Полный текст (1 556 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
الحثّ على خدمة الإخوان ومدح ذلك
قال النبي ﷺ : سيد القوم خادمهم. وفي المثل: إذا عزّ أخوك فهن.
قال ابن المعتمر:
إذا أنت رافقت الرجال فكن فتى ... كأنّك مملوك لكلّ رفيق
وكن مثل طعم الماء غضّا وباردا ... على الكبد الحرّى لكلّ صديق
وقال آخر:
كأنّه عبد لإخوانه ... وليس فيه خلق العبد
ونحوه:
وعبد للصحابة غير عبد
* النّهي عن ذلك
قال بعضهم: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب إخوانك. قال عبد الله بن معاوية:
لا تهيننّ للصديق مكرمة ... نفسك، حتى تعدّ من خوله
يحمل أثقاله عليك كما ... يحمل أثقاله على جمله
* احتمال أذى الصديق ما لم يكن فيه هوان
قال صالح:
أرضى عن المرء يصفيني مودّته ... وليس شيء من البغضاء يرضيني «١» «٢»
وقال آخر:
سأصبر عن رفيقي إن جفاني ... على كلّ الأذى إلا الهوان
قال جحظة:
تذلّل لمن إن تذلّلت له ... يرى ذاك للفضل لا للبله
وجانب صداقة من لا يزال ... على الأصدقاء يرى الفضل له
* كون الناس أصدقاء ذي المال
قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟ قال: لا أعلم لأن الدنيا مقبلة عليّ والأموال موجودة لديّ، وإنما أعرف ذلك لو ولّت الدنيا. ألم تسمع إلى قول طريح:
النّاس أعداء لكل مدقع ... صفر اليدين وإخوة للمكثر «٣»
стр. 842
ولما نكب علي بن عيسى لم يطر بناحيته أحد، فلما ردّت إليه الوزارة رأى الناس حوله، فأنشد:
ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها ... فأينّما انقلبت يوما به انقلبوا
وقال عبد الملك لأصحابه: أيّكم يصف لي عامّة الناس؟ فقال الوليد ابنة: إخوان طمع وأعداء نعم.
وقيل: إذا احتاج إليك عدوك أحبّ بقاءك، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك.
الإخوان عند الجفان كثير وعند الحقائق قليل.
* ذمّ المودّة التي يجلبها الطمع
كلّ مودة عقدها الطمع حلّها اليأس. وقيل: إياك ومن مودّته لك لحاجة.
قال إبراهيم بن العباس:
وكنت أخي كالدّهر حتى إذا نبا ... نبوت فلّما عاد عدت مع الدّهر «١»
فلا يوم إقبالي عددتك طائلا ... ولا يوم إدباري عددتك من أمري
* حمد الغيرة على الإخوان
سأل الرشيد رجلا عن بني أمية فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان «٢» . وقيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك.
وقال شاعر:
وكن عالما أني أغار على أخي ... وخلّي كما أنّي أغار على عرسي «٣»
ووفّر عليّ الحظّ منك فإنّني ... خصصتك بالحظّ الموفّر من نفسي
* ذمّ من يصاحب من أصدقائك أعداءك
في كتاب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديقه صدوقا ولعدوه عدوا. قال شاعر:
تؤاخي عدوّي ثم تزعم أنّني ... صديقك إنّ الرأي منك لعازب
وقيل: ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. وقيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك.
وقال أيوب بن جعفر للمأمون: أنا أودّك مودّة حرة وأبغض أعداءك بغضة مرّة، فقال:
إنك تقول فتحسن وتحضر فتزين وتغيب فتؤمن.
стр. 843
قال السريّ:
وليس يكون المرء سلم صديقه ... إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف
* حمد من يصاحب منهم أعداءك
قال ابن المقفع: إذا رأيت صديقك مع عدوّك فلا يوحشنّك ذلك، فإنما هو أحد رجلين إذا كان من إخوان الثقة فانفع مواطنه قربه من عدوّك شرّ يلفّه وعورة يسترها وغائبة يطلع عليها، وإن كان غير ثقة فهو أولى «١» به فهبه له.
* مدح رفض الحشمة بين الأصدقاء
قال علي ﵁: شرّ الإخوان من يحتشم منه ويتكلّف له. قال العرجيّ الصوفي: إذا صحّ الود سقطت شروط الأدب. وقال الحسن بن وهب: إعلم أن المودة لا تتم ما دامت الحشمة عليها مسلّطة.
وقال بعضهم: أسقط عن نفسي نصف همّ الدنيا بعشرة من لا أحتشمه، وقال الجنيد ﵁ لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف الله منك.
* ذمّ فرط الانبساط
قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد له مستحقا، واجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك. وقال جعفر بن محمد: إيّاك وسقطة الاسترسال فإنها لا تستقال.
في كتاب كليلة ودمنة: بعض المقاربة حزم وكل المقارنة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها وتفرط في الإمالة فيرتد ظلّها.
وقال أكثم: الانقباض «٢» عن الناس مكسبة للعداوة والانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، أخذه الحارث. فقال:
إذا ما عممت النّاس بالأنس لم تزل ... لصاحب سوء مستفيدا أو كاسبا
فإن تقصهم أرموك عن ظهر بغضة ... فكن خلطا إن شئت أو كن مجانبا «٣»
ولا تنتبذ عنهم ولا تدن منهم ... ولكنّ أمرا بين ذاك مقاربا «٤»
وقال: إذا أقبل عليك مقبل بودّه فسرّك أن لا يدبر عنك، فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممن قرب منه، والدنوّ ممّن يتباعد منه.
مباسطة الكرام والانقباض عن اللئام
وما لي وجه في اللئام ولا يد ... ولكنّ وجهي في الكرام عريض
стр. 844
أهشّ إذا لاقيتهم وكأنّني ... إذا أنا لاقيت اللئام مريض
وقال ابن كناسة:
فيّ انقباض وحشمة فإذا ... أبصرت أهل الوقار والكرم
أرسلت نفسي على سجيّتها ... وقلت ما قلت غير محتشم
النهي عن فرط «١» المودّة والعداوة
قيل: من أحببت فلا تأمنه ومن أبغضت فلا تهجره. وقيل خالط الناس وزايلهم وقال أمير المؤمنين عمر ﵁: لا يكن حبّك كلفا ولا بغضك تلفا.
قال زياد بن زيد:
وإن امرأ قد جرّب الدهر لم يخن ... تقلّب عصريه لغير لبيب
فلا تيأسنّ الدهر من حبّ كاشح ... ولا تأمننّ الدهر صرم حبيب «٢»
وقال آخر:
فهونك في حبّ وبغض فربّما ... بدا جانب من صاحب بعد جانب
ذمّ الاستكثار من الأصدقاء
قيل: لتكن الإخوان عندك كالنار قليلها متاع وكثيرها بوار «٣» . وقال الفضيل: من سخافة عقل المرء كثرة معارفه. وقال حفص بن حميد: من لم ينقص كل يوم صديقا لا يفلح «٤» أبدا:
عدوّك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصّحاب «٥»
فإنّ الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
إعواز صديق صادق
قال الفضيل لسفيان رحمهما الله: دلّني على صديق أركن إليه إذا غبت وآمن معه إذا حضرت، فقال تلك ضالة لا توجد.
وقيل لرجل: من أبعد الناس سفرا؟ فقال: من كان سفره في طلب أخ صالح وسمع المأمون أبا العتاهية ينشد:
وإني لمحتاج إلى ظلّ صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه
فقال خذ منّي الخلافة وأعطني هذا الصاحب.
стр. 845
وقيل لفيلسوف ما الصديق؟ فقال: اسم على غير معنى. قال أبو فراس «١» :
نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة ... أجاب إليها عالم وجهول
فيا حسرتي من لي بخلّ موافق ... أقول بشجوي مرّة ويقول
قال الصابئ «٢» :
أيا ربّ كلّ الناس أولاد علّة ... أما تغلط الدنيا لنا بصديق
وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد ... ذوات أديم في النّفاق صفيق «٣»
التخويف من دغل الإخوان
قال أعرابي: اللهمّ اكفني بوائق «٤» الثقات والاغترار بظاهر المودّات. وقال آخر: اللهم احفظني من الصديق. فقيل: كيف؟ قال: لأني متحرّز من العدوّ. قال علي بن عيسى:
إحذر عدوّك مرّة ... واحذر صديقك ألف مرّة
فلربّما انقلب الصديق ... فكان أعلم بالمضرّة
وقيل: احذر من تأمنه، فودائع الناس لا تضيع إلا عند الثقات. وقيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه.
ذمّ من يستعدّ حين الصداقة للعداوة
ذمّ العبّاس رجلا فقال هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. قال شاعر:
احذر أخوّة كلّ من ... شاب المرارة بالحلاوه
يحصي الذنوب عليك ... أيام الصداقة للعداوه
قلّة نفع مودة مكرهة
فلا خير في ودّ امرئ متكاره ... عليك ولا في صاحب لا توافقه
وقال آخر:
ألا إنّ خير الودّ ودّ تطّوعت ... به النفس لا ودّ أتى وهو متعب
ذم من يضمر عداوة ويظهر صداقة
قال بعضهم: تظن فلانا يضحك لك وهو يضحك منك فإن لم تتخذه عدوا في
стр. 846
علانيتك فلا تتخذه صديقا في سريرتك. وقيل: من عاشر الإخوان بالمكر كافأه بالغدر.
قال يزيد الحكمي:
لسانك لي أري وقلبك علقم ... وشرّك مبسوط وخيرك ملتوي «١»
وقال آخر:
زعمت صديقى طاب مرأى ومسمعا ... صدقت ولكنّ المغيب معيب «٢»
وقال آخر:
إذا أنت فتّشت القلوب وجدتها ... قلوب أعاد في جسوم أصادق
تأسّف من تكدّر ودّه بعد الصفاء
أخ كنت آوي منه عند ادّكاره ... إلى ظلّ آباء من العزّ شامخ
سعت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منّا عن عدوّ وصارخ «٣»
وقال أعرابي: يا حسرتي فقد صفرت من فلان عياب «٤» ودّي بعد امتلائها واكفهرت «٥» وجوه كانت بمائها. فأدبر ما كان مقبلا وأقبل ما كان مدبرا.
ذمّ من يتجنّى على صديقه طلبا لصرمه
إن الملول إذا أراد قطيعة ... ملّ الوصال وقال كان وكانا «٦»
وقال آخر:
زماني كلّه غضب وعتب ... وأنت عليّ والأيام إلب «٧»
وقال ابن المقفع: ينبغي للعاقل أن يكذب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح وقلب مستريح. وقال ابن سيرين: إذا بلغك عن صديقك ما تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرا وأنت تلوم.
معاتبة من أساء الظنّ بصديقه
قيل لرجل ما ظنك بأخيك؟ قال: ظني بنفسي. قال المتنبيّ:
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدّق ما يعتاده من توّهم
стр. 847
وعادى محبّيه بقول عداته ... فاصبح في داج من الشكّ مظلم
وله:
ومن يك ذا فم مرّ مريض ... يجد مرّا به الماء الزلالا «١»
قال الموسوي:
من ساء ظنّا بما يهواه فارقه ... وحرّضته على إبعاده التهم
معاتبة من سلا عن صديقه
مالي جفيت وكنت لا أجفى ... ودلائل الهجران لا تخفى
وأراك تشربني فتمزجني ... ولقد عهدّتك شاربي صرفا
من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرره.
قال المتنبيّ «٢» :
إنّا لفي زمن ترك القبيح به ... من أكثر النّاس إحسان وإجمال
وقال آخر:
لي صديق لديه نصح وودّ ... غير أنّ الدماغ فيه مرمّه
فإذا ما سعى ليدفع عنه ... في الملمّات صار عون الملمّه
ليته كفّ خيره وأذاه ... ورعى لي بذاك حقّا وحرمه
وقال آخر:
قد جناها أخ عليّ كريم ... وعلى أهلها براقش تجني «٣»
ذمّ من يعادي أصدقاءه
قال السري الكندي:
رأيتك تبري للصّديق نوافذا ... عدوّك من أوصابها الدّهر آمن «٤»
وقال آخر:
لنا أخ يطلب غير ثاره ... يطوي العدا وينتحي لجاره
والكلب لا ينبح من في داره
стр. 848
تفضيل صداقة من قدم إخاؤه
قال معاوية لكاتب له: عليك بصاحبك الأقدم فإنّك تجده على مودّة واحدة وإن قدم العهد وبعدت الدار. وإيّاك وكلّ مستحدث فإنه يجري مع كل ريح. وقيل لا تستبدلنّ بأخ لك قديم، أخا مستفادا ما استقام لك. قال شاعر:
كيف يبقى لك الجديد من النا ... س إذا كنت تطرح الخلقانا «١»
قال أبو الشّيص «٢» :
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل «٣»
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
عكس ذلك
قيل: عليك بمستظرف الإخوان تستفيد منهم مستطرف الإحسان، وتأمن منهم بوائق «٤» الشقاق:
فللعين ملهىّ في التّلاد ولم يفد ... هوى النفس شيء كافتياد الظرائف
ولهذا الباب وما تقدّم نظير في حدّ الغزل.
العتب على المتلوّن وذمّه
قيل: مودّته متنقلة كتنقل الأفياء وأخوّته متلونة كلون الحرباء. قال صالح:
قل للذي لست أدري من تلوّنه ... أنا صح أم على غشّ يداجيني
تغتابني عند أقوام وتمدحني ... في آخرين وكلّ منك يأتيني
وقال آخر:
أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه ... تلوّن ألوانا على خطوبها
إذا عبت منه عيبة فتركته ... دعتني إليه خلّة لا أعيبها
وكتب عبد الله بن معاوية: قد عاقني الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فإنك ابتدأتني بلطف من غير خبرة، وأعقبتني بجفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في أخائك وأيأسني آخرك من وفائك. فسبحان من لو شاء كشف الغطاء، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا
стр. 849
على اختلاف.
وقيل لئن أبتلى بمائة جموح لجوج أحبّ إليّ من أن ابتلى بمتلوّن.
قال إبراهيم بن العباس:
يا أخا لم أر في الناس خلّا ... مثله أسرع هجرا ووصلا
كنت لي في صدر يومي صديقا ... فعلى عهدك أمسيت أم لا؟
وقال بعضهم لمغنية:
مرحبا ثم مرحبا ... بحبيب تغضّبا
فأجابته:
أنت كالريح لا تدو ... م جنوبا ولا صبا «١»
عتب من ترعاه وهو يجفوك
وأعجب من جفائك لي وصبري ... على طول ارتفاعك وانخفاضي
سروري أن تدوم لك الليالي ... بما تهوى كأنّي عنك راضي
الحثّ على مصارمة من تبغضه
قال رجل لآخر: لي أخ إذا كلّمته آذاني وأثمت، وإذا كرهته أراحني وسلمت فأنشده:
وفي البعد مسلاة وفي الصّرم راحة ... وفي النّاس أبدال سواه كثير «٢»
وقال آخر:
ودّ ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق
المسرّة بفراق من لا تحبّه
قال منصور الفقيه:
ومستوجب شكري بإعراضه عنّي ... أجلّ يد عندي له بعده عنّي
تلافى بهجري بعض ما كان جرّه ... عليّ بوصلي قبل إعراضه عنّي «٣»
واعتذر رجل إلى آخر بتأخّره عنه فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه سوى هذا. وقال إسحاق الموصلي: ذكرت للعبّاس العلوي رجلا فقال: دعني أتذوّق طعم فراقه فهو والله لا تشجى له النفس ولا يدمى لفراقه الجفن. قال شاعر:
كلانا غنيّ عن أخيه حياته ... ونحن إذا متنا أشدّ تغانيا
стр. 850
الحثّ على مصارمة من رثّ حبل ودّه
في المثل: خلّ سبيل من وهى سقاؤه. وقيل: لا تصحب من لا يرى لك في الودّ مثل ما ترى له. وقيل: شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون، وإقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون. وقيل: جدعا لمن أعطى الرغبة من أعطاه الزهادة وما أدري أيهما ألأم. قال شاعر:
من لم يردك فلا ترده ... هبه كمن لم تستفده
قال البحتري:
شرّق وغرّب تجد من معرض عوضا ... فالأرض من تربة والنّاس من رجل
وقال آخر:
أرى الغبن كلّ الغبن وصلي صارما ... وإن كان ذا فضل ويرى جافيا
وقال آخر:
ولرّبّ مصحوب ترفت بلونه ... فلفظته قبل التطعّم عاجلا
المجاملة في إعراض من رام صرم حبالك
يستحسن في ذلك قول الأقرع بن حابس:
أصدّ صدود امرئ مجمل ... إذا حال ذو الودّ عن حاله
ولست بمستعتب صاحبا ... إذا جعل الهجر من باله
ولكنّني قاطع حبله ... وذلك فعلي بأمثاله
وما أن أدلّ بحقّ له ... عرفت له حقّ إدلاله
وإنّي على كلّ حال له ... من إدبار ودّ وإقباله
لراض لأحسن ما بيننا ... بحفظ الأخاء وإجلاله
فصل إيثار الوحدة والحثّ عليه
قال النبي ﷺ : أحبّ العباد إلى الله الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا شهدوا لم يقربوا، أولئك أمة الهدى ومصابيح الظّلم.
وقال مالك بن دينار لراهب: عظني، فقال: إن استطعت أن تجعل بينك وبين الناس سورا من حديد فافعل. وقيل لسقراط: ألا تشاهد الملوك؟ فقال: وجدت الإنفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة. وقيل لآخر: ما تجد في الخلوة؟ قال: الراحة من مداراة الناس والسلامة من شرّهم:
وقالوا لقاء الناس أنس وراحة ... ولو كنت أرضي الناس ما عشت خاليا
стр. 851
وقيل: العزلة توفر العرض وتستر الفاقة، وترفع ثقل المكافأة. وقيل: ما احتنك أحد قطّ إلا أحبّ الخلوة.
وقيل توحّد ما أمكنك فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.
وقال حكيم: العاقل مستوحش من زمانه منفرد عن إخوانه. وقيل: استوحش من النّاس كما تستوحش من السبع.
وقال الجنيد دخلت على السري فقلت أوصني فقال: لا تكن مصاحبا للأشرار ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأخيار.
وقيل لذي النون ﵀: متى أقوى على عزلة الأخيار؟ فقال: إذا قويت على عزلة النفس. قيل: ومتى يصح الزهد؟ قال: إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك.
من أنس في الخلوة بالعبادة والقراءة
قال حاتم الأصم: إلزم بيتك فإذا أردت الصاحب فالله يكفيك، وإن أردت الرفيق فرفيقاك رقيباك، وأن أردت أنيسا فالقرآن يؤنسك، وذكر الموت يعظك:
تركت الأنس بالأنس ... فما في الأنس من أنس
وأقبلت على القرآ ... ن درسا أيّما درس
عسى يؤنسني ذاك ... إذا استوحشت في رمسي
ذمّ الخلوة والوحدة
قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة واستكثر من الخلوة. وقيل: إيّاكم والعزلة فإن في ملاقاة الناس معتبرا نافعا ومتعظا واسعا، فإن البيت رمس ما لزمته.
وحدة الإنسان خير ... من جليس السوء عنده
وجليس الخير خير ... من جلوس المرء وحده
وفي الحديث: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس.
الشكوى من ذهاب النّاس
دخل عبيد الله بن شبرمة على معاوية وقد أتت عليه مائتان وعشرون سنة، فقال له: يا عبيد ما شهدت من الزمان وما أدركت؟ فقال: أدركت الناس يقولون ذهب الناس ذهب الناس فلا مرتع ولا مفزع، وقيل ما بقي من الناس إلا كلب نابح أو حمار رامح أو أخ فاضح.
وكانت عائشة تنشد قول لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلد كجلد الأجرب
стр. 852
فقال ابن عباس: لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه:
بلاد بها كنّا ونحن نحبّها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد
قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك، وإن تركتهم ما تركوك.
وقال عدي بن حاتم لمعاوية: معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت. وعن أبي صالح في قول الله تعالى: وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى
«١» أي بسراة الناس.
قال شاعر:
ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر
وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور
قال بعضهم: كأنّ الله تعالى ما عنى بقوله-: ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ
«٢» في البخل والجهل- إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل والجهل.
ذمّ النّاس
لما قدم محمد بن عبد الله بن طاهر مدينة السلام كتب إلى أخيه وهو بخراسان يشكو إليه قلّة الأنيس وتأذّيه بمضرة الجليس، فكتب إليه:
طب عن الأمة نفسا ... وارض بالوحدة أنسا
لست بالواجد خلّا ... أو تردّ اليوم أمسا
ما رأينا أحدا سا ... وى على الخبرة فلسا
وقيل: خير الناس من لم تجرّبه. إخبر الناس تقليهم «٣» .
قال المتنبيّ:
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه ... لعلمي أنه بعض الأنام
وقال الآخر:
ليس في الدنيا وفاء ... لا ولا في النّاس خير
قد بلوت الناس فالنا ... س كسير وعوير
وقال الآخر:
بلوناهم واحدا واحدا ... فكلّهم ذلك الواحد
стр. 853
وقيل لسفيان: دلّنا على رجل نجلس إليه. فقال تلك ضالة لا توجد. وقال بعضهم:
الناس كلاب فإذا وجدت سلوقيّا فاحتفظ به.
وكتب بعضهم: أما بعد فإني أحمد الله إلى الناس وأذم الناس إلى الله. وقال الحكيم:
من لم يستطع مزايلة الناس بجسده فليزايلهم بقلبه.
قال المتنبيّ:
كلما أنبت الزمان قناة ... ركّب الدهر في القناة سنانا «١»
قلّة الاستغناء عن النّاس والأمر بمداراتهم
قال رجل لابن عبّاس: ادع الله أن يغنيني عن الناس. فقال: إن حوائج الناس. تتصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه. ولكن قل: إغنني عن شرار الناس.
وقيل: كان بعضهم يطوف ويقول: من يشتري مني بضائع بعشرة آلاف درهم؟ فدعاه بعض الملوك وبذل له المال، فقال له: اعلم أن الله لم يخلق خلقا شرا من الناس وإن لم يكن لك بدّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لا بد منه، ولا غنى بك عنه. ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟ قال: دونك المال ولم يأخذه.
أصناف الناس
قال معاوية للأحنف: صف لي الناس وأوجز. فقال: رؤوس رفعها الحظّ وكواهل عظمهم التدبير، وأعجاز شهّرهم المال، وأذناب أتحفهم الأدب ثم الناس بعدهم بهائم إن جاعوا ساموا وإن شبعوا ناموا.
وقال سلمان: الناس أربعة أصناف: آساد وذئاب وثعالب وضأن. فأما الآساد فالملوك وأما الذئاب فالتجار، وأما الثعالب فالقراء المخادعون، وأما الضأن فالمؤمن ينهشه كل من يراه.
وقال أمير المؤمنين: الناس ثلاثة: عالم ومتعلم وما سواهما همج.
قال امرؤ القيس:
عصافير وذباب ودود ... وآخر من مجلجلة الذئاب
وقال علان العتابي: رأيت كلثوما يأكل خبزا في الطريق، فقلت له: أما تستحي؟
تأكل بحضرة الناس، فقال: أرأيت لو كنت في دار فيها بقور أما كنت تأكل بحضرتهم قلت: فهؤلاء بقور؟ ثم قال: إن شئت أريتك دلالة ذلك ثم قام ووعظ وجمع قوما. ثم قال: روي عن غير وجه أنّ من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله الله الجنّة فلم يبق أحد إلا أخرج لسانه ينظر هل يبلغ.
стр. 854
وقال رجل للشاعر: أين سكة الحمير؟ فقال اسلك أي سكة شئت فكلها دروب الحمير. وقال بعض العرب طلبت الراحة فلم أجد أروح لنفسي من تركها ما لا يعنيها، وتوحشت في البادية فلم أر أوحش من قرين السوء.
(٢) وممّا جاء في محبّة المعاشرين وبغضهم
المحبوب إلى الناس
قيل: فلان مودود في الورى مخصوص بالهوى.
كأنّ قلوب الناس في حبّه قلب.
وقال التنوخي:
كأنّك في كلّ القلوب محبّب ... فأنت إلى كلّ القلوب حبيب
وقال الرفاء:
ودّ البريّة أن عمرك دائم ... وكذا الربيع يحبّ منه دوامه
وقال آخر:
محبّب في جميع الناس إن ذكرت ... أخلاقه الغرّ حتّى في أعاديه
وقال آخر:
محبب في قلوب الناس كلهم ... فكلّ قلب إليه مائل كلف
اعتبار مودّة صاحبك بما عندك
في الأثر الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف. وقال بعضهم لآخر: إني أحبك. فقال: رائد ذلك عندي. وقال: رجل لعبد الله بن جعفر: إن فلانا يقول إنه يحبني فبماذا أعلم صدقه؟ قال: امتحن قلبه بقلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك، وشاهد ذلك قول بكر بن النطاح:
وعلى القلوب من القلوب دلائل ... بالودّ قبل تشاهد الأرواح
وقال آخر:
قل للتي وصفت مودّتها ... للمستهام بذكرها الصبّ
ما قلت إلا الحق أعرفه:
إنّ الدليل عليه من قلبي ... قلبي وقلبك بدعة خلقا
يتجاريان بصادق الحب
стр. 855
وقال آخر:
لعمري لقد زعم الزاعمون ... بأن القلوب تجاري القلوبا
فلو كان حقّا كما تعلمون ... لما كان يجفو حبيب حبيبا
المدّعي محبّة صديقه
قال المتنبّي:
أحبّك يا بدر الزمان وشمسه ... وإن لامني فيك السّها والفراقد
وذاك لأن الفضل عندك باهر ... وليس لأن العيش عنك بارد
وإن قليل الحبّ بالعقل صالح ... وإنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد
وقال إبراهيم بن العباس:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
وما بك إن بعدوا وحشة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
وقال آخر:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
النهي عن فرط الحبّ والبغض
قال رجل لأرسطاطاليس: عظني، قال: لا يملأن قلبك محبة شيء ولا يستولينّ عليك بغضه، واجعلهما قصدا. فالقلب كاسمه يتقلّب، وفي الأثر: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما وابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.
قلة المبالاة ببغض من لا يقصد ضرّك
قال عمر بن الخطاب «١» ﵁ لطليحة الأسدي: قتلت عكاشة فقلبي لا يحبك أبدا. قال: فما عشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء. وقال الوليد لرجل: إني أبغضك. فقال: إنما تجزع النساء من فقد المحبّة، ولكن عدل وانصاف يا أمير المؤمنين.
وقال ابن أبي الحواري لأبي سليمان: إن فلانا لا يقع من قلبي، فقال: ولا من قلبي، ولكنّا لعلنا أتينا من قبل أنه ليس فينا خير فلسنا نحب الصالحين.
وقال عمر بن الخطاب ﵁ لرجل هم بطلاق امرأته: لم تطلقها؟ قال: لا أحبها. قال: أَوَكلّ بيت يبنى على المحبة، أين الرعاية والذمم؟
стр. 856
أسباب المحبة والبغض ومضرتهما ونفعهما
روي في الخبر أن الله إذا أحب عبدا ألقى محبته في الملأ، فلا يمرّ به أحد إلا أحبه.
وقالت عائشة ﵂: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.
وقال يحيى بن خالد: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه وإذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه.
كون المبغض معيبا
قيل لما أراد أنوشروان «١» أن يصير ابنه ولي عهده استشار وزراءه فكلّ ذكر عيبا:
فقال بعضهم: إنه قصير وذلك لا يصلح للملك. فقال أنوشروان محتجا له، إنه لا يكاد يرى ألا راكبا أو جالسا.
فقال آخر: إنّه ابن رومية، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء وإنما الأمّهات أوعية.
فقال الموبذ: إنّه مبغض إلى الناس، فقال: حينئذ هذا هو العيب. فقد قيل إن من كان فيه خير ولم يكن ذلك الخير محبّة الناس له فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب ولم يكن ذلك العيب بغض الناس فيه، فلا عيب فيه.
وقال الأحنف يوما: فقير صدوق خير من غنيّ كذوب. وقال بعض مجالسيه:
ووضيع محبّب، خير من شريف مبغّض. فقال الأحنف: هذه مثل هذه.
وصف بغيض
قيل: فلان لا تحبّه النّاس حتى تحبّ الأرض الدم، وذلك لأن الأرض لا تشرب الدم.
قال الشاعر اليتامي:
يا بغيضا زاد في البغض على كلّ بغيض ... أنت عندي قدح اللباب في كفّ المريض «٢»
وقال آخر:
رمينا بأقلى من جهنّم منظرا ... وأقبح آثارا من الحدثان «٣»
وأكره في الأبصار من طالع الردى ... وأنحس آثارا من الدبران «٤»
وقال آخر:
ولو أن ذا فضل لجا في حرامه ... لجاء نفيل في الحرام يزاحمه
وقد مرّ من ذلك كثير.
стр. 857
التعريض بثقيل أو بغيض
كان أبو هريرة إذا رأى ثقيلا قال: اللهم اغفر له وأرحنا منه. وقال ثقيل لمريض ما تشتهي؟ قال: أشتهي أن لا أراك. وقيل أن ثقيلا قال لأعمى إنّ الله لم يأخذ من عبد كريمتيه إلا عوضه عنهما شيئا فما الذي عوضك؟ قال: أن لا أرى أمثالك وكان لابن سيرين خاتم منقوش عليه أبرمت فقم، فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه. وقيل من ثقل عليك بنفسه وغمك بسؤاله فوّله أذنا صمّاء وعينا عمياء.
(٣) وممّا جاء في الزيارة
وصف الزيارة بأنها تغرس المحبة
في كتب الهند ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة والمؤاكلة والمحادثة.
ما قيل في استزارة المحبوب
قال بشّار:
يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... وجاورينا فدتك النفس من جار
وقال آخر:
واسقط علينا كسقوط النّدى ... ليلة لا ناه ولا آمر
وقال بشّار:
قد زرتنا مرّة في الدّهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك «١»
وقال بعضهم: إذا رأيت أن تحدّد لي ميعادا لزيارتك أتقوّته إلى وقت زيارتك فعلت.
وكتب ابن المعتز إلى صديق له: طالت علتك أو تعاللك، وقد اشتد شوقنا إليك فعافاك الله من المرض في بدنك أو أخائك، فإنك إن أتيت فبارّ مشكور، وإن تأخرت عنّا فجاف غير معذور.
وقال إبراهيم الصولي: لا أعرف شعرا أحسن من قول العبّاس:
تعالي نجدّد دارس الوصل بيننا ... كلانا على طول البعاد ملوم
وكتب الصاحب إلى أبي إسماعيل بجرجان:
يا أبا بشر تأخرت عنّا ... قد أسأنا لبعد عهدك ظنّا
كم تمنيت لي صديقا صدوقا ... فإذا أنت ذلك المتمنّى
стр. 858
فبغصن الشباب لما تثنّى ... وبعهد الصبا وإن بان عنّا
كن جوابي لكي تردّ شبابي ... لا تقل للرسول كان وكنّا
المسرّة بزيارة الصاحب
فالوا تجشّم زائرا من بينه ... فأجبتهم والنّجم بين سعودي «١»
لو كان ملّكني الكرام خدودهم ... لفرشت أرضا تحته بخدود
وقال ثعلب:
الفتح علقمة البكريّ خبّرنا ... أنّ الوزير أبا مروان قد حضرا
فقلت للنفس هذي منية قدرت ... وقد يوافق بعض المنية القدرا
وقال البحتري:
حبيب سرى في خفية وعلى ذعر ... يجوب الدّجى حتّى التقينا على قدر
فشككت فيه من سرور وخلته ... خيالا سرى في النّوم من طيفه يسري
وله:
فرحت حتّى استخصّني فرحي ... فشبّت عين اليقين بالوهم
أمسح عيني مستثبتا نظري ... أخالني نائما ولم أنم
وقال:
وما زارني إلّا ولّهت صبابة ... إليه وإلا قلت أهلا ومرحبا «٢»
البشارة بورود الحبيب
قال الخبزارزي:
ومبشّري بقدوم من أهواه ... لا زال وهو مبشّر بمناه
عندي له بشرى ولو ملكته ... روحي وقلبي قلّ عن بشراه
زيارة من لا يزورك
كتب بعضهم إلى آخر: كلّ جفوة منك مغفورة للثقة بك وسنأخذ بقول قيس بن الأسلت:
ويكرمها جاراتها فيزرنها ... وتغفل عن إتيانهنّ فتعذر
وقال ابن الحجّاج:
وإنّي لزوّار لمن لا يزورني ... إذا لم يكن في ودّه بمريب
стр. 859
وقال ابن ميّادة:
فإن هو لم يهمم بنا اليوم قادما ... قدمنا عليه نحن في داره غدا «١»
الاعتذار إلى من قللت زيارته
لئن عاق جسمي عن لقائك مانع ... فما عاق قلبي عن لقائك عائق
فإن ظهرت منّي دلائل جفوة ... فما أنا إلّا مخلص الودّ صادق
وقال أبو حكيمة:
فلا تنكر فدتك النفس أني ... أغبّك في اللقاء وفي المزار
فإنّي حيث كنت فليس ودّي ... بممنوح سواك ولا معار
وقال جحظة:
فإن يك عن لقائك غاب وجهي ... فلم تغب المودة والإخاء
ولم يزل الثناء عليك يترى ... بظهر الغيب يتبعه الثناء «٢»
وقال الخوارزمي:
وما بي فيك من زهد ولكن ... أخفّف عنك أعباء الملال «٣»
وقال:
إن كنت في ترك الزيارة تاركا ... حظّي فإني في الدّعاء لجاهد
ولربّما ترك الزيارة مشفق ... وأنّى على غلي الضمير الحاسد «٤»
اعتذر بعض الأدباء إلى أخ له في تأخره فأجابه:
إذا صحّ الضمير فكل هجر ... وإعراض يكون له انقضاء
وقال:
إن محض الودّ لا يز ... رى به طول تناء «٥»
وانقطاع من كتاب ... وتراخ من لقاء
إنما الوامق من يحمل أثقال الجفاء ... والذي تضجره الجفوة مدخول الأخاء «٦»
وقال آخر:
أغيب عنك بودّ لا بغيره ... نأي المحل ولا صرف من الزّمن «٧»
стр. 860
الشكوى ممّن يقلّل الزيارة
في المثل أنت كبارح الأروى قلّما يرى. قال شاعر:
وحظك لقية في كلّ عام ... موافقة على ظهر الطريق
سلاما خاليا عن كلّ شيء ... يعود به الصديق على الصديق
قال أبو الجهم:
زائر يهدي إلينا ... نفسه في كلّ عام
استقراب الطريق في زيارة الحبيب
وكنت إذا ما جئت سعدى أزورها ... أرى الدار تطوى لي ويدنو بعيدها
وقال ابن ميادة:
تقرّب لي دار الحبيب وإن نأى ... وما دار من أبغضته بقريب
وقال العبّاس:
يقرّب الشّوق دارا وهي نازحة ... من عالج الشوق لم يستبعد الدار «١»
وقال العبّاس:
ترى الرجل قد تسعى إلى من تحبّه ... وما الرجل إلا حيث يسعى بها القلب
من حثه شوقه نحو محبوبه
قال الموصلي:
يحثّ مطاياه تذكرّكم ... وليس ينساكم إن حلّ أو سارا «٢»
وقال آخر:
يعتادني طربى إليك ويعتلي ... وجدي ويدعوني هواك فأتبع
وقال عمرو بن شاس:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا ... كفى لمطايانا بذكراك حاديا «٣»
وقال العباس:
لا يهتدي قلبي إلى غيركم ... كأنّما سدّ عليه الطريق
стр. 861
متابعة المحبوب
قال أعرابي:
وإن تدعي نجدا أدعه ومن به ... وإن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد «١»
وقال المهلّبي:
إن كنت أزمعت الرحيل ... فإنّ رأيي في الرحيل «٢»
أو كنت قاطنة أقمت ... وإن منعت دنوّ سولي
كالنّجم يصحب في المسير ... ولا يزور لدى النزول
معاتبة من ذكر شوقه
يا من شكا عبثا إلينا شوقه ... فعل المشوق وليس بالمشتاق
لو كنت مشتاقا إليّ تريدني ... ما طبت نفسا ساعة بفراق
وحفظتني حفظ الخليل خليله ... ووفيت لي بالعهد والميثاق
تفضيل التزاور على التجاور
قال عمر ﵁: زاوروا ولا تجاوروا وقال: إدمان اللقاء سبب الجفاء. وفي المثل: من يتجمّع يتقعقع، أي تقع الخصومة بين المتجاورين.
الحثّ على تقليل الزيارة وكراهة مداومتها
قال النبي ﷺ : زر غبا تزدد حبا.
قال شاعر:
اغبب زيارتك الصديق ... يراك كالشّيء استجدّه «٣»
إنّ الصديق يملّ من ... أن لا يزال يراك عنده
وقيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة وكثرة التعاهد سبب التباعد.
قال أبو تمّام:
وطول مقام المرء في الحيّ مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدّد «٤»
فإنّي رأيت الشمس زادت محبّة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد «٥»
стр. 862
وقال آخر:
عليك باغباب الزّيارة إنّها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا
فإني رأيت الغيث يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا
شكوى من خفف الزيارة
قال كشاجم:
بأبي وأمّي زائر متقّنع ... لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه
لم أستتمّ عناقه لقدومه ... حتى ابتدأت عناقه لوداعه
فمضى وأبقى في فؤادي حسرة ... تركته موقوفا على أوجاعه
وقال آخر:
وزائر زار وما زارا ... كأنّه مقتبس نارا
ألمّ بالباب أخا نجوة ... ما ضرّه لو دخل الدارا
نفسي فدا لك من زائر ... ما حلّ حتّى قيل قد سارا
وقال ابن أبي البغل:
حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه ... وإن هو عنّا غاب طال جفاؤه
وفي عذر تخفيف الزيارة قال أبو العيناء: سلام معظّم، وجلوس مخفّف وانصراف متأسف.
شكاية من تأخّر عنك
حاذرت إذ واصلت إملالنا ... فخف إذا ما غبت أن نسلو
وقال إسحاق: كنت أزور العبّاس بن الحسن فتأخرت عنه مدة مديدة فقال لي أذقتنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا.
وكان بعضهم يختلف إلى الأعشى فتأخّر عنه أياما فلقيه، فأنشده:
ولجّ بك الهجران حتّى كأنّما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف
قال العبّاس بن الأحنف:
من ساءل بدر الدجا ... ما باله ترك الطلوعا
وقال ابن الرومي «١» :
يعتلّ بالشغل عنّا ما يزاورنا ... والشغل للقلب ليس الشغل للبدن «٢»
стр. 863
شكوى من قلّ الإلتقاء معه
قال ابن سكّرة «١» :
إن أغب لم تغب وإن لم تغب غبت ... كأن افتراقنا باتّفاق
قال الصنوبري «٢» :
إذا حضرنا غبت أو لم تغب ... نحضر فنحن الورد والنرجس
لم يجمعا للعين في روضة ... قطّ ولم يجمعهما مجلس
قال منصور الفقيه:
هجرت المسجد الجام ... ع والهجر له ريبه
فأخبارك تأتينا ... على الأعلام منصوبه «٣»
فإن زدت من الغي ... بة زدناك من الغيبة «٤»
زيارة من لا تحبّه
قالت أعرابية:
فلا تحمدوني في الزّيارة إنّني ... أزوركم إن لم أجد متعلّلا
وبعث عمرو بن مسعدة إلى أبي العتاهية فاستزاره فقال:
كسّلني اليأس منك عنك فما ... أرفع عيني إليك من كسلي
إنّي إذا ما الصّديق أو حشني ... قطعت منه حبائل الأمل
وقال آخر:
يقولون زرنا واقض واجب حقّنا ... وقد أسقطت حالي حقوقهم عنّي
إذا أبصروا حالي ولم يأسفوا لها ... ولم يأنفوا منها أنفت لهم منّي «٥»
стр. 864
وقال آخر:
إذا ما تقاطعنا ونحن ببلدة ... فما فضل قرب الدار منّا على البعد
القيام للصديق الزائر
كان الأحنف مستندا إلى سارية في المسجد وحده، فأقبل بعض إخوانه فتنحّى له عن مجلسه، فقال: يا أبا بحر ما عندك من أحد ولا مجلسك ضيق فلم تنحّيت؟ قال: كرهت أن تظن أني لم أهشّ لزيارتك ومجيئك فشكرت ذلك بأقرب ما حضرني من الإكرام. وقال محمد بن يزيد. حضر بعض الناس مجلس كبير فنهض له فقال له في ذلك، فقال:
لئن قمت ما في ذاك عندي غضاضة ... لديّ لأني للشريف مذلّل «١»
على أنه منّي لغيرك هجنة ... ولكنّه مثلي لمثلك يجمل «٢»
وقال غيره:
فلما بصرنا به ماثلا ... حللنا الحبا وابتدرنا القياما «٣»
فلا تنكرنّ قيامي له ... فإنّ الكريم يجلّ الكراما
كراهة القيام
أقبل معاوية وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر جالسان، فقام ابن عامر ولم يقم ابن الزبير، فقال معاوية سمعت رسول الله ﷺ يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ أمقعده من النار، وقال ﷺ : لا يقومنّ الرجل لغيره من مجلسه ثم يجلسه فيه.
وقيل: الكراهة في أن يقعد الرجل ويقيم الناس بين يديه.
стр. 865
الحدّ الثالث عشر في الغزل وما يتعلّق به
(١) ما جاء في أوصاف الهوى وأحوال العشّاق
ماهية العشق
سئل بعض الفلاسفة عن العشق فقال: جنون إلهي، لا محمود ولا مذموم. وسئل عنه آخر فقال: حركة النفس الفارغة. قال شاعر:
هل الحبّ الأزفرة بعد زفرة ... وحرّ على الأحشاء ليس له برد
وفيض دموع العين ياميّ كلّما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو
وقال بعض الصوفية: الهوى محنة امتحن الله بها خلقه يستدل به على طاعة خالقهم ورازقهم. وقيل لبعضهم: ما العشق؟ فقال: ارتياح في الخلقة وفرح يجول في الروح وسرور ينساب في أجزاء القوى.
وقال العيني: سألت أعرابيا عن الهوى فقال: هو أظهر من أن يخفى، وأخفى من أن يرى، كامن كمون النار في الحجر، إنّ قدحته أورى وإن تركته توارى. وسئل يحيى بن معاذ عن حقيقته فقال: الذي لا يزيده البرّ ولا ينقصه الجفاء.
أحوال فروع الهوى وأنواعه
قال العلماء: الهوى أنواع أوّله العلاقة وهو الشيء يحدثه النظر والسمع فيخطر بالبال، ثم ينمو فيقوى فيصير محبّة، والحبّ اسم مشترك يجمع ضروبا من ميل النفس كحب الولد والمال، ثم الهوى ثم المودة ثم الصبابة ثم العشق ثم الوله والهيام والتتيّم وهو أرفع درجات الحب لأنه التعبّد. «١»
стр. 866
قال شاعر:
ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحبّ تملاق وحبّ هو القتل «١»
وسئل بعض الصوفية عن الحب والهوى فقال: الهوى يحلّ في القلب والمحبة يحلّ فيها القلب. وقيل: العشق اسم لما يفضل من المحبة، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود، والبخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، والهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.
وقال بعض الفلاسفة: الحب والعشق والهوى من جنس، لكن العشق اشتهار وتضرع، والوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به وإذا غاب لهج بذكره، والهوى ما تتبعه النفس «٢» غيا كان أم رشدا حسنا كان أو قبيحا ولذلك ذمّه الله تعالى بقوله:
وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ
«٣» .
الأسباب المولّدة للعشق
زعم بعض المفلسفين أن الله تعالى خلق الأرواح كلّها كهيئة كرة ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا «٤» . فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما عشق وتفاوت حالهما في القوّة والضعف على حسب رقة الطبائع.
وزعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع: إمّا لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس والقمر في المولّدين في برج واحد، فلا يجد أحدهما بدّا من حب صاحبه، وإمّا لمنفعة تحصل فتولد ذلك، ولهذا قال النبي ﷺ : جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها وإما لإلفة تجتمع مواد الحرص إليها، ولهذا قال المتنبيّ:
وما العشق إلا غرّة وطماعة ... يعرّض قلب نفسه فتصاب
وقال الصمد المري:
وما العشق إلا النار توقد في الحشا ... وتذكى إن انضمت عليه الحوائج «٥»
стр. 867
شدّة معاناة العشق
قال أعرابي: ما أشدّ جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبا، ولقد تصدّعت كبدي للمحبين فلوم العاذلين قرطة في آذانهم ونار مؤجّجة في أبدانهم، لهم دموع على المغاني كغروب «١» السواقي.
وقيل: كلّ شهوة تخطر فمداواتها سهلة ما خلا العشق.
ما يولّده العشق من الأخلاق الحميدة
شكا معلم سعيد بن مسلمة ولده إليه، فقال: إنه مشتغل بالعشق فقال: دعه فإنه يلطف وينظف ويظرف. وكان ذو الرياستين «٢» يبعث أحداث أهله إلى شيخ يعلّمهم الحكمة، فقال لهم يوما: هل فيكم عاشق؟ قالوا: لا. قال: اعشقوا وإياكم والحرام فالعشق يفصح الفتى ويذكي ويسخي البخيل ويبعث على التنظيف وتحسين الملبس، فلما انصرفوا قال لهم ذو الرياستين: ما استفدتم اليوم؟ قالوا: كذا وكذا. قال: نعم. وإنّما أخذه ممّا روي أن بهرام جور كان له ابن أهّله للملك بعده، وكان ساقط الهمة رديء النفس سيء الخلق فغمّه ذلك، ووكل به من يعلّمه، فلم يكن يتعلّم. فقال معلمه: كنا نرجوه على حال فحدث منه ما أيأسنا وهو أنه عشق بنت المرزبان «٣» فقال: الآن رجوت فلاحه.
ثم دعا أبا الجارية فقال: إنّي مستسر إليك سرا، فلا يعدونّك «٤» . اعلم أنّ ابني عشق ابنتك وأريد أن أزوّجها منه فمرها بأن تطمعه من غير أن يراها فإذا استحكم طمعه فيها أعلمته أنها راغبة عنه لقلّة أدبه.
ثم قال للمعلم: خوّفه بي وشجّعه على مراسلة المرأة ففعلت المرأة ما أمرت به.
فقال الغلام في نفسه: أنا أجتهد في تحصيل ما أصل إليها به فأخذ في التأدّب وتعلم الشجاعة ثم قال أبوه للمؤدب شجّعه على أن يرفع أمرها، ويسألني أن أزوجها منه، ففعل فزوّجها من ابنه. وقال لا تزدرينّ بها في مراسلتها إليك فإني أمرتها بذلك وإنّ من صار سببا لعقلك فهو أعظم الناس بركة عليك.
قال العرجيّ «٥» :
تجشّم المرء هولا في الهوى كرم
стр. 868
وقال آخر:
لا عار في الحبّ إن الحبّ مكرمة ... لكنّه ربما أزرى بذي الخطر «١»
وقيل: لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان ويصفّي الأذهان ويبعث حزم العاجز لكفاه شرفا. قال شاعر:
الحبّ شجّع قلب كلّ فروقة ... والحبّ حمّل عاجزا فأطاقا «٢»
ذمّ من لا يعشق وكدر حياته
قال أعرابي: من لا يعشق فهو ردئ التركيب جافي الطبع كزّ «٣» المعاطف. كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب وقال:
إذا أنت لم تعشّق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
وقال:
من عاش في الدنيا بغير حبيب ... فحياته فيها حياة غريب
ما تنظر العينان أحسن منظر ... من طالب إلفا ومن مطلوب
ما كان في حور الجنان لآدم ... لو لم تكن حواء من مرغوب
قد كان في الفردوس يشكو وحشة ... فيها ولم يأنس بغير حبيب
ذكر من عشق من الكبار
قد علم ما كان من داود ﵇ وعشقه امرأة أوريا والتحاكم إليه وقوله تعالى:
إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً
«٤» الآية حتى فطن للقصة فاستغفر ربّه (الآية) . وخبر يوسف وامرأة العزيز وقوله تعالى: قَدْ شَغَفَها حُبًّا
«٥» وخبر النبي ﷺ مع زينب امرأة زيد قال العبّاس بن الأحنف:
أستغفر الله إلّا من محبّتكم ... فإنها حسناتي يوم ألقاه
فإن زعمت بان الحبّ معصية ... فالحبّ أحسن ما يعصى به الله
من قهره الهوى عن عزّه
كان للرشيد ثلاث جوار اشتد شغفه بهنّ فقال:
ملك الثلاث الآنسات عناني ... وحللن من قلبي بكلّ مكان
مالي تطاوعني البريّة كلّها ... وأطيعهنّ وهنّ في عصياني
стр. 869
ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى ... وبه قوين أعزّ من سلطاني
قال عروة «١» :
وكم من كريم قد أضرّ به الهوى ... فعوّده ما لم يكن يتعوّد
قال كثيّر:
ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف
وقال الخبزارزي:
ولربّ عبد في الهوى ... يستعبد الحرّ المطاعا
قيل لرجل: إنّ ابنك قد عشق، فقال: عذّب قلبه وأبكى عينه وأطال سقمه قال بعض الفلاسفة: لم أر حقا أشبه بباطل من العشق، هزله جدّ وجدّه هزل، أوله لعب وآخره عطب «٢»
إن الهوان هو الهوى جزم اسمه ... فإذا لقيت هوى لقيت هوانا
وقال آخر:
وما كيّس في النّاس يحمد رأيه ... فيوجد إلا وهو في الحبّ أحمق «٣»
حمد تحمّل المذلّة في الهوى
قال شاعر:
أن التذلّل في حكم الهوى شرف
وقال آخر:
لا تأنفنّ من الخضوع لذي الهوى ... واخضع لإلفك كائنا من كانا
وقيل: التذلّل للحبيب من شيم الأريب «٤» .
ونقشت ظريفة على خاتمها:
قصيرة من طويله ... نفس المحبّ ذليله
قال الأصمعي: غضب الفضل بن يحيى على جارية فبعثت إلي تسألني أن أسترضيه فسألته فقال: الذنب ذنبها فقلت وكيف موقعها من قلبك أيها الأمير. قال أحسن موقع وإنما أريد بهذا الهجر تهذيبها. قلت: فاستعمل فيها وصية العبّاس بن الأحنف قال: وما هي؟
стр. 870
قلت:
تحمّل عظيم الذنب ممّن تحبّه ... وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى ... تفارق من تهوى وأنفك راغم «١»
وصف الهوى بأنه جنون
وصف أعرابي الهوى فقال: هو طرف من الجنون، إن لم يكن عصارة السحر وعليه:
أداء عراني من جنابك أم سحر؟ «٢»
وقال غيلان بن عقبة:
هو السحر إلّا أنّ للسحر رقية ... وإنّي لا ألقى من الحب راقيا
وقال ابن الرومي:
أهوى الهوى كلّ ذي لبّ فلست ترى ... إلا صحيحا له أفعال مجنون
من شغف بقبيح ليس فيه موضع للعشق
تيّقن من رآك تحبّ قينا ... بأنّ الحبّ ضرب من جنون «٣»
مغالبة الهوى
قيل: مغالب الهوى كمغالب الدنيا. قال شاعر:
قد كنت أعلو الحبّ حينا فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتّى علانيا
وقال آخر:
فو الله ما أدري أيغلبني الهوى ... إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه «٤»
فإن أستطع أغلب فإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه
استعظام المحبوب وجلالته في عين المحّب
يستحسن في ذلك قول بعضهم:
أهابك إجلالا وما بك قدرة ... عليّ ولكن ملء عين حبيبها
وقال آخر:
تمنيته حتّى إذا ما رأيته ... بهتّ فلم أعمل لسانا ولا طرفا
وأطرقت إجلالا له ومهابة ... وحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا
стр. 871
فلو أنّني ملكت من ثغره الذي ... تمكّن فيه الدرّ قبّلته ألفا «١»
وصف حبّ تمكّن في الحشا
قال كثيّر «٢» :
أباحت حمىّ لم ترعه الناس قبلها ... وحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت «٣»
قال العباس بن الأحنف:
لا تحسبنّي ماذقا في الهوى ... إنّي على حبّك مطبوع «٤»
قال عبيد الله بن طاهر:
شققت القلب ثم ذررت فيه ... هواك فليم فالتأم الفطور «٥»
تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
قيل لأبي العتاهية: أي شعرك أعجب إليك؟ قال قولي:
قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحبّ الغداة عتبة حقّا «٦»
فتنفست ثم قلت: نعم حب ... اجرى في العروق عرقا فعرقا
قال رجل لمحبوبه: حبك متولّ على فؤادي وذكرك سميري، فقال له محبوبه: أما أنا فلا أحب أن يقع طرفي على سواك.
قال عمر بن أبي ربيعة «٧» :
فمن كان لا يعدو هواه لسانه ... فقد سار في قلبي هواك وخيّما
وليس بتزويق اللسان وصوغه ... ولكنّه قد خالط اللحم والدّما
قال المهلّبي:
وصرنا في محبّتنا حديثا ... يهجّن شرحه قيسا ولبنى
стр. 872
من ذكر أن قلبه ناصر محبوبه عليه
قال العباس بن الأحنف:
قلبي إلى ما ضرّني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوّي إذا ... كان عدوّي بين أضلاعي
أخذ ذلك من قول النبي ﷺ أعدي عدويك نفيسة بين جنبيك. قال شاعر:
يوازره قلبي عليّ وليس لي ... يدان على قلبي عليه توازره
وقال آخر:
أقامت على قلبي رقيبا وناظري ... فليس يؤدّي عن سواها إلى قلبي
قتيل الهوى شهيد
روي في الخبر: من عشق فعفّ فمات، مات شهيدا.
وقال الخبزارزي:
وحبّك ما استحسنت خير مجرّب ... عليك إذا لم تنتهك فيه محرّما
وقال الفتح بن خاقان:
زفرة في الهوى أحطّ لذنب ... من غزاة وحجّة مبروره
وقال المهلّب:
أشتهي الآن أن أصلّي على نعش محبّ قد مات في الحبّ وجدا قيل: ذنوب العشّاق ذنوب اضطرار لا اختيار، وما كان كذلك لم يستحق عقوبة.
كون قتيل الهوى هدرا
قال عبد الله بن جندب: خرجت فرأيت فساقا فيهن امرأة كأنها منحوتة من فضّة فتمثلت بقول قيس بن ذريح «١» :
خذوا بدمي إن مت كلّ خريدة ... مريضة جفن العين والطرف فاتر «٢»
فقالت المرأة: يا ابن جندب إن قتيلنا لا يودى «٣» وأسيرنا لا يفدى. وقال ابن عبّاس: قتيل الهوى هدر ولا عقل ولا قود. وقال أبو حية النميري:
رمين فأقصدن القلوب ما نرى ... دما مائرا إلا جرى في الحيازم
стр. 873
ولكن لعمر الله ماطل مسلما ... كغرّ الثنايا واضحات الملاغم «١»
وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحيّ جاني مثله غير سالم
قال مسلم بن الوليد:
أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي ... ولا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي «٢»
من أمر أن يقتصّ من محبوبه
قال شاعر:
خليليّ إن حانت وفاتي فاطلبا ... دمي من سليمى واطلبا بجميل
وقال الحسين بن الضحّاك:
غزال ما اجتلاه الطرف إلّا ... تحيّر في ملاحة وجنتيه
خذوا بدمي محاسنه وخصّوا ... مقبّله وبرد ثنيّتيه «٣»
الاشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله
وقال أحمد بن يوسف:
وفي الموت لي من لوعة الحبّ راحة ... ولكنّني أخشى ندامتها بعدي
استطابة الأذى في معاناة الهوى
قال المجنون:
يقولون ليلى عذبّتك بحبّها ... ألا حبّذا ذاك الحبيب المعذّب
وقال آخر:
تشكّى المحبوب الصبابة ليتني ... تحملت ما ألقاه من بينهم وحدي
فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها ... فلم يلقها قبلي محبّ ولا بعدي
وقال آخر:
دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه ... فكلّ أذى ممّن تحب سرور
تراب قطيع الشاملي عين ذئبها ... إذا ما تلا آثارهنّ ذرور
قال المتنبيّ:
سهاد أتانا منك في العين عندنا ... رقاد وقلام رعى سربكم ورد «٤»
стр. 874
وقال:
ضنى في الهوى كالسمّ في الشهد كامنا ... لذذت به جهلا وفي لذّتي حتف
وقال:
والعشق كالمعشوق يعذب قربه ... للمبتلي وينال من حوبائه «١»
لو قلت للدنف الحزين فديته ... ممّا به لأغرته بفدائه
التبرّم بالهوى
قال محمّد بن عبد الله بن طاهر:
ليت الهوى لم يكن بيني وبينكم ... وليت معرفتي إيّاك لم تكن
وقال البحتري:
رحلوا فأيّة عبرة لم تسكب ... أسفا وأيّ عزيمة لم تغلب
لو كنت شاهدنا وما صنع الهوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب
التلذّذ بالهوى عند المواصلة والتبرّم به لدى المعارضة
قال الخوارزمي:
وهذا الهوى عيش المحبّ إذا صفا ... ولكن إذ لم يصف كان له حتفا
وقال وهب الهمداني:
ولي بين هجران الحبيب ووصله ... مصيران موت تارة ونشور «٢»
التعبّد للمحبوب وتذليل النفس فيه
قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخّر عنه ولا متّقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم ... إذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي صاغرا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم
ويستعذب قول المتنبيّ حتى ما من أديب إلا وهو يرويه ولا مغن إلا وهو يغنّيه:
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم ... وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
стр. 875
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم
المتبرّم بمحبوبه عمّن عداه والمتبرم عند فقده بسواه
قال إبراهيم بن العباس:
وأنت هوى النفس من بينهم ... وأنت الحبيب وأنت المطاع
ومالي إن بعدوا وحشة ... ولا معهم إن بعدت اجتماع
قال أبو فراس:
فيا ليت ما بيني وبينك عامر ... وبيني وبين العالمين خراب
وليتك تحلو والحياة مريرة ... وليتك ترضى والأنام غضاب
وقال آخر:
وكنت إذا داري بطيبك أسعفت ... رضيت على الدنيا فما أستزيدها «١»
قال الماهر:
النّاس أنت فأين عنك معرجي ... والأنس فيك فأين عنك أيمّم
وقال آخر:
فكلّ حياة مع سواك منيّة ... وكلّ ضحىّ في أرض غيرك غيهب «٢»
قالت أعرابية:
فما أحسن الدنيا وعندي خالد ... وأقبحها لما تجهّز غازيا
وقال رجل لامرأة: قد أخذت بمجامع قلبي «٣» فلست استحسن سواك. فقالت: إن لي أختا هي أحسن منّي وها هي خلفي، فالتفت الرجل فقالت: يا كذّاب تدّعي هوانا وفيك فضل لسوانا.
الاستغناء بالحبيب عن كلّ خير وطيب
قال بعضهم:
ولو جاوزتنا لعام آخر لم نبل ... على جدبنا أن لا يصوب ربيع «٤»
وقال كشاجم:
ما أرتجي بالرياض فيك غنىّ ... عنهنّ لي منظر وحسن غنا
стр. 876
أدير طرفي فلا أرى حسنا ... إلا أرى فيك ذلك الحسنا
إجابة الهوى إذا دعا
قال بعض بني أسد:
إذا أمرتك النفس أن تتّبع الهوى ... فقل: سامع للأمر منك سميع
وهذا خلاف قول الآخر:
إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
ولهذا باب في أول الكتاب، ولثوبة:
ولو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت ... عليّ ودوني جندل وصفائح «١»
لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح
فيقال: لما مات ثوبة ومضى على ذلك زمان وتزوجت ليلى مرّت مع زوجها يوما بقبر ثوبة فقال: ألا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله ولو أن ليلى (البيتين) . فسلمت عليه فندّت هامة «٢» من ناحية قبره وصرخت، فنفر جملها وسقطت فاندقّ عنقها فماتت فدفنت بجانبه.
جهل المحب بمقابح محبوبه
قال النبي ﷺ : حبّك الشّيء يعمي ويصمّ، أي يعمي عن الرشد ويصمّ عن سماع المواعظ على ذلك قال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. قال شاعر:
يا عتب ما أنا عن فعالك بي ... أعمى ولكنّ الهوى أعمى
وقال آخر:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أنّ عين السخط تبدي المساويا «٣»
قال المتنبيّ:
ويقبح من سواك الفعل عندي ... وتفعله فيحسن منك ذاكا
قال علي بن عبد الله بن جعفر:
ولائم لام فيه ... يبغى بذلك شيني «٤»
стр. 877
فقلت إذ لام فيه ... هلّا نظرت بعيني «١»
وقال الأصمعي: سألني الرشيد عن حقيقة العشق فقلت: أن يكون البصل منها أطيب من المسك من غيرها.
عذر من أحبّ قبيحا
قيل لرجل: لم اخترت من جواريك أقبحّهنّ؟ فقال: لأن الهوى ليس نخّاسا «٢» فيختار أثمنهنّ. وقال رجل للجماز: ابتلاك الله بحب فلانة وإنّها لامرأة قبيحة. فقال يا أحمق لو ابتلاني الله بحبها لكانت كالحور العين عندي، ولكن ابتلاك بأن تكون في بيتك وأنت تبغضها ولا يمكنك التخلّص منها. وقيل لرجل: اخترت فلانة مع قبحها فقال: لو صحّ لذي الهوى اختيار لاختار أن لا يعشق وقيل: العين إذا أبصرت الهوى عميت عن الاختيار.
من جعل محبوبه كمعبوده
مذهب الحلوليين «٣» معروف فيما يدّعونه- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- قال شاعر:
لما رآه النصارى لا شبيه له ... وشاهدوه بأسماع وأبصار
خرّوا سجودا وقالوا حلّ ثانية ... في صورة الأنس ذاك الواحد الباري
وقال آخر:
أفدي بنفسي من بدر على غصن ... تكاد تأكله عيناي بالنظر
إذا تفكّرت فيه عند رؤيته ... صدّقت قول الحلوليين في الصور
هوى ثبت في الصغر وبقي على حالته في الكبر
كل هوى ثبت في الصغر فهو كالنّقش في الحجر، لا تغيّره الأحوال ولا تبدّله الأعوام. قال ابن الطثريّة:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكّنا
وقال:
وعلقت ليلى وهي ذات ذوائب ... تردّ علينا بالعشيّ المراميا «٤»
стр. 878
فشبّ بنو ليلى وشبّ بنو ابنها ... وأعلاق ليلى في الفؤاد كما هيا «١»
من ذكر أنّ هواه لا يزول إلا بموت
قال شاعر:
ستبقى لها في مضمر القلب والحشا ... سريرة ودّ يوم تبلى السرائر
وقال آخر:
يهيم فؤادي ما حييت بذكرها ... ولو أنّني قدمتّ جاوبها الصدى «٢»
المفاضلة بين قديم الهوى وحديثه
قال الأصمعي: رأيت في طريق الحج جاريتين كفلقتي القمر، فلما كانت السنة الثانية رأيت إحداهما فسألتها عن أختها فقالت تزوج بها ابن عم لها، فقلت: لو أدركتها لتزوجتها فقالت ما يمنعك من شقيقتها في حسبها ونسبها وشريكتها في حسنها فقلت: قول كثير:
إذ واصلتنا خلّة كي تزيلها ... عرضنا وقلنا الحاجبيّة أوّل
فقالت بيننا كثير أليس هو القائل:
هل وصل عزّة إلا وصل غانية ... في وصل غانية عن وصلها خلف «٣»
وحدّث يحيى بن أكثم المأمون أن كثيّرا اجتمع مع عزّة فتنكرت له متنقّبة وقالت:
من أنت؟ قال كثير فقالت: وهل تركت عزّة فيك نصيبا لغيرها؟ فقال: لو أن عزة كانت أمة لي لجعلتها لك، فكشفت البرقع وقالت: أهذا أيضا كذب الوشاة؟ فاستحيا، فقال:
المأمون لقد استحييت له وأنا على سريري.
وقال جعفر بن سليمان: قصدت المهدي يوما فقال: دخلت إلى جارية يقال لها حسناء ودخلت أخرى يقال لها ملكة، وأردت القيلولة فقلت: عند أيكما أقيل؟ فقالت حسناء: إن الله تعالى يقول: وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ
«٤» فقالت ملكة لا تعجّل فإن الله تعالى يقول: وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى
«٥» فقلت لو أن شريكا حضرهما لم يقدر أن يقضي بينهما. قال بشار:
سبقت بالحب سلمى غيرها ... وأحقّ النّاس عندي من سبق
قال أبو تمّام:
نقلّ فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحبّ إلّا للحبيب الأوّل
كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأوّل منزل
стр. 879
ونقضه ديك الجن فقال:
نقّل فؤادك حيث شئت فلن ترى ... كهوى جديد أو كوصل مقبل
من جعل لكلّ من قديم الهوى وحديثه نصيبا
قال شاعر:
أنا مبتلىّ ببليتين من الهوى ... شوقي إلى الثاني وذكر الأول
قسم الفؤاد لحرمة وللذة ... في الحبّ من ماض ومن مستقبل
قال كثيّر:
وللعين ملهىّ في البلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطّرائف
قال أبو تمّام:
وقالت أنيسي البدر قلت تجلّدا ... إذا الشمس لم تغرب فلا طلع البدر
من ذكر كثرة من يهواهم
قال ابن أبي طاهر:
عدمت فؤادي من فؤاد فما أشقى ... وأكثر من يهوى وأعظم ما يلقى
فلو كان يهوى واحدا لعذرته ... ولكنّه من جهله يعشق الخلقا
ثمانون لي في كلّ يوم أحبّهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى
وقال آخر:
قالوا بغانية واصلت غانية ... فقلت: حزم ورود الماء بالماء «١»
مساعفة المحبوب إذا ساعف والإعراض عنه إذا أعرض
هذه طريقة يختارها قوم فيطيب عيشهم وإن كان لا يرضاها من يتكلم في العشق من حكام أربابه. قال شاعر:
تمتّع بها ما ساعفتك ولا يكن ... عليك شجىّ في الصّدر حين تبين
تأسّف من بحبّه من لا يحبه
قال شاعر:
إن كان ذا قدر أنعطيك نافلة ... منّا وتحرمنا ما أنصف القدر
وقال أبو الطحان:
أفي الحقّ أنّي مغرم بك هائم ... وأنّك لا خلّ هواك ولا خمر
стр. 880
وقال أشجع:
وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبى
ويستظرف للمتنبي:
أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به ... من أن أكون محبّا غير محبوب
قال بعضهم: وجدت بمكة شابا مصفرا ناحلا فسألته عن حاله فقال: بليت بوصيفة فذهب رأس مالي في ثمنها ونفقتها وليست تحبني، فقلت استمتع بها وعدها بعض نعم الدنيا والآخرة هل تحبك العافية هل تحبك الصحة هل يحبك المال هل تحبك الجنة؟
فقال: لا. فقلت: أليس تحب كل ذلك وتتمتع به مع أنه لا يحبك، فهبها بعض نعيم دنياك وآخرتك فقام كالمسرور وأوجع إليها وساهلها في سوء خلقها حتى رجع الله تعالى بقلبها إليه وطاب عيشه معها.
تأسف من يزداد صفاء بجفاء محبوبه
قال إبراهيم بن العباس:
بنفسي من إساءته اعتماد ... ومن إحسانه من غير عمد
ومن أصفيته في الودّ جهدي ... فعارض في الجفاء بمثل جهدي
وقال أبو العتاهية «١» :
ولي فؤاد إذا طال العذاب به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذّبه
يفديك بالنّفس صبّ لو يكون له ... أعزّ من نفسه شيء فداك به «٢»
من ذكر مساواة محبوبه في المحبّة
إنّ التي زعمت فؤادك ملّها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها
قال إبراهيم بن المهدي:
وتخبرني عن قلبها فكأنّها ... إذا صدقت عنه تحدّث عن قلبي
قال أبو عنبسة:
كلانا سواء في الهوى غير أنّها ... تجلّد أحيانا وما بي تجلّد
قال الرفاء:
شكوت الذي تشكو إليّ كأنّما ... تجنّ ضلوعي ما تجنّ ضلوعها
следующие страницы →