← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وهذه المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر. وقال المسيح: ألحم «١» تأكل لحما، أف لهذا عملا. وسئل بعض الرهبان عن تركه أكل اللحم، فقال: إنا رأينا الغوائل تتولّد من أكل اللحم، ألا ترى أن أكلة اللحم من السباع هي أشد ضررا من أكلة الحشيش. السكباج والزّيرباج يقال للسكباج: الخليّة والمخللة والشمقمقة والصفصاف لغة ثقيف، وسمّوه أم القرى. ولم يكن يطلق السكباج «٢» أن يطبخ في أيام الفرس إلا بخاتم من الملك وسئل بعضهم عنه، فقال: إنه يشفي العرم ويفتق الشهوة ويقدم في الثرائد وتزيّن به الموائد، تجيدها الخاصة ولا تغلط فيها العامّة. قال الحجاج لطباخه: اتخذ لنا صفصفاة «٣» وأكثر فيجنها «٤» ، فلم يدر الطباخ ما عناه، فسأل ابن القرية، فقال: اتخذ سكباجة وأكثر سدابها. وقال المنصور يوما لحظيّة له: إلى كم نأكل السكباج، يعرّض بها، فقالت: يا أمير المؤمنين هو مخ الأطعمة لا يملّ حارّها ولا يكره باردها، فاستحيا منها. قال عبد الملك بن محمد بن إسماعيل: وسكباجة تشفي السقام بطيبها ... على أنّها جاءت بلون سقيم إذا زارها أيدي الرجال تزاحمت ... كأيدي نساء في ظلال نعيم وقال بعضهم: فتنتنا بريحها السكباجة ... فتركنا من أجلها ألف حاجة وأكل أعرابي القريش، فقيل له: ما أكلت قال: الفالوذج «٥» إلا أنكم هضمتموه بعد. وقال بعضهم: قدم طاهيك زير باجه ... وهي على الدّهر خير باجه صبيغة الزعفران تحوي ... أطايب الفرخ والدجاجه وقدم إلى طفيلي سكباجة بلا زعفران، فقال: ما لها خرجت متفضلة بلا لباس. الثّريد قيل لأعرابي: أي الطعام أطيب؟ فقال: ثريدة دكناء من الفلفل رقطاء من الحمص

стр. 702

ذات حفافين من الصبغ، لها جناحان من العراق أضرب فيها ضرب الولي السوء في مال اليتيم. قال حسّان: ثريد كأنّ السمن في جنباته ... نجوم الثريّا أو عيون الضياون «١» قال الأصمعي: قلت لأعرابي هل لك في ثريدة؟ قال نعم: ثريدة محمومه ... في ضحفة مكمومه قد ألحفت رقاقا ... وكللت عراقا «٢» المرق قيل: المرق أحد اللحمين، وقال النبي ﷺ : إذا طبخ أحدكم اللحم فليستكثر من المرق، فمن عدم اللحم أكل المرق، فهو أحد اللحمين، قال: وأكثر الشّرب إن لم يكثر اللبن وأهدى صالح بن عميرة إلى سعيد بن سلم جوذابة، فكتب إليه: بعثت إليّ بجوذابة ... فأين التي جاء جوذابها «٣» فقال لابن أخيه أجبه، فكتب إليه: بعثنا إليك بجوذابة ... وحاز الأوزّة أصحابها الشّواء قال ابن الرومي: وسميطة صفراء دينارية ... ثمنا ولونا زفّها لك حزور «٤» ظلنا نقشر جلدها عن لحمها ... فكأنّ تبرا عن لجين يقشر «٥» ويقاربه في صفته: شديد اصفرار الكشيتين كأنما ... يطلى بورس بطنه وشواكله «٦» وقال ابن طباطبا: لا أنس لم أنس قبل الحشر مائدة ... ظلنا لديك بها في أشغل الشغل إذ أقبل الجدي مكشوفا ترائبه ... كأنّه متمطّ دائم الكسل قد مدّ كلتي يديه لي فأذكرني ... بيتا تمثّلته من أحسن المثل

стр. 703

كأنّه عاشق قد مدّ بسطته ... يوم الفراق إلى توديع مرتحل وقدّم إلى بعضهم جدي خشب لم ينضج، فقال: كأنه شريحة من قصب. قال ابن طباطبا يذمّه: قد أتينا به عواري ضلوع ... هي في الوصف والمدار سواء حار فهمي فلست أدري أمدرا ... ة بدت أم شريحة أم شواء وقدّم لأبي على القسري مرّة شواء غير نضيج، فقال: هذا لا تعمل فيه العوامل. وقال بعض القدماء في سفود عليه لحم: وذي شعب شتّى كسوت فروجه ... بغاشية يوما مقطّعة حمرا وينشد في غير النضيج عبدة بن الطيب: لما نزلنا رفعنا ظلّ أخبية ... وفاز للحم بالقوم المراجيل وردا وأشقر لم ينهبه طالبه ... ما غير القلي منه فهو مأكول القديد حمل إلى أعرابي لحم مقدّد صلب، فقال: ما هذا لحم مقدّد بل حبل ممدّد. البيض والعجّة قال ابن أبي البغل: وصفّ على الكانون بيض كأنّه ... فرائد درّ سلّ من صدف البحر كما اصطفّ أرجاء الندى وصائف ... على دستبيد قد تملّى من الخمر «١» أكل بعضهم بيضا مع سلطان يأكل الصفرة ويؤثره بالبياض، فقال الرجل: سقى الله العجّة ما أعد لها. وكتب منصور الفقيه إلى جار له يستدعي منه بيضا لابنه: لأبي الفضل إذا هـ ... مّ بما يهوى لجاجه فله عندك مطلو ... ب ومأمول وحاجه درّة ليست من البح ... ر ولكن من دجاجه البرزماورد قيل: البرزماورد نرجس الموائد، وقد أحدثته الفرس في بعض الحروب واستخفّوا حمله في المعازل، وسموه رزماورد. هو طعام أفاده الحرب، ثم قيل بزم أورد. وقيل: سمي زماورد وسمي المهيأ والميسر، قال الشاعر: كلّ الميسّر من راسين يا سكني ... لا يستطاع ولا سيفان في غمد

стр. 704

البقل قال أبو نواس: مائدة بلا بقل كشيخ بلا عقل، ومجلس بلا ريحان كشجرة بلا أغصان. الخلّ قال النبي ﷺ : نعم الإدام الخلّ، وقال: ما أقفر بيت فيه خلّ. الأرز كان الحسن بن سويد يأكل مع المأمون، فقدم الأرز، فقال: الأرز يزيد في العمر. فقال المأمون: كيف؟ فقال: ذكر أطباء الهند أن الأرز يرى المنامات الحسنة، ومن رأى مناما حسنا كان في نهارين، فاستحسن المأمون منه ذلك. وجرى ذكر البهطّة «١» في مجلس إبراهيم التيمي القاضي، فقال رجل حضر لإقامة شهادة: ما هو؟ فقيل: الأرز باللبن، فقال: لا أشتهيه. فسكت ثم قال: وما أظن عاقلا يشتهيه. فقال إبراهيم: أما الأولى فقد احتملناها وأما الثانية فلا محتمل عليها، فأخر شهادته. وكان بعض شعراء الزمان عند عضد الدولة، فقدم البهطة، فقال: صفها فعجز عن ذلك، فقال عضد الدولة: وبهطة تعجز عن وصفها ... يا مدّعي الأوصاف بالزّور كأنّها في الجام مجلوة ... لآلىء في ماء كافور وقال آخر: ولست أحبّ الرزّ إن قلّ طبخه ... فكيف أحبّ الرزّ وهو مسخن الطباهجة «٢» قال ابن الرومي: طباهجة كأعراف الديوك ... تروق العين من شرط الملوك هلمّ إلى مساعدتي عليها ... فلست لمثل ذلك بالتّروك الهريسة روي عن النبي ﷺ أن نبيا من أنبياء الله تعالى شكا ضعفا في بدنه ووجعا في صلبه،

стр. 705

فأوحى الله تعالى إليه أن أطبخ اللحم بالبرّ وكل، فإني قد جعلت القوة فيهما قال ابن الرومي: هلمّ إلى من عذبت طول ليلها ... بأضيق حبس في تنّور تعذّب وقال آخر: وقد ضربت حدّين وهي بريئة ... فقوموا إلى دفن الشهيدة تؤجروا وقيل: الهريسة أوطأ فراش هيء لنبيذ. وللخوارزمي: هل تنشطون لتنوريّة خنقت ... من أول الليل حتّى قلبها يجف كأنّها وهي فوق الجام قد غرقت ... في دفنها، قمر بالشمس ملتحف أو درهم فوقه الدينار منطبق ... أو لوح عاج على الزرياب مكتنف «١» وقال أبو طاهر المأموني: درّ نثير أسلاكه قطع ... في ماء ورد وصندل نقعا «٢» الرؤوس كان الثوريّ يعجب بالرؤوس ويسمّيها مرة عرسا لما تجمع من الألوان المختلفة الطيّبة، ومرّة الجامع، ومرّة الكامل ويقول: هو شيء واحد ذو ألوان عجيبة وأطعمة مختلفة. وقيل لأعرابي: تحسن أكل الرؤوس؟ فقال: نعم، أبخص عينيه وأقلع أذنيه وأفك لحييه وأشجّ شدقيه وأرمي بالعظم إلى من هو أحوج إليه منّي. ودعا بعضهم آخر إلى دعوته، وقال: عندي رغف خوّارة ورؤوس فوّارة. ودعي رجل إلى أكل الرؤوس، فلما قام قال: أطعمكم الله من رؤوس أهل الجنة. وقال ابن الرومي: هام وأرغفة وضاء ضخمة ... قد أخرجا من فاحم فوّار كوجوه أهل الجنّة ابتسمت لنا ... مقرونة بوجوه أهل النّار الدّماغ والمخّ قيل: أضرّ الأطعمة للبدن الدماغ، فإنه يعلق بالمعدة ويتغرى ما بين غضونها، فلا يدخلها غداء ولا دواء إلا زلق عنها. والعرب تكره أكل المخ وتتعير به، وذلك قول الشاعر: ولا ننتفي المخّ الذي في الجماجم قال الأصمعي: كان أعرابي في يده عظم وعنده ثلاثة بنين، فقال للأكبر: إن أعطيتك هذا العظم ما تصنع به؟ قال: أتعرّقه حتى لا أدع لذرّ فيه مقيلا، قال الأوسط: أتعرّقه حتى لا يدري أهو لعامنا أم لعام أول، فقال الأصغر: أتعرّقه ثم أتمشّشه ثم أدقّه فأستفه، فقال:

стр. 706

خذه، فأنت صاحبه. وقال في صفة جدب: وبات شيخ العيال يصلب أي يطبخ العظم فيخرج الدسم ويسمى ذلك الصلب. المضيرة قيل: شكا نبيّ من الأنبياء إلى الله تعالى ضعفه، فأوحى إليه أن أطبخ اللحم باللبن وكله تقو. قال بعض الشعراء: مضيرة تنتمي في طيب نكهتها ... وفي الصّفاء إلى مسك وكافور كأنّما البصل الثّاوي بصفحتها ... فرائد فرشت في صحن بلّور المصليّة قال ابن أبي البغل: ومصليّة أما مجال وشاحها ... فقرع وأما خصرها فثريد كأن هبير اللحم في جنباتها ... قطا جثم وسط الفلاة ركود الشيراز لا أحمد المراقصي ما يبيض به ... إذا اعتصرناه أصناف الشواريز ما متعة العين في خدّ تورده ... يزهى إليك بخال فيه مركوز أشهى إليك من الشّيراز قد وضحت ... في صحن وجنته خيلان شونيز «١» الكشك قال بعضهم: أمّ ذا الكشك زانيه ... إن طبخناه ثانيه وقيل: من حمّ يوما واحدا فلا يأكلن الكشك سنة، ونزل رجل بأعرابي فكان كل يوم يقول لامرأته: قومي ائتني بخبز وما رزق الله، فكانت تأتيه بالخبز والكشك، فقال يوما ذلك، فقال لها الضيف: هاتي الخبز ودعي ما رزق الله. الكامخ دفع إلى إعرابيين رغيفان بينهما كامخ، فقال أحدهما: خرء ورب الكعبة، فذاقه

стр. 707

الآخر واستطابه، فقال: نعم، ولكنه خرء الأمير. وقال آخر: لا يفرق بين الكامخ والخرء إلا بالذوق. وأضيف أعرابي فأطعم الكوامخ مرارا، فاستفتح الصلاة خلف الإمام، فقرأ الإمام حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير، فقال الأعرابي: والكوامخ فلا تنسها. وقال النيختي: أتتني سكرجة لونها ... يرفّ كبلّورة صافيه مضمنة من وضيء الطعام ... لما يذكر العيشة الراضيه فلم أدر هل ضمّنت كامخا ... من الطّيب أم ضمّنت غاليه وقال آخر ضده: شيب رأسي وحنى أعظمي ... طول ائتدامي الخبز بالكامخ فهو إلى نفسي من بغضه ... يعدل سمّ الأسود السالخ «١» اللبن قال الله تعالى: وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ «٢» لم يتغير طعمه. وقال: من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين. وقيل: اللبن أحد اللحمين، وسموه شحما لما كان من الشحم يتولد. وقيل لرجل الحليب أحب إليك أم الرائب، فقال: الرائب، فإنه على كل حال بات مع اللحم ليلة. وقيل: ما غص أحد باللبن قط لقوله تعالى: لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ «٣» . وفي الحديث: أن البقر لحومها داء وألبانها شفاء، وقال ﷺ : عليكم بألبان البقر فإنها ترم من كل الشجر. وقيل: ما رغى من اللبن أطيب من المصرح، وقيل: إن الرثيئة مما يغثا الغضب. قال ذو الرمة: كان إذا نزل بنا نزيل، قلنا له الحليب أحب إليك أم المخيض، فإن قال المخيض، قلنا: عبد من أنت، وإن قال الحليب، قلنا: ابن من أنت وقال شاعر: إذا شئت عناني على رحل فتية ... الحضجر يداوي بالبدور كبير «٤» يعني أنه يمخض له. وقيل لبعضهم: الحليب أحبّ إليك أم الرائب، فقال: هو أكرم وأطيب من أن ينفى له حال. الجبن قال خالد بن صفوان لجاريته: أطعمينا جبنا فإنه يشّهي الطعام ويدبغ المعدة ويهيج الشهوة، فقالت: ما عندنا، فقال: ما عليك فإنه يقدح في الأسنان ويلين البطن وهو من طعام أهل الذمة. فقال بعض أصحابه: بأي القولين نأخذ؟ فقال: إذا حضر فبالأول وإذا

стр. 708

غاب فبالثاني. وكتب كسرى إلى واليه: ابعث إليّ بشرّ إنسان على شرّ دابة مع شر طعام، فبعث إليه بخوزي على خنزير معه جبن. قال شاعر: إنما الجبن آفة الجسم سقما ... وعلى القلب كربة الأوهام «١» بدّلوها بلقمتي سكباج ... أو شواء مفصل من عظام السمك قال أعرابي: كل من السمك القذال ودع منه المبال وقال آخر: كل ما تفلس ودع ما تملس، وقدم إلى جعفر بن يحيى سمك، فقال: هذا إن لم يكفن بخبيص ويقبر بنبيذ فالحذر منه. وقال طبيب الهند: اجتنبوا ما يخرج من الضرع والبحر. قال أبو طالب المأموني: ماويّة فضّيّة لحمها ... ألذّ ما يأكله الآكل يضمّها من جلدها جوشن ... مدبل فهو لها شامل «٢» تعيشها اللجّة ما خيمت ... بها كما يتلفها الساحل لو نلت من فضّتها عسجدا ... بقليها ما ضافني نازل «٣» الباذنجان في الخبر: كلوا القرع واجتنبوا الباذنجان. قيل لأعرابي: ما تقول في الباذنجان، قال: لونه لون بطون العقارب وأذنابه كأذناب المحاجم وطعمه طعم الزقّوم، فقيل: إنه يحشى باللحم ويقلى بالزيت فيكون طيبا، فقال: لو حشي بالتقوى وقلي بالمغفرة وطبخته الحور العين وحملته الملائكة ما كان إلا بغيضي. وقيل لآخر: ما تقول في باذنجان عملته بوران، فقال إن شققته مريم وطبخته سارة وقدمته فاطمة لا رغبة لي فيه. وحكي أن الشبلي رئي يوما على الجسر، وكان يوما مطيرا، فقيل له: إلى أين؟ فقال: بلغني أن فلانا يعيب الباذنجان فأريد أن أمرّ عليه فأخاصمه. وقال الوأواء الدمشقي: أتانا بمقلي بورانه ... وشيرازه من لبان الغنم «٤» وقد شنّج القلي منه الجلود ... كتشنيج أوجه سود الخدم وقال آخر: كرة من المسك الذكيّ تضمّنت ... من تحت مسك لؤلؤا مقشورا

стр. 709

وقال عبد العزيز: وسود تروّت بالدّهان فأبدلت ... بتوريدها لونا من النّار أكلفا «١» كأفواه زنج تبصر الجلد أسودا ... وتبصر إن فرّت لجينا مؤلفا «٢» كخلق حبيب خاف إكثار حاسد ... فأظهر صرما وهو يعتقد الوفا «٣» المزور قال أحمد بن حمدون: قلت الطعام فقالوا من مزورة ... فقلت زور وليس الزور من وطري هاتوا أطايب ثور فائق سمنا ... كالفيل قدّا وإن عدّوه في البقر وسكبجوها ووفّوها توابلها ... وزعفروها وصفّوها عن الغير «٤» وقدّموها على بيضاء صافية ... كأنّما خرطت من دارة القمر فمن نجا فدفاع الله سلّمه ... ومن مضى فإلى الفردوس أو سقر «٥» وقال ابن سكرة: قد صرت كالزور في أكلي مزورة ... فإنّها كاسمها بين الورى زور خذ الحقائق واترك ما تزوّره ... فالحق متّبع والزور مهجور ولا تؤخّر لذيذ الأكل خوف أذى ... فليس في الموت تقديم وتأخير طعام يعاد على مائدة واحدة قال ابن طباطبا: أرزّ جاء يتبعه أرزّ ... هو الإيطاء يتّخذ اتّخاذا «٦» فإيطاء القريض كما علمنا ... وإيطاء الطّعام كمثل هذا الملح قال أمير المؤمنين ﵁: من ابتدأ غداءه بالملح أذهب الله عنه سبعين نوعا من الداء، منها الجذام والبرص. وقال الخوارزمي: فهو بقل وروضة وجوارشن وأدم وزاد حامل زاد وقال المأموني: لا تدن منّي الملح إن شبته ... من الأبازير بألوان «٧»

стр. 710

فوجهه أبرص ذو نمشة ... بين ثآليل وخيلان وهاته من غير خلط له ... إدام زهّار ورهبان العسل قيل: أجود العسل الذهبي الذي إذا قطرت منه على الأرض قطرة استدارت استدارة الزئبق ولم يتغبش ولم يختلط بالتراب. وقيل: أجوده ما يلطخ على الفتيلة ثم توقد فيها النار فتعلق. وكتب هشام إلى عامله: أن ابعث إليّ بعسل من عسل خدار من النخل الأبكار من المستشار الذي لم تقر به نار. وقيل لرجل: ما تشتهي؟ فقال جنى النحل وجنى النخل. فقيل له: أيهما أحب إليك؟ قال: أشفاهما وأنقاهما وأبعدهما من الداء وأدناهما من الشفاء، وجعله الله تعالى في الجنان اللطيف بلا تفل، الخفيف بلا ثقل. وقال ديموقراطيس، وقد سئل عما يزيد في العمر، فقال: من أدام أكل العسل ودهن جسمه زاد الله في عمره. الحلواء قال بختيشوع: الحلواء كلّها، حقّها إن تؤكل بعد الطعام، لأن للمعدة ثورانا عقيب الامتلاء كثوران الفقاع، فإذا صادفت الحلاوة سكنت. وقول الناس إن في المعدة زاوية لا يسدها إلا الحلاوة على أصله، قال: والآكل إذا اشتهى الحلاوة ثم فقدها وجد في حواسه نقصا. الفالوذج والخبيص قال سفيان: لا بد للعاقل في كل أربعين يوما من خبيصة تحفظ عليه قوّته. كل طعام بلا حلو فهو خداج «١» ، وقال رجل في مجلس الأحنف: ما شيء أبغض لي من الحلواء، فقال: ربّ ملوم لا ذنب له. وسمع الحسن قائلا يعيب الفالوذج، فقال: لباب البرّ بلعاب النحل بسمن الماعز، ما عاب هذا مسلم قط. وقال أعرابي: وددت أن الموت والفالوذج اعتلجا في صدري. وبعث رجل إلى مزبد فالوذجا قليل الحلاوة، فقال: ينبغي أن يكون هذا عمل قبل أن يوحي ربك إلى النحل. وقيل: ذهبت بهجة الخبيص منذ عمل من عسل. وأتى يزيد بن الوليد بفالوذج فجعل الغاضري يأكل ويسرع، فقال يزيد: أرفق، فالإكثار منه يقتل. فقال الغاضري: منزلي على طريق المقابر، وما رأيت جنازة قيل إن صاحبها مات من أكل الفالوذج.

стр. 711

اللوزينج قيل لبعض الناس: إن التمر يسبح في البطن، فقال: إذا كان التمر يسبح في البطن فإن اللوزينج يصلّي فيها التراويح. وقيل: اللوزينج قاضي قضاة الحلاوات. قال شاعر في وصفه: مستكثف الحشو ولكنّه ... أرقّ جسما من نسيم الصّبا يخال من رقّة خرشائه ... شارك في الأجنحة الجندبا «١» لو أنّه صوّر من خبزه ... ثغر لكان البارد الأشنبا «٢» وقيل لآخر: ما تقول في لوزينجة قد رقّ قشرها وغرقت في سكرها ودهن لوزها، فقال: فما أشدّ الوصف إذا عدم الموصوف. العصيدة قال بعض الأغفال: وقدم من قبل الخبيص عصيدة ... مغشى أعاليها بمنثور سكّر ترى الجمر أثناء العصيدة كامنا ... فتحسب مسكا بين إقطاع عنبر «٣» ورئي مخارق، وهو يدور حول قدر يتخذ فيها عصيدة، ويقول بلحن عجيب: أنت يا ذات الأثافي ... أسمعينا غليانك فبنشّك ونشيشك ... طاب عنبرك وبابك إنما قتلي لنفسي ... واجتهادي لمكانك القطائف قال كشاجم: قطائف مثل أضابير الكتب ... كأنّها إذا تبدّت من كثب كوائر النحل بياضا وثقب وقال آخر: ألذّ شيء على الصّيام ... من الحلاوات في الطّعام قطائف نضّدت فحاكت ... فرائد الدرّ في النّظام منوّمات على جنوب ... في الجام كالصّبية النيّام «٤»

стр. 712

التّمر قال النبي ﷺ : من تصبّح بسبع تمرات عجوة لم يصبه يومه ذلك سم ولا سحر وقال ﷺ : أول ما يفطر به الرطب والتمر وأول ما تأكل النفساء الرطب والتمر، لأن الله قال لمريم: وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا «١» . وقال شيخ: ما وضع الناس في أفواههم شيئا أطيب من عجوة، ووصف أعرابي تمرا، فقال: تمرات جرد فطس يغيب فيهن الضرس، كأن نواها ألسن الطير تضع التمرة في فمك فتجد حلاوتها في كعبك. وقال أعرابي: ضفنا فلانا فأتى بتمر كأعنان الوردان يوحل فيه الضرس. وقيل: خير التمر ما غلظ لحاه ورقّ سحاه ودقّ نواه. قال النابغة يصفه: صغار النوى مكنوزة ليس قشرها ... إذا طار قشر التمر عنها بطائر وقال آخر: وكنت إذا ما قرّب الزاد مولعا ... بكلّ كميت جلده لم يؤسف مداخلة الأقراب غير ضئيلة ... كميت إذا خفت مزادة مخلف وقال آخر: يا حبّذا التمرة ما أحلاها ... تدمن الفقحة من ذكراها «٢» وقال الحجّاج يوما لجلسائه: ليكتب كل واحد منكم أطيب طعام وليدفعه إليّ، فكتب كلهم: التمر والزبد، وقال سوار لرجل حضر الشهادة، بم تشهد، فقال: شهدت بأن التمر بالزبد طيّب ... وإن الحبارى خالة الكروان فقال أما الأول فإني أشهد به أيضا. أكل التمر قال بعضهم: لم أنتفع بأكل التمر إلا مع الزنج وأهل أصفهان، فالزنج لا تختار وأنا أختار، وأهل أصفهان يأخذون قبضة فإلى أن يفرغوا من أكلها لم يأخذوا من غيرها وأنا أختار كما أحب. وقيل: فلان برم قرون أي لا يخرج مع أصحابه ويأكل تمرتين تمرتين.

стр. 713

الرّطب قال ابن هبيرة: أي لقمة مخلوقة غير مصنوعة، وصرف غير ممزوجة أطيب، فقال بعضهم البيضة، وقال بعضهم: التمرة، فقال: هلا قلتم رطبة. قال المتوكل يوما للفتح: الحلواء أطيب أم الرطب؟ فقال يد الله أصنع. وقال الثوري: ما أعنف رجلا يبيع ثيابه أيام الرطب فيشتريه بها. ذاكر الرشيد عيسى بن جعفر، أي الرطب أطيب؟ فقال الرشيد: القريتا، وقال عيسى: السكر، فأرسلوا إلى الأصمعي، فسأل الأصمعي الرسول عمّا دعي له فقال الرسول: كان كذا، فلما دخل سألاه، فقال: هذا لا يخفي أن القريتا أجود. إنّا كنا بالبصرة صبيانا نلعب بالنوى، فنجعل نوى القريتا دنانير ونوى السكر دراهم، فنعطي نواة من قريتا ونأخذ عشرين من سائر النوى، فضحك الرشيد وأمر له بصلة. العنب قيل: أجود العنب ما غلظ أعمده وأخضر عوده وسبط عنقوده. وقال أبو حنيفة الدينوري عن بعض أهل دمشق: إنه وزن حبة عنب مجلوبة من قرية يقال لها قرية العنب، فكان وزنها عشرة دراهم، وإن العنقود منها يملأ السلة. قال ابن الرومي: ورازقي مخطف الخصور ... كأنّه مخازن البلّور قد ضمنت مسكا إلى السّطور ... وفي الأعالي ماء ورد جوري لم يبق منه وهج الحرور ... إلا ضياء في ظروف نور لو أنّه يبقى على الدّهور ... قرط آذان الحسان الحور وقال الصاحب: وحبة من العنب ... من المنى متّخذه كأنّها لؤلؤة ... في وسطها زمرّده وله: حسبتها من بعد تمييزي لها ... لؤلؤة قد ثقبت من جانب الخوخ قال الطيلساني: وخوخة أعطيتها هشّة ... بيضاء مثل اللبن المخض كأنّها كفّ امرىء شدّها ... قبضا لضرب منه أو عضّ وقال آخر: كأنّه الزبد إذا ما التوى ... بالعسل الماذيّ في صحنه

стр. 714

وقال الصنوبريّ: كوجنة ألبست خلوقا ... فزال عن بعضها الخلوق «١» الرّمان قال النبي ﷺ : نعم الشيء الرمان، ما من رمانة إلا وفيها حبة من الجنة، من أكلها نورت قلبه وأذهبت عنه الوسواس. وقال أمير المؤمنين ﵁: كلوا الرمان بشحمه فإنه دباغ المعدة. وقال الواسطي. رأيت رمّانة من فوق دوحتها ... ولونها ببديع الحسن منعوت فالقشر حقّ لماض ضمّ رائحة ... والشحم قطن له والحبّ ياقوت «٢» أبو طالب المأموني: حقّ خليع ناصع دهنه ... مستودع حمر اليواقيت وله في وصفه عند تفتيته: الجام أرض وبناني حيا ... تمطر منه بردا أحمرا «٣» وقال ابن شاه: ورمانة شبهتها إذ رأيتها ... بثدي كعاب أو بحقّة مرمر منمنمة صفراء نضّد حولها ... يواقيت حمر في ملاء معصفر لها قشر عقيان ورأس مشرق ... وأغصان خيري وأوراق عبهري «٤» التّين قال كشاجم: أهلا بتين جاءنا ... مبتسما على طبق كسفرة مضمومة ... قد جمعت بلا حلق «٥» وقال البحتري: وتين كأطراف الثّدي معسل وقال كشاجم: سفر جمعن من الحرير الأصفر

стр. 715

الزبيب خطب أعرابي امرأة، فطلب سكّرا للنثار فرآه غاليا، فاشترى زبيبا فنثره، وقال: ولما رأيت السكّر العام قد غلا ... وأيقنت أنّي لا محالة ناكح نثرت على رأسي زبيبا وصحبتي ... وقلت كلوا، كلّ الحلاوات صالح وقال بعضهم: حوى زقّين من عسل مصفّى ... نسينا عند طيبته الرّضابا «١» وهاب الاغتصاب عليه منّا ... فأنشأ فيه تدبيرا عجابا أرانا فوق عاتقه سنانا ... وأودع بينها خشبا صلابا وله: خذ عسلا في زبرجد جعلوا ... له صماخا يصون ما فيه «٢» وقال المأموني: وذات احمرار صادق اللون خلتها ... أرتنا بأعكان لها شطب النّصل «٣» قد انتحلت لونا من النّحل ناصعا ... ليعلم ما تحويه من عسل النّحل الكشمش قال المأموني: وكشمش كخرز ... للنظم لم يثقب تتلى بها الكاس لما ... بينهما من نسب كأنّه أوعية ... يحملن ذوب الضّرب «٤» أو لؤلؤ حلّي أع ... لاه بماء الذّهب الطين سئل بعض الفقهاء عن أكل الطين، فقال: لا يجوز، لأن الله تعالى قال: كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا «٥» ولم يقل كلوا الأرض. وقيل لرجل: كل من هذا الطين، فقال: أو بلغك أن في بطني ركنا أو ثلمة يجب سدّها. وكان المأمون مولعا بأكله، فسأل ابن بختيشوع عن دوائه، فقال: عزمة من عزمات الرجل فآلى على نفسه أن لا يعاود تناوله.

стр. 716

الموز قال ابن الرومي: إنما الموز حين يمكن منه ... كاسمه مبدلا من الميم فاء وكذا فقده العزيز علينا ... كاسمه مبدلا من الزاي تاء فلهذا التأويل سمّاه موزا ... من أفاد المعاني الأسماء وله مثله في طيب الطعم: يكاد من موقعه المحبوب ... يدفعه البلع إلى القلوب الجوز واللّوز قال ابن الواسطي في وصفه: قطع العاج لفّفت في حرير ... أحمر في مداهن من ساج «١» وقال المأموني: ومحقق التدوير يبعد نفعه ... من كفّ من يجنيه ما لم يكسر درع يسوغ لآكليه يضمّه ... صدف تكوّن جسمه من عرعر «٢» متدرّع في السّلم فوق غلالة ... درعا مظاهرة بثوب أخضر وله في اللوز: ومستجنّ عن الجانين ممتنع ... بجنّة لم يحكها كفّ نسّاج «٣» درّ تكوّن من عاج تضمّنه ... في البرّ لا البحر أصداف من العاج الفستق قال الصنوبريّ: من الفستق الشاميّ كلّ مصونة ... تصان عن الأحداث في بطن تابوت زبرجدة ملفوفة في حريرة ... مضمّنة درّا مغشّى بياقوت وقال ابن الواسطي: مثل الزمرّد في حرير أخضر ... قد ضمّه صدف من العاج الحسن الشاهبلوط قال ببغا: وشاهبلوط تناهى واستتم ... كخرز من سبح لم ينتظم «٤»

стр. 717

كأنّه لمّا تراءى من أمم ... في صحّة التشبيه أظلاف الغنم «١» العنّاب قال بعضهم: بنادق قد خرطت ... من العقيق الأحمر الأجاص قال بندار: إجّاصة تحكي إذا حدّ النظر ... في شكلها سود صغيرات الأكر محزوزة ولا يرى فيها أثر المشمش قال رجل طبيب لرجل يغرس مشمشا: ما تصنع؟ فقال: أغرس شجرة تثمر لي ولك، فأخذ هذا المعنى ابن الرومي، فقال: إذا ما رأيت الدهر بستان مشمش ... تعلم يقينا أنه لطبيب يغلّ له ما لا يغلّ لأهله ... يغلّ مريضا حمل كلّ قضيب «٢» وقال آخر: كأنّها بوتقة أحميت ... يجول فيها ذهب ذائب «٣» الفرصاد «٤» قال بعضهم: وجني فرصاد كأنّ متونه ... برش على ياقوتة حمراء السّفرجل قال أبو علي بن أبي العلاء في وصفه: نصف السفرجل ثدي ... والنّصف يحسب سرّه فمن أحبّ رآه ... فما يغادر ذرّه «٥» وقال آخر: إن السّفرجل ريحان وفاكهة ... يحظى المشمّ بها والذوق والنظر

стр. 718

يحكي وديكة تبر بل لهيب لظى ... شبّت ضحى وشعاع الشمس منتشر «١» وقال ابن طباطبا: سفر جلة حذفوا راءها ... تجم الفؤاد لقول النّبي وقد ذكر ما يضارع ذلك مع ذكر الأشجار والنبات في حده. جهل العرب بطيبات الأطعمة كانت العرب لا تعرف طيّبات الأطعمة، إنما كان طعامهم اللحم يطبخ بماء وملح، حتى أدرك معاوية ﵁ الإمارة، فاتخذ ألوان الأطعمة. قال أبو بردة: كانوا يقولون من أكل الخبز الحواري سمن، فلما فتحنا خيبر أجهضناهم عن خبزهم فقعدت عليه آكل وأنظر في أعطافي هل سمنت. وقال خالد بن عمير العطوي: شهدت فتح الأيلة فوجدنا سفينة مملوءة جوز، فقال رجل: ما هذه الحجارة؟ ثم كسروا واحدة، فقالوا: طعام طيّب. وقال بعضهم: أصابوا أجربة من الكافور فقالوا هاء الملح فذاقوه، وقالوا: لا ملوحة لهذا الملح، ففطن ناس من أهل الخبرة فجعلوا يعطونهم جرابا من الملح ويأخذون جرابا من الكافور. وقدّم إلى أعرابي خبز عليه لحم فأكل اللحم وترك الخبز، وقال: خذوا الطبق. وقدّم فالوذج إلى أعرابي فقيل له ما هذا؟ قال: الرمان المعلق. قاذورات أطعمة العرب كانت بنو أسد يأكلون الكلاب، ولذلك قال الفرزدق: إذا أسدي جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله ويأكلون الهبيد، وهو الحنظل المالح، وقال بعضهم: نزلت برجل فأضافني فأتى بحيّة فشواها فأطعمنيها، ثم أتى بماء منتن فسقانيه، فلما أردت الإرتحال قال: ألا أقمت، طعام طيّب وماء نمير. وكانوا يأكلون في الجدب العلهز وهو الحلم الكبار يدق مع الوبر. وكان أحدهم يتناول الشعر المحلوق فيجعله في حفنة من الدقيق ثم يأكله مع ما فيه من القمل. ولذلك قال شاعرهم: بني أسد جاءت بكم قمليّة ... بها باطن من داء سوء وظاهر ومن طعامهم الفظّ وهو ماء الكرش. وقيل لأعرابي ما تأكلون؟ فقال: نأكل ما دب ودرج إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية.

стр. 719

قال أبو نواس: ولا تأخذ عن الأعراب طعما ... ولا عيشا فعيشهم جديب وكان رؤبة يأكل الفأر، فقيل له ألا تستقذره، فقال: هو والله ما يأكل إلا فاخرات متاعنا. وبنو تميم يعيّرون بأكل الضبّ. قال أبو نواس: إذا ما تميميّ أتاك مفاخرا ... فقل عدّ عن ذا كيف أكلك للضّب أكل قاذورات على غلط قال الأصمعي: دنوت من بعض الأخبية في البادية فسقيت لبنا في إناء، فلما شربته، قلت: هل كان هذا الإناء نظيفا؟ فقيل: نعم، إنا نأكل منه بالنهار ونبول فيه بالليل، فإذا أصبحنا سقينا الكلب فيه فلحسه ونقاه. فقلت: لعن الله هذه النظافة ولعنكم من قوم متقذّرين. قال: ونزلت على امرأة فنظرت إلى قطع من القديد منظومة في خيط فأمعنت في أكله، فأقبلت المرأة، فقالت: يا هذا ليس ما أكلت مما يؤكل، فقلت ما هو، قالت: إني امرأة خاتنة أختن جواري الحيّ، فكلما خفضت واحدة نظمت خافضتها في هذا الخيط لأعرف عددهن، فتقيّأت استبشاعا. وقعد رجل في سفينة وركب معه يهودي قد احتضن سلّة قديد فاستولى عليها الرجل، وأخذ يأكلها حتّى لم يبق إلا عظيمات. فلما أراد الخروج إلى البرّ، رأى اليهودي السلّة فارغة فسأل عنها، فقيل: إن هذا الرجل أكل ما فيها فولول، وقال أكلت أبي؛ فسئل عن ذلك، فقال: كان أبي أوصى أن يدفن ببيت المقدس فلما مات قددناه ليسهل حمله، فأكله هذا. الموصوف بالطّيب يقال: ألذ من زبد بندسيان «١» وأحلى من الشهد وأزكى من الورد وأشهى من إنجاز الوعد. أحلى من المنّ والسلوى، ألذ من نظر المعشوق في وجه عاشق بابتسام. قال آخر: وألذ من أنغام خلة عاشق ... زارته بعد تمنّع وشماس «٢» أعذب من الماء الزلال. أطيب من قبلة الحبيب على غفلة الرقيب. طعام تضنّ به العين عن الفم. وقال رقبة بن مصقلة في صفة دعوة: جاؤونا بخوان كالقاع في بياض الفضة عليه رقاق كقباطي مصر، ورغف كدارة القمر وبقول كوشي السندس، وخلّ كذوب العقيق، ثم جاؤوا بفالوذج كأن الزئبق الجاري ينبع من خلله للجريان على وجهه، ترى نقش الدرهم من تحته ظاهرا يذوب قبل التطعم ويبتلع قبل التينع.

стр. 720

الموصوف بالنّتن أنتن من الجيفة، ومن ريح الجورب، ومن العذراء، ومن مرقات النعجة، أي ما تمرق من شعرها أي ما ينتف. كنى الأطعمة وأسماؤها الأعلام عند الصّوفيّة قد أكثر الناس من ذلك وذكرت منه طرفا هو أقرب: الخبز أبو جابر، والسكباج أم القدور، والقلية زلزل المغني، والطباهج الزرزر الصناج، والمضيرة الشيخ اليهودي أبو الزئبق، البقل أبو زحام بلا منفعة، الخل أبو عامر الغضبان، الخيار أبو الأخضر البندق، القثاء أبو القرون، البصل أبو قمصان، الدجاج أم حفص، الفروج بنات المؤذن، السكر أبو شيبة الخوزي. أنواع من ذكر الأطعمة كان النظّام إذا خلط كلامه في ذكر الأطعمة ببعض الفاكهة يقول: الزيت نصراني والخل يهودي، واللبن والزبيبان نصرانيان راهبان. وعلى لون صبغهما صبغوا ثيابهم. وقيل: الصحناة والتفشيل يهوديان، والسمن مسلم. من تعود أكل الطعام وإن كان ضارا لم يضره بل ينفعه، حتى أن السم من تعود أكله لم يضره. والطعام الجيد النافع للعامة إذا أكله من كان مستغربا له غير عاهده يضرّه. وقد ذم الأطباء ما يخرج من الضرع. وقريش تعودت أكلها وانظر كيف كرمها وسخاؤها وعقولها ودهاؤها. ومرّ جالينوس مع تلامذته ببقلة فسألوه عنها فقال: هي سم ساعة فإذا رجل يأكلها ولا تضرّه فسألوه، فقال: هذا غداء لنا، فقال جالينوس: هل لك في مصاحبتي فأحسن إليك؟ فقال الرجل: بلى، فصاحبه زمانا يأكل ما يأكلونه ثم عرض عليه ذلك البقل، فأكله فمات لوقته. قال أبو طالب المأموني في السكنجبين: ومستنتج ما بين خلّ وسكّر ... دوائي من دائي به وشفائي رأيت به في الكاس أعجب منظر ... مذاب عقيق فيه جامد ماء (٢) وممّا جاء في أحوال الأكل والأكلة والتطفل الرّخصة في تناول المباحات قال الله تعالى: لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا «١» وقال: وَكُلُوا

стр. 721

وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا «١» . وقال: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ «٢» وقال تعالى: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ «٣» وقال النبي ﷺ : اعمل صالحا وكل طيبا والبس لينا. وقال ابن عبّاس ﵄: كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطاك إسراف ومخيلة. ورغّب الله تعالى آدم في الخلود في الجنة، فقال: إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى » . فبدا باشتراط الشبع. ومرّ عمر ﵁ بشاب فاستسقاه ماء فخاض له عسلا فلم يشرب، وقال: إني سمعت الله تعالى يقول أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا، فقال الفتى: إنها والله ليست لك أقرأ ما قبلها ويوم يعرض الذين كفروا على النار، فشربها عمر ﵁، وقال: كل الناس أفقه من عمر. واجتمع فرقد السنجي والحسن على مائدة، فأتي بجام خبيص فأبى فرقد أن يأكل، وقال: أخاف أن لا أؤدي شكر الله تعالى عليه، فقال الحسن: كل فلنعمة الله عليك في الماء البارد أعظم منها في الخبيص. قال الشيخ أبو القاسم ﵀: فانظر إلى فقه الحسن وفهمه وإلى ضعف رأي فرقد مع إسلامه، واعتبر بهما قول النبي ﷺ : فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة، ولفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. غسل اليدين قبل الطّعام دعي سلمان ﵁ إلى طعام فلما دخل توضأ للصلاة فصلّى، ثم قدم الطعام فاستدعى الماء وغسل يده، فقيل: ألم تغسلها آنفا، فقال: نعم، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول من غسل يده قبل الطعام وبعده أكل في سعة من رزقه. وقال الحسن ﵁: غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللّمم «٥» . وامتنع رجل من غسل اليد للطعام عند موسى الرضا، فقال: أغسلها فالغسلة الأولى لنا والثانية لك، فإن شئت فاتركها. وغسل رجل يده عند المأمون ومدّ يده إلى رأسه فأمر بإعادة غسلها، ثم مدّها إلى لحيته فأمره بإعادته. وقال: لا يلي غسل اليد للطعام إلا الطعام. وقدّم إلى مالك بن أنس ﵁ حيث يراه المهدي الماء ليغسل يده للطعام، فقال: هذا بدعة، فقال المهدي: يا أبا عبد الله البدعة تعتبر في الشرّ، فأما أبواب الخيرات فإحداثها سنة. وغسل رجل يده مرارا فلم تذهب عنها الدسومة. فقال: كاد هذا الدسم أن يكون لنا نسبا وصهرا. وامتنع أعرابي من غسل اليد بعد الطعام فسئل عنه، فقال: فقد رائحته كفقده. وكان أعرابي عند سعيد بن مسلم فقعد للطعام فقتل قملة، فقيل له: أغسل يدك، فقال: لا ضير ما بقي على يدي الأخرى شأوها. وكان أعرابي يفلّي ثوبه ويأكل ويحبق «٦» فقيل له: أما تستحي ويحك، فقال: وما أنكرت، أدخل حديثا وأخرج عتيقا وأقتل عدوا. وكان عبد الله بن

стр. 722

سلمان يبطىء في غسل اليدين ويقول: يجب أن تكون مدته مدة زمان الأكل. ذكر الله على الطّعام قيل: إذا جمع الطعام أربعا فقد كمل، إذا كان حلالا وكثرت عليه الأيدي وسمّي الله في أوله وحمد في آخره. وقال طاوس: من سمّى الله على طعامه لم يسأله عن نعيمه. وقيل: ذكر الله على الطعام شفاء يبرىء من الداء، وذكر الناس داء لا يقبل الشفاء. وقيل: إذا أكلتم فسمّوا وأدنوا، أي أذكروا الله وكلوا مما بين أيديكم. وكان ابن عباس إذا وضع الطعام يقول: بسم الله عنّي وعن كل آكل معي. وكان سعيد بن جبير إذا فرغ من الطعام يقول: اللهم قد أشبعت وأرويت وطيبت فهنئنا برحمتك. وقال بعض القصاد: يا معشر الناس إن الشيطان إذا سمّي الإنسان على الطعام والشراب لم يأكل معه، فكلوا خبز الذرة والمالح ولا تسمّوا ليأكل معكم، ثم اشربوا الماء وسمّوا الله حتى تقتلوه عطشا. حمد الأكل من جانب الصّحفة وعذر ذلك قال النبي ﷺ : إن البركة تنزل في وسط الصحفة فكلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها. وقال أنس بن مالك: كل بيمينك وتناول مما يليك. وأكل أعرابي مع بعض السلاطين، فقال: كل ممّا يليك، فقال: رأيت جانبك أمرع ومن أجدب انتجع. وأكل أعرابيان على مائدة، فمدّ أحدهما يده، فقال له الآخر: كفّ يدك، فإن لك في ما بين يديك مقنعا، فقال: إني من قوم إذا أجدبوا انتجعوا، فقال له: ويلك وهل على مائدة أمير المؤمنين جدب، ثم مد الآخر يده، فقال له صاحبه: كفّ يدك، فقال: إني من قوم إذا أخصبوا تخيّروا فاستحسن عبد الملك كلامه، وأمر له بصلة. وأكل أعرابي من بني عذرة مع معاوية، فمدّ يده إلى ثريدة بين يدي معاوية، فقال معاوية: أخرقتها لتغرق أهلها، فقال الأعرابي: ولكن سقناه إلى بلد ميت، فضحك معاوية وأمر له بجائزة. وكان أبو علي بن حمدون في مجلس وعند القوم نقل «١» فمد يده إلى ما بين يدي صديق له، فقيل له: ما تفعل؟ فأنشد: وأحيانا على بكر أخينا ... إذا ما لم نجد إلا أخانا وكان الهائم الشاعر على مائدة عليها جدى فجعل يجرّ الجدي الذي كان يليه ولم ينجر، وكان الجانب الذي عليه اللحم يلي قوما آخرين، فقال: ففينا غواشيها وفيهم صدورها

стр. 723

أوقات الطّعام المحمودة والمذمومة سئل طبيب أي أوقات الطعام أحمد، قال: أما من قدر فإذا جاع، ومن لم يقدر فإذا وجد. الغداء والعشاء قيل: العشاء متخمة وتركه مهرمة، وقال بقراط: من تعوّد العشاء ثم تركه التبس عليه طبعه. وقال عمر ﵁ لابنه: لا تخرج يا بنيّ من منزلك حتّى تأخذ حلمك يعني حتى تتغدى. دعا الحجّاج رجلا إلى غدائه. فقال: قد أكلت، فقال له الحجاج: إنك لتباكر الغداء، فقال الرجل: لخلال ثلاث إن نوجيت لم يوجد من فمي خلوف، وإن شربت شربت على ثفل، وإن حضرت قوما أكلت ومعي بقية من عرضي. وقيل: خبر الغداء بواكره فقيل: أمحمود ذلك في كل وقت؟ فقال: نعم إذا كان شتاء فلطول الليل وإذا كان صيفا فلبرد الماء وقلّة الذباب. واستدعى رجل الغداء، فقيل له: اصبر حتى تطلع الشمس فقال: أنتظر بغدائي قادما من وراء خراسان. وقيل: خير الغداء بواكره وخير العشاء سوافره، أي أن تأكل وعليك ضوء. وسأل رجل الحسن عمّن يأكل مرة، فقال: أكل الصالحين، فقيل: مرتين. فقال غداء وعشاء أكل التجّار، فقيل: ثلاث مرات، فقال: ذاك حمار يبنى له آريّ «١» . ذمّ الشّبع والإكثار من الأكل وحمد الإقلال منه قال النبي ﷺ : إياكم والبطنة فإنها مفسدة للبدن مورثة للسقم مكسلة عن العبادة. وقال ﷺ : الرغب شؤم، وقيل: الموت جوعا خير من الحياة شبعا. وقال ذو الرياستين: ما عجبت لإتفاق الأطباء على ثلاث كلمات، قال طبيب الروم: كل قليلا ولا تكن عليلا. وقال طبيب فارس: كل قصدا لا تلق من الكظّة جهدا، وقال طبيب الهند: كل قدرا لا تضيق به صدرا. وقيل: صحة الجسم قلة الطعم، وصحة الروح اجتناب الإثم. وجاء رجل إلى أبي مسلم فقال: أعطيك دواء تأكل معه ما شئت فلا يضرّك، فقال: لا حاجة لي فيه فقبيح بالإنسان أن يدخل المستراح في كل يوم أكثر من مرة، وقبيح به أن يحن في الشهر أكثر من مرة. وقال الخليل: أثقل ساعاتي ساعة آكل فيها. وقال مالك بن دينار: وددت أن رزقي حصاة أمصها فقد ضجرت من كثرة تردادي إلى الخلاء.

стр. 724

وقال تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ «١» . وقال ﷺ : ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس. وفي كتاب كليلة ودمنة: ليعد من البهائم من همّته بطنه وفرجه. وكانت العرب تسمي الشبع أبا الكفر. وقيل: إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة. البطنة تذهب الفطنة. قيل: لا تسكن الحكمة بطنا مليء طعاما. من الكرم تنزيه القرم. وقيل: الشبع داعية البشم والبشم داعية السقم والسقم داعية الموت، ومن مات هذه الميتة فقد مات ميتة لئيمة. قال الحسن: مسكين ابن آدم صريع الشبع أسير الجوع. قال شاعر: وإن امتلاء البطن في جسد الفتى ... قليل غناء، وهو في الجسم صالح وقال طرفة في عمرو بن هند: ويشرب حتّى يغمر المحض قلبه ... وإن أعطه أترك لقلبي مجثما «٢» وباع مالك بن دينار جارية فزارته يوما، فقال: كيف ترين مواليك؟ فقالت: ما أكثر خير بيوتهم، فقال: أخبرتني عن عمران حشوشهم. وقال يحيى بن معاذ: من أكل حتى شبع عوقب بثلاث، يلقي الغطاء على قلبه والنعاس على عينيه والكسل على جسمه. وقال بشر الحافي:- من ضبط بطنه فقد ضبط الأعمال الصالحة كلّها. وقال بشر بن الحارث: لا تعوّد نفسك الشبع من الحلال فتدعوك إلى الحرام. وسأله رجل عن غسل الجمعة، فقال: أغسل بطنك يكفيك عن غسل بدنك. واشتهى أبو مسلم الهريسة، فقال لطبّاخه: اشتهيت هريسة فاتخذها أجود ما يكون، فلما قدمت إليه أمر بأن ترفع ولم يأكل، ثم قال له من بعد اتخذ هريسة فاتخذها وقدمها إليه فلم يأكل، وتقدم إليه ثالثا فعملها وقدمها فلم يأكل، فقال الطبّاخ: أيها الأمير لقد أجدت حتى لا غاية، فما الذي يحجزك عنها؟ قال: رأيت نفسي قد شرهت إلى تناولها فكرهت أن تغلبني شهوتي. وقيل: لا تجعلوا بطونكم خزائن الشيطان يضع فيها ما أحب. حدّ الشّبع قيل لأعرابي سأل ما حدّ الشبع، هو الامتلاء من الطعام حتى لا تشتهيه، فقال: وهل يكون ذلك إلا في الجنة. وقال أعرابي: اللهم إني أسألك ميتة كميتة عرفجة، فقيل كيف مات؟ قال: أكل بزخا وشرب مشعلا والتف في كسائه ومات فلقي الله شبعان ريان دفآن.

стр. 725

حمد الطّوى وذمّه قال المغيرة بن شعبة: علّموا أولادكم الخفاف احملوهم على الطوى، لأن من اتبع أمرا لزمه، ومن أكثر من تركه أجمه «١» . وقال الحارث بن كلدة: يى خير الدواء الأزم «٢» وشر الدواء إدخال الطعام على الطعام. قيل ليوسف ﵇: لم تجوع وأنت على خزائن الأرض؟ فقال: أخاف أن أشبع فأنسى الجائع. وقيل: ترك الأكل يضيق الأمعاء. الصّابر على الجوع قال: ولقد أبيت على الطّوى وأظلّه ... حتّى أنال به لذيذ المطعم وخرج أبو خراش في سفر فعدم الطعام أياما، فمر بامرأة، فقال: هل من طعام فأتته بعمروس «٣» . فقالت: إذبحه فذبحه وسلخه ثم شواه، فلما وجد رائحة الشواء قرقر بطنه، فقال: أتقرقر من رائحة الشواء يا ربّة البيت هل من صبر؟ فأتته بصبر فاقتحمه وأتبعه بماء ثم ارتحل، ولم يأكل، وقال: وإني لأثوي الجوع حتّى يملّني ... فيذهب، لم تدنّس ثيابي ولا عرضي وقال آخر: وأغتبق الماء القراح وأنتهي ... إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم «٤» مخافة أن أحيا برغم وذلة ... وللموت خير من حياة على رغم الصّائن بطنه عمّا يلزم منة أو مذمّة قيل: أحسن بيت في هذا المعنى قول نهشل: أغرّ كمصباح الدجنّة يتّقي ... قذى الزاد حتّى يستفاد أطايبه وقال: إذا مطعمي كان ذا غصّة ... غسلت يدي منه قبل اكتفائي وقال آخر: ألبان إبل تعلّة بن مساور ... ما دام يملكها عليّ حرام وطعام عمران بن أوفى مثلها ... ما دام يسلك في البطون طعام إنّ الذين يسوغ في أعناقهم ... زاد يمنّ عليهم للئام قال بعضهم: اكتريت من جمّال، فكان يحدو بنا بقول الشاعر: أبلج بين حاجبيه نوره

стр. 726

فلما بلغ قوله: إذا تغدّى رفعت ستوره أمسك حتى بلغنا المنزل، فقلنا: لم لم تكن تنشد قبل هذا؟ فقال: تفاديا من أن تحسبوني أعرّض بزادكم. حمد الرّضا بما يتسهّل قال النبي ﷺ : كفى بالمرء عيبا أن يتسخّط ما قرب إليه. وقيل: كل في شهوة أهلك. قال الأصمعي: رأيت إعرابية تأكل قشور الرمان، فقلت: ما هذا؟ قالت: أدفع به الجوع، فإن الجوع إذا دفعته بشيء اندفع. قال شاعر: تنافس في طيب الطعام وكلّه ... سواء إذا ما جاوز اللهوات وقال ابن الرومي: ومتى شرهت فإنّ أيسر لذّة ... لك إن نظرت مع السلام كافية وقال آخر: وما هي إلا جوعة إن سددتها ... فكلّ طعام بين جنبيك واحد وقال آخر: وما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام وقال بعضهم: لقيت أعرابيا، فقلت من أين؟ فقال: من البادية من جبل ضربة، أرض لا نبتغي بها بدلا ولا عنها حولا، في أرغد عيش وأنعم معيشة، فالحمد لله على ما بسط من السعة ورزق من حسن الدعة، أو ما سمعت قول قائلنا: إذا ما أصبنا كلّ يوم مذيقة ... وخمس تميرات صغار هوامز «١» فنحن ملوك النّاس خصبا ونعمة ... ونحن أسود الغاب وقت الهزاهز «٢» وكم متمن عيشة لا ينالها ... ولو نالها أضحى بها جدّ فائز الشّاكي عدم المآكل قيل لرجل: بم تسحرت البارحة؟ فقال: باليأس عن الفطور الليلة. وقيل لرجل: ما تأكل، قال: الخبز والزيت، فقيل: أتصبر عليهما، فقال: ليتهما صبرا عليّ. قال جرير: تكلّفني معيشة آل زيد ... ومن لي بالمرقّق والصّناب «٣» وقال أعرابي لامرأته: لو كان عندنا تمر وسمن لطلبنا دقيقا واستعرنا طنجيرا واتخذنا

стр. 727

عصيدة. والعرب تسمي الجوع أبا عمرة. قيل لأعرابي: أتعرف أبا عمرة؟ قال: كيف لا أعرفه وكبدي مخيمة على أمعائه والصفر. وقيل: هو حية في البطن تعضّ إذا جاعت صاحبها. قال أعرابي: مالي عهد بعضاض ولا مضاغ ولا لماج ولا شماج منذ زمان. وقيل: نزل به أبو عمرة وهو كناية عن الجوع، وقال: حلّ أبو عمرة وسط حجرتي استطابة الجائع الطعام قيل لأبي العملس: أي الطعام أطيب؟ فقال: طعام لقي الجوع بطعم وافق الشهوة. قيل: فما ألذ الأشربة؟ قال: شربة ماء تضيع بها غلّتك. وقال محمد بن جعفر: العين طليعة المعدة. وكان مكتوبا على مائدة أنوشروان: ما طعمته وأنت تشتهيه فقد أكلته، وما طعمته وأنت لا تشتهيه فقد أكلك. وقيل: أحدّ شيء ضرس جائعة. من جسمه ينبىء عن جودة أكله في المثل: أفواهه هجاسة. قيل: يريك البشر ما أجاد مشفر. وقيل لرجل: ما أسمنك؟ فقال: أكلي الحار وشربي القار والإتكاء على الشمال. وقيل لآخر، فقال: قلة الفكرة وطول الدعة والنوم على الكظّة. وصف الأكلة من الأكلة سعد القراقر، الذي قيل فيه: أجوع من كلب حومل. ودرواس الذي يقول: الغداء غذاء والغبوق دواء والقليل حمض والجاشرية خفض. وزهمان الذي قيل فيه في بطن زهمان زاده. أكل سليمان بن عبد الملك أربعين دجاجة وثمانين كلية بشحومها وثمانين جردقة «١» ، وأحضر الإجاص فأحصى له ثمانمائة نواة. وكان هلال بن مشعر التيميّ أكل فصيلا وأكلت امرأته فصيلا، فلما تضاجعا لم يصل إليها، فقالت: تصل إليّ وبيننا جملان. وقال سالم بن قتيبة: عددت للحجاج أربعا وثمانين لقمة في كل لقمة رغيف فيه ملء كف من سمك طري. وكان معاوية يأكل حتى يتربّع، ثم يقول: إرفع ما شبعت حتى مللت. قال ابن أبي الأسود: كأنّما في فيه أحجار الرّحا ... وكأنّما في جوفه تنّور

стр. 728

وقال آخر: أقلّ ما يأكله أقلّه ... لا يحمل النيل ولا يقلّه ووصف أعرابي رجلا، فقال: هو أكلة «١» وكلة تكلة «٢» . وقال آخر: كأنّه برذونة رغوث «٣» وقال آخر: قرضابة طرفاه الدهر في تعب ... ضرس طحون وفرج يفسد الدّينا «٤» وقال آخر: خبّ جبان وإذا جاع بكى ... ولا يوارى فرجه إذا اصطلى «٥» ويأكل التمر ولا يلقي النّوى ... كأنّه غرارة ملأى خنا «٦» وقال آخر: أيا آكل من نار ... ويا أشرب من رمل وكان بلال بن أبي بردة أكولا، وفيه يقول الحسن ﵁: يتكي على شماله ويأكل غير ماله، حتى إذا كظّه الطعام يقول: إبغوا لي هاضوما. وقيل: وهل تهضم إلا دينك. وقيل لرجل: كيف أكل فلان، فقال كما لا يحبه لبخيل. ويتمثل في هذا الباب بقول جرير: كالحوت لا يلهيه شيء يلهمه ... يصبح ظمآن وفي البحر فمه وفي الجشاء، لابن عيينة: وتصبح تقلس عن تخمة ... كأن جشاءك عن فجله المسرع اللّقم قال شاعر: ما بين لقمته الأولى إذا ازدردت ... وبين أخرى تليها قيس أظفور «٧» وقال آخر: يدارك اللقم ولا يخشى الغصص ... تلقّما يقطع أزرار القمص

стр. 729

وقال آخر: فلان إذا أكل شدق وعلق وحملق أي لقمة في فمه وأخرى في يده وأخرى يرمقها بعينه. وقيل: فلان برم قرون لمن لا يدخل في الميسر ثم يأكل تمرتين تمرتين. وروي أن رسول الله ﷺ كان إذا أكل طعاما فرفع إلى فيه لقمة لم يأخذ غيرها حتى ينقي فاه منها. المعظّم اللّقم قال شاعر: أعددت للقم بنانا مجرما ... وضرس ناب كالرّحا محرفا ومعدة تغلي وبطنا أكنفا ... حولا دكيكا ما يذوق علفا «١» وقال أعرابي: يحشو زوايا بطنه إذا اضطّرم ... لقما كأمثال جلاميد الأكم «٢» وقال البحتري: وكأن الفتى يطمّ ركابا ... قد تهورن أو يسد بثوقا «٣» وقال آخر: يلقم لقما ويغدى زاده ... يرمي بأمثال القطا فؤاده وقال آخر: ترى كلّ محلول الإزار كأنّما ... يطيّن سطحا أو يلقم ناضحا «٤» وقيل: فلان إن أكل لفّ وإن شرب اشتف. قال شاعر: وكأنّما صوت التطعّم منهم ... قبل يفوه بهنّ صوت شفاه وقال آخر: كأن ذوبه في الحلق لمّا ... يهمهم صوت رعد في سحاب الأكل بالملعقة أكل أعرابي بملعقة شيئا فاحترق فمه، فقال: أبعدني الله أن أحكم على فمي غير يدي، فإنها رائد حق ونذير صدق، وكره الأكل بالملعقة مع الغير، فإن إدخالها في الفم وإعادتها إلى الصحفة مستقبح. وكان بعض أهل المروآت يضع بين يديه ملاعق فإذا التقم بواحدة لم يعد إليها.

стр. 730

المملوء فمه من الطّعام سلّم رجل على أعرابي، وكان في فمه لقمة، فلما بلعها قال: حياك من خلا فوه. وقال حميد الأرقط: أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عنه اللقم حتّى كأنّه ... من العيّ لما أن تكلّم باقل «١» من أكل ما اشتهاه ولم يخف عقباه حضر أعرابي طعام أمير فأكل معه، فأحضر الفالوذج، فقال الأمير: إن أكلت هذا حززت رأسك، فنظر مليا ثم رأى تركه خسرانا، فمد إليه يده وقال: أوصيك بصبيتي خيرا. مرّ أعرابي بقوم وعندهم طعام، فقال: ما هذا؟ قالوا: زقوم «٢» ، قال طيّب، والله لأساعدنكم على أكله. استدعاء الطّعام قال الأصمعي: أضفت أعرابيا فلما أكلنا. قلت يا جارية: أطعمينا تينا فنسيته، فقلت له بعد ساعة أتحسن شيئا من القرآن، قال: نعم، فقلت: إقرأ، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم والزيتون وطور سينين، فقلت وأين التين، فقال: نسيته أنت وجاريتك من ذلك الوقت. دخل رجل على قوم يشربون فناولوه أقداحا، وكان جائعا، فقال للمغنّي غنّ: خليليّ داويتما ظاهرا ... فمن ذا يداوي جوى باطنا فعلم صاحب الدار أنه جائع، فقال غنّ له: من يسأل النّاس يحرموه ... وسائل الله ما يخيب ودخل آخر على قوم، فقالوا له: أي صوت أحب إليك؟ فقال: صوت المقلى. ودعي ابن حجاج إلى دعوة مع جماعة فتأخر عنهم الطعام، فقال لصاحب الدعوة: يا ذاهبا في داره آتيا ... من غير ما معنى ولا فائدة قد جنّ أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائدة وكان الحسن بن علي ﵄ في دعوة، فاستبطأ الطعام، فقال: ائتونا بالخوان نأنس به إلى أن يحضر الطعام. وقال النبي ﷺ : إن الملائكة لا تزال تصلي على أحدكم ما دامت مائدته موضوعة. ودخل أعرابي على رجل بين يديه سلّة فيها طعام، فقال: ما هذا؟ قال: بظر أمك. فقال: أعضضن به.

стр. 731

ودخل الشعبيّ على أبي عمرو فتطاولا، ثم قال الشعبي: أعندك تحفة؟ فقال: نعم، أي التحفتين أحب إليك، أتحفة إبراهيم أم تحفة مريم. فقال: تحفة إبراهيم عهدي بها الساعة يعني اللحم. ولكن ائتني بتحفة مريم فأتاه بالرطب. وقيل لأعرابي: ما تشتهي؟ فقال: حرف جردق وعرق مرق. وقال بعض أهل الكوفة: دخل عليّ جعيفران، فقال له: هل من طعام؟ فقلت: سلق بخردل، فقال: فاشتر بطيخا، فقلت للجارية: قدّمي الطعام واذهبي فاشتري بطيخا، فقدمت الطعام وذهبت وتباطأت، فقال جعيفران: سلقتنا وخردلت ... ثمّ ولّت وهرولت وأراها بواحد ... وافر الأير قد خلت فخرجت في طلبها، فإذا بالسائس قد خلا بها في الدهليز كما وصف. الاحتجاج للتطفّل والتبجّح به عوتب طفيلي، فقال: كلكم طفيليون لكنكم تجهلون أنكم تؤدون الأعمال من غير أن تدعوا إليها، وسواء تطفل على طعام أو على تمنية. وقال طفيلي، وقد عوتب: قد تطفل بنو إسرائيل على الله فقالوا ربنا أنزل علينا مائدة من السماء، وقيل لطفيلي: لا يحلّ لك أن تأكل من طعام لم تدع إليه، فقال: هذا خلاف قول الله تعالى، حيث قال: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ «١» إلى قوله: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ «٢» إلى قوله: أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ «٣» وقد قال الله : إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٤» . وقال طفيلي: إن لم أدع ولم أجىء وقعت وحشة، ثم أنشد: نزوركم لانكفائكم بجفوتكم ... إن المحبّ إذا لم يستزر زارا وقال آخر: لا أرى التطفيل إلا ... في فتى حرّ كريم وقال علي البصري: أحسن الإخوان إن خفت ... من الإخوان جفوه طرحك الحشمة عنهم ... وتجي من غير دعوه وقال آخر: قد أتيناك زائرين خفافا ... وعلمنا بأنّ عندك فضله

стр. 732

إن تجدنا كما تحبّ وإلا ... فاحتملنا فإنّما هي أكله المهجوّ بالتطفّل وذمّه قيل: فلان أطفل من ليل على نهار، وألزم للخوان من منديل الغمر، يأكل لمّا ويوسع الحي ذما. قال ابن طباطبا: ولو نشر النبيّ لكنت منه ... مكان أبي هريرة غير مين» ألح زيارة ليلفّ زادا ... معدّا لابن فاطمة الحسين وقال آخر: لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمّان أمسى جمعهم بعمّان وقال النبي ﷺ : من مشى إلى طعام لم يدع إليه مشى فاسقا وأكل حراما. وكان أبو دلف العجلي كتب من الكرخ إلى محمد بن فاخر بأصبهان: إني أريد أن ألم بك يوما فأضيفك وأرى أصبهان، فهيأ ابن فاخر وأنفق مالا جمّا، وكان بأصبهان شويعر بينه وبين ابن فاخر عداوة، فكتب رقعة ودفعها إلى من تصدّى لأبي دلف لما قرب من أصبهان، فقرأها، فإذا فيها: جئت في ألف فارس ... لغداء من الكرج ما على المرء بعد ذا ... في دنا النفس من حرج فانصرف أبو دلف راجعا، وأفسد على محمد ما كان هيأه. قال ابن بشر فيمن أكل وحمل: أكلوا حتّى إذا شبعوا ... حملوا الفضل الذي تركوا إحتمال المشقّة فيه قال أبو الجهم: كم لطمة في حرّ وجهك صلبة ... من كفّ بوّاب سفيه ضابط حتّى وصلت فنلت أكلة ضيغم ... متضمّخ بدم وأنف ساقط «٢» فسمعها طفيلي، قال: نعم، من طلب عظيما خاطر بعظيم. الشّديد الطمع قيل: هو أطمع من أشعب، وكان قيل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفّت عروس إلا كنّست بأبي ورششته، طمعا أن تحمل إلى داري، وما سارر أحد أحدا إلا ظننته

стр. 733

يأمر لي بشيء. وقيل الطفيلي: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما سألتني عن هذا إلا وفي نيتك أن تعطيني شيئا. حثّ المتطفّل على الوقاحة رأى طفيليّ آخر فقال له: هلّا حضرت دعوة فلان، فقال: لا يجتمع التطفيل والحياء، أما سمعت قول الشاعر: لا تستحينّ من القري ... ب ولا من الفظّ البعيد ودع الحياء فإنّما ... وجه المطفل من حديد «١» نوادر المتطفّلين سمع طفيلي خشخشة الإبريق فأمسك عن الطعام، فقيل له في ذلك، فقال: حتى يسكن هذا الإرجاف. وقيل لآخر: ما بال وجهك أصفر؟ فقال: للفترة بين القصعتين أخاف أن يكون الطعام انقطع. وقيل لآخر: ما تحفظ من القرآن، قال قوله تعالى: آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً «٢» وقيل لآخر: اشتر لنا لحما، فقال: لا أحسن الشراء، فقيل له أوقد النار، قال: أنا كسلان، فقيل له أطبخ قال: لا أحسن الطبخ. فلما غرف الطعام، قيل: له تقدم فكل، فقال: أكره أن أكثر مخالفتكم. وحضر طفيلي باب دعوة فمنعه البواب، فقام ينظر من صير الباب إلى الأطعمة، وأنشد: ومالك منها غير أنّك نائك ... بعينيك عينيها وهل ذاك نافع وأكل أعرابي عند قوم، فلما أراد الخروج قيل له: هل تعود إلينا؟ فقال: ليس مثل السوء لي، ولكن الكلب لا يدع خائطا شبع منه. وقال طفيلي لقوم يحضرون دعوة: إجعلوني لحقا بين سطرين. أكل فضالة المائدة روي عن النبي ﷺ : من أكل من فضالة ما يسقط من المائدة لم يزل في سعة من الرزق ما كان، ووقي هو وولده وولد ولده الحمق. وقيل: مهور الحور العين أكل فتات المائدة. الخلال قال جعفر بن سليمان: لا بد من الخلال «٣» وهو مخربة للأسنان. ودخل رستاقي على قوم يأكلون فأطعموه فلما فرغوا أعطوه، فأخذ يتأملهم ظنا منه أنهم يريدون قلع

стр. 734

أسنانهم، فأخرج مسلة معه فقلع ضواحكه والتفت إليه، وقال: أنتم بعد في حفر أصل واحدة، وها أنا قد نزعت أربعا. وأكل طبري مع قوم فلما فرغوا دفعوا إليه خلالا فظنه مما يؤكل فأكله فنظر الغلام إليه فلم ير الخلال معه، فدفع إليه آخر، فقال الطبري: قد أكلت واحدا ولا أشتهي غيره. أنواع من هذا الفصل قال النبي ﷺ : إذا صنع خادم أحدكم طعاما فليجلسه معه أو يناوله، وقال: لا تأكلوا في غربال ولا منخل، فإنه يمحق البركة ولا يشبع. وأتى ﷺ بطعام شديد الحرارة، فقال: ما كان الله ليطعمنا النار أقروه حتى يبرد، فإن الطعام الحار ممحوق البركة وللشيطان فيه شرك. قال البحتري: تنازعنا المدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطبائخ وهي نار (٣) وممّا جاء في الدعاء إلى الدعوات أسماء الدّعوات المأدبة، والمأدبة الدعوة والوليمة عند الأملاك، والعرس عند البناء بالأهل، والخرس للولادة، والأعذار للختان، والنقيعة للقدوم من سفر، وكذلك السفرة والوكيرة، والحيرة للبناء، والوضيمة للمأتم، والعقيقة لأول ما يؤخذ من شعر الولد، والنقرى التخصيص في الدعوة، والجفلى التعميم فيها «١» . قال بعض الأدباء العارفين بالفارسية: ليس في اللغة الفارسية شيء من أسماء هذه الدعوات. الحثّ على اتخاذ الدّعوة والإجابة إليها . قال النبي ﷺ لعبد الرحمن بن عوف ﵁: أو لم ولو بشاة. وقال ﷺ : لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت. وروي أن أصحاب النبي ﷺ كانوا إذا اجتمعوا لم يتفرّقوا إلا عن ذواق «٢» . وقال ﷺ : إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن شاء طعم وإن شاء ترك. وفي حديث آخر فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصلّ، أي ليدع لهم بالبركة.

стр. 735

وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنهما إذا ادعي إلى طعام يحضر، فإن كان مفطرا أكل وإلا قال كلوا بسم الله ويذكر أن النبي ﷺ قال: الصائم إذا أكل عنده سبّحت أعضاؤه. المستدعي صاحبه زاعما أنّ به يتمّ السرور كتب أبو الفرج الدمشقي إلى صديق له: شهد الله أنّ كلّ سرور ... غبت عنه فليس لي بسرور وقال آخر: نحن في أطيب الحبور ولكن ... ليس إلّا بكم يتمّ السرور عيب ما نحن فيه يا أهل ودّي ... أنكم غبتم ونحن حضور فأعّدوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرّياح فطيروا وقال الصولي: حضر السرور وعيبه ... أن لست مسعدنا عليه وقال آخر: ائتنا إن عندنا بعض من أنت ... له وامق من الأصحاب «١» وأناس فيهم وفيهم ولكن ... ليس بدّ من القذى في الشّراب من دعا صديقه ووصف له طعامه وشرابه كتب جحظة إلى صديق له: لنا يا أخي فرحة وافرة ... وقدر موفّرة حاضره وراح تريك إذا صفّقت ... سنا البرق في الليلة الماطره «٢» ومسمعة لم يخنها الصّواب ... وزامرة أيّما زامره «٣» وما شئت من خبر نادر ... ونادرة بعدها نادره فواف وإن كنت يا ابن الكرام ... وحاشاك في الساعة الآخره وكتب الوزير العباس إلى نديم له: أيّها الكوفيّ شيخي ... قم بنا نحو الدويره فلنا فضلة سكبا ... ج لدينا في قديره ومدام من دم الكر ... مة باتت في ذكيره «٤» وإذا ما ارتاحت النفس ... من الراح قطيره «٥»

стр. 736

فضجيعي ساعدا عم ... رو وشيخي مع عميره ودعا رجل صديقا له، فقال ما عندك؟ قال: مرقة طيبة ونفس تستطيب أكلها، فقال: مثلك يجاب. وكتب أبو سعد بن نوقة إلى أبي مسلم بن بحر، وراسله برسول يكنّى أبا بكر: إن كنت تأكل ما حضره ... فاحضر فإنّك منتظر والساعة اقتربت لفر ... ط الجوع وانشقّ القمر «١» ورسولنا بكتابنا ... هذا الظريف أبو بكر وبإذنه حرّكت منه ... الكاف كيلا ينكسر «٢» وقال محمد بن باج: عندنا قدر لذيذ ... ليس للقدر شريك ونبيذ من زبيب ... وغزال يستنيك فائتنا نأكل ونشرب ... ثمّ نخلو فننيك وقال آخر: وماذا ترى في برمة بقرية ... وأخذ بأطراف الحديث المنمّق كتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندنا سكباج يرعف المجنون وحديث يطرب المحزون وإخوانك الملحدون، فلا تعلوا عليّ وائتون. فكتب إليه أبو العيناء إخساؤا فيها ولا تكلمون. من دعا أصحابه ووصف لهم من الأطعمة ما لم يف به قال الأعمش لجليس له: أتشتهي جديا سمينا وأرغفة باردة وخلا حاذقا؟ فقال: أي والله قال: فانهض معي. فحمله إلى داره وقدم إليه خبزا يابسا وبقلا وخلا. قال: فأين الجدي والأرغفة؟ قال: لم أقل لك هما عندي وإنما قلت تشتهيه. والمسمّى بابن العباس الأبله قال لبعض من استقبله: هل لك في قديد هش وخبز لين وخبيص ملبق، قال: أي والله قال: إذهب إلى السوق فاشترها فإني قد اشتهيتها وها أنا أعود إلى دارك لآكلها. قال العطوي: دخلت على أبي سعيد المخزومي وهو بين بابين وعلى أحدهما: نعم النديم نديم لا يكلّفني ... ذبح الدجاج ولا ذبح الفراريج يرضى بقدرين من برّ ومن عدس ... وأن تشهّى فزيتون بطيبوج «٣»

стр. 737

فقلت قد رضيت بزيتون واعفيتك من القدرين، فقال: إقرأ ما على الحائط الآخر فإذا عليه: إشرب على الخير والريق ... لبعدنا الآن من السوق لا تطلبنّ الخبز من بيتنا ... فإنّما تنفخ في البوق «١» من دعا أخاه فاستعجله قال كشاجم في أبيات كتب بها إلى صديق له يدعوه: فكن جوابي ولا تركن إلى عذر ... فإن ركنت إلى شيء أتيناه فقد تيقنت أني ما التمست أخا ... مساعدا قط إلا كنت إيّاه وكتب أبو مسلم بن بحر إلى أبي سعيد بن نوقة: تلقّاك يومك بالأسعد ... وأعطيت سؤلك في أحمد فبادر إليّ وقيت الرّدى ... وهب لي صلاتك في المسجد «٢» وقال آخر: جعلت فداك قد حضر الطعام ... وصاحت من تأخّرك المدام فإما جئتنا عجلا وإلا ... أخذنا في اغتيابك والسلام وقال منصور: كتبت والكاس في يمناي مترعة ... وأحسن النّاس يلهينا ويسقينا ونحن في مجلس حلّ السرور به ... خلوين من ثالث حتّى توافينا فكن جواب كتابي والسّلام فما ... أراك تدركنا إلا مجانينا وقال آخر: كن جوابي إذا قرأت كتابي ... لا تردّنّ للكتاب جوابا أعفني من نعم وسوف ولي شغ ... ل، وكن سيّدا دعي فأجابا معاتبة متباطىء قال بعض الناس: دعاني رجل إلى وليمة في يوم جمعة فمضيت إلى الجامع وتشاغلت فجئته مع العتمة، فقال لي: يا هذا عصيت الله في هذا اليوم ثلاث مرات، مضيت إلى الصلاة قبل النداء، وقد قال الله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ «٣» . وقال الله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ «٤»

стр. 738

فأقمت إلى العتمة، وعصيت الرسول، حيث قال: الداعي مستغيث فأغيثوه، فأخجلني. قال كشاجم: تأخّرت حتّى كددت الرسول ... وحتّى سئمت من الانتظار وأوحشت إخوانك المسعدين ... وفجعتهم بشباب النهار وأضرمت بالجوع أحشاءهم ... بنار تزيد على كلّ نار فإن كنت تأمل أن لا تذمّ ... فأنت وحقّك عين الحمار وكتب الصاحب إلى أبي الحسن العلوي في أبيات، وكان قد عاد إلى داره لشغل ووعد أن يعود إليه، فلم يعد: لم ملت في العود إلى التقصير ... كما يقال حوصلي وطيري «١» الحثّ على ترك من تباطأ أو تأخّر قال ابن المعتز: إذا ما تأخّر من قد دعوت ... فدعه وما اختار من أمره ولا تشربنّ بتذكاره ... ولكن تثاءب على ذكره وقال آخر: إن الفتوّة كلّها ... في أكل ما يتلهوج؟ فإذا تعجّل خمسة ... من ستة قد أزعجوا فدع انتظارك واحدا ... لجماعة قد زوّجوا إن البطيء عن الدعا ... ءإلى الإجاعة أحوج المعتذر لتأخّره عن من دعاه كتب المهلّبي إلى صديق دعاه فلم يمكنه الحضور: لولا شغيل عاقني ... بالقرب حاول عن مزارك لأتيت نحوك مسرعا ... ولصرت من غلمان دارك فبحق طرفك وافتنا ... نك والمهذّب من نجارك «٢» إلا مننت وقلت لي ... إنّي وهبتك لاعتذارك وقال ابن طباطبا: أبسطوا العذر في التأخّر عنكم ... شغل الحلي أهله أن يعارا

стр. 739

فضل المجيب الدّعوة على داعيه قال ناصر الدولة، وقد دعاه إنسان إلى دعوته: من دعا فأبينا ... فله الفضل علينا فإذا نحن أجبنا ... رجع الفضل إلينا ودعا بعض الناس أديبا فامتنع، فقيل له في ذلك، فقال: إنه دعاني مرة فأجبته فلم يشكرني عليه. قال شاعر: أتاني رسولك يبغي الحضور ... فخليت من كنت في دعوته وجئتك يا سيّدي مسرعا ... كأنّي نوالك في سرعته وقال ابن الحجاج في أبيات له: جئت بلا وعد لأنّي فتى ... يضجرني التسويف والوعد معاتبة من شرب الدّواء فلم يدعه قال أبو القاسم بن أبي سعد الأصبهاني: أبا فرج عش سعيدا لنا ... ودمت وبلغت أقصى المنى أسأت إلينا وأوحشتنا ... وكنت قديما فتى محسنا وللبيت مصراعه المستفيض ... ولو لاك جئت به معلنا فبيّن لنا العذر فيما أتيت ... وصل جمعنا واغتنم شكرنا الدّاعي من لا يدعوه كان بدمشق شاعران يتعاشران، وأحدهما مكثر عن الآخر ولا يدعوه إلى منزله، فكتب إليه: أبدا تحصل عندي ... ثم لا أحصل عندك «١» إن تناصفني وإلا ... أبت يا طائي وحدك «٢» ذكر بعض الكتاب أنه كان يعاشر سوقيا فاتفق أن دعاه يوما، قال: فلما تمكنت اشتغل عني صاحب الدعوة فعثرت برقعة بخطه فيها: فلان دعاني مرتين ودعوته ثلاث مرات فعليه دعوة، وقد ذكرنا على هذا أسامي كل من يعاشرنا، فلما انتهيت إلى اسمي فرأيته قد حصل له على دعوات، فخرجت وقلت: عليّ أن لا

стр. 740

أتناول طعامك حتى أرد ما عليّ، قال: فقلت في ذلك: أرى الدعوات قد صارت فروضا ... ولا أدعو فيلقاني بغيضا وقال آخر: إذا كنت تدعوني لأدعوك مثله ... ففعلك منحول إلى فعل تاجر «١» الحثّ على تجديد الإرسال إلى من دعوته والتعريض إذا ما كان بينك في عشي ... وبين أخ من الإخوان وعد فجدّد بالغداة له رسولا ... فإن حوادث الأيام تغدو «٢» ومثله: إذا صاحب لك واعدته ... ليوم اجتماع من الجمعة فقوّ عزيمته في الوفا ... بتذكرة لك في رقعة واجتمع قوم في دار ليلة فأرادوا الصبوح، فقال المغني: دعوا صاحب الدار لي فإني أحمله على أن يحتبسكم، فغنّى: ومعرس طلب الصبوح وإنني ... لفتى يوافقني الصّباح وحسنه «٣» فقال الرجل لجاريته: القوم أرادوا الاصطباح فما الحيلة؟ فقالت الجارية: دعهم لي وأخذت العود، وغنت: ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس «٤» فانصرف القوم. (٤) وممّا جاء في الأجواد بالقرى قيل لأعرابي: ما القرى؟ فقال: نار يعلو شرفها وخيمة يوطأ كنفها. وقال آخر: نلقى النزيل بالوجه الجميل. وقيل: بذل القرى فوق بذل الندى. الحثّ على الإضافة قال الله تعالى في مدح قوم: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً «٥» وقال
следующие страницы →