قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ الْجَبَّارُ في صورَةٍ ¬ (١) غيرِ صورَتِهِ الَّتِي رَأَوْهُ فِيهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَيَقُولُ: أَنَا رَبُّكُمْ. فَيَقُولُونَ: أَنْتَ رَبُّنَا، وَلَا يُكَلِّمُهُ إِلَّا الأَنْبِيَاء، فَيَقُولُ: هَلْ بَينَكُمْ وَبَيْنَهُ آيَةٌ تَعْرِفُونَهَا؟ فَيَقُولُونَ: السَّاقُ ¬ (٢). فَيُكْشَفُ ¬ (٣) عَنْ سَاقِهِ ¬ (٤) فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، وَيَبْقَى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ لِلَّهِ رِيَاءً
"قَالَ: فَيَأْتِيهِمُ" في نـ: "فَقَالَ: فَيَأتِيهِمُ"، وفي نـ: "فَيُقَالُ: فَيَأتِيهِمُ". "فَيَقُولُ: هَلْ بَيْنَكُم" في نـ: "فَيُقَالُ: هَلْ بَيْنَكُمْ". "تَعْرِفُونَهَا" في نـ: "تَعْرِفُونَهُ". "مَنْ كَانَ" في نـ: "كُلُّ مَنْ كَانَ".
===
¬(١) قوله: (فيأتيهم الجبار في صورة) استدل به ابن قتيبة بذكر الصورة على أن للّه صورة لا كالصور كما ثبت أنه شيء لا كالأشياء، وتعقبوه.
وقال ابن بطال (١٠/ ٤٦٢): تمسك به المجسمة فأثبتوا للّه صورة! ولا حجة لهم فيه؛ لاحتمال أن يكون بمعنى العلامة وضعها الله لهم دليلًا على معرفته، كما يسمَّى الدليل والعلامة صورة، وكما تقول: صورة حديثك كذا وصورة الأمر كذا، والحديث والأمر لا صورة لهما حقيقة، وأجاز غيره أن المراد بالصورة الصفة، وإليه ميل البيهقيّ. ونقل ابن التين أن معناه: صورة الاعتقاد. وأجاز الخطابي ["الأعلام" (٤/ ٢٣٥٢)] أن يكون الكلام خرج على وجه المشاكلة لما تقدم من ذكر الشمس والقمر والطواغيت، "ف" (١٣/ ٤٢٧ - ٤٢٨).
¬ (٢) فهذا يحتمل أن اللّه عرّفهم على ألسنة الرسل من الملائكة أو الأنبياء أن اللّه جعل لهم علامة تجلية الساق، "ف" (١٣/ ٤٢٨)، "ع" (١٦/ ٦٣٩).
¬ (٣) معروف ومجهول، "ك" (٢٥/ ١٤٧).
¬ (٤) قوله: (فيكشف عن ساقه) وفسر الساق بالشدة أي: يكشف عن شدة ذلك اليوم وأمر مهول، وهذا مثل تضربه العرب لشدة الأمر كما يقال: قامت الحرب على ساق إذا اشتدت، وقيل: أراد به: النور العظيم،
стр. 10488
وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ كَيْمَا ¬ (١) يَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبَقًا ¬ (٢) وَاحِدًا. ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجِسْرِ ¬ (٣) فَيُجْعَلُ بَينَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ". قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْجِسْرُ؟
===
وقيل: هو جماعة من الملائكة، يقال: ساق من الناس كما يقال: رجل من جراد، وقيل: هو ساق يخلقها اللّه خارجة عن الساق المعتادة، وقيل: جاء الساق بمعنى النفس أي: يتجلى لهم ذاته، "ك" (٢٥/ ١٤٧ - ١٤٨) "ع" (١٦/ ٦٣٩).
¬ (١) لفظ "كي" هاهنا بمنزلة لام التعليل في المعنى والعمل، دخلت على كلمة ما المصدرية بعدها أن مضمرة تقديره: يذهب لأجل السجود، "ع" (١٦/ ٦٣٩).
¬ (٢) قوله: (فيعود ظهره طبقًا) الطبق فقار الظهر أي: صار فقارة [واحدة] كالصحيفة فلا يقدر على السجود، وقيل: الطبق عظم رقيق يفصل بين كل فقارين، واستدل بعضهم بهذا الحديث أن المنافقين يرون اللّه، ولكن ليسى فيه التصريح به؛ إذ معناه: أن الجمع الذين فيهم المنافقون يرون الصورة ثم بعد ذلك يرونه تعالى، ولا يلزم منه أن الجميع يرونها، أو بعد تمييزهم منه يراه المؤمنون فقط، "ك" (٢٥/ ١٤٨).
وقال ابن بطال (١٠/ ٤٦٤): تمسك به من أجاز تكليف ما لا يطاق من الأشاعرة، والمانعون تمسكوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ورد عليهم: بأن هذا ليس فيه من تكليف ما لا يطاق، وإنما هو خزي وتوبيخ إذ أدخلوا أنفسهم بزعمهم في جملة المؤمنين الساجدين في الدنيا، وعلم اللّه منهم الرياء في سجودهم، فدعوا في الآخرة إلى السجود، كما دعي المؤمنون المحقون فيتعذر السجود عليهم، وتعود ظهورهم طبقًا واحدًا، ويظهر اللّه تعالى عليهم نفاقهم، فأخزاهم وأوقع الحجة عليهم، "ع" (١٦/ ٦٣٩ - ٦٤٠).
¬ (٣) بفتح الجيم وكسرها، "ع" (١٦/ ٦٤٠).
стр. 10489
قَالَ: "مَدْحَضَةٌ ¬ (١) مَزَلَّةٌ ¬ (٢)، عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ ¬ (٣) وَكَلَالِيبُ وَحَسَكَةٌ
"مَدْحَضَة مَزَلَّةٌ" زاد في هـ: "الدحض: هو الزلق، ليدحضوا: ليزلقوا زلقًا لا يثبت فيه قدم"، وفي نـ: "لا تثبت" بدل "لا يثبت".
===
¬(١) أي: محل ميل الشخص، "ك" (٢٥/ ١٤٨). قوله: "مدحضة" من دحضت رجله دحضًا زلقت، ودحضت الشمس عن كبد السماء أي: زالت، ودحضت حجته أي: بطلت، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٢) بكسر الزاي وفتحها بمعنى المزلقة أي: موضع تزلق فيه الأقدام، "ك" (٢٥/ ١٤٨).
¬ (٣) قوله: (عليه خطاطيف) جمع خطاف، بالضم وتشديد الطاء، هو الحديدة المعوجة كالكلوب يختطف بها الشيء. "والكلاليب" جمع كلّوب بضم الكاف وتشديد اللام. قوله: "وحَسَكة" بفتحات وهي شوكة صلبة معروفة، قاله ابن الأثير، وقال صاحب "التهذيب" وغيره: الحسك نبات له ثمر خشن يتعلق بأصواف الغنم وربما اتخذ مثله من حديد، وهو من آلات الحرب، وقال الجوهري: الحسك حسك السعدان، والحسكة ما يعمل من حديد على مثاله، كذا في "العيني" (١٦/ ٦٤٠).
قوله: "مُفَلْطَحة" بضم الميم وفتح الفاء وسكون اللام وفتح الطاء والحاء المهملتين فهاء تأنيث. ولأبي ذر عن الكشميهني: "مطحلفة" بتقديم الطاء والحاء على اللام وتأخير الفاء بعد اللام، "قس" (١٥/ ٤٧٥)، وفي رواية الكشميهني: مطلحفة بتقديم الطاء وتأخير الفاء واللام قبلها. ولبعضهم كالأول لكن بتقديم الحاء على الطاء، والأول هو المعروف في اللغة، وهو الذي فيه اتساع وهو عريض، يقال: فلطح القرص بسّطه وعرّضه، "ف" (١٣/ ٤٢٩). قوله: "عقيفاء" بضم العين المهملة وفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف وبالفاء ممدودًا، ويروى: عقيفة على وزن كريمة، وهي المنعطفة المعوجة، "ك (٢٥/ ١٤٨) "ع" (١٦/ ٦٤٠).
стр. 10490
مُفَلْطَحَةٌ، لَهَا شَوْكَةٌ عَقِيفَةٌ تَكُونُ بِنَجْدٍ يُقَالُ لَهَا: السَّعْدَان، يَمُرُّ ¬ (١) الْمُؤْمِنُ عَلَيْهَا كَالطَّرْفِ ¬ (٢) وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَأَجَاوِيدِ الْخَيلِ ¬ (٣) وَالرِّكَابِ ¬ (٤)، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ ¬ (٥)، وَنَاجٍ مَخْدُوشٌ، وَمَكْدُوشٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى يَمُرَّ آخِرُهُمْ ¬ (٦) يُسْحَبُ ¬ (٧) سَحْبًا، فَمَا أَنْتُمْ بِأَشَدَّ لِي مُنَاشَدَةً ¬ (٨) فِي
"مُفَلْطَحَةٌ" في هـ، ذ: "مُطَحْلَفَةٌ"، وفي ذ: "مُفَلْحَطَةٌ"، وفي نـ: "مُطَلْحَفَةٌ"، وفي ذ: "مُحَلْطَفَةٌ". "عَقِيفَةٌ" كذا في قتـ، ذ، وفي نـ: "عُقَيْفَاءُ".
===
¬(١) ولفظة "يمر" ثبت في المنقول عنه ونسخة غيره وليس في النسخ وشرحي الكرماني والعيني.
¬ (٢) بالكسر: الكريم من الخيل، وبالفتح: البصر، يعني كلمح البصر، وهذا هو الأولى لئلا يلزم التكرار، "ك" (٢٥/ ١٤٨)، "ع" (١٦/ ٦٤٠).
¬ (٣) قوله: (كأجاويد الخيل) جمع الأجواد وهو جمع الجواد وهو: فرس بيِّن الجود بالضم رائع، "ك" (٢٥/ ١٤٨)، "ع" (١٦/ ٦٤٠). قوله: "مخدوش" أي: مخموش ممزوق من الخمش بالمعجمتين، وهو تمزيق الوجه بالأظافير. قوله: "ومكدوس" بالمهملتين أي: مصروع، ويروى بالشين المعجمة أي: مدفوع مطرود، ويروى: مكردس بالمهملات من كردست الدواب إذا ركب بعضها بعضًا، يعني: أنهم ثلاثة أقسام: قسم مسلم لا يناله شيء أصلًا، وقسم يخدش ثم يخلص، وقسم يسقط في جهنم، "ك"، "ع".
¬ (٤) بكسر الراء: الإبل، واحدتها الراحلة من غير لفظها، "قس" (١٥/ ٤٧٥).
¬ (٥) بتشديد اللام المفتوحة، "ع" (١٦/ ٦٤٠).
¬ (٦) أي: آخر الناجين، "ك" (٢٥/ ١٤٩).
¬ (٧) ببناء المجهول أي: يجر جرًّا.
¬ (٨) أي: مطالبة.
стр. 10491
الْحَقِّ، قَدْ ¬ (١) تَبَيَّنَ لَكُمْ مَنِ الْمُؤْمِنِ ¬ (٢) يَوْمَئِذٍ لِلْجَبَّارِ ¬ (٣) ¬ (٤). وَإِذَا رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ نَجَوْا فِي إِخْوَانِهِمْ ¬ (٥) ¬ (٦) يَقُولُونَ: رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَعْمَلُونَ مَعَنَا. فَيَقُولُ اللَّهُ: اذْهَبُوا، فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ ¬ (٧). ويُحَرِّمُ اللَّهُ صُوَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ غَابَ فِي النَّارِ إِلَى قَدَمَيهِ وَإِلَى أَنْصَافِ سَاقَيهِ
"وَإِذَا رَأَوْا" في هـ، ذ: "فَإِذَا رأَوْا". "عَلَى النَّارِ" زاد في ذ: "بِذُنُوبِهِمْ فَيَأتونَهُمْ" ¬ (٨). "إِلَى قَدَمَيْهِ" في نـ: "إِلى قَدَمِهِ".
===
¬(١) حالية.
¬ (٢) صلة أشد، "ك" (٢٥/ ١٤٩)، "ع" (١٦/ ٦٤٠)، "قس" (١٥/ ٤٧٥).
¬ (٣) متعلق بمناشدة، "ك" (٢٥/ ١٤٩)، "ع" (١٦/ ٦٤٠).
¬ (٤) قوله: (للجبار - و - في إخوانهم) كلاهما متعلق بمناشدة مقدرة أي: ليس طلبكم مني في الدنيا في شأن حق يكون ظاهرًا لكم أشد من طلب المؤمنين من اللّه في الآخرة في شأن نجاة إخوانهم من النار، والغرض شدة اعتناء المؤمنين بالشفاعة لإخوانهم، وظاهر السياق يقتضي أن يكون: "إذا رأوا" بدون الواو لكن قوله: "في إخوانهم" مقدم حكمًا، وهذا خبر مبتدأ محذوف أي: وذلك إذا رأوا نجاة أنفسهم. وقوله: "يقولون" هو استئناف كلام، قلت: الذي يظهر من حل التركيب أن قوله: "يقولون" جزاء "إذا"، "ع" (١٦/ ٦٤٠ - ٦٤١).
¬ (٥) ولأبي ذر عن الكشميهني: "وبقي إخوانهم"، "قس" (١٥/ ٤٧٥).
¬ (٦) جمع، والحال أن مرجعه وهو المؤمن مفرد باعتبار الجمع المراد من لفظ الجنس، "قس" (١٥/ ٤٧٥)، "ع" (١٦/ ٦٤٠).
¬ (٧) أمر بقطع الهمزة.
¬ (٨) في نسخة ابن الأديب: "على النار بذنوبهم"، وفي مقابله في الحاشية بدل "بذنوبهم": "فيأتونهم"، وعليه مكتوب: صوابه.
стр. 10492
فَيُخْرِجُونَ ¬ (١) مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا، ثُمَّ يَعُودُونَ، فَيَقُولُ: اذْهَبُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ¬ (٢) مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيُخْرِجُونَ مَنْ عَرَفُوا". وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ ¬ (٣): فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِّي فَاقْرَءُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠]، "فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْمَلَائِكَةُ وَالْمُؤْمِنُونَ، فَيَقُولُ الْجَبَّارُ: بَقِيَتْ شَفَاعَتِي ¬ (٤).
"وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ" سقطت الواو في نـ. "فَإنْ لَمْ تُصَدِّقُونِّي" في سـ، حـ، ذ: "فَإِذَا لَمْ تُصَدِّقُوِّني"، وفي نـ: "فَإِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا"، وفي نـ: "فَإِذْ لَمْ تُصَدِّقُونِّي".
===
¬(١) بضم التحتية وكسر الراء من الإخراج.
¬ (٢) سئل ثعلب عنها فقال: إن مائة نملة وزن حبة، وذرة واحدة منها، وقيل: الذرة ليس لها وزن، ويراد بها ما يرى في شعاع الشمس، "ع" (١٦/ ٦٤١).
¬ (٣) الخدري راوي الحديث، "ع" (١٦/ ٦٤١).
¬ (٤) قوله: (بقيت شفاعتي … ) إلخ، قرأت في "تنقيح الزركشي" (١/ ١٥٥): وقع هاهنا في حديث أبي سعيد بعد شفاعة الأنبياء: "فيقول اللّه: بقيت شفاعتي. فيخرج من النار من لم يعمل خيرًا"، وتمسك به بعضهم في تجويز إخراج غير المؤمنين من النار! وردّ بوجهين: أحدهما: أن هذه الزيادة ضعيفة، لأنها غير متصلة كما قال عبد الحق في "الجمع"، والثاني: أن المراد بالخير المنفي ما زاد على أصل الإقرار بالشهادتين، كما يدل عليه بقية الأحاديث هكذا قال، والوجه الأول غلط منه فإن الرواية متصلة هنا، وأما نسبة ذلك لعبد الحق فغلط؛ لأنه لم يقله إِلَّا في طريق أخرى وقع فيها: "أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة خردل من خير" قال: هذه الرواية غير
стр. 10493
فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنَ النَّارِ فَيُخْرِجُ أَقْوَامًا قَدِ امْتُحِشُوا ¬ (١)، فَيُلْقَوْنَ ¬ (٢) فِي نَهَرٍ ¬ (٣) بِأَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ: الْحَيَاة، فَيَنْبُتُونَ فِي حَافَتَيهِ ¬ (٤) كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ ¬ (٥) فِي حَمِيلِ السَّيْلِ ¬ (٦)، قَدْ رَأَيْتُمُوهَا إِلَى جَانِبِ الصخْرَةِ
"الْحَيَاةُ" في نـ: "مَاءُ الْحَيَاةِ"، وفي أخرى: "نَهْرُ الْحَيَاةِ".
===
متصلة، ولما ساق حديث أبي سعيد الذي في هذا الباب ساقه بلفظ البخاري، ولم يتعقبه بأنه غير متصل، ولو قال ذلك لتعقبناه عليه؛ فإنه لا انقطاع في السند، ثم إن لفظ حديث أبي سعيد هنا ليس كما ساقه الزركشي وإنما فيه: "فيقول الجبار: بقيت شفاعتي. فيخرج أقوامًا قد امتحشوا" ثم قال في آخره: "فيقول أهل الجنة: هؤلاء عتقاء الرحمن أدخلهم الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه"، فيجوز أن يكون الزركشي ذكره بالمعنى، "ف" (١٣/ ٤٢٩).
قوله: "بأفواه الجنة" جمع فوهة، بضم الفاء وشدة الواو المفتوحة على غير قياس، وأفواه الأزقة والأنهار أوائلها، والمراد: مفتتح مسألك قصور الجنة، "ك" (٢٥/ ١٥٠)، "ع" (١٦/ ٦٤١)، "قس" (١٥/ ٤٧٦).
¬ (١) أي: احترقوا. والمحش: احتراق الجلد وظهور العظم، "مجمع" (٤/ ٥٦١).
¬ (٢) على بناء المجهول.
¬ (٣) بسكون الهاء وفتحها، "ك" (٢٥/ ١٤٩).
¬ (٤) الحافة بتخفيف الفاء الجانب، "ك" (٢٥/ ١٥٠).
¬ (٥) بكسر الحاء.
¬ (٦) قوله: (في حميل السيل) هو ما يجيء به السيل من طين أو غثاء أو غيره بمعنى محموله، فإذا اتفقت فيه حبة واستقرت على شط مجرى السيل فإنها تنبت في ليلة ويوم، فشبه بها سرعة عود أبدانهم وأجسامهم إليهم بعد إحراق النار لها، وروي: في حمائل السيل جمع حميل، "مجمع"
стр. 10494
وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ، فَمَا كَانَ إِلَى الشَّمْسِ مِنْهَا كَانَ أَخْضَرَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ كَانَ أَبْيَضَ، فَيُخْرُجُونَ كَأَنَّهُمُ اللُّؤْلُؤ، فَيُجْعَلُ فِي رِقَابِهِمُ الْخَوَاتِيمُ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ فَيَقُول أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ الرَّحْمَنِ أَدْخَلَهُمُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ ¬ (١) وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ ¬ (٢). فَيُقَال لَهُمْ: لَكُمْ مَا رَأَيْتُمْ وَمِثْلُهُ مَعَهُ". [راجع: ٢٢، أخرجه: م ١٨٣، تحفة: ٤١٧٢].
٧٤٤٠ - وَقَالَ الْحَجَّاجُ بْنُ مِنْهَال ¬ (٣): حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَال:
"وَإِلَى جَانِبِ الشَّجَرَةِ" ثبتت الواو في ذ. "فَيُجْعَلُ" في نـ: "فَتُجْعَلُ". "وَقَالَ الْحَجَّاجُ" في ف، مر: "حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ"، وفي نـ: "حَجَّاج" بدل "الحجاج".
===
(١/ ٥٦١). قوله: "الخواتيم" أراد به أشياء من الذهب تعلق في أعناقهم كالخواتيم علامة يعرفون بها وهم كاللآلي في صفائهم. قوله: "بغير عمل عملوه" أي: لمجرد الإيمان دون أمر زائد عليه من الأعمال والخيرات. وعلم منه أن شفاعة الملائكة والنبيين والمؤمنين فيمن كان له طاعة غير الإيمان الذي لا يطلع عليه إِلَّا الله، "ع" (٢٥/ ١٥٠)، "ع" (١٦/ ٦٤١).
¬ (١) أي: في الدنيا.
¬ (٢) من الدنيا إلى الآخرة.
¬ (٣) قوله: (وقال الحجاج بن منهال) هو أحد مشايخ البخاري، ولم يقل: "حَدَّثَنَا حجاج"؛ لأنه إما سمعه منه مذاكرةً لا تحميلًا، وإما أنه كان عرضًا ومناولةً، وهكذا وقع عند جميع الرواة، إِلَّا في رواية أبي زيد المروزي عن الفربري، فقال فيها: "حَدَّثَنَا حجاج"، وكلهم ساقوا الحديث كله إِلَّا النسفي فساق منه إلى قوله: "خلقك اللّه بيده" ثم قال: "فذكر الحديث". ووقع لأبي ذر عن الحموي نحوه ولكن قال: "وذكر الحديث بطوله" بعد قوله: "حتى يهمّوا بذلك" ونحوه للكشميهني، "ع" (١٦/ ٦٤٢).
стр. 10495
حَدَّثَنَا قَتَادَة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يُحْبَسُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُهُمُّوا ¬ (١) ¬ (٢) بذَلِكَ فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا ¬ (٣) إِلَى رَبِّنَا فَيُرِيحُنَا ¬ (٤) مِنْ مَكَانِنَا. فَيَأتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ آدَمُ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَأَسْكَنَكَ جَنَّتَه، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَه، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، اشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا،
"يُحْبَس" في نـ: "يُحْشَرُ". "حَتَّى يُهِمُّوا بِذَلِكَ" قال بعده في حـ، هـ، ذ: "وَذَكَرَ الحديثَ بِطُولِهِ". "فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا … " إلخ، ثبت في هـ، سـ. "إِلَى رَبِّنَا" في نـ: "عَلَى رَبِّنَا". "خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ" قال بعده في سفـ: "فَذَكَرَ الحديثَ … ". "اشْفَعْ" كذا في سـ، هـ، ذ، وفي نـ: "لِتَشْفَعْ".
===
¬(١) بضم أوله وكسر الهاء، ولأبي ذر بفتح الياء وضم الهاء أي: يحزنوا، "قس" (١٥/ ٤٧٨)، "ك".
¬ (٢) قوله: (حتى يهموا) من الوهم، وفي بعضها: "يهمّوا" من الهمّ بمعنى القصد والحزن، معروفًا ومجهولًا. وفي "صحيح مسلم": "يهتموا" أي: يعتنوا بسؤال الشفاعة وإزالة الكرب عنهم، "ك" (٢٥/ ١٥٠ - ١٥١)، "ع" (١٦/ ٦٤٢).
قوله: "بذلك" أي: الحبس، وقول الزركشي -: هذه الإشارة إلى المذكور بعده وهو حديث الشفاعة -، تعقبه في "المصابيح" فقال: هو تكلف لا داعي له، والظاهر أن الإشارة راجعة إلى الحبس المذكور بقوله: يحبس المؤمنون حتى يهموا، "قس" (١٥/ ٤٧٨ - ٤٧٩).
¬ (٣) جواب "لو" محذوف، أو هو للتمني، "ك" (٢٥/ ١٥١)، "ع" (١٦/ ٦٤٢).
¬ (٤) من الإراحة، بالراء، "ك" (٢٥/ ١٥١)، بالرفع وبالنصب: جواب التمني المدلول عليه بلو، "ف"، ["قس" (١٥/ ٤٧٩)].
стр. 10496
فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ ¬ (١) - قَالَ: فَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أَصَابَ ¬ (٢) أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ ¬ (٣) وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا -، وَلَكِنِ ائْتُوا نُوحًا أَوَّلَ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ ¬ (٤)
"فَيَقُولُ" في نـ: "قَالَ: فَيَقُولُ" مصحح عليه. "فَيَذْكُرُ" في نـ: "وَيَذْكُرُ".
===
¬(١) أي: لست أهلًا بذلك وليس لي هذه المنزلة، "ك" (٢٥/ ١٥١)، "ع" (١٦/ ٦٤٢).
¬ (٢) أي: أصابها.
¬ (٣) قوله: (أكله من الشجرة) منصوب بأنه بدل أو بيان للخطيئة أو بفعل مقدر نحو: يعني، ويجوز أن يكون بيانًا للضمير المبهم المحذوف، نحو قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢]. وفي بعضها: "ويذكر أكله" بحذف لفظ: "الخطيئة التي أصاب" كذا في "ك" (٢٥/ ١٥١)، "قس" (١٥/ ٤٧٩)، "ع" (١٦/ ٦٤٢).
¬ (٤) قوله: (أول نبي بعثه اللّه) فإن قلت: لزم منه أن آدم لم يكن نبيًا؟ قلت: اللازم ليس كذلك، بل كان نبيًا لكن لم يكن له أهل أرضٍ يُبعث إليهم، وله أجوبة أخرى تقدمت. قوله: "سؤاله" هو: دعاؤه بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]. قوله: "يذكر ثلاث كلمات" وهي: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، و ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٣]، و"هذه أختي"، وهذه رواية المستملي، وفي رواية غيره: "ثلاث كذبات"، قال القاضي: هكذا يقولونه تواضعًا وتعظيمًا لما يُسألونه، وإشارة إلى أن هذا المقام لغيرهم، ويحتمل أنهم علموا أن صاحبها محمد ﷺ ويكون إحالة كل واحد منهم على الآخر ليصل بالتدريج إلى محمد ﷺ إظهارًا لفضيلته، وكذلك إلهام اللّه الناس بسؤالهم عن آدم وغيره؛ فإنهم إذا سألوهم وامتنعوا ثم سألوه ﷺ فأجاب وحصل غرضهم علموا ارتفاع منزلته وكمال
стр. 10497
إلَى الأَرْضِ ¬ (١). فَيَأْتُونَ نُوحًا فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ الَّتِي أصَابَ سُؤَالَهُ ¬ (٢) رَبَّهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ -، وَلَكِنِ ائْتُوا إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَ الرَّحْمَنِ. قَالَ: فَيَأْتُونَ إِبْرَاهِيمَ فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ ثَلَاثَ كَلِمَاتٍ كَذَبَهُنَّ -، وَلَكِنِ ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا آتَاهُ اللَّهُ التَّوْرَاةَ وَكَلَّمَهُ وَقَرَّبَهُ نَجِيًّا. قَالَ: فَيَأْتُونَ مُوسَى فَيَقُولُ: إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ - وَيَذْكُرُ خَطِيئتَهُ الَّتِي أَصَابَ قَتْلَهُ النَّفْسَ -، وَلَكِنِ ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ وَرُوحَ اللَّهِ وَكَلِمَتَهُ. قَالَ: فَيَأْتُونَ عِيسَى فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَلَكِنِ ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ: فَيَأْتُونِّي ¬ (٣) فَأَسْتَأْذِنُ
"إِلَى الأَرْضِ" في نـ: "إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ". "كَلِمَاتٍ" في هـ، ذ: "كَذَبَاتٍ". "مُحَمَّدًا" في نـ: "مُحَمَّدًا ﷺ ". "فَيَأتُونِّي" في سـ، هـ، ذ: "فَيَأْتُونَنِي".
===
قربه، وإن هذا الأمر العظيم لا يقدر على الإقدام عليه غيره ﷺ وهي الشفاعة العظمى، انتهى. واعلم أن الخطايا من الأنبياء إما صغائر سهوية، وإما قبل النبوة، وإما ترك الأَوْلى؛ لوجوب عصمتهم بعد النبوة عن الصغائر العمدية وعن الكبائر مطلقًا، كذا في "ع" (١٦/ ٦٤٢)، "ك" (٢٥/ ١٥١ - ١٥٢).
¬ (١) الموجودين بعد الطوفان، "قس" (١٥/ ٤٧٩).
¬ (٢) يشير إلى قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]، "قس" (١٥/ ٤٧٩).
¬ (٣) قوله: (فيأتوني فأشفع لهم) في الإراحة فيشفع لي ويفصل بينهم، وفي الكلام اختصار. وهذا هو المقام المحمود والشفاعة العامة الكبرى؛ إذ ما بعد هذا هي شفاعات خاصة لأمته لا تعلق لها بما لجأ الناس إليه فيها، وهي الإراحة من الموقف والفصل بين العباد، والحاصل: أنه شفع أولًا
стр. 10498
عَلَى رَبِّي فِي دَارِهِ ¬ (١) فَيُؤْذَنُ لِي عَلَيْهِ، فَإِذَا رَأَيْتُهُ وَقَعْتُ لَهُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدَعَنِي فَيَقُولُ: ارْفَعْ مُحَمَّدُ ¬ (٢)، وَقُلْ تُسْمَعْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ¬ (٣)، وَسَلْ تُعْطَ. قَالَ: فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأُثْنِي عَلَى رَبِّي بِثَنَاءٍ وَتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أشْفَع، فَيَحُدُّ ¬ (٤) لِي حَدًّا، فَأَخْرُجُ ¬ (٥) فَأُدْخِلُهُمُ ¬ (٦) الْجَنَّةَ". قَالَ قَتَادَةُ ¬ (٧): وَسَمِعْتُهُ ¬ (٨) أَيْضًا يَقُولُ: "فَأَخْرُجُ ¬ (٩)
"تُعْطَ" في نـ: "تُعْطَا". "أَيْضًا" ثبت في هـ.
===
للعامة ثم شفع ثانيًا وثالثًا ورابعًا لطوائف أمته، ولا بد من الحمل عليه ليتلائم صدر الحديث وعجزه، كذا في "الكرماني" (٢٥/ ١٥٢). قوله: "وعده نبيكم" أي: حيث قال: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وهذا هو إشارة إلى الشفاعة الأولى التي لم يصرح بها في الحديث، لكن السياق وسائر الروايات تدل عليه. وفي الحديث: "أن المؤمن لا يخلد في النار، وأن الشفاعة تنفع لأهل الكبائر"، كذا في "الكرماني" (٢٥/ ١٥٣).
¬ (١) أي: جنته، والإضافة للتشريف كبيت الله، أو الضمير راجع إليه ﷺ على سبيل الالتفات، "ك" (٢٥/ ١٥٢).
¬ (٢) أي: ارفع رأسك يا محمد، "ع" (١٦/ ٦٤٣)، "ك" (٢٥/ ١٥٢).
¬ (٣) على بناء المجهول، من التشفيع أي: تقبل شفاعتك.
¬ (٤) أي يعين لي طائفة معينة، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
¬ (٥) بفتح الهمزة وضم الراء، "قس" (١٥/ ٤٨٠).
¬ (٦) من الإدخال.
¬ (٧) هو الراوي عن أنس.
¬ (٨) أي: أنسًا.
¬ (٩) من الخروج، أي: من الدار.
إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ أَيْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ ¬ (١). قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٨٩]. قَالَ: وَهَذَا الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الَّذِي وُعِدَهُ ¬ (٢) نَبِيُّكُمْ ﷺ " [راجع: ٤٤، تحفة: ١٤١٧].
٧٤٤١ - حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ سعْدِ: بْنِ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ صَالِحٍ ¬ (٤)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَى الأَنْصَارِ، فَجَمَعَهُمْ فِي قُبَّةٍ ¬ (٥) وَقَالَ لَهُمُ: "اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوُا اللَّهَ ¬ (٦) ¬ (٧) وَرَسُولَه، فَإِنِّي عَلَى الْحَوْضِ".
[راجع: ٣١٤٦، أخرجه: م ١٠٥٩، س في الكبرى ٨٣٣٥، تحفة: ١٥٠٦].
"حَبَسَهُ" في نـ: "قَدْ حَبَسَهُ". "هَذِهِ" ثبت في هـ، ذ. "حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ" في نـ: "حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ". "حَدَّثَنِي أَبِي" في نـ: "حَدَّثَنَا أَبِي".
===
¬(١) أي: بنص القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨]، وهم الكفار، "ك" (٢٥/ ١٥٣)، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
¬ (٢) بضم أوله وكسر ثانيه، "قس" (١٥/ ٤٨٠).
¬ (٣) هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
¬ (٤) ابن كيسان.
¬ (٥) هو بيت مستدير من الخيام، وهو من بيوت العرب، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
¬ (٦) هذا محل المطابقة للترجمة.
¬ (٧) قوله: (حتى تلقوا اللّه) اللقاء مقابلة الشيء ومصادفته، لقيه يلقاه، ويقال أيضًا في الإدراك بالحس وبالبصيرة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ [آل عمران: ١٤٣]، وملاقاة اللّه يعبر بها عن
стр. 10501
٧٤٤٢ - حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ مُحَمَّدٍ ¬ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٢)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ¬ (٣)، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا تَهَجَّدَ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ¬ (٤) وَمَنْ فِيهِنَّ، أَنْتَ الْحَقُّ ¬ (٥)، وَقَوْلُكَ الْحَقُّ، وَوَعْدُكَ الْحَقُّ،
"حَدَّثَنَا ثَابِتُ" كذا في ذ، وفي نـ: "حَدَّثَنِي ثَابِتُ".
===
الموت وعن يوم القيامة، وقيل ليوم القيامة: يوم التلاقي لالتقاء الأولين والآخرين فيه، "ف" (١٣/ ٤٣٠)، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
قوله: "فإني على الحوض" أراد به الحوض الذي أعطاه اللّه تعالى، وهو في الجنة، ويؤتى به إلى المحشر يوم القيامة. وفيه رد على المعتزلة في إنكارهم الحوض، وفي بعض النسخ: "حتى تلقوا اللّه ورسوله على الحوض"، وعلى هذه الرواية سأل الكرماني حيث قال (٢٥/ ١٥٣): اللّه منزه عن المكان فكيف يكون على الحوض؟ ثم أجاب بقوله: هو قيد للمعطوف كقوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ الأنبياء: ٧٢]، أو لفظ: "على الحوض" ظرف للفاعل لا للمفعول، وفي أكثر النسخ بدل في كلمة: "فإني على الحوض"، فسقط السؤال عن درجة الاعتبار بالكلية، "ع" (١٦/ ٦٤٣).
¬ (١) أبو إسماعيل العابد الشيباني الكوفي، "ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٢) الثوري.
¬ (٣) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، "ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٤) أي: منورهما أو مدبر أمرهما، "مجمع" (٤/ ٨١٩).
¬ (٥) الحق ضد الباطل، "مجمع" (١/ ٥٢٧).
стр. 10502
وَلقَاؤُكَ الْحَقُّ ¬ (١)، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ ¬ (٢)، وَبكَ آمَنْت، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْت، وَإِلَيْكَ خَاصَمْتُ ¬ (٣)، وَبِكَ حَاكَمْتُ ¬ (٤)، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْت، وَمَا أَسْرَرتُ وَمَا أَعْلَنْت، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، لَا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ".
قَالَ قَيس بْنُ سَعْدٍ ¬ (٥) وَأَبُو الزُّبَيْرِ ¬ (٦) عَنْ طَاوُسٍ: قَيَّامٌ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ ¬ (٧): "القَيُّوُمُ": الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
"وَلقَاؤُكَ الْحَقُّ" في نـ: "وَلقَاؤُكَ حَقٌّ". "وَمَا أَعْلَنْتُ" لفظ "ما" سقط في نـ. "قَالَ قَيسُ بْنُ سَعْدٍ" في ذ: "وَقَالَ قَيسُ بْنُ سَعْدٍ" ¬ (٨)، وزاد قبله في نـ: "قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ".
===
¬(١) مطابقة الحديث للترجمة في قوله: "ولقاؤك حق"؛ لأن معناه: رؤيتك ثابت، "ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٢) مرَّ الحديث (برقم: ١١٢٠).
¬ (٣) أي: من خاصمني من الكفار، "مجمع" (٢/ ٥٤).
¬ (٤) قوله: (وبك حاكمت) أي: كل من جحد بحق جعلتك الحاكم بيني وبينه لا غيرك مما تحاكم إليه أهل الجاهلية من صنم أو كاهن، "مجمع" (١/ ٥٣٣).
¬ (٥) المكي الحبشي مفتي مكة، "ك" (٢٥/ ١٥٤)، ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٦) محمد بن مسلم بن تدرس، "ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٧) أراد أن مجاهدًا فسر "القيوم" بقوله: "القائم على كل شيء"، ع " (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٨) قوله: (وقال قيس بن سعد وأبو الزبير عن طاوس: قيام) أراد أن قيسًا وأبا الزبير رويا هذا الحديث عن طاوس عن ابن عباس، فوقع عندهما: "أنت قيام السماوات" بدل: "أنت قيم السماوات"، ع" (١٦/ ٦٤٤).
стр. 10503
وَقَرَأَ عُمَرُ ¬ (١): الْقَيَّامُ. وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ ¬ (٢). [راجع: ١١٢٠].
٧٤٤٣ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسى ¬ (٣) قَال: حَدَّثَنَا أَبُو أُسامَةَ ¬ (٤)، حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ ¬ (٥)،
"وَكِلَاهُمَا مَدْحٌ " زاد بعده في ن: "وَقَالَ ابنُ عَباسٍ: نُورُهَا ذِي السمَوَات". "حَدَّثَنِي الأَعْمَشُ " في ن: "قَالَ: حَدَّثَنِي الأعْمَشُ".
===
¬(١) قوله: (وقرأ عمر) أي: ابن الخطاب ﵁: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وهو على وزن فعال بالتشديد، وهي صيغة مبالغة، وكذلك لفظ: "القيوم". وقال أبو عبيدة بن المثنى: ﴿الْقَيُّومُ﴾ فيعول وهو القائم الذي لا يزول. وقال الخطابي: ﴿الْقَيُّومُ﴾ نعت للمبالغة في القيام على كل شيء بالرعاية له. وقال الحليمي: ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم على كل شيء من خلقه يدبره بما يريد، (ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٢) قوله: (وكلاهما مدح) أي: القيوم والقيام مدح؛ لأنهما من صيغ المبالغة، ولا يستعملان في غير المدح، بخلاف "القيم" فإنه يستعمل في الذم أيضًا، وقال محمد بن فرح - بالفاء وسكون الراء، والحاء المهملة - في "كتاب الأسنى في أسماء الحسنى": يجوز وصف العبد بالقيم ولا يجوز بالقيوم. وقال الغزالي في "المقصد الأسنى": القيوم هو القائم بذاته المقيم لغيره (١)، وليس ذلك إلا الله تعالى. وقال الكرماني (٢٥/ ١٥٤): فعلى هذا التفسير هو صفة مركبة من صفة الذات وصفة الفعل، "ع" (١٦/ ٦٤٤).
¬ (٣) ابن راشد القطان، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٤) حماد بن أسامة، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٥) سليمان، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
стр. 10504
عَنْ خَيْثَمَةَ ¬ (١)، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَا مِنْكُمْ ¬ (٢) مِنْ أَحَدٍ ¬ (٣) إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّه، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ ¬ (٤) وَلَا حِجَاب يَحْجُبُهُ" ¬ (٥). [راجع: ١٤١٣، تحفة: ٩٨٥٢].
"حِجَابٌ " في هـ: "حَاجِبٌ".
===
¬(١) ابن عبد الرحمن الجعفي، "ع" (١٦/ ٦٤٥)، "ك" (٢٥/ ١٥٥).
¬ (٢) الخطاب للمؤمنين وقيل: بعمومه، "ك" (٢٥/ ١٥٥)، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٣) المطابقة للترجمة تؤخذ من معنى الحديث، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٤) قوله: (ترجمان) فيه لغات: ضم التاء والجيم، وفتحهما، وفتح الأولى وضم الثانية، "ك" (٢٥/ ١٥٥)، "ع" (١٦/ ٦٤٥)، هو من يترجم الكلام أي: ينقله من لغة إلى أخرى، "مجمع" (١/ ٢٦١).
¬ (٥) قوله: (ولا حجاب يحجبه) وفي رواية الكشميهني: "ولا حاجب". قال ابن بطال (١٠/ ٤٦٦): معنى رفع الحجاب: إزالة الآفة من أبصار المؤمنين، المانعة لهم من الرؤية، فيرونه لارتفاعها عنهم بخلق ضدها فيهم، ويشير إليه قوله تعالى في حق الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
وقال الحافظ صلاح الدين العلائي في شرح قوله في قصة معاذ: "واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب": والمراد بالحاجب والحجاب: نفي المانع من الرؤية، فلما نفى عدم إجابة دعاء المظلوم استعار الحجاب للرد، فكان نفيه دليلًا على ثبوت الإجابة، والتعبير بنفي الحجاب أبلغ من التعبير بالقبول؛ لأن الحجاب من شأنه المنع من الوصول إلى المقصود فاستعير نفيه لعدم المنع، ويتخرج كثير من أحاديث الصفات على الاستعارة التخييلية، وهي أن يشترك شيئان في وصف ثم يعتمد لوازم أحدهما
стр. 10505
٧٤٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ ¬ (٢) الجَونِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "جَنَّتَانِ ¬ (٣)
===
حيث تكون جهة الاشتراك وصفًا فثبت كماله في المستعار منه بواسطة شيء آخر فثبت ذلك للمستعار له مبالغة في إثبات المشترك، قال: وبالحمل على هذه الاستعارة التخييلية يحصل التخلص من مهاوي التجسم.
قال: ويحتمل أن يراد بالحجاب: استعارة محسوس لمعقول؛ لأن الحجاب حسي والمنع عقلي. قال: وقد ورد ذكر الحجاب في عدة أحاديث صحيحة، والله سبحانه منزه عما يحجبه إذ الحجاب إنما يحيط بمقدر محسوس، ولكن المراد بحجابه منعه أبصار خلقه أو بصائرهم بما شاء كيف شاء، وإذا شاء كشف عنهم، ويؤيده قوله في الحديث الذي بعده: "وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبر على وجهه" فإن ظاهره ليس مرادًا قطعًا، فهي استعارة جزمًا، "ف" (١٣/ ٤٣٠ - ٤٣١).
¬ (١) هو ابن المديني، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٢) عبد الملك بن حبيب، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٣) قوله: (جنتان … ) إلخ، إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ وتفسير له، وهو خبر مبتدأ أي: هما جنتان، و"آنِيَتهما" مبتدأ، و"مِن فضَّةٍ" خبره، ويحتمل أن يكون فاعل "فضة" كما قال ابن مالك: "مررت بواد أثل كله"، إن "كله" فاعل "الأثل" بالمثلثة أي: جنتان مفضض آنيتهما. والحديث من المتشابهات؛ إذ لا وجه حقيقة ولا رداء، فإما أن يفوض، أو يؤول الوجه بالذات، والرداء بشيء كالرداء من صفاته اللازمة لذاته المقدسة عما يشبه المخلوقات. [قال القرطبي في "المفهم" (١/ ٤١٢): الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الآخر: "الكبرياء ردائي والعظمة إزاري"، وليس المراد الثياب المحسوسة، "ع" (١٦/ ٦٤٥)].
стр. 10506
مِنْ فِضَّةٍ ¬ (١) آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهمَا ¬ (٢)، وَجَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ الْقَوْمِ وَبَيْنَ أَنْ يَنظُرُوا ¬ (٣) إِلَى رَبِّهِمْ إِلَّا رِدَاءُ الْكِبرِ عَلَى وَجْهِهِ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ". [راجع: ٤٨٧٨].
"أَنْ يَنْظُرُوا" في ن: "أَنْ يَنْظُرَ". "الْكِبْرِ" في ن: "الْكِبرِيَاءِ".
===
"وفي جنة عدن" ظرف للقوم، فإن قلت: فهذا مشعر بخلاف الترجمة؛ إذ معناه: أن رؤية الله غير واقعة، قلت: لا: إذ غرضه بيان قرب النظر؛ إذ رداء الكبر لا يكون مانعًا من الرؤية. قيل: كان ﷺ يخاطب العرب بما يفهمونه فيستعمل الاستعارات ليقرب تناولها، فعبر عن زوال المانع بإزالة الرداء، "ك" (٢٥/ ١٥٥).
حاصله: أن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية، فكأن في الكلام حذفًا تقديره بعد قوله: "إلا رداء الكبرياء": "فإنه يَمُنّ عليهم برفعه، فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه"، فكأن المراد أن المؤمنين إذا تبوؤوا مقاعدهم من الجنة لولا ما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل، فإذا أراد إكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه ، "ف" (١٣/ ٤٣٢).
¬ (١) مرَّ الحديث (برقم: ٤٨٧٩).
¬ (٢) قوله: (من فضة آنيتهما وما فيهما … ) إلخ، فإن قلت: يعارضه حديث أبي هريرة: "قلنا: يا رسول الله! حدثنا عن الجنة قال: لبنة من ذهب ولبنة من فضة"، أخرجه أحمد والترمذي وصححه؟ قلت: المراد با لأول صفة ما في كل جنة من آنية وغيرها، ومن الثاني حوائط الجنان كلها، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
¬ (٣) مطابقته ظاهرة، "ع" (١٦/ ٦٤٥).
стр. 10507
٧٤٤٥ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ ¬ (١) قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الْمَلِكُ بْنُ أَعْيَنَ ¬ (٣) وَجَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ¬ (٤)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَطَعَ ¬ (٦) مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ ¬ (٧) وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ".
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ¬ (٨) ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَاب اللَّهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ ¬ (٩) لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧٧]. [راجع: ٢٣٥٦، أخرجه: م ١٣٨، س في الكبرى ١١٠٦٣، تحفة: ٩٢٣٨، ٩٢٨٣].
"﴿بِعَهْدِ اللَّهِ … ﴾ إلخ"، في ذ: "إِلَى أَنْ قَالَ: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ الآية".
===
¬(١) عبد الله بن الزبير، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٢) ابن عيينة.
¬ (٣) قوله: (أعين) بفتح الهمزة وسكون العين المهملة وفتح الياء آخر الحروف وبالنون، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٤) شقيق بن سلمة، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٥) ابن مسعود، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٦) قوله: (من اقتطع) أي: أخذ قطعة لنفسه. قوله: "غضبان" قد مرّ غير مرة أن في نسبة مثل هذا الكلام إلى الله تعالى يراد به لازمه، ولازم الغضب عذابه. قوله: "مصداقه" بكسر الميم أي: مما يصدق هذا الحديث ويوافقه، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٧) فيه المطابقة، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
¬ (٨) مرَّ الحديث (برقم: ٦٦٥٩، و ٦٦٧٦).
¬ (٩) الخلاق: النصيب الوافر من الخير، "قاموس" (ص: ٨١٢).
стр. 10508
٧٤٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سفْيَان، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحِ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ ¬ (١) - لَقَدْ أُعْطِيَ بِهَا أكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ - وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ ¬ (٢) كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصرِ ¬ (٣) لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ ¬ (٤)، فَيَقُولُ اللَّهُ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ ¬ (٥) فَضْلِي، كمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ". [راجع: ٢٣٥٨، أخرجه: م ١٠٨، تحفة: ١٢٨٥٥].
"عَلَى سِلْعَتِهِ " كذا في س، ح، ذ، وفي ن: "عَلَى سِلْعَةٍ". "فَيَقُولُ اللَّهُ " زاد في ن: "يومَ القِيَامَةِ".
===
¬(١) السلعة بالكسر: المتاع، وما يُتجر به، "قاموس" (ص: ٦٧٣).
¬ (٢) أي: بيمين، أو المراد بها المحلوف عليه مجازًا، "مجمع" (٥/ ٢٢١).
¬ (٣) قوله: (بعد العصر) خص به لشرفه لاجتماع الملائكة وختام الأعمال، "بغوي". ويحتمل أن الغالب من التاجر إنفاقه من ربح ماله، وقد يتفق في اليوم أن لا يربح فيحرص حين الانصراف عند العصر على إمضاء صفقته إن اتفقت باليمين الكاذبة، "مجمع" (٣/ ٦١١).
¬ (٤) قوله: (منع فضل ماء) أي: يمنع الناس من الماء الفاضل عن حاجته". و"لم تعمل يداك" أي: ليس حصوله وطلوعه من المنبع بقدرتك بل هو بإنعام الله وفضله على العباد، أو المراد به: مثل الماء الذي لا يكون ظهوره بسعي الشخص كالعيون والسيول لا كالآبار والقنوات، "ك" (٢٥/ ١٥٦).
¬ (٥) قوله: (أمنعك) مطابقته للترجمة من حيث إن الغضب إذا كان سببًا لعدم الرؤية كان الرضا سببًا لحصولها، "ع" (١٦/ ٦٤٦).
стр. 10509
٧٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَال: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّاب ¬ (١) قَال: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ¬ (٢)، عَنْ مُحَمَّدٍ ¬ (٣)، عَنِ ابْنِ أَبِي بَكْرَةَ ¬ (٤)، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الزَّمَانُ قَدِ استَدَارَ كَهَيْئَتِهِ ¬ (٥) يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَات: ذُو الْقَعَدَةِ وَذُو الْحَجَّةِ وَالْمُحَرَّم، وَرَجَبُ مُضَرَ
"ثَلَاثٌ " في ص، ذ: "ثَلَاثَةٌ".
===
¬(١) ابن عبد المجيد الثقفي، "ع" (١٦/ ٦٤٧).
¬ (٢) السختياني، "ع" (١٦/ ٦٤٧).
¬ (٣) ابن سيرين، "ع" (١٦/ ٦٤٧).
¬ (٤) اسم ابن أبي بكرة هذا: عبد الرحمن؛ لأن لأبي بكرة أولادًا غيره، واسم أبي بكرة: نفيع بضم النون مصغرًا، "ع" (١٦/ ٦٤٧).
¬ (٥) قوله: (قد استدار كهيأته) أي: استدار استدارة مثل حالته يوم خلق الله السماوات والأرض، وأراد بالزمان السنة. و"حرم" أي: محرم فيه القتال. و"مضر" - بالضم وفتح المعجمة والراء -: القبيلة المشهورة غير منصرف، وإنما أضافه إليهم لأنهم كانوا يحافظون على تحريمه أشد من محافظة غيرهم ولم يغيروه عن مكانه، ووصفه بالذي بين جمادى وشعبان للتأكيد أو لإزالة الريب الحادث فيه من النسيء. قال في "الكشاف": النسيء تأخير حرمة شهر إلى شهر آخر، كانوا يحلون الشهر الحرام ويحرمون مكانه شهرًا آخر حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرم، وكانوا يحرمون من شهور العام أربعة أشهر مطلقًا، وربما زادوا في الشهور فيجعلونها ثلاثة عشر أو أربعة عشر، قال: والمعنى: رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه، وعاد الحج إلى ذي الحجة، وبطلت تغييراتهم، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، "ك" (٢٥/ ١٥٧)، "ع" (١٦/ ٦٤٧ - ٦٤٨).
فَكَانَ مُحَمَّدٌ ¬ (١) إِذَا ذَكَرَهُ قَالَ: صَدَقَ ¬ (٢) النَّبِيُّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ: "أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟ ". [راجع: ٦٧].
٢٥ - بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ ¬ (٣) مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]
٧٤٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الْوَاحِدِ ¬ (٤) عَنْ عَاصِمٍ ¬ (٥)، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ¬ (٦)، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زيدٍ قَالَ:
"عَنْ عَاصِمٍ" في ن: "حَدَّثَنَا عَاصِمٌ".
===
¬(١) ابن سيرين، "ك" (٢٥/ ١٥٨)، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
¬ (٢) قوله: (صدق) أي: عُلم بالتجربة والاستقراء أن كثيرًا من السامعين هم أفضل من شيوخهم، "ك" (٢٥/ ١٥٨)، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
¬ (٣) قوله: (إن رحمة الله قريب) إنما قال: قريب والقياس: قريبة؛ لأن الفعيل الذي بمعنى الفاعل قد يحمل على الذي بمعنى المفعول، أو الرحمة بمعنى الترحم، أو صفة لموصوف محذوف أي: شيء قريب، أو لما كان وزنه المصدر نحو: شهيق وزفير أعطى له حكمه في استواء المذكر والمؤنث، وقال ابن بطال: الرحمة تنقسم إلى صفة ذات فيكون معناها إرادة إثابة الطائعين، وإلى صفة فعل فيكون معناها أن فضل الله تعالى بسوق السحاب وإنزال المطر قريب من المحسنين، فكان ذلك رحمة لهم لكونه بقدرته وإرادته، وكون تسمية الجنة رحمة لكونه فعلًا من أفعاله حادثة بقدرته، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
¬ (٤) ابن زياد، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
¬ (٥) الأحول، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
¬ (٦) عبد الرحمن النهدي، "ع" (١٦/ ٦٤٨).
٧٤٤٩ - حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ ¬ (١) بْنُ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي ¬ (٣)، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ ¬ (٤)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "اخْتَصَمَتِ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ¬ (٥) إِلَى رَبِّهِمَا فَقَالَتِ الْجَنَّةُ: يَا رَبِّ، مَا لَهَا ¬ (٦) لَا يَدْخُلُهَا
"حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ" في ن: "حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ".
===
¬(١) سمع عمه يعقوب بن إبراهيم، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٢) ابن عبد الرحمن بن عوف، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٣) أي: إبراهيم، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٤) عبد الرحمن بن هرمز، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٥) قوله: (اختصمت الجنة والنار) قال ابن بطال (١٠/ ٤٧١) عن المهلب: يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهمًا وكلامًا والله قادر على كل شيء، ويجوز أن يكون مجازًا كقولهم: "امتلأ الحوض وقال: قطني" والحوض لا يتكلم وإنما ذلك عبارة عن امتلائه، وأنه لو كان ممن ينطق لقال ذلك، وكذا في قول النار: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]. قال: وحاصل اختصامهما: افتخار إحداهما على الآخرى بمن يسكنها، فتظن النار أنها بمن ألقي فيها من عظماء الدنيا آثر عند الله من الجنة، وتظن الجنة أنها بمن أسكنها من أوليائه آثر عند الله! فأجيبتا: بأنه لا فضل لإحداهما على الأخرى من طريق من يسكنهما، وفي كلاهما شائبة شكاية إلى ربهما؛ إذ لم تذكر كل واحدة منهما إلا ما اختصت به، وقد رد الله تعالى الأمر في ذلك إلى مشيئته، "ف" (١٣/ ٤٣٦).
¬ (٦) فيه التفات لأن نسخ الكلام أن تقول ما لي، "ف" (١٣/ ٤٣٦).
стр. 10514
إِلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ ¬ (١) وَسَقَطُهُمْ ¬ (٢). وَقَالَتِ النَّارُ ¬ (٣)، فَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي. وَقَالَ لِلنَّارِ ¬ (٤): أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاء، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا ¬ (٥). قَالَ: فَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ ¬ (٦) لَا يَظْلِمُ
"وَقَالَتِ النَّارُ" زاد في ذ: "يَعْنِي: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ".
===
¬(١) قوله: (إلا ضعفاء الناس) فإن قلت: ما وجه الحصر وقد يدخل فيها غير الضعفاء من الأنبياء والملوك العادلة والعلماء العاملة؟ قلت: ذلك بالنظر إلى الأغلب فإن أكثرهم الفقراء والبله وأمثالهم، وأما غيرهم من أكابر الدين فهم قليلون، وقيل: معنى الضعيف: الساقط الخاضع لله المتواضع للخلق ضد المتكبر، كذا في "ك" (٢٥/ ١٥٩).
¬ (٢) قوله: (سقطهم) بفتحتين: جمع ساقط، وهو: النازل القدر الذي لا يعبأ به، وسقط المتاع: رديئه، "ف" (١٣/ ٤٣٦). بالفتحتين: الضعفاء الساقطون عن أعين الناس، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٣) قوله: (وقالت النار: يعني أوثرت) بالمتكبرين على صيغة المجهول أي: اختصصت، وهذا مقول القول أبرزه في بعض النسخ بقوله: "يعني أوثرت بالمتكبرين"، ولم يقع هذا في كثير من النسخ حتى قال ابن بطال (١٠/ ٤٧٢): سقط قول النار هاهنا من جميع النسخ. وقال الكرماني (٢٥/ ١٥٩): أين مقول القول؟ ثم قال: قلت: مقدر معلوم من سائر الروايات وهو: أوثرت بالمتكبرين، "ع" (١٦/ ٦٤٩).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ٤٨٤٨).
¬ (٥) بالكسر: ما يأخذه الإناء إذا امتلأ، "مجمع" (٤/ ٦٢٢).
¬ (٦) قوله: (فأما الجنة فإن الله … ) إلخ، قال عياض ["الإكمال " (١/ ٣٨٠)]: يحتمل أن يكون معنى قوله عند ذكر الجنة: "فإن الله … " إلخ: أنه يعذب من يشاء غير ظالم له كما قال: "أعذب بك من أشاء"، ويحتمل أن
стр. 10515
مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وَإِنَّهُ يُنْشِئُ لِلنَّارِ ¬ (١) مَنْ يَشَاءُ
===
يكون راجعًا إلى تخاصم الجنة والنار بأن الذي جعل لكل منهما عدل وحكمة وباستحقاق كل منهم من غير أن يظلم أحدًا، وقال غيره: يحتمل أن يكون على سبيل التلميح بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] فعبر عن ترك تضييع الأجر بترك الظلم، فالمراد أنه يدخل من أحسن الجنة التي وعد المتقين برحمته، "ف" (١٣/ ٤٣٧).
¬ (١) قوله: (ينشئ للنار) أي: يوجد ويخلق، وقال القابسي: المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقًا، وأما النار فيضع فيها قدمه، قال: ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقًا إلا هذا.
وقال الكرماني (٢٥/ ١٦٠): واعلم أن الحديث مرَّ في سورة "ق" (برقم: ٤٨٤٩) بعكس هذه الرواية، قال ثمة: "وأما النار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدًا، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقًا لا، وكذا في "صحيح مسلم"، فقيل: هذا وهم من الراوي إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله تعالى بخلاف الإنعام على غير المطيع، أقول: لا محذور في تعذيب الله تعالى من لا ذنب له إذ القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلة، فلو عذبه به لكان عدلًا، والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار، والله يفعل ما يشاء، ولا حاجة إلى الحمل على الوهم، والله أعلم، "ع" (١٦/ ٦٤٩ - ٦٥٠).
وعن المهلب [انظر "شرح ابن بطال" (١٠/ ٤٧٢)] قال: في هذه الرواية حجة لأهل السُّنَّة في قولهم: إن لله أن يعذب من لم يكلفه لعبادته في الدنيا؛ لأن كل شيء ملكه فلو عذبهم لكان غير ظالم لهم، انتهى.
وقد قال جماعة من الأئمة: إن هذا الموضع مقلوب، وجزم ابن القيم بأنه غلط، واحتج بأن الله تعالى أخبر بأن جهنم تمتلئ من إبليس وأتباعه، وكذا أنكر الرواية شيخنا [البلقيني] واحتج بقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾
стр. 10516
فَيُلْقَوْنَ ¬ (١) فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزيدٍ؟ ويُلْقَونَ فِيهَا، فَتَقُولُ: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثَلَاثًا ¬ (٢)، حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ ¬ (٣) فِيهَا فَتَمْتَلِئ، وَيُرَدُّ بَعْضُهَا
"حَتَّى يَضَعَ قَدَمَهُ فِيهَا فَتَمْتَلِئُ " في ن: "حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ فَتَمْتَلِئُ وَيَنْزَوِي". "وَيُرَدُّ " في ن: "وَتُرَدُّ"، وفي ن: "وَيُزوى" - أي: يضمّ، "ك" (٢٥/ ١٦٠)، "ع" (١٦/ ٦٥٠) -.
===
[الكهف: ٤٩]، ثم قال: وحمْلُه على أحجار تلقى في النار أقرب من حمله على ذي روح يعذب بغير ذنب، انتهى.
ويمكن التزام أن يكونوا من ذوي الأرواح، ولكن لا يعذبون، كما في "الخزنة". ويحتمل أن يراد بالإنشاء ابتداء إدخال الكفار النار، وعبر عن ابتداء الإدخال بالإنشاء فهو إنشاء الإدخال لا الإنشاء بمعنى ابتداء الخلق بدليل قوله: "فيلقون فيها وتقول: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ" وأعادها ثلاث مرات ثم قال: "حتى يضع فيها قدمه فحينئذ تمتلئ"، فالذي يملؤها - حتى تقول: حسبي - هو القدم كما هو صريح الخبر، "ف" (١٣/ ٤٣٧).
¬ (١) على صيغة المجهول، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٢) قوله: (هَلْ مِنْ مَزِيدٍ؟ ثلاثًا) أي: قالها ثلاث مرات، قال الزمخشري: المزيد إما مصدر [كالمجيد] وإما اسم مفعول كالمبيع، وقيل: هذا استفهام إنكار وإنها لا تحتاج إلى زيادتها، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٣) قوله: (قدمه) هذا لفظ من المتشابهات، [والحكم فيه] إما التفويض وإما التأويل، فقيل: المراد به التقدم، "ع" (١٦/ ٦٥٠)، وهو سائغ في اللغة "نووي" (٩/ ٢٠٦). أي: يضع الله فيها من قدَّمه لها من أهل العذاب أو ثمة مخلوق اسمه القدم، أو وضع القدم عبارة عن الزجر عليها والتسكين لها كما يقال: جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي، "ع" (١٦/ ٦٥٠). أو المراد: قدم بعض المخلوقين، فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق
стр. 10517
إِلَى بَعْضٍ وَتَقُول: قَطٍ قَطٍ قَطٍ" ¬ (١). [راجع: ٤٨٤٩، تحفة: ١٣٦٥١].
٧٤٥٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَال: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "لَيُصيبَنَّ أَقْوَامًا سَفْعٌ ¬ (٢) مِنَ النَّارِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهًا عُقُوبَةً ¬ (٣)، ثُمَّ يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ ¬ (٤) فَيُقَالُ لَهُمُ: الْجَهَنَّمِيُّونَ". قَالَ هَمَّامٌ ¬ (٥) ¬ (٦): حَدَّثَنَا قَتَادَة، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [راجع: ٦٥٥٩].
"أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كذا في قت، ذ، ولغيرهما: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ". "أَصابُوهَا" في ن: "أَصابَهَا". "قَالَ هَمَّامٌ " في ن: "قَالَ: هِشَامٌ". "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " في ن: "أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ".
===
المعلوم، "نووي". وقد أيد حمله على غير ظاهره ابن أبي جمرة بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾؛ إذ لو كان على ظاهره لكان أهل النار في نعيم المشاهدة كما يتنعم أهل الجنة برؤية ربهم، لأن مشاهدة الحق لا يكون معها عذاب، "ف" (١٣/ ٤٣٧).
¬ (١) ثلاث مرات، كذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها مرتين وهو الأظهر، "ع" (١٦/ ٦٥٠). فيه ثلاث لغات: سكون الطاء وكسرها منونة وغير منونة، "ك" (٢٥/ ١٦٠). معنى قط: حسب، وتكرارها للتأكيد، ويروى: قطي قطي أي: حسبي، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٢) بفتح المهملة وسكون الفاء ثم مهملة، هو أثر تغير البشرة فيبقى فيها بعض سواد، "ف" (١٣/ ٤٣٧).
¬ (٣) نصب على التعليل أي: لأجل العقوبة، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٤) فيه المطابقة، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٥) هذا طريق آخر في حديث أنس عن همام، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (٦) ابن يحيى، وقيل في بعض النسخ: هشام، قال الكرماني: قيل:
стр. 10518
٢٦ - بَابُ قَوْلِ اللهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ ¬ (١) السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ¬ (٢)﴾ [فاطر: ٤١]
٧٤٥١ - حَدَّثَنَا مُوسى ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ¬ (٤)، عَنِ الأَعْمَش ¬ (٥)، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ¬ (٦)، عَنْ عَلْقَمَةَ ¬ (٧)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (٨) قَالَ: جَاءَ حَبْرٌ ¬ (٩) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، إِنَّ اللَّهَ يَضَعُ ¬ (١٠)
"بَابُ قَوْلِ اللَّهِ" في ن: "بَاب فِي قَوْلِ اللَّهِ تعالَى"، وفي ن: "قَوْلُ اللَّهِ".
===
هو الصحيح، والفرق بين الطريقين أن الأولى بلفظ العنعنة، والثانية بلفظ التحديث، "ع" (١٦/ ٦٥٠).
¬ (١) الإمساك: المنع، وقال الراغب: إمساك الشيء: التعلق به وحفظه، "ف" (١٣/ ٤٣٨).
¬ (٢) أي: كراهة أن تزول، قاله الزمخشري، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٣) ابن إسماعيل.
¬ (٤) الوضاح اليشكري، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٥) سليمان، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٦) النخعي، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٧) ابن قيس، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٨) ابن مسعود، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (٩) أي: عالم اليهود، "ك" (٢٥/ ١٦١)، "قس" (١٥/ ٤٩٣)، بفتح الحاء المهملة، وجاء كسرها بعدها باء موحدة ساكنة ثم راء، "ع" (١٦/ ٦٥١).
¬ (١٠) فيه المطابقة؛ لأن معناه في الحقيقة: يمسك، "ع" (١٦/ ٦٥١). وفي "باب قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ " بلفظ: "إن الله يمسك" وهو المطابق للترجمة لكن جرى على عادته في الإشارة، "ف" (١٣/ ٤٣٨).
стр. 10519
السَّمَاءَ عَلَى إِصْبَعٍ ¬ (١) ¬ (٢)، وَالأَرْضَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ وَالأَنْهَارَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ، ثُمَّ يَقُولُ بِيَدِهِ: أَنَا الْمَلِكُ. فَضحِكَ ¬ (٣) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ:
"وَالأَرْضَ" في ن: "وَالْأرَضِينَ".
===
¬(١) قوله: (على إصبع) من المتشابهات، مرَّ مرارًا، وقال المهلب (١٠/ ٤٧٣): فإن قيل: الآية مقتضية أن السماء والأرض ممسكتان بغير آلة يعتمد عليها، والحديث أنهما ممسكتان بالإصبع؟ قلنا: لا يلزم منه الإمساك بالإصبع، وكيف ولو كان بالإصبع لتسلسل إذ لا بد للإصبع من ممسك أيضًا، وهلم جرًّا. وأجاب غير المهلب: بأن الإمساك في الآية يتعلق بالدنيا، وفي الحديث بيوم القيامة، "ف" (١٣/ ٤٣٨). [انظر "الكرماني" (٢٥/ ١٦١)].
¬ (٢) قوله: (إصبع) فيه مذهبان التأويل والإمساك عنه مع الإيمان بها، مع أن الاعتقاد أن الظاهر غير مراد، فعلى قول المتأولين يتأول الأصابع هاهنا على الاقتدار، أي: خلقها مع عظمها بلا تعب ولا ملل، والناس يذكرون الأصابع في مثل هذا للمبالغة والاحتقار فيقول أحدهما: بإصبعي أقتل زيدًا ينوي لا كلفة علي في قتله، وقيل: يحتمل أن المراد أصابع بعض مخلوقاته، وهذا غير ممتنع، والمقصود أن يد الجارحة مستحيلة، "نووي" (٩/ ١٤٥). [وفي "اللامع" (١٠/ ٣٧٤): الغرض في الباب إثبات الأصابع لله تعالى كما الوجه واليد وغيرهما].
¬ (٣) قوله: (فضحك … ) إلخ، ظاهر الحديث أن النبي ﷺ صدق الخبر في قوله: "إن الله يمسك السماوات والأرضين والمخلوقات بالأصابع" ثم قرأ الآية التي فيها الإشارة إلى نحو ما قال، وقال القاضي: وقال بعض المتكلمين: ليس ضحكه ﷺ وتعجبه وتلاوته الآية تصديقًا للحبر، بل هو رد
стр. 10520
﴿¬ (١) وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ ¬ (٢) حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: ٩١]. [راجع: ٤٨١١، أخرجه: م ٢٧٨٦، س في الكبرى ١١٤٥٢، تحفة: ٩٤٢٢].
٢٧ - بَابُ مَا جَاءَ فِي تَخْلِيقِ السَّمَوَاتِ ¬ (٣) وَالأَرْضِ وَغَيْرِهَا مِنَ الْخَلَائِقِ
وَهُوَ فِعْلُ الرَّبِّ ¬ (٤) وَأَمْرُهُ ¬ (٥)، فَالرَّبُّ بِصِفَاتِهِ ¬ (٦) وَفِعْلِهِ ¬ (٧) ¬ (٨) وَأَمْرِهِ،
"تَخْلِيقِ " في هـ: "خَلقِ". "وَالأَرْضِ " في هـ: "وَالْأرَضِينَ".
===
لقوله وإنكار وتعجب من سوء اعتقاده، فإن مذهب اليهود التجسيم ففهم منه ذلك، " نووي" (٩/ ١٤٥).
¬ (١) تمامها: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].
¬ (٢) أي: ما عرفوه حق معرفته، "مج" (٤/ ٢٢٨). مرَّ الحديث (برقم: ٤٨١١).
¬ (٣) كذا في رواية الكشميهني، وهو المطابق للآية، "قس" (١٥/ ٤٩٤). [الغرض من الباب ظاهر، وهو مسألة التكوين، انظر "اللامع" (١٠/ ٣٧٤)].
¬ (٤) أي: الخلق أو التخليق، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٥) بأن يقول: كن، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٦) كالقدرة، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٧) أي: خلقه، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٨) قوله: (وفعله) سقط قوله: "وفعله" في بعض النسخ. قال الكرماني: وهو أولى ليصح لفظ غير مخلوق، كذا قال، وسياق المصنف يقتضي التفرقة بين الفعل وما ينشأ عن الفعل، فالأول: من صفات الفاعل، والباري غير مخلوق، فصفاته غير مخلوقة. وأما مفعوله - وهو ما ينشأ عن فعله - فهو مخلوق، ومن ثم عقبه بقوله: "وما كان بفعله وأمره … " إلخ.
стр. 10521
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
ثم وجدت بيان مراده في كتابه الذي أفرده في "خلق أفعال العباد" [ص: ١١٢] فقال: اختلف الناس في الفاعل والفعل والمفعول فقالت القدرية: الأفاعيل كلها من البشر، وقالت الجبرية: الأفاعيل كلها من الله، وقالت الجهمية: الفعل والمفعول واحد ولذلك قالوا: "كن" مخلوق، وقال السلف: التخليق فعل الله وأفاعيلنا مخلوقة، ففعل الله صفة الله والمفعول من سواه من المخلوقات، انتهى.
ومسألة التكوين مشهورة بين المتكلمين، وأصلها: أنهم اختلفوا هل صفة الفعل قديمة أو حادثة؟ فقال جمع من السلف منهم أبو حنيفة - رحمه الله تعالى -: هي قديمة، وقال آخرون منهم ابن كلاب والأشعري: هي حادثة لئلا يلزم أن يكون المخلوق قديمًا، وأجاب الأول بأنه يوجد في الأزل صفة الخلق ولا مخلوق، وأجاب الأشعري بأنه لا يكون خلق ولا مخلوق كما لا يكون ضارب ولا مضروب، فألزموه بحدوث صفات فيلزم حلول الحوادث بالله، فأجاب: بأن هذه الصفات لا تحدث في الذات شيئًا جديدًا. فتعقبوه: بأنه يلزم أن لا يسمى في الأزل خالقًا ولا رازقًا، وكلام الله قديم، وقد ثبت فيه أنه الخالق الرازق! فانفصل بعض الأشعرية بأن إطلاق ذلك إنما هو بطريق المجاز، وليس المراد بعدم التسمية عدمها بطريق الحقيقة. ولم يرتض هذا بعضهم بل قال - وهو المنقول عن الأشعري نفسه -: إن الأسامي جارية مجرى الأعلام، والعلم ليس بحقيقة ولا مجاز في اللغة، وأما في الشرع فلفظ الخالق الرازق صادق عليه تعالى بالحقيقة الشرعية، والبحث إنما هو فيها لا في الحقيقة اللغوية. فألزموه بتجويز إطلاق اسم الفاعل على من لم يقم به الفعل. فأجاب: بأن الإطلاق هاهنا شرعي لا لغوي. وتصرف البخاري في هذا الموضع يقتضي موافقة القول الأول، والصائر إليه يسلم من الوقوع في مسألة حوادث لا أول لها، وبالله التوفيق.
стр. 10522
وَكَلامِهِ ¬ (١) هُوَ الْخَالِقُ الْمُكَوِّنُ ¬ (٢) غَيْرُ مَخْلُوقٍ، وَمَا كَانَ بِفِعْلِهِ وَأَمْرِهِ وَتَخْلِيقِهِ وَتَكْوِينِهِ فَهُوَ مَفْعُولٌ مَخْلُوقُ ¬ (٣) مُكَوَّنٌ ¬ (٤).
٧٤٥٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ ¬ (٥)،
"وَكَلامِهِ " ثبت في ذ. "الْمُكَوِّنُ " في ن: "هُوَ الْمُكَوِّنُ". "أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ" في ن: "حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ".
===
وأما ابن بطال (١٠/ ٤٧٥) فقال: غرضه: بيان أن جميع السماوات والأرض وما بينهما مخلوق؛ لقيام دلائل الحدوث بها ولقيام البرهان على أن لا خالق غير الله. وبطلان قول من يقول: إن الطبائع خالقة أو الأفلاك أو النور أو الظلمة أو العرش، فلما فسدت جميع هذه المقالات - لقيام الدليل على حدوث ذلك كله وافتقاره إلى محدث لاستحالة وجود محدث لا محدث له وكتاب الله شاهد بذلك كآية الباب - استدل بآيات السماوات والأرض على وحدانيته تعالى وقدرته وأنه الخلاق العظيم وأنه خلاق سائر المخلوقات لانتفاء الحوادث عنه الدالة على حدوث من يقوم به وأن ذاته وصفاته غير مخلوقة، والقرآن صفة له هو غير مخلوق، ولزم منه أن كل ما سواه كان عن أمره وتكوينه وكل ذلك مخلوق له، انتهى، "ف" (١٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠).
¬ (١) من عطف العام على الخاص؛ لأن المراد بالأمر هاهنا هو قوله: كن، وهو من جملة كلامه، ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٢) بتشديد الواو المكسورة، "ف" (١٣/ ٤٣٩).
¬ (٣) فائدة تكرار هذه الألفاظ بيان اتحاد معانيها وجواز الإطلاق عليه، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٤) بتشديد الواو المفتوحة، "ف" (١٣/ ٤٣٩).
¬ (٥) ابن أبي مسلم مولى عبد الله بن العباس، "ك" (٢٥/ ١٦١).
стр. 10523
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ¬ (١) قَالَ: بِتُّ فِي بَيْتِ مَيمُونَةَ ¬ (٢) لَيْلَةً وَالنَّبِيُّ ﷺ عِنْدَهَا لأَنْظُرَ كَيفَ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ باللَّيلِ ¬ (٣)، فَتَحَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ أَهْلِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَقَدَ، فَلَمَّا كَانَ ثُلُثُ اللَّيلِ الآخِرُ أَوْ بَعْضُهُ قَعَدَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَقَرَأَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ثُمَّ قَامَ فَتَوَضَّأَ وَاسْتَنَّ ¬ (٤)، ثُمَّ صَلَّى إِحْدَى عَشِرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ فَصلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ. [راجع: ١١٧، أخرجه: م ٧٦٣، تحفة: ٦٣٥٥].
٢٨ - بَابٌ ¬ (٥) قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ ¬ (٦) كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات: ١٧١]
"بِاللَّيْلِ " ثبت في هـ، ذ. "أَوْ بَعْضُهُ " في هـ، ذ: "أَوْ نِصْفُهُ". "ثُمَّ أَذَّنَ " في ن: "فَأَذَّنَ". "قَولُهِ " سقط في ن.
===
¬(١) عبد الله.
¬ (٢) هي خالة عبد الله بن عباس ﵃، "ك" (٢٥/ ١٦٢).
¬ (٣) مرَّ الحديث (برقم: ٤٥٦٩).
¬ (٤) أي: استاك، "ع" (١٦/ ٦٥٢)، "ك" (٢٥/ ١٦٢).
¬ (٥) بالتنوين، "قس" (١٥/ ٤٩٦).
¬ (٦) قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ الكلمة التي سبقت هي كلمة الله بالقضاء المتقدم منه قبل أن يخلق خلقه في أم الكتاب الذي جرى به القلم [للمرسلين]: أنهم لهم المنصورون في الدنيا والآخرة، "ع" (١٦/ ٦٥٢). وأشار به إلى ترجيح القول بأن الرحمة من صفات الذات لكون الكلمة من صفات الذات فمهما استشكل في إطلاق السبق في صفة الرحمة جاء مثله في صفة الكلمة، ومهما أجيب عن قوله: " ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ حصل به الجواب عن
стр. 10524
٧٤٥٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ¬ (١)، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ ¬ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: "لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ ¬ (٣) كَتَبَ عِنْدَهُ ¬ (٤) فَوْقَ عَرْشِهِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ¬ (٥).
[راجع: ٣١٩٤، أخرجه: س في الكبرى ٧٧٥٧، تحفة: ١٣٨٢٨].
٧٤٥٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ ¬ (٦) قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ ¬ (٧) زيدَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَبدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ:
"حَدَّثَنِي مَالِكٌ" في ن: "قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك". "يَقُولُ " كذا في س، ح، ذ، وفي هـ، ذ: "قَالَ".
===
قوله: "سبقت رحمتي"، وقد غفل عن مراده من قال: دل وصف الرحمة بالسبق على أنها من صفات الفعل، وقد سبق في شرح الحديث قول من قال: المراد بالرحمة إرادة إيصال الثواب، وبالغضب إرادة إيصال العقوبة، فالسبق حينئذ بين متعلقي الإرادة فلا إشكال، "ف" (١٣/ ٤٤١).
¬ (١) ابن أبي أويس.
¬ (٢) عبد الرحمن بن هرمز، "ع" (١٦/ ٦٥٢).
¬ (٣) أي: أتمه، "ع" (١٦/ ٦٥٣)، "ك" (٢٥/ ١٦٢)، أي: خلقهم، وكل صنعة متقنة فهي قضاء، "ف" (١٣/ ٤٤١).
¬ (٤) أي: أثبت في اللوح المحفوظ، "ك" (٢٥/ ١٦٢)، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٥) فإن قلت: صفاته تعالى قديمة فكيف يتصور السبق بينهما؟ قلت: هما من صفات الفعل لا من صفات الذات، فجاز سبق أحد الفعلين على الآخر، وذلك لأن إيصال الخير من مقتضيات صفته بخلاف غيره فإنه بسبب معصية العباد، "ك" (٢٥/ ١٦٢).
¬ (٦) ابن أبي إياس، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٧) مرَّ الحديث (برقم: ٦٥٩٤).
стр. 10525
حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ ¬ (١) الْمَصْدُوقُ ¬ (٢): "إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ ¬ (٣) فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيلَةً، تُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً ¬ (٤) مِثْلَه، ثُمَّ يَكُونُ مُضغَةً مِثْلَه، ثُمَّ يَبعَثُ اللَّهُ إِلَيهِ الْمَلَكَ فَيُؤْذَنُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ¬ (٥)، فَيَكْتُبُ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ،
"أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً" في ن: "وَأَرْبَعِينَ لَيلَةً". "ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إِلَيْهِ الْمَلَكَ " كذا في س، ح، ذ، وفي ن: "ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ". "أَوْ سَعِيدٌ" في ن: "أَمْ سَعِيدٌ".
===
¬(١) أي: في نفسه، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٢) أي: من عند الله، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٣) قوله: (يجمع) قالوا: إن النطفة إذا وقعت في الرحم وأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارت في أطراف المرأة تحت كل شعرة وظفر فتمكث أربعين يومًا ثم تنزل دمًا في الرحم فذلك معنى جمعها، "ك" (٢٥/ ١٦٣)، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٤) أي: دمًا جامدًا، "مجمع" (٣/ ٦٦١).
¬ (٥) قوله: (فيؤذن بأربع كلمات) نقل ابن التين عن الداودي أنه قال: في هذا الحديث رد على من قال: إن الله لم يزل متكلمًا بجميع كلامه لقوله: "فيؤمر بأربع كلمات"؛ لأن الأمر بالكلمات إنما يقع عند التخليق، وكذا قوله: "ثم ينفخ فيه الروح" وهو إنما يقع بقوله: "كن" وهو من كلامه سبحانه. قال: ويردّ قول من قال: إنه لو شاء لعذب أهل الطاعة. ووجه الردّ أنه ليس من صفة الحكيم أن يتبدل علمه، وقد علم في الأزل من يرحم ومن يعذب. وتعقبه ابن التين بأنهما كلام أهل السُّنَّة ولم يحتج لهم، ووجه الرد على ما ادعاه الداودي، أما الأول: فالآمر إنما هو الملك، ويحمل على أنه يتلقاه من اللوح المحفوظ، وأما الثاني: فالمراد أنه لو قدر ذلك في الأزل لوقع فلا يلزم ما قال، "ف" (١٣/ ٤٤١).
стр. 10526
ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، لَا يَكُونُ بَيْنَهَا وَبَينَهُ إِلَّا ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ ¬ (١) الْكِتَابُ ¬ (٢)، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَينَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ ¬ (٣) فَيَسْبِقُ عَلَيهِ الْكِتَاِب، فَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا" ¬ (٤). [راجع: ٣٢٠٨].
٧٤٥٥ - حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ ¬ (٥) قَالَ: سمِعْتُ أَبِي يُحَدِّث، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَا جِبْرَئِيلُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا". فَنَزَلَتْ:
"فَإِنَّ أَحَدَكُمْ" في ن: "وَإِنَّ أَحَدَكُمْ". "لَا يَكُونُ " في ن: "حَتَّى لَا يَكُونَ " وفي س، ح، ذ: "حَتَّى مَا يَكُونُ". "عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ" في ن: "بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ". "حَتَّى مَا يَكُونُ " في ن: "حَتَّى لَا يَكُونَ". "بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا" في ن: "بَيْنَهَا وَبَينَهُ".
===
¬(١) مطابقته للترجمة في قوله: "فيسبق عليه الكتاب"، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٢) أي: ما قدر عليه، "ك" (٢٥/ ١٦٣)، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٣) المراد بالذراع: التمسك بقربه إلى الموت، "ك (٢٥/ ١٦٣)، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٤) قوله: (فيدخلها) فيه: أن الأعمال من الحسنات والسيئات أمارات لا موجبات، وأن مصير الأمر في العاقبة إلى ما سبق به القضاء وجرى به التقدير، "ك" (٢٥/ ١٦٣)، "ع" (١٦/ ٦٥٣).
¬ (٥) بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء، الهمداني الكوفي يروي عن أبيه ذر بن عبد الله، "ع" (١٦/ ٦٥٤).