Полный текст (1 556 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فضجيعي ساعدا عم ... رو وشيخي مع عميره
ودعا رجل صديقا له، فقال ما عندك؟ قال: مرقة طيبة ونفس تستطيب أكلها، فقال:
مثلك يجاب.
وكتب أبو سعد بن نوقة إلى أبي مسلم بن بحر، وراسله برسول يكنّى أبا بكر:
إن كنت تأكل ما حضره ... فاحضر فإنّك منتظر
والساعة اقتربت لفر ... ط الجوع وانشقّ القمر «١»
ورسولنا بكتابنا ... هذا الظريف أبو بكر
وبإذنه حرّكت منه ... الكاف كيلا ينكسر «٢»
وقال محمد بن باج:
عندنا قدر لذيذ ... ليس للقدر شريك
ونبيذ من زبيب ... وغزال يستنيك
فائتنا نأكل ونشرب ... ثمّ نخلو فننيك
وقال آخر:
وماذا ترى في برمة بقرية ... وأخذ بأطراف الحديث المنمّق
كتب ابن مكرم إلى أبي العيناء: عندنا سكباج يرعف المجنون وحديث يطرب المحزون وإخوانك الملحدون، فلا تعلوا عليّ وائتون. فكتب إليه أبو العيناء إخساؤا فيها ولا تكلمون.
من دعا أصحابه ووصف لهم من الأطعمة ما لم يف به
قال الأعمش لجليس له: أتشتهي جديا سمينا وأرغفة باردة وخلا حاذقا؟ فقال: أي والله قال: فانهض معي. فحمله إلى داره وقدم إليه خبزا يابسا وبقلا وخلا. قال: فأين الجدي والأرغفة؟ قال: لم أقل لك هما عندي وإنما قلت تشتهيه.
والمسمّى بابن العباس الأبله قال لبعض من استقبله: هل لك في قديد هش وخبز لين وخبيص ملبق، قال: أي والله قال: إذهب إلى السوق فاشترها فإني قد اشتهيتها وها أنا أعود إلى دارك لآكلها.
قال العطوي: دخلت على أبي سعيد المخزومي وهو بين بابين وعلى أحدهما:
نعم النديم نديم لا يكلّفني ... ذبح الدجاج ولا ذبح الفراريج
يرضى بقدرين من برّ ومن عدس ... وأن تشهّى فزيتون بطيبوج «٣»
стр. 737
فقلت قد رضيت بزيتون واعفيتك من القدرين، فقال: إقرأ ما على الحائط الآخر فإذا عليه:
إشرب على الخير والريق ... لبعدنا الآن من السوق
لا تطلبنّ الخبز من بيتنا ... فإنّما تنفخ في البوق «١»
من دعا أخاه فاستعجله
قال كشاجم في أبيات كتب بها إلى صديق له يدعوه:
فكن جوابي ولا تركن إلى عذر ... فإن ركنت إلى شيء أتيناه
فقد تيقنت أني ما التمست أخا ... مساعدا قط إلا كنت إيّاه
وكتب أبو مسلم بن بحر إلى أبي سعيد بن نوقة:
تلقّاك يومك بالأسعد ... وأعطيت سؤلك في أحمد
فبادر إليّ وقيت الرّدى ... وهب لي صلاتك في المسجد «٢»
وقال آخر:
جعلت فداك قد حضر الطعام ... وصاحت من تأخّرك المدام
فإما جئتنا عجلا وإلا ... أخذنا في اغتيابك والسلام
وقال منصور:
كتبت والكاس في يمناي مترعة ... وأحسن النّاس يلهينا ويسقينا
ونحن في مجلس حلّ السرور به ... خلوين من ثالث حتّى توافينا
فكن جواب كتابي والسّلام فما ... أراك تدركنا إلا مجانينا
وقال آخر:
كن جوابي إذا قرأت كتابي ... لا تردّنّ للكتاب جوابا
أعفني من نعم وسوف ولي شغ ... ل، وكن سيّدا دعي فأجابا
معاتبة متباطىء
قال بعض الناس: دعاني رجل إلى وليمة في يوم جمعة فمضيت إلى الجامع وتشاغلت فجئته مع العتمة، فقال لي: يا هذا عصيت الله في هذا اليوم ثلاث مرات، مضيت إلى الصلاة قبل النداء، وقد قال الله تعالى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
«٣» . وقال الله تعالى: فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ
«٤»
стр. 738
فأقمت إلى العتمة، وعصيت الرسول، حيث قال: الداعي مستغيث فأغيثوه، فأخجلني.
قال كشاجم:
تأخّرت حتّى كددت الرسول ... وحتّى سئمت من الانتظار
وأوحشت إخوانك المسعدين ... وفجعتهم بشباب النهار
وأضرمت بالجوع أحشاءهم ... بنار تزيد على كلّ نار
فإن كنت تأمل أن لا تذمّ ... فأنت وحقّك عين الحمار
وكتب الصاحب إلى أبي الحسن العلوي في أبيات، وكان قد عاد إلى داره لشغل ووعد أن يعود إليه، فلم يعد:
لم ملت في العود إلى التقصير ... كما يقال حوصلي وطيري «١»
الحثّ على ترك من تباطأ أو تأخّر
قال ابن المعتز:
إذا ما تأخّر من قد دعوت ... فدعه وما اختار من أمره
ولا تشربنّ بتذكاره ... ولكن تثاءب على ذكره
وقال آخر:
إن الفتوّة كلّها ... في أكل ما يتلهوج؟
فإذا تعجّل خمسة ... من ستة قد أزعجوا
فدع انتظارك واحدا ... لجماعة قد زوّجوا
إن البطيء عن الدعا ... ءإلى الإجاعة أحوج
المعتذر لتأخّره عن من دعاه
كتب المهلّبي إلى صديق دعاه فلم يمكنه الحضور:
لولا شغيل عاقني ... بالقرب حاول عن مزارك
لأتيت نحوك مسرعا ... ولصرت من غلمان دارك
فبحق طرفك وافتنا ... نك والمهذّب من نجارك «٢»
إلا مننت وقلت لي ... إنّي وهبتك لاعتذارك
وقال ابن طباطبا:
أبسطوا العذر في التأخّر عنكم ... شغل الحلي أهله أن يعارا
стр. 739
فضل المجيب الدّعوة على داعيه
قال ناصر الدولة، وقد دعاه إنسان إلى دعوته:
من دعا فأبينا ... فله الفضل علينا
فإذا نحن أجبنا ... رجع الفضل إلينا
ودعا بعض الناس أديبا فامتنع، فقيل له في ذلك، فقال: إنه دعاني مرة فأجبته فلم يشكرني عليه.
قال شاعر:
أتاني رسولك يبغي الحضور ... فخليت من كنت في دعوته
وجئتك يا سيّدي مسرعا ... كأنّي نوالك في سرعته
وقال ابن الحجاج في أبيات له:
جئت بلا وعد لأنّي فتى ... يضجرني التسويف والوعد
معاتبة من شرب الدّواء فلم يدعه
قال أبو القاسم بن أبي سعد الأصبهاني:
أبا فرج عش سعيدا لنا ... ودمت وبلغت أقصى المنى
أسأت إلينا وأوحشتنا ... وكنت قديما فتى محسنا
وللبيت مصراعه المستفيض ... ولو لاك جئت به معلنا
فبيّن لنا العذر فيما أتيت ... وصل جمعنا واغتنم شكرنا
الدّاعي من لا يدعوه
كان بدمشق شاعران يتعاشران، وأحدهما مكثر عن الآخر ولا يدعوه إلى منزله، فكتب إليه:
أبدا تحصل عندي ... ثم لا أحصل عندك «١»
إن تناصفني وإلا ... أبت يا طائي وحدك «٢»
ذكر بعض الكتاب أنه كان يعاشر سوقيا فاتفق أن دعاه يوما، قال: فلما تمكنت اشتغل عني صاحب الدعوة فعثرت برقعة بخطه فيها: فلان دعاني مرتين ودعوته ثلاث مرات فعليه دعوة، وقد ذكرنا على هذا أسامي كل من يعاشرنا، فلما انتهيت إلى اسمي فرأيته قد حصل له على دعوات، فخرجت وقلت: عليّ أن لا
стр. 740
أتناول طعامك حتى أرد ما عليّ، قال: فقلت في ذلك:
أرى الدعوات قد صارت فروضا ... ولا أدعو فيلقاني بغيضا
وقال آخر:
إذا كنت تدعوني لأدعوك مثله ... ففعلك منحول إلى فعل تاجر «١»
الحثّ على تجديد الإرسال إلى من دعوته والتعريض
إذا ما كان بينك في عشي ... وبين أخ من الإخوان وعد
فجدّد بالغداة له رسولا ... فإن حوادث الأيام تغدو «٢»
ومثله:
إذا صاحب لك واعدته ... ليوم اجتماع من الجمعة
فقوّ عزيمته في الوفا ... بتذكرة لك في رقعة
واجتمع قوم في دار ليلة فأرادوا الصبوح، فقال المغني: دعوا صاحب الدار لي فإني أحمله على أن يحتبسكم، فغنّى:
ومعرس طلب الصبوح وإنني ... لفتى يوافقني الصّباح وحسنه «٣»
فقال الرجل لجاريته: القوم أرادوا الاصطباح فما الحيلة؟ فقالت الجارية: دعهم لي وأخذت العود، وغنت:
ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس «٤»
فانصرف القوم.
(٤) وممّا جاء في الأجواد بالقرى
قيل لأعرابي: ما القرى؟ فقال: نار يعلو شرفها وخيمة يوطأ كنفها. وقال آخر: نلقى النزيل بالوجه الجميل. وقيل: بذل القرى فوق بذل الندى.
الحثّ على الإضافة
قال الله تعالى في مدح قوم: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً
«٥» وقال
стр. 741
النبي ﷺ : أطعموا الطعام وأفشوا السلام وصلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام، وقال ﷺ : إذا نزل الضيف بقوم نزل برزقه وإذا ارتحل عنهم ارتحل بذنوبهم.
وقال: أيّما مسلم أضاف فأصبح الضيف محروما، فحق على كل مسلم نصرته حتى يأخذ قرى ليلته من زرعه أو ماله.
وقال أنس بن مالك: كلّ بيت لا يدخله ضيف سبعة أيام لم تدخله الملائكة.
ومرّ قتيبة بعذرة فقال: إن من يبخل يصير حاله إلى هذا البخيل. وقيل لبعضهم: ما الكرم؟ فقال: طعام مبذول ونائل موصول ووفاء لا يحول. وقال أمير المؤمنين ﵁: لأن اختبز صاعا أو صاعين فأدعوا إليه نفرا من إخواني أحب إليّ من أن أعتق رقبة.
حثّ الشّافع المشفوع إليه على الاصطناع
كلّم علي بن الحسين ﵄ عاملا في رجل، فقال: أنا لا أكلمك في ما يوهي دينك ويوتغ «١» أمانتك، ولكن الحر القادر إذا أراد أن يحسن أحسن. وقال الواثق يوما لأحمد بن أبي داود، تضجرا بكثرة حوائجه! قد اختلت بيوت المال بطلباتك للائذين بك والمتوسلين إليك، فقال: يا أمير المؤمنين هي نتائج شكرها متصل بك وذخائر أجرها مكتوب لك، ومالي من ذلك إلا أن أخلد المدح فيك، فقال: أحسنت، وشفعه. وكتب الصاحب في فصل:
والفتى إن أراد نفع أخيه ... فهو يدري في أمره كيف يسعى
(٥) وممّا جاء في الجود والأجواد
ما حدّ به الجود والأجواد
قيل للأحنف: ما السخاء؟ قال: الاحتيال للمعروف، قيل: فما اللؤم؟ قال:
الاستقصاء على الملهوف. وقيل: السخي من كان بماله متبرعا وعن مال غيره متورّعا.
وقيل: لصوفي من الجواد من الناس؟ فقال: الذي يؤدي ما افترض عليه. وقيل للحسن ﵁ من السخيّ؟ فقال: الذي لو كانت الدنيا له فأنفقها لرأى عليه بعد ذلك حقوقا. وقال بعضهم: الناس أربعة: جواد وهو الذي يعطي حظ دنياه وآخرته، وبخيل وهو الذي لا يعطي واحدا منهما، ومسرف وهو الذي جعل ماله لدنياه، ومقتصد وهو الذي أعطى كلّا بقدره.
стр. 742
كون السّخاء واقيا من النّقم
قال الله تعالى: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ
«١» ، وقال تعالى: وما تفعلوا من خير فلن تكفروه «٢» وقال النبي ﷺ : أهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وقال: عليكم باصطناع المعروف فإنه يقي مصارع السوء، وقال ﷺ : السخاء شجرة من أشجار الجنّة أغصانها متدليّة في الدنيا فمن أخذ بغصن من أغصانها أدّاه إلى الجنة، والبخل شجرة من أشجار النار فمن أخذ بغصن من أغصانها أداه إلى النار.
وقال أمير المؤمنين ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إنما أمهل فرعون مع ادعائه الربوبية لسهولة إذنه وبذل طعامه. وقال ابن عباس ﵄: صاحب المعروف لا يقع، وإن وقع وجد متكأ وقيل لحكيم: ما الذي يشبه من أفعال العباد فعل الله؟ فقال: الإحسان إلى الناس.
كون المحسن محبوبا عند الله ورسوله
قال النبي ﷺ : ألا أدلكم على شيء يحبه الله ورسوله، قالوا بلى، قال: التغابن «٣» للناس. وقال ﷺ : تجافوا عن ذنب السخي، فإن الله تعالى آخذ بيده. وقال: السخي قريب من الله قريب من الناس، والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس. وقال ﷺ : سادة الناس في الدنيا الاسخياء وفي الآخرة الاتقياء. وقال: الخلق كلّهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
وقالت عائشة ﵂: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها. وقيل: من بذل دراهمه أحبه الناس طوعا أو كرها. وقيل: من غزر عوارفه كثر معارفه. وقيل لحكيم: هل شيء خير من الدراهم والدنانير قال معطيهما، ابن علقمة:
ولا تسأل الأضياف من هم فإنّهم ... هم النّاس من معروف وجه ومنكر
من لا يتعلّل على معتفيه
قال معاوية بن جعفر:
بل لا نقول إذا تبؤأ منزلا ... إن المحلّة شعبها مكدود»
إذ بعضهم يحمي مراصد بيته ... عن جاره وسبيلنا مورود «٥»
وقال آخر:
أضفت ولم أفحش عليه ولم أقل ... لأحرمه إن الفناء مضيق
стр. 743
من لا يعلق بابه على معتفيه
قيل: أمدح بيت قالته العرب، قوله:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل «١»
وقال الرستمي:
ولم يغلّقوا أبوابهم دون ضيفهم ... ولا شتموا خدّامهم ساعة الأكل
إذا تغدّى رفعت ستوره
وقال آخر:
وإذا حضرنا الباب عند غدائه ... أذن الغداء لنا برغم الحاجب
ولما عرس جعفر بن يحيى بابنه علي بن عيسى بن ماهان، جعل الطعام في الشوارع، فكلّ من شاء أكل، وجعلت الغوالي «٢» في مراكن من ذهب فمن شاء تطيب ومن شاء أخذ وانصرف.
وكان عبيد الله بن عباس ﵄ يسمّى معلم الجود، وهو أول من وضع الموائد على الطريق وكانت نفقته كل يوم خمسمائة دينار.
النّازل الرّوابي والأطراف
وقال أبو فراس:
لنا بيت على عنق الثريّا ... رفيع مذاهب الأطناب سامي «٣»
تظلله الفوارس بالعوالي ... وتفرشه الولائد بالطّعام «٤»
وقال ابن هرمة:
أغشى الطريق بقبّتي ورواقها ... وأحلّ في نشز الربا فأقيم «٥»
قيل للحسن ﵁ كيف نزلت بالأطراف، فقال: هي منازل الأشراف يتناولون من أرادوا بالقدرة عليه ويتناولهم من أرادهم بالحاجة إليهم.
المبادر إلى حمل الضّيف
قال شاعر:
وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل
فأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل
стр. 744
المسرور بمجيء الضّيف وشاكره عليه
قال دعبل:
الله يعلم أنّني ما سرّني ... شيء كطارقة الضيوف النزّل
ما زلت بالترحيب حتّى خلتني ... ضيفا له والضيف ربّ المنزل
وله:
نغمات الضّيف أحلى عندنا ... من ثغاء الشاء أو تلك الوغا «١»
وقال آخر:
لم يطيقوا أن يسمعوا فسمعنا ... فصبرنا على رحى الأسنان
صوت مضغ الضيوف أحسن عندي ... من غناء القيان بالعيدان
وقال الحرمازي:
لضيفي على الطّول ما دام نازلا ... عليّ وفوق الطول ما استوطن الرحلا «٢»
المحتشد لأضيافه
قال بعضهم:
فتى لا تعد الرسل تقضي ذمامه ... إذا نزل الأضياف أو تنحر الجزر
وقال بعضهم: دعا فأحسن قرانا وبرح حتى لم يبق في داره ما يتفقدنا به مرة أخرى.
وقيل لبعض ما اتخذ دعوة: أسرفت، فقال: ليس في الشرف سرف. وقال الحسن فيما ظن لرجل أو لم أسرف فليس في الطعام سرف. قال كشاجم:
كأنّ الزائرين إذا أتوه ... مفاجأة أتوه على تعاد «٣»
الحثّ على ترك التكلّف وتعجيل الحاضر
قال النبي ﷺ : هلاك بالرجل أن يدخل عليه النفر من أصحابه فيحتقر ما في بيته أن يقدم إليهم، وقال: لا أحب المتكلفين. دعي أمير المؤمنين إلى دعوة فقال: على أن لا تحتشد ما ليس عندك ولا تحتبس ما عندك. وقال بكر المزني: إذا أتاك ضيف فلا تنتظر به ما ليس عندك وتمنعه ما هو عندك، قدم إليه ما حضر. وقيل: الضيف إلى القليل العاجل أحوج منه إلى الكثير الآجل، أما سمعت قول الله تعالى: فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ
«٤» وقال تعالى: إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ
«٥» ، وقال بعض العلوية:
إذا طرقت فما حضر ... وإذا دعوت فلا تذر
стр. 745
عذر من قدّم ما حضر
نزل ضيف بأعرابية فقدمت له خبزا يابسا ولبنا حامضا، فذمّها وقال:
ألم تر أن المرء من ضيق عيشه ... يلام على أخلاقه وهو معذر
وما ذاك من لؤم ولا من ضراعة ... ولكنّه إن يطبل الدهر يزّمر «١»
وقال آخر:
إذا أنت لم تشرك رفيقك في الذي ... يكون قليلا لم تشاركه في الفضل
وقال آخر:
أقلّ عارا إذا ضيف تضيّفني ... ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك نائله ... ومكثر من غنى سيّان في الجود
عذر من لم يقدر
استضاف قوم ابن هرمة فخرجت بنيّة له فصرفتهم واعتذرت إليهم، فقالوا لها: أليس أبوك القائل:
لا أمنع العود بالفصال ولا ... أبتاع إلّا قريبة الأجل
قالت: هذا الفعل هو الذي ترككم بلا قرى. وقال رجل لمن سأله فلم يعطه فعاتبه:
بيتي يبخل لا أنا.
عتب من لم يرض بما حضر
قال شقيق: دخلنا على سلمان، فقدم إلينا شيئا، وقال: لولا أن النبي ﷺ نهانا أن نتكلف للضيف لتكلّفت لكم. فجاءنا بخبز وملح فاقترحنا عليه السعتر فذهب بمطهرته، فلما أكلنا، قال أحدنا: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا، فقال سلمان: لو قنعكم لم تكن مطهرتي «٢» مرهونة. وقيل: ليس بكريم من لم يقنع بما حضر.
مدح من آثر على نفسه أو أهله
نزل ضيف على أنصاري، وكان عنده شيء طفيف فأحضره، وأطفأ السراج ليأكل الضيف فلا يشاركه فيه، فلما أصبح قال النبي ﷺ : عجب ربكم تعالى البارحة منكم فأنزل الله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
«٣» وقال صوفي لآخر: كيف يعمل فقراؤكم، قال: إذا وجدوا أكلوا وإذا عدموا صبروا، فقال: هذا فعل الكلاب إن الفقير منّا إذا عدم صبر وإذا وجد طعاما آثر به غيره. وقال مالك بن دينار يوما: ما أكلت
стр. 746
العام رطبة، وكان حوله سبعمائة في تلك السنة لحطمة نالتهم. قال شاعر:
وزاد رفعت الكفّ عنه تكرّما ... إذا ابتدر القوم القليل من العقل
وقال آخر:
كريم مكان الكفّ من ذي إنائه ... إذا قلّ زاد القوم من جانب اليد
وقال آخر:
سأقدح من قدري نصيبا لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلي
المساعد ضيفه في مؤاكلته
قال النبي ﷺ لبعض نسائه: آكلي ضيفك، فالضيف يستحي أن يأكل وحده. وكان ملوك الهند يؤاكلون أضيافهم وملوك الفرس يأكلون بعدهم.
قال بعضهم:
حسن أكل الفتى يدلّ على إينا ... سه ضيفه وبسط أكيله
وتراه يفلّ منه ويدعو ... ذاك أضيافه إلى تبخيله
وقال آخر:
وزاد وضعت الكفّ فيه تأنّسا ... وما فيه لولا أنسة الضّيف من أكل
المساعد رفقاءه بذات يده
قال بعضهم:
وإني إذا ما ضمّني السير والسّرى ... جعلت مطايا الرحل منّا تعاقبا
فأوسع ركبان الفيافي مزاودي ... وما زال مأدومي لصحبي تناهبا «١»
أأوب وقد نفضت ما في حقائبي ... جميعا إذا ردّ اللئام الحقائبا
وقال أرطأة بن سهية:
وما دون ضيفي من تلاد تحوزه ... لي النفس إلا أن تصان الحلائل
الحثّ على إكرام الضّيف
قال النبي ﷺ : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، وقال ﷺ : ليس مني من بات شبعان وضيفه بطنه طاو. وقال عمرو بن الأهتم:
وجاري لا يهيننّه وضيفي ... إذا أمسى وراء البيت كور «٢»
стр. 747
وقال آخر:
والضيف أكرمه فإن مبيته ... حق ولاتك لعنة للنزل
مدح القائم بخدمة الضّيف
قال الله تعالى: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ
«١» ، قيل: وصفهم بذلك لأنه قام بخدمتهم بنفسه. قال المقنع:
وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... ولا فيّ إلا تلك من شيمة العبد
وقال:
وعبد للصّحابة غير عبد
وقال جحظة البرمكي:
يا أمّ طارق ليل قد ألمّ بنا ... استغنمي أجره فالأجر مغتنم
كوني له أمة فيما يحلّ له ... ورفّهيه ففي ترفيهه كرم
ونزل ضيف بجعفر بن أبي طالب ﵁، فتخفّف هو وغلمانه عند نزوله وعاونوه في حلوله، فلما أراد الإرتحال عنهم لم يعنه غلام، فشكاهم، فقال: إن غلماننا لا يعينون على الإرتحال عنّا.
الاستقصاء على الأكيّل مدحا وذمّا
قال ابن عون: ما رأيت أسخى بالطعام من الحسن وابن سيرين. وكان الحسن ﵁ يقول: الطعام أهون من أن يحلف عليه، وكان ابن سيرين يحلف بقول: أقسمت لتأكلن. قال دعبل:
كيف احتيالي لبسط الضيف من حصر ... عند الطّعام فقد ضاقت به حيلي
وقدّم رجل إلى الشعبي طعاما فقصّر في أكله، فقال: قصرت، فقال: يا هذا أما أن تحلف علينا أو تدعنا. وقال ابن عباس ﵄: ما من داخل إلا وله حيرة فابدأوه بالسلام، وما من مدعو إلى طعام إلا وله حشمة فابدأوه باليمين.
محادثة الأكيّل
كره قوم الحديث على المائدة واستحبه قوم، ومن صاحب الدعوة أحسن، ولذلك قال الشاعر:
صادف أنسا وحديثا ما اشتهى ... إنّ الحديث طرف من القرى «٢»
وقيل: محادثة الإخوان تزيد في لذة الطعام.
стр. 748
وقال أحمد بن أبي طاهر:
وأكثر ما ألذّ به وألهو ... محادثة الضّيوف على الطّعام
وقيل: من أكثر الكلام على طعامه غش بطنه، وثقل على إخوانه.
مضاحكة الأضياف
قال شاعر:
أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ويخصب عندي والمحلّ جديب
وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنّما وجه الكريم خصيب
وقال أعرابي:
نقريهم الوجه ثمّ البذل يتبعه ... لا نترك الجهد منّا قلّ أو كثرا «١»
وقال آخر:
أبسط وجهي للضيوف النزّل ... والوجه عنوان الكريم المفضل
فضل الاجتماع على الأكل
شكا رجل إلى النبي ﷺ قلّة البركة في طعامهم، فقال: لعلكم تتفرقون على طعامكم، قال نعم، قال: اجتمعوا عليه واذكروا اسم الله لديه. وقال ﷺ : ألا أخبركم بشراركم، من أكل وحده وضرب عبده ومنع رفده. وكانت العرب تعد التفرد بالأكل احتقاب وزر «٢» حتى أنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً
«٣» ، وقال أبو أمامة في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
«٤» أنه الذي يأكل وحده، قال شاعر:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإنّي لست آكله وحدي
وقال عبد الله بن المعتز في اجتماع الأيدي على الطعام:
كأن أكفّ القوم في جفناته ... قطا لم ينفره عن الماء صارخ «٥»
من نحر سمان الإبل للضّيف
وصف أعرابي رجلا فقال: نحر لنا ذا سديف مسرهد «٦» ونيء غير مصرد، فقدّمه في جفان كالجوابي «٧» وقدور كالخوابي.
стр. 749
قال العجير السلوي:
وإن ابن عمّي لابن زيد وأنه ... لبلال أيدي حلّة الشول بالدم «١»
وقال ابن المعتز:
والسيف راعى إبلي في المحل ... يسلمها إلى قدور تغلي
يرقل فيها بالوقود الجزل ... لرقالها في السير تحت الرحل «٢»
وقال المتنبي:
تفري صوارمه الساعات عبط دم ... كأنما الساع قفّال ونزّال «٣»
من نحرها له لمّا قلّ لبنها
قال لبيد:
إذا ما درّها لم يقر ضيفا ... ضمن له قراه من الشّحوم
وقال عوف بن الأحوص:
إذا الشّول راحت ثم لم يغد حملها ... بألبانها ذاق السنان عقيرها «٤»
الخائف إبله النّحر
قال أبو هرمة:
وكانت تطير الشول عرفان صوته ... ولم تمس إلا وهي خائفة العقر «٥»
وقال أبو فراس:
وتصبح الكوم أشتاتا مروعة ... لا تأمن الدهر إلا من أعاديها «٦»
من لا يبقي إلله لحسنها عن النّحر
قال بعضهم:
إذا أخذت بزل المخاض سلاحها ... تجرّد فيها متلف المال كاسبه»
وقال البسامي:
ترى إبل البخيل لها سلاح ... تهاب وما لإبلي من سلاح
تناوح إن رأت شخصا غريبا ... يوافي عند هبّات الرياح
стр. 750
الموقد ناره للأضياف
قيل لأعرابي: ممن أنت؟ قال: ممن لا يزجر وفودهم ولا يسر وقودهم. وقيل لآخر مثله، فقال: ممن يهتدي برأيه الصحب ويستدل بناره الركب. وقال آخر: لهم نار وارية الزناد «١» قديمة الولاد تضيء لها البلاد ويحيى بها العباد.
وقال مضرس:
وإني لأدعو الضيف بالضرّ بعد ما ... كسا الأرض نضّاح الجليد وجامده «٢»
وقال آخر:
له نار تشبّ بكلّ قاع ... إذا النيران ألبست القناعا
وقال ابن مطرود:
أوقد النار بالفضا حين لم ير ... ض نباح الكلاب للأضياف
وقال كعب الأشعري:
رفعوا الوقود على الجبال ترفّعا ... أن يستدلّ عليهم بنباح
وقال ابن ميادة:
وناراه نار يجذب الضيف ضوؤها ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها
وأما قول الآخر:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ... تجد حطبا جزلا ونارا تأجّجا «٣»
فلم يتبجح إلا بوجود الحطب والنار في اللفظ، وقد أحسن القائل:
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد
المتبجّح بأنّ كلابه تسرّ بمجيء الضّيف
قال جرير:
حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... يفيض إلى الكوماء والكلب أبصر «٤»
وقال آخر:
وكلبك أبصر المعتفين ... من الأمّ بابنتها الزاهدة
وقال عبد الأعلى العبدي:
فللكلب لمّا أن هداه إلى القرى ... نصيب وللنّور الدليل نصيب
وقال ابن هرمة:
ويدلّ ضيفي في الظلام على القرى ... إشراف ناري أو نباح كلابي
стр. 751
حتّى إذا واجهته وعرفته ... فديته ببصابص الأذناب «١»
وقال آخر:
يبصبص كلبنا إن جاء ضيف ... ويقتل إن ترمرم بالهرير «٢»
المتبجّح بأنّ كلابه لا تهرّ على الضّيف
قال حسّان بن ثابت:
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم ... لا يسألون عن السّواد المقبل «٣»
وقال آخر:
وما يك فيّ من عيب فإنّي ... جبان الكلب مهزول الفصيل
قال الأصمعي لبعض الأعراب: ما تعرفون من مكارم الأخلاق؟ قال: تضيء نارنا للضيف ولا تنبح كلابنا، ونقريه وجوهنا قبل طعامنا.
قال الفرزدق:
وإنّي سفيه النّار للمبتغي القرى ... وإنّي حليم الكلب للضيف يطرق
فجمع بين سفه النار وهو فرط التهابها وحلم الكلب، وذلك بديع.
البارز قدره
قال بعض بني غطفان:
قد وري بصحراء منصوبة ... ولا تمنع الضيف أسجافيه «٤»
وقال حاتم:
لا تستري قدري إذا ما طبختها ... عليّ إذا ما تطبخين حرام
وقال الراعي:
إني أقسم قدري وهي بارزة ... إذ كلّ قدر عروس ذات جلباب «٥»
العظيم قدره
قال حسّان:
رأيت قدور الصاد حول بيوتنا ... قنابل دهما في المباءة صيما «٦»
стр. 752
وقال آخر:
نصبنا له جوفاء ذات ضبابة ... من الدهم مبطانا طويلا ركودها «١»
ولما قال مضرس:
وقدر كحيزوم النّعامة أحمشت ... بأجذال خشم زال عنها هشيمها «٢»
سمع ذلك زياد الأعجم، فقال: وما حيزوم النعامة لعن الله هذه من قدر، فما أحسبها تشبع آل مضرس، فقيل له: فكيف تقول أنت؟ قال أقول:
وقدر كجوف الليل أحمشت غليها ... ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل
لو أن بني حواء حول رمادها ... لما كان منهم واحد غير مصطل
غليان القدر
قال الفرزدق:
كأن المجال الغرّ في حجراتها ... عذارى بذت لمّا أصيب حميمها «٣»
وقال دعبل:
وباتت قدرنا طربا تغنّي ... علانية بأعضاء الجزور «٤»
وقال الكميت:
كأن هرير الغلي في جنباتها ... تغيّظ غيرن عند بعض الضرائر «٥»
وقال الشاعر:
وقدور على اليفاع ينادي ... الضيف منها تغيّظ الغليان «٦»
وقد زاد هذا الشاعر حيث زعم أن غليان قدره يدعو أضيافه، وإن كان فيه غلو معن بن زائدة في وصفه:
إذا اختلفت أوصالها فكأنّما ... يزعزعها من شدّة القلي أفكل «٧»
وقال آخر:
كأن صياح الغلي في سجراتها ... بغايا عليهنّ الحلي يقعقع «٨»
стр. 753
وقال عامر بن الصلتان:
كأنّ تتابع الغليان فيها ... فوارس عامر تبغي قراعا
العظيم الجفان
قال الأعشى:
يروح على آل المحلّق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق «١»
وقال السفاح بن بكيرة:
الماليء الشّيزى لأضيافه ... كأنّها أعضاد حوض بقاع
وقال أبو خراش:
نقاتل جوعهم بمكلّلات ... من الفرنيّ يرعبها الجميل «٢»
المكثر مرقه لمّا قلّ لحمه
قال زيد الفوارس:
وسّع بمدّك ماء اللحم تقسمه ... وأكثر الشرب إن لم يكثر اللبن
وقيل: أكثروا المرق، فإنه أحد اللحمين.
المرخص لحمه مطبوخا
قال شبيب بن البرصاء:
وإنّي لأغلي اللحم نيئا وإنني ... لممّن يهين اللحم وهو نضيج
وقال بعض بني ضبة:
أرى ذاك في عيني قبيحا وللفتى ... سوى الجار ربح في التجارة واسع
(٦) وممّا جاء في البخلاء بالقرى
بخيل بالطّعام متجوّز
قال ابن الحسن العصفوري:
لا تكارم تشبّها بالكرام ... ليس تخفى الوجوه عند الطّعام
стр. 754
من لا يحتشد لضيفه إلّا بعد حضوره
قال شاعر:
خاف الضياع على شيء يعجله ... من المآكل إن أصحابه ثقلوا
فما يقلّ على العجلان برمته ... حتّى يرى أنّهم في الدار قد حصلوا «١»
وحكى عن بعض البخلاء أنه رؤي في داره جمل قد نبر وجعل سميطا، وهو يجول في داره، قال فسألته عنه، فقال: إنا دعونا قوما فخفنا أن يتأخروا فجعلنا الجمل على هذا لكي إن حضروا سهل إصلاحه وإن تأخروا لم يلحقنا ضرر بذبحه.
من قلّ في دعوته الطّعام
أكل رجل مع بعض الهاشميين فكان على مائدته أرغفة متبدّدة، فلما فرغ من رغيفه، قال: يا غلام فرسي، فقال الهاشمي: وما تصنع به قال أركبه إلى ذلك الرغيف. وقال وهب بن شاذان:
مات في عرس سليما ... ن من الجوع جماعه
مات أقوام وقوم ... علموا فيه القناعه
لم يكن ذلك عرسا ... إنما كان مجاعه
وقال بعضهم: من ضاف فلانا استغنى عن الكنيف وأمن التخمة.
قال محمد بن يوسف:
أبني سعيد إنكم من معشر ... لا يعرفون كرامة الأضياف
قرنوا الغداء إلى العشاء وقرّبوا ... زادا لعمر أبيك ليس بكاف
بينا كذلك جاءهم كبراؤهم ... يلحّون في التبذير والإسراف
وأضاف رجل أعرابيا فلم يأته بشيء يأكله، حتى غشى عليه من الجوع، فأخذ يقرأ عليه القرآن، فقال:
لخبز يا أخي عليه لحم ... أحبّ إليّ من حسن القرآن
تظلّ تدهده القرآن حولي ... كأنّي من عفاريت الزّمان «٢»
من لا تمسّ يد ضيفه طعامه. قال شاعر:
أما الرغيف لدى الخوا ... ن فكالحمام لدى الحرم
ما أن يحسّ ولا يم ... سّ ولا يذاق ولا يشم
стр. 755
وقال المصيصي:
يضع الطعام وليس إلا شمّه ... علقت روائحه بأنف الزائر
فعلى جليسك غسل عينيه إذا ... رفع الخوان مع الهجاء السائر
وقال جحظة:
طوبى لمن يشبع من خبزكم ... فهو على مهجته آمن
من شبع وضيفه جائع
قال فضالة:
وحسب الفتى لؤما إذا بات طاعما ... بطينا وأمسى ضيفه غير طاعم
وقال آخر:
وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه
قال الأعشى في علقمة:
تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا «١»
فقال علقمة: فضحني والله، اللهم أخزه إن لم يكن صادقا.
من يؤذي ولا يقري
قال بعضهم:
إن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يدركنا ما تنضج النّار
وقال آخر:
لا يرتجي الجار خيرا في بيوتهم ... ولا محالة من شتم وإلغاب «٢»
المنفرد عن أصحابه بالأكل
قال بعضهم:
يروغ ويأكل في جفنة ... وأكباد ضيفانه جائعه «٣»
وقيل للجماز: من يحضر مائدة الهبيرا، فقال: أكرم خلق الله الكرام الكاتبون.
واصطحب رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال حتى نأكل معا، وقال: معي خبز ومعك خبز، فلولا أنك تريد الشر لأكلت وحدك. وقيل لآخر: ألا تأكل معنا؟ فقال: الجماعة مجاعة. قال الشاعر:
الآكلون خبيث الزّاد وحدهم ... والسائلون بظهر الغيب ما الخبر «٤»
стр. 756
ومر رجل بآخر يأكل فسلم عليه فقال له: هلمّ. فهمّ الرجل أن يقعد معه، فقال الآكل: رفقا أما عرفت هذا ما هو؟ فقال: ما هو؟ قال: عليّ أن أقول هلمّ، وعليك أن تقول هنيئا، حتى يكون كلاما بكلام. فقام الرجل، فقال: قد أعفيتك من التسليم ومن تكليف الرد، فقال: قد أعفيت نفسي إذا من هلمّ.
قال شاعر:
وجيرة لا ترى في النّاس مثلهم ... إذا يكون لهم عيد وإفطار
أن يوقدوا يوسعونا من دخانهم ... وليس يدركنا ما تنضج النّار
المستأثر بسنى الطّعام على الضّيف
قيل: كان مالك بن المنذر يقدم إليه ثريدة بلقاء ما يليه منها حواري، وما يلي الناس خشكار، فقال شاعر:
أمير يأكل الفالوذ فردا ... ويطعم ضيفه خبز الشّعير
وقال أبو بكر بن أبي سعيد لأبي الفضل بن العميد وقد استبد بأكل طعام دون ندمائه: أيها الأستاذ هذا من الصفايا، أراد به قول الشاعر:
لك المرباع منها والصّفايا «١»
وقال: وقد قدّم طعام فمدّ أبو الفضل سبط العميد يده فتناوله، فقال: أنت كما قال:
أبوك لنا غيث نعيش بسيبه ... وأنت جراد لست تبقي ولا تذر «٢»
من حرد لتناول أكيله ما بين يده
أكل أعرابي مع سليمان بن عبد الملك، فتناول الأعرابي من بين يديه شيئا فأكله، ثم مدّ يده فتناول شيئا آخر، فقال سليمان: كل ممّا يليك، فقال: أو ههنا حمى، فقال: خذها لا هنأ لك المرتع.
وأكل صعصعة مع معاوية فأخذ شيئا من بين يديه، فقال معاوية: انتجعت، فقال: من أجدب انتجع ومن لم يعد الجواب انقطع. وأكل آخر مع معاوية فجعل يمزق جديا على المائدة ويمعن في أكله، فقال معاوية: إنك تحرد عليه كأن أمه نطحتك، فقال الرجل:
وإنك المشفق عليه كأن أمه أرضعتك.
ذمّ من لا يظفر بخبزه
قيل لرجل: كيف وجدت فلانا؟ قال: كان بي الجوع فانتظرت الطعام فأبطأ
стр. 757
حتى درسته بمضغ اللبان مخافة النسيان. قال ابن باذان:
قد علمنا أنّ في دا ... رك ما يكفي قبيله
ورأينا عرض بستا ... نك والفرش النبيله
غير أن الجنّ لا تق ... در في خبزك حيله
وقال شاعر:
لو دخلت منزله ذرة ... لم تجد الذرة ما تأكل
وقال آخر:
قد فرّ من منزله فأره ... وعاذ بالجيران مسترزقا «١»
هو مأخوذ من قول امرأة لزوجها: والله ما تقيم الفأرة في دارك إلا لحب الوطن.
وقال أبو نواس:
وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... تصوّر في بسط الملوك وفي المثل «٢»
وقال آخر:
وخبزك غير منقطع التّراب
وقال بعضهم: خبزه في الهواء لا يوصل إليه إلا بسلم من زبد في يوم صائف.
الصّغير الأواني
ذمّ رجل آخر، فقال: غضائره «٣» مساق وألوانه أواق. وقال آخر: فلان دعواته ولائم وأقداحه محاجم وكؤوسه محابر ونوادره بوادر. قال أبو نواس:
رأيت قدور الناس سودا من الصلى ... وقدر الرقاشيين زهراء كالبدر»
يبينها للمعتفي بفنائهم ... ثلاث كحظّ الثاء من نقطة الحبر
ولو جئتها ملأى عبيطا مجزلا ... لأخرجت ما فيها على طرف الظّفر «٥»
وقال معن بن زائدة:
وقدر ككف القرد لا مستعيرها ... يعار ولا من ذاقها يتدسّم
الصّغير الرغفان
قال الخوارزمي:
كأنّ رغفانه إذا وضعت ... عشور نقط كتبن في ورق
стр. 758
وقال البسامي:
أتانا بخبز له حامض ... شبيه الدراهم في حليته
يضرس آكله طعمه ... وينشب في الحلق من خشنته «١»
فلمّا تنفّست عند الخوان ... تطاير في الجوّ من خفته
من يصعب عليه كسر رغفانه
قال اليزيدي: سيان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه.
ونحوه:
كأنّما كلّ لقمة أكلت ... منزوعة من يديه مختلسه
قال جحظة:
ولمّا كسرت له جردقا ... ومن ذا يطيق له كسر جردق «٢»
تغيّر لي عن جميع الوداد ... فصار جريرا وصرت الفرزدق «٣»
الصّائن طعامه الباذل عرضه وأهله
قال شاعر:
وبات رخيصا عنده صون عرضه ... ورغفانه في النّاس جدّ نوال «٤»
وقال وهب:
قد كان يعجبني لو أن غيرته ... على جرادقه كانت على حرمه
وقال عبدان:
رغيفك في الأمن يا رستمي ... يحلّ محل حمام الحرم
فلله درّك يا سيّدي ... حرام الرغيف حلال الحرم
وقيل لبخيل: إنك تكرم خبزك وتهين لإكرامه نفسك، فقال: كيف لا أفعل ذلك والخبز هو الذي أخرج حواء وآدم وإبليس والطاوس من الجنة بسببه؟
المعيّر ضيفه بكثرة أكله والمانع
قال رجل لبعض الكبار: لم لا تدعوني لدعوتك؟ فقال: لأنك جيد المضغ شديد البلع، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى، فقال: أتريدني إذا أكلت لقمة أن أصلّي ركعتين بين كل لقمتين.
وصنع أعرابي طعاما ودعا إليه صديقا فلما أراد أن يمدّ يده، قال له: مهلا لا تصفعها
стр. 759
ولا تشرمها ولا تقعرها، أي لا تأكل من أعلاها ولا تخرقها ولا تأكل من أسفلها.
وقال بعضهم لآخر: لم لا تدعوني؟ فقال: لأنك تعلق وتشدق وتحدق، أي أن تحمل واحدة في يدك وأخرى في شدقك وتنظر إلى أخرى بعينك.
مرق قليل الدّسم واللّحم
تغذى الجماز عند هاشمي فمرّ الغلام بصحفة فقطر منها قطرة على ثوب الجماز، فقال الهاشمي: ائته بطست يغسلها، فقال الجماز: دعه فمرقتكم لا تغير الثياب، أي لا دسم لها. قال جحظة:
قدّم سكباجة مزوّرة ... أحمض من وجهه إذا أكلت
وقال ابن سكرة:
أكلت بالأمس جزورية ... تخبر عن خسّة أربابها
للحم فيها أثر دارس ... كأنّما مرّ على بابها «١»
وكان رجل في دعوة، فأخذ عراقا فلم يجد عليه لحما فوضعه، وأخذ آخر، فقال صاحب الدار: ألعب بعسك. ووجد آخر قدرا كثيرة العظام، فقال: أطبخت الشطرنج أو أسنان الزنج. وقال آخر: أقدر هذه أم قبر؟
من يصعب عليه أكل طعامه
وقال عباد:
كأنّما الآكل من خبزه ... يقلع منه شحمة العين
وقال آخر:
يرى أنّه من بعض أعضائه أكلي
وقال أحمد بن أبي طاهر:
لو لم تكن حركات المضغ تؤلمه ... لكان أكثر خلق الله إخوانا
وأكل أشعب عند زياد الحارثي مضيرة فأمعن فيها، فقال: ليس لأهل السجن من يصلّي بهم التراويح في رمضان فليحمل أشعب ليصلّي بهم، فقال أشعب: الطلاق لي لازم لا أذوق المضيرة، فاستحيا زياد وتركه.
بعث رجل إلى امرأته بلحم طفيف فطبخته لونا فلما جاء قدمته إليه، فقال: كم طبخت؟ قالت: لونا واحدا، فقال: أنت طالق، قد كانت لي امرأة قبلك إبعث إليها بجرادة فتطبخ منها سبعة ألوان غير القديد.
стр. 760
ذمّ المتأمّل أكيله
أكل أعرابي مع معاوية فرأى معاوية في لقمته شعرة، فقال: خذ الشعرة من لقمتك، فقال: وإنك لتراعيني مراعاة من يبصر معها الشعر، والله لا آكلتك بعدها. وقال بعضهم:
فلان عينه دولاب لقمة أكيله. وقال حاتم:
وللموت خير من زيارة تاجر ... يلاحظ أطراف الإكيل على عمد
الشّاتم غلمانه على الطّعام
قال أبو نواس:
رأيتك عند حضور الطّعام ... سريعا إلى العبد والعبده
وتحشد حتّى يخاف الأكيل ... شراك عليه من الجعده «١»
وقال جحظة:
إن كنت تهوى أن أزو ... رك أو حننت إلى الزّيارة
فدع الشتيمة للغلا ... م إذا دنوت من الغضاره «٢»
المغلق بابه عند الأكل
قال بعض المبخلين لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال يا مولاي: هذا خطأ أغلق الباب أولا ثم أقدم الطعام، فقال: إذهب فأنت حرّ لعلمك بأسباب الحزم.
قال بعضهم:
قوم إذا أكلوا أخفوا كلامهم ... واستوثقوا من رتاج الباب والدّار «٣»
وقال جحظة:
القاطعين مخافة الإ ... نفاق أسباب الصّديق
وقال الرقاشي:
تراهم خشية الأضياف خرسا ... يقيمون الصّلاة بلا أذان «٤»
المعتذر إلى أضيافه لبخله
قيل: المعذرة طرف من البخل، وقال زيد الأرانب لما سئل عن خزاعة، قال: جوع وأحاديث.
وقال جرير:
والتغلبيّ إذا تنحنح للقرى ... حكّ إسته ومثّل الأمثالا
وقال: رميت الأخطل ببيت لو نهشته الأفعى في إسته ما حكّه.
стр. 761
المانع كلبه والدّافن ناره خشية الطرّاق
قال الحطيئة:
دفعت إليه وهو يكعم كلبه ... ألا كلّ كلب لا أبا لك نابح
وقال زياد الأعجم:
وما ترك الكلب النباح مخافة ... على زادهم لكن على النفس يحذر
وقال عقبة بن مرداس:
نيرانهم محجوبة ونساؤهم ... مبذولة وصحيحهم مكلوم «١»
وقال آخر:
كأن كلابهم والليل داج ... كهول لا يحبّون السفاها «٢»
وقال آخر:
قوم إذا النيران شبّت للقرى ... بالت بناتهم على النّيران
وقال آخر:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النّار
الآكل في وقت يأمن فيه الزّوّار
قال رجل: إنا لا نأكل إلا نصف الليل، فقيل لمه، قال: يبرد الماء وينقمع الذباب ونأمن فجأة الداخل وصرخة السائل.
النّظيف المطبخ والطّبّاخ
قال شاعر:
مطبخ داود من نظافته ... أشبه شيء بصرح بلقيس «٣»
ثياب طبّاخه إذا اتسخت ... أنقى بياضا من القراطيس
وقال البسامي:
مطبخه قفر وطبّاخه ... أفرغ من حجام ساباط «٤»
البخيل بالماء
قال أبو الشيص:
شرابك في السّماء إذا عطشنا ... وخبزك عند منقطع التراب
стр. 762
وما روحتنا لتذبّ عنّا ... ولكن خفت مرزية الذباب «١»
وقال آخر:
الماء في منزله طرفة ... يشربه الضيف بمقدار «٢»
المقتّر على نفسه بخلا
قال بعض البخلاء: ترك الغداء للعشاء ربح العشرة عشرة.
قال ابن الرومي:
يقتّر عيسى على نفسه ... وليس بباق ولا خالد
ولو يستطيع لتقتيره ... تنفّس من منخر واحد
وقيل: أهل الكوفة إذا عتق عندهم التنور وتكثّر دققوه وجعلوه في الفتيت لما تشرب من الخبز. وقيل: إن بعض البخلاء حقن فلما حركه الطبع دعا بطست فقعد عليه، وقال للغلام: ضف هذا الدهن للسراج. وقال رجل لغلامه: اشتر من لحم وأطبخه سكباجا لأعتقك، ففعل فأكل المرق وترك اللحم، فلما كان اليوم الثاني، قال: أطبخه مضيرة ففعل، فأكل المرق وترك اللحم، فلما كان اليوم الثالث، قال: أطبخه قلية ففعل، فقال له العبد: يا سيدي أعتق هذا اللحم واتركني رقيقا، فلقد آذيتني من كثرة ما أعذبه بالنار.
وكان بعض الكبار توضع على مائدته كل يوم دجاجة فلا تؤكل بل ترفع، ثم تسخن في اليوم الثاني. وتقدم فتترك بحالها، فقال بعض الحاضرين: دجاجتنا هذه من آل فرعون تعرض على النار غدوّا وعشيّا.
المتبجّح بجفائه للضّيف
قال شاعر:
وأجبه ضيفي حين يحتلّ ساحتي ... بسيفي ولا أرضى بما يفعل الكلب
وقال آخر:
وأنا لنجفو الضيف من غير عشرة ... مخافة أن يضرى بنا فيعودا «٣»
وقال آخر:
أعددت للضّيفان كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من أرزن «٤»
ومعاذرا كذبا ووجها باسرا ... وتشكّيا عضّ الزمان الألزن «٥»
стр. 763
الحد الحادي عشر في الشّرب والشّراب
(١) فما جاء في الشّرب
سبب تحريم الخمر
أصل ذلك أن رجلا من جلّة المهاجرين سكر فصلّى بالناس، وغلط في القراءة فأنزل الله تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«١» فشربوها بعد ذلك في غير وقت الصلاة، ثم شرب أنصاري فشجّ رأس صاحب له بلحيي جمل فنزل: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ
إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
«٢» ، فقالوا انتهينا يا ربنا وتركوا شربها في كل وقت. وقيل: إنما حرمت لأن حمزة ﵁ كان في شرب فسكر فاجتب سنان مشارفين لأمير المؤمنين على أناخمها إلى جانب حجرته، فدخل عليه النبي ﷺ فلامه، فقام ثملا محمرّ العينين، وقال: هل أنتم إلا عبيد وأبناء عبيدنا، فعرف النبي ﷺ فكرّ على عقبيه.
ما يدلّ على تحريم الخمر
قال الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
«٣» وهذا أول ما نزل في تحريم الخمر، ثم قال: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ
«٤» ثم قال: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ
«٥» وقال النبي ﷺ : حرمت الخمرة بعينها والسكر من كل شراب، وقيل للنبي ﷺ ألا نبيعها، فقال: ألا إن الله لعن الخمر وغارسها وشاربها وعاصرها ومعتصرها وساقيها وحاملها وبائعها وآكل ثمنها وقد أجمع المسلمون على تحريمها.
تحريم النّبيذ
قال النبي ﷺ : كل مسكر حرام، وقال: كل مسكر خمر، وقال: ما أسكر كثيره
стр. 764
فقليله حرام. وروي أن إبليس لما لعن، قال: يا ربّ اجعل لي شرابا، فقال: شرابك كل مسكر. وروي أنه نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: العنب والتمر والبر والشعير والعسل، ونهى عن الفصيخ «١» . وقال: ما خمّرته فهو خمر.
تحليله
قال النبي ﷺ : حرمت الخمرة بعينها والمسكر من كل شراب. وسمعت بعض العلماء يحتج في ذلك بقوله تعالى: تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً
«٢» فأخبر على سبيل الامتنان علينا باتخاذ السكر منه، وأخبار لا يصح فيها النسخ. ورفع إلى النبي ﷺ رجل شرب مسكرا، فأمر به فضرب، فقال:
ألا أبلغ رسول الله عنّي ... بأنّي ما سرقت ولا زنيت
شربت شريبة لم تبق عرضا ... ولا أنا لذّة منها قضيت
فقال ﷺ : لو علمت ما ضربته.
استحضر عيسى بن موسى ابن عياش وابن إدريس فسألهما عن النبيذ، فقال ابن عياش: حلال، وقال ابن إدريس: حرام، فقال ابن عياش: أدركنا أبناء الصحابة والتابعين بهذه المدة يشربونها في الولائم حلالا كانت أو حراما، وبكاؤنا على أصل الدين أشد من بكائنا على النبيذ.
سئل بعض القدماء عن نبيذ العسل، فقال: حرام، فقيل لم؟ قال: لأنكم لا تؤدون شكرها. وقال بعضهم: سقاني عمر بن الخطاب ﵁ نبيذا شديدا، وقال: إنا نأكل لحوم هذه الإبل فنشرب عليها النبيذ الشديد ليقطعها في بطوننا. وأتي النبي ﷺ بنبيذ فشمّه وقطب وجهه ثم ضربه بالماء، وقال: إن هذا الشراب سيغتلم ويشتد فما عليكم فافعلوا به هكذا.
وقال حفص بن غياث: كنت عند الأعمش وعنده نبيذ فاستأذن قوم من أصحاب الحديث فسترته بمنديل فكرهت أن أقول لئلا يراه الداخلون، فقلت: لئلا يقع فيه الذباب، فقال: هيهات هو أمنع جانبا من ذلك.
قال النخعي: كانت الرواية كل سكر حرام فزادوا فيه الميم، وليس ما قاله بصحيح.
نوادر في تحليله
قال ابن أبي ليلى لأبي حنيفة: أيحل النبيذ وبيعه وشراؤه؟ قال: نعم، قال: أفيسرك أن أمك نباذة. فقال أبو حنيفة: أيحل الغناء وسماعه؟ قال: نعم، قال: أفيسرك أن أمك مغنية؟
ووضع رجل بالكوفة على باب المسجد نبيذا بين يديه وجعل ينادي: من يشتري
стр. 765
رطلا بدرهم بتحليل أبي حنيفة، فقال له أبو حنيفة: يا رجل إنك فعلت قبيحا، فقال:
ألست حللته؟ قال: صدقت ومن الحلال انك تجامع امرأتك ولو استحضرتها الجامع وجامعتها لاستقبح ذلك.
ولقي أبو حنيفة سكران، فقال له السكران: يا أبا حنيفة يا ابن الزانية إني شربت النبيذ، فقال: ما أحسنت حيث أحللت النبيذ حتى شربه مثلك. قال شاعر:
رأيه في السّماع رأي حجازي ... وفي الشرب رأي أهل العراق
وقال بعضهم: أباح أهل الحرمين الغناء وحرموا النبيذ وأباح أهل العراق النبيذ وحرموا الغناء، فأوجدونا السبيل إلى الرخصة فيهما عند اختلافهما إلى أن يقع الاتفاق.
قال بعضهم:
من ذا يحرم ماء المزن خالطه ... في جوف باطية ماء العناقيد «١»
إنّي لأبغض تحريم الرّواة لها ... فيها ويعجبني قول ابن مسعود
يعني ما رواه من قول النبي ﷺ : تمرة طيبة وماء طهور.
وقال إبراهيم بن محمد بن إسماعيل: النبيذ من المستضعفين في الأرض يتركه من يتركه ويأتي ما هو أعظم منه.
استباحة الخمر
مرّ عمرو بن معدي كرب بعينة بن حصن فأطعمه تمرا، ثم قال: أسقيك لبنا، أو ما كنا نتنادم عليه في الجاهلية، فقال: أليس قد أمرنا بتحريمها، فقال عيينة: كلا إن الله تعالى قال: فهل أنتم منتهون، فقلنا: لا، فسكت وسكتنا، فقال عمرو: هاتها فأنت أفقه منّي.
قال بعضهم: الخمر من الجنة، لأن الله تعالى يقول في صفة أهل الجنة إنهم يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والخمر تذهب الحزن. قيل لأياس بن معاوية ما تقول في الكرم والتمر والماء هي حلال أو حرام؟ فقال: حلال، فقيل لم حرم الخمر وإنما يتخذ من ذلك؟ فقال: أرأيت لو صبّ عليك ماء وتراب وتبن أكان يوجعك؟ قال: لا، قال: فلو جمع ذلك كله وجعل لبنة وضرب به رأسك أليس يوجعك. وقال ابن الرومي:
أباح العراقيّ النّبيذ وشربه ... وقال: حرامان المدامة والسّكر
وقال الحجازي: الشرابان واحد ... فحلّ لنا من بين قوليهما الخمر
سآخذ من قوليهما طرفيهما ... وأشربها لا فارق الوازر الوزر
تعظيم السّكر واختلاف الناس فيه
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: ما ذنب أعظم من السكر، وذلك أن
стр. 766
العبد يذنب فيتصور له ذنبه، ويعلم أن الله ربه، وإذا سكر نسي ذنبه ولم يعرف ربه، وشرّ الذنوب ما فرق بين العبد وبين معرفة ربه. وروي أن إبليس قال: مهما أعجزني ابن آدم فلن يعجزني إذا سكر أن آخذ بزمامه فأقوده حيث أشاء، وأحمله على ما أريد.
قال شاعر:
وإن أمرأ يبتاع سكرا بصحّة ... لفي سكرة تغنيه عن ذلك السّكر «١»
حدّ السّكر
قيل لبعضهم: ما حد السكر؟ قال هو أن تعزب عنه الهموم ويظهر سرّه المكتوم.
وقيل: حده أن يحسن عندك ما كان قبيحا، وأخذ ذلك أبو نواس، فقال:
إسقني حتّى تراني ... حسنا عندي القبيح
وله:
لا تلمني على التي فتنتني ... وأرتني القبيح غير القبيح
وصف سكران
انتهى المأمون إلى يحيى بن أكثم فرآه ثملا نائما في الرياحين، فقال له: قم، فقال:
رجلي لا تطاوعني، فقال: خذ، فقال: كفيّ لا تواتيني، فقال فيه:
وصاحب ونديم ذي محافظة ... سبط البنان بشرب الرّاح مفتون «٢»
ناديته ورواق الليل منسدل ... تحت الظلام دفين في الرّياحين
فقلت: قم قال: رجلي لا تطاوعني ... فقلت: خذ، قال كفّي لا تواتيني
إنّي غفلت عن السّاقي فصيّرني ... كما تراني سليب العقل والدّين
وقال ابن المعتز:
مشوا إلى الرّاح مشي الرخّ وانصرفوا ... والرّاح تمشي بهم مشي الفرازين «٣»
وقال أبو الوفاء:
حتى يروح السكر فينا وقد ... قام مقام الشّكل والعقل
وقال آخر:
مزة تترك عقلي ... ذاهبا في التّرّهات
стр. 767
وقال ابن طباطبا:
جعلت أسيرا في يد الراح موثقا ... فأقبلت أمشي مشية المتقاعس «١»
تماكس رحلي في خطا استزيدها ... ولم أك في إتراعها بالمماكس»
وقيل لسكران: نبعث معك من يحفظك، فقال: لا أريد، فما مضى من عقلي في خفارة ما بقي:
لو يرى النّاس في المدامة رأيي ... لم يبيعوا ببدرة عنقودا
وقال أبو محجن:
إذا متّ فادفنّي إلى جنب كرمة ... تروّي عظامي بعد موتى عروقها
ولا تدفننّي بالفلاة فإنّني ... أخاف إذا ما متّ أن لا أذوقها
وقال عبد العزيز بن مسلم العقيلي: رأيت قبره بأرمينية تحت شجرات كرم فذكرت قوله، فتعجبت من الاتفاق الواقع له.
وقال إسحاق الموصلي:
اشرب هديت علانيه ... أمّ المروءة زانيه
اشرب فديتك وأسقني ... حتّى أنام مكانيه
ودع التستّر والريا ... ءفما هما من شانيه
وقال أبو الهندي:
يا خليليّ إجعلا لي كفنا ... ورق الكرم وقبري المعصره
إنّني أرجو غدا من خالقي ... بعد شرب الراح حسن المغفرة
وله:
أنا الشيخ الخليع فسيبوني ... لكم إسلامكم وعليّ كفري
من شرب مع إقراره بتحريمها
قيل لبعضهم: لم لا تترك النبيذ؟ قال: لا أدعه حتى يكون أسوأ عملي. قال أبو العيناء: جمعني ورسول ملك الروم مجلس المتوكل، وقد أحضر الشراب، فقال الرسول:
مالكم حرم عليكم الخمر ولحم الخنزير فشربتم الخمر وتركتم لحم الخنزير، فقلت: إن لحم الخنزير لما حرم وجد خير منه الحملان والجدي فاستغني عنه، والخمر لم يوجد خير منها فكان يستغنى به عنها.
قال عبيد الله بن عبد الله بن سلام:
وقد يشرب الإنسان ما لا يحلّه ... وتحسن أحيانا له الشبهات
стр. 768
وقال أبو نواس:
فخذها إن أردت لذيذ عيش ... ولا تعدل خليلي بالمدام
فإن قالوا حرام قل حرام ... ولكنّ اللذاذة في الحرام
وله:
لا تسقني الدّهر ما كنت لي سكنا ... إلا التي نصّ بالتحريم جبريل
إن كان حرّمها الفرقان بعد، فقد ... أحلّها قبل توراة إنجيل
الحثّ على الكناية عن ذكرها
قال ابن باذان:
ألا فاسقني صهباء من حلب الكرم ... ولا تسقني خمرا بعلمك أو علمي «١»
وقال أبو نواس:
أثن على الخمر بآلائها ... وسمّها أحسن أسمائها «٢»
الإستغناء بها عن مباشرة الأعمال ومصاحبة السّلطان
قال عبد الصمد:
يبيت ونفسه من كلّ شيء ... سوى تدبير لهو مستريحه
وقال يعقوب بن الربيع:
إذا كان عندي قوت يوم وليلة ... من الرّاح ينفي الهمّ عنّي إذا اتسع
فلست تراني سائلا عن خليفة ... ولا عن وزير للخليفة ما صنع
حفظ المدام عن اللّئام
قال بعضهم: وددت أن الكأس بألف والحر في وجه الأسد حتى لا يشرب إلا كريم ولا ينكح إلا شجاع.
قال أبو نواس:
أجلّ عن اللئام الرّاح حتّى ... كأنّ الراح يعصر من عظامي
وله:
ووقّر الكاس عن سفيه ... فإنّ حقّا له الوقار
وكان ابن الرومي في مجلس فيه ثقيل بغيض، فعرض الكاس عليه فامتنع ولام ابن الرومي، فقال له ابن الرومي:
يا لائمي في الرّاح غير مقصر ... لا زال رأيك سيّئا في الرّاح
стр. 769
فأقلّ ما في ترك مثلك شربها ... توفيرها وطهارة الأقداح
وقال ابن باذان:
صرف الكاس عن دناة لئام ... همّهم للشّقاء جمع الكنوز
الحثّ على مسابقة الزّمان بتناول المدام وتعاطي اللّذّات
قال العتابي:
بادر إلى اللذات مهما أمكنت ... بورودهنّ بوادر الآفات
كم من مؤخّر لذّة قد أمكنت ... لغدوّ ليس غد له بموات
حتّى إذا فاتت وفات طلابها ... ذهبت عليها نفسه حسرات
تأتي المكاره حين تأتي جملة ... وترى السرور يجيء في الفلتات «١»
وقد أحسن المتنبي في هذا المعنى، حيث يقول:
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها ... فمفترق جاران دارهما عمر «٢»
وقال آخر:
بادر فإنّ الزمان غرّ ... من قبل أن يفطن الزّمان
وقال آخر:
وبادر فإنّا للخطوب فرائس
وقال ديك الجن:
خذ من زمانك ما صفا ... ودع الذي فيه الكدر
فالعمر أقصر مدة ... من أن يمحق بالغير «٣»
وقال أبو الفرج الدمشقي:
وتغنم الغفلات من ... دهر يجود على الكرام
وقال الخبزارزي:
وذر الهموم نسيئة ... وتعجّل اللذات نقدا
وليزيد بن معاوية:
ومن عرف الأيام معرفتي بها ... يبادر باللذات قبل العوائق «٤»
وقال آخر:
وخذ من الدّنيا ولذّاتها ... فإنّما نحن بها عارية «٥»
стр. 770
وقال الصاحب: حضرت الوزير المهلبي يوما وقد جاءه خادم عمر المطيع، وفي يده رقعة وفيها: غنّي لنا بيتان وهما:
عرّج على الخمر وحاناتها ... واسقنا في وسط جنّاتها
وعلّل النفس ولو ساعة ... فإنّما الدّنيا بساعاتها
فاجعلهما أربع أبيات، فقال لي: تفضل، فقلت:
والرّوح في الرّاح إذا اتبعك ... بهاكها يا خشف أو هاتها «١»
وقينة تسبي بأصواتها ... نأخذ من أطيب أوقاتها
الحثّ على اعتبار الوقت في المسرّات دون ماضيه ومؤتنفه
قال أبو العتاهية:
ليس فيما مضى ولا في الذي لم ... يأت من لذّة لمستجلبيها
إنّما أنت طول عمرك ما عمر ... ت في السّاعة التي أنت فيها
وقال يزيد المهلبي:
أعجز النّاس مضيع يومه ... وهو لا يعلم ما يأتي غده
وقال ابن الحجاج:
خذ الوقت أخذ اللص واسرقه واختلس ... فوائده بالطّيب أو بالتّطايب
ولا تتعلل بالأماني فإنّها ... مطايا أحاديث النّفوس الكواذب «٢»
الحثّ على مبادرة الشّيب بتناول المسرّات والخمور
قال عبد الله بن السمط:
بادر شبابك أن يغتاله الزّمن ... واقض ما أنت قاض والصّبا حسن
وقال ابن الجهم:
فبادر بأيام الشّباب فإنّها ... تفوت وتقضي والغواية تنجلي
وقال أبو علي:
أعط الشباب نصيبه ... مادمت تعذر بالشّباب
وقال المتنبّي:
أنعم ولذّ فللأمور أواخر ... أبدا إذا كانت لهنّ أوائل
ما دمت من أرب الحسان فإنّما ... روق الشباب عليك ظلّ زائل
للهو آونة تمرّ كأنّها ... قبل يزوّدها حبيب راحل
стр. 771
ولهذا باب في الشيب والشيب
من شرب على الكبر
كان إسماعيل بن حمدون يصطبح ويغتبق خمسين سنة، ثم ترك النبيذ فعمي فعاود عادته في الشرب، فقيل له، فقال: لا يجتمع عمى وظمأ.
وقال أبو نواس:
قالوا كبرت فقلت ما قصّرت يدي ... عن أن تخبّ إلى فمي بالكاس «١»
وقال اليعقوبي:
هل لك في عذل ابن ستين درك ... شيخ إذا ما غمّه العذل فتك
فهو خليع في الضّلال منهمك
استقباح الشّرب بالمشايخ
قال بعضهم:
أبعد ستين قد ناهزتها حججا ... أحكّم الراح في عقلي وجثماني
يا قبح معتجر بالشيب من كبر ... راحت تميل به أعطاف سكران «٢»
وقال آخر:
أمن بعد ستين ناهزتها ... أعلّل قلبي بإطرابه
ترك الشّرب قبل الكبر
وقال بعضهم:
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت ... نفسي إلى الماء من ماء العناقيد
لم تنهني كبرة عنها ولا فند ... لكن صحوت وغصني غير مخضود «٣»
مخالفة اللّوّام في تناول المدام
قال أحمد بن أبي طاهر:
اسقنيها برغم من لام فيها ... من نصيح وعاذل وحسود
وقال ابن المعتز:
خليليّ طوفا بالمدام وبادرا ... بقيّة عمري والسّلام على مثلي
ألا إنّما جسمي لروحي مطيّة ... ولا بدّ يوما أن تعرّى من الرحل «٤»
стр. 772
أيا عاذلي هلا اشتغلت بسامع ... كما أنا مشغول بكاسي عن العذل
وقال البسامي:
خلّ عنّي لست من أربي ... أربي في الكاس والطّرب «١»
دونك العذب الزّلال ولي ... سعة في صفوة العنب
وقال آدم بن عبد الله بن مروان:
قل لمن يلحاك فيها ... من فقيه أو خليل
أنت دعها وارج أخرى ... من شراب سلسبيل
الحثّ على مدافعة الهموم بالشّراب والتّبجّح بذلك
قال ابن المعتز:
خلّ الزمان إذا تقاعس أو جمح ... واشك الهموم إلى المدامة والقدح
ودع الزّمان فكم لبيب حاذق ... قد رام إصلاح الزّمان فما صلح
وقال ابن الرومي:
سأعرض عمّا أعرض الدّهر دونه ... وأشربها صرفا وإن لام لائم «٢»
نوادر السّكارى
سقط سكران، فجاء كلب يلحس فاه، فجعل يقول:
أخوكم ومولاكم وصاحب سرّكم ... ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا
وسقط آخر في مستراح مملوء، فجعل يقول:
أأصحابنا ما للقعود هنا معنى
وقال العتابي: كان في دارنا سكران فقعد على مصلى وسلح فيه، فأخذت بيده إلى المستراح فنام فيه، فقالت جاريتي: يا عجبا، كل شيء منه مقلوب، خرأ حيث ينام الناس ونام حيث يخرأ الناس.
الخمّار
الخمّار يداوي بالخمرة، ولذلك قال أبو نواس:
وداوني بالّتي كانت هي الدّاء
وذلك من قول الأعشى:
وكاس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها
ومات الأعشى في بيت خمارة فارسية، فقيل لها: ما كان سبب موته؟ فقالت: منها
стр. 773
بها يكشتش، أي قتله قوله في هذا البيت.
وكان المتنبي ينادم أبا الفوارس بن فهد فانصرف من عنده ليلة، وقد أثخن سكرا، فلما أصبح أتاه الرسول يدعوه، فقال:
وقد متّ أمس بها موتة ... ولا يشتهي الموت من ذاقه
وقال آخر:
كصريع الخمر داوى ما به ... من خمار بعقار فانتشى
من ذمّها بأنّها ت زيل العقل
حضر نصيب عند عبد الملك بن مروان فدعاه إلى الشراب، فقال: إني لم أصل إليك بنفسي ولا بحسن صورتي، وإنما قربت منك بعقلي، فإن رأى الأمير أن لا يحول بيني وبينه فعل. وقيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: لا أشرب من يشرب عقلي. وروي أن ابن أبي شيبة مر بغلام يلعب بالتراب، فقال: لا تفعل يا أحمق، فقال الغلام: الأحمق من يشتري الحمق بماله فيدخله رأسه ويقيء في جيبه ويسلح في ذيله، ويصبح محمرا ويمسي مصفرا.
وقيل للعباس بن مرداس: لو شربت النبيذ لازددت جراءة، فقال: ما كنت لأصبح سيد قومي وأمسى سفيههم، وأدخل جوفي ما يحول بيني وبين عقلي. وقيل لأعرابي لم لا تشرب؟ فقال: لأنه يفني مالي ويغير عقلي.
وعلى هذا الحديث وإن لم يكن من صريح المعنى، قال بشر المريسي: دخلت على بعض أصدقائي، فقلت: مر جاريتك تسقني نبيذا، فقال: أخاف أن تأتمر، ثم قال: إسقيه، فلما شربت، قال: تفكرت في أمرك فرأيت النبيذ يزيل العقل ولم أجد لك عقلا أخاف أن يزيله، قال شاعر:
سآلة للفتى ما ليس في يده ... ذهّابة بعقول القوم والمال
وقال المحكم بن هشام لابنه، وكان مولعا بالشراب: يا بني، دع الشراب فإنما هو قيء في شدقك وسلح على عقبك أو حدّ في ظهرك.
من تركها تفاديا من ذمّ الناس
قال بعضهم: تركت كثيره لله تعالى إجلالا وقليله للناس جمالا. وعوتب بعضهم على تركه، فقال: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته. قال الوليد للحجاج: هل لك في الشراب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين وليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه وأخاف أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فأعفاه.
وسأل المنصور أبا بكر الهذلي عن النبيذ، فقال: تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء.
стр. 774
ذمّها بأنها تدعو إلى الفسق
قال الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ
«١» مرت أعرابية بقوم يشربون نبيذا فسقوها فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب هذا نساؤكم، قالوا: نعم، قالت: إذا زنين ورب الكعبة، فما يدري أحدكم من أبوه. قال جحظة:
لم يبلغ الشيخ إبليس إرادته ... حتى تكاثف في عنقوده العنب
سئل عبد الله بن إدريس عن الشرب، فقال: إشرب ما لا يشربك.
قدر الشّرب وزمنه
قال المأمون: إشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. سئل أبو محمد بن عبد الله عن شرب الربيع، فقال: ربيع أهل المروآت وميدان اللذات، وفي إدمانه ذهاب الفطنة وفي تركه فقد السرور. قيل: فما تقول في محادثة الرجال؟ قال: روضة لا يجف نورها وغدير لا ينضب ماؤه وجوهر لا يصلح إلا للملوك، قال شاعر:
شرب النبيذ على الطّعام ثلاثة ... فيها الشّفاء وصحّة الأبدان
وقيل: القدح الأول يكسر العطش والثاني يمرىء الطعام والثالث يفرح النفس، وما زاد على ذلك فضل. وقال قتيبة لقاضي مرو: بلغني أنك تشرب، قال: أجل، قال: فكم تشرب قال: ما بل الثفل «٢» وطيب النفس وأغنى عن الماء. قال فما أبقيت منه؟ قال: أكثره وأخبثه التكاءة على الشمال ومنادمة الرجال والاختلاف إلى المبال «٣» وقال بعض الظرفاء: للنبيذ حدّان، حدّ لا هم فيه وحدّ لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني، وقال ابن المقفع:
سأشرب ما شربت على طعامي ... ثلاثا ثم أتركه صحيحا
فلست بقارف منه أثاما ... ولست براكب منه قبيحا
ذمّ إدمانها
قال بعض الطرفاء: أربعة أشياء إن أفرط فيها الرجل أهلكته واستهوته، إدمان الخمر وحب النساء وشهوة الصيد والمماراة. وفي الخبر: لا يدخل الجنة مدمن خمر.
الحثّ على استيفاء شربها أو تركها
قال ابن شبرمة لكاتبه: أتشرب؟ النبيذ؟ قال: القدحين والثلاثة، فقال: والله ما شربته شرب من يلتذ به ولا تركته ترك من يتحرج منه.
وقيل في جواب هذا: المثل: إشرب شرب فتوة أو أترك ترك مروءة. وقيل
стр. 775
لبعضهم: كم تشرب، قال: مقدار ما أفسد به ديني، وقيل ذلك لآخر، فقال: مقدار ما أقوى به على ترك الصلاة.
من أظهر رغبته فيها وقلّة صبره عنها
روي أن الحسن بن زيد ﵁ لما ولي المدينة، قال لابن هرمة: لست كمن باع دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك، فقد رزقني الله بولادة نبيه ﷺ الممادح وجنّبني المقابح، وإن من حقّه عليّ أن لا أغضي على تقصير في حق ربه، وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدا للخمرة وحدا للسكر، ولأزيدن لموضع حرمتك بي، فليكن تركك ذلك لله، تعن عليها ولا تدعها للناس فتوكل إليهم، فقال ابن هرمة:
نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام
وقال لي إصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام
وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي
أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام
كان أبو الهندي مولعا بالخمر، فقال له أبوه: إنها تورث السقم وتقل الطعم وتنحف الجسم، فقال: كلا إنها جوهرة قد امتزج فيها عرضان حمرة البهرمان وصفرة العقيان قد وصفها الله تعالى باللذة لشاربيها في القرآن، فرسّخ بذلك محبتها في الأبدان تجمع ما شت من شمل الإخوان.
وكان حارثة بن بدر مشتهرا بالشراب. وكان غلب على زياد فقيل لزياد: إنك تتهم لمصاحبته، فقال: كيف لي بأطراح من يسايرني مذ دخلت العراق، يصطك ركابه في ركابي ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي له، ولا أخذ الشمس عليّ في الشتاء، ولا الظل في الصيف؛ ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لا يحسن غيره، فلما مات زياد جفاه إبنه عبيد الله، فقال له: أيها الأمير ما هذا الجفاء وقد عرفت مكاني من أبي المغيرة؟ فقال: إن أبا المغيرة لم يكن ليلحقه عيب وأنا حدث، ولا آمن أن تشم منك رائحة الخمرة إن جالستني، فأتهم فأتركها، وكن أول داخل وآخر خارج، فقال: أنا لا أتركها لمن يملك ضرّي ونفعي، أفأتركها لك. قال: فاختر إذا ما شئت من عملي فاختار رامهرمز، وقال: إن شرابها موصوف فلما توجه إليها استقبله جماعة، فيهم إياس بن إياس فأنشده:
أحار بن بدر قد وليت ولاية
الأبيات وتقدمت.
من رغب فيها غير مفكّر في دين ولا مروءة
قيل للفرزدق: أي الأشربة أحب إليك؟ قال: أقربها من الثمانين يعني الخمر. وقال عبيد الله بن زياد للأحنف: أي الأشربة أطيب؟ فقال الخمر، قال: وما يدريك ولست من أصحابها؟
قال: رأيت من أحلت له لا يتعداها ومن حرمت عليه يتناولها، فلذلك عرفت طيبها.
следующие страницы →