Полный текст (1 556 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
وقال بشّار:
وتأخذه عند المكارم هزّة ... كما اهتزّ تحت البارح الغصن الرّطب «١»
وقال آخر:
وليس بسعّال إذا سيل حاجة ... ولا بمكبّ في ثرى الأرض ينكت»
وقال أعرابي: سألت فلانا فما عبس ولا خنس «٣» ولا حبس. وقيل لآخر: أحسن من أريحية الباذل.
من آثار آلائه ظاهرة
قال سلم الخاسر:
لنعمان آثار علينا مبينة ... كما بيّنت آثار غيب مسائله
وقال أبو تمّام:
وصنيعة لك قد كتمت جزيلها ... فأبى تضوّعها الذي لا يكتم «٤»
ومثله لأبي نواس:
نحن نخفيها ويأبى ... طيب ريح فيفوح
من أخذ مواهبه بزين
قال بعضهم:
إذا أعطى القليل فتى شريف ... فإنّ قليل ما يعطيه زين
وإن تكن العطيّة من دنيء ... فإنّ كثيرها عار وشين «٥»
وقال أحمد بن ثور:
فضع الزيارة حيث لا يزري بها ... كرم المزور ولا يخيب الزّور «٦»
من هو هشّ العود
وريق عودهم أبدا رطيب ... إذا ما اغبرّ عيدان اللئام
وقال آخر:
ألم يك رطبا يعصر القوم ماءه ... وما عوده للكاسرين بيابس
стр. 667
الخصيب الفناء
قال بعضهم لعاف: نزلت بواد ممطور وفناء معمور، فحطّ رحلك فقد صادفت أهلك. قال الحطيئة:
إذا نزلوا بمحلّ روّضوه ... بآثار كآثار الغيوم «١»
وقال ابن الرومي:
أنخت بحيث تبيضّ الأيادي «٢» ... وتسودّ المطابخ والبرام «٣»
من علّم الناس الجود وأعداهم حسن صنيعه
قال بعض الأعراب: قدم علينا الحكم بن المخزومي ولا مال لنا، فأغنانا عن آخرنا، فقلت له: كيف؟ فقال: علمنا مكارم الأخلاق فعاد أغنياؤنا على فقرائنا فصرنا كلنا أجوادا.
وكان عبد الله بن العباس يسمّى معلم الجود لسخائه وحثّه على ذلك قولا وفعلا.
قال شاعر متمثلا معاتبا لصاحبه:
فلو كنت تطلب شأو الكرام ... فعلت كفعل أبي البحتري
تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقلّ عن المكثر
وقال ابن الرومي:
حبّبت كفّه النوال إلى النا ... س جميعا وكان غير حبيب
وقصد أبو العريان بعض الأكابر فكساه وأولاه مالا، فخرج ووزع على أصحابه، وقال:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفّه يعدي
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى ... أفدت وأعداني فأفسد ما عندي
من الجود عبده ورقيقه
قصد أعرابي خالد بن يزيد، فقال إني امتدحتك ببيتين فهل تسمعهما، فقال: إن أحسنت فنعم ولك ثواب، فأنشد:
سألت النّدى والجود حرّان أنتما ... فقالا جميعا إننا لعبيد
فقلت ومن مولاكما فتطاولا ... جميعا وقالا خالد ويزيد
فاهتزّ طربا لهما، وأمر له بصلة سنيّة.
قال دعبل:
الجود يعلم أنّي منذ عاهدني ... ما خنته وقت ميسوري ومعسوري
стр. 668
من سكن الجود كفّيه
وصف رجل آخر، فقال: الجود معتكف عليه والفضل مقترن بكفّيه.
وقال آخر:
كفّه بالجود سائلة وبالمعروف شائلة «١»
وقال مسلم:
هانت الدّنيا عليه ... فهي نهبى في يديه «٢»
يصبح الجود ويمسي ... عاكفا في راحتيه «٣»
من حلّ بحلوله الجود
قال أبو نواس:
فما جازه جود ولا حلّ دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير
وقال نصيب:
وإنّ خليليك السماحة والنّدى ... مقيمان بالمعروف ما كنت توجد
وقال أشجع:
وإنّ وجود الجود في كلّ بلدة ... إذا لم يكن يحيى بها لغريب
المعطي قبل أن يسأل
قيل: أكرم الناس معطي من لا يرجوه ولا يعفوه، وقيل: فلان دواء الفقر، إن سئل أعطى وإن لم يسأل ابتدأ.
وقال خالد بن يزيد لابنه: السخاء أن تعطي كل من سأل، فقال: يا أبت هذا هو الكدّ، السخاء أن تعطي قبل أن تسأل. وقال مسلم بن قتيبة: إني لأعجز عن مكافأة من رآني لحاجته أهلا، فقال أبو عطاء: أيها الأمير فاجعل فضلك ابتداء حتى ترفع عن نفسك ثقل المكافأة.
قال مسلم:
أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال
وقال أبو علي البصير:
كفاني ولم أستكفه متبرّعا ... فتى غير ممنون العطاء ولا نزر
وقال البلاذري:
نالني معروفه مبتدئا ... وكفاني جوده أن أسأله
стр. 669
وقال البحتري:
مواهب ما تجشّمنا السؤال لها ... إنّ الغمام قليب ليس يحتفر
وقال أبو تمّام:
أعطي ونطفة وجهي في قرارتها ... تصونها الوجنات الغضّة القشب
لن يكرم الظّفر المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتّى يكرم الطّلب
من يكتفي في سؤاله بالتّعريض
قال ابن الرومي:
يا من إذا التعريض صافح سمعه ... أغنى العفاة به عن التّصريح
وقال المتنبيّ:
ومثلك من كان الوسيط فؤاده ... فكلّمه عنّي ولم أتكلّم
المغني سائله عن سؤال غيره
سئل بعض الأدباء عن جعفر بن يحيى بعد ما قتل، فقال: تركني مقطوع الآمال زاهدا بعده في طلب الأموال. قال ابن الرومي في معناه:
سألتك إغنائي عن النّاس كلّهم ... فأغنيتني عنهم وعنك جميعا
وقال أبو تمّام:
لم يدعني وفي يميني فضل ... لندى غيره ولا في شمالي
وقال ابن نباتة:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدّنيا بلا أمل
ولعابدة المهلبيّة:
بحمدك لا بحمد النّاس أضحى ... وكيلي ليس يقنعه وكيل
وكانوا كلّما كالوا وزنّا ... فصاروا كلّما وزنوا نكيل
وكنت وناقص وزني فأضحى ... مفاعيلن مفاعيلن فعول
من يصير سائله مسؤولا بما يعطيه
مدح أعرابي رجلا، فقال: يعود عليه المجتدي مجديا ومستعطي رفده معطيا والمنتجع منه منتجعا. قال أبو تمّام:
وكم لحظة أهديتها لابن نكبة ... فأصبح منها ذا عفاة ونائل «١»
стр. 670
وله:
وما يلحظ العافي جداك مؤمّلا ... سوى لحظة حتّى يؤوب مؤمّلا
من لا يردّ سائله
قال أعرابي في مدح رجل: لم ينظر قط إلى محروم. قال ابن خارجة: لا أرد سائلا فإنما هو كريم أسد خلته أو لئيم أشتري عرضي منه.
وقال أبو علي البصير:
فتى لا يفيد المال إلا لبذله ... ولا يتلقّى صفحة الحقّ بالعذر
وقال حاتم:
أماوي أني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حلّ في مالنا نذر «١»
وقال النّمر بن تولب:
ولا رحلي بمخزون عليه ... إذا جاري استعار، ولا ردائي
المحقق رجاء آمليه
قضى رجل حاجة أعرابي، فقال: وضعتني من كرمك بحيث وضعت نفسي من رجائك.
قال أبو تمّام:
رجعت المنى خضراء تثني غصونها ... علينا وأطلقت الرجاء مكبلا
وله:
همّ سرى ثم أضحى همّه أمما ... راحت رجاء وباتت وهي في نشب «٢»
وقال الخوارزمي:
كنّا وردنا وكلّنا أمل ... ثمّ صدرنا وكلّنا نعم «٣»
وقال البحتري:
ولئن كفيت مهمها ... فلمثلها أعددت مثلك «٤»
من لا يقطع نواله عمّن غضب عليه
كان العبّاس بن محمد يجري على رجل شيئا فغضب عليه، وكان ابنه كتب إطلاقات رفعت إليه، فترك اسم المغضوب عليه، فقال: فأين ذكر رزق فلان؟ فقال: إنك قد كنت غضبت عليه، فقال: يا بني غضبي لا يسقط هبتي، إن أباك لا يغضب في النوال.
стр. 671
وسئل بعض الصوفيين: لم وصف الله تعالى بخير الرازقين، فقال: لأنه إذا كفر أحدهم لا يقطع رزقه.
وكان محمد بن سليمان يجري على رجل شيئا، فغضب عليه فقطعه، ثم رضي عنه فردّه، فأبى الرجل أن يقبله، وقال: إني كنت أظن أن إعطاءه مكرمة، فأما وقد صار غضبه يقطعه فلا حاجة لي فيه.
من عطاؤه لا ينقطع
قال الأعشى:
وليس عطاء اليوم مانعه غدا
وقال ابن الرومي:
نوالك كالسيل المسهل بعضه ... لبعض طريق الجري في السّهل والوعر
وقال آخر:
كلّما عدنا لنائله ... افتررنا جوده جذعا «١»
وقال آخر:
وما كان نفعك لي مرّة ... ولا مرتين ولكن مرارا
وقال الحطيئة:
وما أجم المعروف من طول كره ... وأمرى بأفعال الندى وافتعالها «٢»
المتجنّب لفظ المنع
قال بعضهم: فلان خلقت نعم للسانه قبل أن خلق لسانه، فاجتنب «لا» ولزم «نعم» .
وقال لبيد:
وبنو الديّان أعداء للا ... وعلى ألسنهم ذلّت نعم
وأنشد عبد الرحمن الكندي:
لو قيل للعبّاس يا ابن محمّد ... قل لا، وأنت مخلّد ما قالها
فقال: ليس يجب أن يقول الإنسان في كل شيء نعم، وكان الوجه أن يستثني. ثم قال:
هجرت في القول لا إلا لنائبة ... تكون أولى بلا في اللفظ لا بنعم
ويستحسن قول الآخر:
لا فرق في ناطق بالشرك عندهم ... وناطق في جواب السائلين بلا
стр. 672
وقال العتبي:
ما قال لا إلّا لعذّاله ... وهو بها عن سائل أعجم «١»
من هو مقصد العفاة
قيل: أطيب الناس عيشا من كثرت عفاته «٢» وعاش الناس في كنفه، وقيل: فلان داره مجمع عفاته ومربع عطياته. قال أبو نواس:
ترى النّاس أفواجا على باب داره ... كأنّها رجلا دبى وجراد «٣»
وقال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاته ... ومجلسه بالمكرمات منجد
وقال أشجع:
على باب ابن منصور ... علامات من البذل
جماعات وحسب البا ... ب فضلا كثرة الأهل
وقال بشار:
يطوف العفاة بأبوابه ... كطوف الحجيج ببيت الحرم
وقال البديهي:
وللجود حسن أيّ وقت بذلته ... وأحسنه ما كان في زمن المحل
باعث رفده إلى تارك قصده
قال الحجّاج يوما: قلّ عفاتنا، فقال رجل: أصلح الله الأمير إنك أكثرت خير البيوت فاستغنى الناس بما يصل إليهم عن الترحال، فسرّ الحجاج، وقال: بارك الله فيك وأحسن إليه.
أنشد مروان بن أبي حفصة قول الشاعر:
إذا جئت أعطاني وإن أنا لم أجىء ... أتاني من جدواه ما كنت أرتجي
فقال مروان قد قلت أحسن من هذا، بعث إليّ عبد الله بن طاهر عشرين ألفا فقلت فيه:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا ... ببغداد من أرض الجزيرة وابله «٤»
ونعم الفتى، والبيد بيني وبينه ... بعشرين ألفا صبّحتنا رسائله
стр. 673
وقال ابن الرومي:
ويشرك أدنى الأرض في صوبه القصوي «١» وقال آخر:
لا أشتكي البدر على بعده ... لقد أضاءت لي آفاقه
وقال عمارة:
لعمرك ما النائي البعيد بنازح ... إذا قربت ألطافه ونوائله «٢»
وما ضرّنا أن السماك محلّق ... بعيد، إذا جادت علينا هو اطله «٣»
من أعطى الغنيّ والفقير
روي في الخبر: أعطوا السائل ولو جاء على فرس، وقال ﷺ : كل معروف صدق لغني أو فقير. وقيل لبعضهم: ما الجود؟ فقال: أن تعطي الغني والفقير ولا تخص ولأحمد بن أبي طاهر:
ونداه مثل الغيث جاد لمجدب ... وعر، وحلّ على المحلّ الممرع «٤»
وقال المتنبيّ:
ويد لها كرم الغمام لأنّه ... يسقي العمارة والمكان البلقعا «٥»
المستشهد على فرط جوده بعفاته وزمانه
قال الخطيم:
وإن تلق ندماني تخبرك أنّني ... وكاء لكيس لم أعد منه بالفقر «٦»
وقال ديك الجن:
سلا هل كمجدي أو كفخري لفاخر ... وعندكما من قبل إن تسألا خبر
وقال المتوكل الليثي:
فإن يسأل الله الشهود شهادة ... تنبىء جمادى عنكم والمحرّم «٧»
بأنكما خير الحجاز وأهله ... إذا جعل المعطي يملّ ويسأم
من يباري الرياح
قال عبد الله بن أبي السمط:
أعطى أبو دلف والريح عاصفة ... حتّى إذا وقفت أعطى ولم يقف
стр. 674
وقال آخر:
يكلون الرياح إذا تبارت ... ويمتثلون أفعال السّحاب «١»
المعطي بلا شفاعة
قال ابن الرومي:
النائل المعطي بغير وسيلة ... كالماء مغترفا بغير رشاء «٢»
وقال آخر:
أفردته برجائي أن يشاركني ... فيه الوسائل أو ألقاه بالكتب
من شارك في ماله عفاته
قال ابن الرومي:
وامدح فتى حظّه منّ ومأثرة ... كحظّ ناظرنا من وجهه الحسن
وقال أبو تمّام:
لو كنت شاهد بذله لشهدت لي ... بوراثة أو شركة في ماله
من لا يبقي مالا .
كأنّ عليه أن يفرّق ماله ... ألية مبرور الألية محترز «٣»
وقال المتنبيّ:
عجبا له حفظ العنان بأنمل ... ما حفظها الأشياء من عاداتها»
وله:
لو كان ضوء الشموس في يده ... أضاعه جوده وأفناه «٥»
وقال آخر:
يقول أناس لو جمعت دراهما ... وكيف ولم أخلق لجمع الدّراهم
أبى الله إلا أن تكون دراهمي ... مدى الدّهر نهبى بين عاف وغانم «٦»
وقال أعرابي: حسن الحديث ضعيف خيط الدرهم.
стр. 675
من لا تجب عليه زكاة لإنفاقه ماله
قال بكر بن النطاح:
وما وجبت عليّ زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على الفقير
وقال رجل من بني عذرة:
والله ما بلغت للجود ماشيتي ... حدّ الزكاة ولا إبلي ولا مالي
من ماله ماله معدّ للبذل
قال البحتري:
فتى لا يريد الوفر إلا ذخيرة ... لمأثرة تزداد أو مغرم يعرو «١»
وقال عليّ بن الجهم:
ولا يجمع الأموال إلا لبذلها ... كما لا يساق الهدي إلا إلى النّحر «٢»
من لا يبخل بروحه ولا ماله لو سئل
مدح رجل آخر، فقال: كيسه محلول وماله مبذول، يطعمك نفسه إن أوكلتها ويسقيك روحه إن شربتها، ومنه أخذ بعض بني غطفان:
ولو لم أجد لنزيلي قرى ... قطعت له بعض أطرافيه
وقال بكر بن النطاح:
ولو لم يكن في كفّه غير روحه ... لجاد بها فليتق الله سائله
وقال الكميت:
وتبتذل النفس المصونة نفسه ... إذا ما رأى حقّا عليه ابتذالها
وقال أبو هفّان في معناه، وإن كان في وصف الضيافة:
ولو نزل الأضياف ليلة لا قرى ... لأطعمتهم لحمي وأسقيتهم دمي
وقال ابن نباتة:
وحكّمني حتّى لو أنّي سألته ... شبابي وقد ولّى به الشّيب ردّه
المنخدع المتباله في ابتذال ماله
قيل: الكريم هو المنخدع عن ماله حتى يحكم فيه الطمع ويستعمل في ماله الخدع.
وقيل لبعضهم: ما الشرف؟ فقال: الإنخداع عن المال. ولا تجد أحدا يتغافل عن ماله إلا وجدت له في قلبه فضيلة لا تقدر على دفعها، وقد أدّبنا نبيّنا ﷺ بقوله: رحم الله سهل البيع سهل الشراء وهذا خلاف قول الناس: المغبون غير محمود ولا مأجور.
стр. 676
وقد قال ﷺ : ألا أدلّكم على شيء يحبّه الله ورسوله، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: التغابن للضعيف.
قال شاعر:
ممّن يغرّ على الثّناء فيمدح
وقال البحتري:
وإذا خادعته عن ماله ... عرف المسلك فيه فانخدع
وله:
وقد يتغابى المرء في عظم ماله ... ومن تحت برديه المغيرة أو عمرو «١»
وله:
إذا معشر صانوا السماح تعسّفت ... به همّة مجنونة في ابتذاله
وتخطّى أبو تمّام ذلك حتى استقبح قوله، فقال:
ما زال يهذي بالمكارم والعلى ... حتى ظننّا أنه محموم
والهذيان والحمى مستقبح ذكرهما في المدح، قال المنذر الغساني يوصي ابنه: آمرك بالذل في نفسك والإنخداع في مالك.
من عيبه إفراطه في الجود
فتى كملت أخلاقه غير أنّه ... جواد فلا يبقي من المال باقيا
وقال كشاجم:
ما فيهم عيب سوى الإ ... فراط في الجود فقط
وقال أبو هفان:
عيب بني مخلد سماحتهم ... وأنّهم يتلفون ما ملكوا
وقيل للحسن بن سهل، وقد كثر عطاؤه على اختلال حاله: ليس في السرف خير، فقال: ليس في الخير سرف.
وقال المأمون لمحمد بن عباد: إنك متلاف، فقال: منع الجود سوء الظن بالمعبود.
وفي الزهد أخبار من ذلك.
الساتر عطيّته
روي أن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ملك أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية، فنزل فيه قوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً
«٢» الآية.
стр. 677
وقال المتنبيّ:
ستروا النّدى ستر الغراب سفاده ... فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل «١» ؟
ووصف أعرابي رجلا، فقال إذ أعطى شكر وإذا أعطى ستر.
المسرور بما يعطيه
لمّا دخل الفضل بن يحيى الرقّة، قال لو كلائه: أحصوا منزل من يغنيه ألف درهم فاحصوا ثلاثمائة منزل فوجه إليهم ثلاثمائة ألف درهم، ثم وضع له الطعام، فقال: ما أكلت طعاما أهنأ منه اليوم، وقد علمت أني أغنيت ثلاثمائة بيت.
قال أبو تمّام:
لو يعلم العافون كم لك في النّدى ... من لذّة وقريحة لم تحمد «٢»
وقال زهير:
تراه إذا ما جئته متهلّلا ... كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
وقال الأعشى:
يرى البخل مرّا والعطاء كأنّما ... يلذّ به عذبا من الماء باردا
وقال أبو تمّام:
ونغمة معتف يرجوه أحلى ... على أذنيه من نغم السّماع
وقال معاوية يوما لجلسائه: ما بقي من لذاتكم؟ فقالوا: ضروب من القول، فقال ذلك لوردان مولى عمر، فقال: النظر في وجه كريم أصابته من دهره جائحة فاصطنعت إليه، فقال معاوية: أنا أحق بهذه منك، فقال: أحق بها من سبق إليها وأنت أقدر عليها فافعل.
ودخل هشام بن عروة على المنصور، فشكا إليه دينا، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين روي عن النبي ﷺ أنه قال من أعطى عطية وهو طيب النفس بورك للمعطي والمعطى منها، أفنفسك طيبة بها، قال: نعم.
من اشتغاله بالعطاء
قال بعضهم:
فتى لا تراه الدهر إلا ونفسه ... تجود بخير أو تهمّ بخير
وقال آخر:
لا يعدّ المال إلا وهبا
стр. 678
وقال دعبل:
يعدّ ما أنفق من ماله ... غنما وما وفّره غرما
وله:
فتى لا يرى المال إلا العطاء ... ولا الكنز إلا اعتقال المنن
من لا يعدّ ماله إلّا ما وهبه
قال النبي ﷺ : أفضل الصدقة جهد من مقل. وقال بعض الصوفية: ليس السخاء أن تعطي الواجد العادم إنما السخاء أن تعطي العادم الواجد قال شاعر:
إذا تكرّمت أن تعطي القليل ولم ... تقدر على سعة لم يظهر الجود
بثّ النوال ولا يمنعك قلّته ... فكلّ ما سدّ فقرا فهو محمود
وقال آخر:
ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتّى تجود وما لديك قليل
وقيل: لم يحرم من قصد له.
من يكثر العطاء وإن قلّ ماله
قال ابن هرمة:
وينال بالمال القليل تبرّعي ... فما يضيق بها ذراع المكثر
وقال العرندس:
ولم يك أكثر الفتيان مالا ... ولكن كان أرحبهم ذراعا
وقال آخر:
ما كان عارا إذا ضيف تضيفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك نائله ... ومكثر من غنى سيّان في الجود
وقال معن بن زائدة: طلبني المنصور فهربت منه متنكرا، فلقيني أسود فتعلق بي وقال: أنت طلبة أمير المؤمنين، فقلت: إتق الله فإني غريب، فقال: دعني من هذا، فقلت: إنك إن أتيته بي لا تنتفع منه بكثير نفع، فدونك هذه الجواهر فقيمتها ألوف دنانير، فقال: دعني من ذا أنت موصوف بالجود، هل أعطيت مالك كلّه أو نصفه أو ثلثه، فقلت:
لا، فقال: أنا مشاهرتي كل شهر عشرون درهما ومالي على ظهر الأرض ما قيمته مائة درهم، وها أنا قد وهبت لك هذه الجواهر ووهبتك لنفسك لتعلم أن لله عبادا أسخى منك، ففارقته وأنا بعد في طلبه.
من أعطى الكثير لمن يرضيه القليل
سوّى حجّام شارب الحسن فأعطاه درهمين، فقيل: إنه كان يكتفي بدانق، فقال: لا تدنقوا يدنق عليكم.
стр. 679
ومرّ يزيد بن المهلّب بأعرابي في خروجه من السجن، فسأله شيئا، فقال لغلامه: ما معك؟ قال: مائة دينار، فقال: أعطه، فقال الغلام: هذا يرضيه اليسير، فقال: أنا لا يرضيني إلا الكثير. قال: إنه لا يعرفك، قال: أنا أعرف نفسي. وأثنى أعرابي على رجل فقال: ما زال يعطيني حتى ظننت أنه يودعني وما ضاع مال أورث حمدا.
المحكّم سائله في ماله
قال التنوخي:
إن جاءهم سائل يبغي نوالهم ... أعطوه من مالهم ما شاء واقترحا
وقال ابن نباتة:
وحكّمني حتّى لو أني سألته ... شبابي وقد ولّى به الشّيب ردّه
ودخل الغافري على الحسن بن عليّ ﵄، فقال: إني عصيت رسول الله ﷺ ، قال: بئس ما صنعت، كيف؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: لا يفلح قوم ملكت أمرهم امرأة وقد ملكت عليّ امرأتي، أمرتني أن أشتري عبدا فاشتريته فأبق منّي، فقال:
اختر إحدى ثلاث إن شئت فثمن عبد، فقال: قف ههنا ولا تتجاوزه، فقد اخترته فأعطاه ذلك.
من جاد بالعرض دون العرض
قال أبو شراعة:
عرض مصون وتراث منتهب
وقال ابن الرومي:
قريب النوال بعيد المنال ... ومسكنه شرف ممتنع «١»
كمثل السحاب نأى شخصه ... ولم ينأ منه صيّب همع «٢»
وقال يعقوب التمّار:
حمى أعراضه ضنّا وشحّا ... وصيّر ماله نهبا مباحا
الصّائن عرضه بماله
قيل: فلان منع الناس من عرضه، بما نشر عليهم من فضله.
وقال آخر:
خير العروض وقاية الأعراض
وقال آخر:
وما أنال المال صان الجاها
стр. 680
وقال أحمد بن أبي طاهر:
العرض ليس يصونه مال إذا ... ما المال عند حقوقه لم يبذل
وقال آخر:
لا يقي بالإحسان مالا ولكن ... يجعل المال جنّة الإحسان «١»
المبتاع الحمد بالمال
ذهاب المال في حمد وأجر ... ذهاب لا يقال له ذهاب
وقال مجنون:
وما اشتريت بمال قطّ مكرمة ... إلا تيقنت أنّي غير مغبون
وفرّق علي بن موسى الرضى ماله بخراسان كلّه في يوم عرفة، فقال له الفضل بن سهل: ما هذا المغرم؟ فقال: بل هو المغنم لا تعدن مغرما ما ابتعت به أجرا وكرما.
من يعطي طوعا ويتأبّى خسفا
خبر الدهقان الذي طالبه بالمال قد تقدم في خبر السلاطين. وقيل: فلان لا يسمح بالغلب ولا يدرّ على الغضب. وقال معن بن أوس:
ونأبى فلا نعطي على الخسف درّة ... ميسا ولكن بالتودّد نختل «٢»
وقال البحتري:
حرون إذا عازرته في ملمّة ... فإن جئته من جانب الذلّ أصحبا «٣»
وقال المتنبي:
وأنتم فئة تسخو نفوسكم ... بما يهون ولا تسخون بالسلب «٤»
إعطاء المستحقّ وغيره والشاكر والكافر
قيل: لأن أخطىء باذلا أحب إليّ من أن أصيب مانعا. وقال ابن عبّاس ﵄: لا يزهدنّك في المعروف كفر من كفره، فإنه يشكرك عليه من لم يصطنع إليه.
قال بعضهم:
يد المعروف غنم حيث كانت ... تضمّنها كفور أو شكور
стр. 681
فعند الشاكرين له جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور
وقال محمود:
سأمنح مالي كلّ من جاء عافيا ... واجعله فرضا على الفرض والفرض
فإما كريم صنت بالجود عرضه ... وأما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
وقال آخر:
لا يذهب العرف بين الله والنّاس
الحثّ على منع اللّئام ومن يستضرّ بإعطائه
قيل في التوراة: مكتوب من صنع معروفا إلى غير أهله كتب له خطيئة. وقال بزرجمهر: المصطنع إلى اللئيم كمن طوق الخنزير تبرا وقرّط الكلب درا وألبس الحمار وشيئا وألقم الحية شهدا.
وقيل: من أشبع لئيما فقد ضرى عدوا عاتيا وسبعا عاديا. وقيل: اللئيم يزداد بالعرف خبالا كما يزداد المريض من كثرة الطعام وبالا.
قال أبو بجيلة:
متى تسد معروفا إلى غير أهله ... رزئت ولم تظفر بحمد ولا أجر
وقال آخر:
ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي كما لاقى مجير أمّ عامر
وقال آخر:
هم سمّنوا كلبا فأتلف بعضهم ... ولو أخذوا بالحزم ما سمّنوا كلبا
وقال آخر:
ليس في منع غير ذي الحقّ بخل
من لا يبخل في حقّ يلزمه ولا يسرف فيما يخوّله
قيل للمنبوذ: إنك بخيل، فقال: ما أحمد في حق ولا أذوب في باطل. وقيل لفيلسوف: متى يكون قليل النوال موفيا على الكثير؟ فقال: إذا كان قليله في الحقوق وكثيره في الإسراف.
وقيل لمعاوية: ما الجود؟ فقال: إصابة موضع البذل والمنع. وقيل: السخاء أن تأخذ الشيء من حل وتضعه في حق.
قال الراعي:
فلست إن نابني حقّ بمنتكر ... فيه ولا برم تعيى به السّبل
стр. 682
الممدوح بمنع العطاء غير مستحقّه .
قيل:
إذا المال لم يوجب عليك عطاءه ... صنيعة تقوى أو خليل تخالقه «١»
منعت وبعض المنع عزم وقوّة ... ولم يبتذلك المال إلا حقائقه
المشارك ذويه في ما يملكه ويحويه
صادف رجل موسرا يصحبه معسر، فسأل الموسر عن صاحبه، فقال: هو أخي، فقال له: ولم أنت غني وهو فقير؟ أما سمعت قول عبد الله بن معاوية:
وإذا أصبت من القوافل رغبة ... فامنح عشيرتك الأدنى فضلها «٢»
وأحسن بقول الآخر:
بدا حين أثرى بإخوانه ... فقلّل منهم شياة العدم «٣»
وعرفه الحزم صرف الدهور ... فبادر بالعرف قبل النّدم «٤»
وقال عمرو بن الأطنابة:
كريم رأى الإقلال عارا فلم يزل ... أخا طلب للمال حتّى تموّلا
فلمّا أفاد المال عاد بفضله ... على كلّ من يرجو جداه مؤمّلا «٥»
وقال أبو عمر القاضي:
وتركي مواساة الأخلاء بالذي ... تحوز يدي ظلم لهم وعقوق
وقيل: لا تعدنّ غنيا من لم يكن غناه مشتركا.
الإعطاء في حال السّكر والصّحو
لما كان السكر قد يذر البخيل كريما، كرهوا مدح المرء بأنه يسخو في حال السكر، فغضوا من قول عمرو:
إذا ما الماء خالطها سخينا
واستجادوا قول امرىء القيس:
ينال جودك في صحو وفي سكر «٦»
стр. 683
وقد استجيد قول زهير:
أخو ثقة لا يهلك الخمر ماله ... ولكنّه قد يهلك المال نائله
أي ليس ممن يعطى لسكره ولكن يعطي لسخائه. وقيل: ليس ينفق ماله في شرب الخمر ولكنه في البذل. قال البحتري:
تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما استطعن أن يحدثن فيك تكرّما
وقال المتنبيّ:
لا تجد الخمر في مكارمه ... إذا انتشى خلّة تلافاها «١»
عذر سخيّ بخل في بعض الأحوال
قال الحسن بن علي ﵄ لرجل سأله شيئا، فلم يمكنه: لو أمكنني لكان الحظ فيه لنا دونك، فإن حرمنا شكرك فلا تحرمنا سعة عذرك. قصد رجل الحسن بن سهل في حالة عسره فاستماحه، فلم ينل منه مطلبه فعاتبه، فقال الحسن:
الجود طبعي ولكن ليس لي مال ... وكيف يسمح من بالدين يحتال
وشيمتي في العطايا لا تزايلني ... وليس ما أشتهي يأتي به المال
واستبطأ دعبل أبا دلف، فبعث إليه دنانير، وكتب معها:
أعجلتنا فأتاك عاجل برّنا ... قلا ولو أمهلتنا لم تقلل
فخذ القليل وكن كأنّك لم تسل ... ونكون نحن كأنّنا لم نسئل
ومدح البحتري طاهر بن محمد، فبعث إليه دنانير، وكتب معها بأبيات منها:
والشريف الظريف يسمح بالعذ ... ر إذا قصّر الصديق المقلّ
فكتب إليه البحتري:
وإذا ما جزيت شعرا بشعر ... يبلغ الحقّ فالدنانير فضل
دخل بعض الطالبيين على إسحاق الموصلي فأطال الجلوس، فلما خف الناس كلّمه في حاجة، فقال: ما إلى ذلك سبيل. فسكت قليلا ثم عاوده، فقال له كذلك، فقال:
لا ييئسنّك من كريم نبوة ... ينبو الفتى وهو الجواد الخضرم «٢»
فإذا أبى فاستبقه وتأنّه ... حتى يفيء به الطباع الأكرم
فاهتز لكلامه، وقال: قد عاد الطباع الأكرم وخوّله.
وفي المثل: بيتي يبخل لا أنا. وقال وال لرجل كان يكثر سؤاله: دع الضرع يدرّ لغيرك كما درّ لك.
стр. 684
ووقّع عبد الحميد في رقعة مستميح كان قد برّه مرارا: قد نفد ما عندنا لمثلك فارغب إلى من لا ينفد ما عنده.
عذر من أعطى قليلا
أتى رجل زياد بن أبي سفيان سائلا، فأعطاه درهما، فقال: صاحب العراقين يعطيني درهما، فقال: إنّ من بيده خزائن السموات والأرض ربما رزق أخص عبيده التمرة واللقمة وما يكثر عندي أن أصل رجلا بمائة ألف درهم ولا يصغر أن أعطي سائلا رغيفا، إذا كان رب العالمين يفعل ذلك.
ورفع حشم جعفر بن يحيى إليه قصة يستزيدونه أرزاقهم، فقال لعمرو بن مسعدة، فكتب إليه: قليل دائم خير من كثير منقطع، فقال جعفر: أي وزير بين جنبيه.
عذر من أفقره الجود
قصد جماعة ابن هرمة فخرجت بنية له فاعتذرت، فقالوا: أليس أبوك الذي يقول:
لا أمنع العود بالفصال ولا ... ابتاع إلا قريبة الأجل
فقالت: نعم. هذه العادة منه تركتكم بلا قرى.
قال جحظة:
جاء الشتاء وما عندي له ورق ... فيما عددت ولا عندي له خلع
كانت فبدّدها جود ولعت به ... وللمساكين أيضا بالنّدى ولع
وقال أبو الشمقمق:
الجود أفلسهم وغيّر حالهم ... واليوم إن سئلوا النوال تمحّلوا «١»
وسأل رجل آخر شيئا فاعتذر إليه فقال السائل: العذر الصادق مع النية الجميلة يقومان مقام النجح.
أنواع مختلفة من باب الجود
قال ابن الرومي:
يعطي وينمي الله أمواله ... والبحر لا ينضبه النزح «٢»
ومما روي في الخبر: أن لله ملائكة تنادي كل صباح ومساء اللهمّ اجعل لمنفق خلفا ولممسك تلفا.
وقال البحتري فيمن سامحه بخراجه:
وكنت إذا ما رمت عندك حاجة ... على كند الأيام هان علاجها «٣»
стр. 685
فلم لا أغالي بالضّياع وقد دنا ... عليّ مداها واستقام اعوجاجها
إذا كان لي تربيعها واغتلالها ... وكان عليه عشرها وخراجها «١»
وقال شرحبيل للرشيد: أعطني عطية تشبهك أو تشبهني، فقال: فوقك ودوني فأولاه مالا، والعطايا تختلف أسماؤها فالحذياء للمبشر والحذية للعدل والبسلة للراقي، والحلوان للكاهن، والنشوع للساحر، والزبد للدلال، والشبر للنكاح والعزير ثمن المرعى، والجعل للشرط.
(٥) وممّا جاء في البخل بالأموال
حقيقة البخل
سئل الحسن ﵁ عن البخل، فقال: هو أن يرى الرجل ما أنفقه سرفا وما أمسكه شرفا. وقال آخر: البخل جلباب المسكنة. وقيل للأحنف: ما اللؤم؟ فقال:
الاستفضال على الملهوف، فقيل: وما الجود؟ فقال: الاحتيال للمعروف.
ذمّ البخل وتعظيمه على كلّ الذّنوب
قيل لإبليس: من أحب الناس إليك؟ فقال: عابد بخيل. قيل: فمن أبغض الناس إليك، قال فاسق سخيّ فينجيه سخاؤه.
وقيل: من بخل بمال في واجب ذهب ضعفه في باطل. وقيل: السخي حرّ لأنه يملك بماله والبخيل لا يستحق اسم الحرية، لأنه يملكه ماله.
وقال بشر بن مروان: لو أن أهل البخل لم ينلهم من بخلهم إلا سوء ظنهم بربهم في الخلف لكان عجيبا. وقيل: أعجب ما في البخيل أنه يعيش عيش الفقراء ويحاسب حساب الأغنياء. قال شاعر:
إن البخيل فقير غير مأجور
وقال الديسق اليربوعي:
إذا ذو المال ضنّ بما لديه ... وأشفق فهو محتاج فقير
كثرة البخل وقلّة الجود في الناس
لما قال أبو العتاهية:
إطرح بطرفك حيث شئ ... ت فلن ترى إلا بخيلا
стр. 686
قيل له: بخّلت الناس كلهم، فقال: كذّبوني بواحد.
قال كشاجم:
إجتنب النّاس طريق النّدى ... كأنّما قد أنبت العوسجا «١»
وهذا مأخوذ من قول بعضهم، وقد سمع رجلا يقول: تجنّب الناس طريق الندى، فقال: ذاك طريق نبت فيه العوسج:
أكلّ وميض بارقة كذوب ... أما في الدّهر شيء لا يريب
وشاع البخل في الأشياء حتّى ... يكاد يشحّ بالريح الهبوب
فكيف أخصّ باسم العيب شيئا ... وأكثر ما أشاهده معيب
وقال ابن نباتة:
كيف السبيل إلى الغنى ... والبخل عند النّاس فطنه؟
معاتبة من يرجو لئيما
قيل: من أمل فاجرا فأدنى عقوبته أن يحرمه. وسأل أعرابي رجلا فحرمه، فقال له أخوه: نزلت بواد غير ممطور ورجل غير مسرور، فارتحل بندم أو أقم بعدم. ذم العبّاس بن الحسين بعض الوزراء، فقال: الذليل من اعتزى إليك والفقير من أملك. وقيل:
كدمت غير مكدم «٢» ، نفخت لو تنفخ في فحم، هيهات تضرب في حديد بارد.
وقال رجل: إني أقصد فلانا راجيا نداه، فقال له صاحبه:
ترجو النّدى من إناء قلّما ارتشحا ... كالمستذيب لشحم الكلب من ذنبه «٣»
وقال أبو العتاهية:
وإنّ من يرتجي نداك كمن ... يحلب تيسا من شهوة اللبن
وقال بعضهم:
أمن دار الكلاب تروم عظما ... لقد حدّثت نفسك بالمحال
وقال إسماعيل القراطيسي:
لقد أحللت حاجاتي ... بواد غير ذي زرع
وقال أبو تمّام:
ومالي من ذنب إلى الرزق خلته ... سوى أملي إيّاكم للعظائم
ونحوه:
سجدنا للقرود رجاء دنيا ... حوتها دوننا أيدي القرود
стр. 687
فما بلّت أناملنا بشيء ... علمناه سوى ذلّ السّجود
وقال المتنبيّ:
تظنّ ابتساماتي رجاء وغبطة ... وما أنا إلّا ضاحك من رجائيا «١»
من لا ينال خيره ولا يرجى فضله
قال الصاحب بن زرارة في أخيه صاعد: هو والله ليس برطب فيعصر ولا بيابس فيكسر، ما عنده خلّ ولا خمر، سواء هو والعدم.
وكان عبد الملك يقال له رشح الحجر لبخله.
وشاتم أعرابي رجلا فقال: إنكم لتقصرون العطاء وتعيرون النساء وتبيعون الماء، ما عنده فائدة ولا عائدة، ولا رأي جميل ولا إكرام دخيل. وقالت امرأة لزوجها: والله ما يقيم الفأر في دارك إلا حبّ الوطن. وقيل في رجل: بئس منتجع المجدب. قال شاعر:
وبحر السراب يفوت الطّلاب ... فقل في طلابك جئنا به
وقال المتنبيّ:
ولا يدرّ على مرعاكم اللبن «٢»
وقال أبو هفّان:
سواء إذا ما زرتهم في ملمّة ... أزرتهم أم زرت من في المقابر
وقيل لأبي العيناء: كيف وجدت فلانا لما قصدته؟ قال: وجدته لا يعود إليه حرّ.
وقصد رجل سلطانا فلما رجع، قيل له: ما ولّاك؟ فقال: ولّاني قفاه وأولاني منعه وحماني نفعه.
من تأبى نفسه السّماحة
قال شاعر:
يعالج نفسا بين جنبيه كزّة ... إذا همّ بالمعروف قالت له: مهلا «٣»
وقال آخر:
كأنّما يعطيك من بصره
وقال سعيد بن عبد الرحمن:
أبي لك فعل الخير رأي مقصر ... ونفس أضاق الله بالخير باعها
إذا هي حثّته على الخير مرّة ... عصاها وإن همّت بشرّ أطاعها
стр. 688
المتلقّي سائله بلفظ المنع
قيل: فلان مشجب، من أي النواحي أتيته وجدت لا. وقال عمرو بن عبيد لرجل قد أكثر من لا: أيها الرجل أقلّ من لا فليس في الجنة لا. قال أعرابي: وجدت فلانا أخرس بنعم فصيحا بلا.
بخيل متكبّر
قال النبي ﷺ : خصلتان لا يجتمعان في مؤمن، البخل وسوء الخلق.
قال خلف الأحمر:
أناس تائهون لهم رواء ... تغيم سماؤهم من غير وبل «١»
وقيل: ربّ صلف تحت راعدة.
وقال أحدهم:
أتجمع بخلا فاحشا وتكبّرا ... وما جرّ ذما كالتكبّر والبخل
فلو كان عفى البخل منك تواضع ... أو الكبر جود كنت من ذاك في وعل «٢»
وقد تقدّم بعض ذلك في الكبر.
من عادته البخل
قيل لثمامة: أي الناس أبخل؟ فقال: لم أر الديكة في بلد إلا وتأخذ بمناقيرها ما تلتقطه فتلقيه قدّام الدجاج إلا ديكة مرو، فإنها تسلب الدجاج ما في مناقيرها من الحبوب، فعلمت أن البخل في طباعهم.
وقال بعضهم: من لم يأت الخير صغيرا لم يأته كبيرا، أما سمعت قول الشاعر:
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه شديد
وقال ابن العميد:
البخل مستحسن في شيمة الخوز «٣»
ذمّ من لا يعطي إلّا على الخسف
قال أبو نعامة: جلّ الناس لا ترشح أناملهم إلا بعسف وعنف. هذا محمد بن علي بن عصمة صرت إليه أطوارا أقتضيه، فكان يعد ويماطل، فأتيته يوما فقلت: أتسمع بيتا حضر، قال: هات، فقلت:
محمد بن علي بن عصمة بن عاصم
стр. 689
فقال: هذه نسبتنا، فقلت:
جليل فضل كريم ... من أهل بيت كرام
فقال أحسنت، فقلت: أتسمع بيتا أم تنجز الوعد؟ فقال: غدا، فقلت: فاسمع.
لكنّه مستهام بأخذ أير الغلام
فقال: آه آه ويلك يا غلام أعطه وأرحنا منه. قال بعضهم:
العبد لا يطلب العلاء ولا ... يعطيك شيئا إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع الظهر لا ... يحسن مشيا إلا إذا ضربا
وقال آخر:
رأيتك مثل الجوز يمنع خيره ... صحيحا ويعطي نفعه حين يكسر
وقال شاعر:
صاحب لي ليس فيه ... خصلة أشكرها له
سمجا شخصا ومخبو ... را وتفصيلا وجمله
ومريدا من جفاه ... ومهينا من أدلّه
فهو كالدينا ... ر لا يكرم إلّا من أذلّه
بخيل أعطى عطيّة لطمع
قيل لأعرابي: أعطاك فلان، فقال: نعم أعطاني طلب الثواب وصانع المعروف لعاجل الجزاء، كملقي الحب للطير ليصيده به لا لينفعه. ومن هنا أخذ المتنبي تعريضا بكافور.
ومن قد ظنّ نثر الحبّ جودا ... وينصب تحت ما نثر الشّباكا
المصطنع إلى الأراذل دون الأفاضل
قال ابن الرومي:
تنبّه للأنذال يرفع أمرهم ... وأصبح عن أهل المروءة ساهيا
وقال آخر:
صنائعه لدى الأنذا ... ل تنبي أنّه سفله
وقال آخر:
وابن اللئيمة للئام وهوب
بخيل متشبّه بالأسخياء
كان لبعض الموسرين أخ لا يواسيه، فقيل له: لو واسيت أخاك كان أشبه بك من هذا البخل الذي استشعرته، فقال: والله ما أنا ببخيل. لو ملكت ألف ألف لوهبت له الساعة خمسمائة درهم، ثم التفت إلى القوم، فقال: يا قوم رجل يهب لأخيه في مجلس واحد
стр. 690
خمسمائة درهم يقال له بخيل. قالوا: والله أنت أجود من يمشي على قدم. قال جحظة:
وممخرق يصف السما ... ح ونفسه نفس بخيله «١»
وقيل للماجشون كيف رأيت أهل العراق؟ فقال:
ما شئت من رجل بخيل ... يأوي إلى عرض دخيل
يأتي الجميل بقوله ... وفعاله غير الجميل
المتعجّب من بخيل سمح وقتا بطفيف
تعجّبت لما ابتدا بالجميل ... وما كان يعرف فعل الجميل
فأطلع لي كوكبا كالسّهى ... قليل الضياء سريع الأفول
وما كان إعطاؤه سوددا ... ولكنّها غلطة من بخيل
قال الخليل بن أحمد في سليمان، وقد ذكر له إنسان أنه جاءه فأعطاه شيئا:
وخصلة يكثر الشيطان إن ذكرت ... منها التعجب جاءت من سليمانا
لا تعجبنّ لخير جاء من يده ... فكوكب النحس يسقي الأرض أحيانا «٢»
وقال أبو تمّام:
ربّما أمكنت جناها السحوق «٣»
وقال الموسوي:
ومبخل أعطى القليل وربّما ... سمحت حروف التاء للتمتام
من أعطى للتهوّر
قال شاعر:
لا تمدحنّ حسنا في الجود إن مطرت ... كفّاه يوما ولا تذممه إن رزما «٤»
فليس يبخل إبقاء على نشب ... ولن يجود بفضل المال معتزما
لكنّها خطرات من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما
ردّ عطيّة خسيسة
قصد أعرابي أبا الغمر، فسأله فأعطاه درهمين، فردهما إليه، ثم قال:
رددت لبحر درهميه ولم يكن ... ليدفع عن فاقتي درهما عمرو
فقلت لبحر خذهما واصطرفهما ... وأنفقهما في غير حمد ولا أجر
стр. 691
أتمنع سؤال العشيرة بعد ما ... تسمّيت بحرا واكتنيت أبا الغمر؟
وكان ربيعة مدح العباس بن محمد بقوله:
لو قيل للعبّاس يا ابن محمّد ... قل لا وأنت مخلّد ما قالها
فأعطاه بعد مطل كثير دينارين فوهب ربيعة ذلك لصاحب دواته، وقال: خذ هذه الرقعة وأوصلها، وكتب فيها:
مدحتك مدحة السيف المحلّى ... لتجري في الكلام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا ... كذبت عليك فيها وافتريت
وصف غني لا يعطي ولا ينفق
قيل: فلان سمين المال مهزول النوال. وقيل: بطر الدعة بخيل السعة. وقيل لجعفر بن محمد إن منصورا لا يلبس منذ صارت الخلافة إليه إلا الخشن ولا يأكل إلا الخشن، فقال: ويحه مع ما يكون له من السلطان وجبي له من الأموال، قالوا: إنما يفعل ذلك بخلا، فرفع يده إلى السماء، فقال: الحمد لله الذي حرمه من دنياه ما ترك من أجله دينه. وقيل: إنه كان أعد اثني عشر ألف عدل من الثياب، فأخرج يوما ثوب خز، وقال: يا ربيع إقطع منه جبة لي وقلنسوة، وبخل أن يأتي بثوب آخر، فلما أفضت الخلافة إلى المهدي أنهبها الغلمان.
قال البسامي:
لقد أوتيت من ملك عظيم ... فما آتيت إنسانا فقيرا
وقال آخر:
ولو يكون على الخزّان يملكه ... لم يسق ذا غلّة من مائه الجاري
وقال آخر:
ألا ليت شعري آل خاقان هل لكم ... إذا ما سلبتم نعمة الله ذاكر
فأما وأنتم لابسون ثيابها ... فما لكم والحمد لله شاكر
المزداد بالثّراء بخلا
أحسن ابن الرومي في قوله:
إذا غمر الماء البخيل وجدته ... يزيد به يبسا وإن ظنّ يرطب
وليس عجيبا ذاك منه فإنه ... إذا غمر الماء الحجارة تصلب
وكان ذلك ممّا روي في الخبر: أن الله إذا سأله عبد شيئا يقول خذه وضعفيه حرصا.
قال ابن الحجّاج:
أناس كلّما ازدادوا علاء ... تناهوا في نفوسهم استفالا
стр. 692
من لا يفرج عمّا يقع في أنامله
فلان لا تندى أنامله ولا ترجى فواضله، ألين من كفيه الحجر، هو نزر العرف جامد الكف:
كأنّما خلقت كفّاه من حجر ... فليس بين يديه والنّدى عمل
وقال آخر:
وهل للصّفا العادي ماء إذا عصر «١»
هو نكد الحظيرة أي مانع لما في يديه. قال شاعر:
لو عبر البحر بأمواجه ... في ليلة مظلمة بارده
وكفّه مملوءة خردلا ... ما سقطت من كفّه واحده
وقال البحتري:
جدّة يذود البخل عن أطرافها ... كالبحر يدفع ملحه عن مائه «٢»
وقال الفرزدق:
فتى ماله كالبحر يمنع صاديا ... من الريّ منه وكدره أجاجه «٣»
وقال الزبرقان:
طوى كلّ معروف وأحضر دونه ... عقارب أخشى لسعها وأفاعيا
الرّاجع في هبته والقاطع لصلته
قال النبي ﷺ : الراجع في هبته كالعائد في قيئه، وهذا مما يستدل به على تحريم الرجوع في الهبة بأنه حرام. كما أن أكل المتقيء حرام.
قال ابن الرومي:
لا تكن كالدّهر في أفعاله ... كلّما أعطى عطاياه رجع
وقال البحتري:
أعطى القليل وذاك مبلغ قدره ... ثم استردّ وذاك مبلغ رأيه
وأجرى بعض الكبار على أعرابي شيئا قطعه عنه، فقال فيه:
إن الذي شقّ فمي ضامن ... لي الرزق حتّى يتوفّاني
حرمتني نفعا قليلا فما ... زادك في نفعك حرماني
وقال ابن هرمة:
كممكنة من درّها كفّ حالب ... ودافقة من بعد ذلك ما حلب
стр. 693
السّالب مستعطيه
قيل في المثل: طلب القرن فجدعت أنفه، وقال بشّار:
فصرت كالهبتي غدا يبتغي ... قرنا فلم يرجع بأذنين «١»
وقيل:
سقط العشاء به على سرحان «٢»
وقال آخر:
كمبتغي الصّيد في عريسة الأسد «٣»
الصّائن ماله بعرضه والممنوع من سؤاله .
قيل: أبخل الناس بماله أجودهم بعرضه. من صان نفسه أهان فلسه.
وقيل: كان جحا إذا جلس كشف إسته ورفع عنه ثوبه، فقيل له في ذلك، فقال:
جلدة الإست أبقى من الثوب. وهذا نحو المثل: إبق نعليك وابذل قدميك.
قال أبو تمّام:
أضحوا بمستن سبل الذمّ فارتفعت ... أموالهم في هضاب المطل والعلل «٤»
وقال ابن الرومي:
لا تطالبه بالثّواب فما رز ... ء ثواب من مثله بحلال
المقتّر على نفسه والتارك لشهوته
قال شاعر:
ولو يسطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
وقال آخر:
يحبّ المديح أبو خالد ... ويفزع من صلة المادح
كبكر تودّ لذيذ النّكاح ... وتخشع من صولة النّاكح
الضّنين بمال غيره والسّمح به
قيل فلان يمنع درّه ودرّ غيره. الحرّ يعطي والنذل يألم قلبه. وقيل البخيل يمنع ماله ويغضب على الجواد إذا رأى ابتذاله. قال أبو تمّام:
وإن امرأ ضنّت يداه على امرىء ... بنيل يد من غيره، لبخيل
وقال آخر:
سبط البنان بما في رحل صاحبه ... جعد البنان بما في رجله قطط
стр. 694
الموصوف بالسّكوت عند السّؤال
قال بعضهم: فلان مرتز نكدكز «١» . وقال بعضهم:
كأنّهم عند السؤال جلامد «٢»
وقال آخر:
إن اللئيم إذا سألت بهرته ... عند السّؤال وقلّ منه المنطق
وأتى بعض الشعراء رجلا فسأله فما زاده على التنحنح والتحوقل، فقال:
فلا حول إلا بالإله وقوّة ... إذا قلتها دلّت على طرق البخل
وإنّي لأرجو ان أفوز بأجرها ... كما قلتها بعد التنحنح من أجلي
الحزين الهارب مخافة أن يسأل
قال بعضهم:
مخافة أن يرجى نداه حزين
وقال جحظة:
إذا ذكر النّاس التطول أرعدت ... فرائصه خوفا لذكر التطوّل «٣»
وقال بشّار:
إذا سلّم المسكين طار فؤاده ... مخافة سؤال واعتراه جنون
وقيل: فلان يبغض نعمة الله عليه مخافة أن يستماح.
المتلقّي عافية بقطوب وجهه
ذم أعرابي رجلا، فقال: رآني فخالني في نداه راغبا ولجدواه طالبا، فقرب من حاجب حاجبا.
كأنّما وجهه بالخلّ منضوح
وقيل لامرأة: كيف وجدت فلانا لما اعتفيته، فقالت:
تلقّاني بوجه مكفهرّ ... كأنما عليه أرزاق العباد
وقال آخر:
وعنون لي إطراقه عن قطوبه «٤»
وقال آخر:
طعم النّدى عندهم حامض
وقال شاعر:
كالح الوجه كان مصّ حماضا ... وسما تعبيسه ذوق حماض
стр. 695
وأصل ذلك من قول الأعشى:
يزيد يغضّ الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه عليّ المحاجم «١»
المتلقي عافيه ببشاشة من غير جدوى:
قيل لرجل: ما رأيت من فلان، فقال: برقا بلا مطر وورقا بلا ثمر. وجه كريم وفعل لئيم.
وقال أبو العيناء لعبيد الله بن سليمان: أيّد الله الوزير لي منك قرب الولي وحرمان العدو.
وقال ابن الرومي في معاتبة بعض الرؤساء:
لولا الثمار التي ترجى منافعها ... ما فضّل الناس تفّاحا على غرب «٢»
ولجحظة:
وبأحسنت لا يباع الدقيق
وقال أبو العتاهية:
إن السلام وإن الردّ من رجل ... في مثل ما أنت فيه ليس يكفيني
المعتذر إلى سائله ببشاشة من غير جدوى
سأل أبو العيناء رجلا شيئا فاعتذر إليه وحلف أنه صادق في اعتذاره، فقال: من كان الصدق حرمان صديقه ماذا يكون كذبه؟
وسأل رجل آخر فاعتذر بأحسن اعتذار، فقال: يعبر عن اللئيم لسانه وعن الكريم فعاله. واعتذر آخر، فقال السائل: إن كنت كاذبا فجعلك الله صادقا وإن كنت معتذرا فجعلك الله معذورا. وهذا مأخوذ من قول الآخر: لا جعل الله حظ السائل منك عذرة صادقة. قال الجريمي:
لا ينهضون إلى مجد ولا كرم ... ولا يجودون إلا بالمعاذير
المحلف إذا سأل الحارم إذا سئل
قال أعرابي: فلان إذا سأل ألحف، وإذا سئل سوّف، وإذا حدث حلف، وإذا وعد أخلف، ينظر نظر الحقود ويعتذر اعتذار الحسود. وقيل: إذا سئل أقنط وإذا سأل أفرط.
وقال آخر: لم أر أحصر يدا منه بالنوال ولا أطول لسانا منه بالسؤال «٣» ، إن سئل فجحد وإن سأل فحرب. إن سئل أرز «٤» وإن سأل انتهز. هو بالإنجاح إذا سأل واثق، وبالرد إذا سئل حاذق.
стр. 696
وقال شاعر:
وأخ إن جاءني في حاجة ... كان بالإنجاح منّي واثقا
وإذا ما جئته في مثله ... كان بالردّ بصيرا حاذقا
يعمل الفكرة في ردّي بها ... قبل أن أفرغ منها ناطقا
وممّن تلطّف لردّ سائل
. كان لسعيد بن خالد قصر بإزاء قصر عبد الملك، فقال له عبد الملك: إن لي إليك حاجة فقال مقضية، قال: إجعل لي قصرك. قال: هو لك، فقال عبد الملك: فلك خمس حاجات مقضية، فقال سعيد: أولها أن ترد عليّ قصري، قال: فعلت فما بعد ذلك، قال:
أنت في حل من الأربع.
وقال رجل لآخر: إن لي إليك حاجة، قال: بشرط، أن تقضي قبلها لي حاجة، فقال لك ذلك، قال: حاجتي أن لا تسألني حاجة، قال: قد فعلت.
من ردّ سائله بشتم أو سفاهة
سأل أعرابي شيخا من بني أمية وحوله مشايخ، فقال: أصابتنا سنة ولي بضعة عشر بنتا، فقال الشيخ: وددت أن الله ضرب بينكم وبين السماء صفائح حديد، فلا تقطر عليك قطرة، واضعف بناتك أضعافا وجعلك بينهن مقطوع اليد والرجل، ما لهن كاسب سواك، ثم صفر بكلب له فشدّ عليه وقطع ثيابه، فقال السائل: ما أدري ما أقول لك إنك لقبيح المنظر سخيف المخبر فأعضك الله ببظور أمهات من حولك.
ودخل رجل إلى محمد بن عبد الملك، فقال: لي بك سببان، الجوار وسوء الحال، وذلك داع إلى الرحمة، فقال: أما الجوار فبين الحيطان والرحمة من أخلاق الصبيان، اخرج عني. فما مضى عليه أسبوع حتى نكب.
ذمّ من ينسب بخل نفسه إلى القدر
خطب معاوية ذات يوم فقال: إن الله تعالى يقول: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ
«١» فلم نلام نحن؟ فقام إليه الأحنف، فقال: إنا والله ما نلومك على ما في خزائن الله تعالى، ولكن نلومك على ما أنزل الله علينا من خزائنه فأغلقت بابك دونه، فسكت معاوية.
وقال بعض الشعراء:
إذا أعطاك قصّر حين يعطي ... وإن لم يعط قال أبى القضاء
يبخل ربّه سفها وجهلا ... ويعذر نفسه فيما يشاء
стр. 697
المحسن للبخل المحتجّ له
قيل لخالد بن صفوان: مالك لا تنفق ومالك عريض؟ قال: الدهر أعرض منه. قيل له: كأنك تؤمل أن تعيش أبدا؟ قال: لا، ولا أخاف أن أموت في أوله.
قال الجاحظ: قلت لبعض الأغنياء البخلاء أرضيت أن يقال لك إنك بخيل؟ قال: لا أعدمني الله هذا الاسم، لأنه لا يقال بخيل إلا لذي مال، أعطني المال وادعني بما شئت من الأسماء.
من وهب ماله في عمله فهو أحمق ومن وهبه في عزله فهو مجنون. وقيل لأبي الأسود: أنت ظرف علم ووعاء حلم غير أنك بخيل، فقال: وما خير ظرف لا يمسك ما فيه. وقيل: من لم يمنع لم يكن له ما يعطي. قال: وللبخل خير من سؤال بخيل.
وقيل: الشحيح أعذر من الظالم. وقال المنصور: الناس يزعمون أني بخيل وما أنا ببخيل، ولكني رأيت الناس عبيد المال فحظرت ذلك عليهم ليكونوا عبيدي.
وعمل سهل بن هارون كتابا في مدح البخل وأهداه إلى الحسن بن سهل، وطلب منه ثوابا، فوقع على ظهره: قد جعلنا ثوابك ما حسنته وأمرت به.
قال الموسوي في عذر فاضل بخيل:
لا غرو إن كنت حرا لا تفيض ندى ... فالبحر غمر ولكن ليس بالجاري
ذمّ ممتنّ بالإعطاء
قيل: المنّة تهدم الصنيعة. وقيل لأعرابي: فلان يزعم أنه كساك، فقال: المعروف إذا منّ به كدر، ومن ضاق قلبه اتسع لسانه. وقيل لآخر في المعروف إذا أحصى، قال:
إنّ الذين يسوغ في أعناقهم ... طعم يمن عليهم للئام
وقال آخر:
أفسدت بالمنّ ما قدّمت من حسن ... ليس الجواد إذا أسدى بمنّان
وقيل لرجل: هل لك في ندى فلان؟ فقال: لا خير في ثمرة مقترنة بزنبور.
ومن ذا الذي يلتذّ شهدا بعلقم ... أبت لهواتي ذاك والشفّتان «١»
وقيل: شوى أخوك حتى إذا أنضج رمد، وقول الله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ
«٢» ، قال فتقديره يقولون إنما نطعمكم، قال مجاهد لم يكن ذلك منهم مقالا وإنما أخبر عما كان لهم اعتقادا.
стр. 698
دعا المنصور طبيبا للخيزران، وكانت قد اشتكت عينها، فقال: إن هذه في عينها شوكة سنبل فانتزع من عينها، فإذا هو شيء طار من السنبل ولصق بعينها وتراكبت الأكحال التي تعالج بها فزال الألم في الوقت، فأعطاه عشرة آلاف درهم، فلما دفعها إليه ندم.
فأوصاه فقال: إحفظها فإنها مال له خطر، فقال: نعم، وفارقه فاستردّه، وقال: إياك أن تنفق منها شيئا حتى تتفق ضيعة تشتريها بها، فقال: نعم وفارقه، ثم استرده فأوصاه فقال: إن رأيت يا أمير المؤمنين فاختمها بختمك حتى ألقاك بها يوم القيامة على الصراط بختمك، فضحك وخلاه.
النّهي عن الامتنان
قال النبي ﷺ : إياكم والامتنان بالمعروف، فإن ذلك يبطل الشكر ويمحق الأجر، ثم تلا قول الله تعالى: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى
. وقيل: تمام البذل ترك المنّ، وقال بعضهم: لا تمنّ بالمعروف فالمعروف إذا ذكر كدر، وإذا أنسي أمر. تعداد المنة من ضعف المنة. وقيل: المنة تهدم الصنيعة وتسترد النعمة فنزه منتك عن الامتنان، وسأل رجل آخر حاجة فجعل يؤنبه، فقال: أترى أن تقيم ترك التأنيب مقام قضاء الحاجة.
أنواع منه
قال المتنبي:
وما كلّ بمعذور ببخل ... ولا كلّ على بخل يلام
وقال نصيب الصغير:
متى يجتمع يوما حريص ومانع ... فليس إلى حمد هناك سبيل
وقال آخر:
ولو عليك اتكالي في الطّعام إذا ... لكنت أول مدفون من الجوع
أحقر الناس البخيل لكي يستغنوا عن ماله. وسأل ابن عباس إنسانا حاجة فرده، فقال: أبوك لم يرد حاجة أحد جودا. كان قد أتاه قوم يستعبرون كلبا لينزوه على كلبتهم، فقال: لا ينزو عليها غيري إيجابا لكم. وقيل: أتاك ريان بلبنه إذا أعطى ما يفضل منه.
قال أبو علي المحمودي:
أعزّ عليّ من أبويّ عندي ... ومن نفسي أعزّ عليّ فلسي
فلولا الفلس هنت على صديقي ... ولم تكرم على الأطماع نفسي
وله:
ومتّ على الدّرهم المنقوش موت فتى ... يرى الممات عليه أكرم الكرم
ولولا غناك لكنت الكلب عندهم ... فإن أبيت فجرّب واشق بالنّدم
стр. 699
وقال آخر:
لا لوم في القصد على ذي حبا ... يكرّم ما يكرّم من أجله «١»
وقال آخر:
لا أحسبنّك بعد الموت تنفعني ... وفي حياتي ما زوّدتني زادي
ومن أمثالهم:
لأيّ يوم يخبّىء المرء السعة
وقال آخر:
إذا فات في الدنيا الذي بك أرتجي ... فنفعك عنّي في المعاد قليل
وقال محمد بن يزيد، كتبه إلى من استعان به في أمر فلم يجد عليه:
أترضى لي بأن أرضى ... بتقصيرك في أمري
لعلّ الله أن يصنع ... لي من حيث لا تدري
فألقاك بلا شكر ... وتلقاني بلا أجر
стр. 700
الحد العاشر في الأطعمة
(١) فممّا جاء في أوصاف الأطعمة
الخبز
قيل: الخبز يسمّى جابرا وعاصم بن حبة، كما قيل: التمر بنت نخيلة. وقال أعرابي عيّر بعمل تعاطاه.
فلا تلوماني ولوما جابرا ... فجابر كلّفني الهواجر «١»
وقيل لأعرابي: الخبز أحب إليك أم التمر؟ فقال: التمر طيب، وما عن الخبز صبر.
وقيل لبعضهم: ما طعم الخبز؟ قال: طعم أدامه، وقال النبي ﷺ : أكرموا الخبز، فإن الله تعالى سخّر له ما في السموات والأرض.
السّويق
عاب عائب السويق عند الطفاوية، وكانت امرأة أدركت أصحاب النبي ﷺ فقالت: لا تفعل فإن السويق طعام المسافر والعجلان والحزين والسمنة والنفساء والمريض. وقيل: هو يرفو الضعيف ويشدّ فؤاد السقيم وفقاره ويجلو البلغم ومسمونه يصفّي الدم، إن شئت كان ثريدا وإن شئت كان خبيصا.
حمد اللّحم وذمّه
قيل: أطيب اللحم عوده أي ما عاد منه بالعظم، وقيل: اللحم أقل الطعام نجوا «٢» .
وقيل: من لم يأكل اللحم أربعين يوما نقص عقله. وقيل: من تركه أربعين يوما ساء خلقه.
وقال بعض الأطباء: عجبا لمن أكله الخبز واللحم وشربه ماء الكرم «٣» ، ثم اقتصد في تناولها كيف يموت. واستقبل عمر رجلا ثلاثة أيام على الولاء وقد اشترى لحما فعلاه بالدرة، وقال: إن الله تعالى يبغض قوما لحميين، عاقب بين اللحم وغيره. وقيل: إياكم
стр. 701
وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر. وقال المسيح: ألحم «١» تأكل لحما، أف لهذا عملا.
وسئل بعض الرهبان عن تركه أكل اللحم، فقال: إنا رأينا الغوائل تتولّد من أكل اللحم، ألا ترى أن أكلة اللحم من السباع هي أشد ضررا من أكلة الحشيش.
السكباج والزّيرباج
يقال للسكباج: الخليّة والمخللة والشمقمقة والصفصاف لغة ثقيف، وسمّوه أم القرى. ولم يكن يطلق السكباج «٢» أن يطبخ في أيام الفرس إلا بخاتم من الملك وسئل بعضهم عنه، فقال: إنه يشفي العرم ويفتق الشهوة ويقدم في الثرائد وتزيّن به الموائد، تجيدها الخاصة ولا تغلط فيها العامّة.
قال الحجاج لطباخه: اتخذ لنا صفصفاة «٣» وأكثر فيجنها «٤» ، فلم يدر الطباخ ما عناه، فسأل ابن القرية، فقال: اتخذ سكباجة وأكثر سدابها.
وقال المنصور يوما لحظيّة له: إلى كم نأكل السكباج، يعرّض بها، فقالت: يا أمير المؤمنين هو مخ الأطعمة لا يملّ حارّها ولا يكره باردها، فاستحيا منها.
قال عبد الملك بن محمد بن إسماعيل:
وسكباجة تشفي السقام بطيبها ... على أنّها جاءت بلون سقيم
إذا زارها أيدي الرجال تزاحمت ... كأيدي نساء في ظلال نعيم
وقال بعضهم:
فتنتنا بريحها السكباجة ... فتركنا من أجلها ألف حاجة
وأكل أعرابي القريش، فقيل له: ما أكلت قال: الفالوذج «٥» إلا أنكم هضمتموه بعد.
وقال بعضهم:
قدم طاهيك زير باجه ... وهي على الدّهر خير باجه
صبيغة الزعفران تحوي ... أطايب الفرخ والدجاجه
وقدم إلى طفيلي سكباجة بلا زعفران، فقال: ما لها خرجت متفضلة بلا لباس.
الثّريد
قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟ فقال: ثريدة دكناء من الفلفل رقطاء من الحمص
стр. 702
ذات حفافين من الصبغ، لها جناحان من العراق أضرب فيها ضرب الولي السوء في مال اليتيم.
قال حسّان:
ثريد كأنّ السمن في جنباته ... نجوم الثريّا أو عيون الضياون «١»
قال الأصمعي: قلت لأعرابي هل لك في ثريدة؟ قال نعم:
ثريدة محمومه ... في ضحفة مكمومه
قد ألحفت رقاقا ... وكللت عراقا «٢»
المرق
قيل: المرق أحد اللحمين، وقال النبي ﷺ : إذا طبخ أحدكم اللحم فليستكثر من المرق، فمن عدم اللحم أكل المرق، فهو أحد اللحمين، قال:
وأكثر الشّرب إن لم يكثر اللبن
وأهدى صالح بن عميرة إلى سعيد بن سلم جوذابة، فكتب إليه:
بعثت إليّ بجوذابة ... فأين التي جاء جوذابها «٣»
فقال لابن أخيه أجبه، فكتب إليه:
بعثنا إليك بجوذابة ... وحاز الأوزّة أصحابها
الشّواء
قال ابن الرومي:
وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفّها لك حزور «٤»
ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... فكأنّ تبرا عن لجين يقشر «٥»
ويقاربه في صفته:
شديد اصفرار الكشيتين كأنما ... يطلى بورس بطنه وشواكله «٦»
وقال ابن طباطبا:
لا أنس لم أنس قبل الحشر مائدة ... ظلنا لديك بها في أشغل الشغل
إذ أقبل الجدي مكشوفا ترائبه ... كأنّه متمطّ دائم الكسل
قد مدّ كلتي يديه لي فأذكرني ... بيتا تمثّلته من أحسن المثل
стр. 703
كأنّه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع مرتحل
وقدّم إلى بعضهم جدي خشب لم ينضج، فقال: كأنه شريحة من قصب. قال ابن طباطبا يذمّه:
قد أتينا به عواري ضلوع ... هي في الوصف والمدار سواء
حار فهمي فلست أدري أمدرا ... ة بدت أم شريحة أم شواء
وقدّم لأبي على القسري مرّة شواء غير نضيج، فقال: هذا لا تعمل فيه العوامل.
وقال بعض القدماء في سفود عليه لحم:
وذي شعب شتّى كسوت فروجه ... بغاشية يوما مقطّعة حمرا
وينشد في غير النضيج عبدة بن الطيب:
لما نزلنا رفعنا ظلّ أخبية ... وفاز للحم بالقوم المراجيل
وردا وأشقر لم ينهبه طالبه ... ما غير القلي منه فهو مأكول
القديد
حمل إلى أعرابي لحم مقدّد صلب، فقال: ما هذا لحم مقدّد بل حبل ممدّد.
البيض والعجّة
قال ابن أبي البغل:
وصفّ على الكانون بيض كأنّه ... فرائد درّ سلّ من صدف البحر
كما اصطفّ أرجاء الندى وصائف ... على دستبيد قد تملّى من الخمر «١»
أكل بعضهم بيضا مع سلطان يأكل الصفرة ويؤثره بالبياض، فقال الرجل: سقى الله العجّة ما أعد لها. وكتب منصور الفقيه إلى جار له يستدعي منه بيضا لابنه:
لأبي الفضل إذا هـ ... مّ بما يهوى لجاجه
فله عندك مطلو ... ب ومأمول وحاجه
درّة ليست من البح ... ر ولكن من دجاجه
البرزماورد
قيل: البرزماورد نرجس الموائد، وقد أحدثته الفرس في بعض الحروب واستخفّوا حمله في المعازل، وسموه رزماورد. هو طعام أفاده الحرب، ثم قيل بزم أورد. وقيل:
سمي زماورد وسمي المهيأ والميسر، قال الشاعر:
كلّ الميسّر من راسين يا سكني ... لا يستطاع ولا سيفان في غمد
стр. 704
البقل
قال أبو نواس: مائدة بلا بقل كشيخ بلا عقل، ومجلس بلا ريحان كشجرة بلا أغصان.
الخلّ
قال النبي ﷺ : نعم الإدام الخلّ، وقال: ما أقفر بيت فيه خلّ.
الأرز
كان الحسن بن سويد يأكل مع المأمون، فقدم الأرز، فقال: الأرز يزيد في العمر.
فقال المأمون: كيف؟ فقال: ذكر أطباء الهند أن الأرز يرى المنامات الحسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين، فاستحسن المأمون منه ذلك. وجرى ذكر البهطّة «١» في مجلس إبراهيم التيمي القاضي، فقال رجل حضر لإقامة شهادة: ما هو؟ فقيل: الأرز باللبن، فقال: لا أشتهيه. فسكت ثم قال: وما أظن عاقلا يشتهيه. فقال إبراهيم: أما الأولى فقد احتملناها وأما الثانية فلا محتمل عليها، فأخر شهادته.
وكان بعض شعراء الزمان عند عضد الدولة، فقدم البهطة، فقال: صفها فعجز عن ذلك، فقال عضد الدولة:
وبهطة تعجز عن وصفها ... يا مدّعي الأوصاف بالزّور
كأنّها في الجام مجلوة ... لآلىء في ماء كافور
وقال آخر:
ولست أحبّ الرزّ إن قلّ طبخه ... فكيف أحبّ الرزّ وهو مسخن
الطباهجة «٢»
قال ابن الرومي:
طباهجة كأعراف الديوك ... تروق العين من شرط الملوك
هلمّ إلى مساعدتي عليها ... فلست لمثل ذلك بالتّروك
الهريسة
روي عن النبي ﷺ أن نبيا من أنبياء الله تعالى شكا ضعفا في بدنه ووجعا في صلبه،
стр. 705
فأوحى الله تعالى إليه أن أطبخ اللحم بالبرّ وكل، فإني قد جعلت القوة فيهما قال ابن الرومي:
هلمّ إلى من عذبت طول ليلها ... بأضيق حبس في تنّور تعذّب
وقال آخر:
وقد ضربت حدّين وهي بريئة ... فقوموا إلى دفن الشهيدة تؤجروا
وقيل: الهريسة أوطأ فراش هيء لنبيذ. وللخوارزمي:
هل تنشطون لتنوريّة خنقت ... من أول الليل حتّى قلبها يجف
كأنّها وهي فوق الجام قد غرقت ... في دفنها، قمر بالشمس ملتحف
أو درهم فوقه الدينار منطبق ... أو لوح عاج على الزرياب مكتنف «١»
وقال أبو طاهر المأموني:
درّ نثير أسلاكه قطع ... في ماء ورد وصندل نقعا «٢»
الرؤوس
كان الثوريّ يعجب بالرؤوس ويسمّيها مرة عرسا لما تجمع من الألوان المختلفة الطيّبة، ومرّة الجامع، ومرّة الكامل ويقول: هو شيء واحد ذو ألوان عجيبة وأطعمة مختلفة. وقيل لأعرابي: تحسن أكل الرؤوس؟ فقال: نعم، أبخص عينيه وأقلع أذنيه وأفك لحييه وأشجّ شدقيه وأرمي بالعظم إلى من هو أحوج إليه منّي.
ودعا بعضهم آخر إلى دعوته، وقال: عندي رغف خوّارة ورؤوس فوّارة. ودعي رجل إلى أكل الرؤوس، فلما قام قال: أطعمكم الله من رؤوس أهل الجنة. وقال ابن الرومي:
هام وأرغفة وضاء ضخمة ... قد أخرجا من فاحم فوّار
كوجوه أهل الجنّة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النّار
الدّماغ والمخّ
قيل: أضرّ الأطعمة للبدن الدماغ، فإنه يعلق بالمعدة ويتغرى ما بين غضونها، فلا يدخلها غداء ولا دواء إلا زلق عنها. والعرب تكره أكل المخ وتتعير به، وذلك قول الشاعر:
ولا ننتفي المخّ الذي في الجماجم
قال الأصمعي: كان أعرابي في يده عظم وعنده ثلاثة بنين، فقال للأكبر: إن أعطيتك هذا العظم ما تصنع به؟ قال: أتعرّقه حتى لا أدع لذرّ فيه مقيلا، قال الأوسط: أتعرّقه حتى لا يدري أهو لعامنا أم لعام أول، فقال الأصغر: أتعرّقه ثم أتمشّشه ثم أدقّه فأستفه، فقال:
следующие страницы →