← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ولهذا باب في الشيب والشيب من شرب على الكبر كان إسماعيل بن حمدون يصطبح ويغتبق خمسين سنة، ثم ترك النبيذ فعمي فعاود عادته في الشرب، فقيل له، فقال: لا يجتمع عمى وظمأ. وقال أبو نواس: قالوا كبرت فقلت ما قصّرت يدي ... عن أن تخبّ إلى فمي بالكاس «١» وقال اليعقوبي: هل لك في عذل ابن ستين درك ... شيخ إذا ما غمّه العذل فتك فهو خليع في الضّلال منهمك استقباح الشّرب بالمشايخ قال بعضهم: أبعد ستين قد ناهزتها حججا ... أحكّم الراح في عقلي وجثماني يا قبح معتجر بالشيب من كبر ... راحت تميل به أعطاف سكران «٢» وقال آخر: أمن بعد ستين ناهزتها ... أعلّل قلبي بإطرابه ترك الشّرب قبل الكبر وقال بعضهم: لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت ... نفسي إلى الماء من ماء العناقيد لم تنهني كبرة عنها ولا فند ... لكن صحوت وغصني غير مخضود «٣» مخالفة اللّوّام في تناول المدام قال أحمد بن أبي طاهر: اسقنيها برغم من لام فيها ... من نصيح وعاذل وحسود وقال ابن المعتز: خليليّ طوفا بالمدام وبادرا ... بقيّة عمري والسّلام على مثلي ألا إنّما جسمي لروحي مطيّة ... ولا بدّ يوما أن تعرّى من الرحل «٤»

стр. 772

أيا عاذلي هلا اشتغلت بسامع ... كما أنا مشغول بكاسي عن العذل وقال البسامي: خلّ عنّي لست من أربي ... أربي في الكاس والطّرب «١» دونك العذب الزّلال ولي ... سعة في صفوة العنب وقال آدم بن عبد الله بن مروان: قل لمن يلحاك فيها ... من فقيه أو خليل أنت دعها وارج أخرى ... من شراب سلسبيل الحثّ على مدافعة الهموم بالشّراب والتّبجّح بذلك قال ابن المعتز: خلّ الزمان إذا تقاعس أو جمح ... واشك الهموم إلى المدامة والقدح ودع الزّمان فكم لبيب حاذق ... قد رام إصلاح الزّمان فما صلح وقال ابن الرومي: سأعرض عمّا أعرض الدّهر دونه ... وأشربها صرفا وإن لام لائم «٢» نوادر السّكارى سقط سكران، فجاء كلب يلحس فاه، فجعل يقول: أخوكم ومولاكم وصاحب سرّكم ... ومن قد نشا فيكم وعاشركم دهرا وسقط آخر في مستراح مملوء، فجعل يقول: أأصحابنا ما للقعود هنا معنى وقال العتابي: كان في دارنا سكران فقعد على مصلى وسلح فيه، فأخذت بيده إلى المستراح فنام فيه، فقالت جاريتي: يا عجبا، كل شيء منه مقلوب، خرأ حيث ينام الناس ونام حيث يخرأ الناس. الخمّار الخمّار يداوي بالخمرة، ولذلك قال أبو نواس: وداوني بالّتي كانت هي الدّاء وذلك من قول الأعشى: وكاس شربت على لذّة ... وأخرى تداويت منها بها ومات الأعشى في بيت خمارة فارسية، فقيل لها: ما كان سبب موته؟ فقالت: منها

стр. 773

بها يكشتش، أي قتله قوله في هذا البيت. وكان المتنبي ينادم أبا الفوارس بن فهد فانصرف من عنده ليلة، وقد أثخن سكرا، فلما أصبح أتاه الرسول يدعوه، فقال: وقد متّ أمس بها موتة ... ولا يشتهي الموت من ذاقه وقال آخر: كصريع الخمر داوى ما به ... من خمار بعقار فانتشى من ذمّها بأنّها ت زيل العقل حضر نصيب عند عبد الملك بن مروان فدعاه إلى الشراب، فقال: إني لم أصل إليك بنفسي ولا بحسن صورتي، وإنما قربت منك بعقلي، فإن رأى الأمير أن لا يحول بيني وبينه فعل. وقيل لأعرابي: لم لا تشرب؟ فقال: لا أشرب من يشرب عقلي. وروي أن ابن أبي شيبة مر بغلام يلعب بالتراب، فقال: لا تفعل يا أحمق، فقال الغلام: الأحمق من يشتري الحمق بماله فيدخله رأسه ويقيء في جيبه ويسلح في ذيله، ويصبح محمرا ويمسي مصفرا. وقيل للعباس بن مرداس: لو شربت النبيذ لازددت جراءة، فقال: ما كنت لأصبح سيد قومي وأمسى سفيههم، وأدخل جوفي ما يحول بيني وبين عقلي. وقيل لأعرابي لم لا تشرب؟ فقال: لأنه يفني مالي ويغير عقلي. وعلى هذا الحديث وإن لم يكن من صريح المعنى، قال بشر المريسي: دخلت على بعض أصدقائي، فقلت: مر جاريتك تسقني نبيذا، فقال: أخاف أن تأتمر، ثم قال: إسقيه، فلما شربت، قال: تفكرت في أمرك فرأيت النبيذ يزيل العقل ولم أجد لك عقلا أخاف أن يزيله، قال شاعر: سآلة للفتى ما ليس في يده ... ذهّابة بعقول القوم والمال وقال المحكم بن هشام لابنه، وكان مولعا بالشراب: يا بني، دع الشراب فإنما هو قيء في شدقك وسلح على عقبك أو حدّ في ظهرك. من تركها تفاديا من ذمّ الناس قال بعضهم: تركت كثيره لله تعالى إجلالا وقليله للناس جمالا. وعوتب بعضهم على تركه، فقال: لو علمت أن الماء ينقص من مروءتي ما ذقته. قال الوليد للحجاج: هل لك في الشراب؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين وليس بحرام ما أحللته، ولكني أمنع أهل عملي منه وأخاف أن أخالف قول العبد الصالح، وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، فأعفاه. وسأل المنصور أبا بكر الهذلي عن النبيذ، فقال: تمادت فيه السفهاء حتى كرهته العلماء.

стр. 774

ذمّها بأنها تدعو إلى الفسق قال الله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ «١» مرت أعرابية بقوم يشربون نبيذا فسقوها فلما شربت أقداحا اعترتها أريحية، فقالت: أيشرب هذا نساؤكم، قالوا: نعم، قالت: إذا زنين ورب الكعبة، فما يدري أحدكم من أبوه. قال جحظة: لم يبلغ الشيخ إبليس إرادته ... حتى تكاثف في عنقوده العنب سئل عبد الله بن إدريس عن الشرب، فقال: إشرب ما لا يشربك. قدر الشّرب وزمنه قال المأمون: إشرب النبيذ ما استبشعته، فإذا استطبته فدعه. سئل أبو محمد بن عبد الله عن شرب الربيع، فقال: ربيع أهل المروآت وميدان اللذات، وفي إدمانه ذهاب الفطنة وفي تركه فقد السرور. قيل: فما تقول في محادثة الرجال؟ قال: روضة لا يجف نورها وغدير لا ينضب ماؤه وجوهر لا يصلح إلا للملوك، قال شاعر: شرب النبيذ على الطّعام ثلاثة ... فيها الشّفاء وصحّة الأبدان وقيل: القدح الأول يكسر العطش والثاني يمرىء الطعام والثالث يفرح النفس، وما زاد على ذلك فضل. وقال قتيبة لقاضي مرو: بلغني أنك تشرب، قال: أجل، قال: فكم تشرب قال: ما بل الثفل «٢» وطيب النفس وأغنى عن الماء. قال فما أبقيت منه؟ قال: أكثره وأخبثه التكاءة على الشمال ومنادمة الرجال والاختلاف إلى المبال «٣» وقال بعض الظرفاء: للنبيذ حدّان، حدّ لا هم فيه وحدّ لا عقل فيه، فعليك بالأول واتق الثاني، وقال ابن المقفع: سأشرب ما شربت على طعامي ... ثلاثا ثم أتركه صحيحا فلست بقارف منه أثاما ... ولست براكب منه قبيحا ذمّ إدمانها قال بعض الطرفاء: أربعة أشياء إن أفرط فيها الرجل أهلكته واستهوته، إدمان الخمر وحب النساء وشهوة الصيد والمماراة. وفي الخبر: لا يدخل الجنة مدمن خمر. الحثّ على استيفاء شربها أو تركها قال ابن شبرمة لكاتبه: أتشرب؟ النبيذ؟ قال: القدحين والثلاثة، فقال: والله ما شربته شرب من يلتذ به ولا تركته ترك من يتحرج منه. وقيل في جواب هذا: المثل: إشرب شرب فتوة أو أترك ترك مروءة. وقيل

стр. 775

لبعضهم: كم تشرب، قال: مقدار ما أفسد به ديني، وقيل ذلك لآخر، فقال: مقدار ما أقوى به على ترك الصلاة. من أظهر رغبته فيها وقلّة صبره عنها روي أن الحسن بن زيد ﵁ لما ولي المدينة، قال لابن هرمة: لست كمن باع دينه رجاء مدحك أو خوف ذمك، فقد رزقني الله بولادة نبيه ﷺ الممادح وجنّبني المقابح، وإن من حقّه عليّ أن لا أغضي على تقصير في حق ربه، وأنا أقسم لئن أتيت بك سكران لأضربنك حدا للخمرة وحدا للسكر، ولأزيدن لموضع حرمتك بي، فليكن تركك ذلك لله، تعن عليها ولا تدعها للناس فتوكل إليهم، فقال ابن هرمة: نهاني ابن الرسول عن المدام ... وأدّبني بآداب الكرام وقال لي إصطبر عنها ودعها ... لخوف الله لا خوف الأنام وكيف تصبّري عنها وحبّي ... لها حبّ تمكّن في عظامي أرى طيب الحلال عليّ خبثا ... وطيب النفس في خبث الحرام كان أبو الهندي مولعا بالخمر، فقال له أبوه: إنها تورث السقم وتقل الطعم وتنحف الجسم، فقال: كلا إنها جوهرة قد امتزج فيها عرضان حمرة البهرمان وصفرة العقيان قد وصفها الله تعالى باللذة لشاربيها في القرآن، فرسّخ بذلك محبتها في الأبدان تجمع ما شت من شمل الإخوان. وكان حارثة بن بدر مشتهرا بالشراب. وكان غلب على زياد فقيل لزياد: إنك تتهم لمصاحبته، فقال: كيف لي بأطراح من يسايرني مذ دخلت العراق، يصطك ركابه في ركابي ولا تقدمني فنظرت إلى قفاه، ولا تأخر عني فلويت عنقي له، ولا أخذ الشمس عليّ في الشتاء، ولا الظل في الصيف؛ ولا سألته عن علم إلا ظننت أنه لا يحسن غيره، فلما مات زياد جفاه إبنه عبيد الله، فقال له: أيها الأمير ما هذا الجفاء وقد عرفت مكاني من أبي المغيرة؟ فقال: إن أبا المغيرة لم يكن ليلحقه عيب وأنا حدث، ولا آمن أن تشم منك رائحة الخمرة إن جالستني، فأتهم فأتركها، وكن أول داخل وآخر خارج، فقال: أنا لا أتركها لمن يملك ضرّي ونفعي، أفأتركها لك. قال: فاختر إذا ما شئت من عملي فاختار رامهرمز، وقال: إن شرابها موصوف فلما توجه إليها استقبله جماعة، فيهم إياس بن إياس فأنشده: أحار بن بدر قد وليت ولاية الأبيات وتقدمت. من رغب فيها غير مفكّر في دين ولا مروءة قيل للفرزدق: أي الأشربة أحب إليك؟ قال: أقربها من الثمانين يعني الخمر. وقال عبيد الله بن زياد للأحنف: أي الأشربة أطيب؟ فقال الخمر، قال: وما يدريك ولست من أصحابها؟ قال: رأيت من أحلت له لا يتعداها ومن حرمت عليه يتناولها، فلذلك عرفت طيبها.

стр. 776

دخل أبو العيناء على المتوكل فقال: هل لك في الشراب؟ فقال: ومن يرغب عن ملّة إبراهيم إلا من سفه نفسه. وكان أبو نواس يقول: خمر الدنيا أجود من خمر الآخرة، والله قد وصفها بأنها لذة للشاربين، فقيل: كيف هي أجود، قال: لأن الله تعالى جعلها نموذجا، والنموذج أبدا أجود. وقيل له: أتشرب الخمر؟ قال: نعم إذا اشترى بثمن خنزير قد سرق حتى يحرم ثلاث مرات. قيل لثمامة: لا تشرب الخمر فإنه يزيل العقل، فقال: إنه إن زال اليوم لا يزول غدا. باع بعض الاشراف ضيعة، فقيل له: إحضر العشية للإشهاد، فقال لو كنت ممّن يصان بالعشيات لما بعت الضيعة. وقال رجل لآخر: وجهت إليك رسولا عشية أمس فلم يجدك، فقال: هذا وقت لا أكاد أجد فيه نفسي. سئل بعضهم عن استطابة الشراب، فقال: وددت أني كنت بعوضة فأموت تحت قربة نبيذ، حتى يكون موتى في خلال نعيم. قال شاعر: ورفض امرىء لهوا يواتيه طائعا ... لآخر إن عاصاه رأي موهم ومن صارم اللذّات أو خان بعضها ... ليرغم دهرا ساءه فهو أرغم وقد وصف ذلك في وصف المدام بإزالته الغموم. الشّارب بعد توبته والممتنع من التّوبة عنه كتب بعضهم إلى صديق، قد تاب من شرب النبيذ: إن كنت تبت من الصهباء تتركها ... نسكا فما تبت من بر وإحسان تب راشدا واسقنا منها وإن عذلوا ... فيما فعلت فقل ما تاب إخواني وقال كشاجم: يقولون تب والكاس في كفّ أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي «١» فقلت لهم لو كنت أضمرت توبة ... وعاينت هذا في المنام بدا لي وحكى بعضهم، قال: كان لنا صديق يكثر التوبة من الشرب والعود إليه، ففارقنا يوما على أنه قد تاب فجاءنا صبيحة غداة وقد انمحت من أحد عارضيه لحيته، فقال: رأيت إبليس في منامي وهو يستعرض أصحابه فأتى به إليه بعض أعوانه، وقال قد آذاني هذا المتخلف من كثرة ما يتوب، ثم يرجع. حلّفوه على أن لا يتوب فحلفت، ثم قال: ألحسوا لحيته من جانب يكون ذلك تذكرة معه، فأصبحت على تلك الحالة.

стр. 777

الشّرب سرّ مرّ الفرزدق على الحكم بن المنذر بن الجارود فاستسقى لبنا، فأمر غلامه أن يجعل في العقب خمرا ويحلب عليها لبنا ويسقيه، فلما كرع فيه جعل الخمر ينبع من تحت اللبن، فشرب، فقال له: بأبي أنت ممن يخفي الصدقات. ودخل الغضبان الأسدي على قوم يشربون فاحتشموه ورفعوا نبيذهم فجعلوه تحت السرير، ورمقت السنور فأرة فطفرت فكسرت الآنية وفاح ريح الشراب، فقال الغضبان: إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، فقالوا له: تالله إنك لفي ضلالك القديم ثم أخرجوا النبيذ فساعدهم عليه. الشّرب جهرا لما وقع الخلاف بين الأمين والمأمون، كان المأمون يخطب بخراسان بمساوي الأمين، ويقول في جملة مساويه: وما ظنكم بخليفة يقتني شاعرا ينشد بحضرته جهارا نهارا في مجلسه هذا القول: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر ... ولا تسقني سرّا إذا أمكن الجهر فما الغبن إلا أن تراني صاحيا ... وما الغنم إلا أن يتعتعني السّكر وقال المكتفي للصولي: أتعرف أهتك بيت قالته العرب، قال قول أبي نواس: ألا فاسقني خمرا وقل لي هي الخمر فقال: بل قول الحسين بن الضحاك: أتبعت سكرا بسكر ... فأتبعت خمرا بعمر الضّعيف الشّرب قيل لبعضهم: كيف شربك؟ قال: لو وطئت زبيبا لسكرت شهرا. قال الخبزارزي: اصرف سفاتج هذا الشرب عن رجل ... له بضيعة في الشرب مزجاة «١» وقال آخر: ولو علم الأكارم ضعف شربي ... لأعفوني عن النّجب العظام وقال خالد الكاتب: لا أسقين ما ليس لي طاقة ... به فإنّي ضيّق الحوصلة

стр. 778

وقال الخباز البلدي يعاتب من كثر سقيه: يسارقني في كل دورين حبّة ... ألا إن قيراط النبيذ كثير من ترك الشّرب بخلا ورياء قال شاعر: ما حرم الخمر ولكنّه ... يتركها بقيا على حاله يشربها في بيت إخوانه ... ويظهر التوبة من ماله وقال آخر: وما أن حرموا المطبوخ نسكا ... ولكن دققوا فيه المعيشه «١» وفاحت رائحة الشراب عند وال فأمسك قوم بأنوفهم، فقال الوالي: ما أطيب ريحها وإني لأشتهيها لولا تحريمها، فنظر فإذا الذي أمسك على أنفه كل متهم. وحدثني أبو بكر الكرجي، قال: كان بالكرج قاض ظريف فدخل عليه نصراني يوما يعبق منه طيب ورائحة خمر، وكان عنده جماعة من العدول فضم أحدهم على أنفه، وكان متهما بالشراب، فلما خرج النصراني، قال: أخزى الله هذا الخبيث دخل وكأنه جيفة، فقال القاضي: ردوه فردوه، فقال لعدلين عنده تشمما هل تجدان رائحة كريهة، فقالا: لا، إنا لنجد منه رائحة كرائحة الجنة طيبا، فقال: اشهد أني قد جرحت هذا البارد فما يعدو حاله كذبا أو حمقا وجهلا، وكلتا الحالتين تنافيان العدالة. وما أصدق القائل: قد يشتم الخمر قوم يكلفون بها ... وقد يسبّ بنيه الوالد الحدب «٢» وقال بعضهم: تركوا النّبيذ وشمّروا أثوابهم ... ومشوا رويدا لاختلاس الدّرهم من ترك الشّرب خوفا من السّلطان قال أبو نواس لمّا نهاه الأمين عن الشرب: أعاذل بعت الجهل حيث يباع ... وأبرزت رأسا ما عليه قناع نهاني أمير المؤمنين عن الصّبا ... وأمر أمير المؤمنين مطاع ولهو لتأنيب الأمين تركته ... وفيه للاهي منظر وسماع من حدّ في شربها سمع أبو خرابة رجلا يقول وهو مجلود: من رآني فلا يشرب النبيذ، فقال: في إستك

стр. 779

وإست من حملك على هذه المشورة وإست من قبلها منك، ثم قال: ستعصى وتقصى ثم تمنّى بشربها ... وإدمانها إن كنت حرا مهذّبا ومرّ النخاسي بأبي السماك في شهر رمضان، فقال: هل لك في رؤس وشراب كالورس يطيب النفس ويهضم الطعام ويسهل للفدم الكلام؟ فنزل وتغدّيا فأخبر أمير المؤمنين بذلك، فأفلت أبو السماك، وأخذ النخاسي فأتي به فضربه ثمانين وزاده عشرين، فقال: يا أمير المؤمنين وما هذه العلاوة؟ فقال: لجراءتك على ربّك في شهر رمضان. من تخلّص من الحدّ في شرب الخمر دخل عمر ﵁ على قوم يشربون، فقال: ألم أنهكم عن الشرب فشربتم، فقال أحدهم: ألم ينهك الله عن التجسس فلم تجسست؟ فقال: صدقت، فتجافى عنهم. وقال العبدلي للواثق: ما قمرتني «١» إلا لكوني سكران، فقال: قد وجب عليك الحد لأنك أقررت، فقال: هذا افتخار لا إقرار اعتراف. التّعريض بمن تفرّس به بأنّه شارب دخل أمية بن عبد الله على عبد الملك وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: قمت في بعض الليل فأصابني الحائط. فتمثل عبد الملك بقول الشاعر: رأتني صريع الخمر يوما فرعتها ... وللشاربيها المدمنيها مصارع «٢» فقال أمية: لا آخذك الله يا أمير المؤمنين بسوء ظنك ولا يؤاخذك بسوء مصرعك. وكان البراء بن قبيصة صاحب شراب، فدخل على الوليد بن عبد الملك وبوجهه أثر، فقال: ما هذا؟ قال: ركبت فرسا أشقر فكبابي، فقال: لو ركبت الأشهب لم يعثر بك، فعرّض بأنه شرب الخمر ولو شرب اللبن لما سقط. وأنشد ابن الرقاع عبد الملك قصيدة، وذكر فيها الخمر فأجاد وصفها، فقال عبد الملك: لقد ارتبت بك في إجادة وصفك الشراب، فقال: وأنا ارتبت بك يا أمير المؤمنين لمعرفتك بجودته. وصف خصائص جميع الأشربة قيل لبعض الحكماء صف لنا خصائص الأشربة، فقال: أما الماء فيعظم خطره عند الحاجة إليه بحسب تعذّره عند العدم، وأما اللبن فشبع الغرثان وريّ الظمآن وزاد العجلان، وأما الماذي فكالمروزي «٣» في الدثار والنرسي «٤» في الشعار، وأما الزبيبي

стр. 780

فنبيل المنظر سخيف المخبر، وأما الخمر فمزاج الروح وصفية النفس. وقيل لآخر: ما تقول في الماء؟ فقال: هو الحياة ويشركني فيه الحمار، فقيل فاللبن؟ قال: ما رأيته إلا ذكرت أمي واستحييت، قيل فالخمر؟ قال: تلك السارة البارة شراب أهل الجنة. ودعا الوليد بن يزيد شراعة من الكوفة وهو من فتيانها، فلما قدم عليها، قال: إني والله لم أدعك لأسألك عن قرآن ولا أستفتيك في سنة، فقال: لو سألتني عنهما لأصبتني فيهما ثورا، فلم دعوتني؟ قال: لأسألك عن الفتوة، فقال: أنا دهقانها الخبير وعالمها الطبيب فسل، فقال: ما تقول في نبيذ التمر قال: أشربه حتى تحر. قال فنبيذ الدن. قال: أشربه حتى تجن، قال فالدادي، قال: أحلى من الماذي، قال فنبيذ الزبيب، فستر وجهه وقال: العظمة لله، قال فالخمر، قال: لا أرى شربها، قال ولم، قال: لأني لا أؤدي شكرها. قال أبو العيناء: النبيذ «١» - الخمر. قال أبو نواس: ولا تأخذ عن الإخوان لهوا ... ولا عيشا فعيشهم جديب دع الألبان يشربها رجال ... رقيق العيش بينهم غريب بأرض نبتها عشب وطلح ... وأكثر صيدها ضبع وذيب إذا راب الحليب فبل عليه ... ولا تحرج فما في ذاك حوب «٢» فأطيب منه صافية شمول ... يطوف بكاسها ساق أديب يمدّ لك القنان إذا حساها ... ويفسخ عقد تكته الدبيب «٣» فذاك العيش لا خيم البوادي ... وذاك العيش لا اللبن الحليب وقال آخر: الأشربات سوى ما كان من عنب ... داء وأي لبيب يشرب الداء وصف الشّراب بإزالة الغّمّ قيل لأعرابي أتحب الخمر؟ فقال: أي والله، فإنها تسرح في بدني بنورها وفي قلبي بسرورها. وقيل: لذة الدنيا في الغناء والطلاء والنساء والبناء، وجماع ذلك العافية والشباب والبقاء، ونحوه لأبي نواس: إنّما العيش سماع ... ومدام وغلام

стр. 781

فإذا فاتك هذا ... فعلى العيش السّلام سأل معاوية الأحنف عن أطيب الأشربة، فقال: الخمر، قال: وما يدريك ولست من أصحابها، قال: رأيت من أحلت له لا يبتغي غيرها ومن حرمت عليه يتناولها، فعرفت طيبها وفضيلتها. وقيل: النبيذ صابون الغمّ. وقيل لبعضهم: فلان ترك النبيذ، فقال: طلق الدنيا. وقيل لدهقان ما أصباك بالخمر؟ فقال: لأني رأيت لها أفعالا لم أرها لغيرها، إذا رأيت الهم تمكن في قلبي فقرب الكاس من الباب خرج الهم. وأخذ ذلك أبو نواس فقال: إذا ما أتت دون اللهاة من الفتى ... دعا همّه من صدره برحيل وقيل لشيخ: لم تشرب النبيذ؟ فقال: لأن فيه شيئا يحمده أهل الجنة، قيل وما هو، قال: ما تقول أهل الجنة الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، والنبيذ هو ذاهب بالحزن. وقال أبو نواس فيها: الراح صديقة الروح قيد اللذات ومفتاح المسرات، وقال: وما استقرت في فؤاد فتى ... فدرى ما لوعة الحزن وله: كأس إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردّى برداء الغلام وذمّ بعضهم الخمر، فقال: أولها دوار وآخرها خمار، فردّ عليه آخر فقال: إن يكن أول المدام دوارا ... أو يكن آخر المدام صداعا فلها بين ذا وذاك هنات ... وصفها بالسرور لن يستطاعا وقال ابن المعتز: يبول همّا ويحسو اللهو والطّربا وله في وصفه: وأصلح بيني وبين الزمان ... وأبدلني بالهموم الطرب وصفها بأنّها تدرع الكبر وتورث اليسر . قال لقيط بن زرارة: شربت الخمر حتى خلت أني ... أبو قابوس أو عبد المدان أمشي في بني عدس بن زيد ... رخيّ البال منطلق اللسان وقال المنخل: وإذا سكرت فإنّني ... ربّ الخورنق والسّدير وإذا صحوت فإنّني ... ربّ الشويهة والبعير وصفها بالصّفاء والرقّة قال الحسن بن الضحاك: كنت مع أبي نواس بمكة فسمع صبيا يقرأ: يكاد البرق

стр. 782

يخطف أبصارهم فلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا، فقال: هذا يجب أن يكون صفة الخمر، ثم أنشدني: وسيّارة ضلّت عن القصد بعد ما ... بدا دونهم أفق من الليل مظلم فلاحت منّا على النّار قهوة ... كأنّ سناها ضوء نار تضرم «١» إذا ما حسوناها أقاموا مكانهم ... وإن أظهرت حثّوا الركاب ويمّموا «٢» قال ابن الأعرابي: جميع ما قاله أبو نواس حسن، وأحسنه قوله: لا يسكن الليل حيث حلّت ... فليل شرّابها نهار وقال آخر: واهتدى سار الظّلام به ... كاهتداء السفر بالعلم قيل: رق وصفا حتى كاد يخفى. وقيل: أصفى من الشراب وأخفى من السراب. كمعنى دقّ في لفظ بديع وقال ابن المعتز: كأن بكاسها نارا تلظّى ... فلولا الماء كان لها حريق وصف رقّة الإناء والخمر معا قال البحتري: يخفي الزجاجة لونها فكأنّها ... في الكفّ قائمة بغير إناء وقال الصاحب، وقيل هما لأبي نواس: رقّ الزّجاج وراقت الخمر ... وتقاربا فتشابه الأمر فكأنّما خمر ولا قدح ... وكأنّما قدح ولا خمر وصفها بأنها تخضّب الكفّ قال شاعر: تحسب الظبي إذا طاف بها ... قبل أن يسقيكها مختضبا «٣» وقال الخباز البلدي: وهي تكسو كفّ شاربها ... دستبانات من الذّهب وقال ابن المعتز: كأنّهم الهبوا بينهم ... حريقا وأيديهم تستعر «٤»

стр. 783

وصف حمرتها قال أبو نواس: أقول لما تحاكيا شبها ... أيّهما للتشابه الذّهب هما سواء وفرّق بينهما ... أنّهما جامد ومنسكب وأخذه ابن المعتز، فقال: وخمارة من بنات المجوس ... ترى الزقّ في بيتها شائلا «١» وزنّا لها ذهبا جامدا ... فكالت لنا ذهبا سائلا وصف الخمر وشاربها قال الحسين بن الضحّاك، أنشدت أبا نواس: كأنّما نصب كاسه قمر ... يكرع في بعض أنجم الفلك فأنشدني: إذا عبّ فيها شارب القوم خلته ... يقبّل في داج من الليل كوكبا فقلت: يا أبا علي، هذه مثل ما أنشدتكه، فقال: أتظن أن يروى لك بيت حسن، وقد أحسن القائل: وكأنّه والكاس في يده ... قمر يقبّل عارض الشّمس وصفها بالصّلابة قال أبو تمّام: إذا اليد نالتها بوتر توقّرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل «٢» وأخذه من عطاء: أسروها وجه النهار من ال ... دنّ فأمسوا وهم لها أسراء ونحوه لديك الجن: فظلنا بأيدينا نتعتع روحها ... ونأخذ من أقدامنا الرّاح ثارها وقال آخر: قهوة تترك الحليم سفيها وقال أحمد بن طاهر: ما تمّ منها ثلاثا قطّ شاربها ... إلا رأى عقله منه على سفر

стр. 784

وصف لذاذتها وصف الله تعالى خمر الجنة، فقال: لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ «١» فنفى عنها جميع عيوبها بالكلمتين، كما وصف فاكهتها، فقال: لا مقطوعة ولا ممنوعة. قال ابن أبي فنن: أطيب في الكاس إذا ... جاءتك من ريح الولد وله: أطيب من قبلة الحبيب وقد ... جاد بها مسرعا على حذر وقال أبو نواس كنت يوما في الحمام، فقلت قصيدة وفيها: فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي النّار في الفحم ولم يك معي أحد فتراءى لي شيخ، فقال: قطع الله لسانك، فإنك لا تفلح، أتقول مثل ما يقول العوام، ألا قلت: فتمشّت في مفاصلهم ... كتمشّي البرء في السّقم فقلت هكذا قلت، فقال أتكابر إبليس: ألذ من غفلة الرقيب ... شكوى محبّ إلى حبيب وقال الحسين بن السرى: وإذا احتساها شارب فكأنما ... ماء المنى في فيه يحلب قاطره وقال ابن الرومي: والله ما أدري بأية علّة ... يدعونها في الرّاح باسم الرّاح «٢» ألريحها ولروحها تحت الحشا ... أم لارتياح نديمها المرتاح إن حرمت فبحقّها من حرّة ... ما كان مثل حريمها بمباح أو حلّلت فبحقّها من نشوة ... تنفي سقام قلوبنا بصحاح «٣» وصفها بالعتق قال أبو نواس: اسقنيها سلافة ... سبقت خلق آدما وقال آخر: عاصرها آدم أبو البشر وقال شاعر: عتّقت حتّى لو اتصلت ... بلسان ناطق وفم

стр. 785

لاحتبت في البيت ماثلة ... ثمّ قصّت قصّة الأمم وقال آخر: قهوة تذكر نوحا ... حين شاد الفلك نوح وقال آخر: قهوة أبرزت بخاتم كسرى وقال ابن حجاج: قوما إسقياني قهوة روميّة ... من عهد كسرى دنّها لم يمسس وصفها بأنّها تورث السّخاء والشّجاعة قال أبو نواس: وخذها من مشعشعة كميت ... تنزل درّة الرّجل الشّحيح «١» وأخذه من عمرو بن كلثوم: ترى اللخن الشحيح إذا أمرّت ... عليه لماله فيها مهينا «٢» وقال آخر: إذا سقي الفتى منها ثلاثا ... تسربل ثوب مكرمة وجود «٣» وقال آخر: نشربها فتتركنا ملوكا ... أسودا ما ينهنهنا اللقاء «٤» وصف النيء والمطبوخ سئل أبو نواس عن نبيذ طبخ، فقال: وما طبخوها غير أن غلامهم ... سعى في نواحي كرمها بشهاب فقال بعضهم إحرقوه فأحرقهم الله. قال الأقيشر: صفراء صافية الأقذاء حلّلها ... طبخ السراج ولم يجمع لها حطب «٥» وقال أبو نواس: طبخته الشّمس لمّا ... بخل العلج بناره «٦» قال المطوق: قال لنا جحظة يوما قد عملت بيتا زدت فيه على أبي نواس في وصفه، وأنشد: فظلّ يسقينا جنانيّة ... ضنّت بها الشّمس عن النّار «٧»

стр. 786

وقد أحسن، فإن الخمر التي في الجنة لم تطبخ بنار، ثم قوله ضنّت بها الشمس عن النار مع صحة معناه ظريف اللفظ. قال عمرو بن الأهتم: من كميت أجادها طابخاها ... لم تمت كلّ موتها في القدور وصفها بأنّها تحمّر الوجنة قال الأعشى: وسبية ممّا تعتّق بابل ... كدم الذبيح سلبتها جريالها «١» يروى أن الأعشى سئل عن معناه، فقال: شربتها حمراء وبلتها بيضاء. روي أن أبا نواس قال: إنما عنى به ما قلت: كاس إذا انحدرت عن حلق شاربها ... رأيت حمرتها في العين والخدّ وقال الناجم: تنازعنا الخد جريالها ... وتهديه للعين يوم الخمار وقال الناشىء: نفضت على الأجسام ناصع لونها ... وسرت بلذّتها إلى الأرواح وصفها عند المزاج قال أبو نواس: من قهوة جاءتك قبل مزاجها ... عطلا فألبسها المزاج وشاحا «٢» وقال الزاهي: كأنما الماء حين خالطها ... أهدى إليها غلائل الشّفق «٣» وقال أبو نواس: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب وقال ابن المعتز: راح كأن حبابها ... درّ يجول مجوّفا وقال آخر: تنزو إذا مسّها قرع المزاج كما ... تنزو الجنادب أوقات الظهيرات «٤» وقال ابن طباطبا: إذا ما الماء مازجها تراءت ... كما زوّجت بالتّبر اللجينا «٥»

стр. 787

هما ذوبان لو جمدا جميعا ... إذا صارا معا ورقا وعينا «١» وقال الصنوبري: ناهيك من فضّة تجري على ذهب ... ماء من النّور في ماء من اللهب طيب رائحتها قال الأخطل: وإذا تعاورت الأكفّ زجاجها ... نفحت ونال رياحها المزكوم «٢» وقال الرفاء: فضّ النديم ختامها فكأنّما ... فضّ الختام عن العبير ففاحا نبيذ ردي ءق أو أسود قال الصوفي، وفي يده قدح: وشاب هذا الليل إذا عسعس، وأومأ إلى قدح صاف وقال: وذاك الصبح إذا تنفس. قال أبو تمّام: وكأن الأنامل اعتصرتها ... بعد كد من ماء وجه البخيل «٣» وقال البحتري: فجاء نبيذ له حامض ... يشقّ على الكبد المقفرة إذا صبّ مسودّه في الزّجا ... ج كان النديم به محبره «٤» وقال ابن المعتز: كأن بأيدي شاربيها إذا اتّكوا ... محابر ورّاقين قد ملئت حبرا ودفع إلى رجل شراب غليظ، وقيل له: كيف تراه؟ فأنشد: هو في الجوع طعام ... وهو في الظمء شراب سقى بعضهم ضيفا له نبيذا رديئا، وقال: هذا نبيذ من عانة، فقال الضيف: بل من العانة على أربع أصابع استيهاب الشراب للأضياف كتب أبو تمّام إلى صديق له يستوهب منه مشروبا لصديق. يزعم أنه نزل به: جعلت فداك عبد الله عندي ... بعقب الصدّ منه والبعاد فأحسن يومنا إن لم تجدنا ... مصادف دعوة منا جماد

стр. 788

فكم نوء من الصّهباء سار ... وآخر منك بالمعروف غاد «١» فهذا يستهلّ على غليلي ... وهذا يستهل على بلادي وكتب ابن الحجاج إلى صديق له: يا سيّدي قد جاء زوّاري ... فظلت في نار وفي عار فامنن بخمر أو فوجّه بمن ... يخرجهم بالصّفع من داري قال السري الرفاء مستدعيا شرابا: الراح قد أعوزتنا في صبيحتنا ... بيعا ولو وزن دينار بدينار «٢» فامنن بما شئت من راح يكون لنا ... نارا فإنا بلا راح ولا نار من استوهبه ورام إكبار الظّرف أو ترك المزاج قال الرفاء: عندي ضيف لم يزل مضيفا ... فأهد لي خلوقك المذوفا «٣» تحوي له الشّكر له صنوفا ... وكبر الظرف تكن ظريفا وقال آخر: واعلم بأن ظروف الرّاح إن كبرت ... عند الهدية أبدت ظرف مهديها وقال جحظة: ومرّ الغلام بتركه من مزجه ... إن النوال يطيب غير مكدرّ وقال الزاهي: أرى المشروب عزّ وذاك شيء ... إذا حصّلته حصلت حمدي فمرهم يبعثوه بغير مزج ... فإنّ الماء ليس يضيق عندي معاتبة من بخل بالنّبيذ كتب الكتنجي إلى بعض إخوانه يستهديه نبيذا، فتباطأ عليه، ثم عاد الرسول، فقال هو يستدعي ظرفا يجعله فيه، فكتب إليه: مطلتنا بالنّبيذ دهرا ... ما بين مطل وبين خلف وبعد دهر طلبت ظرفا ... كأن قارورة بألف فمن يرجيك بعد هذا ... ولست ممّن يفي بظرف فدعا الرجل سقاءين فملأ قربتيهما، وبعثهما إليه

стр. 789

(٢) ومما جاء في النّدام والنّدماء والسّقاة وجوب حقّ المنادمة وذكر من عظّم نديمه روي أن النبي ﷺ لم ير مادا رجليه بين يدي جليس له قط، ولا أخذ بيد أحد فانتزع يده من يده حتى يكون الرجل هو الذي يرسلها. قال ابن عباس ﵄: لجليسي عليّ ثلاث، أرميه بنظري إذا أقبل وأوسع له إذا جلس وأصغي إليه إذا حدّث. قال شاعر: أرى للكاس حقّا لا أراه ... لغير الكاس إلا للنّديم «١» وقال الجاحظ رويت هذا البيت دهرا لا أعرف له ثانيا، فسمعت يوما حماميا يوقد أتونه وينشد معه: هو القطب الذي دارت عليه ... رحى اللذات في الزّمن القديم وقال سعيد بن حميد: الكاس حرمتها أولى من النسب «٢» وقال حصابة: إن المنادمة الرضاع الثاني. وكان القعقاع إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه، جعل له نصيبا من ماله وأعانه على عدوه وشفع له في حاجته وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا له، وفيه يقول: وكنت جليس قعقاع بن شور ... ولا يشقى بقعقاع جليس قال يحيى بن أكثم: ما رأيت أكرم من المأمون بتّ عنده ليلة فعطش فكره أن يصيح بالغلمان، وكنت منتهبا فرأيته قد قام فمشى قليلا إلى البرادة حتى شرب ورجع. ورأيته ليلة وأنا عنده وحدي وقد أخذه سعال يسدّ فاه بكمه كيلا انتبه. الإنخراط في سلك الشّرب والصّحب جلس المتوكل مع جماعة، وفيهم يحيى بن أكثم، فلما شرب الناس ثلاثة أرطال، أمر يحيى بالإنصراف، فقال له: ولم يا أمير المؤمنين؟ فقال لأنا قد خلطنا، فقال: أحوج ما يكون إلى قاض إذا خلطتم، فاستظرفه المتوكل وأمر أن تغلف لحيته بالغالية، ففعل، فقال: ضاعت الغالية وكان هذا يكفيني دهرا، فأمر بزورق من الغالية ودرج بخور، فجعلا في كمّه. طيب المدام بطيب النّدّام قيل لأعرابي كم تشرب من النبيذ؟ فقال: مقدار النديم

стр. 790

وقال أبو نواس: الراح طيّبة وليس تمامها ... ألا بطيب خلائق الجلاس وقال آخر: إنما تستعذب الرا ... ح بأخلاق النّديم وقال العطوي: تصفو الزجاجة بالنّديم إذا صفا ... ويكدّر الندمان صفو الرّاح وقال آخر: يقولون قبل الدار جار موافق ... وقبل الطريق النّهج أنس رفيق فقلت وندمان الفتى قبل كاسه ... وما حثّ كاس اللهو مثل صديق وقال آخر في صديق استطاب مجالسته: يا ليلة لست أنسى طيبها أبدا ... كأنّ كلّ سرور حاضر فيها باتت وبتّ وبات الزّقّ ثالثنا ... حتّى الصباح تسقيني وأسقيها كأن سود عناقيد بلمّتها ... أهدت سلافتها صرفا إلى فيها «١» إختيار عدد النّدمان قال منصور الفقيه: فليدع منها خمسة ... متخيّرين ولا يزد فدوين هذا وحشة ... وفويقه سوق الأحد وقال آخر في المعنى: إذا ما جاوز الندمان خمسا ... بربّ البيت والسّاقي اللبيب فأير في حر أم فتى دعانا ... وأير في حر أم فتى مجيب طرح الحشمة في المنادمة ومراعاتها جاء محمد بن حماد إلى ابن الجنيد، فقال: يقول لك أمير المؤمنين المعتصم تهيأ لمزاملتي، قال: كيف أتهيأ؟ قال: إذا زاملته فإياك أن تبزق أو تمخط أو تتثاءب أو تسعل أو تعطس، فقال ابن الجنيد: ارجع إليه وقل له: في حرّ أم من يزاملك على هذا الشرط، فلما رجع إليه ضحك واستدعاه، فقال: آمرك بمزاملتي فتراسلني بذلك، فقال: إن هذا الأحمق شرط علي شروطا يهرب منها الشيطان، فإن رضيت أن تفسو عليّ وأفسو عليك وإلا فلست بصاحبك. وقيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: طرح الحشمة وترك الطب. قال إسحاق

стр. 791

الموصلي: كانت الخلفاء من بني أمية لا يظهرون للندماء والمغنين، وكان بينهم وبين ندمائهم ستارة، وكان بنو العباس يظهرون ثم احتجبوا عنهم، ولم ير أبو جعفر قط يشرب إلا الماء، وكان المهديّ في أول أمره يحتجب متشبها بمن قبله ثم ظهر لهم، وقال: اللذة في مشاهدة السرور والدنو من الأحباب. الوصيّة بطيّ حديث الشّرب قال المأمون ﵀: أطووا خبر أمس مع ذهاب أمس، فهو أدوم للسرور وأسلم للصدور. وقال: النبيذ بساط إذا رفع لم ينشر. وقال علي بن صالح: حكم العقار إذا قصدت لشربها ... في لذّة من مسمع أو قيان أن لا تعود لذكر ما أبصرت من ... أحدوثة من شارب سكران وقال آخر: إذا ذكر النبيذ فليس حقّا ... إعادة ما يكون مع النبيذ إعادة ما يكون من السّكارى ... يكدّر صفوة العيش اللذيذ الممدوح بترك إعادة الحديث ومعاتبة النّديم . قال شاعر: ولست بلاح لي نديما بزلّة ... ولا هفوة كانت ونحن على خمر «١» عركت بجنبي قول خدني وصاحبي ... ونحن على صهباء طيبة النشر «٢» وأيقنت أن السكر طار بلبّه ... وأعرق في شتمي وقال وما يدري «٣» وقال ابن الجهم: تنازعوا لذّة الصهباء بينهم ... وأوجبوا الرّضيع الكاس ما يجب «٤» لا يحفظون على السكران زلّته ... ولا يريبك من أخلاقهم ريب استقالة من بدر منه في السّكر بادرة قال شاعر: إذا حكّمت كؤسك في الندامى ... فحقّهم الإقالة للعثار «٥»

стр. 792

وقال آخر: ما على مثّقل من النّوم ... والسكران فيما أتى من الآثام وقال آخر: ومن يقرع الكاس اللئيمة سنه ... فلابدّ يوما أن يسيء ويجهلا الممدوح بمسامحة رفيقه في الشّرب قال بعضهم: هلمّ اسقني كأسا ودع عنك من أبى ... وروّ عظاما قصرهنّ إلى بلا فإنّ نديمي غير شكّ مكرم ... لديّ وعندي من هواه الذي أرتضى ولست له في فضلة الكاس قائلا ... لأصرعه سكرا تحس وقد أبى ولكن أفديه وأكرم وجهه ... واشرب ما يسقي وأسقيه ما اشتهى وقال أبو نواس: ولست بقائل لنديم صدق ... وقد أخذ الشراب بوجنتيه تناولها وإلّا لم أذقها ... فيأخذها وقد ثقلت عليه ولكنّي أداري الشرب عنه ... وأصرفها بغمزة حاجبيه فإن مدّ الوساد لنوم سكر ... دفعت وسادتي أيضا إليه من لا يعتدّ بمجالسته ومن يعرض بمذهبه قال بعض المحدثين: خرجنا جميعا إلى نزهة ... وفينا زياد أبو صعصعة فستة رهط به خمسة ... وخمسة رهط به أربعة وقال آخر: عندي جعلت لك الفدا ... سهل وسهل ليس يجدي إن لم تكن لي ثانيا ... فكأنّني في البيت وحدي وأصله لأبي حبة: أصمّ إذا ناديت جهرا وإن تشر ... فأعمى وإن تفعل جميلا فجاحد وأقسم برا أن لولا خياله ... لما كنت إلّا مثل من هو واحد وقال صاحب وفي يده كاس: تطيب كؤوسنا لولا قذاها ... ويحتمل الجليس على أذاها فقال النابغة: قذاها أن صاحبها لئيم ... يحاسب نفسه بكم اشتراها

стр. 793

طيب مجالسة الإخوان ومحادثتهم قال شبيب بن شبة: لم يبق من لذات الدنيا إلا أربعة مجالسة الإخوان ومناسمة الولدان وملامسة النسوان ومداولة الكاس مع الندمان. قيل لبعضهم: ما بقي من لذتك، فقال: محادثة الإخوان في الليالي القمر على الكثبان العفر. وقيل لبعضهم: تمنّ، فقال: وجه حبيب ومغن مصيب وساق أريب ونديم لبيب. وقيل لآخر: ما العيش؟ فقال: لون مشبع ومغن ممتع وكاس مترع ونديم مقنع. وقيل: مجالسة أهل الفضل ذكاء العقل. إيثار محادثة الإخوان على غناء القيان قال علي بن الجهم: شهدتها وفتية أخيار ... لهوهم الإسمار والأشعار وملح تقدح منها النّار ... بمثلهم يعاقر العقار «١» وقال ابن المعتزّ في مدح ذلك: بين أقداحهم كلام قصير ... هو سحر وما سواه كلام إيثار التفرّد بالشّراب وذمّه قال أبو نواس في ذلك: خلوت بالرّاح أناجيها ... آخذ منها وأعاطيها شربتها صرفا على وجهها ... وكنت حاسيها وساقيها وقال العطوي: أخطب لكاسك ندمانا تسرّبه ... أو لا فنادم عليه حكمة العنب «٢» وقال آخر: يئست من الألى أقبلت أسعى ... إليهم، إننّي رجل يؤوس التناهد قال شاعر: ما العيش إلا للمناهدينا ... مؤنة قضت على عشرينا «٣» ولو تفرّدنا بها خرينا

стр. 794

وقال بعضهم في متناهدين: وقال حفص لزيد حين ناهده ... منك النبيذ ومنّي الدنّ والكوز واللحم منك ومنّي النّار أنضجه ... والماء منّي ومنك الخبز مخبوز وتناهد قوم وفيهم مفلس، فقال أحدهم: عليّ كذا، وقال الآخر: وأنا عليّ كذا، إلى أن قالوا للمفلس وأنت ما عليك، فقال: لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. قال الحسن بن سهل في جماعة من القواد يتناهدون: كّنا نذمّ إلى التناهد بيننا ... حتّى رأيت تناهد القوّاد لا خير في القوّاد إلا هكذا ... يتناهدون تناهد الأوغاد «١» ترضى لنفسك أن تصاحب معشرا ... يتناهدون على خسيس الزّاد التّعفّف عن التّعرّض لأخدان النّدماء كان بعض الفضلاء ينادم صديقا له فعشقته امرأته، فتعرضت له فامتنع عليها، وقال: ربّ حسناء كالمهاة تهادى ... قد دعتني لوصلها فأبيت «٢» لم يكن بي تحرّج غير أنّي ... كنت ندمان زوجها فاستحيت وقال آخر: إنّي على ما فيّ من ... عهد الشبيبة والغضارة لأغضّ من طرفي فيأ ... منني النديم على السّتارة وكفى بعيب ذلك ما حكى الله تعالى: قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ «٣» . المعيب بتعرّضه لحرم نديمه قال بعضهم لنديم رآه يرمق بعض حرمه: كل هنيئا وما شربت مريئا ... ثمّ قم صاغرا وغير كريم لا أحبّ النّديم يرمق با ... لعين إذا ما انتشى لعرس النديم «٤» المتبجّح بالتّعرّض للنّدماء قال المهدي لعمارة بن حمزة: من أرق الناس شعرا، قال: والبة بن الحباب، قال: صدقت. قال عمارة: وما يمنع أمير المؤمنين من منادمته وهو شاعر ظريف، قال: يمنعني منه قوله: قلت لساقينا على خلوة ... ادن كذا رأسك من راسي

стр. 795

وأدن وضع صدرك لي ساعة ... إني امرؤ أنكح جلاسي أفتريد أن تكون جليسه. ولبعض الخاسرين: لا أبغض منادمي إن نكته ... إني لنيك منادمي معتاد وكذاك لست ألومه إن ناكني ... فلقد علمت كما أكيد أكاد العربدة قال الأصمعي: العربدة حية تنفخ ولا تؤذي، ومنه قيل لمعربد بوجهه خموش: ما هذه الكلوم؟ قال: آثار الكلام. وكان رجل معربد له يسار، وكان إذا عربد على واحد أعطاه خمسمائة درهم، فقال لإنسان: هل لك أن تنادمني؟ قال: على أن تعربد عليّ عربدة نحو مائتين، فإني لا أقوى على عربدة خمسمائة. وقال الحسين بن خليع: نادمت يوما إبراهيم بن المهدي فسكّر وعربد عليّ، فدعا بالنطع والسيف، فتكلم في أصحابه فتجافى عنّي، ثم تأخرت عنه فدعاني، فكتبت إليه: أمير غير منسوب ... إلى شيء من الحيف «١» سقاني مثل ما يش ... رب فعل الحرّ بالضّيف فلمّا دارت الكاس ... دعا بالنطع والسّيف كذا من يشرب الراح ... مع التنّين في الصّيف «٢» فدعاني وأرضاني. ثم كان المأمون يضاحك إبراهيم بهذه الأبيات ويولع بها. وسئل عبيد الله بن محمد عن طنبوري له، فقال: هو بليد حديد عربيد أن حث عثر وإن أمسك قصر، وان ابتدأ غلط، وإن اقترح عليه سخط، وإن دعي مطل وإن ترك تطفل. وقيل: صاحب السكر يصير إمّا إلى قردية وهو الذي يضحك ويرقص ويحاكي، أو إلى كلبية وهو الذي يهارش، أو إلى خنزيرية وهو الذي يتقيأ ويخرأ ويتلوّث فيه، أو إلى إنسانية وهو الذي يحسن خلقه. ولبعضهم يصف معربدا: إذا انتشى خاصم في الدين وإن ... صادف إنسانا يماريه «٣» ويدّعى الشرب ويهذي به ... والقدح الواحد يكفيه يحبس كاس القوم في كفّه ... حتّى إذا قالوا له إيه «٤» أفضل ثلث الكاس في قعرها ... ومجّ ثلث الكاس من فيه

стр. 796

وقال أبو نواس: ومعربد أبرزته ... للريح إذ سبّ الندامى أغلقت بابي دونه ... وتركته يرعى الخزامى «١» ويضاد ذلك ما حكى أنه أتى العريان بشارب، فقال من أنت؟ قال أنا القائل: إذا صدمتني الكاس أبدت محاسني ... ولم يخش ندماني على صدمها جهلي فقال العريان: أنعم الله بك عينا، وقال لصاحبه: إحمله على دابتك وبلغه منزله. مدح الصّفع واحتجاج الصفعان لذلك الصفع غلّة ولكنه مذلّة ويذهب بالعلّة الغليظة من العينين، إذا أردت أن يكثر نفع دارك فاصبر على الصفع المتدارك. الصفع في هذا الزمان خير من غلّة بستان. الصفع على الريق أنفع من شرب السويق. وقيل لصفعان: ما المعنى في الصفع؟ قال: هو أول منزلة من التواضع وهو يحسن الخلق ويذهب بالصغار ويخفف من الخمار ويؤمن البدن من الاقشعرار، ومن فضائله أنه يونس المستوحش ويبسط المنقبض ويضحك الحزين وينشط الكسلان ويزيل النعاس ويقوي الراس. صفع رجل آخر فغضب المصفوع، فطأطأ رأسه، وقال له: حقك في يدك خذه ولا تغضب. معارضة صفعان لمن صفعه كان صفعان مع قوم فصفعه بعض لم يكن يؤبه به من بينهم، فقال الصفعان: يا كشحان هذا يفعله من كان له قصر وفي داره طاوس وعلى بابه نعامة، لا من في داره ديك وعلى بابه كلب وحجرته بالكراء. وصفع رجل آخر فالتفت إليه، وقال: صفع بصفع أو صفع بنفع. المهجّو بأنه صفعان قال شاعر: قفاه على أكفّ الشرب وقف ... وجلدة وجهه ميدان ريق «٢» وصفع أحمد بن إسماعيل الكاتب صاحبا له، فقال: سائل طلول القفا ومصفعها ... كيف ترى راحتي وموقعها كم صائن هامة ممنّعة ... ذلّلها صافع وطبّعها ولابن حجاج في المتنبي: يا ديمة الصّفا هبّي ... على قفا المتنبيّ

стр. 797

وأنت يا ريح بطني ... على عذاريه هبّي «١» ويا قفاه تداني ... واقعد قريبا بجنبي وإن صفعتك ألفا ... فلا تقولنّ حسبي وله في بعض الكتاب: رأيت شيخا رقيعا ... للصفع فيه بقيّه مستعربا نبطيّا ... ويشتهي العجميّه فقلت ذقنك في إستي ... هذا من العربيّه وريشك بباب كوني ... هذا من العجميّه أولا فدعنج بوطئي ... هذا من النبطيه هذي لغات ثلاث ... صحيحة مستويه وقال ابن الرومي: وصفعان يجود بأخدعيه ... ويصفع نفسه في الصافعينا «٢» كهدم المشركين بيوت سوء ... بأيديهم وأيدي المؤمنينا ومما يدخل في باب الصفع، خاطر رجل على أن يصفع المطلب الهاشمي بباب الطاق فيشكره المطلب على ذلك، فوقف يوما على طريقه وصفعه من خلفه في النقرة، وقال: العقرب العقرب وكان معه عقرب منزوع الحمة فلما رأى المطلب العقرب شكره، وقال: جزيت خيرا فلولا أنت لدغتني. وصف ثقيل ما الحمام على الإصرار وحلول الدين مع الإقتار «٣» وشدة السقم على الأسفار بأثقل من لقاء فلان. وقال رجل لأبيه يا أبت: حدثني مستملى أبي حنيفة أن أبا حنيفة قال: إني ثقيل، فقال: يا بنيّ أنت ثقيل بالإسناد. وصف آخر ثقيلا، فقال: هو ثقيل جاهل بثقله والثقيل إذا علم أنه ثقيل فليس بثقيل. قال شاعر: أثقل من طلعة يوم سبت ... على ابن كتاب بليد هبت «٤» وفسر سعيد بن المسيب قول الله تعالى: عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ «٥» ، إنه ثقيل لغير رشده. وقال إنسان لأحمد بن أبي خالد: لقد أعطيت ما لم يعطه رسول الله ﷺ ، فقال له: لئن لم تخرج من ذلك لأقتلنّك، فقال: إن الله تعالى قال لنبيّه: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ

стр. 798

لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ «١» وأنت فظّ وما يبرحون حولك، فضحك منه. رؤيته أثقل من رضوى ... أثقل من واش على عاشق «٢» قال أبو العتاهية لابنه: أنت ثقيل الظلم مظلم الهواء جامد النسيم. وقال شاعر: كمثل غريم مقتض أو كأنّه ... طلوع رقيب أو نهوض حبيب وقال أبو نواس: لطلعته وخزة في الحشا ... كوخز المشارط في المحتجم وقال أحمد بن حمدون: صلف مائق ضعيف مقيت ... أحمق ساذج ضعيف الكتابه «٣» وقال آخر: وبغيض لو أنه كان صوتا ... كان إيقاعه ثقيل الثّقيل وللصاحب: ثقيل قد تربّع في الطنافس ... ينافس في لجاجته الخنافس الحثّ على مصابرة الثّقيل سأل رجل صديقا له أن يمشي معه إلى إنسان في حاجة، فقال: أحب أن تعفيني، فإنه ثقيل بغيض غثّ، فقال صاحبه: يا سيدي أحسبه الكنيف الذي تأتيه كل يوم مرتين. صعوبة ملاقاة الثّقلاء قال الأعمش: ما نظرت إلى ثقيل إلا اشتكت عيني، وقال: ربما سألني ثقيل عن مسألة فأنساها في الوقت، لما ينالني منه. وقال ابن عمر ﵁: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقال مالك لطبيبه: أنظر مجسي فجسه، وقال: مزاجك معتدل إلا أن فيه كدرا فهل وصل إليك اليوم بغيض؟ قال: نعم، قال: فهذا من ذاك. وقيل: مجالسة الثقيل حمى الروح، ومنه أخذ أبو هفان: أورثتني بجلوس ... إليك حمّى مليله وقيل لأنوشروان: ما بال الرجل يحمل الحمل الثقيل فلا يعييه ولا يحمل مجالسة الثقيل، فقال: لأن الحمل تشترك فيه الأعضاء والثقيل تنفرد به الروح. الأحوال المفضية للثّقل قال ابن سيرين: مكتوب في كتاب سوء الأدب إذا أتيت منزل قوم فلم ترض بما

стр. 799

يأكلون، وسألتهم ما لا يجدون، وكلفتهم ما لا يطيقون، وأسمعتهم ما يكرهون، فإن لم يخرجوك فهم لذلك مستأهلون. وقيل: من مقتضيات الثقل إن يكون الإنسان يتتايس وهو يقدر أن يتكايس. ودخل ثقيل على ابن أبي البغل فأطال الجلوس، فلما خرج الناس قال: هل من حاجة؟ قال: لا، فانظره ساعة، ثم قال ما اسمك؟ قال: أبو عبد الله، محمد بن عبد الله، فقال لحاجبه: خذ بيد أبي عبد الله محمد بن عبد الله واطرده إلى لعنة الله. التّعريض بثقيل قال ابن عائشة: ذكر الله تعالى الثقلاء، فقال: فإذا طعمتم فانتشروا. وشرب بغيض عند رجل، فلما أمسى لم يأته بسراج، فقال: أين السراج؟ قال: إن الله يقول وإذا أظلم عليهم قاموا. قال ثعلب لرجل استثقله: خاتم طاوس، فلم يعلم الرجل ما عناه، فقال له ثعلب: إن طاوسا نقش على خاتمه أبرمت فقم، فإذا استثقل رجلا دفعه إليه وقال اقرأه. وعاد الشعبيّ ثقيل فأطال الجلوس، ثم قال: ما أشد ما مرّ عليك في مرضك، قال: قعودك عندي. ودخل ثقيل إلى الصاحب فأطال الجلوس وتبرم به، فكتب رقعة ودفعها إليه فيها: إن كنت تزعم أن الدار تملكها ... حتّى نقوم فنبغي غيرها دارا أو كنت تعلم أن الدار أملكها ... فقم لكي تذهب الأحزان والعارا ودخل علي ابن مكرم أخوان من أولاد دينار، فاستثقل أحدهما واستطاب الآخر، فانزعج الثقيل وبقي الآخر. فقال له ما مثلك ومثل أخيك إلا ما قال الله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ «١» . اغتياب الثّقلاء والوقيعة فيهم قال معمر: لا غيبة للثقلاء والوقيعة فيهم من اللذات. وفي مجالسات أبي بكر بن دريد لم يبق من لذة الدنيا إلا أكل القديد وحك الجرب والوقيعة في الثقلاء. وفي وصف بارد: هو جبل همدان وماء سيدان، قال يوسف بن المغيرة: ومن يقتل الأبطال بأسا ونجدة ... فإن أبا يعقوب يقتلهم بردا وقال آخر: إنما ظرف أبي العيناء في المجلس لحظه ... فإذا طاولته استبردت معناه ولفظه

стр. 800

وصف ساق يشغف الشرب بحسنه ويلهيهم بغنجه لأبي فراس وقد حضر مجلسا فثمل، فقيل له: سكرت، فأنشأ يقول: سكرت من لحظه لا من مدامته ... ومال بالنّوم عن عيني تمايله وما السّلاف دهتني بل سوالفه ... وما الشّمول دهتني بل شمائله «١» لوى بعقلي أصداغ لوين له ... وغال صبري ما تحوي غلائله «٢» وقال آخر: وساع على صحبي بصهباء ... كالغصن المغتص بالماء أغار من وقفته كلّما ... قال لحاسي الكاس مولائي حتّى لقد صاروا وهم أخوتي ... من شدّة الغيرة أعدائي وصف ساق تشبه وجنته خمرة قال ديك الجن: فقام بخمر يخضب الكفّ كاسها ... وتحسبه من وجنتيه استعارها «٣» أخذه ابن المعتزّ وزاد عليه، فقال: تدور علينا الراح من كفّ شادن ... له لحظ عين يشتكي السقم مدنف «٤» كأن سلاف الخمر من ماء خدّه ... وعنقودها من شعره الجعد يقطف وقال جحظة: وخمارة من بنات القسوس ... تبيع المدامة في دارها وجاءت تهادى كقدّ القضيب ... سقته الغوادي بأمطارها «٥» وفي كفّها قهوة في الإناء ... وكالنّار لم تغل في نارها كوجنة من هي في كفّها ... ونكهتها وقت أسحارها فمن قارص وردتي خدّها ... ومن جاذب فضل زنّارها «٦» وقال الفرح الصالحي: ثمل من خمر ريقته ... عطر من ورد وجنته

стр. 801

قام والأرداف تقعده ... والدّجا من لون طرّته فسقاني الخمر من يده ... وحللنا عقد تكته «١» ساق يطيب من يده المدام . قال شاعر: ولم يكن الشراب كذا لذيذا ... ولكن طاب حامله فطابا وقال ابن المعتزّ: إشرب عقارا كأنّها قبس ... قد سبك الدهر تبرها فصفا بيدي لثام الإبريق من دمها ... كأنّه راعف وما رعفا بكفّ ساق حلو شمائله ... مكر لحظ عينه صلفا «٢» وصف الشّراب والسّاقي وقال السري الرفاء، وقد أحسن في وصف الساقي: وكأنّما أبدى لنا بمدامه ... وجماله صاح العزيز ويوسفا «٣» وقال أبو نضلة: قام الغلام يديرها في كأسه ... فكأن بدر التمّ يحمل كوكبا وقال الخوارزمي: يدور بها ظبي تدور عيوننا ... على عينه من شرط يحيى بن أكثم ينزّهنا من ثغره ومدامه ... وخدّيه في شمس وبدر وأنجم حثّ الساقي على السّقي . قال شاعر: أيّها السّاقي أجد حثّ القدح ... واسقني ويحك مفتاح الفرح وقال أبو نواس: أيّها السّاقي علاما ... تحبس الكاس علاما بعد ما لذّت وطابت ... ونفت عنّا اهتماما سمّي الخمر مداما ... فأدم هذا المداما وصل الكاس بكاس ... تدع الشيخ غلاما «٤»

стр. 802

حثّ القوم على الشّرب كان رجل يشرب مع قوم، فإذا أخذ القدح أطال إمساكه، فقال ساقيهم: إشرب وهبه في كفك من يوم مولدك. وقال آخر لمن يحبس الكاس: أليس لو بقي في كفك أياما وقد مزجته كان يتغير؟ قال: نعم، قال: فلا أرى ساعة تمضي إلا ولها قسط من التغير، فاشربه. وكتب بعضهم على كاس: قالت الكاس لساقيها إلى ... كم تحسبوني إنّ جسمي من زجاج ... فاحذروا ألا تكسروني واجعلوا السّاقي خشف ... اومع الخشف ذروني «١» وإذا أنتم ثقلتم ... فخذوني في سكوني الحثّ على المزج والمنع منه قال أبو نواس: فقوما فامزجا خمرا بماء ... فإن نتاج بينهما السرور وكان رجل يسقي آخر صرفا، ويغنّي له: يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم فكان ينشد وجلدة ما بين العين والأنف سالم فيكسر البيت ويزيد فيه لفظة ما، فقال صاحبه: الأولى أن تجعل ما التي في بيتك في قدحك، وقال حسان في المنع من المزج: إن التي ناولتني فرددتها ... قتلت قتلت فهاتها لم تقتل كلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل وقال أبو نواس: أثن على الخمر بآلائها ... وسمّها أحسن أسمائها لا تجعل الماء لها قاهرا ... ولا تسلّطها على مائها «٢» وأنكر بعض الشرب على الساقي كثرة المزج، فقال: تريدون في مائكم نبيذا. حثّ الساقي على العدل بين القوم قال علي بن داود في كتاب الزهرة: ليتحرّ الساقي العدل فإنه والي العقول وإلا ناله من خجلة الاستعفاء ما ينال الوالي من خجلة العزل.

стр. 803

(٣) ومما جاء في وصف المجالس وأمكنة الشرب . اختيار المجلس الفسيح قيل للأحنف: أي المجالس أحب إليك؟ قال: ما سافر فيه البصر واتدع فيه البدن. وقيل: المنازل الضيقة العمى الأصغر. وسئل بعضهم عن الغنى، فقال: سعة البيوت ودوام القوت. وقيل لبعضهم: ما السرور؟ فقال: دار قوراء وامرأة حسناء وفرس مربوطة بالفناء. وقيل لبعضهم: أي المجالس أطيب؟ فقال: لولا أن الشمس تحرق والمطر يغرق لما كان في الدنيا أحسن من شرب في الفضاء على وجه السماء. وحدثني أبو سعيد بن مرداس أنه قعد مع جماعة فيهم ابن بابك تحت عريش كرم يشربون فأصابهم مطر، فقال ابن بابك: وشى بريّا إليّ ... طيف ألمّ فحيّا ونبهتني شمول ... تموت فيّ وأحيا يا صخرة الرّعد رشّي ... دمع الغمام عليّا فحبّذا الروح وردا ... ومنحنى النورفيّا هذي سماء مدام ... لم تمش فيها الحميّا فكلّ كرم سماء ... وكلّ نجم ثريّا حديث كلّ مجلس قال أرسطاطاليس للإسكندر: احفظ ما أقول لك، إذا كنت في مجلس الشرب فليكن مذاكرتك الغزل فإنهم يأنسون إلى ذلك، وإذا جلست إلى خاصّتك فاذكر الحكمة فإنهم لها أفهم، وإذا خلوت للنوم فاذكر العفّة فإنها تمنعك أن تضع النطفة في ما لا معنى له. مدح القعود في طرف المجلس والاعتذار لذلك دخل بعض الصوفية على الجنيد وقعد في طرف المجلس، وقال: حسبي يا سيّدي من مجلسك مكاني من قلبك. وقيل: الأطراف مجالس الأشراف. ودخل رجل على بعض الكبار فصدّره، ثم دخل آخر فقال له: تنح قليلا فرفعه إلى جنبه، ثم دخل آخر فقال له مثل قوله. فلم يزل الداخل الأول يتنحى حتى صار في طرف البساط، فقال لصاحب المنزل: قد تفرزنت أقوم فأرجع إلى موضعي، فضحك منه ورفعه إلى موضعه الأول. الجلوس على الطّرق وفي المساجد مر رسول الله ﷺ على رهط، فيهم عمر بن الخطاب ﵁، فقال: إيّاكم

стр. 804

والجلوس بهذه فإنها سبيل من سبل النار، أو قال من سبل الشيطان، ثم التفت فقال: فإن أبيتم فأدوا حقّ الطريق، قالوا: وما حق الطريق؟ قال: رد السلام وغض البصر وكف الأذى وهداية الضال وإغاثة المهلوف. وقال الشعبي: من أراد أن يكثر علمه فليجتنب مجالس قومه. وقيل: المساجد مجالس الكرام. ذمّ الجلوس في الشّمس وحمده روي عن أمير المؤمنين ﵁ أنه رأى رجلا جالسا في الشمس، فقال: قم عنها فإنها مبخرة مجفرة تنغل الريح وتظهر الداء الدفين وتذهب شهوة الشتاء. وقال أبو تمّام: وإن صريح الحزم والرأي لامرؤ ... إذا أدركته الشمس أن يتحوّلا ضيق المجلس ما ضاق مجلس على محبين ولا اتسع لمتباغضين. وقال الصاحب في معناه، وقد نقله من أبيات خراسانية: كنّا وأسباب الهوى متّفقه ... نغدو من الورد معا في ورقه «١» واليوم إذ أسبابه مفترقه ... قد صارت الدنيا علينا غلقه وكثر تمثل الناس بقول الشاعر: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ... ولكنّ أخلاق الرّجال تضيق وقال ابن المعتزّ، وقد حضر قوما ضاق بهم المجلس: لا تحسبنّ الدّهر يجمع حبه ... في قشرة إلّا كما نحن هنا وقال آخر يعتذر من ضيق داره وقلّة زاده: إن يضق منزلي فإنّي كريم ... واسع الخلق واسع الآداب لست آسى على الكثير من الزا ... د إذا كان فيه قوت صحابي الحثّ على التوسّع لمن حضر المجلس قال النبي ﷺ : لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسّحوا وتوسّعوا. وقال الله تعالى: إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ «٢» (الآية) . حضر بعض الناس مجلس الحسن بن سهل، وكان المجلس ضيقا، فقال: تحّفزوا فإن في التحفز توسعه الجالس المستوفز. قيل: اثنان ظالمان رجل وسع له في مكان ضيق

стр. 805

فقعد فيه متربعا منتفخا، وآخر أهديت له نصيحة فاتخذها ذنبا. تفقّد الجلسة قال عبد الملك: إني لأعرف عزّة الرجل في جلسته. وقيل: اختلاف صور جلوس الناس على اختلاف أحوالهم. وقيل: للمملوك جلسة وللراغب جلسة وللندام جلسة وللملاعب جلسة وللمطرب جلسة وللضيف جلسة. الانتقال من مجلس إلى مجلس قال الصولي: شرب عندي ابن أبي فنن يوما، فقلت له قم بنا ننتقل إلى مجلس آخر، فقال: النقلة من الإسلام كفر ومن النسب لؤم ومن المجلس سخف. وقيل لبعضهم: انتقل، فقال: النقلة مثلة. وكان المأمون كثير التنتقل في مجالسه، ويتمثّل بقول أبي العتاهية: لا بدّ للنّفس إن كانت مدبرة ... من التنقّل من حال إلى حال حمد الرّاضي بالقعود دون ما يستحقّ قال الأحنف ﵀: ما جلست مجلسا خفت أن أقام منه لغيري. وقال الشعبيّ: لأن ادعى من بعيد أحب إليّ من أن أدفع من قريب. مجلس أو وقت مستطاب قال ابن أبي البغل: جلسنا مجلسا حسنا نظيفا ... خلا من كلّ ذي صلف وبغض «١» وقال آخر: ومجلس غاب عنه عاذله ... تبدّل فيه الهموم بالطّرب وقال ابن المعتزّ: كأنا من بشاشتنا ظللنا ... بيوم ليس من هذا الزّمان إيثار الشّرب واللهو باللّيل كان ابن المعتزّ لا يشرب إلا ليلا، ويقول: الليل أمتع، لا يطرقك فيه خبر فاظع ولا سبب مانع، والنهار أبرص لا يتم فيه سرور. أخذ ذلك كشاجم، فقال: اتخذ الليل جمل ... ما حمل الليل حمل آمن فيه زائرا ... يشغلني عن الشّغل «٢»

стр. 806

وقال آخر: ولم أر مثل الليل جنّة فاتك ... إذا همّ أمضى أو غنيمة ناسك وقال بشّار: قد نام واش وغاب ذو حسد ... فاشرب هنيئا خلا لك الجوّ ويروى لمحمد بن بشير. ويقال: كتب معاوية إلى إبنه يزيد بهذه الأبيات: شمّر نهارا في طلاب العلا ... واصبر على هجر الحبيب القريب حتّى إذا الليل أتى مقبلا ... واكتحلت بالغمض عين الرّقيب فقابل الليل بما تشتهي ... فإنّما الليل نهار الأريب كم فاسق تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب ويروى أن يحيى بن خالد كتب إلى الفضل ابنه، وهو بخراسان، وقد بلغه اشتغاله باللهو: أما بعد فقد بلغني عنك ما كنت جديرا بغيره، وقد يهفو الحكيم ويزل الحليم ثم يرجع إلى ما هو به أولى، حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا به، وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت خالفتها هجرتك وعزلتك. وكتب إليه بالأبيات المتقدّمة، فلما قرأها آلى على نفسه أن لا يشرب النبيذ بخراسان. الحثّ على مبادرة الصّباح في تناول الرّاح قال جحظة: قد بدا إلي الصبح يا مو ... لاي يحدو بالظّلام فانتبه نقض لبانا ... ت اعتناق والتزام قبل أن تفضحنا عو ... رة أنفاس النّيام وقال أبو نواس: بادر صباحك بالصّبوح ولا تكن ... كمسوّفين غدوا عليك شحاحا «١» وخدين لذات معلّل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا نبهته والليل ملتبس به ... وأزحت منه نعاسه فانزاحا قال إبغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوؤها مصباحا إيثار الشّرب بالنّهار والصّبوح قال العطوي: إنّ شرب النبيذ سير إلى الله ... وو خير المسير صدر النّهار

стр. 807

وقال آخر: ومن العجائب أن يكون نبيذه ... كدم الذّبيح وأمره متظاهر فتراه ينتظر العشيّ بشربه ... واليوم منهمل السحائب ماطر وقال كشاجم: وأحبّ أوقات النّعيم ... إليّ في وقت السّحر أوقات الشّرب في الأسبوع كان الوليد يشرب يوما ويدع يوما، وسليمان يشرب في كل ليلة، وهشام يسكر في كل جمعة، ويزيد بن الوليد يدمن الشرب فكان دهره بين سكر وخمار، وكان المنصور يشرب عشية الثلاثاوات، وكان المأمون يشرب الثلاثاء والمعتصم لا يشرب الخميس ولا الجمعة. قصد الحانات من عادتهم: التبجح بقصد الحانات وابتياع الخمر، ولذلك قال طرفة: متى تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد «١» وبكر أبو الهندي على خمار فاصطبح وسكر ونام، ودخل على الخمار فتيان فرأوه فسألوا عنه الخمار فأخبرهم بمكانه، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى ناموا، فلما استيقظ أبو الهندي رآهم فسأله عنهم فأخبره بهم، فقال: ألحقني بهم فأقاموا على ذلك عشرة أيام، فقال أبو الهندي يصف ذلك: ندامي بعد عاشرة تلاقوا ... تضمّهم بكوذبان راح «٢» رأوني في الشّروق على وساد ... يفيض بمهجتي ورد وراح فقالوا أيّها الخمّار من ذا ... فقال أخ تخوّنه صلاح فقالوا قم فألحقحنا وعجل ... به إنا لمصرعه نراح وحان تنبّهي فسألت عنهم ... فقال أتاحهم قدر متاح فقلت له فسرّحني إليهم ... حثيثا والسّراح هو النّجاح فما إن زال ذاك الدّأب منّا ... إلى عشر نفيق ونستباح وله: وصاحب حانوت عشوت لناره ... وقد مالت الجوزاء نحو المغارب «٣» فقال ألا عجّل لنا النقد إنّنا ... أناس أخذنا بالكرا والضّرائب «٤»

стр. 808

نثرت له عشرين بيضا كأنّها ... على كفّة الميزان زهر الكواكب فصبّ لنا حمراء ينزو حبابها ... إذا شعشعت بالدنّ نزو الجنادب «١» وقال ابن المعتزّ، وهي أبيات مستحسنة ولذلك ذكرت جملتها: وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... إلى بيت خمّار فحطّوا به رحلا وقام إلى مخزونة بابلية ... كست دنّها أيدي عناكبها غزلا «٢» مسندة قامت ثلاثين حجّة ... كواضعة رجلا وقد رفعت رجلا وأخرج بالميزان منها سبيكة ... كما فتل الصواغ خلخاله فتلا إذا قرعت بالماء خلت بكاسها ... مدبّ دبا تعلو أكارعه رملا فلما رأوها في الزّجاجة سبّحوا ... وكبّر إجلالا لها العلج أو صلّى وظلّ يناجي شحّ نفس وجودها ... فطورا بها صعبا وطورا بها سهلا فما زال حتّى زال بالمال حكمه ... ولم ندّخر عنها السماحة والبذلا «٣» وجاؤوا بها كالشّمس يأكل نورها ... زجاجتها في كفّ شاربها أكلا عروس جعلنا مهرها بعض ديننا ... فما رضيت حتى وهبنا لها الكلّا وله: لا علم لي أين يثوي الخضر من بلد ... لكنّ إبليس في قطر بل ثاوي «٤» بحيث لا لوم في سكر ولا طرب ... ولا يقصر في أفعاله غاوي (٤) ومما جاء في وصف آلات الشرب والمجالس الأباريق المفدّمة والطّوال الأعناق وقال أبو الهندي: مفدّمة قزا كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرّعد «٥» وقد زاد هذا على قول علقمة: كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدّم لبس الكتّان ملثوم

стр. 809

وقال آخر: كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... أوز بأعلى الطفّ عوج الحناجر وقال ابن المعتزّ في إبريق في فمه قطرة: كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار قرقرة الإبريق قال ابن المعتزّ: وكأن إبريق المدامة بيننا ... ظبي على شرف أناف مدلّها «١» لما استحثتها السقاة حنا لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها وقال الزاهي: كأن إبريقها فينا مطوّقة ... مدّت جناحا وقد غنّت بتغريد وقال أبو نواس: كأن قهقهة الإبريق إذ سكبت ... رجع المزامير وتغريد فأفاء «٢» وقال آخر: والكون يضحك كالغزال مسبّحا ... عند الرّكوع بلفظة الفأفاء وقال ابن أبي البغل: نادمت إبريقها فتمتم لي ... في ليلة طرمساء ظلماء «٣» حتّى إذا عاد في فصاحته ... صار لساني لسان فأفاء وقال علي بن عصام الأصفهاني: متى بكى الإبريق في كفّه ... أغربت الأرطال في الضحك «٤» إبريق مبذول العروة قال البسّامي في وصفه: إبريق صفر كأنّه قبس ... يشبه لوني بفرط صفرته يمناه ممدودة لمسألة ... منه ويسراه فوق هامته ولبعض المحدثين، ويعرف بالمخزومي البصري، في صفة إبريق فضة وقد استطرد إليه من مدح: لقد ظلم الفضّة المقتناة ... يدلك فيها سريع حثيث

стр. 810

قأقبل إبريقها يشتكيه ... مستعديا لك فيما تعيث فإحدى يديه على رأسه ... وأخرى ممددة تستغيث وقال آخر: كأنّه مسترفد مدّ يدا ... وألصق الأخرى بأعلى رأسه كؤوس مصوّرة قال أبو نواس: تدار علينا الراح في عسجديّة ... حبتها بأنواع التصاوير فارس «١» قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدرّيها بالقسيّ الفوارس فللخمر ما زرّت عليه جيوبنا ... وللماء ما حازت عليه القلانس «٢» وقال السري الرفاء: وموسومة كاساتها بفوارس ... من الفرس تطفو في المدام وتغرق أقبل منه كلّ شاك سلاحه ... وفي يده سهم إليّ مفوّق كأس وخمر قال أبو تمّام: نار ونور قيّدا بوعاء وقال ابن سباط: وكأس من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار هواء ولكنّه جامد ... وماء ولكنه غير جار وقال ابن المعتزّ: كأن الكاس في يده عروس ... لها من لؤلؤ رطب وشاح وقال الصنوبريّ: عقار إذا رديت بالزّجاج ... تردّى الزجاج رداء البهاء فيأتي الوعاء لها حاملا ... وتحسب حاملة للوعاء ونحوهما قول الصاحب: رقّ الزجاج وراقت الخمر البيتين وقد تقدما.
следующие страницы →