة أمن الضياعة. من الكيس ختم الكيس «٤» . طينة خير من ظنّة.
وقيل: أربعة أشياء لا يستحيا من الختم عليها: المال لنفي التهمة، والجوهر لنفاسته والطّيب للإبدال، والدواء للاحتياط.
الحثّ على حسن التدبير والنهي عن التبذير
قيل: حسن التدبير نصف الكسب وسوء التدبير داعية البؤس. الإفلاس سوء التدبير.
كن مقدرا لا مقترا. وقال النبي ﷺ : الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة. قال الله
стр. 575
تعالى: وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
«١» . وقيل: التبذير إنفاق المال في غير الحق. وسئل سعيد بن جبير ﵁ عن التبذير، فقال: هو أن تنفق الطيب في الخبيث.
وقال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ
«٢» ولم يأذن في الفضول وقال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
«٣» .
وقال ﷺ : أنهاكم عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال. وقال: ليس في السرف شرف.
وقال معاوية: ما رأيت تبذيرا إلّا وإلى جنبه حق مضيع. وقال ﷺ : ما عال امرؤ عن اقتصاد.
وقال أبو بكر ﵁: إني لأبغض أهل بيت ينفقون رزق أيام في يوم واحد.
وقيل: ما وقع تبذير في كثير إلّا هدمه ولا دخل تدبير في قليل إلا ثمره.
وقيل: إنك إن أعطيت مالك في غير الحق يوشك أن يجيء الحق وليس عندك ما تعطي منه.
التهكّم على مبذّر
قيل في المثل: خرقاء وجدت صوفا. وقيل: من يطل ذيله ينتطق به. وقيل: يطأ فيه. ومن وجد دهنا دهن إسته. وقيل: عبد خلي في يديه، وعبد ملك عبدا. وكان بعض المتخلفين ورث مالا فكان يحمل الدنانير ويأتي الشطّ فيقذف واحدا واحدا في الماء، فقيل له في ذلك، فقال: يعجبني طليته وصوته. وبنى عون العبادي دكانا وسط داره وأسرف في الإنفاق عليه إسرافا متناهيا فليم في ذلك، فقال: ما أصنع بالدراهم إذا.
الحثّ على حفظ المال والإستغناء به عن الأنذال
كان لسفيان بن عيينة صرة دنانير يحفظها، فقيل له: أتحفظ ذلك وأنت موصوف بالزهد؟
فقال: لئلا أكون مناديل الغمر من الرجال. وقيل لأفلاطون: لم تدخر المال فأنت شيخ؟ فقال:
لأن يموت الإنسان ويخلف ما لا لعدوّه خير من أن يحتاج إلى أصدقائه في حياته.
وقيل: خلّف للأعداء ولا تحتج إلى الأصدقاء. وقيل لحكيم: لم حفظت الفلاسفة ما في أيديهم؟ فقال: لئلا يقيموا أنفسهم المقام الذي لا يستحقونه، فقد علموا أن لا اتكال على ما في يد الغير. وفي المثل: بق نعليك وابذل قدميك «٤» .
النهي عن إنفاق جميع المال والرخصة في ذلك
روي في الخبر: أن كعب بن مالك أراد أن يتصدق بماله كله، فنهاه النبي ﷺ وقال
стр. 576
له: إمسك عليك مالك فإنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس.
وقال ابن عباس ﵁ حث النبي ﷺ ذات يوم على الصدقة، فجاء أبو بكر بماله كله، فقال له النبي ﷺ : ما أعددت لعيالك فقال الله ورسوله، وجاء عمر ﵁ بنصف ماله، فقال له: ما أعددت لعيالك؟ فقال: الله ورسوله ونصف مالي، فقال ﷺ :
بين الرجلين ما بين الكلمتين.
وسئل الشبلي عمّا يجب في مائتي درهم، فقال: أما من جهة الشرع فخمسة دراهم وأما من جهة الإخلاص فالكل. وقيل للمأمون لا شرف في السرف، فقال: لا سرف «١» في الشرف.
الإنفاق على الأهل
قال النبي ﷺ : نفقة الرجل على أهله صدقة، وقال: خيركم خيركم لأهله، وقال:
ابدأ بمن تعول ولا تعجز عن نفسك.
وكان أيوب يقول لأصحابه: تعاهدوا أولادكم وأهليكم بالبر والمعروف ولا تدعوهم يطمحوا بأبصارهم إلى ما في أيدي الناس.
وقال زيد بن على ﵁: ثلاث لا يسأل الإنسان عنها: ما ينفقه في مرضه وما ينفقه في إفطاره، وما ينفقه على ضيفه.
مدح مفيد مبيد
مدح إعرابي رجلا، فقال: هو أكسبكم للمعدوم وآكلكم للمأدوم وأعطاكم للمحروم.
وقال الوليد بن يزيد: لأجمعنّ جمع من يعيش أبدا ولأنفقنه إنفاق من يموت غدا.
قال أبو تمّام:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم واحتوته الصنائع
وقال آخر:
إذا أسلفتهن الملاحم مغنما ... دعاهن من كسب المكارم مغرم
وقال المتنبّي:
والسّلم يكسر من جناحي ماله ... بنواله ما تجبر الهيجاء «٢»
النهي عن إمساك المال
قال النبي ﷺ : ينادي مناد كلّ ليلة، فيقول: اللهم اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا.
стр. 577
وقال ﷺ : أنفق بلالا «١» ولا تخش من ذي العرش إقلالا.
قال شاعر:
وإن أشدّ الناس في الحشر حسرة ... لمورث مال غيره وهو كاسبه
ولهذا باب في ابتداء فضل الجود.
الحثّ على الإنفاق وقت السعة وإظهار أثر النعمة
قال الله تعالى: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً
«٢» (الآية) . وبعث عمر ﵁ إلى أبي عبيدة بن الجراح وهو أمير الشام مالا، وقال للرسول: أنظر ماذا يصنع فرآه يوسع على عياله، ثم نقص من أرزاقه فقتر عليهم. فقال عمر: رحم الله أبا عبيدة وسعنا عليه فوسع وقترنا عليه فقتر. وسئل الحسن ﵁ عن رجل آتاه الله مالا فأنفق على أهله ما لو أنفق دونه لكفى، فقال: وسع على نفسك وعلى عيالك كما وسع الله عليك فإن الله قد أدب عباده أحسن تأديب. فقال: لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله، وما عذب الله قوما وسع عليهم فشكروه ولا غفر لقوم ضيق عليهم فكفروه.
وقال ﷺ : إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده ويبغض البؤس والتباؤس. وقال ﷺ :
من آتاه الله خيرا فلير أثره عليه.
ذهاب المال الحرام في الأباطيل
قال الحسن ﵀: إذا أردت أن تعلم من أين أصاب الرجل المال فأنظر في أي شيء ينفقه، إن الخبيث ينفق في إسراف. وقيل: من درى من أين أخذ درى أين أنفق.
التظلف والتذمم لمكسب دنيء
قيل في المثل: نفع قليل وفضحت نفسي. تجوع الحرّة ولا تأكل بثدييها.
قال شاعر:
أصبت صنوف المال من كلّ وجهة ... فما نلته إلا بكفّ كريم
وإنّي لأرجو أن أموت فتنقضي ... حياتي وما عندي يد للئيم
حكم وجود الضالة
سئل النبي ﷺ عن ضالّة الإبل، فقال: مالك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر. قيل: فضالة الغنم، قال: هي لك أو لأخيك أو للذئب. وسئل عن اللقطة فقال: إحفظ عفاصها ووكاءها «٣» وعرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها.
стр. 578
وروى جارود بن المعلى عنه ﵊ أنه قال: ضالّة المؤمن حرق النار.
وقيل: ما يوجد بمكة فلا يجوز الانتفاع به، لقوله ﷺ إن الله حرم مكة ما بين لابتيها لا ينفر صيدها ولا تلتقط لقطتها إلا لمعروف.
وقال عمر ﵁: إذا وجدتم تمرة ملقاة في الطريق فليلتقطها من هو أحوج إليها. ووجد النبي ﷺ تمرة ساقطة، فقال: لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها.
(٦) وممّا جاء في مدح الغنى وذمّ الفقر
منفعة المال دينا ودنيا
كان النبي ﷺ يقول: اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفة والغنى، وقال ﷺ : نعم العون على تقوى الله المال. وقال أبو قلابة: الغنى من العافية. نظر أعرابي إلى دينار فقال:
ما أصغر مرآك وأكثر منافعك.
قال ابن الرومي:
لم أر شيئا صادقا نفعه ... للمرء كالدرهم والسيف
يقضي له الدرهم حاجاته ... والسيف يحميه من الحيف «١»
وقيل: نعم العون على الدين اليسار. وقال شاعر في معناه:
ما أرسل الإنسان في حاجة ... أقضى من الدرهم في كمّه
وقال آخر:
إذا ما خليلي صدّ عني بنبوة ... فدرهمي المنقوش خير خليل «٢»
قال أحمد بن أبي طاهر:
ولا يساوي درهما واحدا ... من ليس في منزله درهم
وقال آخر:
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له ... دنانير فيها جمّة ودراهم
وقيل في قوله: فأرسل حكيما ولا توصه، إنه الدرهم. وقيل: الدرهم هو الأخرس النجيح «٣» . قال وهب بن منبه: الدرهم والدينار خواتيم ربّ العالمين أينما بعث قضى الحوائج.
стр. 579
محبّة النّاس للمال
قال عمرو بن العاص لمعاوية: ما أشد حبك للمال، قال: ولم لا أحبه وأنا أتعبد به مثلك، وأبتاع به مروءتك ودينك. وقال بعض الفرس: من زعم أنه لا يحب المال فهو عندي كاذب حتى يثبت صدقه، وإذا ثبت صدقه فهو عندي أحمق. وقيل لابن زياد: لم تحب الدراهم وهي تدنيك من الدنيا؟ فقال: هي وإن أدنتني منها فقد أغنتني عنها. وقيل: تقليب الدرهم يوقف الشيب ويزيل الهم والتعب، وقيل: من نقر درهما زرع في قلبه شهوة.
تشاحح «١» الناس بالمال
قال يونس: لو أن الدنيا مملوءة دراهم على كل درهم مكتوب من أخذه دخل النار لأمست وما على ظهرها درهم يوجد. وقيل: لما ضربت الدراهم والدنانير صرخ إبليس صرخة وجمع أصحابه، فقال: قد وجدت ما استغنيت به عنكم في تضليل الناس فالأب يقتل إبنه والابن يقتل أباه بسببه.
وصف أنواع المال وتفضيل بعضها على بعض
سئل أبو بكر عن أصناف الأموال، فقال: أما الماشية فإنها تقبل من السنة إذا أقبلت وتدبر معها إذا أدبرت، وأما الرقيق فإنه يغدو عليها ضرّها ونفعها وقليل الضر يأتي على كثير النفع، والصامت مال من لا مال له، لأنه إن أنفقه أتلفه وإن أمسكه أهان به نفسه، وكان كمن لا مال له.
وقال: خير المال ما أطعمك ما لا تطعمه. وقال عبد الله بن الحسن: غلّة الدور مسألة «٢» وغلّة النخل كفاف «٣» ، وغلة الحب غنى. وقيل للأحنف: أي المال أبقى وأوفى؟
فقال: المساكن والأرضون، وقيل في قوله تعالى: وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً
«٤» إن له غلة شهر بشهر. قيل لمجنون لم صار الدينار خيرا من الدرهم والدرهم خيرا من الفلس؟ فقال: الفلس ثلاثة أحرف والدرهم أربعة أحرف والدينار خمسة.
وقيل لآخر: لم صار لون الذهب أصفر؟ فقال لأن طلابه كثير. وقيل لآخر، فقال:
لخوف الدفن.
وقيل لرجل: لم فضل الدينار على الدرهم؟ فقال: لأن الدينار يؤدي إلى النار والدرهم دار هم، وعذاب الهم عاجل وعذاب النار آجل، وإلى ذلك محيا وممات.
ودفع إلى أعرابي دينار فحمله إلى الصرّاف فملأ له يديه دراهم، فقال: ما أصغر منظرك وأعظم مخبرك.
стр. 580
وقال أنصاري لابن عبد الرحمن بن عوف: ما ترك أبوك لك من المال؟ فقال: ترك أموالا كثيرة. فقال: ألا أعلمك ما هو خير لك مما ترك أبوك، قال: نعم، قال: إعلم أنه لا مال لعاجز ولا ضياع على حازم والرقيق جمال وليس بمال، فعليك من المال بما يعولك لا بما تعوله.
وصف الحيوان من بين المال
قيل لابنة الحسن: ما تقولين في مائة من المعز؟ قالت: غنى، قيل: وفي مائة من الضأن قالت: قنى، قيل: وفي مائة من الإبل قالت: منى. قيل: فما تقولين في الحمار قالت: أخزاه الله، مال لا يزكي ولا يذكي.
وقيل لرجل: أي مركب إذا كان أكبر كان أنذل «١» ؟ فقال: الحمار. وقيل لآخر: أي المال أحب إليك؟ فقال: الذي يقيم بقيامي ويظعن ويحملني ومالي وداري، يعني الإبل.
وعلى عكسه، قول الآخر:
وإن اقتناء النوق موق وحرفة ... يبيت على يسر ويغدو على ثكل «٢»
قدر ما يحمد من المال
قال النبي ﷺ : نعم المال الأربعون والكثير الستون، وويل لأصحاب المائتين إلا من أعطى في نجدتها، ونحر سمينها ومنح لبونها وأطرق فحلها وأفقر ظهرها. قال خالد بن صفوان: من كان له مال كفافا فليس بغني ولا فقير، لأن النائبة إذا أتت أجحفت بكفافه.
ومن كان ماله دون الكفاف فهو فقير ومن كان ماله فوق الكفاف فهو غني.
وصف درهم أو دينار ثقيل الوزن
كان المتوكل ضرب دراهم وزن كل واحد عشرة، وعلى جانب منه مكتوب:
أمازحها فتغضب ثم ترضى ... وكلّ فعالها حسن جميل
وعلى الآخر:
فإن غضبت فأحسن ذي دلال ... وإن رضيت فليس لها عديل
ووجد في خزانة جعفر بن يحيى دنانير، في كل دينار مائة مثقال ومثقال، نقشه:
وأصفر من ضرب دار الملوك ... يلوح على وجهه جعفر «٣»
يزيد على مائة واحدا ... إذا ناله معسر يوسر
وأهدى عضد الدولة إلى ركن الدولة دنانير كل دينار منها مائة مثقال، ونقشه:
بذكر الله أكرم مستجار ... ضربناه من الذهب النّضار
стр. 581
جعلنا وزنه مائة فأضحى ... عديم الندّ مفقود النّجار «١»
لنهديه إلى الركن المرجّى ... بويه إلى علي ذي الفخار
وأمر الصاحب أن يضرب دينار من ألف مثقال، وأهداه إلى فخر الدولة وكتب عليه.
وأحمر يحكي الشمس شكلا وصورة ... وأوصافه مشتقّة من صفاته «٢»
فإن قيل دينار فقد ذكر اسمه ... وإن قيل ألف كان بعض سماته
بديع فلم يطبع على الدهر مثله ... وإن ضربت أضرابه ببراته
لقد أبرزته دولة فلكيّة ... أقام بها الأفلاك صدر قناته
وصار إلى شاهان شاه انتسابه ... على أنه مستصغر لعفاته «٣»
تأنّق فيه عبده وابن عبده ... وغرس أياديه وكافي كفاته
وصفهما إذا كانا خفيفين
كان المتوكل أمر أن يضرب له ألف ألف درهم في كل درهم قيراط، لينثره مكان الورد، وأمر بأن تصبغ صفرا وحمرا وخضرا. وكان الدرهم يبقى في الهواء بقاء الورد.
قال العبّاس في وصف دينارين خفيفين:
جاد بدينارين لي جعفر ... أصلحه الله وأخزاهما «٤»
وكاد لا كانا ولا أفلحا ... عليهما يرجح ظلاهما
قال ابن الرومي في دينار خفيف:
كأنّه في الكفّ من خفّة ... مقداره من صفرة الشمس
وقيل لرجل: ما أولاك فلان، فقال: درهما كأنما عناه الشاعر بقوله:
مرّ بنا والعيون ترمقه ... تجرح منه مواضع القبل «٥»
وصف مال بالكثرة
قيل: هو في خير لا يطير غرابه، ووجد فلان تمرة الغراب. وعنده عائرة عير وله كحل وسواد، والنشب والعرض والطم والرم. وجاء بما صأى وصمت وبالضح والريح.
стр. 582
كون المال موفيا على الحسب والنسب
قال النبي ﷺ : إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه هذا المال، وفي مثل: ربّ حسب دفنه الفقر. قال شاعر:
وأجهد الناس من بعنصره ... يزهو على من يزينه النشب «١»
وقف إعرابي من بني فقعس يسأل وهو عريان:
كساني فقعس وكسا بنيه ... عطاف المجد أن له عطافا «٢»
فقال له بعض الحاضرين: لو كساك خرقة تواريك لكان أصلح لك.
من سوّده ماله
قيل: المال يسوّد غير السيد ويقوّي غير الأيد «٣» .
قال شاعر:
الفقر يزري بأقوام ذوي حسب ... وقد يسوّد غير السيد المال
وقال عمارة:
حيّاك من لم تكن ترجو تحيّته ... لولا الدراهم ما حيّاك إنسان
تعظيم النّاس لذي المال
قيل للحسن ﵁: ما بال الناس يكرمون أرباب المال؟ فقال: لأن عشيقتهم عندهم. ومر موسر بالشعبيّ فتزعزع له، فقيل له في ذلك، فقال: رأيت ذا المال مهيبا.
وعوتب ابن أبي ليلى لتخفره لغني مرّ به، فقال: إن تعظيم ذوي المال شيء جعله الله في القلوب لا يستطاع دفعه.
وقال العطوي:
اقصد إلى أيّ ودّ شئت معتصما ... بحبل ودّ فلا ذئب ولا ضبع
المال أعضب سيف عند صولته ... من أن يعنّ له في منهل سبع «٤»
وهذا كقول بعض اللصوص لبعض أصحابه: لا تنقبوا على غني، وكونوا مع الله على المدبر.
مصادقة الناس للأغنياء ومعاداتهم للفقراء
قيل لبعض العقلاء: كم لك من صديق، فقال: لا أعلم ذلك لأن الدنيا مقبلة عليّ
стр. 583
والأموال موجودة عندي، وإنما أعرف ذلك إذا ولت، ألم تسمع قول طريح:
الناس أعداء لكلّ مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر «١»
ولما استوزر علي بن عيسى ورأى اجتماع الناس عليه، تمثل بقول أبي العتاهية:
ما النّاس إلّا مع الدنيا وصاحبها ... فكيف ما انقلبت يوما به انقلبوا
يعظّمون أخا الدنيا فإن وثبت ... يوما عليه بما لا يشتهي وثبوا «٢»
وقال شاعر:
إذا مالت الدنيا على المرء رغبت ... إليه ومال الناس حيث يميل
ومثله لأبي العتاهيّة:
النّاس أخوة نعمة ... لله ما دامت عليكا
وقول الآخر:
إن الحبيب إلى الإخوان ذو المال
وقال آخر:
النّاس خلّانك ما لم تفتقر
وقيل: إذا أيسرت فكل رحل رحلك وإذا افتقرت أنكرك أهلك. وقيل: العسرة والعشرة لا يجتمعان.
زيارة النّاس لذي المال
قال بشار:
يزدحم النّاس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزّحام «٣»
وقال آخر:
إن الغنى يهدي لك الزوّارا
وقال آخر:
وأيّ الناس زوّار المقلّ؟
الفقر مجمع العيوب
قيل: الفقر مجمع العيوب. وقال بعضهم: وجدت خير الدنيا والآخرة في شيئين، وشرّهما في شيئين، خيرهما الغنى والتقى، وشرّهما الفقر والفجور.
стр. 584
قال جرير:
ترادفهم فقر قديم وذلّة ... وشرّ الرديفات المذلّة والفقر «١»
وقيل: ما روي أجود من قول عروة في ذم الفقر:
ذريني للغنى أسعى فإنّي ... رأيت الناس شرّهم الفقير
وما من خصلة تكون للغني مدحا إلا وتكون للفقير ذما. إذا كان حليما، قيل: هو بليد، وإذا كان شجاعا قيل: هو أهوج، وإذا كان لسنا قيل: مهذار. ولقد صدق من قال:
إن ضرط الموسر في مجلس ... قالوا له يرحمك الله
أو عطس المفلس في مجلس ... سبّ وقالوا فيه ماساه
فمضرط الموسر عرنينه ... ومعطس المعسر مفساه «٢»
وقال حسّان:
ربّ حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطّى عليه النعيم
وكان الحسن ﵁ إذا رأى المساكين، قال: هؤلاء مناديل الخطأ. وقيل:
الخلّة «٣» تقدح في الذهن وتغمز في العقل.
خفة الموت في جنب الفقر
قيل: القبر ولا الفقر
ولا الموت خير للفتى من قعوده ... عديما ومن مولى تدبّ عقاربه «٤»
وقال آخر:
خير حال الفقير عند ذوي ال ... ألباب أن تنطوي عليه القبور
وقال ابن طباطبا:
قد يصبر الحرّ على السيف ... ويجزع الحرّ من الحيف
ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيه عن قرى الضّيف
التعوذ من الفقر وكونه كالكفر
كان النبي ﷺ يتعوذ من الكفر والفقر، فقال له رجل: أيستويان؟ فقال: نعم. كاد الفقر أن يكون كفرا. ودعا رجل لمسروق فقال: جنّبك الله الفقر وطول الأمل. وقال سفيان: كان من دعائهم اللهم زهّدنا في الدنيا ووسعها علينا ولا تزوها عنا وترغبنا فيها.
وقالت المجوس: من لا مال له لا عقل له، ومن لا عقل له فلا دنيا له ولا دين.
стр. 585
عدم المجد حيث عدم المال
كان طلحة ﵁ يقول: اللهم أرزقني مجدا ومالا فلا يصلح المجد إلا بالمال، ولا يصلح المال إلا بالأفعال.
قال المتنبي وقد أخذ هذا المعنى:
فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله ... ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجده
وقال هرم بن عمير التغلبي:
إني امرؤ هدم الاقتار مأثرتي ... واجتاح ما بثّت الأيام من خطري «١»
أرومة عطلتني من مكارمها ... كالقوس عطّلها الرامي من الوتر
ومما يناقض هذا الباب قول جرثومة بن مالك:
فتى إن تجده معوزا من تلاده ... فليس من الرأي الأصيل بمعوز «٢»
وقال الأحنف:
وإن المروءة لا تستطاع ... لمن لم يكن ماله فاضلا
صعوبة الفقر على ذي همّة وجود
قيل لحكيم من أشقى الناس؟ فقال من اتسعت معرفته وضاقت مقدرته.
وقال أعرابي: لا تنظر إلى هيئتي وانظر إلى همّتي.
وقال الطرمّاح:
أرى نفسي تتوق إلى أمور ... ويقصر دون مبلغهنّ مالي
فنفسي لا تطاوعني لبخل ... ومالي لا يبلغني فعالي
وقال المتنبيّ:
إلى الله أشكو لا إلى الناس أنني ... أرى صالح الأخلاق لا أستطيعها
أرى خلة في إخوة وقرابة ... وذي رحم ما كنت ممّن يضيعها
وقال آخر:
أرى الدهر يجفوني ونفسي عزيزة ... وليس معي زهد فأسطو على الدّهر
صعوبة الفقر على متعودّي اليسر
كان النبي ﷺ يتعوذ من الحور بعد الكور «٣» ، وقال: إرحموا ثلاثة، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما بين جهال.
стр. 586
وقيل: جهد البلاء أن تزول النعمة وتبقى العالة ثم لا تعدم صديقا مؤنبا وعدوا شامتا وزوجة مختلفة وجارية مستبيعة وعبدا يحقّرك وولدا ينتهرك.
وأتى عبد الله بن معاوية بأسير، فقال: هذا هو جهد البلاء، فقال الأسير: كلا جهد البلاء فقر مدقع بعد غنى موسع.
صعوبة مقاساة الجوع
قتل رجل بصفّين أبا امرأة وابنها وأخاها وعمّها وعشرين من أهل بيتها، ثم أتت تسأله، فقال: ما أظن على ظهر الأرض أبغض إليك منّي، فقالت: بلى، إن الذي ألجأني إليك أبغض إليّ منك، وهو جوع بطني.
وأخذ رجل بلجام عبد الملك، فقيل له: ما جرأك، فقال: الجوع شجاع. وقيل:
الجائع فقير ضيّق النفس والشبعان واسع الصدر غنيّ النفس.
ستر الحال في العسر واليسر
قال عبد الملك للهيثم بن الأسود: كم مالك فلم يخبره به. فقيل له في ذلك، فقال: صاحب المال بإحدى منزلتين إن كان كثيرا حسد وإن كان قليلا حقر. وقيل: رضي بالذلّ من كشف ضرّه وبالحسد من كشف يسره.
شاك فقره
قال الحاركي:
من كانت الدنيا له شارة ... فنحن من نظارة الدنيا
نرمقها من كثب حسرة ... كأنّنا لفظ بلا معنى «١»
قال العطوي:
أنا طرح بين خلا ... ت حديدات النّصال «٢»
بين دين وشتاء ... وعيال واختلال
وقال آخر:
من رآني فقد رآني ورحلي
وقال آخر:
ومن عجب أنّ حلف الفسوق ... غنى وقد أعدم الأتقياء
وقال مخنث: أنا عظيم البليّة أموت من حبّ رزقي، ويموت هو من بغضي.
نادرة ماجن شاكي الفقر
شكا بعضهم فقره، فقيل له: احمد الله الذي رفع السماء بغير عمد، فقال: وددت
стр. 587
أنه وسع رزقي وجعل بين كل ذراع أربع أسطوانات، فليس لي دار يضيقها. سمع صبي فقير امرأة في جنازة تقول: يذهبون بك إلى بيت ليس له غطاء ولا وطاء ولا عشاء ولا غداء ولا سراج، فقال الصبي: يا أبت إنهم يذهبون به إلى بيتنا. وقيل لمزبد: بع قطيعتك، فقال له: ما ملكت قط إلا قطيعة الرحم، قيل له ما عندك من آلة الخبيص، قال: الماء، وقيل له ما أعددت للبرد، قال: الرعدة.
متعذر لفقره بأنّ الجود فرق ماله
طلب قوم ابن هرمة فلم يجدوه في منزله فقالوا لابنته: أقرينا، قالت: مالنا شيء، قالوا فأين قول أبيك:
لا أمتع العود بالفصال ولا ... أبتاع إلا قصيرة الأجل
قالت فذلكم الذي منعكم القرى.
قال دعبل:
قالت سلامة أين المال قلت لها ... المال ويحك لاقى الحمد فاصطحبا
الحمد فرق مالي في الحقوق فما ... أبقين ذما ولا أبقت له نشبا «١»
وقال جحظة:
جاء الشتاء وما عندي له ورق ... مما وهبت ولا عندي له خلع «٢»
كانت فبدّدها جود ولعت به ... وللمساكين أيضا بالنّدى ولع «٣»
من نسي فقره بعد زواله
قال شاعر:
يعيش الفتى بالفقر يوما وبالغنى ... وكلّ كأن لم يلق حين يزايله «٤»
وقال آخر:
كأن الفتى لم يعر يوما إذا اكتسى ... ولم يك صعلوكا إذا ما تموّلا
تأسّف من ضيّع ماله ثم احتاج إليه
وكان المال يأتينا فكنّا ... نبذّره وليس لنا عقول
فلمّا أن تولّى المال عنّا ... عقلنا حين ليس لنا فضول «٥»
تأسّف من وجد خيرا لم ينتفع به
قال القلابي: دخلت على الجاحظ في منصرفي من عند السلطان، وقد حسنت حاله
стр. 588
واشتدّت علته، فسألته، فقال: كنا إذا أردنا لم نجد حتى إذا وجدنا لم نرد.
الموصوف بالفقر والجهل
وقال شاعر:
يظلّ عديم أموال ولبّ ... يرقّ له المكاشح والمعادي «١»
وسئل أعرابي عن رجل، فقال: ماله حول ولا معقول ولا مال ولا حال.
ذمّ دنيء تموّل
إذا أيسر الدنيء ابتلي به ثلاثة، صديقه القديم يفارقه، وامرأته يتسرّى عليها وباب داره يغيّره، وقد نظم ذلك في قوله:
إذا استغنى الوضيع ونال جاها ... وأنكر نخوة في النّاس نفسه
حبا خلصان إخوته جفاء ... وغيّر بابه وأبان عرسه «٢»
أخذه من ابن أبي البغل:
إذا ما ساقط أثرى تعدّى ... وأنكر قبل كلّ الناس نفسه
وغيّر باب منزله وأربى ... على جيرانه وأبان عرسه
قال عمرو بن العاص: لأن يسقط ألف من العلية خير من أن يرتفع واحد من السفلة.
وقال البحتري:
محاريب الدنيا نباهة جاهل ... فلا ترتقب إلا خمول نبيه
النهي عن البطر عند الغنيّ وذمّ ذلك
قال الله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
«٣» . وقيل: البطر يقتضي الفقر والنظر يقتضي العبر. وقيل: أكثر شكر الله على نعمه فالبطر من قلّة الشكر.
وقال شاعر:
خلقان لا أرضى طريقهما ... خلق الغنى ومذلّة الفقر
فإذا غنيت فلا تكن بطرا ... وإذا افتقرت فته على الدّهر «٤»
وفي كتاب كليلة: لا يبطر العاقل لمنزلة أصابها كالجبل الذي لا تزلزله الرياح الشديدة والسخيف تبطره أدنى منزلة كالحشيش الذي تحركه أدنى الرياح.
стр. 589
وقيل: سوء حمل الغنى أن يكون الفرح مرحا وسوء حمل الفقر أن يكون الطلب شرها. وقيل: حمل الغنى أشدّ من حمل الفقر ومؤنة الشكر أصعب من مشقة الصبر.
وقال بعضهم في من لا يبطر ولا يمكنه ستر غناه:
تأبى الدراهم إلا كشف أرؤسها ... إن الغنى طويل الذيل ميّاس «١»
وقال المرقّش:
إن يخصبوا يعيوا بخصبهم ... أو يجدبوا تجديهم الأم «٢»
وقال الخبزارزي:
قد كان في حال محسود فأبطره ... طغيانه فاغتدى في حال مرحوم
وقال مسلم بن الوليد:
فالكلب إن جاع لم يعدمك بصبصة ... وأن ينل شبعة ينبح على الأثر «٣»
مدح من لا يبطره اليسر ولا يدقعه الفقر
وقال هدبة:
ولست بمفراح إذا الدهر سرّني ... ولا جازع من صرفه المتقلّب
وقال طرفة بن العبد:
إن ننل منفسة لا تلفنا ... ترف الخيل ولا نكبو لضرّ «٤»
وقال الزبير بن الأسدي:
ولا يراني على ما ساء مكتئبا ... ولا يراني على ما سرّ مبتهجا
ومثله:
فتى إن هو استغنى تحذّق في الغنى ... وإن قلّ ما لا لم يضع سنة الفقر «٥»
اجتناب عرض الدنيا
قيل: العاقل من لا يجزع من قعود الدهر به علما بأن مراتب الأقسام توضع على قدر الأففام. وقيل: وكل الله الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل ليعلم العبد أن ليس له من أمر الرزق شيء.
стр. 590
وقيل: أبت الدنيا أن تعطي أحدا ما يستحقه، إمّا محطوط عن درجته أو مرفوع فوق قدره. وقيل لأفلاطون: لم لا يجتمع العلم والمال، فقال لعزّة الكمال، قال:
ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق
وقيل: من أعطاه الله عقلا احتسب عليه من الرزق، وقيل لو جعل الله المال للعقلاء مات الجهال، فلما جعله في أيدي الجهال استقلّهم العقلاء واستنزلوهم عنه بلطفهم. وقد تقدم في باب العقل شيء من هذا.
علّة ميل الدنيا إلى الأنذال
قال سعيد بن المسيب ﵁: الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال. وقال حكيم: إذا أردت أن تزهد في الدنيا فانظر عند من هي. وقال النظّام: مما يدل على لؤم الذهب والفضة كثرة كونهما عند اللئام فالشيء يصير إلى شكله ومن هنا أخذ المتنبي قوله:
وشبه الشيء منجذب إليه ... وأشبهنا بدنيانا الطّغام «١»
وقال حسان:
المال يغشى رجالا لا طباع لهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي «٢»
وقال أبو تمّام:
لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسّيل حرب للمكان العالي
وقال ابن الرومي:
رأيت الدهر يرفع كلّ وغد ... ويخفض كلّ ذي رتب شريفه «٣»
كمثل البحر يرسب فيه حيّ ... ولا ينفكّ تطفو فيه جيفه «٤»
وكالميزان يخفض كلّ واف ... ويرفع كلّ ذي زنة خفيفه
معاتبة الدهر لتقديم جاهل وتأخير فاضل
وقال جحظة البرمكي:
غلط الدهر بما أعطاكم ... وفعال الدهر جهل وغلط
وقال الموسوي:
ومما يحلّل ذمّ الزما ... ن إقصاؤه الأفضلين الخيارا
стр. 591
وقال أبو حاتم:
أظنّ الدهر قد آلى فبرّا ... بأن لا يكسب الأموال حرّا «١»
لقد قعد الزمان بكلّ حرّ ... ونقص من قواه ما استمرّا
وقال أبو تمّام:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسة ... سدى لم يسسها قطّ عبد مجدّع «٢»
حلّت نطف منها النكس وذو الحجى ... يداف له سم من العيش منقع «٣»
فإن نك أهملنا فأضعف بسعينا ... وإن نك أجبرنا ففيم نتعتع «٤»
وما أحسن ما قال:
ليس المقلّ على الزمان براض ... ومن السخف قول التماري «٥»
وقيل:
أرى فقحة الدنيا على معشر تخرى ... فإن أقبلت نحوي رأيت بها خضرا
ومن الجيد في هذا قول عابدة المهلبيّة ويروى للمهلبي:
ألست ترى استراق الدهر حظّي ... وكيف يفيت في أدب الخمول
أأبغي العون منه وهو خصمي ... كما استبكت ضرائرها الثّكول «٦»
وقال رجل لمنجم: أنظر في نجمي هل ترى لي غنى؟ فقال: دع عنك هذا فإن الدهر مشغول بالسفل فلا يتفرغ إلى أحد. وقيل: الدهر لا يعطي أحدا ما يستحقه إما أن يزيده أو ينقصه.
معاتبة القدر في ذلك
قال أبو العيناء لرجل سأله: ما بال الركيك الأحمق يرزق والأديب يحرم؟ فقال: لأن هذا الدنيا دار اختبار وأحب الرازق أن يعلمهم أن الأمور ليست لهم، فإن غلات السواد تباع بكف أنموذج فهلا اكتفى في ذلك بنقرة.
وقال جحظة:
يا ربّ إن الشكوك قد علقت ... أوكارنا والشّكوك تعترض
وغد له نعمة مؤثّلة ... وسيّد لا يزال يعترض
стр. 592
فنحن من قبح ما نشاهده ... من معشر في قلوبهم مرض
وقال عبدان:
لقوله نحن قسمنا ... بينهم زال المرا «١»
ولو تولّى غيره ... قسمة أرزاق الورى
جرت حظوظ بيننا ... لكنّنا تحت العرا
وقيل: إذا رأيت الجاهل مرزوقا والعاقل منحوسا فاعلم أن بين السماء والأرض أكرادا يقطعون الطرق. وقيل لمدني شكا الفقر: احمد الله فإنه رزقك الإسلام والعافية، فقال: أجل لكن جعل بينهما جوعا تقلقل منه الأحشاء. قال شاعر:
يا حجة الله في الأرزاق والقسم ... ومحنة لذوي الأخطار والهمم
تراك أصبحت في نعماء سابغة ... إلا وربّك غضبان على النعم «٢»
وقال آخر:
عجبا للناس في أرزاقهم ... ذاك عطشان وهذا قد غرق
سؤال الله تعالى الغني بغلظة مقال
قال الأصمعي: رأيت بالموقف أعرابيا قد رفع يده إلى السماء، وهو يقول:
أما تستحي يا خالق الخلق كلّهم ... أناجيك عريانا وأنت كريم
أترزق أولاد اللئام كما ترى ... وتترك شيخا من سراة تميم
فقلت له: ما هذه المناجاة؟ فقال: إليك عني فإني أعرف من أناجيه، إن الكريم إذا هز اهتز. فرأيته بعد أيام عليه ثياب حسنة، فقال لي: ألست ترى الكريم كيف أعتب.
ودعا أعرابي، فقال: يا رب إن كنت تدع رزقي لهواني عليك فنمرود كان أهون منّي، وإن كنت تدعه لكرامتي عليك فسليمان بن داود كان أكرم مني، فقيل له: أخذت الحبل بطرفيه.
(٧) وممّا جاء في الزهد ومدح الفقر وذم الغنى
حقيقة الزهد والحرص واليقين
قال النبي ﷺ : ليس الزهادة في الدنيا تحريم الحلال ولكن أن تكون بما في يد الله أوثق ممّا في يدك.
стр. 593
سئل حكيم عن الزهد، فقال: أن لا تطلب المفقود حتى تفقد الموجود. وقيل:
ظلّف النفس عن الشهوة. وقال سفيان: هو قصر الأمل لا أكل الغليظ ولبس العباء.
وقال يونس بن حبيب: هو ترك الراحة. وسئل الجنيد عنه، فقال: خلو الأيدي من الأملاك وخلو القلب من التتبع. وسئل مرة، فقال: ترك ما في الدار على من في الدار.
وذكر الزهد عند الفضيل، فقال: هو حرفان في كتاب الله تعالى: لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم. وهذا يوافقه قول من قيل له من الزاهد؟ فقال: من لم يغلب الحرام صبره ولا الحلال شكره.
وسئل الجنيد ﵀ عمّن لم يبق عليه من الدنيا إلا مقدار مص نواة، فقال:
المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
وقال يحيى: الزاهد هو الذي بلغ من حرصه في تركها حرص الحريص في طلبها.
وقال إبراهيم بن أدهم ﵀: الزهد ثلاثة، زهد فرض وذلك في الحرام وزهد فضل وذلك في الحلال وزهد سلامة وذلك في الشهوات.
وقيل: أصل القناعة والزهد اليقين، فمن أيقن قنع وزهد وقال ذو النون: الزهد الاستخفاف بثلاثة أشياء بالنفس والشيء والخلق فإذا استخف بالنفس عزّ به وإذا استخف بالشيء ملكه، وإذا استخف بالخلق خدمه. اليقين ترك التدبير فيما لا تملك. الحرص طلب ما في يد الغير. وقيل: الحرص تضييع الكثير وطلب القليل.
حقيقة التوكّل ووصفه
قيل: التوكل هو الاعتماد على الحقّ والتخلّي من الخلق. وقيل: الاستسلام لما قضى. وقيل: الثقة بالله فيما ضمن. وقيل: الاكتفاء بضمانه وإسقاط التهم في قضائه.
وقيل للحارث ما علامة المتوكل؟ فقال: أن لا يحركه إزعاج المستبطىء فيما ضمن له من رزقه، فقيل له: هل ينقص من توكله قصده من يسد جوعته، فقال: لا، لأن النبي ﷺ خرج فلقيه أبو بكر وعمر، فقال: ما الذي أخرجكما، قالا الجوع، فقال: أخرجني الذي أخرجكما، فدخلوا منزل أبي الهيثم فأكلوا وشربوا.
وقيل: التوكّل الانقطاع إلى الله تعالى في إيصال النعماء ودفع البلاء، ثم تلا قوله تعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
«١» .
خيّر يوسف ﵇ بين خصلتين، فاختار إحداهما، فقيل له: اخترت فتركناك مع اختيارك فبقي في السجن ما بقي.
ذمّ المال
قال الله تعالى: أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
«٢» وقال المسيح ﵇: لا خير
стр. 594
في المال، فقيل: ولم يا روح الله؟ فقال: لأنه يجتمع من غير حلّ. قيل: فإن جمع من حلال؟ قال: لا يؤدي حقّه، قيل: فإن أدى حقّه، قال لا يسلم صاحبه من الكبر والخيلاء، قيل فإن سلم قال: يشغل عن ذكر الله، قيل: فإن لم يشغل، قال: يطول عليه الحساب يوم القيامة.
وذكر المال عند أفلاطون، فقال: ما أصنع بما يعطيه الحظّ ويحفظه اللؤم ويهلكه الكرم؟ وقيل لآخر، فقال: ما أصنع بشيء يجيء بالإتفاق لا الإستحقاق، والزهد والجود يأمران بإتلافه والشؤم والبخل يأمران بإمساكه.
وقال النبي ﷺ : تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس ولا انتعش. وإذا شيك فلا انتقش.
وقال أبو الدرداء: أعوذ بالله من تفرقة القلب، قيل وما تفرقة القلب؟ قال: أن يكون للإنسان مال في كل واد. وقال النبي ﷺ : من رضي من الله باليسير من الرزق رضي الله منه باليسير من العمل.
كثرة المال سبب الهلاك وقال ابن طباطبا:
إنّ في نيل المنى وشك الرّدى ... وقياس القصد ضدّ السّرف «١»
كسراج دهنه قوت له ... فإذا غرّقته فيه طف «٢»
وقال ابن الرومي:
ألم تر أن المال يهلك أهله ... إذا جم آتيه وسدّ طريقه «٣»
ومن جاوز الماء الغزير مجمّه ... وسدّ سبيل الماء فهو غريقه «٤»
وقيل: صاحب الدنيا كدودة القز لم يزدد الأبريسم على نفسه إلّا زاد من الخلاص بعدا. وقال عبد الله بن رؤبة:
يرى راحة في كثرة المال ربّه ... وكثرة مال المرء للمرء متعب
إذا قلّ مال المرء قلّت همومه ... وتشعبه الأموال حين تشعب
كون العدم نعمة وبسط الدنيا نقمة
قال الله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ
«٥» . وقال تعالى: حَتَّى إِذا أَخَذْنا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذابِ
«٦» . وفي بعض المناجاة: يا من منعه عطاء. وقال رسول الله ﷺ :
стр. 595
يدخل فقراء أمتي الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وقال ابن أبي عيينة:
لا تشعرنّ قلبك حبّ الغنى ... إنّ من العصمة أن لا تجد
كم واجد أطلق وجدانه ... عنانه في بعض ما لم يرد «١»
وقال الحسن ﵁: ما بسط الله على أحد دنياه إلّا اغترارا، ولا طواها عنه إلا اختبارا. وقال بعضهم: نعمة الله علينا فيما طواه عنا أعظم من نعمته علينا في ما بسطه لنا.
وقال محمود الوراق:
من شرف الفقر ومن فضله ... على الغنى لو صحّ منك النّظر
أنك تعصي لتنال الغنى ... ولست تعصي الله كي تفتقر
وقال عبدان:
تبيّن فضل الفقر عندي على الغنى ... بواحدة فيها عزاء لذي حجر
متى متّ لم آسف على فقد نعمة ... يودّ الفتى من أجلها المدّ في العمر
صنوف الفقر وما يحمد منه:
قيل: الفقر على ثلاثة أقسام، فقر الخلق إلى الله وعدم الأملاك لعرض الدنيا والحرص وهو فقر الناس إلى الناس، وهو الذي استعاذ منه النبي ﷺ ، والمشار إلى فضله ما حكي عن الجنيد أنه قيل له: متى يكون الفقير مستوجبا لدخول الجنة قبل الأغنياء بخمسمائة عام؟ فقال: إذا كان موافقا لله تعالى، يعد فقره نعمة يخاف على زوالها مخافة الغني على زوال نعمته وغناه، مستغنيا بربّه، كما قال تعالى للفقراء: الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
«٢» الآية.
نفي العار بالفقر
كان النبي ﷺ يقول: اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين. وكان ﷺ يستنصر بصعاليك المهاجرين، وقال ﷺ : اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء، وقال العطوي:
ما الفقر عار إنّما العار الثرا والبخل «٣»
стр. 596
وقال رجل من بني قريع:
وكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال أبو تمّام:
لا يحسب الإقلال عدما بل يرى ... أن المقلّ من المروءة معدم «١»
طيب عيش مؤثر الفقر وعزّته وفضله
كان سقراط فقيرا، فقال له بعض الملوك: ما أفقرك؟ فقال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة. وقيل له: لم لا يرى أثر الحزن عليك؟ فقال: لأني لم أتخذ ما إن فقدته أحزنني. وقال بعض الحكماء: من أحبّ أن تقلّ مصائبه فليقل قنيته للخارجات من يده، لأن أسباب الهمّ فوت المطلوب وفقد المحبوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد.
وبهذا ألمّ ابن الرومي، فقال:
ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
حكي أنه لما غرقت البصرة أخذ الناس يستغيثون، فخرج الحسن ﵁ ومعه قصعة وعصا، فقال: نجا المخفّون. وقال بعض الزهاد، وقد قيل له أترضى من الدنيا بهذا؟
فقال: ألا أدلك على من رضي بدون هذا؟ قال: نعم، قال: من رضي بالدنيا بدلا من الآخرة.
وقيل لمحمد بن واسع ﵀: أترضى بالدون، فقال: إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا وترك الآخرة.
طيب عيش من قنع بما رزق
سئل الفرغاني عن الفتوّة، فقال: هو أن يكون في كل وقت بشرطه. وقيل لبزرجمهر أي الناس أقل هما، فقال: ليس في الدنيا إلا مهموم، ولكنّ أقلهم هما أفضلهم رضا وأقنعهم بما قسم.
وقيل لبعضهم: من أنعم الناس عيشا؟ فقال: من رضي بحاله ما كانت. وقيل: من رضي بما قسم له كان دهره مسرورا. وقيل لابن عوف ما تتمنى؟ فقال: أستحي أن أتمنى على الله ما ضمنه لي، قال بعض النقّاد:
دنيا تخادعني كأنّي ... لست أعرف حالها
حظر الإله حرامها ... وأنا احتميت حلالها «٢»
стр. 597
ووجدتها محتاجة ... فوهبت لذّتها لها
كون الدنيا عبدا لمن زهد فيها
قال زاهد لملك: أنت عبد عبدي لأنك تعبد الدنيا لرغبتك فيها، وأنا مولاها لرغبتي عنها وزهدي فيها. ويقوي ذلك ما روي عن النبي ﷺ أن الله أمر الدنيا فقال: من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه. وقيل: من زهد في الدنيا ملكها ومن حرص عليها أملكها. وقال الحسن ﵁: أهينوا الدنيا فو الله لأهنأ ما تكون حين تهان.
وقال أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعة ... وخذ ما أنت محتاج إليه
الحثّ على التوكّل في أمر الرزق وترك الحرص
قال أبو الدرداء ﵁: إن في القرآن آية لو أن جميع الناس أخذوا بها لكفتهم في القناعة. قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«١» .
وسئل بزرجمهر عن الرزق، فقال: إن كان قد قسم فلا تعجل وإن كان لم يقسم فلا تتعب. وقال الحسن ﵁: الحريص الجاهد والقنع الزاهد كلاهما مستوف حظّه، وأكله غير منتقص ما قدر له، فعلام التهافت في النار؟
وقال النبي ﷺ : لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا «٢» وتروح بطانا «٣» . وقيل للحارث كيف قال ذلك والطير تغدو في طلب الرزق وتروح؟ فقال: مهلا إن الطير يأخذ في الحوصلة وأنت لا تقنع بذلك، مع أن الطير لم يخاطب بالضمان منه لرزق ولم ينزل عليه كتاب.
وقال سهل بن وهبان: لا تكونوا للمضمون مهتمين. وقال أعرابي لآخر رآه حريصا:
يا أخي أنت طالب ومطلوب، يطلبك طالب ولن تفوته وتطلب ما كفيته كأنك لم تر حريصا محروما ولا زاهدا مرزوقا.
وقال آخر: إنك لا تدرك أملك ولا تسبق أجلك ولا تغلب على رزقك ولا تعطي حظ غيرك، فعلام تهلك نفسك؟ لكل صباح صبوح ولكل عشاء عشاء. وفي بعض كتب الله: يا ابن آدم لو أن لك الدنيا كلها لم تنل منها إلا القوت فإذا أعطيتك القوت، وجعلت حسابه على غيرك ألم أكن محسنا إليك.
стр. 598
من قلّ تفكّره في أمر الأرزاق وتوكّل على الرزّاق
قيل لصوفي من أين رزقك؟ قال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين. وقيل لآخر، فقال: من كدك على رغم أنفك رب ساع لقاعد. وقيل لزاهد من أين المطعم؟ فقال: من عند المنعم، فقال: هل بالقرب من يأتيك برزق من قوم؟ قال يأتيني به من لا تأخذه سنة ولا نوم.
وأتى رجل إلى شقيق البلخي يطلبه، فقالت امرأته قد خرج إلى الجهاد، فقال: وما خلف عليكم؟ فقالت: أرزاق شقيق أو مرزوق؟ فقال: بل مرزوق، فقالت: إن المرزوق خلف علينا الرزاق. يا هذا لا تعد إلينا فتفسد على الله قلوبنا، وسئل آخر فقال:
إن الذي شقّ فمي ضامن ... لي الرزق حتّى يتوفّاني
وسئل أحمد بن الجلاء عن قوم يدخلون البادية بلا زاد، قال: هم رجال الحق، قيل: فإن هلك أحدهم، قال: الدية على العاقلة. وقال عبد الواحد بن زيد: اجتزت بجبل لكّام «١» فرأيت جارية سوداء عليها جبة صوف، قلت من أين؟ قالت: من عند من لا تخفى عليه خافية، فقلت: إلى أين؟ قالت: إلى من يعلم السرّ وأخفى، فقلت ليس معك زاد، فنظرت إليّ شزرا وقالت:
من قصد الله لا يبالي ... بأيّ أرض بها يموت
ولم يخامره فسخ عزم ... إن هو أبطأ عليه قوت «٢»
روي عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده أن قوما من اليمن يحجون بلا زاد، فقال: أليس قد قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«٣» . وقيل: عجبا لمن آمن بكتاب الله تعالى ثم رفع بعد سماعه لقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
«٤» حاجة إلى غير الله تعالى.
تبكيت من يشفق لفقد القوت ويبكي لضرّ
شكا رجل إلى الحسن سوء الحال وجعل يبكي، فقال الحسن: يا هذا كل هذا اهتماما بأمر الدنيا، والله لو كانت الدنيا كلها لعبد فسلبها ما رأيتها أهلا لأن يبكى عليها، قال كشاجم:
لا تغد كلّا واجتنب ... أمرا يخاف العبد عاره «٥»
وإذا عدمت من المآ ... كل كلّها فكل الحجاره
стр. 599
ذمّ المشتغل برزق مستقبل الزّمان
قال أمير المؤمنين ﵁: لا تجعل همّ يومك لغدك فإن غدك إن كان من أجلك يأتي الله برزقك. وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد فقل هاتي كفيلا بالغد.
وقال شاعر:
إن ربّا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
وقال آخر:
ولا يكن همّكم في يومكم لغد
وقال آخر:
من كان لم يعط علما في بقاء غد ... ماذا تفكره في رزق بعد غد
النهي عن النظر إلى من هو فوقه
روي في الخبر: أنظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري بنعمة الله. وقال الضحاك: خصلة من وفّق لها وفق لحظة من نظر في دنياه إلى من هو دونه فاستكثر قليل ماله.
نهي ذوي عيال عن الاهتمام برزقهم
شكا رجل إلى الشبلي عياله، فقال: له إرجع إلى بيتك، ومن لم يكن منهم رزقه على الله فأخرجه من دارك. وقيل لرجل كان كثير الحاشية: لو أخرجت بعضهم لكان يكثر مالك، فهمّ بذلك فرأى ليلة في المنام كان العيال الذين همّ بإخراجهم يدخلون بيته ويخرجون دقيقا يحملونه، فسألهم عن حمل ذلك فقالوا هذا رزقنا نخرجه من دارك إلى من يتكفل بنا، فانتبه وعلم خطأ عزمه فقارّهم وزاد لكل منهم.
مدح من لا يدّخر
أتى عمر ﵁ بمال فقال: له عبد الرحمن بن عوف ﵁ لو حبست من هذا المال في بيت المال شيئا لنائبة، فقال: كلمة ما عرض بها إلا شيطان لقنني الله حجتها ووقاني فتنتها، أأعصي الله العام مخافة القابل «١» أعد لهم تقوى الله، قال تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولتكونن فتنة على من بعدك.
قال النابغة:
ولست بخابىء لغد طعاما ... حذار غد، لكلّ غد طعام «٢»
وأخذه الآخر فقال:
إن كان عندك رزق اليوم فاطرحن ... عنك الهموم فعند الله رزق غد
стр. 600
وقال آخر:
رزق غد يأتي معه
وقال آخر:
لأصبرنّ على عسري وميسرتي ... يوما بيوم كما تحيى العصافير
نهي من لا عيال له عن الاهتمام بالمعيشة
قيل:: لا تهمنّك المعيشة ما كنت وحدك، فإن المرء يعيش بالبقلة كما يعيش بالكسرة، ويروى بالمذقة «١» كما يروى بالضرع «٢» . وقيل: قلة العيال أحد اليسارين.
طيب عيش من لا مال له ولا عيال
وقال أبو حازم:
فلا ولد يروعني بسقم ... ولا مال على شرف الثّواء «٣»
ولا لي صاحب أبكي عليه ... ولا عقب أخلف من ورائي
وقال ابن عبد القدوس:
الله أحمد شاكرا ... فبلاؤه حسن جميل
أصبحت مستورا معا ... في بين أنعمه أجول
خلوا من الأحزان خفّ ... الظهر يقنعني القليل
حرا فلا منّ لمخلوق ... عليّ ولا سبيل
ونفيت بالياس المنى ... عنّي فطاب لي المقيل
طيب عيش من عنده قوت يومه
قال رسول الله ﷺ : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. وقال سفيان ﵁: من كان عنده قوت يومه فليس بفقير.
وقيل: من أعطي القوت فطلب مالا كمن أعطي السلامة فطلب المال، فإن المال ألم.
وقال شاعر:
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار جوائز
فنحن ملوك النّاس خصبا ونعمة ... ونحن أسود الغيل عند الهزاهز «٤»
وقال آخر:
أراني وقارونا سويين في الغنى ... إذا كان عندي ما يزجى به الوقت «٥»
следующие страницы →