Полный текст (1 556 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وقال آخر:
ولم أر مثل الليل جنّة فاتك ... إذا همّ أمضى أو غنيمة ناسك
وقال بشّار:
قد نام واش وغاب ذو حسد ... فاشرب هنيئا خلا لك الجوّ
ويروى لمحمد بن بشير. ويقال: كتب معاوية إلى إبنه يزيد بهذه الأبيات:
شمّر نهارا في طلاب العلا ... واصبر على هجر الحبيب القريب
حتّى إذا الليل أتى مقبلا ... واكتحلت بالغمض عين الرّقيب
فقابل الليل بما تشتهي ... فإنّما الليل نهار الأريب
كم فاسق تحسبه ناسكا ... يستقبل الليل بأمر عجيب
ويروى أن يحيى بن خالد كتب إلى الفضل ابنه، وهو بخراسان، وقد بلغه اشتغاله باللهو:
أما بعد فقد بلغني عنك ما كنت جديرا بغيره، وقد يهفو الحكيم ويزل الحليم ثم يرجع إلى ما هو به أولى، حتى كأن أهل دهره لم يعرفوه إلا به، وقد كتبت إليك بأبيات إن أنت خالفتها هجرتك وعزلتك. وكتب إليه بالأبيات المتقدّمة، فلما قرأها آلى على نفسه أن لا يشرب النبيذ بخراسان.
الحثّ على مبادرة الصّباح في تناول الرّاح
قال جحظة:
قد بدا إلي الصبح يا مو ... لاي يحدو بالظّلام
فانتبه نقض لبانا ... ت اعتناق والتزام
قبل أن تفضحنا عو ... رة أنفاس النّيام
وقال أبو نواس:
بادر صباحك بالصّبوح ولا تكن ... كمسوّفين غدوا عليك شحاحا «١»
وخدين لذات معلّل صاحب ... يقتات منه فكاهة ومزاحا
نبهته والليل ملتبس به ... وأزحت منه نعاسه فانزاحا
قال إبغني المصباح قلت له اتئد ... حسبي وحسبك ضوؤها مصباحا
إيثار الشّرب بالنّهار والصّبوح
قال العطوي:
إنّ شرب النبيذ سير إلى الله ... وو خير المسير صدر النّهار
стр. 807
وقال آخر:
ومن العجائب أن يكون نبيذه ... كدم الذّبيح وأمره متظاهر
فتراه ينتظر العشيّ بشربه ... واليوم منهمل السحائب ماطر
وقال كشاجم:
وأحبّ أوقات النّعيم ... إليّ في وقت السّحر
أوقات الشّرب في الأسبوع
كان الوليد يشرب يوما ويدع يوما، وسليمان يشرب في كل ليلة، وهشام يسكر في كل جمعة، ويزيد بن الوليد يدمن الشرب فكان دهره بين سكر وخمار، وكان المنصور يشرب عشية الثلاثاوات، وكان المأمون يشرب الثلاثاء والمعتصم لا يشرب الخميس ولا الجمعة.
قصد الحانات
من عادتهم: التبجح بقصد الحانات وابتياع الخمر، ولذلك قال طرفة:
متى تبغني في حلقة القوم تلقني ... وإن تلتمسني في الحوانيت تصطد «١»
وبكر أبو الهندي على خمار فاصطبح وسكر ونام، ودخل على الخمار فتيان فرأوه فسألوا عنه الخمار فأخبرهم بمكانه، فقالوا: ألحقنا به فسقاهم حتى ناموا، فلما استيقظ أبو الهندي رآهم فسأله عنهم فأخبره بهم، فقال: ألحقني بهم فأقاموا على ذلك عشرة أيام، فقال أبو الهندي يصف ذلك:
ندامي بعد عاشرة تلاقوا ... تضمّهم بكوذبان راح «٢»
رأوني في الشّروق على وساد ... يفيض بمهجتي ورد وراح
فقالوا أيّها الخمّار من ذا ... فقال أخ تخوّنه صلاح
فقالوا قم فألحقحنا وعجل ... به إنا لمصرعه نراح
وحان تنبّهي فسألت عنهم ... فقال أتاحهم قدر متاح
فقلت له فسرّحني إليهم ... حثيثا والسّراح هو النّجاح
فما إن زال ذاك الدّأب منّا ... إلى عشر نفيق ونستباح
وله:
وصاحب حانوت عشوت لناره ... وقد مالت الجوزاء نحو المغارب «٣»
فقال ألا عجّل لنا النقد إنّنا ... أناس أخذنا بالكرا والضّرائب «٤»
стр. 808
نثرت له عشرين بيضا كأنّها ... على كفّة الميزان زهر الكواكب
فصبّ لنا حمراء ينزو حبابها ... إذا شعشعت بالدنّ نزو الجنادب «١»
وقال ابن المعتزّ، وهي أبيات مستحسنة ولذلك ذكرت جملتها:
وفتيان صدق قد بعثت بسحرة ... إلى بيت خمّار فحطّوا به رحلا
وقام إلى مخزونة بابلية ... كست دنّها أيدي عناكبها غزلا «٢»
مسندة قامت ثلاثين حجّة ... كواضعة رجلا وقد رفعت رجلا
وأخرج بالميزان منها سبيكة ... كما فتل الصواغ خلخاله فتلا
إذا قرعت بالماء خلت بكاسها ... مدبّ دبا تعلو أكارعه رملا
فلما رأوها في الزّجاجة سبّحوا ... وكبّر إجلالا لها العلج أو صلّى
وظلّ يناجي شحّ نفس وجودها ... فطورا بها صعبا وطورا بها سهلا
فما زال حتّى زال بالمال حكمه ... ولم ندّخر عنها السماحة والبذلا «٣»
وجاؤوا بها كالشّمس يأكل نورها ... زجاجتها في كفّ شاربها أكلا
عروس جعلنا مهرها بعض ديننا ... فما رضيت حتى وهبنا لها الكلّا
وله:
لا علم لي أين يثوي الخضر من بلد ... لكنّ إبليس في قطر بل ثاوي «٤»
بحيث لا لوم في سكر ولا طرب ... ولا يقصر في أفعاله غاوي
(٤) ومما جاء في وصف آلات الشرب والمجالس
الأباريق المفدّمة والطّوال الأعناق
وقال أبو الهندي:
مفدّمة قزا كأنّ رقابها ... رقاب بنات الماء أفزعها الرّعد «٥»
وقد زاد هذا على قول علقمة:
كأن إبريقهم ظبي على شرف ... مفدّم لبس الكتّان ملثوم
стр. 809
وقال آخر:
كأنّ أباريق الشّمول عشيّة ... أوز بأعلى الطفّ عوج الحناجر
وقال ابن المعتزّ في إبريق في فمه قطرة:
كأن إبريقنا والراح في فمه ... طير تناول ياقوتا بمنقار
قرقرة الإبريق
قال ابن المعتزّ:
وكأن إبريق المدامة بيننا ... ظبي على شرف أناف مدلّها «١»
لما استحثتها السقاة حنا لها ... فبكى على قدح النديم وقهقها
وقال الزاهي:
كأن إبريقها فينا مطوّقة ... مدّت جناحا وقد غنّت بتغريد
وقال أبو نواس:
كأن قهقهة الإبريق إذ سكبت ... رجع المزامير وتغريد فأفاء «٢»
وقال آخر:
والكون يضحك كالغزال مسبّحا ... عند الرّكوع بلفظة الفأفاء
وقال ابن أبي البغل:
نادمت إبريقها فتمتم لي ... في ليلة طرمساء ظلماء «٣»
حتّى إذا عاد في فصاحته ... صار لساني لسان فأفاء
وقال علي بن عصام الأصفهاني:
متى بكى الإبريق في كفّه ... أغربت الأرطال في الضحك «٤»
إبريق مبذول العروة
قال البسّامي في وصفه:
إبريق صفر كأنّه قبس ... يشبه لوني بفرط صفرته
يمناه ممدودة لمسألة ... منه ويسراه فوق هامته
ولبعض المحدثين، ويعرف بالمخزومي البصري، في صفة إبريق فضة وقد استطرد إليه من مدح:
لقد ظلم الفضّة المقتناة ... يدلك فيها سريع حثيث
стр. 810
قأقبل إبريقها يشتكيه ... مستعديا لك فيما تعيث
فإحدى يديه على رأسه ... وأخرى ممددة تستغيث
وقال آخر:
كأنّه مسترفد مدّ يدا ... وألصق الأخرى بأعلى رأسه
كؤوس مصوّرة
قال أبو نواس:
تدار علينا الراح في عسجديّة ... حبتها بأنواع التصاوير فارس «١»
قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدرّيها بالقسيّ الفوارس
فللخمر ما زرّت عليه جيوبنا ... وللماء ما حازت عليه القلانس «٢»
وقال السري الرفاء:
وموسومة كاساتها بفوارس ... من الفرس تطفو في المدام وتغرق
أقبل منه كلّ شاك سلاحه ... وفي يده سهم إليّ مفوّق
كأس وخمر
قال أبو تمّام:
نار ونور قيّدا بوعاء
وقال ابن سباط:
وكأس من الشمس مخلوقة ... بدت لك في قدح من نهار
هواء ولكنّه جامد ... وماء ولكنه غير جار
وقال ابن المعتزّ:
كأن الكاس في يده عروس ... لها من لؤلؤ رطب وشاح
وقال الصنوبريّ:
عقار إذا رديت بالزّجاج ... تردّى الزجاج رداء البهاء
فيأتي الوعاء لها حاملا ... وتحسب حاملة للوعاء
ونحوهما قول الصاحب:
رقّ الزجاج وراقت الخمر
البيتين وقد تقدما.
стр. 811
وقال الأخطل:
أناخوا فجرّوا شاصيات كأنّها ... رجال من السّودان لم تتسربل «١»
وقال بشّار:
وكأن الزقّ زنجيّ سرق
وقال أبو الهندي يصفه:
حبشيّ قطعت منه الرّكب
وقال الأعشى:
حبشيّ كبّ عمدا فانبطح
والأول أحسن.
معصرة
قال ببغاء يصفها:
ومعصرة أنخت بها ... وقرن الشّمس لم يغب
فخلت قرارها بالرا ... ح بعض معادن الذهب
وقد ذرفت لفقد الكر ... م فيها أعين العنب
الرّاووق
قال كشاجم:
كأنما الراووق وانتصابه ... خرطوم فيل قلعت أنيابه
الدّن
قال ابن المعتز:
ودنان كمثل صفّ الرجال ... قد أقيموا ليرقصوا دستبندا «٢»
وقال آخر:
قهوة بنت دنان ... عتّقت خمسين عاما
خلتها في البيت جندا ... صفّفوا حولي قياما
وقال السري في دنان خاليات:
وشعث دنان خاليات كأنّها ... صدور رجال فارقتها قلوبها «٣»
стр. 812
كيزان الفقاع
قال الخوارزمي:
وضيقة الفم دحداحة ... عليها قميص ندى أخضر «١»
وقال أبو طالب المأموني:
تثور إذا كشفوا رأسها ... وإن قبّلوا فمها تهدر
وقال آخر:
وربّ فقاعة رأيت بها ... ثدي كعاب مسوّد الحلمه «٢»
حللت زنّارها فأظهر لي ... شهب بزاة تطير من أكمه «٣»
(٥) ومما جاء في الغناء والمغنّين والملاهي وآلاتها
الرّخصة في الغناء
قيل لأبي حنيفة وسفيان رحمهما الله: ما تقولان في الغناء؟ فقالا: ليس من الكبائر ولا من أسوأ الصغائر، وقيل للعتابي، فقال: حلال من الفائق حرام من غير الحاذق.
وسئل بعضهم: فقال: هو من ارتياح الكرم وامتياح النعم، من قال: هو مباح وإلا قال ليس فيه جناح، قد يعفو الله عما فوقه ويأخذ بما دونه. وقال ابن الرواندي اختلفوا في جواز الغناء، وأنا أخالف الفريقين، فأقول: هو واجب.
مرّ عمر ﵁ بدار قوم فسمع ضجة، فقال: ما هو؟ فقيل: عرس، فقال:
وما يمنعهم أن يخرجوا غرابيلهم فإنها من أمارة العرس.
وحضر الشعبي وليمة، فقال: كأنكم في نائحة أين الدف؟ وقال عبد الملك لعبد الله بن جعفر: من أين استجزتم معشر أهل المدينة الغناء الذي استقبحناه؟ فقال له ابن جعفر: أنت تأتي ما هو أقبح من هذا وأنت في غفلة عنه، يأتيك أعرابي جلف مهلب العجان منتن الأبطين فيقذف عندك المحصنات ويشبّب بربّات الحجال، ويقول فيهن الزور، ثم يشبهك مرة بحجر ومرة بشجر ومرة بالأسد والسيل والبحر فتصغي إليه وتخلع عليه.
قال بعض الفقهاء بحضرة الرشيد لابن جامع الغناء: يفطر الصائم، فقال: ما تقول في بيت عمر بن أبي ربيعة إذا أنشد، أمن آل نعم أنت غاد فمبكر، أيفطر الصائم؟ قال: لا قال إنما هو أن أمد به صوتي وأحرك به رأسي.
стр. 813
فضل الغناء
قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: مدار الدنيا على أربع، البناء والنساء والطلاء والغناء. وقيل: اللذات أربع، أكل وشرب وسماع ونكاح، وكل يوصل إليه بتعب إلا الغناء. لا يكره الغناء إلا من عرضت له آفة في حاسته، كما لا يكره الطيب إلا من في شمه آفة. وحكى أهل الهند أن الزندبيل إذا أخذ امتنع من العلف فيغني له بالألحان الشجيّة حتى تطيب نفسه من سمع الغناء، فإن لم يرتح له كان عديم الحس أو سقيم النفس.
وكان حكماء الهند يسمعون المريض الغناء، ويزعمون أنه يخفف العلة ويقوي الطبيعة، وبالأصوات الطيبة ينوّم الطفل وتحدى الإبل وتجمع السمك في حظائرها وتصطاد الظباء والأسود من مرابضها.
وقيل: الغناء غذاء الأرواح كما أن الطعام غذاء الأشباح. وهو يصفي الفهم ويرقق الذهن ويلين العريكة ويثني الأعطاف ويشجع الجبان ويسخي البخيل.
ذمّ الغناء
قال يزيد بن الوليد لأهله: إياكم والغناء فإنه يسقط المروءة وينقص الحياء ويبدي العورة ويزيد في الشهوة، وإنه لينوب عن الخمر ويصنع بالعقل ما يصنعه السكر، فإن كان ولا بد فجنبوه النساء فإنه داع إلى الزنا.
سئل صالح بن عبد الجليل عن السماع، فقال: ما وجدت قلبك يصلح له فافعله. مر مسلمة بن عبد الملك يوما بقصر أخيه سليمان، فسمع صوت مغن فغدا إلى سليمان، وقال يا أمير المؤمنين: مررت أمس بالقصر الذي فيه حرمك فسمعت فيه غناء، أما علمت أن الفرس يصهل فتشال الحجر، والحمار ينهق فتستودق له الأتان والثور يخور فتستخرم له البقر، والتيس ينب فيثغو له المعز، والكلب يعوي فتصرف له الكلبة والمغني يغني فترتاح له النساء، فقال سليمان: قد وعظت وأحسنت، والله عليّ راع وكفيل لا يدخل داري مغن ذكر ولا أنثى.
ونزل قوم بالكميت فأضافهم، فتغنى رجل منهم وكان حسن الصوت، فقال: حق على الرجل أن يحصن سمع امرأته كما يحصن فرجها.
كيفية جودة الغناء
قيل لبعضهم ما أجود الغناء، فقال: ما أطربك وألهاك أو أحزنك وأشجاك. وقال إسحاق: قال لي المأمون يوما: ما ألذ الغناء عندك؟ فقلت: ما وافق شهوة النفس، فقال:
زد فيه، وطرب له السامع خطأ كان أو صوابا.
مشاهير المغنين وواضعي الغناء
ابن شريح ومعبد وإسحاق، وقيل: كل ما صنعه إسحاق من الغناء سبعة وثمانون
стр. 814
صوتا، ومخارق وعلويه وزلزل وابن بانة وإبراهيم بن المهدي، كان من حذاق المغنين، ولذلك قال فيه دعبل لما ولي الخلافة:
إن كان إبراهيم مضطلعا لها ... فلتصلحن من بعده لمخارق
ولتصلحن من بعد ذاك لزلزل ... ولتصلحن من بعده للمارق «١»
ومنهم ابن محرز الغريض ومالك بن أبي السمح.
كراهية غناء بلا شرب وشرب بلا غناء
قيل: غناء بلا شراب كنحلة بلا عطية وهدية بلا نية ورعد بلا مطر وشجر بلا ثمر وحداء بلا بعير وروضة بلا غدير. قال الرشيد: النكس الذي يشرب على غير سماع. وقال أبو نواس:
وليس الشرب إلا بالملاهي ... وبالحركات من بم وزير «٢»
قال صاحب الموسيقا: السماع كالروح والخمر كالجسد فباجتماعهما يتولد السرور.
وقيل لأبي العطوف هل ترى في الغناء، فقال: أما قبل الأكل ومع غير الشراب فلا.
الإقتراح على المغنيّ
قيل لمغن: غن لنا كذا ثم بعده كذا، فقال: يا ابن الفاعلة لا تقترح صوتا إلا بولي عهد. قال الحسن بن علي العلوي: قلت لمغن: غنني، قال: هذا أمر. قلت: أسألك، قال: هذا حاجة، قلت إن رأيت، قال: هذا إبرام، فقلت فلا تغن، قال: هذا عربدة.
كان هرمس إذا قعد للشرب يقول للموسيقا أطلق النفس من رباطها. من هنا أخذ كشاجم قوله:
أطلق عقال الروح بالرّاح ... إنّ إليها جدّ مرتاح
قد كدّت الحكمة روحي ... فروحها بأوتار وأقداح
وكان مروان يقول: أطعمتنا طيبا فأطعم أرواحنا حسنا. قال أبو العتاهية لمغن:
صب في هذه الآذان ما تطعم به القلوب في الأبدان، فلو كان الكلام طعاما كان كلامك أداما.
قال رجل لمغنية: غنيني، قالت: ليس معي عود، قال: فاضربي على حرك قالت قطعت أوتاره بالمخيط وحياتك. وقيل لآخر: غن بغير عود، فقال: أنا فارس لا أقاتل راجلا. وقال آخر لمغن في دعوته: أنعم علينا بما لا يتعب ضرسا ولا يسقم نفسا.
استعادة الغناء
حقّ الصوت الحسن أن يعاد أربع مرات، الأول بديهة والثاني تفهم والثالث للشرب والرابع للشبع.
стр. 815
التّزهزه للمغني
قيل: أول صلة المغني أن يقال له أحسنت. وحضر جحظة مجلس بعض الكبار مرارا، وكان إذا تغنى يقول له: أحسنت، ولم يكن يخوله شيئا، فقال فيه:
إن تغنيت قال أحسنت زدني ... وبأحسنت لا يباع الدّقيق
استطابة الغناء والمغنّي
سمع رجل غناء طيبا، فقيل له كيف تسمعه؟ فقال: وددت أن جميع أعضائي مسامع أسمعه بها، فأخذ ذلك الشاعر، فقال:
غنّت فلم تبق فيّ جارحة ... إلا تمنّت بأنّها أذن
وقال آخر:
إذا هي غنّت أبهت الناس حسنها ... وأطرق إجلالا لها كل حاذق «١»
وصف ابن شريح مغنيا، فقال: كأنما خلق من كل قلب فيغني لكل ما أحب. وقيل لابن جامع: إنك حسن الإيقاع، فقال: برئت من الإسلام إن كنت ضرطت منذ ثلاثين سنة إلا بالإيقاع، فكيف أخرج منه في الغناء.
وقال الواثق: غناء علوية مثل نقر الطست يبقى في السمع بعد سكوته. قال إبراهيم الموصلي: عشقت جارية فهجرت اللذات من أجلها، فبينا أنا جالس إذ استؤذن عليّ لشيخ معه جارية، فأذنت له فدخل، فإذا هي صاحبتي، فجلس الشيخ وقال: أشرب، فدعوت بالنبيذ فشرب ثلاثة أقداح، وقال لي: غن يا أبا إسحاق فتعجبت من جراءته عليّ، وذلك أن الخليفة كان ينزهني عن ذلك، ثم غنيت، فأخذ العود واندفع يغني:
سرى يخبط الظلماء والليل عاكف ... غزال بأوقات الزّيارة عارف «٢»
فما راعني إلا سلام عليكم ... أأدخل قلت أدخل لما أنت واقف
فتزعزعت الحيطان وأغمي عليّ وعلى الحاضرين من الغلمان، فلما أفقت إذا بجارية جالسة والشيخ لم أره، فسألت البواب، فقال: لم أره، وسألت الجارية، فقالت: لا أدري، إلا أنه جاءني على لسانك فلم أجسر على مخالفته، فعلمت أنه أبو مرّة.
وسمع إبراهيم الموصلي غناء مخارق وعلوية، فقال: نعم الفسيلتان أنتما لإبليس في الأرض. وقيل: لم يكن في الإسلام أحسن صوتا من مخارق، غنى يوما في منتزه وقد سنحت ظباء فجاءت إعجابا بغنائه، وتوسط دجلة يوما وغنّى فلم يبق أحد إلّا بكى، وكان أبوه جزّارا فكان ينادي على اللحم في صغره فيفتن الناس بحسن صوته، وكان إذا تنفس يطرب من سمع تنفسه.
стр. 816
من يستطاب سماع الغناء منه
سئل حكيم عن فرق ما بين غناء النساء والرجال، فقال: ما خلقت الأغاني إلا للغواني. وقيل: نعيم الدنيا أن تسمع الغناء من فم تشتهي تقبيله.
قال الجاحظ: كم بين أن تسمع الغناء من فم تشتهي أن تقبله وبين أن تسمعه من فم تشتهي أن تصرف بصرك عنه، وأيهما أملح أن يغنيك: فحل ملتف اللحية وشيخ منخلع الأسنان متغضن الوجه أو تغنيك جارية كطاقة نرجس أو آس، وأنشد:
من كفّ جارية كأن بنانها ... من فضّة قد طرفت عنّابا
وقيل: أطيب الغناء ما أشجاك وأبكاك وأطربك وألهاك. قال يحيى بن خالد لابن جامع: من أحسن الناس غناء، فقال: من أطرب الخاشع وأفهم السامع. قال الموصلي:
إذا تغنيت بالمديح ففخم أو بالنسب فأخضع أو بالمرائي فأحزن أو بالهجاء فشدد.
غناء يستطاب له الشّراب
سمع رجل غناء حسنا، فقال: السكر على هذا شهادة. وقال كشاجم:
فلست آبى وإن سقوني ... على أغانيه نيل مصر
وقال الخبزارزي:
ولو أن البحور خمر لدينا ... وتغنّيت لارتشفت البحورا
غناء غير مفهوم المعنى
قال أبو تمّام في وصف جارية:
ومسمعة يحار السمع فيها ... طربت لحسنها بصدى غناها
ولم أفهم معانيها ولكن ... ورت كبدي ولم أجهل شجاها «١»
فكنت كأنني أعمى معنّى ... بحبّ الغانيات وما رآها
اقتراح الفارسي
قال بعض الأصفهانيين:
غننا يا غلامنا وأمهنا ... وتنكّب غناءك العربيّا «٢»
إنّنا معشر من العرب ال ... غرّ كرام فغنّنا الفارسيّا
وأسقناها مدامة نازعتها ... وبس دامين بكرة وعشيّا
مغنّ قبيح الغناء
قال بعضهم: كأنه مكوك يتدحرج على درجة. وغنى مغن فقيل لبعض الندماء: كيف ترى؟
فقال:
стр. 817
ويحسن الندمان في خلقه ... دجاجة يخنقها ثعلب
واقترح على مغن فامتنع، فقال بعض الحاضرين: غن لهم صوتا فإنهم يقترحون عليك حينئذ بالسكوت. قال:
كلّما قلت اقترح قا ... ل اقتراحي أن تكفّا
وقيل لهارون: فلان إذا غنى غمض عينيه، فقال: أظنه يفعل ذلك استحياء لقبح غنائه. وقيل لآخر، فقال: نائحة تندب في مأتم. وقيل لآخر، فقال:
نحمد الله فإنا ... قد سمعنا ما كرهنا
وقيل لآخر، فقال:
فأحسن بحالك أن لو خرست ... وأحسن بنا لو رزقنا الصّمم
وقال ابن الرومي:
وكأنّ جرذان المحلّة كلّها ... في حلقه يقرضن خبزا يابسا
وله:
وإن سكوتها عندي لبشرى ... وإن غناءها عندي لمقعى
فقرّطها بعقرب شهرزور ... إذا غنت وطوّقها بأفعى «١»
وقال جحظة:
وانصرفنا لما تغنّت عطاشا ... والقناني كما دخلنا ملاء
وقيل غنّاني فلان فعناني.
وقال ابن الحجّاج:
وعوّادة من جواري القيان ... سرار البطون عليها نحل
إذا ما تغنّت بثاني الثقيل ... طرحنا عليها خفيف الرمل
وقال جحظة، وقد دعاه صديق له كان يعده بجارية حاذقة فائقة، فلما حضره أخرج جارية قبيحة، فقال:
قد دعانا فأرانا ... خنفساة خلف عود
وتغنّت من قيام ... كالمغني من قعود
وقال الجماز لأبي العيناء: كيف ترى غنائي؟ فقال: كما قال الله تعالى: إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
«٢» .
стр. 818
مغنّ موصوف بالشّؤم والقبح
قال كشاجم:
ومغن بارد النغ ... مة مختلّ اليدين
ما رآه أحد في ... دار قوم مرّتين
وقال آخر:
إنّ سمعي في نعيم ... وعيوني في جحيم
وقال أبو الفضل بن العميد:
إذا غنّى لنا أمما ... حشوت مسامعي صمما
وإن أبصرت طلعته ... كحّلت نواظري بعمى
تأثير الغناء والصوت وإن لم يفهم
قال إسحاق الموصلي. أمر الصوت عجيب، منه ما يسر سرورا يرقص، ومنه ما يبكي ومنه ما يكمد ومنه ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، وليس يعتري ذلك من قبل المعاني لأنهم في كثير من الأحوال لا يفهمون. وقد بكى ما سرجويه من قراءة أبي ﵁، فقيل له: كيف تبكي لكتاب لا تصدق به؟ فقال: أبكاني الشجا وقد تسكن النفوس إليه وذلك موجود في أكثر البهائم والدواب، إذا غنى المكاري صرّت آذانها.
اختلاف الأصوات
قال الموصلي: سألني المعتصم عن معرفة النغم، فقال بيّنها إليّ، فقلت: إن من الأشياء ما تحيط به المعرفة ولا تؤديه الصفة. وسألني عن شعرين متقاربين ففضلت أحدهما على الآخر، فقال من أين؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني التبيين ولكن تقاربا، ففضل أحدهما على الآخر مما يشهد به الطبع ولا يعبّر عنه اللسان.
(٦) ومما جاء في آلات الملاهي
العود
أتى عبد الملك بعود، فقال للوليد بن مسعدة ما هذا؟ فقال: خشبة تشقق ثم ترفق ثم يعلق عليها أوتار ثم تنطق فتضرب الكرام رؤوسها بالحيطان سرورا به، وامرأته طالق إن كان في المجلس أحد إلا وهو يعلم ما أعلمه، وأنت أولهم يا أمير المؤمنين، فضحك. وقالت الفرس:
نغمات العود من صرير باب الجنة، ولهذا سموه بربط معناه باب النجاة. قال كشاجم في أبيات له:
خلخاله في نحره ولسانه ... في أذنه وجبينه من أسفل
стр. 819
مزح يكف على الأكفّ ولفظه ... يعلو بتأليف الثقيل الأول
فكأنّما شخص القريض ممثّل ... في العود أو سكنته روح الموصلّي
رأى أعرابي عودا، فلما عاد إلى البادية نعته لأصحابه، فقال: رأيت شيئا محدودب الظهر أرسخ البطن أكلف الجلد أجوف أسقف أحنف، جبينه في إسته وعيناه في صدره وإمعاؤه من خارج بطنه، بها يتكلم ومنها يترجم، معروك الآذان ممشوق المعلق.
كان أبو محصن الأعرابي عند أبي إسحاق وعنده من يضرب بالعود والطنبور، فقال:
أيهما أحب إليك؟ قال: أبعدهما صوتا وأكثرهما جلبة وأحسنهما حلية، وأشار إلى الطنبور بأن صوته كطنين ذباب بروضة.
الزّامر
قال إسحاق: الزمر رفو الغناء. وقيل: الزمر يستر من حسن الغناء، كما يستر من قبحه. قال المتوكل لزنام الزامر: تأهب للخروج معي، فقال: الناي في كمّي والريح في فمي فأعزم إذا شئت. قال ابن المعتز يصف زامرة:
كأنما تلثم طفلا لها ... أتت به من ولد الزنج
وقال الناجم يذم زامرة:
ناي قتول قاتل ... بالنتن منه الرهج
يشبه عندي مخرجا ... مركبا في المخرج
وقال الصنوبريّ:
وكأنّما المزمار في أشداقها ... غرمول عير في حياء أتان «١»
وترى أناملها على مزمارها ... كخنافس دبّت على ثعبان
تخاصم رجلان عند ابن المدبر، وحلف أحدهما بالطلاق أن صاحبه أحمق ولا يبرح حتى يشهد القاضي بذلك، فذكر أن عنده زامرتين بلا مغنية، فقال القاضي: أشهد أنه أحمق.
الرقّاص
قال المصعب الهندي:
عجبت من رجلين يتبعانه ... يعلوهما طورا وتعلوانه
كأن أفعيين يلسعانه
وقيل لجارية رقاصة: أفي يدك عمل؟ قالت: لا، إنما هو في رجلي.
стр. 820
وجوب الاستماع
وقال بعضهم:
إذا حضر الغناء فليس إلا ... سكوت واستماع للمغنّي
وقال أحمد بن علوية:
حكم الغناء تسمع وندام ... ما للحديث مع الغناء نظام
لو كان لي أمر قضيت قضية ... إن الحديث مع الغناء حرام
غناء يمزّق له الثوب
سئل إبراهيم الصوفي المارستاني عن تمزيق الثوب في السماع، فقال: إن موسى ﵇ قرأ على بني إسرائيل فمزق واحد منهم قميصه، فقال الله تعالى لموسى: قل له مزق قلبك لا ثوبك.
كان لبعض الظرفاء مغنيتان: محسنة إذا غنت خرق قميصه، ومسيئة إذا غنت قعد يخيطه. طرب بعض الكبار على غناء، فشقّ قميصه وقال لنديمه: بحياتي شق قميصك، فقال: إذا أبقى عريانا، فقال: أنا أخلفه غدا، قال فأشقه غدا، قال أبو مالك الأعرج:
إذا غنّت قديما أو حديثا ... فما للجيب من فيك واقي
أنواع مختلفة من الغناء
اجتمع على شراب في بعض الحانات أعمى ومفلوج وأقطع، فقيل للأعمى غنّ فغنى:
إنّي رأيت عشيّة النقر ... حورا نفين عزيمة الصّبر
قيل: ويلك، كيف رأيت وأنت أعمى؟ وقيل للمفلوج غنّ،. فقال:
إذا اشتد شوقي وهاج الألم ... عدوت على بابكم في الظّلم
فقيل: مفلوج يعدو لا تكذب. وقيل للأقطع: هات غنّ، فقال:
شبكت كفيّ على رأسي وقلت له ... يا راهب الدّير هل مرّت بك الإبل
فقالوا: أنت أكذبنا وأجودنا غناء.
غنى مغن صوتا، فقال له بعض الحاضرين: أين الصيحة؟ فقال: أخذتها لثالثك. كان أبو العينين يعشق جارية يقال لها مكنونة، فغنى صوتا فقالت له: ألقه عليّ، قال: بما اشتريته، قالت: بكم قال برأس مالي، ناكني فلان وعلمنيه، فقالت: إجعل الصرف على الإست صوتا آخر وتقدّم.
ولام رجل آخر في مغنية، فقال: والله لو غنتك لما أدركنا ذكاتك. وقال المأمون:
الطبل لهو غليظ. وهذا ما قال علوية القمي لابنه المخنث: قد تأذيت بصوت طبلك يا ابن الفاعلة، فقال: إن كنت تريد أن لا يكون لصناعتي صوت فسلّمني لمن يرفو الثوب، فالغناء لا يكون بلا صوت.
стр. 821
(٧) وممّا جاء في آلات القمر
أسماء القداح
تسمى القداح الأزلام والأقلام، وهي عشرة. سبعة منها ذات خطوط قد نظم أساميها الصاحب في قوله:
إن القداح أمرها عجيب ... الفذّ والتوأم والرقيب
والحلس ثم النافس المصيب ... والمصفح المشهر العجيب
ثم المعلى خطها الرغيب ... هاك فقد جاد بها الترتيب
والمصفح يسمى المسبل، والرقيب يقال له الضريب، والأغفال التي لا خطوط لها المنيح والفسيح والوغد. قال ابن قتيبة: والمنيح له موضعان، أحدهما لا خط له والثاني له خط. قال: وعلى ذلك قول عمرو بن قمئة:
بأيديهم مقرونة ومغالق ... يعود بأرزاق العيال منيحها
وقال عروة بن الورد في أسمائها:
أتت بالمعلّى عند أول سورة ... وبالمسبل الثاني وبالحلس والتوم
وجاءت بفذّ والضّريب يليهما ... وبالنافس المغلوب في الرأس والقدم
فراح بها غنم وتغرّم ما جنت ... وقد يغرم المرء الكريم إذا اجترم
وأنت منيح باليدين متى تعد ... تعد صاغر الآمال نال ولا عزم
وقال تميم بن مقبل في صفة القدح:
خروج من العمى إذا صكّ صكّة ... بدا والعيون المستكنّة تلمح
مفدى مؤدى باليدين ملعن ... خليع لجام فائز متمنح
وقال طفيل:
واصفر مسهوم الفؤاد كأنّه ... عداه الندى بالزعفران مطيّب
والياسر الصائب بها، والبرم الذي لا يدخل معهم، وفي صفته:
به علمان من عقب وضرس
ويسمى ذلك مقرونة. وأما مثنى الأيادي، قيل: هو ما تفضل عنه، وقيل: هو أن تعود بعد خروج الفوز على الخط الأول. والربابة ما يجمع فيه القداح، وأفاض بالقداح ضرب بها، والرقيب من يحفظهم.
стр. 822
الممدوح بضرب القداح
قال عنترة:
زيد يداه بالقدح إذا شنا ... هتّاك غايات النجوم ملوم «١»
وقال آخر:
هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سواس مكرمة أبناء أنباء «٢»
وقال متمم بن نويرة في مرثية أخيه:
ولا بر ما تهدى النساء لعرسه ... إذا القشع من حسن النساء تقعقا «٣»
يقال: فلان برم قرون، إذا لم يدخل في الميسر، ثم يأكل تمرتين تمرتين. قال المرقش:
إذا أيسروا لم يورث اليسر بينهم ... فواحش يبقى ذكرها بالمصائف
تحريم ضرب القداح
قال الله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
«٤» الآية وقال تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ
«٥» . وقد أبيح القرعة وهي من جنس ذلك، قال تعالى: وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ.
وكذلك يونس ﵇ حين جنحت بهم السفينة وبمن معهم ساهم القوم أيهم يلقى في البحر، فكان من المدحضين أي من المقمورين.
وضع الشّطرنج
قيل: وضعها فيلسوف لملك رام أن يرى الحرب وتدبيرها في خفض ودعة، فلما وضعه له أعجب الملك به، فقال له: إقترح ما شئت وسل كلما تمنيت، فقال: أولني لأوّل بيت من بيوته درهما، ثم أضعف في الثاني فالثالث إلى أن تنتهي إلى آخر البيوت، فاستقل الملك ذلك، وقال: رأيتك حكيما في وضعك ذلك واستحقرتك في مقترحك، فقال: إني يقنعني ما سألت إن وفيت لي، فقام رأس وزرائه وقال: أيها الملك إنه لا يفي ملكك ولا ملك بما سأل، فقال: كيف؟ فعلموا به حسبانا، فإذا هو عشرة آلاف ألف ألف ألف ألف ألف ألف وأربعمائة ألف وستة وأربعون ألف ألف ألف ألف ألف وسبعمائة ألف ألف ألف وستة آلاف ألف وخمسمائة ألف وخمسون ألفا وستمائة وستة عشر ألفا، فقال الملك: لا أدري أيهما أعجب الشطرنج أم الأمنية.
стр. 823
الرّخصة في الشّطرنج
مرّ أمير المؤمنين ﵁ بقوم يلعبون بالشطرنج، فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون ولم يأمرهم أن يرفضوه. وقيل: إنما قال لهم ذلك لأنها كانت على صورة الأفراس والفيلة، وسأل الرشيد معن بن عيسى عنه، فقال: ما فقدناه من مجالس قريش التي كنا نهاب أن نمر بها.
وكان الشعبي يلعب مستدير الحذقة. وسئل عنه الحسن ﵁، فقال: لا بأس به ما لم يكن قمارا فإنه احتيال. وسئل أبو العباس بن شريح عنه، فقال: إذا سلمت أيديهما من الطغيان ولسانهما من العدوان وصلواتهما من النسيان، فهو مباح بين الإخوان غير محرم على الخلان.
كراهيّة الشّطرنج وذمّه
قال أمير المؤمنين ﵁ فيه: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون، فسماها تماثيل. ومر عبد الرحمن بن عوف ﵁ بقوم يلعبون، فقال: قد وضعت الحرب أوزارها ثم خلطه. وروي عن محمد بن الحنفية ﵁ أنه كره اللعب. وكان المأمون يستهزىء بالشطرنج مع جودة لعبه به، ويقول: لا يفوق المرء فيه إلا باستفراغ الذهن كله له ولا يبلغ قدر ذلك وكان الفضل بن يحيى يجيد اللعب به، وكان يذّمه ويقول:
لا يقمر اللاعب به إلا بكد الجوارح ولا يبلغ قدره ذلك. قال المتنبّي:
وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للرخاخ ركاب «١»
وقال شاعر:
لعب الشطرنج شوم ... فاجتنبها يا مشوم
إنّما عدّت لقوم ... شأنهم شأن عظيم
ملك يجبى إليه ... أو وزير أو نديم
هبك فيها ألعب النا ... س فماذا يا حكيم
وكان أهل المدينة إذا خطب إليهم من يلعب الشطرنج لم يزوّجوه، ويزعمون أنه إحدى الضرتين. وقيل: إنما وضع للعجم الذين لا علم لهم فإذا اجتمعوا تلاحظوا تلاحظ البقر، فجعلوا ألعبهم به مشغلة.
وصف الشّطرنج
قال شاعر:
أرض مربّعة حمراء من أدم ... ما بين خلّين موصوفين بالكرم
стр. 824
تذكرا الحرب فاختارا لها شبها ... من غير أن عفيا فيها بسفك دم
أنظر إلى فطن جاشت بكرهما ... في عسكرين بلا طبل ولا علم
هذا يغير على هذا فيغلبه ... وذا يغير وعين الحزم لم تنم
وقال السري الرفاء:
وكتيبتا زنج وروم أذكيا ... حربا يظلّ بها الذكاء مناضلا
في معرك قسم الزمان بقاعه ... بين الكماة المعلمين منازلا
لم يسفحا فيه دما وكأنّما ... رشح الدّماء أعاليا وأسافلا
وكان ذا صاح يسير مقوّما ... وكان ذا نشوان يخطر مائلا
أعجب بها حربا تثير إذا التظت ... فضل الرجال ولا تثير قساطلا «١»
الماهر بالشّطرنج والرّديء اللّعب
ليس لإجادة اللعب بالشطرنج نهاية ولا غاية، ومن معجزاته أنه لا يكاد يتفق فيه دستان، ومن مجيديهم الصولي، ولبعضهم:
ولربّما مهر السخيف بها ... وتراه يمضغ لفظه حمقا
مرّ بعضهم بقوم يلعبون بالشطرنج وكان وسخا، فقال: ما أوسخ شطرنجهم، فقال بعضهم: اللعب أوسخ.
النوادر في الشّطرنج
قيل: النوادر في الشطرنج عدة للاعب كالحداء للاغب. وقال شاعر:
نوادر الشطرنج في وقتها ... أحرّ من ملتهب الجمر
كم من ضعيف اللعب كانت له ... عونا على مستحسن القمر
وروي أن أبا مسلم كان يلعب بالشطرنج، فوقع له شاه مات، فتمثل بقول الشاعر:
ذروني ذروني ما كففت فإنّني ... إذا ما تهيجوني تميد بكم أرضي
وأنهض في ردّ الحديث إليكم ... كتائب سودا طال ما انتظرت نهضي
كان المأمون عند قدومه من خراسان اشتهى الشطرنج، فاستحضر كبار أهله زيرب وجابر الكوفي وعبد الغفار الأنصاري، وكانوا يتوقرون بين يديه، فقال: إن الشطرنج لا يطيب مع الهيبة قولوا ما تقولون إذا خلوتم.
النّرد
قال بعض الحكماء: شبهت رقعة النرد بالأرض الممهدة لساكنها، ومنازل الرقعة
стр. 825
وهي أربعة وعشرون بساعات النهار والليل، وبيادقها وهي ثلاثون بعدد أيام الشهر، واختلاف ألوانها باختلاف بياض النهار وسواد الليل، ثم أقيمت المنازل على أربع مراتب كعدد الطبائع الأربع: الأرض والماء والهواء والنار، والفصول الأربع الشتاء والصيف والربيع والخريف، وجوانب الفص وهي ستة بالجهات الست فوق وأسفل ويمين ويسار وإمام وخلف، والفصان المحيطان بالجوانب الإثني عشر كشهور السنة، والشهور محيطة بالأيام إحاطة ما يخرج بالفصين وبالبيادق الثلاثين أو الأيام محيطة بالساعات إحاطة البيادق بالمنازل الأربعة، وعشرين ثم جعل نكت الفصين كلها إثنين وأربعين، ولست تجد شيئا من عدد جوانب الفص إلا إذا ضممت إليه عدد مقابله وجدته سبعة، وهو عدد الأيام السبعة وشبه النكت السبعة، التي يكون بعضها فوق الأرض وبعضها تحتها في كل حال وتقلبها بأفعال العباد وما يخرج بالقضاء الجاري عليهم، وشبه فعل اللاعب في اتباعه لما يخرج بفعل العباد في اتباع القضاء، وشبه إخراج اللاعبين بالمعاد وفلج المقامر بما حصل للمجتهد من الثواب، وكذا ما يلحق المقصر بتقصيره من الحسرة.
وكان رؤبة في قوم يلعبون بالنرد، فأتى بالخوان، فقال:
يا إخوتي جاء الخوان فارفعوا ... حتاتة كعابها تقعقع
لم أدر ما ثلاثها وأربع
سأل الزبيري أبا بكر بن فريعة في مجلس المهلبي عن النرد، فقال: ما أدري غير أني أرى لبدا مخططا وخشبا مخرطا وعظما منقطا وأيديا تضرب ميطا، وكل يطلب بصاحبه شططا.
فضل الشّطرنج على النّرد
قال بعض المتكلمين: الشطرنج معتزلي والنرد مجبر، وذلك أن اللاعب بالشطرنج موكول إلى اختياره ومتروك مع إيثاره، واللاعب بالنرد مجبر على ما يخرج به الفصان وقيل لرجل: كيف معرفة فلان بالشطرنج؟ فقال: ما أحسن ما يلعب، قيل فكيف يلعب بالنرد؟ فقال: ما أحسن ما يخرج له الفصان، فلم ينسب الفعل في النرد إليه كما نسبه إليه في الشطرنج.
الملاعبة بهما على القمر
قال يزيد بن أبي خالد: دخلت على ابن أبي أوفى وهو يلاعب امرأته بالفصّين وقال إسحاق: قال لي محمد الأمين: كيف لعبك بالشطرنج؟ فقلت: فوق المنصفين ودون البالغين، ليس من اللعاب أحد يلقى لي فرزانا لا أنتصف منه، فقال: لاعبني، فلاعبته بخلعة فقمرني، فقمت أخلع ثوبي، فقال: ما تصنع فقلت أنزعه لتلبس، فقال: ألبس خلعة
стр. 826
مملوءة قملا، فقلت: دعني من ذا. تلبس أو تفادي، فقال بماذا؟ قلت: بثيابك. فقال: ما رأيت قامرا مقمورا، فنزع ثوبه وأولانيه.
وكان أبو أيوب يلاعب مدنيا بالشطرنج فتأخّر عنه المدني يوما، فاستدعاه فكتب إليه المدني:
لا تدعونّي لشطرنج فيشغلني ... دعني فإني عن الشطرنج مشغول
أنت امرؤ تدمن من الشطرنج من سمن ... وإنني يا أبا أيوب مهزول
فبعث إليه بعشرة آلاف درهم.
تمّ بحمد الله وعونه الجزء الأول من كتاب:
مجالس الأدباء ومحاورات الشّعراء والبلغاء للراغب الأصبهاني ويليه إن شاء الله الجزء الثاني وأوّله: الحدّ الثاني عشر في «الإخوانيات»
стр. 827
الجزء الثانى
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحدّ الثاني عشر في الإخوانيّات
(١) حدود الأخوّة
سئل بعضهم عن الأخوة فقال: هي الموافقة في التشاكل. وقال إبراهيم الموصلي: قلت لاسباط الشيباني: صف لي الأخوّة وأوجز فقال: أغصان تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول.
قيل لبعض الحكماء: ما الأصدقاء؟ قال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.
* الترغيب في اقتناء الإخوان
قال أمير المؤمنين ﵁: عليكم باقتناء الإخوان فهم عدّة في الدين والدنيا. ألا ترى إلى قول الله في حكاية عن أهل النار في النار: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ
«١» .
قيل أغبط الناس من لا يزال رحله من صالح الإخوان موطأ، وقيل: المرء كثير بأخيه. وقيل لأبقراط «٢» : ما أفضل ما يقتني الإنسان؟ فقال: الصديق المخلص، وقال عمرو بن إبراهيم:
إن السرور إذا بلغ ... ت بوصفه كنه النّهايه «٣»
خلّ تؤانسه ودو ... د والرّجوع إلى الكفايه
قال شاعر:
أخاك أخاك إنّ من لا أخا له ... كساع إلى الهيجا بغير سلاح «٤»
стр. 828
وقد أحسن الذي قال: إن الأخ الصالح خير لك من نفسك لأن النفس أمارة بالسوء والأخ لا يأمرك إلا بالخير.
* الحثّ على الإكثار منهم
قال محمود الوراق:
تكثّر من الإخوان ما استطعت إنهم ... عماد إذا استنجدتهم وظهور «١»
فما بكثير ألف خلّ وصاحب ... وإنّ عدوّا واحدا لكثير
* تفضيل الصديق على النسيب
قيل لعبد الله ابن المقفع «٢» : أصديقك أحب إليك أم نسيبك؟ فقال: إنما أحب النسيب إذا كان صديقا. وقال: الأخ نسيب الجسم والصديق نسيب الروح. قال أبو فراس:
نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه ... وجارك من صافيته لا المصاقب «٣»
وقال آخر:
أخو ثقة يسير بحسن حال ... وإن لم تدنه منّي قرابه
أحبّ إليّ من ألفي قريب ... تبيت صدورهم لي مسترابه «٤»
قال بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق.
قال بشّار «٥» :
يخونك ذو القربى مرارا وربّما ... وفى لك عند الجهل من لا تقاربه «٦»
وفي المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمّك.
стр. 829
* إجراء الصديق مجرى الشقيق
قال أبو تمّام «١» :
وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيّهما ذوو الأرحام
وقال رجل من خثعم «٢» :
ذو الود منّي وذو القربى بمنزلة ... وإخوتي أسوة عندي وإخواني «٣»
* مدح مصاحبة الأخيار وتجنب الأشرار
قيل: صحبة الأخيار تورث الخير وصحبة الأشرار تورث الشرّ، كالريح إذا مرّت على النتن حملت نتنا وإذا مرّت على الطّيب حملت طيبا.
وقال النبي ﷺ : مثل الجليس الصالح كمثل الذي إن لا يجدك من عطره يعلقك من ريحه. ومثل الجليس السوء كمثل التّبن إن لم يحرقك بشرره يؤذك بدخانه.
* الحثّ على مصاحبة من ينتفع به
قيل: لا تصاحب إلا رجلا ترجو نواله أو تخاف يده أو تستفيد من علمه أو ترجو بركة دعائه. وقال أبو جعفر بن محمد: عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن خدمته صانك، وإن نزلت حاجة ما بك أعانك، وإن سألته أعطاك، وإن تركته بداك، إن رأى حسنة أظهرها أو سيئة سترها.
وقال بعض من سمع ذلك لابن عيينة: ما أراه إلا أمره أن لا يصحب أحدا، فقال:
بلى إنه أدرك الناس وهذه الأخلاق فيهم، فأوصى بقدر ما عرف.
* كون الإنسان مصاحبا شكله
«٤» قال النبي ﷺ : المرء على دين خليله فلينظر امرؤ من يخالل. وقال إياس: قدمنا بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم في يومين. قيل له: كيف؟ قال: كان معنا خيار وشرار فلحق خيارنا بخياركم، وشرارنا بشراركم، فألّف كل شكله. قال شاعر:
وكلّ امرئ يصبو إلى من يجانس
وقال آخر:
فإنّما الناس أشكال وألّاف
стр. 830
وقيل: اغلب المحبة ما كان عن تشاكل. بالمشاكلة دوام المواصلة. قال شاعر:
ولا يصحب الإنسان إلا نظيره ... وإن لم يكونا من قبيل ولا بلد
ومما يؤكد ذلك:
وإنّ البزاة البيض لا تألف القطا «١»
وقال آخر:
لكلّ امرئ شكل من الناس مثله ... وأكثرهم شكلا أقلّهم عملا
وقيل: الشدّ بالقد أهون من مصاحبة الضدّ.
* اعتبار المرء بإخوانه وأنّ من يصاحب صاحبا ينسب إليه
قال شاعر:
ومن يصاحب صاحبا ... ينسب إلى مستصحبه
وربما عرّ صحي ... حا جرب بجربه
وأخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم فقيل له: غنّ، فغنّى:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدى «٢»
قيل له: صدقت وأمر بقتله. قال شاعر:
يقاس المرء بالمر ... ء إذا ما هو ماشاه
وللنّاس على النّا ... س مقاييس وأشباه
وقيل: انظر من تجانس، فقلّ حصاة طرحت مع حصاة إلا أشبهتها. قال مسكويه:
يقولون لي إن الرئيس محمدا ... يؤول إلى رأي كريم المناسب «٣»
فقلت دعوني قد عرفت اختياره ... بطلعة منصور وخطّ ابن كاتب
* الحثّ على مصاحبة العقلاء
قيل: جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء، فالعقل يقع على العقل.
وقيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أشبه منه بلين العيش مع الجهّال، وقيل: آخ الكريم واسترسل إليه وعليك أن تصحب العاقل وإن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، واهرب كل الهرب من اللئيم الأحمق.
وقيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله، وقد مضى في فضل العقل باب مثل هذا.
стр. 831
* صنوف الإخوان
قال لقمان: الإخوان ثلاثة: مخالب ومحاسب ومراغب، فالمخالب الذي ينال من معروفك ولا يكافئك، والمحاسب الذي ينيلك بقدر ما يصيب منك، والمراغب الذي يرغب في مواصلتك بغير طمع.
وقال المأمون: الإخوان ثلاثة: أخ كالغذاء لا يحتاج إليه كل وقت، وأخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وأخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا.
* اختبار الصديق عند الغضب
قيل: إذا أردت مصافاة رجل فأغضبه، فإن ملك نفسه فصاحبه، وإلا فلا تصاحبه.
قال الشاعر:
لا تحمدنّ امرأ يرضيك ظاهره ... وأخبر مودّته في العتب والغضب «١»
وقيل: كان بين حاتم طيئ وبين أوس بن حارثة ألطف ما كان بين اثنين. فقال النعمان لجلسائه: لأفسدّن ما بينهما فدخل على أوس، فقال: إن حاتما يزعم أنه أفضل منك، فقال: أبيت اللعن صدق ولو كنت أنا وأهلي وولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد.
وخرج فدخل على حاتم، فقال له: مثل ذلك، فقال: صدق وأين أقع من أوس وله عشرة ذكور دونهم أفضل منّي؟ فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما.
اعتبار من تريد مصادقته بصديقه قبلك
قيل: إذا أردت أن تعرف صاحبا كيف يكون لك، فانظر كيف كان من قبلك، فإن أحمدته فاستخلصه لك وإن ذممته فتنكّبه.
* الأعتبار بالعين والاعتماد على ما في القلب
قيل: اعتبر ما في قلب أخيك بعينه، فالعين عنوان القلب. وقيل: شاهد الحب والبغض اللحظ، فاستنطق العيون تعلم المكنون. قال شاعر:
تقلّب أحوال الفتى في أموره ... تبيّن عمّا تقتضيه ضمائره
وفي لحظ عينيه وفي حركاته ... دليل على ما تحتويه سرائره
قال إسحاق:
ستور الضّمائر مهتوكة ... إذا ما تلاحظت الأعين «٢»
стр. 832
وقال ابن بسام «١» :
ألا إنّ عين المرء عنوان قلبه ... تخبّر عن أسراره شاء أم أبى
وقال كشاجم:
ويأبى الذي في القلب ألا تبيّنا ... وكلّ إناء بالذي فيه يرشح «٢»
* متابعة الصديق في رشده دون غيّه
استشهد ابن الفرات أيام وزارته علي بن عيسى بغير حقّ، فلم ينصره، فلّما رجع كتب إليه لا تلمني على نكوصي في نصرتك بشهادة زور، فإنه لا بقاء لاتفاق على نفاق ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتحرى الباطل في مساءتك إذا غضب، وقد تقدم هذا الخبر. قال شاعر:
ألم تعلمي أنّي إذا الإلف قادني ... إلى الجور لا أنقاد والإلف جائر
ودعا أعرابي فقال: اللهمّ أني أعوذ بك ممّن لا يلتمس خالص مودّتي إلا بالتأتّي لمواقع شهوتي.
* متابعته في غيّه ورشده
قال عروة «٣» :
وخلّ كنت عين الرشد منه ... إذا نظرت، ومستمعا سميعا
أطاف بغية فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا فظيعا
أردت رشاده جهدي فلمّا ... أبى وعصى عصيناه جميعا
قال بشّار:
وما كنت إلا كالزّمان فإن صحا ... صحوت وإن ماق الزمان أموق «٤»
قال أحمد بن صالح:
أنا كالمرآة ألقى كلّ وجه بمثاله
وقال رجل لصديقه: ما رأيك في كذا؟ فقال: أنا من غزيّة. يريد أني تابع لك إشارة إلى قول دريد:
وهل أنا إلا من غزيّة إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد «٥»
стр. 833
* الحثّ على نصرة الصديق على جميع الأحوال
قال النبي ﷺ : انصر أخاك ظالما أو مظلوما. وقيل: حافظ على الصديق ولو على الحريق.
وقيل: أفضل الكرم أن يكون الرجل عند النائبة أكرم وفاء وأمحض صفاء ولتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء، أكثر منها عند الرخاء.
* مماراة «١» الصّديق والحثّ على تركها
قيل: مع الاختلاف طمع في الائتلاف ورب مخالفة دعت إلى محالفة ومعاسرة «٢» تحمل على المعاشرة. وقيل بإحياء الملاطفة تستمال القلوب العارفة. وقيل: إستدم مودّة أخيك بترك الخلاف عليه، ما لم تكن عليك منقصة أو غضاضة. وقال يموت بن مزروع:
سمعت أبي يقول قرأت خمسين ألف بيت وما وقع لي مثل قوله:
وما أنا بالشيء الذي ليس نافعي ... ويغضب منه صاحبي بقؤول
* الأمر بالإغضاء على عيب الصديق
قيل إن جعفرا الصادق كان يقول: لا تفتّش على عيب الصديق، فتبقى بلا صديق.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى قول بشّار:
إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه «٣»
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأيّ النّاس تصفو مشاربه؟ «٤»
وقال آخر:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كلّ عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
وقيل: لا يجد رفيقا من لم يزدرد ريقا. وقيل: من عاتب في كل وقت أخاه فجدير أن يملّه ويقلاه «٥» . وعلى عكس ذلك قال الشافعي- ﵀: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.
стр. 834
* محافظة من يوفى بمحاسنه على مقابحه
قال لقمان: إذا أردت مصاحبة رجل فانظر، فإن كانت محاسنه أكثر فارتبطه، وقال ابن المقفع: إنّ في الناس طبائع أربعا فارتبط من رجحت محاسنه.
وقيل لبزرجمهر: هل صديق لا عيب فيه؟ فقال: الذي لا عيب فيه يجب أن لا يموت. قال شاعر:
وحيث اختبرت النّاس حقّ اختبارهم ... رجعت إلى وصلي وأنت ذميم
ونحوه:
وترجعني إليك وإن نأت بي ... ديار عنك، تجربة الرجال
* الإغضاء على إساءة الصديق المحسن
قال ابن المقفع، وقد بلغه عن رجل شيء يكرهه: ينبغي للرجل أن يكذّب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح وقلب مستريح. قال منصور التيمي:
إذا ما الصّديق أسا مرّة ... وقد كان من قبلها مجملا «١»
حفظت المقدّم من فعله ... ولم يفسد الآخر الأولا
وقيل: احتمل لأخيك ثلاثة: الغضب والدالة والهفوة. وقيل من صحّت مودته احتملت جفوته.
* حمد المعاتبة بين الإخوان وذمّها
قيل: ترك المعاتبة دليل على قلّة الأكتراث بالصديق. المعاتبة تزيل الموجدة. أفضل المحبة ما كان بعد المعتبة. قال شاعر:
ويبقى الودّ ما بقي العتاب ... العتاب حدائق الأحباب
وقال ابن المعتز «٢» :
نعاتبكم يا أمّ عمرو لحبّكم ... ألا إنّما المقلي من لا يعاتب «٣»
ولآخر:
علامة كلّ اثنين بينهما هوىّ ... عتابهما في كلّ حقّ وباطل
وقيل: العتاب ضربان: عتاب يحيي المودّة، وهو ما كان في نفس الودّ
стр. 835
وعتاب يميتها وهو ما كان في ذنب وموجدة «١» .
التقى أعرابيان فتعاتبا وإلى جنبيهما شيخ، فقال: انعما عيشا، إن العتاب يبعث التجنّي والتجني ذرء «٢» المخاصمة والمخاصمة أخت العداوة فانتهيا عمّا ثمرته العداوة. وقال العبّاس:
إن بعض العتاب يدعو إلى البغض ويؤذي به المحبّ الحبيبا وقيل: التجنّي وافد القطيعة. قال شاعر:
ودع العتاب فربّ أمر هاج أوّله العتاب
وقال الآخر:
وبدء الصّرم من ملل العتاب «٣»
وقيل: العتاب بدء العقاب.
* النهي عن تضييع حقوق الإخوان
قيل: أقلّ الناس عقلا من فرّط في اكتساب الإخوان. وأقلّ منه عقلا من ظفر بأخي صدق فضيّعه. وقال عمر: إذا رزقك الله ودّا من رجل فتمسّك به.
وقيل: لا يقطع الرجل أخاه إلا لواحد من اثنين لا خير فيهما: لملاله أو لسوء اختياره للصداقة.
* الحثّ على المصافاة وترك المداجاة
«٤» قال سفيان لرجل: لا تكوننّ صديق عين وعدوّ غيب «٥» . وسئل خالد بن صفوان عمّا يجب للإخوان، قال: تجنّب طريق النفاق ولا تقصر عن الاستحقاق قال إبراهيم بن عباس:
خلّ النفاق لأهله ... وعليك فانتهج الطريقا
واذهب بنفسك أن ترى ... إلّا عدوا أو صديقا
وفي مدح من يحفظ أخاه بظهر الغيب، قال بعضهم:
موكل النّفس بظهر المغيب ... أقصى رفيقيه له كالقريب
قال المثقّب العبدي:
فإمّا أن تكون أخي بصدق ... فأعرف منك غثّي من سميني
وإلّا فاجتنبني واتخذني ... عدوّا أتّقيك وتتّقيني
стр. 836
وقال آخر:
ولا تك ممّن إن نأى عنه صاحب ... فغاب عن العينين غاب عن القلب
* الحثّ على مداجاة العدوّ
قيل: إذا صافاك عدوّك رياء فتلقّى مصافاته بأوكد مودة، فإنه إذا ألف ذلك اعتاده وخلصت مودّته. وقال ابن السماك: لن لمن يجفو فقلّ من يصفو.
وقال ابن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر من لم يجد عن معاشرته بدّا حتى يجعل له فرجا ومخرجا. قال التنوخي:
ألقى العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات «١»
فأحزم الناس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من موّدات
* وصف أخوّة صادقة
مدح أعرابي صديقا فقال: مجالسته غنيمة وصحبته سليمة ومؤاخاته كريمة، هو كالمسك إن بعته نفق وإن تركته عبق «٢» .
وعاتب رجل خليله فقال: لو علمت أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به.
قال شاعر:
وذي لطف لو كان يعلم أنّه ... شفائي دم من جوفه لسقاني
وقال آخر:
قد تخللت مسلك الرّوح منّي ... وبذا سمّي الخليل خليلا
وقيل: لم يسمع بأطيب وأعذب من قول البحتري «٣» :
وجدت نفسك من نفسي بمنزلة ... هي المصافاة بين الماء والرّاح «٤»
وقال يصف خليلا:
أخ وأب لي ثم أمّ شفيقة ... تفرّق في الأحباب ما هو جامعه
سلوت به عن كلّ من كان قبله ... وأذهلني عن كائن هو تابعه
ولآخر:
ونحن كروح بين جسمين قسّما ... فجسماهما جسمان والروح واحد
стр. 837
* متآخيان اختلف مذهباهما
قال الجاحظ «١» : لم ير أعجب حالا من الكميت والطرمّاح، فإن الكميت كان عدنانيا شيعيا يتعصب لأهل الكوفة، والطرماح كان قحطانيا خارجيا يتعصب لأهل الشام، وكان بينهما من المخالطة ما لم يكن بين اثنين قط ولم تجر بينهما جفوة ولا قطيعة ولا اعتراض.
وقيل لهما: كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما؟ فقالا: اتفقنا على بغض العامة. ووصفهما جعفر المصري فقال:
فنحن من ودّ وحبّ كما ... كان كميت والطّرمّاح
وكان عبد الله الأباضي وهشام بن الحكم شريكين في البزّ وبينهما من الخلاف ما لم يكن بين اثنين، كان الأباضي يزعم أن عليا لم يزل مستسّرا بالكفر حتى أظهره يوم التحكيم وهشام يثبت الإمامة لعلي ﵁. قال هشام: ما خالفني إلا مرة: اشترينا جارية فقلت: أجعلها لي، فقال: أنت عندي كافر وهذا فرج، ولا أحبّ أن أبيحه لك. قال العباس بن الأحنف وهو مما يتمثّل به ههنا:
زاوج حيتانها الضّباب بها ... فهذه كنّة وذا ختن «٢»
* اصطحاب نذلين
في المثل: وافق شنّ طبقة. وافقه فاعتنقه. قال شاعر:
كأنس الخنافيس بالعقرب
ولأبي الحسن:
كلاكما بالمجد مستهتر ... وبابتناء المجد مفتون
وفرّق ما بينكما واحد ... أنت رقيع وهو مأفون «٣»
وأنت لوطيّ على ظنّه ... وذاك بالإجماع مأبون «٤»
* استبقاء الإخوان بالإفضاء «٥» عليهم
قيل: إذا سرّك أن يثبت لك الصديق، فليكن لك عليه الفضل. قال شاعر:
إذا أنت لم تفضل على ذي مودّة ... وكنت وإيّاه بمنزلة سوا
стр. 838
فلاتك ذا عتب عليه وإنّما ... يعاقب بالذّنب المثيب على الرّضا
* الحثّ على مشاركة الصديق في سرّائه دون ضرّائه
قالت امرأة يحيى بن طلحة له: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك وإذا أعسرت تركوك؟ فقال: هذا من كرمهم يأتوننا في حال القوة منّا على الإحسان إليهم ويتركوننا في الضعف عنهم:
يعرف الأبعد إن أثرى ولا ... يعرف الأقرب إن يفتقر
ولآخر:
أبو مالك قاصر فقره ... على نفسه ومشيع غناه
وقيل: فلان يتحسى المرّ ويسقي إخوانه العذب.
* الحثّ على مشاركة الصديق في ذات اليد
رأى بعض الحكماء رجلين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل: هما صديقان. قال: ما بال أحدهما غني والآخر فقير؟ وقيل: لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه.
وقال محمد بن علي: أيدخل أحدكم يده في كمّ أخيه فيأخذ حاجته؟ قالوا: لا.
قال: فلستم إذا بإخوان.
* الحثّ على أن تشارك في السرّاء من يشاركك في الضرّاء
قال أكثم بن صيفي: حقّ أن تشارك في النعم من يشاركك في المكاره. قال أبو تمّام:
إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا ... من كان يألفهم في المنزل الخشن «١»
وقال جحظة البرمكي:
قل للوزير أدام الله دولته ... أذكر منادمتي والخبز خشكار «٢»
إذا ليس بالباب برذون لنوبتكم ... ولا غلام ولا بالباب طيّار «٣»
وقال آخر:
شركناك في مرّ الزّمان فكن لنا ... إذا الحلو منه درّ غير شريك
* ذمّ من أعرض عنك في حال يساره
صبغت أميّة في الدماء رماحنا ... وطوت أميّة دوننا دنياها
стр. 839
وقال آخر:
رأيتك لما نلت مالا وعضبا ... زمان نرى في حدّ أنيابه شغبا
جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا ... فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا
قال محمود:
وكنت أخي أيام عودك يابس ... فلمّا اكتسى واخضرّ صرت مع الدّهر
ولآخر:
ابتاع ودّي وهو ذو عسرة ... حتّى إذا نال الغنى باعه
وكتب المعروف بالزغل إلى بعض السلاطين:
رآني بعين النّقص أن صار ذا غنى ... وأغفل قبل اليوم نقص يديه
وما نال إلا حظّه غير أنّه ... توهّم أن الرزق صار إليه
فكله إلى مرّ الليالي وصرفها ... ستأتي على ما عنده وعليه
وقال آخر:
صديقك من يرعاك عند شديدة ... فكلّ تراه في الرّخاء مراعيا
وقال آخر:
فلا يغرّنك إخوان تعدّهم ... أنت العدوّ لمن كلّفته حاجه
* ذمّ من تكبّر على أصدقائه لغناه وسلطانه
قال صالح بن عبد القدوس «١» :
تاه على إخوانه كلّهم ... فصار لا يطرف من كبره
أعاده الله إلى حاله ... فإنّه يصلح في فقره
قال الخوارزمي «٢» :
وصلتك بالسّلطان حتّى إذا اعتلى ... مكانك واستمكنت لم تملك الحقدا
كمقتدح نارا بزند لحاجة ... فلما تلظّت ناره أحرق الزّندا
* تغيّر الإخوان في حال العلاء
قال زياد: إذا كان لك صديق فولى ولاية وبقى لك واحد من عشرة، فليس بصديق سوء.
стр. 840
وقال بعضهم: إذا كان لك أخ صافي الودّ فلا تتمنّى له منزلة، ففي ذلك تغيّر له عن الوداد.
قال شاعر:
وكلّ إمارة إلا قليلا ... مغيّرة الصديق عن الصديق
وقال آخر:
إذا ما أردت وداد امرئ ... فلا تدعونّ له بارتقاء
* نهي من بلغ صديقه منزلة من التدلّل عليه
قال منصور:
إذا رأيت امرأ في حال عسرته ... صافي المودّة ما في ودّه وغل «١»
فلا تمنّ له حالا يسّر بها ... فإنّه بانتقال الدهر ينتقل
قيل: لا تنظر إلى صديقك إذا بلغ منزلة بعينك الذي نظرت إليه بها قبل، وإذا جعلك أبا فاتخذه ربّا. وقيل: ذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة كما أن المحترم له ملوم على تناسي المودّة والحرمة.
وقال أبو عباد يوما لأبي بكر المقري: إيّاك والدالّة في غير مكانها فنحن بالليل إخوان وبالنهار ذوو سلطان. فرط الادلال يدعو إلى الملال.
* مدح من لم يتغيّر لمنزلة نالها
فتى زاده السلطان في الحمد رغبة ... إذا غيّر السلطان كلّ خليل
وقال الموسوي:
وغيري إذا ما طار خلّف صحبه ... دوين المعالي واقعين وحلّقا
ولما بشّر هشام بالخلافة سجد من حوله شكرا لذلك، غير الأبرش الكلبي فقال له هشام: ما منعك أن تسجد معي؟ قال: إني معك ليلا ونهارا وغدا ترقى إلى السماء فتنكرني. قال: بل أصعد بك، فقال: أما الآن فإني أسجد عشرين سجدة.
* مدح من نزّه إخوانه عن استخدامهم في سلطانه
كان هشام يعتمّ فقام إليه الأبرش ليسوّي عمامته، فقال: مه «٢» فإنّا لا نتخذ الإخوان خولا «٣» .
وقام عمر بن عبد العزيز ﵁ بنفسه فأصلح سراجه، فقال واحد من جلسائه: ألا أمرتني، فكنت أكفيك. قال: ليس من المروءة أن يستخدم الرجل جليسه.
стр. 841
الحثّ على خدمة الإخوان ومدح ذلك
قال النبي ﷺ : سيد القوم خادمهم. وفي المثل: إذا عزّ أخوك فهن.
قال ابن المعتمر:
إذا أنت رافقت الرجال فكن فتى ... كأنّك مملوك لكلّ رفيق
وكن مثل طعم الماء غضّا وباردا ... على الكبد الحرّى لكلّ صديق
وقال آخر:
كأنّه عبد لإخوانه ... وليس فيه خلق العبد
ونحوه:
وعبد للصحابة غير عبد
* النّهي عن ذلك
قال بعضهم: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب إخوانك. قال عبد الله بن معاوية:
لا تهيننّ للصديق مكرمة ... نفسك، حتى تعدّ من خوله
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
* احتمال أذى الصديق ما لم يكن فيه هوان
قال صالح:
أرضى عن المرء يصفيني مودّته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني «١» «٢»
وقال آخر:
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلا الهوان
قال جحظة:
تذلّل لمن إن تذلّلت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له
* كون الناس أصدقاء ذي المال
قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟ قال: لا أعلم لأن الدنيا مقبلة عليّ والأموال موجودة لديّ، وإنما أعرف ذلك لو ولّت الدنيا. ألم تسمع إلى قول طريح:
النّاس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر «٣»
стр. 842
ولما نكب علي بن عيسى لم يطر بناحيته أحد، فلما ردّت إليه الوزارة رأى الناس حوله، فأنشد:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فأينّما انقلبت يوما به انقلبوا
وقال عبد الملك لأصحابه: أيّكم يصف لي عامّة الناس؟ فقال الوليد ابنة: إخوان طمع وأعداء نعم.
وقيل: إذا احتاج إليك عدوك أحبّ بقاءك، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك.
الإخوان عند الجفان كثير وعند الحقائق قليل.
* ذمّ المودّة التي يجلبها الطمع
كلّ مودة عقدها الطمع حلّها اليأس. وقيل: إياك ومن مودّته لك لحاجة.
قال إبراهيم بن العباس:
وكنت أخي كالدّهر حتى إذا نبا ... نبوت فلّما عاد عدت مع الدّهر «١»
فلا يوم إقبالي عددتك طائلا ... ولا يوم إدباري عددتك من أمري
* حمد الغيرة على الإخوان
سأل الرشيد رجلا عن بني أمية فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان «٢» . وقيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك.
وقال شاعر:
وكن عالما أني أغار على أخي ... وخلّي كما أنّي أغار على عرسي «٣»
ووفّر عليّ الحظّ منك فإنّني ... خصصتك بالحظّ الموفّر من نفسي
* ذمّ من يصاحب من أصدقائك أعداءك
في كتاب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديقه صدوقا ولعدوه عدوا. قال شاعر:
تؤاخي عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي منك لعازب
وقيل: ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. وقيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك.
وقال أيوب بن جعفر للمأمون: أنا أودّك مودّة حرة وأبغض أعداءك بغضة مرّة، فقال:
إنك تقول فتحسن وتحضر فتزين وتغيب فتؤمن.
стр. 843
قال السريّ:
وليس يكون المرء سلم صديقه ... إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف
* حمد من يصاحب منهم أعداءك
قال ابن المقفع: إذا رأيت صديقك مع عدوّك فلا يوحشنّك ذلك، فإنما هو أحد رجلين إذا كان من إخوان الثقة فانفع مواطنه قربه من عدوّك شرّ يلفّه وعورة يسترها وغائبة يطلع عليها، وإن كان غير ثقة فهو أولى «١» به فهبه له.
* مدح رفض الحشمة بين الأصدقاء
قال علي ﵁: شرّ الإخوان من يحتشم منه ويتكلّف له. قال العرجيّ الصوفي: إذا صحّ الود سقطت شروط الأدب. وقال الحسن بن وهب: إعلم أن المودة لا تتم ما دامت الحشمة عليها مسلّطة.
وقال بعضهم: أسقط عن نفسي نصف همّ الدنيا بعشرة من لا أحتشمه، وقال الجنيد ﵁ لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك.
* ذمّ فرط الانبساط
قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد له مستحقا، واجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك. وقال جعفر بن محمد: إيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال.
في كتاب كليلة ودمنة: بعض المقاربة حزم وكل المقارنة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها وتفرط في الإمالة فيرتد ظلّها.
وقال أكثم: الانقباض «٢» عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، أخذه الحارث. فقال:
إذا ما عممت النّاس بالأنس لم تزل ... لصاحب سوء مستفيدا أو كاسبا
فإن تقصهم أرموك عن ظهر بغضة ... فكن خلطا إن شئت أو كن مجانبا «٣»
ولا تنتبذ عنهم ولا تدن منهم ... ولكنّ أمرا بين ذاك مقاربا «٤»
وقال: إذا أقبل عليك مقبل بودّه فسرّك أن لا يدبر عنك، فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممن قرب منه، والدنوّ ممّن يتباعد منه.
مباسطة الكرام والانقباض عن اللئام
وما لي وجه في اللئام ولا يد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض
стр. 844
أهشّ إذا لاقيتهم وكأنّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال ابن كناسة:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... أبصرت أهل الوقار والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
النهي عن فرط «١» المودّة والعداوة
قيل: من أحببت فلا تأمنه ومن أبغضت فلا تهجره. وقيل خالط الناس وزايلهم وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا.
قال زياد بن زيد:
وإن امرأ قد جرّب الدهر لم يخن ... تقلّب عصريه لغير لبيب
فلا تيأسنّ الدهر من حبّ كاشح ... ولا تأمننّ الدهر صرم حبيب «٢»
وقال آخر:
فهونك في حبّ وبغض فربّما ... بدا جانب من صاحب بعد جانب
ذمّ الاستكثار من الأصدقاء
قيل: لتكن الإخوان عندك كالنار قليلها متاع وكثيرها بوار «٣» . وقال الفضيل: من سخافة عقل المرء كثرة معارفه. وقال حفص بن حميد: من لم ينقص كل يوم صديقا لا يفلح «٤» أبدا:
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب «٥»
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
إعواز صديق صادق
قال الفضيل لسفيان رحمهما الله: دلّني على صديق أركن إليه إذا غبت وآمن معه إذا حضرت، فقال تلك ضالة لا توجد.
وقيل لرجل: من أبعد الناس سفرا؟ فقال: من كان سفره في طلب أخ صالح وسمع المأمون أبا العتاهية ينشد:
وإني لمحتاج إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فقال خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب.
стр. 845
وقيل لفيلسوف ما الصديق؟ فقال: اسم على غير معنى. قال أبو فراس «١» :
نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم وجهول
فيا حسرتي من لي بخلّ موافق ... أقول بشجوي مرّة ويقول
قال الصابئ «٢» :
أيا ربّ كلّ الناس أولاد علّة ... أما تغلط الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد ... ذوات أديم في النّفاق صفيق «٣»
التخويف من دغل الإخوان
قال أعرابي: اللهمّ اكفني بوائق «٤» الثقات والاغترار بظاهر المودّات. وقال آخر: اللهم احفظني من الصديق. فقيل: كيف؟ قال: لأني متحرّز من العدوّ. قال علي بن عيسى:
إحذر عدوّك مرّة ... واحذر صديقك ألف مرّة
فلربّما انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرّة
وقيل: احذر من تأمنه، فودائع الناس لا تضيع إلا عند الثقات. وقيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه.
ذمّ من يستعدّ حين الصداقة للعداوة
ذمّ العبّاس رجلا فقال هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. قال شاعر:
احذر أخوّة كلّ من ... شاب المرارة بالحلاوه
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوه
قلّة نفع مودة مكرهة
فلا خير في ودّ امرئ متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه
وقال آخر:
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطّوعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
ذم من يضمر عداوة ويظهر صداقة
قال بعضهم: تظن فلانا يضحك لك وهو يضحك منك فإن لم تتخذه عدوا في
следующие страницы →