← Адаб

Адаб · id 9078

محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء

الراغب الأصفهاني

Полный текст (1 556 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

فأطرقوا حياء وقال العبّاس بن الأحنف: ومستفتح باب البلاء بنظرة ... تزوّد منها شغله آخر الدهر قال أبو تمام: إنّ لله في العباد منايا ... سلطتها على القلوب العيون النهي عن تمكين المرأة من النظر إلى الرجل قال بعضهم: لإن يرى ألف رجل امرأتي أسهل عندي من أن ترى امرأتي رجلا، قال ذو الرمة: لا تأمننّ على النّساء ولو أخا ... ما في الرجال على النّساء أمين إن الأمين وإن تحفظ جهده ... لا بدّ أن بنظرة سيخون الرخصة في النظر قال الحسن: النظر إلى الوجه الحسن عبادة معناه إن الرائي يقول: سبحان خالقه ومنه قيل النظر إلى عليّ عبادة ورؤي شريح بقارعة الطريق فقيل له ما وقوفك؟ قال: عسى أن أنظر إلى وجه حسن أتقوى به على العبادة. وقال ابن الدمينة: يقولون لا تنظر وتلك بليّة ... ألا كل ذي عينين لا بدّ ناظر وليس اكتحال العين بالعين ريبة ... إذا عفّ فيما بينهنّ الضمائر وقال مصعب بن الزبير وكان جميلا لصوفي رآه يحد النظر إليه: لم تحدّ النظر إليّ؟ فقال: لا تنكر نظري فإنك من زينة الله في بلاده. أما سمعت قول أبي دلف. ما لمن تمّت محاسنه ... أن يعادي طرف من رمقا «١» لك أن تبدي لنا حسنا ... ولنا أن نعمل الحدقا «٢» قال آخر: أبرزوا وجهه الجمي ... ل ولاموا من افتتن لو أرادوا عفافة ... نقبوا وجهه الحسن قال التمار: لا تمنعني إن نظر ... ت فلا أقلّ من النّظر دع مقلتي تنظر إلي ... ك فقد أضرّ بها السّهر النظر الشديد نظر أشعب إلى ابنه وهو يحادث امرأة فقال: يا بني نظرك هذا يحبل. وغنّى

стр. 947

مخارق في مجلس الواثق بقول عمر بن أبي ربيعة: نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرّج عارم «١» فقال ما تحفظون في هذا؟ فقال ابن أبي دؤاد أحفظ فيه شيئا ظريفا وهو: ولي نظر لو كان يحبل ناظر ... بنظره أنثى فقد حبلت عنّي «٢» فإن ولدت ما بين تسعة أشهر ... إلى نظري شيئا فذاك إذا منّي فقال أشد منه للأخطل: فلا تقرب بيوت بني كليب ... ولا تقرب لهم أبدا رحالا ترى فيها لوامع مبرقات ... يكدن ينكن بالحدق الرجالا قيل لعاشق تمكن من لقاء محبوبه: هل اشتفيت؟ فقال: وفي نظري الصّادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد وقال آخر: يرنو وينظر حسرة ... نظر الحمار إلى القضيم من تمنّى النظر إلى محبوبه والاستشفاء بلقائه قال الخبزارزي: مفتاح كلّ لذاذة ... نظر المحب إلى الحبيب طوبى لعين بصرت ... وجه الحبيب بلا رقيب قال ابن قنبر: رمدت في الحبّ عيني ... فاكحلوها بالحبيب قال العباس: إذا ما التقينا كان أكثر حظّنا ... وغاية ما نرضى به النظر الشزر إزدياد الوجد بالنظر قال وهب الهمداني: زوّدت العين من لواحظها ... زادا فكان الحمام في النظر قال الأحوص: إذا قلت إني مشتف بلقائها ... فحمّ التّلاقي بيننا زادني وجدا

стр. 948

قال إبراهيم الموصلي: ولو أني نظرت بكلّ عين ... لما استقصت محاسنه العيون «١» تورك الذنب على العين والقلب . قيل: قال الصولي: فمن كان يؤتى من عدوّ وصاحب ... فإني من عيني أتيت ومن قلبي هما اعتوراني نظرة ثم فكرة ... فما أبقيا لي من رقاد ومن لبّ «٢» وقال: إذا لمت عينيّ اللتين أضرّتا ... بجسمي يوما قالتا لي لم القلبا فإن لمت قلبي قال عيناك قادتا ... إليك البلايا ثم تجعل لي الذنبا قال أبو القاسم المصري: ألوم قلبي وناظري فهما ... تعاونا والنوى على قلبي تورك الذنب على العين دون القلب . قال أبو تمام: لأعذّبن جفون عيني إنّما ... بجفون عيني جلّ ما أتعذّب قال ابن المعتز: عيني أشاطت بدمي في الهوى ... فأبكوا قتيلا بعضه قاتله قال العطوي: فلا عجب ولا أمر بديع ... جنايات العيون على القلوب توركه على القلب دون العين كفى بكون القلب مذنبا وداعيا إلى فعل الشر أنّ النفس لأمّارة بالسوء وقول النبي ﷺ أعدى عدوك نفيسة بين جنبيك، قال شاعر: ألا إنّما العينان للقلب رائد قال الموسوي: النفس أعدى عدوّ أنت حاذره ... والقلب أعظم ما يبلى به الرجل «٣» قلّة شبع العين من النظر قيل: لا تشبع عين من نظر، ولا أذن من خبر ولا أرض من مطر ولا أنثى من ذكر.

стр. 949

قال أبو العباس: ليتني إذ أراه كلّي عيون ... فبعينين لست أشبع منه اختلاس النظر خشية الرقباء قال أبو الشيص: ونظرة عين تعللتها ... حذارا كما نظر الأحول تقسمتها بين وجه الحبيب ... وطرف الرقيب متى يغفل ونحوه: إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فليس لنا رسل سوى الطرف للطرف «١» فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوي نظرت إلى السقف وقال: حمدت إلهي إذ بلاني بحبّها ... على حول أغنى عن النظر الشزر نظرت إليها والرقيب يظنّني ... نظرت إليه فاسترحت من العذر التخاطب بالنظر قال معقل بن عيسى: إذا نحن خفنا الكاشحين ولم نطق ... كلاما تكلّمنا بأعيننا شزرا «٢» قال علي بن هشام: فسلمت إيماء وودّعت خفية ... فكان جوابي كسر عين وحاجب «٣» قال ابن أبي طاهر: وفي غمز الحواجب مستراح ... لحاجات المحّب إلى الحبيب وقال: ومجلس لذّة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عدّ الذنوب فلمّا لم نطق فيه كلاما ... تكلمت العيون على القلوب وقالت الهند: للحظ ترجمان القلب واللسان ترجمان البدن.

стр. 950

كون نظر المحبوب إلى محبّه قاتلا قال ابن الرومي: نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمها ... ثم انثنت عنه فكاد يهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت ... وقع السهام ونزعهن أليم تحيّر العاشق بالنظر إلى معشوقه قال أحمد بن أبي ظاهر: عتابا كأيام الحياة أعدّه ... لألقى به بدر السّماء إذا حضر فإن أخذت عيني محاسن وجهه ... دهشت لما ألقى فيملكني الحصر «١» السهل اللقاء الصعب المنال : قال شاعر: فقلت لأصحابي هي الشّمس ضوؤها ... قريب ولكن في تناولها بعد قال أبو نواس: مبذولة للعيون وجنته ... ممنوعة من أنامل الجاني «٢» وليس لي فيه ما خلا نظر ... يشركني فيه كلّ إنسان قال العباس: هي الشمس منزلها في السّماء ... فعّز الفؤاد عزاء جميلا فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا من سهل بالكلام وصعب بالمنال قال إبراهيم بن المهدي: وقد يلين ببعض القول يبذله ... والوصل في وزر صعب مراقيه «٣» فالخيزران منيع منك مكسره ... وقد يرى ليّنا في كفّ لاويه «٤»

стр. 951

المؤثر للمواقعة قال شاعر: لم يصف حبّ لمعشوقين لم يذقا ... حبّا يحلّ على من ذاقه الغسل «١» قال الخبزارزي: إذا ما قنعنا بالتّواصل في الهوى ... فلا أنت معشوق ولا أنا عاشق فلا وصل إلا أن يكون تباذل ... ولا بذل إلا أن يكون تعانق إذا لم يتمّ الوصل والبذل في الهوى ... فأمّ الهوى من بعد هذين طالق قال أبو تمّام: وقالوا نكاح الحبّ يفسد شكله ... وكم نكحوا حبّا وليس بفاسد وقال أبو القيس: مرّ بي إدريس بي أبي حفصة فوقف عليّ وأنشدني: ولما التقينا قالت الحكم فاحتكم ... سوى خصلة هيهات منك مرامها فقلت معاذ الله من تلك خصلة ... نموت ويبقى بعد ذاك أثامها «٢» وكان عندنا شيخ من فرغانة فقال ما تفسير هذا؟ ففسرته له فقال: أما نحن فمتى عشقنا واحدا نكناه في إسته ليس هذا عشقا أو لا يقوم عليه. استحسان التقاء المتحابين قال مسلم العنبري: لا شيء أحسن في الدنيا وساكنها ... من وامق قد خلا فردا بموموق «٣» قال العباس: لم يخلق الرحمن أحسن منظرا ... من عاشقين على فراش واحد المعانقة قال إبراهيم الصولي: ساعدنا الدهر فبتنا معا ... نحمل ما نجني على السّكر فكنت كالماء له قارعا ... وكان في الرقّة كالخمر «٤» قال الأخطل: وإنّي وإياها إذا ما لقيتها ... لكالماء من صوب الغمامة والخمر

стр. 952

قال الجاحظ: كم بين قول امرئ القيس ... تقول وقد مال الغبيط بنا معا «١» وبين قول علي بن الجهم: سقى الله ليلا ضمنا بعد هجعة ... وأدنى فؤادا من فؤاد معذّب فبتنا جميعا لو تراق زجاجة ... من الراح فيما بيننا لم تسرّب وقال: فبتنا على رغم الحسود كأنّنا ... خليطان من ماء الغمامة والخمر قال البحتري: وربت ليلة قد بت أسقى ... بعينيها وكفّيها المداما قطعنا الوصل لثما واعتناقا ... وأفنيناه ضمّا والتزاما قال ابن المعتز: كأنني عانقت ريحانة ... تنفّست في ليلها البارد فلو ترانا في قميص الدجا ... حسبتنا من جسد واحد «٢» قال ابن طباطبا: وضيّقت فيه من عناق معانقي ... فظنّ وشاتي أنني نائم وحدي من ذكر تمكّنه من محبوبه قال جحظة: حبيب جاد لي ... بالرّيق والظلماء معتكفه وسامحني بما أهوا ... هـ بعد التيه والأنفه ستشكر فعله نفس ... بعجز الشكر معترفه قال المأمون: يا ليلة فزنا بها حلوة ... جامعة في ظلّها الشمل شرابنا وكاساتنا ... شفاهنا والقبل النقل «٣»

стр. 953

تمني تقبيل الحبيب والاقتصار منه عليه قال شاعر: والله لو نلتك إذ نلتقي ... عينا لقبّلتك ألفين قال الصنوبري: نويت تقبيل نار وجنته ... فخفت أدنو منه فأحترق قال محمد بن أبي أمية: فما نلت منها محرّما غير أنّني ... أقبّل بسّاما من الثغر أفلجا «١» وألثم فاها تارة بعد تارة ... وأترك حاجات النفوس محرجا تقبيل الحبّ إعتراضا قال ابن المعتز: وكم عناق لنا وكم قبل ... مختلسات حذار مرتقب نقر العصافير وهي خائفة ... من النّواطير يانع الرطب «٢» قال أبو نواس: وعاشقين التفّ خداهما ... عند التثام الحجر الأسود فاشتفيا من غير أن يأثما ... كأنّما كانا على موعد لولا دفاع النّاس إيّاهما ... لما استفاقا آخر المسند نفعل في المسجد ما لم يكن ... يفعله الأبرار في المسجد قال ابن أبي ربيعة: فمررت مختفيا أمرّ ببيتها ... حتّى ولجت على خفاء المولج قالت وعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبهنّ الحيّ إن لم تخرج فخرجت خيفة قولها فتبسّمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف لبرد ماء الحشرج «٣» استطابة تقبيله اختلاسا واختفاء قال كشاجم: ما لذة أبلغ في طيبها ... من لذّة في إثرها عضّه

стр. 954

خلّصتها بالكره من شادن ... يعشق منه بعضه بعضه قال ابن سكرة: سألته في صحوه قبلة ... فردّني والموت في ردّه حتّى إذا السّكر ثنى جيده ... قبّلته ألفا بلا حمده «١» وقال الحسن بن وهب قبلتها فوجدت بين شفتيها ريحا لو نام فيها المخمور لصحا. قال المتنبّي: شاميّة طال ما خلوت بها ... تبصر في ناظري محيّاها فليتها لا تزال آوية ... وليته لا يزال مأواها قال الصاحب: قال إذا قبلني خدّه ... إنّما القبلة عنوان الصّلة قال الصابئ: أقبلت ثم قبّلت ظهر كفّي ... قبلة تنقع الغليل وتشفي «٢» فتلظّى فمي عليها وودّت ... شفتي أنّها هنالك كفي فعضضّت اليد التي قبّلتها ... بفم حاسد يريد التشفّي «٣» قال الصاحب: أو ما لتقبيل يدي ... فقلت لا بل شفتي قال الموسوي: ومقبّل كفى وددت بأنّه ... أوما إلى شفتيّ بالتّقبيل موضع التقبيل قيل: قبلة المؤمن المصافحة وقبلة الرجل زوجته الفم وقبلة الوالد الولد الرأس وقبلة الأم الابن الخد. قال أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه: قبلة الولد رحمة وقبلة المرأة شهوة وقبلة الوالدين عبادة وقبلة الأخ الأخ رقة وزاد فيه الحسن وقبلة الإمام العادل طاعة. من سأل محبوبه الوصل وقال الواواء الدمشقي: أيا من هو الفوز لي بالمنى ... ومن هو بالودّ منّي حقيق «٤»

стр. 955

تغنم بنا غفلات الزمان ... فوجه الحوادث وجه صفيق «١» وقال: تعال بنا نعص الوشاة ونشتفي ... من الوصل قبل الموت ثم نتوب كتب إبراهيم الموصلي إلى قينة: دعي الوصل لا أسمع بيومك إنّما ... سألت شيئا ليس يعري لكم ظهرا فأجابته لكن يملأ لنا بطنا، قال شاعر: يا قضيبا مخصره ... وكثيبا مؤزره «٢» ليت شعري متى تجو ... د بما لا نفسّره سؤاله عوذة النائل قال المتنبّي: أمنعمة بالعودة الظّبية التي ... بغير وليّ كان نائلها الوسميّ «٣» قال بشار: يا رحمة الله حلّي في منازلنا ... حسبي برائحة الفردوس من فيك «٤» قد زرتنا مرّة في الدهر واحدة ... ثنّي ولا تجعليها بيضة الديك «٥» المستكثر قليل الوصل من حبيبته قال بعضهم: بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الوصل إلا عدتم بجميل وإنّي ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل قال آخر: قفي ودّعينا يا مليح بنظرة ... فقد حان منّا يا مليح رحيل أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكلا ليس منك قليل قال ابن المعتز: قل لمن حيّا فأحيا ... ميّتا حييت حيّا ما الذي ضرّك لو أبقي ... ت لي في الكاس شيّا

стр. 956

هل تراني كنت إلا ... مثل من قبّل فيّا الرضا بأن حبيبه يخطره في قلبه قال ابن الدمينة: لئن ساءني أن نلتني بمساءة ... لقد سرّني أنّي خطرت ببالك وقال: رضيت بسعي الوهم بيني وبينه ... وإن لم يكن في الوصل منه نصيب الرضا بأن ينظر أرض حبيبه يقرّ بعيني أن أرى من مكانها ... ذرا عقدات الأبرق المتقاود «١» وأن أرد الماء الذي شربت به ... سليمي وقد ملّ السرى كلّ واحد «٢» وألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسمّ الأساود الرضا بكونه مع الحبيب في الدّنيا قال أبو نواس أرضى الناس قيس بن ذريح في قوله: أليس اللّيل يجمعني وليلى ... ألا يكفي بذلك من تدان ترى وضح النهار كما أراه ... ويعلوها الظلام كما علاني وقال: ويقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقرّ بعين ذي الحلم أنّي أرى وأظنّها سترى ... وضح النهار وعالي النجم رجاء لقاء المحبوب قال الحارثي: أرانا به الله ما لم تزل ... تبشّرنا حسنات الظنون وقال: ما أقدر الله أن يدني على شحط ... من داره الحزن ممّن داره صول «٣» الله يطوي بساط الأرض بينهما ... حتى يرى الربع منه وهو مأهول من حبيبه مناه قال شاعر: ولما نزلنا منزلا طلّه النّدى ... أنيقا وبستانا من النّور حاليا «٤»

стр. 957

أجدّ لنا طيب المكان وحسنه ... منىّ فتمنّينا فكنت الأمانيا تمنّي مجاورته قال شاعر: تمنيت في عرض الأماني وربّما ... تمنى الفتى أمنية ثم نالها ألا ليت سعدى جاورتني حياتها ... فتعلم ما حالي وأعلم حالها قال الفرزدق: ألا ليتنا نمنا ثمانين حجّة ... تنام معي عريانة وأنامها ضجيعين مستورين والأرض تحتنا ... يكون طعامي شمّها والتزامها قال جميل: أقول والركب قد مالت عمائمهم ... وقد سقى القوم كأس النعسة السهر يا ليت أني بأثوابي وراحلتي ... عبد لقومك هذا الشهر مؤتجر من أحبّ أن يجتمع مع حبيبه وإن كان في شقاء قال كثيّر: ألا ليتنا يا عزّ من غير ريبة ... بعيران نرعى في الخلاء ونعزب «١» كلانا به عرّ فمن يرنا يقل ... على حسنها جرباء تعدي وأجرب «٢» إذا ما وردنا منهلا صاح أهله ... علينا فلا ننفكّ نرمي ونضرب نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا ... فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب فلما سمعت عزّة ذلك قالت لقد تمنى لي وله الشقاء الطويل. قال ديك الجن ألا ليتنا كنّا جميعين في الهوى ... تضمّ علينا جنّة أو جهنّم قال ابن حجّاج: قلت ستّي كلّميني ... قبل أن أحصل مثله «٣» اضربي من طين باب است ... تك خرطومي بكتله قد طلبنا منك ما لا ... تكره الحرة بذله ليتني أمسيت في عق ... صة شعر إستك قمله

стр. 958

الرضا من حبيبه بالأماني والمواعيد الكاذبة قال كثيّر: وإني لأرضى منك يا عزّ بالذي ... لو أبصره الواشي لقرّت بلابله «١» بلا وبان لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد والتسويف قد ملّ آمله «٢» وبالنظرة العجلى وبالحول ينقضي ... أواخره لا تنقضي وأوائله قال جميل: فصلى بحبلك يا بثين حبائلي ... وعدي مواعد منجز أو ماطل «٣» قال الموسوي: وما ضرّهم إذ لم يجودوا بمقنع ... من النّيل لو منّوا قليلا وسوّفوا «٤» قال كشاجم: ضنّت بموعدها فقلت لها ... يا هذه فعدي بأن تعدي انتظار وعد الكاذب قال جحظة: يا كاذبا في وعده بلسانه ... من لي بمصّ لسانك الكذّاب ما زلت منتظرا لوعدك مفردا ... بالبيت مرتقبا لقرع الباب قطع الأوقات بالأماني قال ابن المعتز: يا مانع العين طيب رقدتها ... ومانح الجسم كثرة العلل علّمني حبّك المقام على الضّي ... م وقطع الأيّام بالأمل وقال: منى أن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا أمانيّ من سعدى حسان كأنّما ... سقتك بها سعدى على ظمأ بردا

стр. 959

(١٢) وممّا جاء في الطيف من يسمح بخياله ويضنّ بوصاله قال البحتري: أهلا بزائرة الملمّ لو أنّه ... عرف الذي يعتاد من إلمامه «١» جذلان يسمح في الكرى بعناقه ... ويضنّ في غير الكرى بسلامه «٢» وقال: بنفسي من تنأى ويدنو ادّكارها ... ويبذل عنها طيفها ويمانع «٣» وقال: وإذا ما أبى الحبيب مواتا ... تي تبلّغت بالخيال المسلّم قال أحمد بن أبي طاهر: فبتّ بها ضيفا مقيما برحله ... وباتت بنا طيفا تقيم ولا تدري وزارت وما زارت وجادت ولم تجد ... وواصل عنها الطيف وهي على الهجر قال ابن المعتز: شفاني الخيال بلا حمده ... وأبدلني الوصل من صدّه وكم نومة لي قوّادة ... أتت بالحبيب على بعده وقال كشاجم: قد جاد طيفك لي بوعدك ... وأجارني من طول صدّك ودنا إليّ معانقا ... ومصافحا خدّي بخدّك فظفرت منك بما هوي ... ت بحمد طيفك لا بحمدك من منع خياله بتسليط السّهاد على محبّه قال شاعر: فكان يزورنا منه خيال ... فلمّا أن جفا منع الخيالا قال علي بن يحيى المنجم: بأبي أنت لم جفاني خيال ... لك قد كنت أستريح إليه

стр. 960

أرشدني إلى خيالك كيما ... أتقاضاه موعدا لي عليه «١» وقال: إنّ فقد النّوم أعدمني ... رؤية الأحباب في الحلم قال أبو نواس: كيف السبيل إلى طيف يزاوره ... والنّوم في جملة الأحباب هاجره بغض طيف ذي هجران قال أبو دلف: لا تحمدنّ على نوال في الكرى ... من ليس في غير الكرى بمنول قال المتنبّي: إنّي لأبغض طيف من أحببته ... إن كان يهجرنا زمان وصاله قال المهلّبي: إنّما الطّيف الملمّ ... فرح يتلوه هم قلّما يحمد أمر ... ليس فيه ما يذمّ قالت عابدة المهلبية: خطبت خياله فإذا خيال ... مطول مثل صاحبه بخيل «٢» فإن توقّعي طيفا جوادا ... وصاحبه بخيل مستحيل من ذكر الخيال بات الفكر إزاره قال أبو تمام: نم فما زارك الخيال ولكن ... نك بالفكر زرت طيف الخيال قال المتنبّي: لا الحلم جاء به ولا بمثاله ... لولا ادّكار وداعه وزياله «٣» إن المعيد لنا المنام خياله ... كانت عبارته خيال خياله بتنا يناولنا المدام بكفّه ... من ليس يخطر أن نراه بباله فدنوتم ودنوّكم من عنده ... وسمحتم وسماحكم من ماله من أسهره خيال حبيبه قال علي بن يحيى: زارني طيف الخيال فما ... زاد أن أغرى بي الأرقا

стр. 961

قال الفرزدق: شبت لعينك سلمى عند مقفاها ... فبتّ منزعجا من بعد مرآها «١» وقلت أهلا وسهلا ما هداك لنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إيّاها قال ابن الرومي: طرد الكرى عنّي وراح بحاجتي ... وقضى عليّ بأجرة الحمّام من تمنّى المنام لأجل لقاء الخيال قال قيس بن ذريح: وإنّي لأهوى النوم من غير نفسه ... لعلّ لقاء في المنام يكون تخبرني الأحلام إنّي أراكم ... فيا ليت أحلام المنام يقين من ذمّ الصبح لمفارقة الخيال قال البحتري: وليلة هوّمنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحقّ باطله فلولا بياض الصّبح طال تشبّثي ... بعطفي غزال بتّ وهنا أغازله «٢» وكم من يد للّيل عندي حميدة ... وللصّبح من خطب تذمّ غوائله «٣» المخافة من تهديد الطيف قال شاعر: رجا راحة في النّوم حتّى إذا غفا ... أتى طيف من يهوى يهدّد بالهجر فقام ينادي والدموع بوادر ... أيا طيف من أهوى قتلت ولا تدري (١٣) وممّا جاء في السلوّ من ذكر تسلّيه عن محبوبه بما لا يسلى به قال كثيّر: ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل

стр. 962

تسلّى بأخرى غيرها فإذا الّتي ... تسلّى بها تغري بليلي ولا تسلي قال البحتري: وقالوا تجنبها تفسق فاجتنبتها ... زمانا فما أسلى فؤادي التجنب وقالوا تقرّب يخلق الحبّ أو تجد ... علالة قلب فاختلاني التقرّب من بغى له بعد ما تسلى علالة من الهوى قال معاوية: صرمت سفاهتي وأرحت حلمي ... وفي علمي تحمّلي اعتراض «١» على أنّي أجيب إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض قال البحتري: إني إذا جانبت بعض بطالتي ... وتوهّم الواشون أنّي مقصر ليشوقني سحر العيون المجتلى ... ويروقني ورد الخدود الأحمر من قرب سلوّه من عشقه قال محمد بن بشير: سريع العلوق إذا ما هوى ... سريع النّزوع إذا ما علق فبينا يرى عاشقا إذ سلا ... وبينا يرى قاليا إذ عشق «٢» رأيت الوصال وهجرانه ... يكونان منه معا في نسق وقيل لأعرابية كم تعشقين؟ فقالت: ثلاثين ألفا كلّ يوم أحبّهم ... وما في فؤادي واحد منهم يبقى امتناع النفس من الرجوع إلى من أبغضته قال العباس: ردّ الجبال الرواسي عن أماكنها ... أخفّ من ردّ نفس حين تنصرف وقال: إذا انصرفت نفسي عن الشّيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل وقال آخر: إنّ قلبي أعزّ من أن تراه ... في محلّ الهوى لقلبك عبدا

стр. 963

الراغب عن محبوبه قال أبو عيينة: لقد جعلت تعرض لي سعاد ... تعرّض من يريد ولا يراد فقلت لها: كسدت فلا تعني ... بنا فلكلّ نافقة كساد «١» فما لك إن أقمت عليّ رزق ... ولا لك إن ظعنت عليّ زاد وكتب أبو نواس لما خرج من بغداد: ألا قل لأخلّائي ... ومن همت بهم وجدا «٢» شربنا ماء بغ ... داد فأنساناكم جدّا خذوا منّا فإنا قد ... وجدنا منكم بدّا ولا ترعوا لنا عهدا ... فما نرعى لكم عهدا قال كثير: فإن سأل الواشون فيم هجرتها ... فقل: نفس حرّ سليت فتسلّت» التسلّي عمّن رغب في غيرك قال الخبزارزي: إذهب وهبتك للذين اخترتهم ... هبة الكريم فإنّه لا يرجع وقال: ولمّا بدا لي منك ميل مع العدا ... سواي ولم يحدث سواك بديل صددت كما صدّ الرزي تطاولت ... به مدّة الأيام وهو قتيل «٤» قال ابن المعتز: القلب لا يجمع إثنين ... والغمد لا يجمع سيفين تاه فأفضيت إلى غيره ... خار إلهي للفريقين قال ابن الرومي: يا ذا الذي منك التن ... كر والتغيير والنبوّ «٥» إن كان أدركك الملا ... ل فقد تداركني السّلوّ

стр. 964

وقال: كلانا واجد في النّا ... س ممّن ملّه خلفا قال أبو الشيص: إذا لم تكن طرق الهوى لي ذليلة ... تنكّبتها وانحزت للجانب السّهل ومالي أرضى منه بالجور في الهوى ... ولي مثله ألف وليس له مثلي المتبجّح بالغدر مع أحبابه قال بعضهم: يا ربّ مثلك في النّساء عزيزة ... بيضاء قد متعتها بطلاق لم تدر ما تحت الضلوع وغرّها ... منّي تحمّل شيمتي وخلاقي من ذكر قلّة توفره على الهوى يقال رجل عزهاة إذا لم يكن غزلا وقيل في ضده زير نساء، قال البستي: وللخود منّي ساعة ثم بيننا ... فلاة إلى غير الوفاء تجاب «١» وغير فؤادي للغواني رمية ... وغير بناني للزجاج ركاب «٢» استدعاء القلب إلى التسلي قال المتنبّي: وأعلم أن البين يشكيك بعده ... فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا «٣» قال بشّار: وقد رابني قلبي يكلّفني الصّبا ... وما كلّ حين يتبع القلب صاحبه وقال آخر: كلّ اللذاذات والتّصّابي ... قبل الثلاثين تستطاب «٤»

стр. 965

وقال آخر: كفى سفها بالشّيب أن يأتي الصّبا ... وأن يأتي الأمر الذي هو عائبه (١٤) وممّا جاء في فنون مختلفة من الغزل قال شاعر: إذا اجتمع الجوع المبرّح والهوى ... على الرجل المسكين كاد يموت قال ابن ميّادة: فيا أهل ليلى أكثر الله فيكم ... من أمثالها حتّى تجودوا لنا بها وقال جميل: أتوني وقالوا يا جميل تبدّلت ... بثينة إبدالا لا فقلت لعلّها وعلّ حبالا كنت أحكمت عقدها ... أتيح لها واش رقيق فحلّها وقال البحتري: رأيتك إن منّيت منّيت موعدا ... جهاما وإن أبرقت أبرقت خلّبا «١» وقال شاعر: طلبنا دواء الحبّ يوما فلم نجد ... من الحبّ إلا من يريد مداويا وقال عبد الله بن طاهر: وكلّ محبّ جفا من يحبّ ... جفته السّلامة والعافيه وله: أيام لم تلج النّوى ... بين العصا ولحائها وقال الخبزارزي: ظبي تفلّت من حبلي فأوقعني ... في حبله إنّ في عينيه لي شركا «٢»

стр. 966

استفتاء فقيه في الهوى قال أعرابيّ: إلا استفتيا المكّي ذا الفقه ما الذي ... يحلّ من التقبيل في رمضان فقال لي المكّيّ أمّا لزوجة ... فسبع وأما خلّة فثمان وقال أبو العالية: سل المفتي المكيّ هل في تزاور ... وضمّة مشتاق الفؤاد جناح «١» فقال معاذ الله أن يذهب التّقى ... تلاصق أحشاء بهنّ جراح من سلكوا في تصرفاتهم مسلك مذاهبهم في صناعاتهم قلت لا أستطيع هجرك قالت ... صرت بعدي تقول بالإجبار «٢» ما تخيلت من مقالة بشر ... بن غياث ومذهب النّجار قال السعيد بن حميد: قد قلت بالعذل ولكنّني ... عدلت في الحبّ عن العذل فقلت بالإجبار مستغفرا ... لله من قولي ومن فعلي قال جعفر الخياط: فتقت بالهجران درز لهوي ... إذا وخزتني إبرة الصّد قال بعض الزّراعين: زرعت هواه في كراب من الهوى ... وأسقيته ماء الدّوام على العهد وسرقنته بالوصل لم آل جاهدا ... ليحرزه السرقين من آفة الصّد «٣» فلمّا تعالى النبت واخضرّ يانعا ... جرى يرقان البين في سنبل الود «٤» وقال حلّاج: حلجت قطن فؤادي بالهوى فغدا ... في الصدّ تندفه الأحزان بالنّد وقال حجّام: حلقت بموسى الغدر ناصية العهد ... وأجريت مشط الهجر في لحية الوجد

стр. 967

وقصّت بمقراض القلي طرّة الهوى ... فجبهة رأس الوصل مكشوفة الجلد وقال الحسن بن أبي قماش وكان بقالا: أصبح قلبي بربخا للهوى ... تسلح فيه فقحة الهجر «١» وهذا فصل توجد فيه أشعار كثيرة ولكن لا معنى في إفناء الوقت فيما ليس فيه كبير معنى. ومما قيل في كثرة العتاب وكلّ عتاب كان صعبا وضيقت ... مسالكه ألجا إلى الكذب السهل وقد تصقل الأسياف وهي صديئة ... وما كلّ يوم يبذل السيف بالصقل وقال: لولا كراهية العتاب وأنني ... أخشى القطيعة إن ذكرت، عتابا لذكرت من عثراتكم وذنوبكم ... ما لو يمرّ على الفطيم لشابا

стр. 968

الحدّ الرابع عشر في الشجاعة وما يتعلق بها (١) ما جاء في الشّجاعة وأحوالها، حقيقة الشجاعة حقيقة الشجاعة قيل: الشجاعة صبر ساعة، وكتب زياد إلى ابن عباس: صف لي الشجاعة والجبن والجود والبخل فقال: الشجاع من يقاتل من لا يعرفه والجبان يفر من عرسه والجواد يعطي من لا يلومه حقه والبخيل يمنع من نفسه، قال شاعر: يفرّ جبان القوم عن أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه وسئل فيلسوف عن الشجاعة فقال: جبلة «١» نفس أبية وقيل: الرجال ثلاثة: فارس وشجاع وبطل. فالفارس الذي يشد إذا شدوا والشجاع الداعي إلى البراز، والمجيب داعية والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا. الأسباب المشجعة قال الجاحظ: الأسباب المشجعة قد تكون عن الغضب والشراب والهوج والغيرة والحمية. وقد تكون من قوة النفخ «٢» وحب الأحدوثة وربما كان طبعا كطبع الرحيم والسخي والبخيل والجزوع والصبور وربما كان للدين، ولكن لا يبلغ الرجل للدين ما لم يشيعه بعض ما تقدم لأن الدين مجتلب مكتسب ولا يكاد يبلغ الطبيعة. وقيل: لا يصدق القتال إلا ثلاثة: متديّن وغيران وممتعض من ذلّ. الوصية بالإقدام وترك الفشل قيل: قد جمع الله تعالى في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً «٣» ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا

стр. 969

إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ «١» في جميع ما يحتاج إليه في الحرب، استشير أكثم بن صيفي في حرب أرادوها فقال: أقلوا الخلاف لامرائكم واعلموا أن كثرة الصياح من الفشل، والمرء يعجز لا محالة. وادّرعوا الليل فإنّه أخفى الويل. وكان عظماء الترك يقولون: ينبغي للقائد في الحرب أن يكون فيه أخلاق من البهائم: شجاعة الديك وقلب وقلب الأسد وحملة الخنزير وروغان الثعلب وصبر الكلب على الجراحة وحراسة الكركي وحذر الغراب وغارة الذئب وقال قميصة بن مسعود يوم ذي قار «٢» يحذّر بكر بن وائل: الجزع لا يغني من القدر، والصبر من أبواب الظفر، والمنية ولا الدنية «٣» واستقبال الموت خير من استدباره والطعن في الثغر أكرم منه في الدبر. وهالك معذور خير من ناج فرور. وقال أبو مسلم لبعض قواده: إذا عرض لك أمر نازعك فيه منازعان أحدهما يبعث على الإقدام والآخر على الإحجام فأقدم فإنه أدرك للثار وأنفى للعار. الحثّ على استعمال الخدعة والحيلة والتحرّز في الحرب قال النبي ﷺ الحرب خدعة وقيل إذا لم تغلب فأخلب وقال بعضهم: كن بحيلتك أوثق منك بشدّتك، وبحذرك أفرح منك بنجدتك، فإن الحرب حرب للمتهوّر وغنيمة للمتحذّر. وقيل: المكر أبلغ من النجدة، ومما كتب معاوية إلى مروان لما بلغه قتل عثمان رضي الله تعالى عنه: إذا قرأت كتابي فكن كالفهد لا يصطاد إلّا بغليلة ولا يناور إلا عن حيلة وكالثعلب لا يغلب إلا روغانا. وأخف نفسك عنهم إخفاء القنفذ رأسه عن لمس الأكف وامتهن نفسك إمتهان من ييأس القوم من نصره وأبحث على أخبارهم بحث الدجاجة عن حب الدخن «٤» عند نفاسها وقيل حازم في الحرب خير من ألف فارس. لأن الفارس يقتل عشرة وعشرين، والحازم قد يقتل جيشا بحزمه وتدبيره. حث من دعي إلى المبارزة على الإجابة قال أمير المؤمنين ﵁ لبعض بنيه: لا تدعونّ أحدا إلى البراز ولا يدعونّك أحد إلّا أجبته، فالداعي باغ والباغي مصروع. وقال طرفة: إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... دعيت فلم أكسل ولم أتبّلد «٥»

стр. 970

وقال: إن كان في الألف منّا واحد فدعوا ... من فاز خالهم إيّاه يعنونا قال دعبل: من معشر إن تدعهم لملمّة ... وصلوا الحياة إلى العلا بحديد «١» المنازل وقت المنازلة قال المهلهل: لم يطيقوا أن ينزلوا فنزلنا ... وأخو الحرب من يطيق النزولا وقال: يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اعتنقوا ... ضارب حتّى إذا ما ضاربوا اعتنقا وقال: جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق الحثّ على الثبات والنهي عن الإحجام والفكر في العواقب قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ «٢» وقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا «٣» وقيل: السلامة في الإقدام والحمام في الأحكام، قال قطري: لا يركننّ أحد إلى الأحكام ... متخوفا يوم الوغى لحمام قال الكلبي: إذا المرء لم يغش الكريهة أو شكت ... حبال الهوينا بالفتى أن تقطعا «٤» وقال أبو بكر لخالد بن الوليد ﵄: لما أخرجه لقتال أهل الردّة: أحرص على الموت توهب لك الحياة. وقيل: من تفكر في العواقب لم يشجع، ولما أحست امرأة ربيعة بن مكدم بهر به قالت: مساءة ترك الفتى نساءه ... حتّى يبلّ من دم أنسائه الحثّ على التفكر قبل التقدم قيل: الإتيان بالتندم لا يغني بعدم التقدم. وقيل: من قاتل بغير نجدة وخاصم

стр. 971

بغير حجة وصارع بغير قوة فقد أعظم الخطر وأكبر الغرر: إذا ما أردت الأمر فاذرعه كلّه ... وقسه قياس الثوب قبل التقدّم لعلّك تنجو سالما من ندامة ... فلا خير في أمرأتى بالتندّم المتبجّح بثباته قيل: لأمير المؤمنين ﵁ أنت محرب مطلوب فلو اتخذت طرفا. فقال: لا أفرّ عمن كرّ ولا أكرّ على من فرّ، فالبغلة تكفيني. وقيل لعباد بن الحصين: إن جالت الخيل فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني. وقيل لبعض بني المهلب بن نلتم؟ ما نلتم قال بصبر ساعة، وقال هدبة: أخو الحرب من لا يجتويها إذا اجتوت ... ولا يظهر الشكوى وإن كان موجعا «١» وقال: قوم إذا نزلوا الوغى لم يسألوا ... حذر المنيّة عن طريق الهارب وقال آخر: ولا يرتقي من خشية الموت سلّما قال أبو فراس: صبور ولو لم تبق منّي بقية ... قؤول ولو أن السيوف جواب «٢» وقور وأحداث الليالي تنوشني ... وللموت حولي جيئة وذهاب المبادر إلى الحرب غير مبال بها وصف أعرابي قوما فقال ما سألوا قط كم القوم، وإنما يسألون أين هم؟ سأل رجل يزيد بن المهلب فقال: صف لي نفسك، فقال: ما بارزت أحدا إلا ظننت أن روحه في يدي. ولما بلغ قتيبة حدّ الصين قيل له قد أوغلت في بلاد الترك والحوادث بين أجنحة الدهر تقبل وتدبر، فقال بثقتي بنصر الله توغّلت وإذا انقضت المدة لم تنفع العدة فقال الرجل أسلك حيث شئت فهذا عزم لا يفلّه إلا الله، قال السلامي: أتى القدر المتاح فلا اصطبار ... يرد شباة عنك ولا فرار وليس تقدّمي خرقا ولكن ... لغير الحرب يدّخر الوقار

стр. 972

وقال: إذا فاجأته الخيل لم ينتظر بها ... لحاق الرجال واجتماع المقاتب وقيل لعبد الملك: من أشجع العرب في شعره؟ فقال: عباس بن مرداس حيث يقول: أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وقيس بن الحطيم حيث يقول: وإنّي في الحرب العوان موكل ... بإقدام نفس لا أريد بقاءها «١» والمزيّني حيث يقول: دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت ردّوا فقد طاب الورود قالت أم الهيثم التميميّة: تمشي إلى أسل الرماح وقد ترى ... سبب المنيّة مشيّة المختال وأخذه بعض المحدثين فقال: شبهت مشيتها بمشية ظافر ... يختال بين أسنّة وسيوف كلف تناهت نفسه عن نفسه ... لما انثنى بسنانه المرعوف «٢» وقال البحتري: تسرّع حتّى قال من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب «٣» المتوصل إلى الشدة بالرخاء قيل: نيل المعالي هول العوالي، ودرك الأحوال في ركوب الأهوال. بالصبر على لبس الحديد تتنعم في الثوب الجديد، في الصبر على النوائب إدراك الرغائب ربّ قعدة تمنع قعدات وأكلة تمنع أكلات، قال الطائي: ولم تعطني الأيام يوما مسهّدا ... ألذّ به إلا بنوم مشرّد وقال يزيد بن المهلب يوما لجلسائه: أراكم تعنّفوني في الإقدام فقالوا: أي والله أنك لترمي نفسك. فقال إليك عنّي فو الله لم آت الموت من حبّه ولكني آتيه من بغضه ثم تمثّل: تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي حياة قبل أن أتقدّما «٤»

стр. 973

المخوف منه قيل: كانت قريش إذا رأت أمير المؤمنين في كتيبة تواصت خوفا منه. ونظر إليه رجل وقد شقّ العسكر فقال: قد علمت أن ملك الموت في الجانب الذي فيه عليّ. تأثير الجيش بعث أمير في طلب قوم رجلا، فما لبث أن جاءه برجل أطول ما يكون فقال: كيف تمكنت منه؟ فقال: وقع في قلبي أن آخذه ووقع في قلبه أنه مأخوذ فنصرني عليه خوفه وجراءتي. وقيل لأمير المؤمنين بم غلبت الأقران؟ قال: بتمكّن هيبتي في قلوبهم. المؤتمر له الوغى والردى قال كلثوم قداح المنايا في يديه يجيلها قال الفرزدق: أظلّه منك حتف ظلّ يرقبه ... حتّى يؤامر فيه رأيك القدر وقال دعبل: هم المتخيّرون على المنايا ... نفوس ذوي الرياسة باقتراح قال سلم الخاسر: كأن المنايا جاريات بأمره وقال المتنبّي: ويستعظمون الموت والموت خادمه الموفي على جماعة والغالب لهم قيل: للإسكندر إن في عسكر دارا» ألف مقاتل فقال: إن القصاب «٢» الحاذق وإن كان واحدا لا يهوله كثرة الغنم. فواحدهم كالألف بأسا ونجدة ... وألفهم للعجم والعرب قاهر وقيل لجنيّة بنت رباح: أعشرة هذرة «٣» أحب إليك أم ثلاثة كعشرة فقالت: ثلاثة كعشرة فولدت بني جعفر قال الموسوي: قلّوا على كثرة العدوّ لهم ... كم عدد لا يعدّ في العدد

стр. 974

هو من قول أبي تمام: قلّوا ولكنّهم طابوا فأنجدهم ... جيش من الصبر لا يحصى لهم عدد قال الحسن: ما ظننت أن رجلا يفضل ألفا حتى رأيت عباد بن الحصين، فإنه حاصر مدينة بكابل فثلمها ثلمة وكان يقاتل عليها ألف فقاتلهم وحده ليله حتى أصبحوا ومنعهم من حفظها وسدها. وبعث بنو حنيفة بالفند حين طلب بنو ثعلبة نصرة وقالوا قد بعثنا إليكم ألف فارس وكان يقال له عديد الألف فلما ورد قالوا له أين الألف؟ قال: أنا فلما كان الغد وبرز وأحمل على ألف فارس مردف فانتظمهم. المشبه بالأسد هو أشد صولة «١» من أسد وأبلغ منعة من الحصن الحصين: كالليث لا يثنيه عن إقدامه ... خوف الأذى وقعاقع الأعداء «٢» وقال ابن الأعرابي أحسن بيت في الحرب قول الشاعر: كأنّ الجوّ محفوف بنار ... وتحت النار آساد تزور وقال زهير: ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا وصف أعرابي آخر فقال: هو أشد إقداما من أسد وتوثبا من فهد، واختطافا من حدأة ومن عقاب ملاح. جلد ابتلي بمثله في المثل: إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا وقيل: إن الحديد بالحديد يفلح «٣» المتشمر في الشدائد قال علقمة: فلا يغرّنك منّي الثوب أسحبه ... إني امرؤ فيّ عند الجدّ تشمير «٤»

стр. 975

وقال: طيّات طاوي الكشح لا ... يرخي لمظلمة إزاره «١» المتحمّل للشدائد الصابر لها وصف رجل آخر فقال: كان ركوبا للأهوال غير ألوف للظلال. قال أعرابي لوال: اجعلني زماما من أزمتك التي تجرّبها العدو فإني ممن يتخذ الليل جملا في أثر العدو وأتدرع ظلامه لا نكول ولا أكول. وقيل فلان شديد الحجزة أي الصبر على الشدة، قال الأقرع: ونكبة لو رمى الرامي بها حجرا ... أصمّ من حجر الصوّان لانصدعا «٢» مرت عليّ فلم أطرح لها سلبي ... ولا استكنت لها وهنا ولا جزعا وقال الموسوي: وكم عجموني فانسللت مهذّبا ... وأثّر عودي في نيوب الأعاجم «٣» الموصوف بالقوة أتى عمر بن الخطاب ﵁ رجل يستحمله فقال له: خذ لك بعيرا فأخذ بذنب بعير من إبل الصدقة فجذبه فاقتلعه فتعجب من قوّته، وقال: هل رأيت أقوى منك؟ قال: نعم خرجت بامرأة من أهلي أريد بها زوجها فنزلنا منزلا أهله خلوف، فأقبل رجل ومعه ذود «٤» ، فضرب إلى الحوض فساورها «٥» فنادتني فما انتهيت إليها حتى خالطها فجئت لأدفعه عنها، فأخذ برأسي بين جنبه وعضده فما استطعت حراكا حتى قضى حاجته ثم استلقى. فقالت المرأة: أي فحل هذا لو كان لنا منه سخلة «٦» فأمهلته حتى امتلأ نوما فقمت إليه بالسيف فضربت ساقه فأبنتها فانتبه فتناول رجله فرماني بها فأشواني وأصاب رأس بعيري فقتله. فقال عمر: ما فعلت المرأة؟ فقلت: هذا حديث الرجل. فكرر السؤال عليه فلم يزده على هذا فظن أنه قتلها. وكان الوليد شديد القوة وكان يؤتى بسلسلة من حديد وفيها حبل فيشده في رجله ويؤتى بالدابة فيثب عليها وثبة واحدة ولا يمسها بيده فيقطع السلسلة. فقال لأصحابه يوما: هل تعلمون من هو أصرع مني؟ قالوا: نعم رجل بخراسان. فأحضره وقال: أريد أن تصارعني وإن حابيتني قتلتك فصارعه فحمله ووضعه فوق دسته، وقال أنت ههنا أحسن دع رعيتك يتصارعون بين يديك ولا تدخل معهم فيما لك عنه مندوحة.

стр. 976

قال شاعر: وما ولدت أمّي من القوم عاجزا ... ولا كان ريشي من ذنابى ولا لغب «١» الممدوح بقوة نفسه دون جسمه قيل: الكرام اصبر نفوسا واللئام أصبر أبدانا. ومنه أخذ أبو تمام قوله: والصّبر بالأرواح يعرف فضله ... صبر الملوك وليس بالأجسام وقال: وإني لأقوى على المعالي ... وما أنا بالقويّ على الصّراع وقال: لا قوّتي قوّة الرّاعي قلائصه ... يأوي فيأوي إليه الكلب والربع «٢» وقال معاوية ﵁: ما كان في الشبان شيء إلا وكان في منه مستمتع إلا أني لم أكن نكحة ولا صرعة. من لا يتألم من شدّة قال: لا يألم الشرّ حتى يألم الحجر المتبرم للحرب قال شاعر: يا بؤس للحرب التي ... وضعت أراهط فاستراحوا وقال: ما ذاق همّا كالشّجاع ولا خلا ... بمسرّة كالعاجز المتواني وقال سيف الدولة: كأنّما لغزو مفروض على سرى ... من يملك الأرض أوساطا وأطرافا فرسان العرب قال أبو عبيد: فرسان العرب المجمع عليهم: دريد بن الصمة وعنترة العبسي وعمرو بن معدي كرب. وقد عد من أكابرهم عامر بن الطفيل وعتيبة وعنبسة بن الحارث وزيد الفوارس والحراث بن ظالم وعباس بن مرداس وعروة بن الورد.

стр. 977

ومن فتّاك «١» الجاهلية: الحارث بن ظالم والبراض بن قيس وتأبط شرا وحنظلة بن فاتك الأسدي. ومن رجالاتهم أوفى بن مطر المازني وسليك بن السلكة والمنتشر بن وهب الباهلي. وكل واحد منهم كان أشد عدوا من الظبي وربما جاع أحدهم فيعدو إلى الطبي فيأخذ بقرنه ولا يحملون زادا. وكان أحدهم يأخذ بيض النعام في الربيع فيجعل فيه ماء ويدفنه في الفلاة حيث يغزو، حتى يكون له في الصيف إذا سلك ذلك الطريق. ومنهم الشنفرى. المتفادى من التعرض له قال عبد الله بن عباس ﵄: فلان مضغني فلما ضرسته لفظني طوال قنى تطاعنها قصار ... وقطرك في وغى وندى بحار وقال: إنّ الرماح وإن طالت ذوائبها ... من العدى تتواصى عنه بالقصر «٢» من لا يخضع في شدة قيل لأعرابي اشتد به المرض: لو ثبت. قال: لست أعطي على الذلّ إن عافاني الله تبت، وإلا أموت هكذا: لا يخرج القسر منّي غير معصية ... ولا ألين لمن لا يبتغي ليني «٣» وقال شدّاخ: أبينا فلا نعطي مليكا ظلامة ... ولا سوقة إلا الوشيج المقوّما «٤» وسأل عمر بن عبد العزيز ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير فقال: ما رأيت نفسا أثبت من نفسه، مر حجر من المنجنبق وهو قائم يصلّي بين جنبه وصدره فما خشع له بصره ولا قطع قراءته ولا ركع دون الركوع. وعن أمه أنّها دخلت عليه في بيته وهو قائم يصلّي فسقطت حية فتطوّقت بابنه هاشم فتصايح أهل البيت بها حتى قتلوها وعبد الله قائم يصلّي فما التفت ولا عجّل. فلما فرغ قال: ما بالكم؟ المتأنّي قال خارجة: قوم إذا شومسوا لجّ الشماس بهم ... ذات العناد وإن ياسرتهم يسروا «٥»

стр. 978

الموثر الموت في العز على الحياة في الذلّ هيم إلى الموت إذا خيّروا ... ما بين تبعات وتقتال «١» ولما وقعت الهزيمة على مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية أهاب بالناس ليرجعوا فلم يلووا فانتضى سيفه وقاتل قتال مستقتل، فقيل له: لا تهلك نفسك ولك الأمان. فتمثل بأبيات قالها الحسين ﵁ يوم قتل وهي: أذلّ الحياة وذلّ الممات ... وكلّا أراه طعاما وبيلا «٢» فإن كان لا بدّ إحداهما ... فسيري إلى الموت سيرا جميلا وقال أبو تمام: يرى العلقم المأدوم بالعزّ أرية ... يمانيّة، والأري بالذلّ علقما «٣» وقال المتنبّي: فأطلب العزّ في لظى وذر الذ ... لّ ولو كان في جنان الخلود «٤» وقال الموسوي: فعاف المنايا وامتطى الموت شامخا ... بمارن أنف لا يذلّ لخاصم «٥» وقال منصور بن باذان: فعش ما تعيش عزيز البقاء ... فعزّك خير وإن قيل بل فطول الحياة على ذلّة ... لعمرك عندي حياة السفل وكلّ مساع له همّة ... من النّاس إلا قصير الأجل النهي عن مخافة القتل والحثّ على تصوّر الموت والتمدّح بذلك قيل لعلي ﵁: أتقاتل أهل الشأم بالغداة وتظهر في العشيّ في ثوب ورداء؟ فقال: أبالموت أخوّف؟ والله ما أبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليّ. وقد أحسن المتنبّي في قوله: إذا غامرت في أمر مروم ... فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير ... كطعم الموت في أمر عظيم

стр. 979

وفي قوله: ترى الجبناء أنّ العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم وقوله: فلو أن الحياة تبقى لحيّ ... لعددنا أضلّنا الشجعانا وإذا لم يكن من الموت بدّ ... فمن العجز أن تموت جبانا قال أبو فراس: تهون علينا في المعالي نفوسنا ... ومن خطب العلياء لم يغله المهر «١» قوم تسلّط عليهم القتل فلم يفنهم قال المهلّب: ليس شيء أنمى من سيف. فوجد الناس تصديق ذلك فما نال السيف أنمى عددا وأكرم ولدا منهم قال الله تعالى ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب. وقال الحجاج لامرأة من الخوارج: والله لأحصدّنكم حصدا فقالت: أنت تحصد والله يزرع. فأنظر أين قدرة المخلوق مع قدرة الخالق. ولم يظهر من عدد القتلى ما ظهر في آل أبي طالب وآل المهلب وفيهم من الكثرة ما ترى. قال شاعر: إذا فرّج القتل عن غيظهم ... أبى ذلك الغيظ إلا التقافا «٢» وقيل: أربعة يسرع الخلف إليها الحرق والقتل والتزويح والحج. من لم يبال بأن يقتل قال عبد الله بن مسعود: عثرت بأبي جهل في الجرحى وقد قطعت يده ورجله، فقلت: يا عدو الله وعدو رسوله. فقال: سيفك كهام «٣» فهاك سيفي فحزّ رأسي «٤» من عريشي فإنه أهون عند من يراه. وأسرت أمّ علقمة الخارجيّة وأتي بها إلى الحجّاج فقيل لها: وافقيه في المذاهب فقد يظهر الشرك بالمكر فقالت: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. فقال لها: قد خبطت الناس بسيفك يا عدوة الله خبط العشواء فقالت لقد خفت الله خوفا صيّرك في عيني أصغر من ذباب وكانت منكسة فقال: إرفعي رأسك وانظري إليّ فقالت أكره أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه. فقال: يا أهل الشأم ما تقولون في دم هذه؟ قالوا: حلال. فقالت: لقد كان جلساء أخيك فرعون أرحم من جلسائك حيث استشارهم في أمر موسى فقالوا أرجئه وأخاه، فقتلها.

стр. 980

وكان حكيم بن حنبل قطعت رجله يوم الجمل فأخذها وزحف بها على قاطعها فقتله، وقال: يا نفس لا تراعي ... إن قطعت كراعي «١» إنّ معي ذراعي وقال أعرابي لابنه وقد قدم للقتل: يا بني أصفف قدميك وأصرر أذنيك ودع ذكر الله تعالى في هذا الموضع فإنه فشل. الجواد بنفسه في الحرب المستعد للموت قال بعض بني نهشل: أنّا لنرخص يوم الرّوع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا «٢» وقالت الخنساء: نهين النفوس وهون النفوس ... يوم الكريهة أوفى لها «٣» ونحوه للموسوي: ولا تبذلنّ النفس حتّى أصونها ... وغيري في قيد من الذلّ يرسف «٤» وقال آخر: رخيص عنده المهج الغوالي ... كأنّ الموت في فكيّه شهد «٥» وقال أبو تمام: يستعذبون مناياهم كأنّهم ... لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا «٦» وقال عبد الله بن أبي عيينة: وإني لمن قوم كأنّ نفوسهم ... بها أنف أن تسكن اللحم والعظما «٧» تصبّر النفس في الحرب قال شريح العبسي: أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلّي نزاعا إنّني غير مدبر

стр. 981

وقال الفرزدق وقد لقيه أسد: لما سمعت له هماهم أجهشت ... نفسي إليّ تقول أين فراري؟ فربطت نفرتها وقلت لها: إصبري ... وشددت في ضنك المقام إزاري «١» وقال أبو تمّام: وحنّ للموت حتّى ظنّ مبصره ... بأنه حنّ مشتاقا إلى وطن لو لم يمت تحت أسياف العدا كرما ... لمات إذ لم يمت من شدّة الحزن وقال البحتري: تسرع حتّى ظنّ من شهد الوغى ... لقاء أعاد أم لقاء حبائب المستأنف من موته حتف أنفه قال بكر بن عبد العزيز: إنّ موت الفراش ذلّ وعار ... وهو تحت السيوف فضل شريف وقال عبد الملك الحارثي وأجاد: وما مات منّا سيد حتف أنفه ... ولا طلّ منّا حيث كان قتيل «٢» تسيل على حدّ السيوف نفوسنا ... وليس على غير السيوف تسيل وقال أبو فراس: متى ما يدن من أجل كتابي ... أمت بين الأسنّة والأعنّه «٣» وقال الموسوي: ويستحسنون الموت والموت راحة ... وأتعب ميت من يموت بداء مخاوض الحرب مقتول لا محالة قال تأبّط شرا: ومن يغرّ بالأعداء لا بدّ أنّه ... سيلقى بهم من مصرع الموت مصرعا «٤» وقال آخر: ومن يكثر التطواف في جند خالد ... لدى الروم مصبوبا عليه دروعها

стр. 982

فلا بدّ يوما أن تحدث عرسه ... إذا حدثت يوما حديثا يروعها «١» قال ابن الرومي: ومن لا يزل ستين يوما فريسة ... يرى قمنا أن لا يرى منه سالما وقال آخر: إن الشجاعة مقرون بها العطب قصد العدا مجاهرة أشار على الإسكندر أصحابه أن يبيت الفرس، فقال: ليس من الإنصاف أن أجعل غلبتي سرقة. قال المتنبّي: إذا انتقموا أعلنوا أمرهم ... وإن أنعموا أنعموا باكتتام «٢» وقال السريّ: ويجعل بشره نذر الأعادي ... فيبعثها يمينا أو شمالا ولم ينذرهم مقة ولكن ... ترفّع أن ينالهم اغتيالا «٣» الفتك وما أنفكّ ما شاورت فيه ولا الذي ... تخبر من لاقيت أنّك فاعله قال الحارث بن ظالم: علوت بذي الحيّات مفرق رأسه ... وهل يركب المكروه إلا الأكارم فتكت به لمّا فتكت بخالد ... وكان سلاحي يحتويه الجماجم المتعوّد ملازمة الحرب والأمكنة قال أبو تمّام: لحياضها متورّد ولخبطها ... متعوّد وبدرّها ملبون «٤» قال ربيعة بن مقروم: وثغر مخوف أقمنا به ... يخاف به غيرنا أن يقيما «٥»

стр. 983

الضاحك في الحرب والعابس فيها توصف الحرب تارة ببشاشة الوجه وطلاقته نحو قول النميري: يفتّر عند لقاء الحرب مبتسما ... إذا تغيّر وجه الفارس البطل وقول صاحب البصرة: كأنّ دنانيرا على قسماتهم ... إذا الموت للأبطال كان نخّاسا «١» وقال الموسوي: إذا عصفر الخوف ماء الوجوه ... تراها من الخوف حمر الوسام «٢» وتوصف تارة بالعبوس، قال أبو تمّام: قد قلصت شفتاه من حفيظته ... فخيّل من شدّة التعبيس مبتسما «٣» المقاتل عن حريمه ليم الاسكندر في مباشرته الحرب بنفسه فقال: ى ليس من الإنصاف أنيقتل قومي عني وأترك المقاتلة عنهم وعن أهلي ونفسي، قال عنترة: ومرقصة رددت الخيل عنها ... وقد همّت بإلقاء الزمام وقيل للحسن: ما تقول فيمن سبي امرأة ولها زوج؟ وكان عنده الفرزدق، فقال: هل قلت في هذا شيئا؟ قال نعم: وذات حليل أنكحتها رماحنا ... جهارا بأيدينا ولمّا تطلّق «٤» فقال الحسن: أصبت كنت أرى أنك أشعر مني فإذا أنت أفقه، قال شاعر: يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين لو نبت المرعى على أنفه ... لرحن منه أصلا قد رعين قال سلم الخاسر: يرمي الفجاج به أغرّ محجّلا ... جعل السيوف مناكحا وطلاقا «٥» أخذه من مسلم: إذا ما نكحنا الحرب بالبيض والقنا ... جعلنا المنايا والرماح طلاقا

стр. 984

قال زياد الأعجم: صفّان مختلفان، حين تلاقيا ... آبا بوجه مطلق أو ناكح سدّ الثغور قال دعبل: هو الجاعل البيض القواطع والقنا ... كعاما لأفواه الثغور الفواغر «١» قصد الغارات بالإبل والإفراس كان العرب إذا قصدوا غارة ركبوا الإبل وجنبوا الخيل فإذا انتهوا إلى المعركة ركبوا الخيل، قال شاعر: أولى فأولى بامرئ القيس بعد ما ... خصفن بآثار المطيّ الحوافر وذكر أعرابي قوما تبعوا ناسا أغاروا عليهم فقال: احتثوا كل جمالية عيرانة. فما زالوا يخصفون أخفاف المطيّ بحوافر الخيل حتى أدركوهم بعد ثلاثة فجعلوا المران أرشية الموت فاستقوا به أرواحهم، قال الشريف الموسوي: إذا مشق الحتف فوق البطا ... ح وقع فيهنّ بالحافر المعاود للغارات الجاني للحروب قال الحارث بن أبي شمر: ما إن تجفّ لبودها من غارة ... حتّى تعاود للحروب غوائرا وقيل: فلان يلقح الحرب الكشاف ويمتري من درّها السمّ الرعاف. قال بشّار: إذا الحرب قامت بهم شمّروا ... وكانوا أسنّة خرصانها «٢» المستنكف من السلب قال أعشى همدان: وأرى مغانم لو أشاء حويتها ... فيصدّني عنها حيا وتعفّف «٣» وقتل أمير المؤمنين رجلا فأراد قنبر أن يأخذ سلبه فقال: يا غلام لا تعر فرائسي، قال عنترة: أغشى الوغى وأعفّ عند المغنم

стр. 985

وقال آخر: يغشى العوالي ولا يلوي على سلب «١» قال أبو تمام: إن الأسود أسود الغاب همّتها ... يوم الكريهة في المسلوب لا السلب «٢» العاجز أعاديه عن إصلاح ما أفسده وعكسه قال علي بن جبلة: يأسو الذي يجرح أعداؤه ... وما لهم من جزحه آس قال الكميت: لا يهدم الناس ما تبني أكفّهم ... من الفعال ولا يبنون ما هدموا قال المتنبّي: لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره «٣» قال أشجع: ولا يرفع الناس من حطّه ... ولا يضع الناس من يرفع «٤» وصف الشبان والكهول في الحرب قال رجل لرجل: لأغزونّك بمرد على جرد، فقال: لألقينّك بكهول على فحول تفضيل الشبان في الحرب قال طاهر بن الحسين: هيب إذا لم يكن جرب بمكتهل ... مجرب قوله يكفي من العمل «٥» واغشى اللقاء إذا كان اللقاء به ... سفك الدما بحديث السنّ مقتبل فإنّ ذا السنّ يلقى حتفه أبدا ... ممثّلا بين عينيه من الوجل «٦» وذو الشباب له شأو يماطله ... فلا يزال بعيد الهمّ والأمل «٧» الخيول السريعة في الحرب قال بعضهم: جنّ الرجال على ظهور سعالي «٨»
следующие страницы →