Полный текст (1 556 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الاعتذار لتأكيد السّؤال
قال أبو تمّام:
لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب «١»
وقال ابن الرومي:
قد يحث الجواد غير بطيء ... ويهز الحسام غير كهام «٢»
وقال بشّار:
هززتك لا أني وجدتك ناسيا ... لأمري ولا أنيّ أردت التقاضيا
ولكن رأيت السيف من بعد سلّه ... إلى الهزّ محتاجا وإن كان ماضيا
عذر من سأل لئيما وأخذ منه
قيل للأعمش: كيف تصنع إذ كان لك إلى لئيم حاجة؟ قال: آتيه كما آتي الحش «٣» ، ومنه قال الشاعر:
وعند الضرورة آتي الكنيفا
وقال المتنبيّ:
غير اختيار قبلت برّك بي ... والجوع يرضي الأسود بالجيف «٤»
وقال أبو تمّام:
وخذ القليل من اللئ ... يم إذا أبى أهل الكرم
فالليث يفترس الكلا ... ب إذا تعذّرت الغنم
قال ابن شادان: دخلت مع جماعة من الصوفيّة على الشبلي ﵀ فبعث إلى بعض المياسير يسأله ما ينفقه عليهم، فقال للرسول: قل له يا أبا بكر أنت تعرف الحق فلم لا تطلب منه. فقال الشبلي: عد إليه، وقل له: الدنيا سفلة أطلبها من سفلة مثلك، وأطلب من الحقّ الحق، فوجه إليه بمائة دينار.
وفي المثل: خذ من جذع ما أعطاك.
اللّطافة في المسألة
قيل: اللطافة في المسألة أجدى من الوسيلة، قال:
إحلب لبونك إبساسا وتمرية ... لا يقطع الدرّ إلّا عنف محتلبه «٥»
стр. 632
ومثله:
وإذا جفوت قطعت عنك وسائلي ... والدر يقطعه جفاء الحالب
تواطأ أبو دلامة مع أمّ دلامة على أن يأتي هو المهدي فينعيها، وتأتي على الخيزران فتنعيه. فأتى أبو دلامة المهدي وهو يبكي، وأنشد:
وكنّا كزوج من قطا في مفازة ... لدى خفض عيش مورق ناضر رغد «١»
فأفردنا ريب الزمان بطرفه ... ولم نر شيئا قط أوحش من فرد
فقال له: ما بالك؟ فقال: ماتت أم دلامة وإني لاحتاج إلى تجهيزها فأطلق له مالا.
وأتت أم دلامة الخيزران وقالت: إن أبا دلامة مضى لسبيله، فاغتمّت وأمرت لها بمال وأعطتها ثيابا وطيبا. ثم لما دخل المهدي على الخيزران قالت له يا أمير المؤمنين: إن أبا دلامة مضى لسبيله أبقى الله أمير المؤمنين، وأمّ دلامة كانت عندي الساعة فأعطيتها التجهيز لزوجها. فقال المهدي: إن أم دلامة مضت لسبيلها وكان عندي أبو دلامة الساعة وأعطيته نفقة تجهيزها، فعلما أنهما احتالا فضحكا واستدعياهما وخوّلاهما شيئا وضحكا منهما.
وقال رجل لآخر: لو مت أنا ما كنت تفعل؟ قال: كنت أكفنك وأدفنك، قال:
فاكسني الساعة ما تكفنني به وإذا متّ فادفني عريانا.
من عرّض بسؤاله أو تلطّف فيه
أكل شعبة مع زياد وهو يتأمله وكان يأكل أكلا ذريعا «٢» ، فقال له زياد: كم لك من الولد؟ فقال: تسع بنات أنا أجمل منهن وهن آكل منّي، فقال: ما أحسن ما استعطيت لهن فأثبتهن في العطاء.
ساير رجل بعض الولاة، فقال له الوالي: ما أهزل برذونك، فقال: يده مع أيدينا، فوصله. عرض عمرو بن الليث عسكره فمرّ به رجل تحته دابة مهزولة، فقال: أتأخذون المال وتسمنون به فقاح «٣» نسائكم، فقال: أيها الأمير لو نظرت إلى فقحة امرأتي لوجدتها أهزل من كفل دابتي، فضحك منه وأمر له بزيادة عطائه.
وكان لأبي الأسود جبّة خزّ قد تقطّعت، فقال له معاوية: ما تملّ لبسها؟ فقال: ربّ مملول لا يستطاع فراقه، فأمر له بمال. قال أبو جعفر الورّاق للصاحب: إن جرذان داري يمشين بالعصار هزالا، فقال: بشّرهن بمجيء الحنطة. وكان أبو الحسن الورّاق قصد سيف الدولة في جملة الشعراء فناوله درجا يوهم أنه شعر له، فنشره سيف الدولة، فقال: ليس فيه شيء مكتوب، فقال: سيدنا يكتب فيه لعبده، فضحك وأمر له بمال.
стр. 633
وقسم عبد الله بن عبيد مالا بين بنيه، فقال له عبد صغير: فأعطني أوّلا، فقال له:
ولمه، قال: لأن الله تعالى يقول المال والبنون زينة الحياة الدنيا، فبدأ بالمال وأنا مالك، فأعطاه وقدّمه. وسأل أعرابي عبد الملك، فقال له: سل الله، فقال: سألته فأحالني عليك، فضحك منه وأعطاه.
المستغني بالسّلام عن السؤال
قال أميّة بن أبي الصلت:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء «١»
إذا أثنى عليك المرء يوما ... كفاه من تعرّضه الثناء
وقال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح نفسه ... أغنى العفاة به عن التصريح «٢»
وقال آخر:
وإذا طلبت إلى كريم حاجة ... فلقاؤه يكفيك والتسليم
وإذا رآك مسلّما عرف الذي ... حملته وكأنّه ملزوم
وقال الريّاشي:
وحسبك من تقاضي المرء يوما ... لحاجته الزيارة والحديث
وقال آخر:
وإذا المجد كان عوني على المر ... ء تقاضيته بترك التقاضي «٣»
وقال المتنبيّ:
أخفّ سلامي حب ما خفّ عنكم ... وأسكت كيما لا يكون جواب
وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب «٤»
المتوصّل بسؤال حاجة إلى أخرى
في المثل: أعن صبوح تفرقوا.
وقال شاعر:
وحاجة دون أخرى قد سجحت بها ... جعلتها للذي أخفيت عنوانا «٥»
وقال آخر:
وأرضع حاجة بلبان أخرى ... كذاك الحاج ترضع باللبان «٦»
стр. 634
وقيل: سرين في خريزة لحاجتين في حاجة. وخيّر رجل بين شيئين فقال: كلاهما وتمرا. وقال بعض الخلفاء لأبي دلامة: سل، فقال: كلبا أصيد به، فقال أعطوه. قال:
ودابّة أركبها إذا خرجت أصطاد، فقال: أعطوه. قال: وغلاما يخرج معي إذا ركبت يمسك كلبي، قال: أعطوه، قال: وجارية تصلح ما أصيده، قال أعطوه، فقال: كلب ودابة وغلام وجارية لا بدّ لهم من دار تأويهم ولا بدّ لهم مما يمونهم، فقال تقطع له ضيعة، فقال: يا أمير المؤمنين أعطني يدك أقبلها، فقال دع هذا، فقال: ما منعت عيالي شيئا أشدّ فقدا عليهم من هذا.
النّهي عن ردّ الرّاغب إليك
قال شريح: من سأل حاجة فقد عرض نفسه على الرقّ، فإن قضاها المسؤول استعبده بها، وإن ردّه رجع حرا، وهما ذليلان، هذا بذلّ اللؤم وهذا بذل السؤال.
وقال سعيد بن العاص: ما رددت أحدا عن حاجة إلا تبينت العزّ في قفاه والذلّ في وجهي، وقيل: من قضى حاجة سائله اجتمع معه في العزّ وإن حرمه اجتمع معه في الذلّ.
النّهي عن خيبة من أراق ماء وجهه لسؤالك
من انتجعك مؤملا فقد أسلفك حسن الظنّ بك. وأدخل ابن السماك رجلا إلى الفضل بن الربيع، فقال: إن هذا بذل لك ماء وجهه فأكرم وجهك عن ردّه.
قال أبو تمام:
ما ماء كفّك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي إذا أفنيته عوض
الحثّ على استرقاق الأحرار
قيل: العجب لمن يشتري العبيد بالأموال ولا يشتري الأحرار بالنّوال والإفضال.
وقيل: ليس للأحرار ثمن إلا الإكرام فأكرمهم تملكهم.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يشكر
قال ابن عباس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفر، فإنه يشكرك عليه من لم تصطنعه إليه.
الحثّ على اصطناع المعروف وإن لم يسأل
قيل: لا تلجىء الآمل إلى كدّ المسألة ولا تكلّفه خشوع التضرّع. وسئل خالد بن يزيد: ما الجود؟ قال: أن تعطي من سألك، فقال ابنه: يا أبت هذا هو الكد إنما الجود أن تعطي من سألك ومن لم يسألك.
وقيل لرجل: سل، فقال: إني أكره أن أعطي ثمن السؤال.
وقال محمد بن أبي عمران.
стр. 635
أجرني من ذلّ السؤال واعفني ... فكلّ عزيز في السؤال ذليل
وقال العماني:
أنت تسقي والربيع ينتظر ... وخير أنوار الربيع ما ابتكر «١»
الحثّ على تعجيل السؤال
وقال بعضهم «٢» :
جعلت فداك لم أسأ ... لك ذاك الثوب للكفن
سألتكه لألبسه ... وروحي بعد في البدن
وقيل: أهنأ المعروف أعجله. وقال بعض الناس: إذا أوليتني نعمة فجعلها فإن النفس مولعة بحب العاجل، وإن الله تعالى قد أخبر عما في نفوسنا، فقال: كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ
«٣» . وقال مروان بن أبي حفصة:
فما نحن نخشى أن يخيب دعاؤنا ... لديك ولكنّ أهنأ العرف عاجله «٤»
الحثّ على تعجيل الرّفد أو الرد
قيل: من الظفر تعجيل اليأس من الحاجة إذا أخطأك قضاؤها. وقيل: السراح من النجاح. وقال بعضهم: أنت ذو أناة أعجز عن الصبر عليها، فوعد نجيح أو يأس مريح.
وسأل رجل طائيا، فمنعه. فقال له: لم تجد جوادا حاتميا، فقال: إن لم أجد جوده فقد منعت منه، حيث يقول:
أماري فأما مانع فمبين ... وإما عطاء لا ينهنه الزّجر «٥»
وقال آخر:
أرحني بيأس أو بتعجيل حاجة ... فكلتاهما للمرء روح منعم «٦»
ولا تك كالعذراء يوم نكاحها ... إذا استؤذنت في نفسها لم تكلّم
وقيل: إن بعض الناس أقام بباب بعض الملوك مدة فلم يحظ منه بشيء، فكتب أربعة أسطر في رقعة: الأول الأمل والضرورة أقدماني عليك، الثاني ليس على العدم صبر، الثالث الرجوع بلا فائدة شماتة الأعداء، والرابع إما نعم مثمرة وآمالا ميئسة، فكتب تحت كل سطر: زه يعطى لكل منها أربعة آلاف درهم.
من سأل وذكر أنّ النعمة لا تغني في غير وقتها
.
стр. 636
قال البحتري:
وأعلم بأن الغيث ليس بنافع ... للمرء ما لم يأت في إبّانه «١»
وله:
وإذا العليل أبلّ ممّا يشتكي ... لم يرج منه مثوبة العوّاد «٢»
وله:
يرجى الطبيب لساعة الأوصاب
سؤال من بعدت داره عن مسؤوله
وقال ابن الرومي:
لا تجشّمنّ أهلي إليك وفادة ... ليعد إليهم برّك الوفاد «٣»
يسري السحاب إلى البعيد بغيثه ... فيظلّ منه وادعا ويجاد
ولأنت أولى أن تجود لمجدب ... عفوا ولم تشدد له أقتاد «٤»
سؤال من قرب ارتحاله
قال بعضهم:
جعلت فداك قد وجب الذمام ... وطال بي التلبّث والمقام
وقد أزف الرحيل إلى بلادي ... فرأيك لا عدمتك والسّلام
وقال المتنبيّ:
لقد نظرتك حتّى حان مرتحلي ... وذا الوداع فكن أهلا لما شيتا «٥»
من استزاد
قال المتنبيّ:
أبا المسك هل في الكأس فضل أناله ... فإنّي أغنّي منذ حين وتشرب «٦»
وهبت على مقدار كفّي زماننا ... ونفسي على مقدار كفّيك تطلب
إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية ... فجودك يكسوني وشغلك يسلب «٧» «٨»
стр. 637
من سأل وذكر أنّ مسؤوله أهل لذلك
قال أحمد بن أبي طاهر:
أتيتك لم أطمع إلى غير مطمع ... كريم ولم أفزع إلى غير مفزع
وقال علقمة:
وفي كلّ شيء قد خبطت بنعمة ... فحق لناس من نداك ذنوب «١»
الحثّ على إتمام النّعمة
العرف إذا لم يستتم كالبرد ما لم يعلم، ولا يحسن العرف إلا بتمامه ولا يروق الهلال إلا بتمامه. وقيل: أتبع الدلو الرشاء والفرس لجامه. وقيل: تمام الربيع الصيف.
وقال أبو تمّام:
إن ابتداء العرف مجد سابق ... والمجد كلّ المجد في استتمامه
هذا الهلال يروق أبصار الورى ... حسنا وليس كحسنه لتمامه
وقال ابن الرومي:
لا تصنعنّ صنيعة مبتورة ... فإذا اصطنعت إلى الرجال فتمّم
لا تطعمنّهم فتقطع عنهم ... أشبع إذا أطعمت أو لا تطعم
وأمر المنتصر وهو أمير الحجاز بشيء فهمّ الوكيل بمصارفته، فقال: والله لصرفي أحسن من مصارفتي، فلم يصارفه واستحسن في المطالبة بأمر تأخر فاختلت به الحال.
قال المتنبي:
فإن فارقتني أمطاره ... فأكثر غدرانها قد نضب «٢»
تربية النّعمة عند المصطنع إليه
قال حكيم: ما ربّيت غير رجلين، رجل له عندي يد فأخاف كفرانه ورجل لي عنده يد فأخاف إفساده. وقيل: رب المعروف أشد من ابتدائه. وقيل: الإبتداء بالصنيعة نافلة وربّها فريضة. وقيل: من لم يربّ معروفه فكأنما لم يصطنعه.
من رغب إلى مسؤوله في الجري على العادة في إعطائه
قال ابن الحجّاج:
نفسي تقي نفسك ما تشتكي ... لمثل هذا اليوم أعددتكا
فاجر على العادة في برّ من ... يجري على العادة في شكركا
стр. 638
قال أحمد بن أبي طاهر:
جعلت فداك قد أنسيت ذكري ... وقد أسقطت من ديوان برّك «١»
قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ما أحسن الحسنة في أثر السيئة وأقبح السيئة في أثر الحسنة، وأحسن من هذا وأقبح من ذاك الحسنة في أثر الحسنة والسيئة في أثر السيئة.
من سأل وذكر أنه يعذر مسؤوله إن لم يعطه
وقف قيس بن خفاف البرجمي على حاتم، فقال: إني حملت دماء وعوّلت فيها على مال وآمال، فقدمت مالي وكنت من أكبر آمالي، فكم من حق قضيت وكم من هم كفيت، وإن حال دونك حائل لم أذمم يومك ولم أيأس من غدك.
وكتب أبو العيناء إلى ابن أبي دؤاد: مسّنا وأهلنا الضرّ وبضاعتنا المودّة والشكر، فإن تعطنا فأنت أهل لذلك وإن لم تعطنا فلسنا ممّن يلزمك في الصدقات، فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون. قال أبو نواس:
فإن تولني منك الجميل فأهله ... وإلّا فإني عاذر وشكور
وقال ابن الرومي:
وإن عاق القصائد نداك عنّي ... فلست أراك في منعي مليما
وما غيث إذا يجتاز أرضا ... إلى أخرى بمعتد لئيما
من سأل وذكر أنه غير عاذل
لمّا دخل الحجاج مكة، قال لأهلها: أتيناكم وقد غاض الماء لكثرة النوائب فاعذرونا، فقال رجل: لا عذر الله من عذرك وأنت أمير المصرين وابن عظيم القريتين، فقال: صدقت، واستقرض مالا من التجار ففرّقه فيهم.
قال أبو تمّام:
فلو حازرت شول عذرت لقاحها ... ولكن حرمت الدرّ والضرع حافل «٢»
وقال ابن الرومي:
أنّى يكون ربيعي ممرعا غدقا ... إن لم يكن هكذا والشمس في الحمل «٣»
وقال البسامي:
ولست أقول إن قصرت فيما ... أؤمله عذرت فذاك كذب
стр. 639
فكم من مرّة قد ضاق رزقي ... فأنكبني المنى والربّ ربّ
النّهي عن الاعتذار بالشغل
اعتذر رئيس إلى سائل بقلّة فراغه، فقال: لا بلغني الله يوم فراغك فقضى حاجته في الوقت. قال أبو علي البصير:
لا تصيّر شغلك اليو ... م اعتذارا لمطالك
إنّما يحمد أن تف ... رغ في وقت اشتغالك
لو تفرغت من الشغ ... ل استوينا في المسالك «١»
من سأل وذكر أنّ إعطاءه ومنعه يظهران في الورى
وقال شاعر:
بأي الخصلتين عليك أثني ... فإنّي عند منصرفي سؤول
أبالحسنى وليس لها ضياء ... عليّ، فمن يصدّق ما أقول؟
أم السوأى ولست لها بأهل ... وأنت لكلّ مكرمة فعول «٢»
وقال آخر:
ماذا أقول إذا انصرفت وقيل لي ... ماذا أفدت من الجواد المفضل
فاختر لنفسك ما أقول فإنّني ... لا بدّ مخبرهم وإن لم أسأل
الرّاضي بأخذ الطفيف بعد سؤال الكثير
قال أعرابي لمعاوية: استعملني على البصرة، قال: ما أريد بعاملها بدلا، قال:
أقطعني البحرين، قال: مالي إلى ذلك سبيل، قال فمر لي بألف درهم فأمر له، فقيل له:
قد أشططت أولا ثم انحططت آخرا، فقال: لولا طلبي كثيرا ما أعطاني قليلا. وقال خالد بن عبد الله لأعرابي قال فيه:
أخالد بين الحمد والأجر حاجتي ... فأيّهما تأتي وأنت جواد
سل ما بدا لك، فقال: مائة ألف درهم، قال أسرفت، قال: ألف درهم، قال خالد:
ما أدري أمن إسرافك أتعجب أم من حطك، فقال: إني سألتك على قدرك، فلما أبيت سألت على قدري، فقال: إذا والله لا تغلبني على معروفي.
стр. 640
ذمّ طالب كثيرا بعد أن حرم صغيرا
سأل رجل معاوية شيئا فمنعه، فسأله ما هو أكبر منه، فقال معاوية: طلب الأبلق العقوق فلما لم ينله أراد بيض الأنوق «١» ، وقال:
شرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
ويقاربه:
تسألني برامتين سلجما «٢»
الحثّ على أخذ القليل عند تعذّر الكثير
خذ ما طف لك واستطف، خذ ما قطع البطحاء، خذ من جذع ما أعطاك صيدك لا تحرمه الجحش لما بذل الاعيار «٣» .
الحثّ على إعطاء القليل
قال الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
«٤» وقال النبي ﷺ : لا يمنعكم من معروف صغره. قال ابن عباس: من حقر حرم. قال:
ما استغرب الناس أفضالا ولا شهروا ... من حاتم غير جود بالذي يجد
وقال عبد الله بن جعفر: لا تستح من إعطاء القليل فإن المنع أقل منه. وقال البحتري:
لا تحقرنّ صغير الخير تفعله ... فقد يروي غليل الحائم الثمد «٥»
وقيل: زوج من عود خير من قعود.
من خيّر فتلطّف في الاختيار
مدح مطيع بن إياس معن بن زائدة، فقال له: إن شئت أجزناك وإن شئت مدحناك، فاستحيا مطيع أن يختار الثواب وكره العدول إلى المدح، فقال:
ثناء من أمير خير كسب ... لصاحب مغنم وأخي ثراء
ولكنّ الزمان أطال دائي ... وما مثل الدراهم من دواء
وقال بعض الخلفاء لعاف: احتكم، فقال: يد أمير المؤمنين أبسط من لساني بالمسألة فأجزل له العطية.
قال المتنبي:
ما لنا في النّدى عليك اختيار ... كلّ ما يمنح الشريف شريف
стр. 641
ودخل أشعريّ «١» على الرشيد وسأله، فقال: احتكم، فقال: أشعري يحتكم بعد أبي موسى، فضحك منه وأجازه.
من سأل وذكر أنه أمر بذلك في المنام .
كتب بعضهم إلى أبي سليمان:
رأيت في النوم أنّي مالك فرسا ... ولي وصيف وفي كمّي دنانير
فقال قوم لهم فهم ومعرفة ... خيرا رأيت وللمال التياسير
أقصص منامك في دار الأمير تجد ... تفسير ذلك وللأحلام تفسير
فوقّع أبو سليمان: أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين. ودخل أعرابي على تمّار بالكوفة. فقال:
رأيتك في النّوم أطعمتني ... قواصر من تمرك البارحه «٢»
فقلت لصبياننا ابشروا ... برؤيا رأيت لكم صالحه
قواصر تأتيكم بكرة ... وإلا فتأتيكم رائحه
فقل لي نعم إنها حلوة ... ودع عنك لا إنها مالحه
فأعطاه قوصرة تمر، وقال: أحبّ أن تتركني من هذه الرؤيا، فإن رؤيا يوسف صدقت بعد أربعين سنة.
السّائل حاجة زعمها صغيرة
قال رجل لابن عبّاس ﵄: أتيتك في حاجة صغيرة، فقال: هاتها فالحر لا يصغر عن كبير أخيه ولا يكبر عن صغيره. وقال رجل لعمارة: أتيتك في حويجة، فقال أطلب: لها رجيلا. وقال آخر مثله، فقال: دعها حتى تكبر.
تأسّف من حرمه رزاق
قال البحتري:
سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم «٣»
وبدر أضاء الأرض شرقا ومغربا ... وموضع رحلي منه أغبر مظلم
أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذمّ الغيث إلا مذمّم «٤»
стр. 642
وقال منقذ الهلالي:
علام أرى من ضروب الغيو ... ث حولي وأحرم أمطارها
وقال الحسين الخليع:
أنا في ذمّة السّحاب والظما ... إن هذا لوصمة في السّحاب «١»
وقال آخر:
أيا عجبا لبحر ظلّ يسقي ... جميع الناس لم يبلل لهاتي «٢»
من سأل أن لا يؤذى إن لم يعط
قال العجّاج:
يا ليت حظّي من نداك الصّافي ... والحظّ أن تتركني كفافي
وقال آخر:
فإن زوى عنّي الجمار طلعته ... فلا تصبني بخدّي شوكة السّعف «٣»
وقال المتنبيّ:
ليت العهاد الذي عندي صواعقه ... يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم «٤»
معاتبة من يقول نذرت أو حلفت أن لا أعطي .
قال بعضهم:
فقل لأبي عمرو متى تبلغ العلا ... وفي كلّ معروف عليك يمين
وقال البحتري:
فإن قلت نذر أو يمين تقدمت ... فأيّ جواد حلّ في ماله النذر «٥»
تعريض السائل بمن خيّبه
كتب أبو السائب إلى صديق يستميحه، فاعتل بأنه فقير: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت محجوجا فجعلك الله معذورا. وتعرضت امرأة للمنصور في طريق مكة فحرمها، فأنشدت:
إذا لم يكن فيكنّ ظلّ ولا جنى ... فأبعدكنّ الله من سمرات «٦»
وسأل أعرابي على باب فقال له صبي من الدار: بورك فيك، فقال له: قبح الله هذا
стр. 643
الفم، فقد تعلم الشر صغيرا. ووقف سائل على قوم، فقال أحدهم صناعتنا واحدة، فقال القائل: فأنا قواد فهل أنتم قوادون.
وكان أبو الأسود يأكل على باب داره تمرا، فوقف عليه أعرابي، فقال: شيخ هم غابر ماضين ووافد محتاجين أكله الفقر وتداوله الدهر، فناوله تمرة، فزجّ بها الأعرابي في وجهه، وقال: جعلها الله حظك عنده وألجأك إليّ كما ألجأني إليك، ليبلوك بي كما بلاني بك.
وقف فقير على باب المافروحى بالأهواز فأعطوه لقمة صغيرة، فقال: هذا الدواء كيف يشرب؟ وأعطي سائل مبطنة صغيرة، فقال رحم الله من تممها جبة.
وينشد في من ينسى حاجتك قول الشاعر:
إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسنا ... لإخواننا لم تغن عنها الرتائم «١»
ونحوه:
إذ الموصوفون بنو سهوان
اجتمع يحيى بن زياد وحمّاد عجرد وبشار على طعام، فوقف سائل بالباب، فقال:
يا مسلمين، فقال يحيى: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون. فقال: إرحموني، فقال:
حمّاد: قد رحمناك. فقال إسمعوا كلامي، فقال بشّار:
لقد أسمعت لو ناديت حيّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
سأل متكفف الأصمعي، فقال: لا أرتضي لك ما يحضرني، فقال: أنا أرتضيه، فقال: هو بورك فيك. قال:
ألم ترني أبغضت ليلى وذكرها ... كما أبغض المسكين بورك فيكا
وقال: سائل لعبادة: إرحمني، فقال: قد رحمتك، فقال: تصدّق عليّ، فقال حاجتين في حاجة لا يكون. سأل رجل متكففا، فقال: الصنعة واحدة، فقال: أنا أقود على بنتي وأحمل الكلاب على أمي، لا شك أن الصنعة واحدة.
حكايات عن متكفّف فصيح
قال المازني: وقف علينا أعرابي، فقال: رحم الله أمرأ يمجّ أذنه كلامي وقدم معذرة لسوء مقامي، فإن الفقر يدعوني إلى إخباركم والحياء يمنعني من سؤالكم، فقلت له: ممن الفتى؟ فقال: إن سؤالا الإكتساب يمنع من الانتساب.
وقف أعرابي على حلقة الحسن البصري، فقال: رحم الله امرأ أعطى من سعة، وواسى من كفاف وآثر من قوت، فقال الحسن: ما ترك أحدا منكم حتى سأله.
وقال الأصمعي: وقفت علينا أعرابية، فقالت: أتأذنون في الكلام فإنه فرج من وساوس الهموم ودليل على ضمائر القلوب؟ فقال بعضنا: أما بما يحسن به الاستماع في
стр. 644
العاجل وتخفّ به المؤنة في الآجل فنعم، فقالت: اللهم غفرا فإن هذه شريطة لا يتعلق بها الوفاء، قال: فناولتها درهما فرفعته إلى السماء بين أنملها، وقالت: اللهمّ إنه قد كان في كيسه متمهدا وفي معاشه متصرفا فأتجر به إليك، اللهمّ فلا تجزه على قدر البضاعة ولكن على قدر الصبر على مكروه السؤال.
وقالت أعرابية تتكفف «١» : يا قوم طرائد زمان وفرائد حدثان ولحمان، وضم بذتنا الرجال وانتشر منّا الحال، فهل من مكتسب للأجر أو راغب في الذخر.
وقالت أعرابية: سنة جردت وحال أجهدت وأيد جمدت فرحم الله من رحم. وكان آخر يقول: من حملني على نعلين فكأنما حملني على ناقة.
(٣) وممّا جاء في الوعد والإنجاز والمطل
ما يجد به الوعد والوعيد والإنجاز والخلف
قيل: الوعد قول الرجل أفعل كذا، ويقال في الخير والشر. يقال: وعدته خيرا وشرا وإطلاقه بالخير أولى، والإيعاد في الشرّ لا غير. وقيل: يقال أوعدت فلانا ومتى ذكرت الشر معه قلت وعدته بلا ألف، والإنجاز مطابقة الفعل ما سبق منك من القول، والخلف هو أن تعد بخير ثم لا تفعل.
وقال محمد بن الحسين ﵁: الخلف أن تعد ومن نيتك أن لا تفعل، فأما إذا وعدت ومن نيتك أن تفعل فليس بخلف.
وقال عمر بن عبد العزيز: أربع إذا قلتها متى وعدت ثم لا تفعل لم تكن مخلفا: إن شاء الله، ولعل وأنظر، وأرجو.
النّهي عن التسرّع إلى الوعد
قال المهلب: يا بني إياك والسرعة عند المسألة بنعم فمدخلها سهل ومخرجها وعر، واعلم أن لا وإن قبحت فربما أروحت، فإذا سئلت ما قدرت عليه فاطمع ولا توجب وإذا علمت معذرة فاعتذر، فالاتيان بالعذر الجميل خير من المطل الطويل. وسأل رجل الفضل بن الربيع، فقال: أكره أن أقول نعم فأكون ضامنا، وأن أقول لا فأكون ميئسا، ولكن ننظر فسيسهل الله تعالى.
стр. 645
النّهي عن تكثير الوعد
قيل: من كثر وعده ووعيده اجترأ عليه صديقه وعدوّه. وقيل للمهلّب: بم سدت؟
فقال: بإيثاري فعل ما أحمد بن على بذل الوعد.
الحثّ على الإنجاز أو ترك الوعد
قال المثقّب:
لا تقولنّ إذا ما لم ترد ... أن تتم الوعد في شيء نعم
فإذا قلت نعم فاصبر لها ... بنجاح الوعد إن الخلف ذم
إن «لا» بعد «نعم» فاحشة ... فبلا فابدأ إذا خفت النّدم
وقال الموسوي:
إيّاك أن تسخو بوعد ... ليس عزمك أن تفي به
عتب من يعد ويمطل
لا خير في وعد مبسوط وإنجاز مربوط، وفي وعد يقظان وإنجاز وسنان «١» . ذكر إعرابي رجلا، فقال: أوله طمع وآخره يأس، وما هو إلا كالسراب يخلف من رجاه ويغم من رآه.
وقال حكيم: مطل السائل أقبح من مطل الغريم، لأن الغريم إنما يسلف بفضل، والكريم لا يسأل إلا من جهد الحر يتقاضى بالوعد نفسه، واللئيم يجتهد أن يطيل حبسه.
قال أبو تمّام:
إني أخاف وأرتجي عقباك أن ... تدّعي بموعدك المطول الملحفا «٢»
هبّت رياحك لي جنوبا سهوة ... حتّى إذا أورقت صارت خرفا «٣»
ما عذر من كان النوال طبيعة ... في راحتيه أن يجود تكلّفا
وقال أبو مسهر الرملي:
فيّ احتشام وفيك تقصير ... والصبر ما بين ذاك تعذير
تقدّم القول حين تسأل في الحا ... جة والفعل فيه تأخير
وقال العتابي:
لحسن اعتذار المرء أوقى لعرضه ... من الذمّ من توكيد وعد يماطله
ذمّ من يماطل ثم يخلف
كان أعرابي يفتح مواعده بالمطل ثم يختمها بالخلف، وقال أبو تمام:
стр. 646
عداة كريعان السراب إذا بدت ... تبشّر عن مين وتطوى على مطل «١»
وقال آخر:
وقد كان منّاني ثلاثة أشهر ... بوعد ووافت بعد ذلك معاذره»
من يحلف على وعده ثم يخلف
قال بعضهم: فلان يحلف على وعده ثم يخلف، ويؤلي «٣» لك ثم لا يواليك، أي يحلف لك ثم لا يعطيك.
وقال شاعر:
وليتك لم تحلف لنا حين تخلف
وقال عبد الرحمن بن معاوية:
ألا لا تحلفن لنا يمينا ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا
وقال المتنبي:
وفي اليمين على ما أنت واعده ... ما دلّ أنّك في الميعاد متهم
مطل يتبعه هبة خسيسة
قال ابن الرومي:
قال ابن الرومي:
فلا يك ما تجديه كالبقل خسة ... وكالنخل تأخيرا فما ذاك بالعدل «٤»
وقال آخر:
من الحيف تخفيف النّوال ومطله ... فعجّل خسيسا أو فأجّل موفرا
وكن نخلة تلوي وتسني عطاءها ... وإلا فكن عفصا أقلّ وأيسرا «٥»
من لا يتناهى مطله
وعد أبو الصقر أبا العيناء بشيء فتقاضاه فقال: غدا، فقال له: إن الدهر كله غد، فهل عندك وعد يخلو من المعاريض؟ فقال رجل حاضر قد استعمل المعاريض قوم صالحون حدثنا فلان عن فلان، فقال أبو العيناء: من هذا الذي يحدث في حرماننا بالأسانيد؟ قال ابن الرومي:
أرفه ما أرفه في التقاضي ... وليس لديك غير المطل نقد «٦»
إذا انجاز وعدك كان وعدا ... فيكفيني من الوعدين وعد
стр. 647
وله:
فعلام أمنع واجبا ... وعلام أمطل سرمدا
قال ابن وهب: كان ميعاده الخميس وقد مر خميس لوعده وخميس آخر:
إلى كم تمنّيني بعود وإنّما ... خراب بيوت المملقين بعود
وقال ابن أبي فنن:
يقول لنا في الجمعة السبت موعد ... وهل جمعة إلا ومن بعدها سبت
وقال الخوارزمي:
إذا أضحى فموعده مساء ... وإن أمسى فموعده ضحاء
من خاف أن يموت قبل قضاء حاجته لفرط مطله
قيل لمزبد: إصبر فالفرج قريب، فقال أخاف أن يجيء الفرج فلا يراني. وقال معاوية ابن أبي أيوب:
أعلى الصراط تريد رعية حرمتي ... أم في الحساب تمنّ بالإنعام
وقال ابن الرومي:
طال المطال متى الوفاء فلا خلو ... د فحاجة أو برد يأس ينقع
واعلم بأني لا أسرّ بحاجة ... إلا وفي عمري بها متمتع
وقال آخر:
مواعد منك لا يقضي القضاء لها ... أخاف أن ينقضي من قبلها أجلي
ووعد رجل أبا العيناء دابة فأخّرها، فكتب إليه: إن كانت الدابة التي وعدتني بها دابة الأرض فقد مضى خبرها مع منسأة سليمان، وإن كانت دابة الصفا انتظرنا خبرها مع سابق الحاج، وإن كانت من دواب الدنيا فقد جاز عمر وعدك عمر الدواب، فهيء لي غيرها، وإن كانت دابة تدفعها إليّ في الآخرة فإن الله تعالى يقول: لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
«١» .
ذمّ من لا يعد ولا يفي
قيل: من بذل لك حلو مقاله ومر نواله فهو العدو بعينه، أحسن العدّة وأطال المدّة.
وقيل: لسانه عامر بالوعد وكفه غامر عن الرفد، وأنشد:
علام قلت نعم حتّى إذا وجبت ... أتبعت لا بنعم ما هكذا الجود
وقيل لأبي العيناء: كيف تركت فلانا مع قومه؟ قال يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا. وقال أعرابي: أما الكلام فما أوسع له فمكم وأما الفعال فرجلي معه في إست أمكم.
стр. 648
قال أبو الشمقمق:
الصدق في أفواههم علقم ... والإفك مثل العسل الماذي «١»
وكلّهم في بخله صادق ... وفي النّدى ليس بأستاذ
وقال أعرابي ليزيد بن مزبد:
عداتك ريح يا يزيد بن مزبد ... وأنت على اسم الله فاختة البلد «٢»
وقال آخر:
بدل الوعد للإخلاء سمحا ... وأبى بعد ذاك بذل العطاء
فغدا كالخلاف يورق للع ... ين ويأبى الإثمار كلّ الإباء «٣»
وقال آخر:
يا من إذا ما سألناه استهلّ لنا ... وإن سكتنا يخلي علّة الطلب
لولا الثمار التي تزكو منافعها ... ما فضّل النّاس تفّاحا على غرب «٤»
وقال آخر:
يعد الوعد ولكن ... دونه لمع السّراب
وقال آخر:
يباري الرّياح بمثل الريا ... ح من كاذبات مواعيده
تقبّل الإنجاز
قال الصاحب: سأنجز الوعد حتى ترى الطلّ وإبلا «٥» والهلال بدرا كاملا.
ولو علمت أبناء تغلب ما الذي ... أريد لها ما استعظمت ما أنيلها
الحثّ على إنجاز الوعد السّابق
قال بعضهم: حقيق على من أزهر بقول أن يثمر بفعل. وقف بعضهم على أبي دؤاد، فقال:
حتّى متى أنا موقوف على وجل ... بين السبيلين لا ورد ولا صدر
فقضى حاجته.
قال بعضهم: أورقت نعمك فليثمر كرمك.
ومما فيه جفوة وغلظة ما أنشده الصاحب عن بعض مجان بغداد:
стр. 649
أبا أحمد لست بالمنصف ... ومثلك إن قال قولا يفي
فأنجز فديتك ما قد وعدت ... وإلا هجوت وأدخلت في
النعمة الممطولة في حكم الممنوعة
قال الكندي:
كلّ برّ يشوبه كدر المط ... ل حقيق بأن يكون عقوقا «١»
وقال آخر:
لا تقضينّ حاجة أثخنت صاحبها ... بالمطل منك فتضحي غير محمود
وقال آخر:
ليس يستوجب شكرا رجل ... نلت منه الخير من بعد سنه
إستقباح مطل قادر
قال ابن الرومي:
ألا ليت شعري لم مطلت مثوبتي ... ولم تؤت من بخل ولم تؤت من عسر
وقال آخر:
ما أقبح المطل من أخي كرم ... وعيب من قلّ عيبه شنع
وقال جحظة البرمكي:
إذا كانت صلاتكم رقاعا ... تخطط بالأنامل والأكفّ «٢»
ولم تكن الرقاع تجرّ نفعا ... فها خطي خذوه بألف ألف «٣»
وقال العطوي:
هذي رقاعكم بالرفد وافدة ... وليس فيها بحمد الله توفير
أمضيت عزمك في تضييع حرمتنا ... فليس عندك في التقصير تقصير
الحامد مطل واعده
قال ابن الرومي:
ولم يمطل جواد قطّ إلا ... أتاك جداؤه ضخم السّواد «٤»
إذا ما حامل جرت بحمل ... أجلّت شخصه عند الولاد
стр. 650
وقال المتنبيّ:
ومن الخير بطء سيبك عنّي ... أسرع السحب في المسير الجهام
وله:
وإن تأخّر عنّي بعض موعده ... فما تؤخّر آمالي ولا تهن
وهو الوفيّ ولكنّي ذكرت له ... مودّة فهو يبلوها ويمتحن «١»
الممدوح بإنجاز الوعد
فلان يعد وعد من يخلف وينجز إنجاز من يحلف.
قال أبو تمّام:
يقول قول الذي ليس الوفاء له ... عزما وينجز إنجاز الذي حلفا
وفي المثل: أنجز حر ما وعد لم يشنه مطل، ورفد لم يشبه منّ، وبرّ لم يمازجه ملق، وودّ لم يخالطه مذق «٢» .
أعمار موعده قصار تنقضي ... مثل العطايا في أكفّ عداته
قال بشّار:
كأنّ حقوق النّاس حين ضمنتها ... قذى في حقوق العين منّي أواربه «٣»
وقال آخر:
أعمار أعدائهم إذا قصدوا ... أقصر من وعدهم إذا سئلوا
الممدوح بإنجاز الوعد دون الوعيد
قيل: إن وعد وفى، وإن أوعد استثنى. قال شاعر:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقال آخر:
وعيد عقيم ووعد ولود «٤»
وقال ابن الرومي:
إن خلف الوعيد ليس بعار ... إنّما العار كلّه خلف وعدك
الممدوح بإنجازهما
قال ابن هرمة:
إذا ما أبى شيئا مضى كالذي أبى ... وما قال إنّي فاعل فهو فاعل
стр. 651
وقال أبو تمّام:
قوم إذا وعدوا أو أوعدوا غمروا ... صدقا ذوائب ما قالوا بما فعلوا
وقيل: وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعليل.
الموفي بوعيده دون وعده
يخلف الوعد ويوفي بالوعيد. قال ابن طباطبا:
وفيّ بما أوعدني ... وما وفى بما وعد
وقال آخر:
لها كلّ يوم موعد غير ناجز ... ووعد إذا ما رأس حول تخرّما
فإن أوعدت شرّا أتى دون وقته ... وإن وعدت خيرا أراث وأعتما «١»
المظهر رضاه بالوعد وإن لم يتبعه إنجاز
قال العبّاس:
وإني ليرضيني الذي غيره الرّضا ... وتقنع نفسي بالمواعيد والمطل
وقال آخر:
هلا تعلّلني بوعد كاذب
وقال كشاجم:
ألا لا أرى شيئا ألذّ من الوعد ... ومن أمل فيه وإن كان لا يجدي
وقال الموسوي:
وما ضرّهم إن لم يجودوا بمقنع ... من النيل لو منّوا قليلا وسوّفوا «٢»
وقال النظّام: كنا نلهو بالأماني، ونتمثل في هذا الباب، بقول المتنبيّ:
أرد لي جميلا جدت أو لم تجد به ... فإنّك ما أحببت فيّ أتاني
وقال بعضهم: كان الناس يفعلون ولا يقولون، ثم صاروا يقولون ولا يفعلون، والآن ليسوا يقولون ولا يفعلون.
عذر من أخلف وعدا
سأل رجل أبا عمرو بن العلاء حاجة فوعده، ثم لم ينجزه، فقال: أخلفت. فقال أبو عمرو: فمن أولى بالغم؟ قال الرجل: أنا، فقال: بل أنا لأني وعدتك فأبت بفرح الوعد وأبت بهمّ الإنجاز، ثم عاق القدر عن بلوغ الإرادة فلقيتني مدلا ولقيتك محتشما.
стр. 652
وقال أحمد بن أبي طاهر:
قد كنت أنجز دهرا ما وعدت إلى ... أن أتلف الدهر ما جمعت من نشب «١»
فإن أكن صرت في وعدي أخا كذب ... فنصرة الصّدق أوفت بي إلى الكذب
الحثّ على المطل
قال أحمد بن علويه:
إذا شئت أن تبلي أمرأ ببليّة ... وتحرمه سيب العطايا السوابغ «٢»
فعده وماطله فإنّك بالغ ... به في الأذى والضرّ أقصى المبالغ
وقال سهل بن هارون:
إن الضمير إذا سألتك حاجة ... لأبي الهذيل خلاف ما أبدي
فامنحه روح اليأس ثم امدد له ... حبل الرجاء بمخلف الوعد
حتّى إذا طالت شقاوة جدّه ... بتردّد فاجبهه بالردّ «٣»
المتبجّح بالمطل وخلف الوعد
وقال أبو نواس:
وأشمط ولّاج إليّ ورائح ... رجاء نوال لو أعان بجود «٤»
وإنّي وإياك القرينان نصطلي ... من المطل نارا غير ذات خمود «٥»
فإن كنت لا عن سوء رأيك مقلعا ... فدونك فاستظهر بنعل حديد
فعندي مطل لا يطير غرابه ... عتيد ولا يدعى له بوليد «٦»
وقال الصّاحب:
والله ما وافى بحق قاضيا ... بل جاءني لمبرّتي متقاضيا
والمال في يومي تعذّر ورده ... فليحضرني إن أراد القاضيا
كان محمد بن بشير ولي فارس، فأتاه شاعر فمدحه، فقال: أحسنت، وأقبل على كاتبه وقال: أعطه عشرة آلاف درهم، ففرح الشاعر، فقال: أراك قد طار بك الفرح بما أمرت لك يا غلام اجعله عشرين ألفا، فلما خرج، قال الكاتب: جعلت فداك هذا كان يرضيه اليسير فكيف أمرت له بهذا المال، فقال: ويحك وتريد أن تعطيه ذلك. إنما قال لنا
стр. 653
كذبا سرّنا وقلنا له كذبا سره، فما معنى بذل المال؟ أما قول بقول فنعم، وأما بذل بقول فمحال.
كثرة مسألة مماطل
قال العبّاس بن الأحنف:
ومتى لا تملّ مطلي فإنّي ... مغرم لا أملّ طول التقاضي
وقال محمد بن بشير:
إصبر لمرّ قضاء الحقّ معترفا ... فقد صبرنا لطول الحقّ مذ حين
وقال آخر:
أناجز لي في ذا العام موعدكم ... أم موعد هو منظور إلى قابل
وقيل: أنفق ما يكون التعب إذا وعد كذّاب حريصا.
إن كان ينفع رقية أو رقعة ... فلسوف أملؤكم رقى ورقاعا
ومن نوادر هذا الفصل، قيل لبعضهم: كيف حالك مع فلان؟ فقال: لا أحصل منه إلا على دقّ الصدر والجبهة، فقيل: كيف؟ قال: إذا سألته دقّ صدره ويقول أفعل، وإذا عاودته وتقاضيته دقّ جبهته، ويقول: لا قوة إلا بالله نسيت.
ويقارب هذا ما حكى عن الفضل عن مرداس أنه قيل له: قد تقطع صدر قميصك وركبته دون الباقي، قال: نعم، إني أقعد بالباب فيمرّ بي المار فيقول: سل السلطان لي كذا وافعل كذا، فأدقّ صدري إيجابا، ويأتي آخر فيقول: مات فلان أو حدث كذا فأدق ركبتي اغتماما.
(٤) وممّا جاء في الشفاعات
حثّ ذي الجاه على الشفاعة لذي الحاجة
قال الله تعالى: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها
«١» وقال ﷺ : إن الله يسأل العبد عن جاهه كما يسأله عن ماله وعمره، فيقول جعلت لك جاها فهل نصرت به مظلوما أو قمعت به ظالما أو أغثت به مكروبا.
وقال ﷺ : أفضل الصدقة أن تعين بجاهك من لا جاه له. وقال: الشفاعة زكاة ونصرة اللسان فوق نصرة السنان.
وكان زياد يقول لأصحابه: إشفعوا لمن وراءكم فليس كل من أراد السلطان وصل إليه، ولا كل من وصل استطاع أن يكلّمه.
стр. 654
قال أبو تمّام:
وإذا امرؤ أسدى إليّ صنيعة ... من جاهه فكأنّها من ماله
وقال آخر:
فرضت عليّ زكاة ما ملكت يدي ... وزكاة جاهي أن أعين فأشفعا
من سأل سأل غيره يشفع له
سأل رجل آخر أن يشفع له فقال: صل جناحي فالشفيع جناح الطالب.
قال ابن الرومي:
ليس من كنت ربحه ببعيد ... من سماء يبلّه ببلال «١»
وكذاك الكريم سآل حاجا ... ت سواه وليس بالتسآل «٢»
وقال ابن الحجّاج:
يا سيّدي كم منية نلتها ... منك كما أهوى وأخرى بكا
لولاهما أصبحت مستضعفا ... في قبضة الدّهر ومستهلكا
فامنن بإصلاح اختلالي الذي ... إليك من شدّته المشتكى
وقال أحمد بن المعدل: قلت لبعض أصدقائي كن شفيعي إلى فلان، فقال: أنت لا تحتاج إلى شفيع، معك من الحذاء والسقاء ما تروى بهما الماء وتأكل من لبّ الشجر.
مدح متشفّع معط
مدح أعرابي رجلا، فقال: تهب لي من مالك وتستوهب لي بجاهك، فأنت قليب «٣» مرّة ورشاء مرة، ومنه أخذ أبو تمّام، فقال:
ممطولي بالمال والجاه ... لا ألقاك إلا مستوهبا أو وهوبا
فإذا ما أردت كنت رشاء ... وإذا ما أردت كنت قليبا «٤»
وقيل لشعبة: أفنيت مالك وأخلقت جاهك في حوائج الناس، فقال أصونهما للتراب، قال الخبزأرزي:
خرق يجود بماله وبجاهه ... والجود كلّ الجود بذل الجاه
شفيع مشفع
قال الخبزأرزي:
شفيعك لو في الروح والمال كلّه ... يشفع لم يكبر له أن يشفعا
стр. 655
وقال آخر:
ما تبالي وذا شفيعك لو كن ... ت كعاد في غيّها وثمود
ذاك لو كان في المعاد شفيعا ... رضي الله عن جميع العبيد
مدح شفيع لم يشفع
إذا الشافع استقصى لك الجهد كلّه ... وإن لم ينل نجحا فقد وجب الشكر
نفي العار عمّن يعطي بشفاعة قال ابن الرومي:
لن يعيب السحاب أن تتولّى ... منه أيدي الرّياح حلّ العزالي»
المتشفّع بكرم مسؤوله
قال عبد الله بن جعفر: إن أحقّ من تشفعه من توسل إليك بالأمل. وقال شاعر:
مالي سواك شفيع أستعين به ... إلا رجائي وإفراديك بالأمل
وقال آخر:
ولو أن لي في حاجة ألف شافع ... لما كان فيهم مثل جودك شافع
وقال جحظة:
ومالي حق واجب غير أنّني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسّل
وقال أبو سعيد الأصبهاني:
قصدتك عاريا من كلّ منّ ... لكل الخلق في كلّ المعاني
وقال رجل لجعفر بن يحيى: أمت إليك بذمام الأمل وحسن الظنّ وأدل بقرابة العلم، فقال: ما ذكرت موجب حقا وعاقد فرضا ورحم العلم أمسّ قرابة وألطف ظؤرة «٢» .
المتشفّع بامرأة
كان لعبد الله بن الزبير حاجة إلى معاوية ﵄، فلم يجبه، فاستعان ببعض نسائه فقضى حاجته، فعيّر بذلك. فقال: إذا تعذرت الأمور من أعاليها طلبناها من أسافلها.
وقال البحتري:
إذا ما أعالي الأمر لم تعطك المنى ... فلا بأس باستنجاحها بالأسافل
وقال الهذلي:
إذا جئته في حاجة فارش عرسه ... وأرض ابنه تستغن عن كلّ شافع «٣»
стр. 656
وقال الفرزدق:
أما البنون فقد ردّت شفاعتهم ... وشفعت بنت منظور بن ريّانا
ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا ... مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا
كون المحسن محبّبا إلى المحسن إليه:
قال الفزاري:
ولم أر كالمعروف أما مذاقه ... فحلو وأما وجهه فجميل
وقال المتنبيّ:
وأحسن وجه في الورى وجه محسن ... وأيمن كفّ في الورى كفّ منعم «١»
وقال الموصلّي:
أرى النّاس خلان الجواد ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل
كون المحسن إليه محبّبا إلى المحسن
قيل لبعضهم: أي الناس أحب إليك؟ قال من أولاني معروفا، قيل: فإن لم يكن؟
قال من أوليته معروفا. وقيل: أكرم الناس من كثرت أياديّ إليه. وقام رجل من مجلس خالد بن عبد الله، فقال خالد: إني لأبغض هذا الرجل وماله إلي ذنب، فقال رجل: أوله خيرا تحببه فأولاه معروفا، فما لبث أن كان من المحظيين عنده. وقال رجل لهشام: إن الله تعالى جعل العطاء محبّة والمنع مبغضة، فأعنّي على حبّك.
وقيل للفرزدق: إنك لتمدح آل المهلب وتحبّهم بعد أن لم تكن على ذلك، فقال:
أما علمت أن إعطاء اللها «٢» يفتح اللها ويغرس الهوى.
حثّ من آتاه الله نعمة على حفظها بإسداء الصّنيعة
قال النبي ﷺ : من اتصلت نعم الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، فمن لم يحتمل تلك المؤن عرض لزوال تلك النعم. أخذه الشاعر، فقال:
من لم يواس النّاس من فضله ... عرّض للإدبار إقباله
وقيل: اجعل معروفك حرزا من بداية الغرر وبوادر الغير، وقال خالد بن عبد الله:
حوائج الناس إليكم نعم من الله عليكم فلا تملّوا النعم فتتحول نقما، وأفضل الأموال ما أكسب أجرا وأورث ذكرا.
قال دعبل:
قال العواذل أودى المال قلت نعم ... ما بين أجر ألقاه ومحمدة «٣»
стр. 657
أرزاق ربّ لأقوام يقدرها ... من حيث شاء فيجريهن في هبة
صعوبة الجود في النّفوس
قيل لحاتم: كيف تجد الجود في قلبك؟ فقال: إني لأجده كما يجده الناس ولكن أحمل على خطط الكرام. وقال البحتري:
وأشقّ الأفعال أن تهب الأنفس ما ... أغلقت عليه الأكفّ
وقال الجريمي:
ودون النّدى في كلّ قلب ثنيّة ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل «١»
كون السّماحة كالشّجاعة
قيل: من جاد بماله فقد جاد بنفسه وإن لم يجد بها فقد جاد بما لا قوام لها لا به.
ووصف رجل خالد بن عبد الله القسري بالشجاعة، فقال بعض من حضره: إن خالدا لم يلق حربا قط، فقال: الصبر على السخاء أشد من الصبر في الهيجاء. وقال ابن أبي خالد:
لا تعدّن نفسك شجاعا حتى تكون جوادا، فإنك إن لم تقو على أن تقاتل نفسك على البخل لا تقدر على عدوك بالقتل. إن الجواد على بذل الندى البطل. وقيل: السخي شجاع القلب والبخيل شجاع الوجه.
وقال أبو تمّام:
وإذا رأيت أبا يزيد في ندى ... الوغا ووغى ومبدىء غارة ومعيدا
أيقنت أنّ من السماح شجاعة ... تدمي وأنّ من الشجاعة جودا
وقال البديهي:
وإذا اختبرت علمت غير مدافع ... أن السماح سجيّة الأبطال
كون البخل منافيا للخصال المحمودة
قال النبي ﷺ : شرّ ما في الإنسان شح هالع «٢» وجبن خالع. وروي عنه ﷺ : أي داء أدوى من البخل.
وسمع رجل يقول: الشحيح أغدر من الظالم، فقال: لعن الله الشحيح ولعن الظالم، فإن خصلتين خيرهما الظلم لخصلتا سوء.
وقال كسرى لجلسائه: أي شيء أضرّ فأجمعوا على الفقر، فقال: الشحّ أضر منه لأن الفقر قد ينفرج والشحّ لا يفارق. وقيل: من أيقن بالخلف جاد بالنشب، وذلك من قول النبي ﷺ منع الموجود سوء الظن بالمعبود. ومن هذا أخذ الفضل بن سهل فيما حكى عنه أنه قال: رأيت جملة البخل سوء الظن بالله وجملة السخاء حسن الظن بالله.
стр. 658
وقال بعضهم:
ذريني فإنّ البخل يا أمّ هيثم ... لصالح أخلاق الرجال سروق
حثّ القادر على مبادرة اصطناع المعروف
قال شاعر:
بادر بمعروفك آفاته ... فبنية الدنيا على القلعه «١»
وازرع زروعا ترتضي ريعها ... يوما فكلّ حاصد زرعه
وقال أحمد بن أبي بكر صاحب خراسان:
أحسن فقد أحسن الزمان ... وصحّ منه لك الضمان
بادر بإحسانك الليالي ... فليس من غدرها أمان
وقال محمد بن غالب:
وما اسطعت من بذل أكرومة ... فلا يمنعنّك عنها التّواني
فإنّك في زمن دهره ... كيوم ودولته ساعتان
الحثّ على الإعطاء في العسر واليسر:
قالت امرأة لابنها: إذا رأيت المال مقبلا فانفق فإنه يحتمل، وإذا رأيته مدبرا فانفق فذهابه فيما تريد أجدى من ذهابه في ما لا تريد. قال الشاعر:
لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسّرف
فإن تولّت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف «٢»
وقال آخر:
لا ينفع البخل مع دنيا مولية ... ولا يضرّ مع الإقبال إنفاق
الحثّ على إعطاء فقير يرجى غناه
عسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلا أن يكون له غد «٣»
وقال آخر:
ارفع ضعيفك لا يسؤوك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد غني
وقال وهب بن منبه: اتخذوا عند المساكين يدا فإن لهم دولة يوم القيامة.
الحثّ على سبق الوارث في إعطاء المال وإنفاقه
في الخبر: إن لك في مالك شريكين الحارث والوارث، فلا تكن أعجز الثلاثة.
стр. 659
أخذه الشاعر، فقال:
مالك للدهر غير شكّ ... إن لم تبادر به انتكاثه «١»
أو لنسيب قريب رحم ... إن متّ أضحى له وراثه
أنفقه من قبل ذين تغنم ... ولا تكن أعجز الثلاثه
وقال الحسن بن عليّ ﵄: يا بني لا تخلف وراءك شيئا فإنما تخلفه لأحد رجلين، رجل عمل فيه بطاعة الله فيسعد بما شقيت به، ورجل عمل بمعصيته فكنت عونا له. وليس أحد هذين حقيقا على أن تؤثره على نفسك.
قال أبو الشيص:
يقول الفتى ثمّرت مالي وإنّما ... لوارثه ما ثمّر المال كاسبه
يحاسب فيه نفسه في حياته ... ويتركه نهبا لمن لا يحاسبه
وقال آخر:
إنما مالي ما أنفقته ... والذي أتركه للورثة
وقال آخر:
أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما أبقى لك المال
القوم بعدك في حال تسرّهم ... فكيف بعدهم حالت بك الحال «٢»
وقال أبو العتاهية:
ومن الحزم أن أكون لنفسي ... قبل موتي فيما ملكت وصيّا
النّهي عن ادّخار المال للإعقاب .
قيل لعمر بن عبد العزيز: أوص بابنك، فقال: أوصيت به إلى من أنزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. وكان محمد بن كعب أصاب مالا، فقيل له ادخره لولدك من بعدك، فقال: لا والله أدخره لنفسي وأدخر ربي لولدي. أخذه محمود، فقال:
وقالوا ادّخر ما حزته وجمعته ... لعقبك إن الحزم أدنى من الرّشد «٣»
فقلت سأمضيه لنفسي ذخيرة ... وأجعل ربّي الذخر للأهل والولد
الحثّ على إنفاق المال وأنه لا يبقى
قال حاتم:
أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأقاويل والذكر
стр. 660
وقال ثوبة:
ومن يبق مالا عزة وصيانة ... فلا الشحّ مبقيه ولا الدهر وافره
وقال بشّار:
أخالد إن الجود يبقى لأهله ... جمالا ولا تبقى الكنوز على الكدّ «١»
وقال آخر:
رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا
قلّة الاعتداد بموت من لا ينتفع به
قيل: من لا يعتد بحياته لم يتوجع لمماته. قال ابن مقبل:
وأيسر مفقود وأهون هالك ... على الحيّ من لا يبلغ الحيّ نائله
طيب عيش من عاش غيره فنائه
قيل للمغيرة بن شعبة من أحسن الناس عيشا، فقال: من عاش غيره في خير عيشه.
وقال آخر: أفضل الناس عيشا من عاشت الرجال في فضله.
المال لا ينفع من خلّفه
قال أبو كدوا:
ليست بباكية إبلي إذا فقدت ... صوتي ولا وارثي في الحيّ يبكيني
قال ضمرة:
هل تخمشنّ إبلي على وجوهها ... أم تعصبنّ رؤوسها بسلاب «٢»
وقال حاتم:
أماويّ ما يغني الثّراء عن الفتى ... إذا حشرجت نفس وضاق بها الصّدر «٣»
المال لا يقي من الموت
قال حاتم:
أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها
وقال سوادة:
ذريني فإن البخل لا يخلد الفتى ... ولا يهلك المعروف من هو فاعله
وقال المخبّل:
إني وجدّك ما تخلدني ... مائة يطير عفاؤها أدم «٤»
стр. 661
قلّة نفع المال ما لم ينفق
قال هبيرة السلوليّ:
وما الفرق بين المال لولا امتهانه ... وبين الحصى المجموع أو كثب الرمل
المتبجّح بإنفاق ماله لتصوّر مماته
وقال بعضهم:
ولقد علمت لتأتينّ عشيّة ... لا بعدها خوف عليّ ولا عدم
وأزور بيت الحقّ زورة ماكث ... فعلام أحفل ما تقوض وانهدم
فلأتركنّ الساملين حياضهم ... ولأحبسنّ على مكارمي النعم «١»
وكتب روح إلى خالد بن عبد الله القسري يحثه على الإمساك، فأجابه وقال:
خوفتني مما يجوز كونه والسلامة منه ونهيتني عن فعل ما أوجب الحق، وما أنا ممن يترك ما أوجبه الحق لما خوف منه ظن.
من لا يكفّه قول العذّال عن إنفاق المال
قال أبو أسد:
أرادت لتثني الفيض عن عادة النّدى ... ومن ذا الذي يثني السّحاب عن القطر «٢»
وقال المتنبيّ:
وما ثناك كلام الناس عن كرم ... ومن يسدّ طريق العارض الهطل «٣»
وقال آخر:
فنفسك ولّي اللوم عاذل وانطحي برأسك إن كان الصّفا وذريني «٤»
من عادته البذل
يقال إنه لما مات حاتم تشبه به أخوه، فقالت له أمه: لاتتعبن فيما لا تناله، فقال وما يمنعني وقد كان شقيقي وأخي من أمي وأبي، فقالت: إني لما ولدته كنت كلما أرضعته أبي أن يرضع حتى آتيه بمن يشاركه فيرضع الثدي الآخرة وكنت إذا أرضعتك ودخل صبي بكيت حتى يخرج، قال شاعر:
يلام أبو الفضل في جوده ... وهل يملك البحر أن لا يفيضا
стр. 662
وقال آخر:
باتت تلوم وتلحاني على خلق ... عوّدته عادة والخير تعويد
وقال آخر:
وإني امرؤ عوّدت نفسي عادة ... وكلّ امرىء جار على ما تعوّدا
وقال الموسوي:
دعي عذلي فليس العذل يجنى ... به ما أثمرت شيمي وعادي
وقال آخر:
إذا كنت شمسا نورها من طباعها ... فكيف بأن نلقاك غير منير
من لا يترك عادته في الجود وإن دفع إلى ضيق
كانت أخت حاتم سخية لا تبقي شيئا، فحظّر عليها إخوتها وحبسوها حتى ذاقت طعم الجوع والفقر، فظنّوا أنها قد وجدت ألم الضيق والفقر، فأطلقوها ودفعوا إليها صرمة فأتتها سائلة، فقالت: دونك الصرمة، لقد غضّني من الجوع ما لا أمنع بعده سائلا أبدا، ثم أنشأت:
لعمري لقدما عضّني الدهر عضّة ... فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا
وقال آخر:
وإن مسّه الإقواء والجهد زاده ... سماحا وإتلافا لما كان في اليد «١»
ولما أسنّ ابن جذعان أخذ بنو تميم على يده، فكان إذا أتاه سائل يقول: أدن مني فيلطمه، ويقول: أطلب من قومي قصاص لطمتي، ولا ترض بدون كذا، فيفعل فترضيه بنو تميم.
قال سلم:
وكلّ فخر إذا فاخرت مطّرح ... وكلّ جود إذا ما جدت مغمور
وقيل:
يغمر ضحضاحه غمرات الأجواد وتستر نفحاته بحور الامجاد «٢» وقال المتنبيّ:
وهب الملوك وسدتهم بمواهب ... درّ الملوك لدرّها أغبار
وله:
وإن جاد قبلك قوم مضوا ... فإنّك في الكرم الأوّل
стр. 663
من فضل في الجود على الورى
قال الشاعر:
لو أدرك العصر من كعب ومن هرم ... وحاتم جود كفّيه لما ذكروا
وقال الغساني:
لو أنّ عين زهير أبصرت حسنا ... وكيف يصنع في أمواله الكرم
إذا لقال زهير حين يبصره ... هذا الجواد على العلّات لا هرم
وقال الفرزدق:
لو أن كعبا أو حاتما نشرا ... كانا جميعا في بعض ما يهب
من لو قسّط جوده على الورى لجادوا
قال منصور بن الفقيه:
لو أنّ ما فيه من جود يوزعه ... على الخلائق عادوا كلّهم سمحا
قال ابن الرومي:
خلائق لو فضّت على النّاس كلّهم ... محاسنها لم يبق في الأرض مشتم
من يحاكي بعطائه القطر والبحر
كأنّ فيض يديه قبل مسألة ... باب السماء إذا ما بالحياء انفتحا
وقال ابن الرومي:
وأنت كالبحر لا كفاء له ... في بعد غور وقرب مغترف
وقال آخر:
وما الغيث إلا مثل كفّك في المحل
وقال آخر:
أغنيت ما أغنى المطر
وقال الغسّاني:
مطرت أنامل راحتيه فوائدا ... هانت علينا بعدها الأمطار
وقال بشّار:
إذا القطر لم يغزر علينا سماؤه ... بأرض وثقنا من سمائك بالغزر
من سماؤه تقطر المال
قال أبو نواس:
كلّ يوم له عليّ سماء ... ثرّة تستهلّ بالعقيان «١»
стр. 664
وقال سلم الخاسر:
وفي يديه سماء غير مقلعة ... بالجود صوب عزاليها الدنانير «١»
من فضّل على البحار والسّحاب
قال الغسّاني:
قوم إذا مطرت سماء نوالهم ... ذمّ الأنام سحائب الأمطار
وقال آخر:
البحر يغرق في بحور سخائه
وقال علي بن الجهم:
ولو قرنت بالبحر سبعة أبحر ... لما بلغت جدوى أنامله العشر «٢»
وقال المتنبيّ:
ولما تلقّاك السحاب بصوبه ... تلقّاه أعلى منه كعبا وأكرم «٣»
من يستحي منه السّحاب ويحسده
قال الأمويّ:
يجود فتستحيي السحاب إذا رأت ... نداه وتخطّيه الغيوث المواطر
وقال التنوخي:
إذا انبسطت بالمكرمات أكفّهم ... رأيت الحيا من سيبهنّ قد استحيا «٤»
وقال آخر:
ويحسد كفّيه ثقال الغمائم
المهين لماله
وقال ابن هرمة:
يداه يمينان لم تجمدا ... ولم تأخذا عادة الأشمل
وقال آخر:
أنا الرجل الذي كلتا يديه ... يمين في صروف النّائبات «٥»
الباذل بكلتا يديه
قال ابن الرومي:
ولم أر مالا جاره مثل عزّهم ... يروح ويغدو وهو نهب مقسّم
стр. 665
وقال آخر:
وليس لمالي دون حقّ كريمة ... يعزّ وما فيه عليّ كريم
وقال المتنبيّ:
ويحتقر الدنيا احتقار مجرّب ... يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
وقال بكر بن النطاح:
فتى شقيت أمواله بسماحه ... كما شقيت قيس بأرماح تغلب «١»
من لا يرى الإعطاء حتما
وقال بشّار:
كأنّ لهم دينا عليه وما لهم ... سوى جود كفّيه عليه حقوق
وقال أبو تمّام:
ترى ماله نصب المعالي فأوجبت ... عليه زكاة الجود ما ليس واجبا
من يبسط الآمال
قال أبو تمّام:
ألبستني حلل الغنى فلبستها ... وجعلت آمالي لهنّ ذيولا
وله:
ويحكّم الآمال في الأموال
وقال البحتري:
ثنى أملي فاختاره عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع
المتلقّي سؤاله بطلاقة وجهه
قيل: بسط الوجه يقوم مقام البذل، وقال النبي ﷺ : إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق.
وفي كتب الفرس: لأن تلقي الأحرار بالبشاشة ويحرموا، أحسن من أن يلقوا بالفظاظة ويعطوا، فانظر إلى خلّة أفسدت مثل الجود فاجتنبها وإلى خلّة عفت عن مثل البخل فالزمها.
قال أحمد بن أبي فنن:
بسطت له وجها طليقا إلى النّدى ... وشرّ الوجوه ما يعبسه البخل
وقال كاتب: لما سألته تهلّل واهتز هزّ المهند وابتسم إبتسام الروض عن زهره.
стр. 666
وقال بشّار:
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب «١»
وقال آخر:
وليس بسعّال إذا سيل حاجة ... ولا بمكبّ في ثرى الأرض ينكت»
وقال أعرابي: سألت فلانا فما عبس ولا خنس «٣» ولا حبس. وقيل لآخر: أحسن من أريحية الباذل.
من آثار آلائه ظاهرة
قال سلم الخاسر:
لنعمان آثار علينا مبينة ... كما بيّنت آثار غيب مسائله
وقال أبو تمّام:
وصنيعة لك قد كتمت جزيلها ... فأبى تضوّعها الذي لا يكتم «٤»
ومثله لأبي نواس:
نحن نخفيها ويأبى ... طيب ريح فيفوح
من أخذ مواهبه بزين
قال بعضهم:
إذا أعطى القليل فتى شريف ... فإنّ قليل ما يعطيه زين
وإن تكن العطيّة من دنيء ... فإنّ كثيرها عار وشين «٥»
وقال أحمد بن ثور:
فضع الزيارة حيث لا يزري بها ... كرم المزور ولا يخيب الزّور «٦»
من هو هشّ العود
وريق عودهم أبدا رطيب ... إذا ما اغبرّ عيدان اللئام
وقال آخر:
ألم يك رطبا يعصر القوم ماءه ... وما عوده للكاسرين بيابس
стр. 667
الخصيب الفناء
قال بعضهم لعاف: نزلت بواد ممطور وفناء معمور، فحطّ رحلك فقد صادفت أهلك. قال الحطيئة:
إذا نزلوا بمحلّ روّضوه ... بآثار كآثار الغيوم «١»
وقال ابن الرومي:
أنخت بحيث تبيضّ الأيادي «٢» ... وتسودّ المطابخ والبرام «٣»
من علّم الناس الجود وأعداهم حسن صنيعه
قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي ولا مال لنا، فأغنانا عن آخرنا، فقلت له: كيف؟ فقال: علمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا أجوادا.
وكان عبد الله بن العباس يسمّى معلم الجود لسخائه وحثّه على ذلك قولا وفعلا.
قال شاعر متمثلا معاتبا لصاحبه:
فلو كنت تطلب شأو الكرام ... فعلت كفعل أبي البحتري
تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر
وقال ابن الرومي:
حبّبت كفّه النوال إلى النا ... س جميعا وكان غير حبيب
وقصد أبو العريان بعض الأكابر فكساه وأولاه مالا، فخرج ووزع على أصحابه، وقال:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأفسد ما عندي
من الجود عبده ورقيقه
قصد أعرابي خالد بن يزيد، فقال إني امتدحتك ببيتين فهل تسمعهما، فقال: إن أحسنت فنعم ولك ثواب، فأنشد:
سألت النّدى والجود حرّان أنتما ... فقالا جميعا إننا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولا ... جميعا وقالا خالد ويزيد
فاهتزّ طربا لهما، وأمر له بصلة سنيّة.
قال دعبل:
الجود يعلم أنّي منذ عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسوري
стр. 668
من سكن الجود كفّيه
وصف رجل آخر، فقال: الجود معتكف عليه والفضل مقترن بكفّيه.
وقال آخر:
كفّه بالجود سائلة وبالمعروف شائلة «١»
وقال مسلم:
هانت الدّنيا عليه ... فهي نهبى في يديه «٢»
يصبح الجود ويمسي ... عاكفا في راحتيه «٣»
من حلّ بحلوله الجود
قال أبو نواس:
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
وقال نصيب:
وإنّ خليليك السماحة والنّدى ... مقيمان بالمعروف ما كنت توجد
وقال أشجع:
وإنّ وجود الجود في كلّ بلدة ... إذا لم يكن يحيى بها لغريب
المعطي قبل أن يسأل
قيل: أكرم الناس معطي من لا يرجوه ولا يعفوه، وقيل: فلان دواء الفقر، إن سئل أعطى وإن لم يسأل ابتدأ.
وقال خالد بن يزيد لابنه: السخاء أن تعطي كل من سأل، فقال: يا أبت هذا هو الكدّ، السخاء أن تعطي قبل أن تسأل. وقال مسلم بن قتيبة: إني لأعجز عن مكافأة من رآني لحاجته أهلا، فقال أبو عطاء: أيها الأمير فاجعل فضلك ابتداء حتى ترفع عن نفسك ثقل المكافأة.
قال مسلم:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وقال أبو علي البصير:
كفاني ولم أستكفه متبرّعا ... فتى غير ممنون العطاء ولا نزر
وقال البلاذري:
نالني معروفه مبتدئا ... وكفاني جوده أن أسأله
стр. 669
وقال البحتري:
مواهب ما تجشّمنا السؤال لها ... إنّ الغمام قليب ليس يحتفر
وقال أبو تمّام:
أعطي ونطفة وجهي في قرارتها ... تصونها الوجنات الغضّة القشب
لن يكرم الظّفر المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتّى يكرم الطّلب
من يكتفي في سؤاله بالتّعريض
قال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح سمعه ... أغنى العفاة به عن التّصريح
وقال المتنبيّ:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عنّي ولم أتكلّم
المغني سائله عن سؤال غيره
سئل بعض الأدباء عن جعفر بن يحيى بعد ما قتل، فقال: تركني مقطوع الآمال زاهدا بعده في طلب الأموال. قال ابن الرومي في معناه:
سألتك إغنائي عن النّاس كلّهم ... فأغنيتني عنهم وعنك جميعا
وقال أبو تمّام:
لم يدعني وفي يميني فضل ... لندى غيره ولا في شمالي
وقال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ولعابدة المهلبيّة:
بحمدك لا بحمد النّاس أضحى ... وكيلي ليس يقنعه وكيل
وكانوا كلّما كالوا وزنّا ... فصاروا كلّما وزنوا نكيل
وكنت وناقص وزني فأضحى ... مفاعيلن مفاعيلن فعول
من يصير سائله مسؤولا بما يعطيه
مدح أعرابي رجلا، فقال: يعود عليه المجتدي مجديا ومستعطي رفده معطيا والمنتجع منه منتجعا. قال أبو تمّام:
وكم لحظة أهديتها لابن نكبة ... فأصبح منها ذا عفاة ونائل «١»
стр. 670
وله:
وما يلحظ العافي جداك مؤمّلا ... سوى لحظة حتّى يؤوب مؤمّلا
من لا يردّ سائله
قال أعرابي في مدح رجل: لم ينظر قط إلى محروم. قال ابن خارجة: لا أرد سائلا فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أشتري عرضي منه.
وقال أبو علي البصير:
فتى لا يفيد المال إلا لبذله ... ولا يتلقّى صفحة الحقّ بالعذر
وقال حاتم:
أماوي أني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حلّ في مالنا نذر «١»
وقال النّمر بن تولب:
ولا رحلي بمخزون عليه ... إذا جاري استعار، ولا ردائي
المحقق رجاء آمليه
قضى رجل حاجة أعرابي، فقال: وضعتني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك.
قال أبو تمّام:
رجعت المنى خضراء تثني غصونها ... علينا وأطلقت الرجاء مكبلا
وله:
همّ سرى ثم أضحى همّه أمما ... راحت رجاء وباتت وهي في نشب «٢»
وقال الخوارزمي:
كنّا وردنا وكلّنا أمل ... ثمّ صدرنا وكلّنا نعم «٣»
وقال البحتري:
ولئن كفيت مهمها ... فلمثلها أعددت مثلك «٤»
من لا يقطع نواله عمّن غضب عليه
كان العبّاس بن محمد يجري على رجل شيئا فغضب عليه، وكان ابنه كتب إطلاقات رفعت إليه، فترك اسم المغضوب عليه، فقال: فأين ذكر رزق فلان؟ فقال: إنك قد كنت غضبت عليه، فقال: يا بني غضبي لا يسقط هبتي، إن أباك لا يغضب في النوال.
следующие страницы →