Полный текст (1 556 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
وقال رجل من بني قريع:
وكائن رأينا من غني مذمم ... وصعلوك قوم مات وهو حميد
وقال أبو تمّام:
لا يحسب الإقلال عدما بل يرى ... أن المقلّ من المروءة معدم «١»
طيب عيش مؤثر الفقر وعزّته وفضله
كان سقراط فقيرا، فقال له بعض الملوك: ما أفقرك؟ فقال: لو عرفت راحة الفقر لشغلك التوجع لنفسك عن التوجّع لي، فالفقر ملك ليس عليه محاسبة. وقيل له: لم لا يرى أثر الحزن عليك؟ فقال: لأني لم أتخذ ما إن فقدته أحزنني. وقال بعض الحكماء: من أحبّ أن تقلّ مصائبه فليقل قنيته للخارجات من يده، لأن أسباب الهمّ فوت المطلوب وفقد المحبوب، ولا يسلم منهما إنسان، لأن الثبات والدوام معدومان في عالم الكون والفساد.
وبهذا ألمّ ابن الرومي، فقال:
ومن سرّه أن لا يرى ما يسوؤه ... فلا يتّخذ شيئا يخاف له فقدا
حكي أنه لما غرقت البصرة أخذ الناس يستغيثون، فخرج الحسن ﵁ ومعه قصعة وعصا، فقال: نجا المخفّون. وقال بعض الزهاد، وقد قيل له أترضى من الدنيا بهذا؟
فقال: ألا أدلك على من رضي بدون هذا؟ قال: نعم، قال: من رضي بالدنيا بدلا من الآخرة.
وقيل لمحمد بن واسع ﵀: أترضى بالدون، فقال: إنما رضي بالدون من رضي بالدنيا وترك الآخرة.
طيب عيش من قنع بما رزق
سئل الفرغاني عن الفتوّة، فقال: هو أن يكون في كل وقت بشرطه. وقيل لبزرجمهر أي الناس أقل هما، فقال: ليس في الدنيا إلا مهموم، ولكنّ أقلهم هما أفضلهم رضا وأقنعهم بما قسم.
وقيل لبعضهم: من أنعم الناس عيشا؟ فقال: من رضي بحاله ما كانت. وقيل: من رضي بما قسم له كان دهره مسرورا. وقيل لابن عوف ما تتمنى؟ فقال: أستحي أن أتمنى على الله ما ضمنه لي، قال بعض النقّاد:
دنيا تخادعني كأنّي ... لست أعرف حالها
حظر الإله حرامها ... وأنا احتميت حلالها «٢»
стр. 597
ووجدتها محتاجة ... فوهبت لذّتها لها
كون الدنيا عبدا لمن زهد فيها
قال زاهد لملك: أنت عبد عبدي لأنك تعبد الدنيا لرغبتك فيها، وأنا مولاها لرغبتي عنها وزهدي فيها. ويقوي ذلك ما روي عن النبي ﷺ أن الله أمر الدنيا فقال: من خدمني فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه. وقيل: من زهد في الدنيا ملكها ومن حرص عليها أملكها. وقال الحسن ﵁: أهينوا الدنيا فو الله لأهنأ ما تكون حين تهان.
وقال أبو العتاهية:
أرى الدنيا لمن هي في يديه ... عذابا كلّما كثرت لديه
تهين المكرمين لها بصغر ... وتكرم كلّ من هانت عليه
إذا استغنيت عن شيء فدعة ... وخذ ما أنت محتاج إليه
الحثّ على التوكّل في أمر الرزق وترك الحرص
قال أبو الدرداء ﵁: إن في القرآن آية لو أن جميع الناس أخذوا بها لكفتهم في القناعة. قال الله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ
«١» .
وسئل بزرجمهر عن الرزق، فقال: إن كان قد قسم فلا تعجل وإن كان لم يقسم فلا تتعب. وقال الحسن ﵁: الحريص الجاهد والقنع الزاهد كلاهما مستوف حظّه، وأكله غير منتقص ما قدر له، فعلام التهافت في النار؟
وقال النبي ﷺ : لو توكلتم على الله حقّ توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا «٢» وتروح بطانا «٣» . وقيل للحارث كيف قال ذلك والطير تغدو في طلب الرزق وتروح؟ فقال: مهلا إن الطير يأخذ في الحوصلة وأنت لا تقنع بذلك، مع أن الطير لم يخاطب بالضمان منه لرزق ولم ينزل عليه كتاب.
وقال سهل بن وهبان: لا تكونوا للمضمون مهتمين. وقال أعرابي لآخر رآه حريصا:
يا أخي أنت طالب ومطلوب، يطلبك طالب ولن تفوته وتطلب ما كفيته كأنك لم تر حريصا محروما ولا زاهدا مرزوقا.
وقال آخر: إنك لا تدرك أملك ولا تسبق أجلك ولا تغلب على رزقك ولا تعطي حظ غيرك، فعلام تهلك نفسك؟ لكل صباح صبوح ولكل عشاء عشاء. وفي بعض كتب الله: يا ابن آدم لو أن لك الدنيا كلها لم تنل منها إلا القوت فإذا أعطيتك القوت، وجعلت حسابه على غيرك ألم أكن محسنا إليك.
стр. 598
من قلّ تفكّره في أمر الأرزاق وتوكّل على الرزّاق
قيل لصوفي من أين رزقك؟ قال: الذي خلق الرحى يأتيها بالطحين. وقيل لآخر، فقال: من كدك على رغم أنفك رب ساع لقاعد. وقيل لزاهد من أين المطعم؟ فقال: من عند المنعم، فقال: هل بالقرب من يأتيك برزق من قوم؟ قال يأتيني به من لا تأخذه سنة ولا نوم.
وأتى رجل إلى شقيق البلخي يطلبه، فقالت امرأته قد خرج إلى الجهاد، فقال: وما خلف عليكم؟ فقالت: أرزاق شقيق أو مرزوق؟ فقال: بل مرزوق، فقالت: إن المرزوق خلف علينا الرزاق. يا هذا لا تعد إلينا فتفسد على الله قلوبنا، وسئل آخر فقال:
إن الذي شقّ فمي ضامن ... لي الرزق حتّى يتوفّاني
وسئل أحمد بن الجلاء عن قوم يدخلون البادية بلا زاد، قال: هم رجال الحق، قيل: فإن هلك أحدهم، قال: الدية على العاقلة. وقال عبد الواحد بن زيد: اجتزت بجبل لكّام «١» فرأيت جارية سوداء عليها جبة صوف، قلت من أين؟ قالت: من عند من لا تخفى عليه خافية، فقلت: إلى أين؟ قالت: إلى من يعلم السرّ وأخفى، فقلت ليس معك زاد، فنظرت إليّ شزرا وقالت:
من قصد الله لا يبالي ... بأيّ أرض بها يموت
ولم يخامره فسخ عزم ... إن هو أبطأ عليه قوت «٢»
روي عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده أن قوما من اليمن يحجون بلا زاد، فقال: أليس قد قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
«٣» . وقيل: عجبا لمن آمن بكتاب الله تعالى ثم رفع بعد سماعه لقوله تعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ
«٤» حاجة إلى غير الله تعالى.
تبكيت من يشفق لفقد القوت ويبكي لضرّ
شكا رجل إلى الحسن سوء الحال وجعل يبكي، فقال الحسن: يا هذا كل هذا اهتماما بأمر الدنيا، والله لو كانت الدنيا كلها لعبد فسلبها ما رأيتها أهلا لأن يبكى عليها، قال كشاجم:
لا تغد كلّا واجتنب ... أمرا يخاف العبد عاره «٥»
وإذا عدمت من المآ ... كل كلّها فكل الحجاره
стр. 599
ذمّ المشتغل برزق مستقبل الزّمان
قال أمير المؤمنين ﵁: لا تجعل همّ يومك لغدك فإن غدك إن كان من أجلك يأتي الله برزقك. وقيل: إذا طالبتك نفسك برزق غد فقل هاتي كفيلا بالغد.
وقال شاعر:
إن ربّا كان يكفيك الذي ... كان بالأمس سيكفيك غدك
وقال آخر:
ولا يكن همّكم في يومكم لغد
وقال آخر:
من كان لم يعط علما في بقاء غد ... ماذا تفكره في رزق بعد غد
النهي عن النظر إلى من هو فوقه
روي في الخبر: أنظر إلى من هو دونك ولا تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري بنعمة الله. وقال الضحاك: خصلة من وفّق لها وفق لحظة من نظر في دنياه إلى من هو دونه فاستكثر قليل ماله.
نهي ذوي عيال عن الاهتمام برزقهم
شكا رجل إلى الشبلي عياله، فقال: له إرجع إلى بيتك، ومن لم يكن منهم رزقه على الله فأخرجه من دارك. وقيل لرجل كان كثير الحاشية: لو أخرجت بعضهم لكان يكثر مالك، فهمّ بذلك فرأى ليلة في المنام كان العيال الذين همّ بإخراجهم يدخلون بيته ويخرجون دقيقا يحملونه، فسألهم عن حمل ذلك فقالوا هذا رزقنا نخرجه من دارك إلى من يتكفل بنا، فانتبه وعلم خطأ عزمه فقارّهم وزاد لكل منهم.
مدح من لا يدّخر
أتى عمر ﵁ بمال فقال: له عبد الرحمن بن عوف ﵁ لو حبست من هذا المال في بيت المال شيئا لنائبة، فقال: كلمة ما عرض بها إلا شيطان لقنني الله حجتها ووقاني فتنتها، أأعصي الله العام مخافة القابل «١» أعد لهم تقوى الله، قال تعالى:
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ولتكونن فتنة على من بعدك.
قال النابغة:
ولست بخابىء لغد طعاما ... حذار غد، لكلّ غد طعام «٢»
وأخذه الآخر فقال:
إن كان عندك رزق اليوم فاطرحن ... عنك الهموم فعند الله رزق غد
стр. 600
وقال آخر:
رزق غد يأتي معه
وقال آخر:
لأصبرنّ على عسري وميسرتي ... يوما بيوم كما تحيى العصافير
نهي من لا عيال له عن الاهتمام بالمعيشة
قيل:: لا تهمنّك المعيشة ما كنت وحدك، فإن المرء يعيش بالبقلة كما يعيش بالكسرة، ويروى بالمذقة «١» كما يروى بالضرع «٢» . وقيل: قلة العيال أحد اليسارين.
طيب عيش من لا مال له ولا عيال
وقال أبو حازم:
فلا ولد يروعني بسقم ... ولا مال على شرف الثّواء «٣»
ولا لي صاحب أبكي عليه ... ولا عقب أخلف من ورائي
وقال ابن عبد القدوس:
الله أحمد شاكرا ... فبلاؤه حسن جميل
أصبحت مستورا معا ... في بين أنعمه أجول
خلوا من الأحزان خفّ ... الظهر يقنعني القليل
حرا فلا منّ لمخلوق ... عليّ ولا سبيل
ونفيت بالياس المنى ... عنّي فطاب لي المقيل
طيب عيش من عنده قوت يومه
قال رسول الله ﷺ : من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها. وقال سفيان ﵁: من كان عنده قوت يومه فليس بفقير.
وقيل: من أعطي القوت فطلب مالا كمن أعطي السلامة فطلب المال، فإن المال ألم.
وقال شاعر:
إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار جوائز
فنحن ملوك النّاس خصبا ونعمة ... ونحن أسود الغيل عند الهزاهز «٤»
وقال آخر:
أراني وقارونا سويين في الغنى ... إذا كان عندي ما يزجى به الوقت «٥»
стр. 601
وقال أبو العتاهية:
إذا القوت تأتّى لك وال ... صّحة والأمن
وأصبحت أخا حزن ... فلا فارقك الحزن
وقال آخر:
إذا كان لي قوت بيومي وصحّة ... فلا حال أرجو بعدها أن أنالها
ولم أتتبع رتبة إن بلغتها ... أخاف بعزل أو بموت زوالها
ذمّ النفس لخوف الفقر والطمع
قيل:: أهلك الناس حب الفخر وخوف الفقر.
وقال أبو العتاهية:
رأيت النفس تحقر ما لديها ... وتطلب كل ممتنع عليها
فإن طاوعت حرصك كنت عبدا ... لكلّ دنيئة تدعو إليها «١»
تبكيت شيخ يعمر دنياه
قال محمود:
يا عامر الدنيا على شيبه ... فيك أعاجيب لمن يعجب
ما عذر من يعمر بنيانه ... وعمره مستهدم يخرب «٢»
وقال آخر:
عجبت لتغريسي نوى النخل بعدما ... طلعت على الستين أو كدت أفعل
وأدركت ملء الأرض ناسا فأصبحوا ... كأهل ديار أدلجوا فتحمّلوا «٣»
وما الناس إلا رفقة قد تحملت ... وأخرى تقضي حاجها ثم ترحل
راحة القنع وعزّته
قال الحسن في قوله تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً
«٤» ، أنها القناعة. وقال النبي ﷺ : الزهد في الدنيا يريح البدن والرغبة فيها تكثر الهم والحزن. وقيل لمحمد بن واسع:
أوصني، فقال: كن ملكا في الدنيا ملكا في الآخرة. فقال آجله. وكيف لي هذا، قال:
ازهد في الدنيا واقنع.
وقال بزرجمهر: القنع عزيز في عاجله مثاب في آجله، وقال محمد بن الحنفية ﵁: ما كرمت على أحد نفسه إلا هانت عليه دنياه. من حصّن شهوته صان قدره.
стр. 602
وقال الموسوي:
من كان يرجو نعيما لا زوال له ... فلا تكن هذه الدنيا له شجنا «١»
قال وهب: خرج العزّ والغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا. قال شاعر:
بلوغ المنى أن لا تكاثر بالمنى ... ونيل الغنى أن لا تنافس في الغنى
ومن كان للدنيا أشدّ تصوّرا ... تجده عن الدنيا أشدّ تصونا «٢»
وقيل: ثمرة القنع الراحة وثمرة التواضع المحبة.
قال الموسوي:
وإني لألقى راحتي في تقنع ... وفي طلب الإثراء طول عنائيا «٣»
وله:
حسبي غنى نفسي الباقي فكلّ غنى ... من المغانم والأموال ينتقل
وقال ابن نباتة:
وإن المرء ما استغنى غنى ... وحاجته إلى الشيء افتقاره
غمّ الحريص وتعبه
من لم يكن قنعا لم يزل جزعا. الرغبة مفتاح التعب وغاية النصب. وقيل: جعل الله الخير في بيت وجعل مفتاحه الزهد، وجعل الشر في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا.
وقال بزرجمهر: الغنى قلة التمنّي والرضا بما يكفي. غمّ الدنيا الحرص عمّا لعلك لا تناله، إياك والحرص فإنه يورد المشارب الكدرة ويسف للمطاعم القذرة.
وقال عمر ﵁: ما كانت الدنيا هم أحد إلا لزم قلبه أربع، فقر لا يدرك غناه وهم لا ينقضي مداه وشغل لا تنفذ أولاه وأمل لا يدرك منتهاه، وقيل: لا تخدم الحرص تعش ذا سرور. واجتاز عبد الله الصفار بسجن فقال لصاحب له: بم حبس من في السجن؟
فقال: لا أدري، فقال: غطى النعيم على قلبك في شيئين التشفّي والشره.
ذمّ الحريص وعزّة القنع
قال النبي ﷺ : حب الدنيا رأس كل خطيئة ومن خطبها تأهب للذل. من قل قنوعه كثر خضوعه. الحر عبد إذا طمع والعبد حر إذا قنع. الطمع طبع من صبر على الخل والبقل لم يستعبد.
وقال أبو العتاهية:
إذا ما المرء لم يقنع بعيش ... تقنّع بالمذلّة والصّغار «٤»
стр. 603
بينما فتح الموصلي في أصحابه إذا بصبيين معهما رغيفان، على رغيف أحدهما كامخ وعلى رغيف الآخر عسل، فقال: صاحب الكامخ لصاحب العسل: أطعمني من عسلك، فقال: أطعمك على أن تكون لي كلبا، فقال: أنا كلبك فجعل في فمه خرقة يجرّه بها، فالتفت فتح إلى أصحابه، وقال: لو قنع هذا بكامخه لم يصر كلبا لصاحب العسل.
ولقي صاحب سلطان فيلسوفا يلتقط الحشيش ويأكله، فقال له: لو خدمت الملوك لم تحتج إلى أكل الحشيش، فقال: وأنت لو أكلت الحشيش لم تحتج إلى خدمة الملوك.
وقيل: يا عجبا من مسكين بقناعته ثري ومن غنيّ بحرصه دنيء.
قال عبد الصمد لأبي تمام:
لست تنفكّ طالبا لوصال ... من حبيب أو راغبا في نوال «١»
أي أخي ما لحرّ وجهك يبقى ... بين ذلّ الهوى وذلّ السّؤال
وقال آخر:
أذلّ الحرص أعناق الرّجال
وقال أبو العتاهية:
الحرص داء قد أضرّ ... بمن ترى إلا قليلا
طالب الدنيا متحمّل للذلّ
قال علي بن الحسين ﵄: إنما الدنيا جيفة حولها كلاب فمن أحبها فليصبر على معاشرة الكلاب. ومن ذلك أخذ ابن حجاج:
تركت مطالب الدنيا لقوم ... دعتهم للمخازي فاستجابوا
وليس الليث من جوع بغاد ... على جيف يطوف بها كلاب «٢»
ومثله:
إنّما الدنيا ومن يص ... بو من النّاس إليها
جيفة بين كلاب ... قاتلوا حرصا عليها
الحرص فقر حاضر
قيل في قول الله تعالى فإن له معيشة ضنكا، إنه الحرص. الحرص فقر واليأس غنى. قد يكثر المال والإنسان مفتقر، وهذا مأخوذ من قول بعضهم وقد سئل: أفلان غني، فقال: لا أدري غناه ولكنه كثير المال. سأل النعمان ضمرة بن ضمرة عن الفقير، فقال: الذي لا تشبع نفسه وإن كان من ذهب حلسه. وحمل رجل إلى إبراهيم بن أدم شيئا، فقال: ألك مال، قال: نعم. قال: أتحب أكثر منه، قال: شديدا، قال: إنك فقير.
وأنا لا أقبل الصلة إلا من غني، عنى بذلك ما روي: الغنى غنى النفس.
стр. 604
الحرص عماد كلّ شرّ
قال الفضيل: جعل الشر كلّه في بيت وجعل مفتاحه حبّ الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا. وقيل: الحرص رأس كل خطيئة. وفي الحديث:
إن الصفاة الزلاء التي لا يثبت عليها قدم العلماء الطمع.
الحرص يمنع صاحبه التمتّع بما خوّله
قيل:: الحريص يشغله طلب ما أمل عن التمتع بما خول، ومن هذا أخذ كشاجم:
ومستزيد في طلاب الغنى ... يجمع لحما ما له طابخ
ضيّع أموالا بما يرتجي ... والنّار قد يطفئها النافخ «١»
الحرص سبب التلف
الليث يبعث حتفه كلبه. في كتاب كليلة: من لم يرض بما يكفيه وطلب الفضول، كان كالذباب الذي لا يرضى حتى يطلب الماء السائل من آذان الفيلة فتضربه بآذانها فترديه.
وقيل:
إن المطامع تنصب الشبكا «٢»
وقال ابن أبي الأسود:
قد دعاه الطمع الكا ... ذب والحرص اللجوج
صيد بالحرص وقد يصطا ... د بالحرص الزّنوج
قدح الحرص في العقل
قيل:: أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. وقال عمر ﵁: ما الخمر صرفا أذهب لعقول الرجال من الطمع، ما أعمى النفس الطامعة عن العقبى الفاجعة.
وقيل: الحرص والطمع إلهان معبودان.
عود حريص على نفسه باللائمة
وقال شاعر:
ولو أنّي رضيت مقسوم أمري ... لكفاني من الكثير القليل
وقال آخر:
نسعى وأيسر هذا السعي يكفينا ... لولا تطلبنا ما ليس يعنينا
وقال أبو العتاهية:
أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو أني قنعت لكنت حرّا
стр. 605
وقال آخر:
رأيت مخيلة فطمعت فيها ... وفي الطمع المذلّة للرّقاب «١»
وقال الحارثي:
حتّى متى وإلى متى ... طول التّمادي في اللعب
لا تستفيق ولا تفيق ولا تمل من الطلب
وقال سابق البربري:
النفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة منها ترك ما فيها
وقال أبو جرير السلمي:
كلّفني حرصي على الدراهم ... خدمة من لست له بخادم
وقال أحمد بن بارس:
أجيء به من حلّه وحرامه ... إلى حامد لي فيه أو غير حامد «٢»
وأشقى به من بينهم بحسابه ... وحظّي من إنفاقه حظّ واحد
وأنشد عبد الله الخازن لنفسه:
يا نفس يا نفس ثقي ... بالله ربا واتّقي
لا تحسبي أنّك إن ... لم تتعبي لم ترزقي
واقتصدي واقتصري ... فما أقلّ ما بقي
نهي المرء عن جمع ما عساه لا ينفعه
قال النبي ﷺ : إن لك في مالك شريكين الحارث والوارث فلا تكن أخس الثلاثة نصيبا. وقال ﷺ : إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو تصدقت فأمضيت أو لبست فأبليت، وما سوى ذلك فهو للوارث.
وقيل لبخيل: لم تحبس المال وتقاسى الشدة؟ فقال: خشية الفقر، فقيل: قد نزل بك الفقر بتضييقك عن نفسك، ومن هنا أخذ المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فعل الفقر
وقال العطوي:
جمعت مالا ففكر هل جمعت له ... يا جامع المال أياما تفرّقه
وقال أبو العتاهية:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
стр. 606
وقال آخر:
نرقع بعض دنيانا ببعض ... ونترك ما نرقعه ونمضي
وقال آخر:
وما تصنع بالدّنيا ... وظلّ الميل يكفيك «١»
التزهيد في الإدخار للوارث والتحسّر على ذلك
قال الحسن بن علي ﵄: يا بنيّ لا تخلف وراءك شيئا من الدنيا فإنك تخلفه على رجلين: رجل عمل بطاعة الله تعالى فسعد بما شقيت به، ورجل عمل بمعصيته فكنت عونا له على ذلك، وليس أحد بحقيق «٢» على أن تؤثره على نفسك أغبن الغبن كدك فيما نفعه لغيرك.
وقال أبيّ لأخيه، وكان مثريا بخيلا: يا أخي إن مالك إن لم يكن لك كنت له فلا تبق عليه فإنه لا يبقى عليك، وكلّه قبل أن يأكلك.
قال الخليل: لم ير الرجل يجمع المال إلا لثلاثة أنفس، وهم أبغض خلق الله إليه، لزوج امرأته وامرأة ابنه وزوج ابنته. وقيل: المأكول للبدن والموهوب للشكر والمدخر والمحفوظ للعدو. وقيل: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه ويوم حشره ميزانه. وقال جعفر بن يحيى: شر مالك ما لزمك مكسبه وحرمت أجر إنفاقه.
وقال أبو الشّيص:
يقول الفتى ثمّرت مالي وإنّما ... لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
يحاسب فيه نفسه بحياته ... ويتركه نهبا لمن لا يحاسبه «٣»
وقال آخر:
بقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم حالت بك الجال
ملّوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال «٤»
وقال آخر:
هالوا عليه الترب ثم انثنوا ... عنه وخلّوه وأعماله
لم ينقض النّوح من داره ... عليه حتّى اقتسموا ماله
وقال آخر:
إذا كنت جمّاعا لمالك ممسكا ... فأنت عليه خازن وأمين
стр. 607
تؤديه مذموما إلى غير حامد ... فيأكله عفوا وأنت دفين
وقال النمر بن تولب:
وذي إبل يسعى ويحسبها له ... أخي نصب في سقيها ودؤوب «١»
غدت وغدا ربّ سواه يسوقها ... وبدّل أحجارا وجال قليب «٢»
وقال أبو العتاهية:
ومن الحزم أن أكون لنفسي ... قبل موتي فيما ملكت وصيا
أوصى رجل أكتب: ترك فلان ما يسؤوه وينوؤه مالا يأكله وارثه ويبقى عليه وزره.
وقيل لرجل: أشرف، وكان قد جمع مالا ولم يكن له ولد، فقال: حصلت لغير الولد حسرة الأبد.
وكان هشام بن عبد الملك حبس عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد وضربه وألبسه المسوح، فلم يزل محبوسا مدة ولاية هشام فلما ثقل هشام، وصار في حد من لا يرجى، أرسل عياض إلى الخزّان أن احفظوا ما في أيديكم، فأفاق هشام وطلب شيئا، فلم يؤت به، فقال: ترانا كنا خزانا لغيرنا. فخرج عياض من الحبس فختم الباب وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنع أن يكفن من الخزانة، فاستعير قمقم أغلى الماء فيه له، فقال الناس:
إن في هذا العبرة لمن اعتبر.
قال الموسوي:
وما جمعي الأموال إلا غنيمة ... لمن عاش بعدي واتهام لرازقي
وفي الحديث: ما أعطى عبد شيئا من عرض الدنيا إلا قيل له خذه وضعفيه حرصا.
وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح كلما ازداد الإنسان منه شربا ازداد عطشا.
قال محمود الورّاق:
أراك يزيدك الإثراء حرصا ... على الدنيا كأنّك لا تموت
فهل لك غاية إن صرت يوما ... إليها قلت حسبي قد غنيت
وقيل: مريد الدنيا كشارب الخمر قليلها يدعو إلى كثيرها. المستغني بالدنيا عن الدنيا كمطفىء النار بالتبن وقال النبي ﷺ : لو أن لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب. وقال أيضا: منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا. وقال بعضهم:
غنى النفس ما يكفيك من سدّ حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
стр. 608
وقال ابن نباتة:
كلّما يفضل الكاف فضول
التحذير من طول الأمل وقرب الأجل
كم من مستقبل يوما ليس بمستكمله ومنتظر غدا ليس من أجله، ولو رأيتم الأجل ومروره لأبغضتم الأمل وغروره. وكان الحسن ﵁ إذا نعى له دنيوي، يقول:
شقي والله ما بقيت له الدنيا ولا بقي لها، ولو ظهرت الآجال لافتضحت الآمال. من جرى في عنان أمله عثر لا شك في أجل. كم منية جلبت منية.
بقاء الأمل وازدياده مدة بقاء الأجل
قيل:: الآمال لا تنتهي والحي لا يكتفي. وقيل: المرء ما دام حيا خادم الأمل. وفي الخبر: يهرم ابن آدم ويشب معه إثنان الحرص والأمل. أخذه المتنبي، فقال:
وفي الجسم نفس لا تشيب لشيبه ... ولو أنّ ما في الوجه منه حراب «١»
يغيّر منّي الدهر ما شاء غيرها ... وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب «٢»
وقيل للمسيح: ما بال المشايخ أحرص على الدنيا من الشبان، فقال: لأنهم ذاقوا من طعم الدنيا ما لم يذقه الشبان.
حاجة الحيّ لا تنقطع
قال الله تعالى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ
«٣» قيل معناه: يكابد مضايق الدنيا ما دام حيا بعضهم. وحاجة من عاش لا تنقضي، وقال عبدة بن الطبيب:
والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل
وأنشد ذلك عمر ﵁، فأخذ يكرره ويعجب من صحة تقسيمه. وقال آخر:
النّفس لا تنقضي مآربها
وقال آخر:
والمرء تواق إلى ما لم ينل
وقال الموصلي:
المرء ما عاش لا يزال له ... في نفسه حاجة يطالبها
وقال لبيد:
إذا المرء أسرى ليله خال أنّه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل «٤»
стр. 609
قلّة وجود الزّهد
سمع بعضهم رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ فقال: إقلب وضع يدك على من شئت، قال:
وقلّما تجد الراضين بالقسم
وقيل: لم يقسم الله شيئا بين العباد أقل من الزهد واليقين.
التخويف من النفس والشهوة والاستعاذة منهما
قال ابن عباس ﵄: الهوى إله معبود. الخائف من يخاف نفسه أكثر مما يخاف عدوه. قال ابن مسعود ﵄: اللهم إني أستعيذك على نفسي عدوّي ولا عقوبة فيها.
وقال أعرابي لرجل: كبت الله كل عدو لك إلا نفسك. وقال صوفي: من توهم أن له عدوّا أعدى من نفسه قلّ علمه بنفسه.
وقال يحيى بن معاذ ﵁: من سعادة المرء أن يكون خصمه عاقلا وخصمي لا عقل له، فقيل له ومن خصمك؟ فقال: نفسي، فأيّ عقل لها وهي تبيع الخلود في الجنة بشهوة ساعة.
من سامح نفسه فيما تحب أتعب جوارحه وفقد من الراحة حظّه. من كثرت شهوته دامت هفوته.
قال شاعر:
ولم تتغالب شهوة ومروءة ... فيفترقا إلا وللشهوة الغلب
وقال آخر:
شهوات الإنسان تكسبه الذ ... لّ وتلقيه في البلاء الطويل
الحثّ على قدع «١» النفس
قال ابن المقفع: أعظم الجهاد جهاد المرء نفسه، لقول الله تعالى إن النفس لأمارة بالسوء.
قال عمر ﵁: جاهدوا أنفسكم كما تجاهدون أعداءكم. وكان الحجاج يقول على المنبر: إقذعوا هذه النفس فإنها طلعة «٢» . وقال الجنيد رحمه الله تعالى: لا تسكن إلى نفسك وإن دامت طاعتها فإن لها خدائع ومتى سكنت إليها فأنت مخدوع.
وسئل أنوشروان: أي الأشياء أحق بالإتقاء؟ قال: أعظمها مضرة. قال: فإن جهل قدر المضرة؟ قال: أعظمها من الهوى نصيبا، فالهوى للنفس البهيمة والرأي للنفس الإنسانية.
стр. 610
قال بعض الحكماء: قبيح للرجل أن يركب الفرس فيكون الفرس هو الذي يدبر الفارس، وأقبح من ذلك أن تكون هذه النفس التي ألبسناها هي التي تدبرنا لا نحن ندبّرها.
قال شاعر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
وقال أبو العتاهية:
إذا طاوعت نفسك كنت عبدا ... لكلّ دنيئة تدعو إليها
وقال عبيد العنبري:
يعدّ الفتى أعداءه وصديقه ... ونفس الفتى أعدى عدوّ يحاوله
وقال آخر:
إذا المرء لم يترك طعاما يحبّه ... ولم ينه قلبا غاويا حيث يمّما «١»
قضى وطرا منه وغادر سبّة ... إذا ذكرت أمثالها تملأ الفما
وقال آخر:
وأنت إذا أعطيت فرجك سؤله ... وبطنك نالا منتهى الذمّ أجمعا
وقد مضى بعض ذلك في موضع آخر.
النفس تنبسط إذا بسطت وتنقدع إذا قدعت
قال منصور بن عمار: عود نفسك الخير فإن النفس عروف ألوف، واعتبر أنك إذا أصبحت مفطرا طمعت في الغداء وإذا أصبحت صائما يئست منه. قال أبو ذؤيب:
والنفس راغبة إذا رغّبتها ... وإذا تردّ إلى قليل تقنع
وقال بعضهم: لا تحدث نفسك بالفقر وطول البقاء ولكن حدثها بالكفاف والفناء، قال أبو العتاهية:
إقنع لنفسك ترضها ... واملك هواك وأنت حرّ
وقال آخر:
وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى ... فإن طمعت تاقت وإلا تسلّت «٢»
مدح قادع نفسه عن الشّهوات
قد مدح الله قادع نفسه عن الشهوات، فقال: وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ
стр. 611
الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى
«١» قال أبو حازم: ما احتجت إلى شيء مما يستقرض إلا استقرضته من نفسي. وقال ملك لعابد ما منعك أن تخدمني وأنت عبدي، فقال: لو صدقت نفسك لعلمت أنك عبد عبدي؟ فقال: كيف؟ قال: لأني ملكت الشهوة فهي عبدي وقد ملكتك فأنت عبدها فقال: صدقت. قال أشجع:
تجافى عن الدّنيا فقد فتقت له ... خواصرها واستقبلته أمورها
وقال آخر:
وخلّى عن الدّنيا وقد فرشت له ... محفلة أخلافها لم تصرّم
مدح متظلف «٢» عن مال غيره متبرع بماله
وصف أعرابي رجلا، فقال: هو بماله متبرّع وعن مال غيره متورّع.
وقال شاعر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه «٣»
وقال آخر:
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى
وقال إبراهيم بن العباس:
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأدنى إذا ما افتقرا
وقال آخر:
فتى إن هو استغنى تخرّق في الغنى ... وإن قلّ مالا لم يضع سنّة الفقر «٤»
وقال ابن أبي ليلى لابن شبرمة: أما ترى هذا الحائك لا نفتي في مسألة إلا خالفنا فيها، يعني أبا حنيفة ﵁، فقال: ابن شبرمة: لا أدري حياكته ولكني أعلم أن الدنيا غدت إليه فهرب منها وهربت منّا فطلبناها.
ذمّ إظهار الفقر والنهي عنه
قيل: أشدّ الأشياء مؤنة الفاقة وأشدّ من ذلك الاستكانة إلى من لا يجبرها. وقال أمير المؤمنين ﵁: رضي بالذل من كشف ضرّه. وقال حكيم: استتر من الشامتين بحسن العزاء عند النوائب.
وقال النبي ﷺ : من هداه الله للإسلام وعلمه القرآن ثم شكا الفاقة كتب الفقر بين عينيه إلى يوم القيامة، ثم تلا قوله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ
стр. 612
مِمَّا يَجْمَعُونَ
«١» . قال بزرجمهر: لم أر ظهيرا على تقلب الدول كالصبر ولا مذلا للحاسد كالتجمّل. وسئل متى يفحش زوال النعمة؟ فقال: إذا زال معها حسن التجمّل.
وقال زيد الفوارس:
ألم تعلمي أني إذا الدهر مسّني ... بنائبة زلّت ولم أتترس «٢»
مدح صابر على فقره صائن لنفسه
قال كثيّر:
إذا قلّ مالي زاد عرضي كرامة ... عليّ ولم أتبع دقاق المطامع
قال خليفة بن مر:
إنا إذا حطمة حتّت لنا ورقا ... نكابد العيش حتّى ينبت الورق «٣»
وقال آخر:
وكم أزمة للدهر ألقت جرانها ... عليّ فلم تهتك مذلّتها ستري «٤»
وقال ابن هرمة:
وأصرف عن بعض المياه مطيّتي ... إذا أعجبت بعض الرجال المشارع «٥»
المتسلّي عمّا يذهب له من المال
أصيب أعرابي بزرع لم يكن له غيره، وكان بقفر خلاء، فقال: يا رب اصنع ما شئت فرزقي عليك. وقيل: إذا سلمت النفس فالمال هدر. ودخل على علي بن الجهم صديق له، وقد أخذ كلّ ماله وهو يضحك، فقال له في ذلك، فقال: لأن يزول مالي وأبقى أحب إليّ من أن أزول ويبقى مالي.
قال شاعر:
نعمة كانت على قو ... م زمانا ثم زالت
هكذا النعمة والإن ... سان مذ كان وكانت
تسلب النعمة أو يخ ... رج منها إن أقامت
البيت الأخير كالخبر المتقدم.
стр. 613
عفّ الفقر مشترك الغنى
قال جرير:
وإني لعفّ الفقر مشترك الغنى ... سريع إذا لم أرض داري انتقاليا
وقال عمرو بن سراقة:
ولست بولّاج البيوت لفاقة ... ولكن إذا استغنيت عنها ولجتها «١»
وقال ابن أبي فنن:
ليس لي في العلا شريك ولا الفق ... ر، ولي في الثّراء ألف شريك
ولهذا باب في الأخوانيات.
مدح صابر على الجوع
قيل لبعضهم: إنك قد أطلت جوعك فكيف ترى ذلك، فقال: نعم الغريم الجوع كلما أعطى شيئا رضي.
وقال الخبزارزي:
يطوي إذا ما الشحّ أبهم فعله ... بطنا من الزاد الخبيث خميصا «٢»
وقال آخر:
إذا مطعمي كان ذا غصّة ... غسلت يدي منه قبل اكتفائي
وقال آخر:
لأكلة بجريش الملح تأكله ... ألذّ من ثمرة تحشى بزنبور «٣»
وذكر بعض ذلك في فصل الأكل.
فقير عرض عليه مال فتزهّد فيه
لما رجع الرشيد عن الحج كان قد نذر أن يتصدق بألف دينار على أحق من يجده، فدفع يوما ألف دينار إلى بعض ثقاته وأمره أن يطلب فقيرا مستحقا فيعطيه، فأخذ يطوف في الأسواق فإذا رأى فقيرا مستحقا للإعطاء، قال: لعلّي: أجد أفقر منه، فانتهى بالعشي إلى عريان محلوق الرأس في خربة، فقال في نفسه: لا أجد أفقر من هذا. فقال: يا فتى خذ هذا المال واستغن به، فقال: لا حاجة لي فيه، قال: أحب أن تأخذه، قال: إن كان
стр. 614
ولا بد فثم حجّام حلق رأسي ولم يكن معي شيء فادفعه إليه، قال: فقصدت الحجام فامتنع من أخذه، فقلت: هو ألف دينار، فقال: ما حلقت رأسه إلا للثواب فلا آخذ عليه أجرة. قال: فعدت وما وجدت أكرم منهما وأهون منّي، فأخبرت الرشيد بأمرهما فبعثني في طلبهما فكأن الأرض ابتعلتهما ولم أظفر بهما.
ولما حجّ الرشيد دخل على الفضيل فوعظه بما وعظه، وأراد الخروج، فقال: يا فضيل هل عليك دين؟ فقال: نعم، دين ربي لو يحاسبني عليه. فالويل لي إن حاسبني عليه، والويل لي إن ناقشني، فقال الرشيد: إني أسألك عن دين العباد، فقال: عندنا بحمد الله خير كثير لا نحتاج معه إلى ما في أيدي الناس، قال: هذه ألف دينار فاستعن بها، فقال: يا حسن الوجه أدلك على النجاة وتكافئني بالهلاك، اسأل الله التوفيق فلما خرج عاتبته بنيّته، فقالت: لو أخذتها فاستعنا بها، فقال: إن مثلي ومثلكم مثل قوم كان لهم بعير يكدونه ويأكلون من كسبه فلما كبر وسقط عن العمل نحروه فأكلوه.
ومر الإسكندر ببلد كان ملكه سبعة ملوك من صلب واحد ففنوا، فقال لأهله: هل بقي من نسل الأملاك السبعة أحد؟ قالوا: نعم، رجل يكون في المقابر فقصده، وقال: ما دعاك إلى ملازمة المقابر؟ فقال: أردت أن أعزل عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدت عظامهم سواء. قال: فهل لك أن تتبعني فأحيي لك شرف آبائك إن كان لك همّة، قال: إن همتي عظيمة إن كانت بغيتي عندك، قال: وما بغيتك؟ قال: حياة لا موت فيها وشباب لا هرم معه، وغنى لا فقر بعده، وسرور لا يغيره مكروه، فقال: لا أقدر على ذلك، فقال:
إمض لشأنك ودعني أطلب بغيتي ممّن عنده ذلك. قال الإسكندر: هذا أحكم من رأيت.
وقف أعرابي على محمد بن معمر، وكان محمد جوادا، فسأله، فخلع خاتمه ودفعه إليه، فلما ولّى قال: يا أعرابي لا تخدعنّ عن هذا الفصّ فإن شراءه على مائة دينار، فمضغ الأعرابي الخاتم وقلع فصه، وقال دونكه فالفضة تكفيني أياما، فقال: هذا والله أجود مني.
التّحذير من مخالطة الأغنياء
قال أبو الدرداء عن النبي ﵊: إياكم ومجالسة الأموات، قالوا ومن الأموات؟ قال: الأغنياء وقال الثوري: إياكم وجيران الأغنياء وقراء الأسواق وعلماء الأمراء. وقال خباب في قول الله تعالى ولا تعد عيناك عنهم، نزلت في الفقراء.
وقال عمر ﵁: لا تدخلوا بيوت الأغنياء فإنها مسخطة للرزق. وقال سوار لأولاده: لا تعاشروا المهالبة فإنكم إذا رأيتم نعمتهم تسخطتم ما قسم لكم.
وقيل: لا تصحب غنيا فإنك إن ساويته في الإنفاق أضرّ بك وإن تفضّل عليك استذلّك.
ووقف بعض المجانين على قوم لهم بعض يسر، فقال:
سلامة الدّين والدّنيا فراقكم ... وحبّكم آفة الدّنيا مع الدين
وجاء أبو محمد السمرقندي إلى الفضيل، ومعه أولاد البرامكة وعليهم قمص لها
стр. 615
جربانات عراض، فسألوه أن يحدثهم فامتنع، فقام مغضبا، فقال الفضيل: ردّوه فردّوه، فقال: بلغنا أن عيسى صلوات الله عليه قال: تحببوا إلى الله ببغض أهل المعاصي وتقربوا إليه بالتباعد عنهم والتمسوا رضاه بسخطهم، فقيل: يا روح الله فمن نجالس؟ فقال: من تذكركم الله رؤيته ويزيد في علمكم منطقه وترغبكم في الآخرة مجالسته، قم فقد حدثتك.
متزهّد اضطرارا لا اختيارا
قيل لرجل: أزهدت؟ فقال: زهدي اضطراري.
قال الموسوي:
زهدت وزهدي في الحياة لعلّة ... وحجّة من لا يبلغ الأمل الزهد
وله:
قالوا أتقنع بالدّون الخسيس وما ... قنعت بالدّون بل قنّعت بالدّون «١»
أخي من باع دنياه وزخرفها ... بصوفة كان عندي غير مغبون «٢»
وقال ابن الرومي:
أنا الرجل المدعو عاشق فقره ... إذا لم تكارمني صروف زماني «٣»
وقال بعضهم:
إذا المرء لم يقدر له ما يريده ... تحمّل ما يقضى له شاء أم أبى
وهذا نحو: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
اعتبار ديانة المرء بزهده في المال وحرصه عليه
روي في الخبر: لا تنظروا إلى صوم الرجل وصلاته وانظروا إلى طمعه إذا أشرف.
وفي عكس ذلك، قيل لعمر بن عبد العزيز: فلان عفيف عن الدراهم، فقال: الشيطان أعف منه لا يمس قط درهما ولا دينارا.
стр. 616
الحدّ التاسع في الاستعطاء والعطاء
(١) فمّما جاء في قصد أولي الآمال
المأمول مقصود. شكا الفضل بن سهل إلى الزبير بن بكار كثرة من يقتفي بابه للحوائج، فقال: لا عليك، إن أحببت أن لا يلتقي ببابك إثنان فاعتزل ما أنت فيه من عمل السلطان، فإن نعم الله جاءت بهم إليك، ثم أنشده:
من لم يواس النّاس من فضله ... عرّض للإدبار إقباله «١»
فقال: صدقت وبررت. وسأل رجل عن فضل بعض الأكابر، فقال: أما ترى إزدحام الناس على بابه وكثرة قصاده وطلابه.
قال أشجع:
على باب أبي منصور ... علامات من البذل
جماعات وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل
وقال بعضهم:
يزدحم النّاس على بابه ... والمنهل العذب كثير الزّحام
الممدوح بكثرة القصّاد
قال زهير:
قد جعل المبتغون الخير في هرم ... والسائلون إلى أبوابه طرقا
وقال حسّان:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل «٢»
وقال أعرابي: قصدت فلانا فوجدت بابه كعرصة المحشر «٣» يهوي إليه كل معشر،
стр. 617
فداره مجمع العفاة ومربع المكرمات حاضرة الجود والحسب.
وقال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاته ... ومجلسه بالمكرمات منجد «١»
وقال الجاحظ: كان العلماء يستجيدون بيت الأعشى:
لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق «٢»
تشبّ لمقرورين يصطليانها ... وبات على النّار النّدى والمحلّق «٣»
حتى قال: الحطيئة:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد «٤»
فحينئذ فضلوا هذا وصار لحسنه ناسخا لبيت الأعشى.
من دعا العفاة إليه كثرة الثناء عليه
دخل رجل على أبان بن الوليد، فقال: أصلح الله الأمير أحفيت إليك الركاب وقطعت العقاب وأخلقت الثياب، فقال أبان: ما دعاك إلى ذلك، أقرابة أم جوار أم عشرة متقدمة أم وصلة متأكدة، فقال: لم يكن من ذلك شيء، ولكني سمعت الناس ينشدون بيتا قلته فيك فعلمت فيك خيرا، وهو:
وما شيم لي برق وإن كان نازحا ... فيخلف إذ بعض البوارق خلّب «٥»
فأمر له بجمال ومال، ولما قصد ذو الرمّة بلال بن أبي بردة وأنشده:
سمعت النّاس ينتجعون غيثا ... فقلت لصيدح انتجعي بلالا «٦»
وصيدح اسم ناقته. قال: يا غلام أعلفها قتا ونوى.
وقال بشار:
دعاني إلى عمر جوده ... وقول العشيرة بحر خضمّ
ولولا الذي خبّروا لم يكن ... لأحمد ريحانه قبل شمّ
وقال الموسوي:
دعاني إليك العزّ حتّى أجبته ... ومن طلبته جمّة الماء أوردا
стр. 618
قصد من يتلقّى زائره النجاح
قال بعضهم:
أتينك لم يزجرن دونك سانحا ... ولا بارحا إلا وهنّ سعود «١»
وقال المتنبيّ:
ولو سرنا إليه في طريق ... من النيران لم نخف احتراقا
وقال القاضي علي بن عبد العزيز:
كلّ الزمان إذا أفضى تصرّفه ... إليك وقت نزول الشمس في الحمل «٢»
وقال ابن أبي طاهر:
بلغت مرادي واطمأنّت بي النّوى ... وقال لي الورّاد أعشبت فانزل
وقال أعرابي:
كلّ أيامه توالت علينا ... بسعود بلغننا ما نوينا
لم يكن دهره كما قيل في الأمث ... ال يوم لنا ويوم علينا
من أطمع مخلفيه في نوال من يعتفيه
قال أبو عثمان المازني: أشخصني الواثق، فلما دخلت عليه سألني عن اسمي، فقلت: بكر بن محمد، فقال: هل لك من ولد، قلت: نعم بنيّة قال: فما قالت لك حين فارقتها، قال: أنشدتني بيت الأعشى:
فيا أبتا لا ترم عندنا ... فإنا بخير إذا لم ترم «٣»
أرانا إذا أضمرتك البلا ... د نجفى ويقطع منّا الرحم «٤»
قال فبم أجبتها، قلت: ببيت جرير:
ثقي بالله ليس له شريك ... ومن عند الخليفة بالنّجاح
فقال: أعطوه ألف دينار.
وقال أبو نواس:
تقول التي من بيتها خفّ مركبي ... عزيز علينا أن نراك تسير
أما دون مصر للفتى متّطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير
стр. 619
ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير «١»
فتى يشتري حسن الثناء بماله ... ويعلم أن الدائرات تدور «٢»
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
من يهين أو يكرم مركوبه إذا بلغ مطلوبه
وقال الشمّاخ:
إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فأشرقي بدم الوتين «٣»
قد استقبح الناس هذا المعنى، وقالوا: بئسما جازاها. وهذا مثل ما قال النبي ﷺ للمرأة التي ركبت بعير النبي ﷺ وتخلصت به، فقالت: يا رسول الله إني نذرت إن خلصني الله به لأنحرنّه، فقال ﷺ : بئسما جازيته لا نذر في مال غيرك.
وقال أبو نواس معارضا للشمّاخ:
أقول لناقتي إذ بلّغتني ... لقد أصبحت عندي بالثمين
فلم أجعلك للغربان نحلا ... ولا قلت أشرقي بدم الوتين
وقال آخر:
وإذا المطيّ بنا بلغن محمّدا ... فظهورهنّ على الرجال حرام
قرّبننا من خير من وطىء الثّرى ... فلها علينا حرمة وذمام «٤»
من ذكر أنه تحمّل تعبا في قصد معتفاه
دخل رجل على معاوية، فقال: هززت ذوائب الرحال إليك إذ لم أجد معولا إلّا عليك، أمتطي إليك بعد النهار واسم المجاهل بالآثار، يقودني نحوك رجاء ويسوقني إليك بلاء، والنفس مستبطئة والاجتهاد عاذر إذا بلغتك فقط، فقال: إحطط رحالك وقوّ آمالك وكن على ثقة بالإنصاف والإسعاف.
وقدم وفد بني تميم على عبد الملك وفيهم عمرو بن عتبة، فقال: يا أمير المؤمنين نحن من نعرف وحقّنا لا ينكر، وجئناك من بعيد ونمت بقريب وما تعطينا من خير فنحن أهله، وما ترى من جميل فأنت أصله، فضحك عبد الملك، وقال: يا أهل الشأم هؤلاء قومي وهذا كلامهم.
стр. 620
الرّاغب عن كلّ نعمة دون بلوغ مجتداه
وقال طريح:
قصدتك عاريا من كلّ منّ ... لكل الخلق في كلّ المعاني
فلو دنياي قابلني غناها ... بغيرك ما ثنيت لها عناني «١»
وقال سعد بن ضمضم:
أظل أدعو باسمه ودونه ... قوم كرام رغبة تركتهم
تخيّروا فاخترته عليهم ... وما بهم بأس ولا ذممتهم
وقال ابن الرومي:
جعلت على ملوك الأرض طرّا ... محار مطيّتي وعليه حبسي «٢»
وقال المتنبيّ:
قواصد كافور توارك غيره ... ومن ورد البحر استقلّ السواقيا «٣»
فجاءت بنا إنسان عين زمانه ... وخلّت بياضا خلفها ومآقيا
فتأتّى له أجود معنى بقوله إنسان عين زمانه لجودة المعنى، ثم لموافقة كون ممدوحه أسود، وله يخاطب ناقته:
أمّي أبا الفضل المبرّ أليّتي ... لأيمّمنّ أجلّ بحر جوهرا «٤»
تركت دخان الرمث في أوطانها ... طلبا لقوم يوقدون العنبرا «٥»
ومثله للأسدي:
إليك أمير المؤمنين رحلتها ... من الطلح تبغي منبت الزرجون «٦»
وقال الموسوي:
أتيت وفي كفّي خطام نجيبة ... مدفّعة في كلّ قرب إلى بعد «٧»
فما خدعتها روضة عن مسيرها ... ولا لمع معسول تطلع من ورد «٨»
إذا لحظت ماء جذبت زمامها ... وقلت ارغبي بالقل عن مورد ثمد «٩»
стр. 621
وقال آخر:
كرام نقصت النّاس لمّا بلغتهم ... كأنّهم ما جفّ من زاد قادم
قصد من طاب في فنائه الزمان والحياة
وقال ابن الرومي:
أريد مكانا من كريم يصونني ... وإلّا فلي رزق بكلّ مكان
وقال المتنبيّ:
وما رغبتي في عسجد أستفيده ... ولكنّها في مفخر أستجدّه «١»
وله:
إذا نلت منك الجاه فالمال هيّن ... وكلّ الذي فوق التّراب تراب «٢»
من قصد سلطانا سائلا لقومه
أتى عبد العزيز بن زرارة باب معاوية، فلما أذن له وقف بين يديه، فقال: يا أمير المؤمنين دخلت إليك بالأمل واحتملت جفوتك بالصبر، ورأيت قوما أدناهم منك الحظ وآخرين باعدهم منك الحرمان، فليس للمقرب أن يأمن ولا للمبعد أن ييأس.
وقال زياد بن أبيه: أشخصت قوما إليك الرغبة وأعقدت آخرين عنك المعاذير، وقد جعل الله في سعة فضلك ما يجير المتخلف ويكافىء الشاخص، والخير دليل على أهله، والخصب منتجع في مظانّه.
وقيل: أصاب القوم مجاعة في عهد هشام فدخل إليه وجوه الناس من الأحياء، وفي جملتهم درواس بن حبيب العجلي وعليه جبة صوف مشتمل عليها بشملة قد اشتمل بها الصماء، فنظر هشام إلى حاجبه نظر لائم في دخول درواس إليه، وقال: أيدخل عليّ كل من أراد الدخول. وكان درواس مفوّها فعلم أنه عناه، فقال درواس: يا أمير المؤمنين ما أخلّ بك دخولي عليك ولقد شرفني ورفع من قدري تمكني من مجلسك، وقد رأيت الناس دخلوا لأمر أعجموا عنه، فإن أذنت في الكلام تكلّمت، فقال هشام: لله أبوك تكلّم، فما أرى صاحب القوم غيرك، فقال: يا أمير المؤمنين تتابعت علينا سنون ثلاث، أما الأولى فأذابت الشحم، وأما الثانية فأكلت اللحم، وأما الثالثة فانتقت المخ ومصت العظم، ولله في أيديكم أموال، فإن تكن لله فأعطفوا بها على عباد الله، وإن تكن لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن تكن لكم فتصدقوا بها عليهم فإن الله يجزي المتصدقين ولا يضيع أجر المحسنين. فقال هشام: لله أبوك ما تركت واحدة من ثلاث، وأمر بمائة ألف دينار فقسمت في الناس، وأمر لدرواس بمائة ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين ألكل رجل من المسلمين مثلها، قال: لا ولا يقوم بذلك بيت المال، فقال: لا حاجة لي فيما
стр. 622
يبعث على ذمّك، فلما عاد إلى داره أمر بذلك فبعث إليه فقسم تسعين ألف درهم في تسعة من إحياء العرب، وحبس عشرة آلاف درهم فبلغ ذلك هشاما، فقال: لله دره إن صنيعة مثله تبعث على الاصطناع.
من رغب في الإيناس والبسط منه
قال العتابي: دخلت على المأمون فسلمت فاجلسني، وقال لي: تكلّم. فقلت: يا أمير المؤمنين الإيناس قبل الإبساس، قال: إن ذلك من أقل ما نوحيه قال: ثم أقبل على أحمد بن هشام يحدّثه فلما اطمأن بي المجلس ذهبت لأتكلم، فقال المأمون: إن أحب شيء إلينا اليوم أن نبسطك بالحديث النادر والكلام الطيّب والعشرة الرضية، فو الله لقد أعطاني من نفسه ما لم يعط أحد ممن شاهدت وعاشرت.
من قصد سلطانا فحثّه على اصطناعه
وقال ابن الرومي:
زني القوم حتّى تعرفي عند وزنهم ... إذا رفع الميزان كيف أميل
وقال جرير، وهو أبياته الرائقة وأشعاره الجيدة:
إذا سرّكم أن تمسحوا وجه سابق ... جواد فمدّوا وابسطوا من عنانيا «١»
ألا لا تخافا نبوتي في ملمّة ... وخافا المنايا أن تفوتكما بيا «٢»
وقال المتنبيّ:
فكن في اصطناعي محسنا ومجرّبا ... يبن لك تقريب الجواد وشدّه «٣»
إذا كنت في شكّ من السيف فابله ... فإما تنفيه وإما تعدّه «٤»
وما الصّارم الهنديّ إلا كغيره ... إذا لم يفارقه النّجاد وغمده «٥»
من عاتب صاحبه في قلّة معرفته بفضله
وقال ابن الرومي:
قوّمتني غير قيمتي غلطا ... شاور ذوي الرأي تعرف القيّما
وقال ابن نباتة:
أشدد يديك بي الغدا ... ة فإنّني علق المضنّه «٦»
стр. 623
وقال آخر:
ليس له ناقد فينقده ... وآفة التبر ضعف منتقده «١»
وقال آخر:
ومثلك ليس يجهل حقّ مثلي ... ومثلي لا تضيعه الكرام
(٢) وممّا جاء في السؤال
الإستغناء بالله عن الناس
قال أعرابي: اطلب الرزق من حيث كفل لك فالمتكفل به أمين، ولا تطلبه من طالب مثلك لا ضمان لك عليه.
وشكا رجل ضيقا، فقال له الحسن: شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك.
وقال هشام لرجل في بيت الله: سلني، فقال: لا أسأل في بيت الله غيره.
وقال شاعر:
لا تسل النّاس وسل من أنت له
وسأل بعض الزهّاد صديقا له شيئا لشدة الأمر به، فأعطاه صديقه وقال: يا أخي في ثقتك بحسن عائدة الله عليهم كفاية لهم، فقال: لا حاجة لي بالمال فقد استغنيت بهذا المآل.
التّحذير من سؤال الناس
قال النبي ﷺ : المسألة كدوح أو خدوش أو خموش في وجه صاحبها. وقال ﷺ :
إن أحدكم يخرج بمسألة من عندي متأبطا وما هي إلا النار، فقال عمر ﵁: ولم تعطيه وهي له نار، فقال: يأبون، إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل.
وقيل: إياك وطلب ما في أيدي الناس فإنه فقر حاضر. قال ابن المقفع: السخاء سخاآن سخاؤك بما في يدك وسخاؤك بما في يد غيرك وهو أمحض في الكرم وأبعد في الدنس، ومن جمعهما فقد استكمل الفضل. وقيل: من لم يستوحش من ذلّ السؤال لم يأنف من ذلّ الردّ. وقيل: جلّ في عينك من استغنى عنك، قال:
متى ترغب إلى النّاس ... تكن للنّاس مملوكا
وقال آخر:
إنّ الغنى عن لئام النّاس مكرمة ... وعن كرامهم أدنى إلى الكرم
стр. 624
ولعابدة المهلبية:
لا تسألنّ المرء ذات يديه ... فيحقّرنّك من رغبت إليه
المرء ما لم ترزه لك مكرم ... فإذا رزأت المرء هنت عليه «١»
وقال آخر:
استغن ما استطعت عن أخيك ولو ... أعشب كلّ البلاد عن مطره «٢»
وقيل: إياك والمسألة فإنها آخر كسب المرء.
قال أحدهم:
وذقت مرارة الأشياء جميعا ... فما طعم أمرّ من السؤال
وقال آخر:
ذلّ السؤال وثقل الشّكر ما اجتمعا ... إلا أضرّا بماء الوجه والبدن
وقال المخزومي:
ما أبعد المكرمات عن رجل ... على نوال الرّجال يتّكل
وقال آخر:
إن السّؤال يريد وجه حديد
ومما يدخل في هذا الباب قول النبي ﷺ : ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف عليه ولا سائل فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك.
النّهي عن سؤال من تعوده
. قال شاعر:
فإن كنت لا بدّ مستطعما ... فمن غير من كان يستطعم «٣»
وقال آخر:
ولا تطلبنّ المال ممّن أفاده ... حديثا ومن لم يورث المال وارثه «٤»
وقيل: إدخالك اليد في فم التنين أسهل من سؤال دنيء تعوّد المسألة.
ولعابدة المهلبية:
إذا ما طلبت نوال الفتى ... وقد نالك الدهر من شدّه
فلا تسألنّ فتى كالحا ... أصاب الرياسة من كدّه «٥»
стр. 625
عذر من سأل سائلا
قال ابن بابك:
إنّي إذا شئت أن أكدي ... حوشيت كديت من مكد «١»
تشفعت حرمّة التّساوي ... وكان ردّي من التعدّي
أصبحت لا عند لي ولكن ... ما عند مولاي فهو عندي
وقال آخر:
شاعر يطلب رزقا ... من أخي شعر مكد
جعل الريح إلى الر ... يح فتى يطلب رفدي «٢»
إنّ ذا عندي بديع ... خاض فيه النّاس بعدي
وقال أبو تمّام:
ومفحم يأخذ من شاعر «٣»
التّحذير من سؤال اللئام
قال أعرابي: أشدّ الأشياء مؤنة إخفاء الفاقة وأشدّ من ذلك السؤال إلى من لا يجبرها.
قال أعرابي لصاحبه: نهيتك عن مسألة قوم أرزاقهم في ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل، فمن جعل صرما له من الدوانيق فعطيّته لا تكون فوق القراريط.
وقال آخر: نهيتك أن تريق ماء وجهك بسؤال من لا ماء في وجهه. لا شيء أوجع للأحرار من الاضطرار إلى مسألة الأشرار.
وقيل: لحيي المدينية: ما الداء العياء؟ فقالت: حاجة الكريم إلى لئيم لا يجدي عليه. وقال خالد بن صفوان: أشد من فوت الحاجة طلبها إلى غير أهلها.
وقال الأعشى:
حسب الكريم مذلّة ونقيصة ... أن لا يزال إلى لئيم يرغب
وقال آخر:
وإني لأرثي للكريم إذا غدا ... على حاجة عند اللئيم يطالبه
وقال البديهي:
ومن الذلّ والبلاء إذا اضط ... رّ كريم إلى سؤال لئيم
وقال آخر:
ومن طلب الحاجات في دون أهلها ... يجد دونها بابا من اللؤم مغلقا
стр. 626
وقيل: إذا سألت بخيلا مؤنة أدركت الحرمان والعداوة.
تحمّل المكاره تفاديا من السّؤال
قال أبو عمرو بن العلاء اجتزت بكناس ينشد:
إذا أنت لم تعرف لنفسك قدرها ... هوانا لها كانت على النّاس أهونا
فلا تسكننّ الدهر مسكن ذلّة ... تعدّ مسيئا فيه إن كنت محسنا
فقلت: سبحان الله أتنشد مثل هذا وتتعاطى مثل هذا الفعل، فقال: إن إنشادي لمثله أصارني إلى هذا فرارا من ذل السؤال.
وقال الأصمعي: مررت بكناس وهو ينشد:
جنّباني ديار سعدى وليلى ... ليس مثلي يحلّ دار الهوان
فقلت: وأي هوان فوق هذا، فقال: مه، ذلّ سؤال مثلك. إن كنس ألف كنيف أهون من وقوف على مثلك.
وقيل لرجل كان يعمل في المعادن: ما أشد عملك. فقال: استخراج الماء من الجبال أهون من إخراجه من أيدي الأنذال.
ذمّ قوم يجب تجنّب سؤالهم
قال سلم: لا تطلب حاجتك إلى كذّاب فلعل حاجتك قريبة فيبعدها أو بعيدة فيقربها؛ ولا إلى رجل له إلى صاحبك حاجة، فإنه يجعل حاجتك وقاية لحاجته، ولا إلى أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك.
وقال أبو عبّاس الكاتب: لا تنزل حوائجك مجيد اللسان ولا بالمتسرّع إلى الضمان، فالعجز مقصور على المتسرع ومن وثق بجودة لسانه ظنّ أن فضل بيانه مما ينوب عن إفضاله.
وقيل: إياك ومسألة الموقح الممرن وذي اللسان البيّن، وعليك بالحصر البكي وبذي الحياء الرضي، فمثقال من شدة الحياء والعي أنفع في الحاجة من قنطار من سليط. وعليك بالشمم الذي إذا عجز أيأس وإن قدر أطمع.
وقال عمر ﵁: لا تستعن على حاجتك إلا بمن يحب نجاحها لك. وقال ابن عباس ﵄: لا تسألن حاجة بالليل ولا تسألن أعمى، فإن الحياء في العينين.
الحثّ على الإجمال في الطّلب
قال عمر بن عبد العزيز ﵁: لم يعد المرء ما قسم له فأجملوا في الطلب، فإن في القناعة سعة وكفا عن كلفة لا تحل. وقيل: اطلبوا الحاجات بعزّة الأنفس فإنّ بيد الله قضاءها.
стр. 627
التّزهيد في نوال يتوصّل إليه بسؤال
قيل: السؤال وإن قلّ ثمن لكل نوال وإن جلّ.
قال شاعر:
ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا وإن نال الغنى بسؤال «١»
وإذا السّؤال مع النّوال قرنته ... رجح السّؤال وخفّ كلّ نوال
التّزهيد في إحسان يتوصّل إليه بهوان
وقال ابن الرومي:
إذا أنا نالتني فواضل مفضل ... فأهلا بها ما لم تكن بهوان
فأما إذا كان الهوان قرينها ... فبعدا لها ما ينقضي لأوان
ومن ذا الذي يلتذّ شهدا بعلقم ... أبت لهواتي ذاك والشفتان
أريد مكانا من كريم يصونني ... وإلّا فلي رزق بكل مكان
وكان يجري على أبي العيناء رزق فتأخّر عنه فتقاضاه مرارا ثم تركه، وقال: لا حاجة لي فيه فهو رقّ لا رزق، وبلاء لا عطاء ومحنة لا منحة.
ذمّ الإلحاح
قال النبي ﷺ : إن الله يبغض من عباده البذي الفاحش السائل الملحف. وفي كتاب الهند: لا يكثرن الرجل على أخيه المسألة، فإن العجل إذا أفرط من مص أمه نطحته ونحّته. وقيل: كل إلحاف شين إلا مسألة رب العالمين.
ودخل علوي على أبي السائب فنظر إلى إبريق، فقال: هبه لي، فقال: لست أستغني عنه، فقال: هب لي هذا الآخر فقال: هو من جهاز أمي أتبرك به، فقال: هب لي تلك المنارة، فقال أبو السائب: صلى الله على المسيح حيث لم يترك على أمته ولدا يؤذيهم.
جلس بعض أصحاب الحديث إلى رجل فقال: تفضّل بقلم، فناوله، قال: وورقة فأعطاه، فقال: قدّم لي المحبرة فأولاه، فقال: يا فتى أتنشط للتزوج فإن أمي فارغة.
الحثّ على ردّ الملحّ
من ثقل عليك بنفسه وعمل بسؤاله فولّه إذنا صمّاء وعينا عمياء. من ألحّ في السؤال رزق الحرمان.
قال بشّار:
وليس للملحف مثل الردّ
ووقّع بعض الكبار في قصة ملحّ مكثر للسؤال: دع هذا الضرع يدرّ لغيرك كما درّ لك.
стр. 628
إعطاء الملحّ للتبرّم به
قال أعرابي لمعاوية وقد أضجره: قد تحلب الناقة العلبة وهي ضجور، فقال معاوية:
وقد تكسر الإناء وتدق أنف حالبها، فقال الأعرابي: وقد تثني أهلها رقبتها فتدرّ لبنها، فضحك وأعطاه.
استماح أعرابي خالد بن عبد الله فألحف وأبرم، فقال خالد: أعطوه بدرة يدخلها في حر أمه، فقال: وأخرى لإستها يا سيدي لا تبقى فارغة. فضحك، وقال: أخرى لإستها.
وسأل الأصمعي حاجة ألحّ فيها، فقال:
أرحني واسترح منّي فإني ... ثقيل محملي ذرب لساني «١»
وقال أبو سعيد الموسوي في معناه:
أزح علّتي واصرف إلى النّار طلعتي ... فما كلّ وقت رؤيتي بمري «٢»
الحثّ على ترك تجاوز الحدّ في السؤال
من سأل فوق قدره فقد استوجب الردّ، ومن لم يرجّ إلا ما هو مستحق له فإلى الرفد. قيل: إذا أردت أن تطاع فاسأل ما يستطاع، قال: الشاعر:
إنّك إن كلفتني ما لم أطق ... ساك ما سرّك منّي من خلق «٣»
التّرغيب في سؤال السّلاطين
قيل: مسألة الرجل السلطان ومسألة الابن أباه لا تنقصه ولا تشينه. وقال شاعر:
وإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرّم المفضال
التّرغيب في سؤال الصّباح دون القباح
قال النبي ﷺ : اعتمد لحوائجك الصّباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول نعمة تلقاك من الرجل. وروي عنه ﵊: أطلبوا الحوائج عند حسان الوجوه.
وسئل ابن عائشة عن هذا الحديث، فقال: معناه أطلبوها من الوجوه التي تحسن بالإنسان أن يطلب منها. ونظر ابن عبّاس إلى رجل حسن الوجه، فقال:
أنت شرط النبيّ إذ قال يوما ... أطلبوا الخير من حسّان الوجوه
وقال البحتري:
من حسّن الله وجهه وسجا ... ياه وأعطاه كلّف الكلفا «٤»
стр. 629
سؤال الشبان دون الشيوخ
قال حكيم: طلب الحوائج عند الشبان أسهل منها عند الشيوخ، ألا ترى أن يعقوب ﵇ لما سأله بنوه أن يستغفر، قال: لهم سوف أستغفر لكم ربّي، وقال يوسف ﵇: لا تثريب «١» عليكم اليوم.
قال يحيى بن خالد: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم، فاحذروه وإذا أحببتموه من غير خير سبق منه إليكم فارجوه.
تفضيل سؤال كريم فقير على غني لئيم
قال الرفّاء:
صرفت عن الكثير الوفر طرفي ... وها أنا للقليل الوفر راج
وكم من نطفة عذبت وكانت ... أحبّ إليّ من بحر أجاج «٢»
عيّ من سأل لنفسه شيئا
كلّم أعرابي خالد بن عبد الله وتلجلج في كلامه، فقال: لا تلمني على الاختلاط فإن معي ذلّ الحاجة ومعك عز الاستغناء. وقال سعيد بن العاص: موطنان لا أعتذر من العيّ فيهما إذا سألت حاجة لنفسي وإذا كلمت جاهلا.
وقيل: سار الفضل بن الربيع إلى أبي عباد في نكبته يسأله حاجة فأرتج عليه، فقال له: يا أبا العباس بهذا اللسان خدمت خليفتين، فقال: إنّا تعوّدنا أن نسأل لا أن نسأل.
الحثّ على ترك الاستنكاف من السؤال
قال رجل لآخر: قد وضع منك سؤالك، فقال: لقد سأل موسى والخضر ﵉ أهل قرية فأبوا أن يضيفوهما، فو الله ما وضع هذا من نبيّ الله وعالمه فكيف يضع منّي؟ قيل لزرعة: متى تعلمت الكدية والسؤال، قال: يوم ولدت منعت الثدي فصحت وبكيت فأعطيت الثدي فسكت.
الحثّ على استعمال الوقاحة
قال بعض المكدين: مكتوب على باب الجنة من صبر عبر. وقيل: الهيبة خيبة.
وقال شاعر:
هيبة الإخوان مقطعة ... لأخي الحاجات عن طلبه
فإذا ما هبت ذا أمل ... مات ما أمّلت من سببه «٣»
стр. 630
وكان مكتوبا على عصي ساسان: الكسل شؤم والمتميز مذموم، والحركة بركة والتواني هلكة، وكلب طائف خير من أسد رابض.
قال أشجع:
ليس للحاجات إلا ... من له وجه وقاح
وقال سلم الخاسر:
من راقب الناس مات غمّا ... وفاز باللّذة الجسور «١»
الحثّ على المطالبة
وقال أبو تمّام:
وخذهم بالرقى إن المهارى ... يهيجها على السير الحداء «٢»
وقال آخر:
حرّكه فالأشجار في تحريكها ... تجني جناها والقلوب تقلّب
وقال ابن الرومي:
نذكّر بالرقاع إذا نسينا ... ونذكّر حين تمطلنا الكرام
فإن الأمّ لم ترضع صبيّا ... مع الإشفاق لو سكت الغلام «٣»
الحثّ على معاودة السؤال
قال عمر ﵁: إذا سألتمونا حاجة فعاودونا فيها، فإنما سمّيت القلوب لتقلبها. وقال عبد الملك في خطبته: لا يمنعنّ رجلا سأل اليوم شيئا فمنعته أن يسأل غدا فإن الأمور بيد الله لا بيدي. ودخل بعض الطالبين على إسحاق بن إبراهيم فسأله حاجة فمنعه، فأنشد الطالبيّ:
لا ييئسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم «٤»
فإذا نبا فاستبقه وتأنّه ... حتّى يفيء بها الطباع الأكرم
وقيل: إذا سألت كريما حاجة فدعه وسوّم نفسه، فإنه لا يفكر إلا في خير، وإذا سألت لئيما حاجة فعافصه ولا تدعه يتفكر فيتغير. وقال بعضهم في ضد ذلك: إذا سألت لئيما حاجة فأجّله حتى يروّض نفسه ويطابق ما قاله قول الشاعر:
يعالج نفسا بين جنبيه كزّة ... إذا همّ بالمعروف قالت له مهلا «٥»
стр. 631
الاعتذار لتأكيد السّؤال
قال أبو تمّام:
لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب «١»
وقال ابن الرومي:
قد يحث الجواد غير بطيء ... ويهز الحسام غير كهام «٢»
وقال بشّار:
هززتك لا أني وجدتك ناسيا ... لأمري ولا أنيّ أردت التقاضيا
ولكن رأيت السيف من بعد سلّه ... إلى الهزّ محتاجا وإن كان ماضيا
عذر من سأل لئيما وأخذ منه
قيل للأعمش: كيف تصنع إذ كان لك إلى لئيم حاجة؟ قال: آتيه كما آتي الحش «٣» ، ومنه قال الشاعر:
وعند الضرورة آتي الكنيفا
وقال المتنبيّ:
غير اختيار قبلت برّك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف «٤»
وقال أبو تمّام:
وخذ القليل من اللئ ... يم إذا أبى أهل الكرم
فالليث يفترس الكلا ... ب إذا تعذّرت الغنم
قال ابن شادان: دخلت مع جماعة من الصوفيّة على الشبلي ﵀ فبعث إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فقال للرسول: قل له يا أبا بكر أنت تعرف الحق فلم لا تطلب منه. فقال الشبلي: عد إليه، وقل له: الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب من الحقّ الحق، فوجه إليه بمائة دينار.
وفي المثل: خذ من جذع ما أعطاك.
اللّطافة في المسألة
قيل: اللطافة في المسألة أجدى من الوسيلة، قال:
إحلب لبونك إبساسا وتمرية ... لا يقطع الدرّ إلّا عنف محتلبه «٥»
стр. 632
ومثله:
وإذا جفوت قطعت عنك وسائلي ... والدر يقطعه جفاء الحالب
تواطأ أبو دلامة مع أمّ دلامة على أن يأتي هو المهدي فينعيها، وتأتي على الخيزران فتنعيه. فأتى أبو دلامة المهدي وهو يبكي، وأنشد:
وكنّا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش مورق ناضر رغد «١»
فأفردنا ريب الزمان بطرفه ... ولم نر شيئا قط أوحش من فرد
فقال له: ما بالك؟ فقال: ماتت أم دلامة وإني لاحتاج إلى تجهيزها فأطلق له مالا.
وأتت أم دلامة الخيزران وقالت: إن أبا دلامة مضى لسبيله، فاغتمّت وأمرت لها بمال وأعطتها ثيابا وطيبا. ثم لما دخل المهدي على الخيزران قالت له يا أمير المؤمنين: إن أبا دلامة مضى لسبيله أبقى الله أمير المؤمنين، وأمّ دلامة كانت عندي الساعة فأعطيتها التجهيز لزوجها. فقال المهدي: إن أم دلامة مضت لسبيلها وكان عندي أبو دلامة الساعة وأعطيته نفقة تجهيزها، فعلما أنهما احتالا فضحكا واستدعياهما وخوّلاهما شيئا وضحكا منهما.
وقال رجل لآخر: لو مت أنا ما كنت تفعل؟ قال: كنت أكفنك وأدفنك، قال:
فاكسني الساعة ما تكفنني به وإذا متّ فادفني عريانا.
من عرّض بسؤاله أو تلطّف فيه
أكل شعبة مع زياد وهو يتأمله وكان يأكل أكلا ذريعا «٢» ، فقال له زياد: كم لك من الولد؟ فقال: تسع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل منّي، فقال: ما أحسن ما استعطيت لهن فأثبتهن في العطاء.
ساير رجل بعض الولاة، فقال له الوالي: ما أهزل برذونك، فقال: يده مع أيدينا، فوصله. عرض عمرو بن الليث عسكره فمرّ به رجل تحته دابة مهزولة، فقال: أتأخذون المال وتسمنون به فقاح «٣» نسائكم، فقال: أيها الأمير لو نظرت إلى فقحة امرأتي لوجدتها أهزل من كفل دابتي، فضحك منه وأمر له بزيادة عطائه.
وكان لأبي الأسود جبّة خزّ قد تقطّعت، فقال له معاوية: ما تملّ لبسها؟ فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فأمر له بمال. قال أبو جعفر الورّاق للصاحب: إن جرذان داري يمشين بالعصار هزالا، فقال: بشّرهن بمجيء الحنطة. وكان أبو الحسن الورّاق قصد سيف الدولة في جملة الشعراء فناوله درجا يوهم أنه شعر له، فنشره سيف الدولة، فقال: ليس فيه شيء مكتوب، فقال: سيدنا يكتب فيه لعبده، فضحك وأمر له بمال.
стр. 633
وقسم عبد الله بن عبيد مالا بين بنيه، فقال له عبد صغير: فأعطني أوّلا، فقال له:
ولمه، قال: لأن الله تعالى يقول المال والبنون زينة الحياة الدنيا، فبدأ بالمال وأنا مالك، فأعطاه وقدّمه. وسأل أعرابي عبد الملك، فقال له: سل الله، فقال: سألته فأحالني عليك، فضحك منه وأعطاه.
المستغني بالسّلام عن السؤال
قال أميّة بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء «١»
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء
وقال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح نفسه ... أغنى العفاة به عن التصريح «٢»
وقال آخر:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم
وإذا رآك مسلّما عرف الذي ... حملته وكأنّه ملزوم
وقال الريّاشي:
وحسبك من تقاضي المرء يوما ... لحاجته الزيارة والحديث
وقال آخر:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي «٣»
وقال المتنبيّ:
أخفّ سلامي حب ما خفّ عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب «٤»
المتوصّل بسؤال حاجة إلى أخرى
في المثل: أعن صبوح تفرقوا.
وقال شاعر:
وحاجة دون أخرى قد سجحت بها ... جعلتها للذي أخفيت عنوانا «٥»
وقال آخر:
وأرضع حاجة بلبان أخرى ... كذاك الحاج ترضع باللبان «٦»
стр. 634
وقيل: سرين في خريزة لحاجتين في حاجة. وخيّر رجل بين شيئين فقال: كلاهما وتمرا. وقال بعض الخلفاء لأبي دلامة: سل، فقال: كلبا أصيد به، فقال أعطوه. قال:
ودابّة أركبها إذا خرجت أصطاد، فقال: أعطوه. قال: وغلاما يخرج معي إذا ركبت يمسك كلبي، قال: أعطوه، قال: وجارية تصلح ما أصيده، قال أعطوه، فقال: كلب ودابة وغلام وجارية لا بدّ لهم من دار تأويهم ولا بدّ لهم مما يمونهم، فقال تقطع له ضيعة، فقال: يا أمير المؤمنين أعطني يدك أقبلها، فقال دع هذا، فقال: ما منعت عيالي شيئا أشدّ فقدا عليهم من هذا.
النّهي عن ردّ الرّاغب إليك
قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه رجع حرا، وهما ذليلان، هذا بذلّ اللؤم وهذا بذل السؤال.
وقال سعيد بن العاص: ما رددت أحدا عن حاجة إلا تبينت العزّ في قفاه والذلّ في وجهي، وقيل: من قضى حاجة سائله اجتمع معه في العزّ وإن حرمه اجتمع معه في الذلّ.
النّهي عن خيبة من أراق ماء وجهه لسؤالك
من انتجعك مؤملا فقد أسلفك حسن الظنّ بك. وأدخل ابن السماك رجلا إلى الفضل بن الربيع، فقال: إن هذا بذل لك ماء وجهه فأكرم وجهك عن ردّه.
قال أبو تمام:
ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
الحثّ على استرقاق الأحرار
قيل: العجب لمن يشتري العبيد بالأموال ولا يشتري الأحرار بالنّوال والإفضال.
وقيل: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرمهم تملكهم.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يشكر
قال ابن عباس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفر، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يسأل
قيل: لا تلجىء الآمل إلى كدّ المسألة ولا تكلّفه خشوع التضرّع. وسئل خالد بن يزيد: ما الجود؟ قال: أن تعطي من سألك، فقال ابنه: يا أبت هذا هو الكد إنما الجود أن تعطي من سألك ومن لم يسألك.
وقيل لرجل: سل، فقال: إني أكره أن أعطي ثمن السؤال.
وقال محمد بن أبي عمران.
стр. 635
أجرني من ذلّ السؤال واعفني ... فكلّ عزيز في السؤال ذليل
وقال العماني:
أنت تسقي والربيع ينتظر ... وخير أنوار الربيع ما ابتكر «١»
الحثّ على تعجيل السؤال
وقال بعضهم «٢» :
جعلت فداك لم أسأ ... لك ذاك الثوب للكفن
سألتكه لألبسه ... وروحي بعد في البدن
وقيل: أهنأ المعروف أعجله. وقال بعض الناس: إذا أوليتني نعمة فجعلها فإن النفس مولعة بحب العاجل، وإن الله تعالى قد أخبر عما في نفوسنا، فقال: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
«٣» . وقال مروان بن أبي حفصة:
فما نحن نخشى أن يخيب دعاؤنا ... لديك ولكنّ أهنأ العرف عاجله «٤»
الحثّ على تعجيل الرّفد أو الرد
قيل: من الظفر تعجيل اليأس من الحاجة إذا أخطأك قضاؤها. وقيل: السراح من النجاح. وقال بعضهم: أنت ذو أناة أعجز عن الصبر عليها، فوعد نجيح أو يأس مريح.
وسأل رجل طائيا، فمنعه. فقال له: لم تجد جوادا حاتميا، فقال: إن لم أجد جوده فقد منعت منه، حيث يقول:
أماري فأما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنه الزّجر «٥»
وقال آخر:
أرحني بيأس أو بتعجيل حاجة ... فكلتاهما للمرء روح منعم «٦»
ولا تك كالعذراء يوم نكاحها ... إذا استؤذنت في نفسها لم تكلّم
وقيل: إن بعض الناس أقام بباب بعض الملوك مدة فلم يحظ منه بشيء، فكتب أربعة أسطر في رقعة: الأول الأمل والضرورة أقدماني عليك، الثاني ليس على العدم صبر، الثالث الرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء، والرابع إما نعم مثمرة وآمالا ميئسة، فكتب تحت كل سطر: زه يعطى لكل منها أربعة آلاف درهم.
من سأل وذكر أنّ النعمة لا تغني في غير وقتها
.
следующие страницы →