المقدِّمة على حاشية "صحيح البُخاري" للإمام العلَّامة المحدِّث الشيخ أحمد علي السَّهارنفوري
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمدُ للّه الذي وفَّقنا لخدمة أقوال النَّبِيِّ وأحواله صلَّى اللّه وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه، وبعد:
فيقولُ العبد الضعيف الخادم للحديث النبوي أحمد علي السهارنفوريُّ (١) توطنًا، والإسحاقيُّ (٢) تتلمذًا، والحنفيُّ مذهبًا:
لمَّا كان من توفيق اللّه إيّاي وحسن كرامته علَيَّ أنِّي قد صرَفتُ عدّةَ سنين من عُمري في تصحيح "الصحيح" للإمام الْهُمام أمير المؤمنين في الحديث أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البُخاري، وعلّقتُ عليه من التعليقات التي تُغني عن حلِّ الكتاب ومآربه، وربط تراجمه بما في أبوابه، فأردتُ أن أُلْحِق في أوَّله مُقدمةً مشتملةً على الأمور التي يَحتاج إليها مَنْ يشتغل بهذا الكتاب، فربَّبْتُه (٣) على فُصولٍ.
* * *
стр. 71
الفَصْلُ الأوّلُ في أحْوال المُؤَلِّف
هو إمام الدنيا في الحديث، شيخ الإسلام أبو عبد اللّه محمد بن إسماعيل (١) بن إبراهيم (٢) بن المغيرة بن بَرْدِزْبَه - بفتح موحدة فسكون راء فدال مهملة مكسورة فزاي ساكنة فموحدة فهاء (٣) -، كلمةٌ فارسية، معناها: الزرّاع، وبردزبه مجوسي، مات عليها، وابنه المغيرة أسلم على يد اليمان البخاري الجُعْفي والي بخارى، ويمان هذا هو أبو [جَدِّ] عبد اللّه (٤) بن
стр. 72
محمد بن جعفر بن اليمان المُسْنَدي (١) - بفتح النون - شيخ البخاري، وإنما قيل للبخاري: جُعفي، لأنه مولى اليمان الجُعفي (٢) ولاءَ إسلام.
وكان البخاري نَحِيفَ الجسم، ليس بالطويل ولا بالقَصِير، وكان زاهدًا في الدُّنيا ومتورّعًا، وورث من أبيه مالًا كثيرًا، فكان يتصدّق به، وكان قليل الأكل جدًّا، كثير الإحسان إلى الطَّلَبَةِ، مُفْرِطًا في الجود والكرم.
واتّفقوا على أن البخاري وُلدَ بعدَ صلاة الجمعة لثلاث عشرة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، وأنه تُوفّي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر، ودُفن يوم الفطر بعد الظهر سنة ستّ وخمسين ومائتين، وله اثنتان وستُّون سنة إلَّا ثلاثة عشر يومًا، ودفن بـ "خرتنك (٣) ": قرية على فرسخين من سمرقند، ولم يعقِّب ولدًا ذكرًا، ولمَّا صُلِّي عليه ووُضِع في حُفْرته، فادع من تُراب قبرِه رائحةٌ طيّبة كالمسك، وجعل الناس يختلفون إلى قبره مدةً يأخذون من تراب قبره، ويتعجبون من ذلك، ولنِعم ما قيل [باللغة الفارسية]:
стр. 73
جَمَالِ هَمْنَشِين دَرْ مَنْ أثَرْ كَرْدْ … وكرْنَهْ مَنْ هُمَانْ خَا كَمْ كِه هَسْتَمْ
قال بعضهم: رأيتُ النَّبِيّ ﷺ في المنام، ومعه جماعة من الصحابة، وهو واقف، فسلَّمتُ عليه، فردَّ على السّلامَ، فقلتُ: ما وقوفك هنا يا رسول اللّه؟ قال: أنتظر محمد بن إسماعيل، قال: فلمّا كان بعد أيام بلغَني موتُه، فنظرتُ فإذا هو قد مات في الساعة التي رأيتُ النَّبِيّ ﷺ فيها (١).
وروي عن [يحيى بن] جعفر بن أعيُن الأزْدي (٢) أنه قال: لو قدرتُ على أن أزيد من عمري في عُمر البُخاري لفعلتُه؛ لأنَّ موتي موتُ أحدٍ من الناس، وموت البخاري ذهاب العلم وموت العَالَم، ونِعْمَ ما قيل:
إذا ما مات ذُو عِلْمٍ وفَتْوَى … فقد وقعتْ مِنَ الإسلام ثُلْمة
وقد جمع البعض تاريخ ولادته ومدة حياته ووفاته في بيت، فقال:
كان البُخاري حافظًا ومحدِّثًا … جمع الصحيح مُكمّل التحرير
ميلاده صدق [١٩٤] ومدّة عمره … فيها حميد [٦٢] وانقضى في نور [٢٥٦]
قال الفربري (٣): رأيتُ محمد بن إسماعيل البُخاري في النوم خلف
стр. 74
النَّبِيِّ ﷺ ، والنبيُّ ﷺ يمشي، كلَّما رفع قدمَه وضَع البُخاريُّ قدمَه في ذلك الموضع.
وعن محمد بن حَمْدُويَه (١) قال: سمعتُ محمد بن إسماعيل البُخاريَّ يقول: أحفظُ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح.
وعن محمد بن بشَّار (٢) شيخ البُخاريِّ ومسلم قال: حُفَّاظ الدنيا أربعة: أبو زُرعة بالريِّ، ومسلم بن الحجَّاج بنيسابور، وعبد اللّه بن عبد الرحمن الدَّارميُّ بسمرقند، ومحمد بن إسماعيل ببخارى.
قال علي بن حُجر (٣): أخرجتْ خراسانُ ثلاثةَّ: أبا زُرعةَ بالريِّ، ومحمد بن إسماعيل ببخارى، والدارميَّ بسمرقند، قال: والبُخاريُّ أعلمهم وأبصرهم وأفهمهم.
قال الإمام أحمد بن حنبل (٤): ما أخرجَتْ خُراسانُ مثلَ محمد بن إسماعيل.
قال إسحاق بن راهويه (٥): يا معشرَ أصحاب الحديث! انظروا إلى
стр. 75
هذا الشاب، واكتبوا عنه، فإنه لو كان في زمن الحسن البصري لاحتاج إليه لمعرفة الحديث وفقهه.
قال أبو عيسى الترمذي (١): لم أَرَ بالعراق ولا بخُراسان في معنى العِلَل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أَعلمَ من محمد بن إسماعيل.
وروي عن الإمام مسلم بن الحجَّاج (٢) أنه قال للبخاري: لا يُبغِضك إلَّا حاسدٌ، وأشْهد أنه ليس في الدنيا مثلك.
وروى الحاكم أبو عبد اللّه (٣) في "تاريخ نيسابور" بإسناده عن أحمد بن حمدون (٤): قال: جاء مسلم بن الحجاج إلى البُخاري، فقبّل بين عينيه، وقال: "دَعْني أُقَبِّل رجليك يا أستاذ الأستاذين، ويا سيِّد المحدثين، وبا طبيب الحديث في عِلَله".
قال الإمام محمد بن إسحاق بن خُزَيمة (٥): ما رأيتُ تحت أَديم السماء أعلمَ بحديث رسول اللّه ﷺ من محمد بن إسماعيل البُخاري.
стр. 76
قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي (١): وحسبك بإمام الأئمة ابن خزيمة يقول فيه هذا القول مع لُقِيّه الأئمة والمشايخ شرقًا وغربًا.
وفي "التهذيب" (٢): قال الحاكم أبو عبد اللّه في "تاريخ نيسابور": ممَّن سمع منه البُخاريُّ بمكَّة: أبو الوليد أحمد بن محمد الأزرقي [ت ٢١٢ هـ]، وعبد اللّه بن يزيد المُقْرِئ [ت ٢١٣ هـ]، وإسماعيل بن سالم الصّائغ، وأبو بكر عبد اللّه بن الزُّبَير الحميدي [ت ٢١٩ هـ]، وأقرانهم.
وبالمدينة: إبراهيم بن المُنذِر الحزامي [ت ٢٣٦ هـ]، ومُطَرِّف بن عبد اللّه [ت ٢٢٠ هـ]، وإبراهيم بن حمزة [ت ٢٣٠ هـ]، وأبو ثابت محمد بن عُبيد اللّه، وعبد العزيز بن عبد اللّه الأويسي، وأقرانهم.
وبالشام: محمد بن يوسف الفريابي [ت ٢١٢ هـ]، وأبو النضر (٣) إسحاق بن إبراهيم [ت ٢٢٧ هـ]، وآدم بن أبي إياس [ت ٢٢١ هـ]، وأبو اليمان الحكم بن نافع [ت ٢٢٢ هـ]، وحَيْوة بن شُريح [ت ٢٢٤ هـ]، وأقرانهم.
وببُخارى: محمد بن سلام البِيكَنْدي [ت ٢٢٧ هـ]، وعبد اللّه بن محمد المسندي [ت ٢٢٩ هـ]، وهارون بن الأشعث، وأقرانهم.
وبمَرْو: علي بن الحَسَن بن شَقيق [ت ٢١٥ هـ]، وعبدان، ومحمد بن مقاتل [ت ٢٢٦ هـ]، وأقرانهم.
стр. 77
وببلخ: مكي بن إبراهيم [ت ٢٢٥ هـ]، ويحيى بن بِشْر [ت ٢٣٢ هـ]،
ومحمد بن أبان [ت ٢٤٥ هـ]، والحسن بن شجاع (١) [ت ٢٤٤ هـ]، ويحيى بن
موسى [ت ٢٤٠ هـ]، وقتيبة [ت ٢٤٠ هـ]، وأقرانهم، وقد أكثر بها.
وبهراة: أحمد بن أبي الوليد الحنفي [ت ٢٣٢ هـ].
وبنيسابور: يحيى بن يحيى [ت ٢١٦ هـ]، وبشر بن الحكم [ت ٢٣٧ هـ]، وإسحاق بن راهويه [ت ٢٣٨ هـ]، ومحمد بن رافع [ت ٢٤٥ هـ]، ومحمد بن يحيى الذهلي [ت ٢٥٨ هـ]، وأقرانهم.
وبالري: إبراهيم بن موسى [توفي بعد ٢٢٠ هـ].
وببغداد: محمد بن عيسى الطبّاع [ت ٢٢٤ هـ]، ومحمد بن سابق (٢) [ت ٢١٣ هـ]، وسُريج - بالسين المهملة والجيم - ابن النعمان [ت ٢١٧ هـ]، وأحمد بن حنبل [ت ٢٤١ هـ]، وأقرانهم.
وبواسِط: حسَّان بن حسَّان (٣)، وحسان بن عبد اللّه [ت ٢٢٣ هـ]، وسعيد بن سليمان [ت ٢٢٥ هـ]، وأقرانهم.
وبالبصرة: أبو عاصم النَّبِيل [ت ٢١٢ هـ]، وصفوان بن عيسى (٤)
стр. 78
[ت ٢٠٠ هـ]، وبَدَل بن المُحَبَّر - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة -[ت ٢١٢ هـ]، وحَرَمِيّ بن عُمارة (١) [ت ٢٠١ هـ]، وعفّان بن مسلم [ت ٢١٩ هـ]، ومحمد بن عَرْعَرة [ت ٢١٣ هـ]، وسليمان بن حرب [ت ٢٢٤ هـ]، وأبو الوليد الطيالسي [ت ٢٢٧ هـ]، وعارم [ت ٢٢٣ أو ٢٢٤ هـ]، ومحمد بن سنان [ت ٢٢٣ هـ]، وأقرانهم.
وبالكوفة: عَبْد اللّه بن موسى (٢) [ت ٢١٣ هـ]، وأبو نُعيم [ت ٢١١ هـ]، وأحمد بن يعقوب [ت ٢١٢ هـ]، وإسماعيل بن أبان [ت ٢١٦ هـ]، والحسن بن الرّبيع [ت ٢٢١٠ هـ]، وخالد بن مخلد [ت ٢١٣ هـ]، وسعيد بن حفص (٣) [ت ٢٣٧ هـ]، وطلق بن غَنَّام - بالمعجمة -[ت ٢١١ هـ]، وعمرو بن حفص [ت ٢٢٢ هـ]،
стр. 79
وفروة (١) [ت ٢٢٥]، وقَبِيصة بن عُقْبة [ت ٢١٥ هـ]، وأبو غسّان [ت ٢١٧ هـ]، وأقرانهم.
وبمصر: عُثمان بن صالح [ت ٢١٩ هـ]، وسعيد بن أبي مريم [ت ٢٢٤ هـ]، وعبد اللّه بن صالح [ت ٢٢٢ هـ]، وأحمد بن شَبِيب (٢) [ت ٢٢٩ هـ]، وأصبغ بن الفَرج [ت ٢٢٥ هـ]، وسَعِيد بن عيسى [ت ٢١٩ هـ]، وسَعِيد بن كثير بن عفير [ت ٢٢٦ هـ]، ويحيى بن عبد اللّه بن بُكير [ت ٢٣١ هـ]، وأقرانهم.
وبالجزيرة (٣): أحمد بن عبد الملك الْحَرَّاني [ت ٢٢١ هـ]، وأحمد بن
стр. 80
يزيد الْحَرَّاني، وعَمْرو بن خلف، وإسماعيل بن عبد اللّه الرقي، وأقرانهم.
قال الحاكم أبو عبد اللّه: فقد رحل البُخاري - رحمه اللّه تعالى - إلى هذه البلاد المذكورة في طلب العلم، وأقام في كل مدينة منها على مشايخها، قال: وإنما سَمَّيتُ من كل ناحية جماعة من المتقدمين؛ ليُستدل به على عالي إسناده، وباللّه التوفيق.
وروينا عن الخطيب البغدادي قال: رحل البُخاري - رحمه اللّه تعالى - إلى محدِّثي الأمصار، وكتب بخراسان والجبال ومدن العراق كلها وبالحجاز والشام ومصر، وورد بغداد دفعات، وروينا من جهات عن جعفر بن محمد القطان قال: سمعتُ البخاري يقول: كتبتُ عن ألف شيخ من العلماء وزيادة، وليس عندي حديث إلَّا أذكر إسناده.
وأما الآخذون عن البُخاري: فأكثر من أن يحصروا وأشهر من أن يذكروا، وقد روينا عن الفربري قال: سمع "الصحيح" من البُخاري تسعون (١) ألف رحل، فما لقى أحد يرويه غيري، وقد رَوى عنه خلائق غير ذلك.
стр. 81
وممَّن روى عنه: الأئمة الأعلام: أبو الحُسين مُسلم بن الحجاج صاحب "الصحيح" [ت ٢٦١ هـ]، وأبو عيسى الترمذي [ت ٢٧٩ هـ]، وأبو عبد الرحمن النسائي [ت ٣٠٣ هـ]، وأبو حاتم [ت ٢٧٧ هـ]، وأبو زرعة [ت ٢٦٤ هـ] الرازيان، وأبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق الحربي الإمام [٢٨٥ هـ]، وصالح بن محمد جزرة الحافظ [ت ٢٩٣ هـ]، وأبو بكر بن خزيمة [ت ٣١١ هـ]، ويحيى بن محمد بن صاعد [ت ٣١٨ هـ]، ومحمد بن عبد اللّه مُطَيَّن [ت ٢٩٧ هـ]، وكل هؤلاء أئمة حفَّاظ، وآخَرون من الحفاظ وغيرهم، انتهى.
وفي "التيسير": قال البُخاري - رحمه اللّه تعالى -: خرَّجت كتاب "الصحيح" من زهاء ستمائة ألف حديث، وما وضعت فيه حديثًا إلَّا وصليت ركعتين. ولمّا قَدِم بَغْدادَ جاءه أصحاب الحديث، وأرادوا امتحانَه، فعَمدوا إلى مائة حديث، فقلّبوا متونها وأسانيدها، ودفعوها إلى عشرة رجال وأمروهم أن يُلقوها إليه، فانتدب - أي: تكفل - رجل منهم، فسأله عن حديث منها، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخَرَ، فقال: لا أعرفه، حتى فرغ من العشرة، فكان حاله معه كذلك إلى تمام العشرة، والبُخاري لا يزيدهم على قوله: لا أعرفه، فأما العلماء فعرفوا بإنكاره أنّه عارفٌ، وأما غيرهم فلم يُدركوا ذلك، فلما فرغوا التفت البُخاري إلى الأول منهم، فقال: أما حديثك الأول فهو كذا، وأما الثاني فكذا … على النسق إلى آخر العشرة، فردّ كلَّ متن إلى إسناده، وكلّ إسناد إلى متنه، ثم فعل بالباقين مثل ذلك؛ فأقرّ الناس له بالحِفظ، وأذْعنوا له بالفضل، انتهى (١).
و"كتاب المبسوط"، وغير ذلك (١).
ورُوِي عنه أنه قال: رويت الحديث عن ألف وثمان مائة محدِّث، وروى عنه خلق كثير، قيل: روَى عنه مائة ألف محدث، هذه نبذة من شمائله وصفاته.
قال النووي في "التهذيب": (٢) ومناقبه لا تُستقصى لخروجها عن أن تُحصى، وهي منقسمة إلى حفظٍ ودرايةٍ واجتهادٍ في التحصيل وروايةٍ ونسكٍ وإفادةٍ وورعٍ وزهادةٍ وتحقيقٍ وإتقانٍ وعرفانٍ وأحوالٍ وكراماتٍ وغيرها من المَكرُمات.
﵁ وأرضاه، وجمع بيني وبينه وجميع أحبابنا في دار كرامته مع مَن اصطفاه، وجزاه عني وعن سائر المسلمين أكمل الجزاء، وحباه من فضله أبلغ الحباء.
* * *
стр. 84
الفَصْل الثاني في أحوال "الجامع الصحيح"
أما اسمه: فسمَّاه مؤلِّفه - رحمه اللّه تعالى - "الْجَامِعَ المُسْنَدَ الصَّحيحَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ أُمُورِ رَسُولِ اللّهِ ﷺ وَسُنَنِهِ وَأَيَّامِهِ".
وأما محله (١) فهو أول مصنَّف صُنِّف في الصحيح المجرد. واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة: صحيحا البُخاري ومسلِم. واتفق الجمهور على أن "صحيح البُخاري" أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد (٢).
قال الحافظ أبو علي النيسابوري وبعض علماء المغرب: "صحيح مسلم" أصح. وأنكر العلماء ذلك عليهم. والصَّواب: ترجيح "صحيح البُخاري" (٣).
وقال النسائي: أجود هذه الكتُب كتاب البُخاري، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثهما.
وأما سبب تصنيفه وكيفية تأليفه: فقال البخاري - رحمه اللّه تعالى -: "كنت عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا: لو جمعتم كتابًا مختصرًا في الصحيح لسُنَن رسول اللّه ﷺ ، فوقعَ ذلك في قلبي، وأخذت في جَمْعِ هذا الكتاب".
стр. 85
ورُوِيَ من جهات عن البخاري قال: صَنَّفْتُ كتاب "الصحيح" لسِتّ عشرة سنة، خَرَّجْتُه من ست مائة ألف حديث، وجعلتُه حُجَّةً بيني وبين اللّه.
ورُوِيَ عنه قال: رأيت النَّبِيّ ﷺ في المنام وكأَنِّي واقف بين يديه وبيديّ مِزوَحَةٌ أَذُبُّ عنه، فسألت بعضَ المُعَبِّرين فقال: أنت تذُبُّ عنه الكَذِبَ. فهو الذي حَمَلَني على إخراج "الصحيح".
ورُوِيَ عنه قال: ما أدخلت في كتاب "الجامع" إلَّا ما صحّ، وتركت كثيرًا من الصحاح لحال الطُّول (١).
ورُوِيَ عن الفربري: قال البُخاري: ما وضعتُ في كتاب "الصحيح" حديثًا إلَّا اغتسلتُ قبل ذلك وصليت ركعتين.
ورُوِيَ عن عبد القدوس بن همام قال: سمعتُ عدّةً من المشايخ يقولون: حَوَّلَ البُخاري تراجِمَ جَامِعِه (٢) بين قبر النَّبِيّ ﷺ ومنبره، وكان يصلّي لكل ترجمة ركعتين.
وقال آخرون، منهم أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي: صنّفه ببُخارى، وقيل: بمكة، وقيل: بالبصرة. وكل هذا صحيح، ومعناه: أنه كان يضيف فيه في كل بلد من هذه البُلدان، فإنه بقي في تصنيفه ست عشرة سنة.
قال الحاكم: حَدَّثَنَا أبو عمرو إسماعيل، ثنا أبو عبد اللّه محمد بن علي قال: سمعت البُخاري يقول: أقمتُ بالبصرة خمس سنين، معي كُتبي، أصنِّفُ وأحج في كل سنة، وأرجع من مكة إلى البصرة.
قال البُخاري: وأنا أرجو أن يبارك اللّه تعالى للمسلمين في هذه المصنفات.
стр. 86
وجملة ما في "صحيح البخاري" من الأحاديث المسندة: سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثًا بالأحاديث المكررة (١).
وبحذف المكررة: نحو أربعة آلاف. كذا ذكر النووي في "التهذيب" (٢)، والحافظ ابن حجر في مقدمة "فتح الباري" (٣).
قال الحافظ ابن حجر في الفصل الثاني في مقدمة "فتح الباري": قال الحافظ أبو الفضل بن طاهر: فيما قرأت على الثقة أبي الفرج بن حمّاد أنّ يونس بن إبراهيم بن عبد القوي أخبره، عن أبي الحَسَن بن المقيَّري (٤)، عن أبي المعمر المبارك بن أحمد، عنه: شرط البُخاري أن يخرج الحديث المتفق على ثقة نَقَلَتِه إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلًا غيرَ مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن، وإلا لم يكن إلَّا راوٍ واحد وصح الطريق إليه كفى.
قال: وما ادَّعاه الحاكم أبو عبد اللّه أن شرط البُخاري ومسلم أن يكون للصحابي راويان فصاعدًا، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان،
стр. 87
إلى آخر كلامه؛ فمُنتقضٌ بأنهما أخرجا أحاديث جماعة من الصحابة ليس لهم إلَّا راوٍ واحِد، انتهى.
والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضًا في حق بعض الصحابة الذين أخرج لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أحد من رُواته ليس له إلَّا راوٍ واحد قط.
وقال الحافظ أبو بكر الحازمي (١): هذا الذي قاله الحاكم قول من لم يُمْعِن الغوص في خبايا "الصحيح"، ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة [عليه] دعواه.
ثم قال ما حاصله: إن شرط "الصحيح" أن يكون إسناده متصلًا، وأن يكون راويه مسلمًا صادقًا غير مدلّس ولا مختلط، متصفًا بصفات العدالة، ضابطًا متحفظًا، سليم الذهن، قليل الوهم، سليم الاعتقاد.
قال (٢): ومذهب من يخرج "الصحيح" أن يعتبر حال الراوي [العدل] في مشايخه العُدول، فبعضهم حديثه ثابت صحيح، وبعضهم حديثه مدخول، قال: وهذا باب فيه غموض، وطريق إيضاحه معرفة طَبقات الرُّواة عن راوي الأصل ومراتب مداركهم، فلنوضح ذلك بمثال وهو:
أن تعلم أن أصحاب الزُّهري مثلًا على خمس طبقات، ولكل طبقة منها مزِيَّة (٣) على التي تليها، فمن كان في الطبقة الأولى فهو الغاية في الصّحّة، وهو مقصد البُخاري، والطبقة الثانية شاركت الأولى في التثبت إلَّا أن الأولى جمعت من الحفظ والإتقان ومن طول الملازمة للزهري حتى كان فيهم من
стр. 88
يزامله في السفر ويلازمه في الحضر، والطبقة الثانية لم تلازم الزُّهري إلَّا مدة يسيرة فلم تمارس حديثه، فكانوا في الإتقان دون الأولى، وهم شرط مسلم.
ثم مَثَّل الطبقة الأولى بيونس بن يزيد، وعُقيل بن خالد الأيلي، ومالك بن أنس، وسفيان بن عُيَيْنة، وشُعَيْب بن أبي حمزة. والثانية بالأوزاعي، والليث بن سعد، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، وابن أبي ذئب. قال: والطبقة الثالثة نحو: جَعْفر بن بُرْقان، وسفيان بن حسَين، وإسحاق بن يحيى الكلبي. والرابعةُ نحو: زَمْعَة بن صالح، ومعاوية بن يحيى الصدفي، والمثنّى بن الصبّاح. والخامسة نحو: عبد القدوس بن حَبيب، والحَكَم بن عبد اللّه بن الأيلي، ومحمد بن سَعيد المصلوب.
فأما الطبقة الأولى فهم شرط البُخاري، وقد يُخرِّج - أي: البخاري - من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب. وأمّا مسلم فيخرّج أحاديثَ الطبقتين على سبيل الاستيعاب، ويُخَرِّج أحاديث الطبقة الثالثة على النحو الذي يصنع البُخاري في الثانية. وأما الرابعة والخامسة فلا يُعَرِّجان عليهما.
قلتُ: وأكثر ما يُخَرِّج البُخاري حديث الطبقة الثانية تعليقًا، وإنما أخرج اليَسِير من حديث الطبقة الثالثة [تعليقًا] أيضًا، وهذا المثال الذي ذكره هو في حق المكثرين، فيقاس على هذا أصحاب نافع وأصحاب الأعمش وأصحاب قتادة وغيرهم.
فأما غير المكثرين فإنما اعتمد الشيخان في تخريج أحاديثهم على الثقة والعدالة وقلة الخطأ، لكن منهم من قوي الاعتماد عليه فأخرجا ما تفرّد به كيحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم من لم يقو الاعتماد عليه، فأخرجا له ما شاركه فيه غيره وهو الأكثر.
стр. 89
الفَصْلُ الثالث فيما يتعلَّق بالتراجم
ومنه يُعْلَم وجهُ كثرة نُسَخ البُخاريِّ.
روى عبد الرزّاق البُخاري أنه قال: قلت للبُخاري: جميع الأحاديث التي أوردتها في مصنَّفاتك هل تحفظها؟ فقال: لا يخفى عَلَيَّ شيء منها، فإني قد صنّفت ثلاث مرات. وكأنّه أراد بالتكرار التبييض، وأصل كثرة نسخ البُخاري من هذه الجهة، ورواية أنه جَعَل تراجمه في الروضة الشريفة محمولة على نقلها من المسودة إلى البياض، كذا قيل، ويمكن حمله على حقيقته.
قال الشيخ الحافظ ابن حجر العسقلاني في مقدمة "الفتح" (١): قد تقرر أنه التزم فيه الصحة، وأنه لا يُورد فيه إلَّا حديثًا صحيحًا، هذا أصل موضوعه، وهو مستفاد من تسميته إياه "الجامع الصحيح المسند من حديث رسول اللّه ﷺ وسننه وأيامه"، ومما نقلناه عنه من رواية الأئمة عنه صريحًا، ثم رأى أنه لا يُخْلِيه من الفوائد الفقهية والنكت الحكمية فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسبها، واعتنى فيه بآيات الأحكام، فانتزع منها الدلالاتِ البديعَة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السُّبُلَ الوسيعةَ.
стр. 90
قال الشيخ محيي الدين: ليس مقصود البُخاري الاقتصار على الأحاديث فقط، بل مراده الاستنباط منها والاستدلال لأبواب أرادها، ولهذا المعنى أخلى كثيرًا من الأبواب عن إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله: "فيه فلان عن النَّبِيّ ﷺ " أو نحو ذلك.
وقد يذكرُ المتن بغير إسناد، وقد يورده مُعلَّقًا، وإنما يفعل هذا لأنه أراد الاحتجاج للمسألة التي ترجم لها، وأشار إلى الحديث لكونه معلومًا، وقد يكون مما تقدم وربما تقدم قريبًا، ويقع في كثير من أبوابه الأحاديث الكثيرة، وفي بعضها ما فيه إلَّا حديث واحد، وفي بعضها ما فيه إِلَّا آية من كتاب اللّه تعالى، وفي بعضها لا شيء فيه البتة، وقد ادَّعى بعضهم أنه صنع ذلك عمدًا، وغرضه أن يبيّن أنه لم يثبت عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.
ومن ثمّة وقع في بعض نُسَخ الكتاب ضَمُّ باب لم يذكر فيه حديث إلى حديث لم يذكر فيه باب، فأشكل فهمه على الناظر فيه، وقد أوضح السبب في ذلك الإمام أبو الوليد الباجي المالكي في مقدمة كتابه في "أسماء رجال البخاري" (١)، فقال: أخبرني الحافظ أبو ذر عبد بن أحمد الهروي قال: ثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملي قال: انتسخت كتاب البُخاري من أصله الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِربري، فرأيت فيه أشياء لم تتم، وأشياء مبيّضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا، ومنها أحاديث لم يترجم لها، فأضَفْنَا بعض ذلك إلى بعض.
стр. 91
قال أبو الوليد الباجي: وممّا يدل على صحة (١) هذا القول: أن رواية أبي إسحاق المستملي، ورواية أبي محمد السرخسي، ورواية أبي الهيثم الكُشميهني، ورواية أبي زيد المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير؛ مع أنهم انتسخوا من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قدر كل واحد منهم فيما كان في طرّة أو رقعة مضافة أنه من موضع ما فأضَافه إليه، ويبيّن ذلك أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينهما أحاديث.
قال الباجي (٢): وإنما أوردت هذا لِمَا عُني به أهلُ بلدنا من طلب معنى يجمع بين الترجمة والحديث الذي يليها وتكلفهم في ذلك من تعسف التأويل ما لا يسوغ، انتهى.
قلتُ: وهذه قاعدة (٣) حسنة يفزع إليها حيث يتعسر وجه الجمع بين الترجمة والحديث، وهي مواضع قليلة جدًّا، ثم ظهر لي أن البُخاري مع ذلك - فيما يُوْرده من تراجم الأبواب -: إنْ وجد حديثًا يناسب ذلك الباب ولو على وجه خفي ووافق شرطه أورده [فيه] بالصيغة التي جعلها مصطلحة لموضوع كتابه، وهي: "حَدَّثَنَا"، وما قام مقام ذلك، و"العنعنة"
стр. 92
بشرطها عنده، وإن لم يجد فيها إلَّا حديثًا لا يوافق شرطه مع صلاحيته للحجة: كتبه في الباب مغايرًا للصيغة التي يسوق بها ما هو من شرطه، ومن ثَمَّة أورد التعاليق، وإن لم يجد فيه صحيحًا لا على شرطه ولا على شرط غيره، وكان مما يستأنس به، ويقدمه قوم على القياس، [أنه] استعمل لفظ ذلك الحديث أو معناه ترجمة باب، ثم أورد بعد ذلك إما آية من كتاب اللّه تعالى تشهد له، أو حديثًا يؤيد عموم ما دل عليه ذلك الخبر (١).
ولْنذكر ضابطًا يشتمل على بيان أنواع التراجم فيه، وهي ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ:
أمّا الظاهرة فليس ذكرها من غرضنا، وهي: أن تكون الترجمة دالة بالمطابقة لما يورد في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول: هذا الباب الذي في كيت وكيت، أو باب ذكر الدليل على الحكم الفُلاني مثلًا.
(١) وقد (٢) تكون الترجمة بلفظ المترجم له أو ببعضه أو بمعناه، وهذا في الغالب، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال لأكثر من معنى واحد، فيعين أحد الاحتمالين بما يذكر تحتها من الحديث.
(٢) وقد يوجد فيه ما هو بالعكس من ذلك بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة، والترجمة حينئذ بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة مناب قول الفقيه، مثلًا: المراد بهذا الحديثِ العامِّ: الخصوص، أو بهذا الحديث الخاصِّ: العُمُوم، إشعارًا بالقياس - متعلقة بالقرينة الأخيرة - لوجود العلة الجامعة. أو أن ذلك الخاصَّ المراد به ما هو أعمّ مما يدل عليه ظاهره بطريق الأعلى أو الأدنى.
стр. 93
ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكرنا في العام والخاص.
وكذا في شرح المشكل وتفسير الغامض وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل، فلهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: "فقه البُخاري في تراجمه".
(٣) وأكثر ما يَفْعَل البُخاري ذلك إذا لم يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي ترجم به، فيستنبط الفقه منه.
(٤) وقد يفعل ذلك لغرض تشحيذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه (١).
(٥) وكثيرًا ما يفعل هذا (٢) الأخير حيث يذكر الحديث المُفَسِّر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومئ بالرمز والإشارة إليه.
(٦) وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: "باب هل يكون كذا" أو "من قال كذا" أو نحو ذلك، وذلك حيث لا يتّجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه من ذلك بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم يثبت؟ فيترجمه على الحكم، ومراده ما يتفسَّر (٣) بعد، من إثباته، أو نفيه، أو أنه محتمل لهما.
(٧) وربما كان أحد المحتملين أظهر، وغرضه أن يبقى للنظر مجالًا ويُنَبَّه [على] أن هناك احتمالًا أو تعارضًا يوجب التوقف، حيث يعتقد أن فيه إجمالًا أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به.
стр. 94
(٨) وكثيرًا ما يترجم بأمر ظاهره قليل الجدوى، لكنه إذا حققه المتأمل أجدى كقوله: "باب قول الرجل: ما صَلَّينا"، فإنه أشار به إلى الرد على من كره ذلك، ومنه قوله: "باب قول الرجل: فاتَتْنَا الصلاة"، وأشار بذلك إلى الرد على من كره إطلاق هذا اللفظ.
(٩) وكثيرًا ما يترجم بأمر يختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادئ الرأي، كقوله: "باب استياك الإمام بحضرة رعيته"، وذلك أن الاستياك قد يظن أنه من أفعال المِهنة، فلعل متوهمًا يتوهم أن إخفاءه أولى مراعاةً للمروءة، فلما وقع في الحديث أنه ﷺ استاك بحضرة الناس دلّ على أنه من باب التطيب لا من الباب الآخر، نَبَّه على ذلك ابن دقيق العيد (١).
(١٠) وكثيرًا ما يترجم بلفظٍ يومئ إلى معنى حديث لم يصح على شرطه، أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدّي (٢) معناه، تارة بأمر ظاهر وتارةً بأمر خفي، من ذلك: قوله: "باب الأمراء من قريش". وهذا لفظ حديث (٣) يروى عن علي ﵁، وليس على شرط البُخاري،
стр. 95
وأورد فيه حديث: "لا يزال والٍ من قريش (١) ". ومنها: قوله: "باب اثنان فما فوقهما جماعة"، وهذا حديث (٢) يروى عن أبي موسى الأشعري ﵁، وليس على شرط البُخاري، وأورد فيه: "فأذِّنا وأقيما وليؤمَّكما أحدُكما (٣) ".
(١١) وربما اكتفى أحيانًا بلفظ الترجمة التي [هي لفظ حديث] لم يصح على شرطه وأورد معها أثرًا أو آيةً فكأنه يقول: لم يصح في الباب شيء على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة اعتقد من لم يُمعن النظر أنه ترك الكتاب بلا تبييض، ومن تأمل ظَفَرَ، ومن جَدَّ وَجَدَ، انتهى ما في مقدمة "الفتح" (٤).
ويناسبه ما أفاده الشيخ الأجل قدوة المحدثين ولي اللّه بن عبد الرحيم في مقدمة "شرحه على تراجم البُخاري": عبارته: جملة تراجم أبوابه تنقسم أقسامًا:
(١) منها: أنّهُ يترجم بحديث مرفوع ليس على شرطه، ويذكر في الباب حديثًا شاهدًا له على شرطه.
(٢) ومنها: أنه يترجم بمسألة استنبطها من الحديث بنحوٍ من الاستنباط من نَصِّه أو إشارته أو عمومه أو إيمائه أو فحواه.
стр. 96
(٣) ومنها: أنه يترجم بمذهب ذهب إليه ذاهب قبلُ، ويذكر في الباب ما يدل عليه بنحو من الدلالة شاهدًا ويكون له في الجملة من غير قطع بترجيح ذلك المذهب، فيقول: "باب من قال كذا".
(٤) ومنها: أنه يترجم بمسألة اختلفت فيها الأحاديث، فيأتي بتلك الأحاديث على اختلافها ليقرب إلى الفقيه من بعده أمرها، مثاله: "باب خروج النساء إلى البراز"، جمع فيه حديثين مختلفين.
(٥) ومنها: أنه قد تتعارض الأدلة ويكون عند البُخاري وجه التطبيق بينها بحمل كل واحد على محمل، فيترجم بذلك المحمل إشارةً إلى التطبيق، مثاله: "باب خوف المؤمن أن يَحْبَطَ عمله وما يُحذّر من الإصرار على التقاتل والعصيان"، ذكر فيه حديث: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر".
(٦) ومنها: أنه قد يجمع في باب واحد أحاديث كثيرة، كل واحدٍ منها يدل على الترجمة، ثم يظهر له في حديث واحد فائدة أُخرى سوى الفائدة المترجم عليها، فيُعلَم على ذلك الحديث بعلامة الباب، وليس غرضه أن الباب الأول قد انقضى بما فيه، وجاء الباب الآخر برأسه، ولكن قوله: "باب" هنالك بمنزلة ما يكتب أهل العلم على الفائدة المهمة لفظ "تنبيه" أو لفظ "فائدة" أو لفظ "قف"، مثاله: قوله في "كتاب بدء الخلق": "باب قول الله تعالى: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ثم قال بعد أسطر: "باب خير مال المسلم غَنَم يتبع بها شَعَفَ الجبال"، وأخرج هذا الحديث بسنده، ثم ذكر حديث: "والفخر والخُيلاء في أهل الخيل"، ثم ما ليس فيه ذكر الغنم، فكأنه أعلم على هذا الحديث بأنه مع دخوله في الباب فيه فائدة أخرى مع منقبة للغنم.
стр. 97
(٧) ومنها: أنه قد يكتب لفظة "باب" مكان قول المحدثين: وبهذا الإسناد، وذلك حيث جاء حديثان بإسناد واحد، كما يكتب حيث جاء حديث واحد بإسنادين، مثاله: "باب ذكر الملائكة"، أطال فيه الكلام حتى أخرج حديث: "الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" برواية شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، ثم كتب: "باب إذا قال أحدكم: آمين والملائكة في السماء آمين فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه"، ثم أخرج حديث: "أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة"، ثم ما ليس فيه ذكر آمين إلَّا بعد كثير.
قال الإسماعيلي في موضع الباب: وبهذا الإسناد كأنه يشير إلى أن لفظ "باب" علامة لقوله: "وبهذا الإسناد".
(٨) ومنها: أنه قد يترجم بمذهب بعض الناس وبما كاد يذهب إليه بعضهم أو بحديث لم يثبت عنده ثم يأتي بحديث يستدل به على خلاف ذلك المذهب، والحديث إما بعمومه أو غير ذلك.
(٩) ومنها: أنه يذهب في كثير من التراجم إلى طريقة أهل السِّيَر في استنباطهم خصوصيات الوقائع والأحوال من إشارات طرق الحديث، وربما يتعجَّبُ الفقيه من ذلك لعدم ممارسته بهذا الفن، ولكن أهل السير لهم اعتناء شديد بمعرفة تلك الخصوصيات.
(١٠) منها: أنه يقصد التمرن على ذكر الحديث وفق المسألة المطلوبة، ويهدي طالب الحديث إلى هذا النوع، مثاله: "ذكر الصوّاغ" في "باب ذكر الخياط".
وقد فرق البُخاري في تراجم الأبواب علمًا كثيرًا من شرح غريب القرآن، وذكر آثار الصحابة والتابعين والأحاديث المعلقة.
стр. 98
(١١) وقد يذكر حديثًا لا يدل هو بنفسه على الترجمة أصلًا، لكن له طرقًا، وبعض طرقه يدلّ عليها إشارةً أو عمومًا، وقد أشار بذكر الحديث إلى أن فيه أصلًا صحيحًا يتأكد به ذلك الطريق، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا المهرة من أهل الحديث.
(١٢) وكثيرًا ما يترجم لأمر ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا حققه متأمل أجدى، كقوله: "باب قول الرجل: ما صلّينا"، فإنه أشار إلى الرد على من كره ذلك.
قلت: وأكثر ذلك تعقبات وتنكُّبات على عبد الرزاق وابن أبي شيبة في تراجم "مصنَّفَيهما" إذ شواهد الآثار يرويان (١) عن الصحابة والتابعين في "مُصَنَّفَيْهما"، ومثل هذا لا ينتفع به إلَّا من مارس الكتابين واطلع على ما فيهما.
(١٣) وكثيرًا ما يُخرج الآداب المفهومة بالقول من الكتاب والسنة بنحو من الاستدلال والعادات الكائنة في زمانه ﵇، ومثل هذا لا يدرك حسنه إلَّا من مارس كتب الآداب وأجال عقله في ميدان آداب قومه ثم طلب لها أصلًا من السنة.
(١٤) وكثيرًا ما يأتي بشواهد الحديث من الآيات وبشواهد الآية من الأحاديث تظاهرًا أو لتعيين بعض المحتملات دون البعض؛ فيكون المراد بهذا العام الخصوص أو بهذا الخاص العموم ونحو ذلك، ومثل هذا لا يدرك إلَّا بفهم ثاقب وقلب حاضر، انتهى.
* * *
стр. 99
الفَصْل الرابع في شرح رموز النُّسَخِ لهذا "الصحيح"، وعلاماتِها
للعلَّامة الفربري (١) = فـ
وللكُشْمِيهَني (٢) = هـ
وللحَمُّوي (٣) = حـ
وللمُشتَمْلِي (٤) = سـ
ولابن عساكر (٥) = عسـ
стр. 100
ولكرِيمة بنت أحمد بن محمد بن
حاتم المروزِيَّة (١) = مه
وللسرخسي = خسـ (٢)
وللأصِيلي (٣) = صـ
وللقابسي (٤) = قا
وللْمِرْوَزي (٥) = مر
ولأبي ذرّ (٦) = ذ
стр. 101
وللشيخ ابن حجر (١) = شحج
ولأبي الوقت (٢) = قتـ
وللنسفي (٣) = سفـ
وللصغاني (٤) = صغـ
وعلامة الأكثر = كـ
ولأبي السكن (٥) = كن
ولأبي أحمد الجُرْجاني (٦) = جا
الفَصْلُ الخامِسُ في بيان "حدَّثَنَا" و"أَخْبَرَنا" و"أَنْبأَنا" وغيرها
قال العيني في "شرحه على الصحيح (١) ": قال القاضي عياض: لا خلاف أنه يجوز في السماع من لفظ الشيخ أن يقول السامع فيه: حدّثنا وأخبرنا وأنبأنا، وسمعته يقول، وقال لنا فلان، وذكر لنا فلان، انتهى.
قال النووي (٢): كان من مذهب مسلم ﵀ الفرق بين حدَّثنا وأخبرنا: أن "حدَّثنا" لا يجوز إطلاقه إلَّا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة، و"أخبرنا" لما قُرئ على الشيخ. وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه وجمهور أهل العلم بالمشرق، قال محمد بن الحسن الجوهري المصري: وهو مذهب أكثر أصحاب الحديث الذين لا يحصيهم أحد، ورُوي هذا المذهب أيضًا عن ابن جُريج والأوزاعي وابن وهب. قلتُ: وهو مذهب النسائي، وصار هو الشائع الغالب على أهل الحديث.
وذهب جماعات إلى أنه يجوز أن يقول فيما قُرِئ على الشيخ: "حدَّثَنَا" و"أَخْبَرَنَا"، وهو مذهب الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان وآخرين من المتقدمين، وهو مذهب البُخاري وجماعة من المحدثين، وهو مذهب معظم الحجازفي والكوفيين.
стр. 104
وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز إطلاق "حدّثنا" ولا "أخبرنا" في القراءة، وهو مذهب ابن المبارك ويحيى بن يحيى وأحمد بن حنبل والمشهور عن النسائي، والله أعلم.
وقال النووي (١) في موضع آخر: جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدّثنا وأخبرنا، واستمرّ الاصطلاح عليه من قديم الأعصار إلى زماننا، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى، فيكتبون من "حدّثنا": "ثنا" وهي الثاء والنون والألف، وربّما حذف الثاء، ويكتبون من "أخبرنا": "أنا"، ولا يحسن زيادة الباء قبل "نا".
وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد (ح)، وهي حاء مهملة مفردة، والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوّله من إسناد إلى إسناد، وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها: (ح)، ويستمرّ في قراءة ما بعدها. وقيل: إنها من حال بين الشيئين إذا حجز لكونها حالت بين الإسنادين، وأنه لا يلفظ عند الانتهاء إليها بشيء وليست من الرواية. وقيل: إنها رمز إلى قوله: الحديث، وإن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها: الحديث. وقد كتب جماعة من الحفّاظ موضعها: صح، فيشعر بأنها رمز صح. وحسنت ههنا كتابته لئلا يتوهم أنه سقط متن الإسناد الأول، ثم هذه الحاء توجد في كتب المتأخرين كثيرًا، وهي كثيرة في "صحيح مسلم" قليلة في "صحيح البُخاري".
وجرت عادة أهل الحديث بحذف "قال" ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها، وإذا كان في الكتاب:
стр. 105
"قرئ على فلان، أخبرك فلان"، فليقل القارئ: "قرئ على فلان قيل له: أخبرك فلان"، وإذا كان فيه: "قرئ على فلان، أخبرنا فلان"، فليقل: "قرئ على فلان قيل له: قلتَ: أخبرنا فلان"، وإذا تكررت كلمة "قال" كقوله: "حدَّثنا صالح قال: قال الشعبي"، فإنهم يحذفون إحداهما في الخط، فيلفظ بهما (١) القارئ، فلو ترك القارئ لفظة "قال" في هذا كله فقد أخطأ، والسماع صحيح للعلم بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لدلالة الحال عليه.
قال النووي في موضع آخر (٢): إن لفظ "الابن" إذا وقع بين العلمين ويكون صفة للأول يقرأ الْعَلَمُ الأول بلا تنوين، وأيضًا إذا كان كذلك فرسم خطه أن يكتب "بن" بدون الألف في أوله، إلَّا أن يقع في أول السطر فيكتب هنا، وفي باقي المواضع بالألف.
* * *
стр. 106
الفَصْلُ السّادِسُ في الإسْناد الْمُعَنْعَنِ
قال النووي (١): "هو فلان عن فلان"، قال بعض العلماء: هو مرسل. والصحيح الذي عليه العمل، وقاله الجماهير من أصحاب الحديث والفقه والأصول: إنه متصل، بشرط أن يكون المُعَنْعِن غير مدَلِّس، وبشرط إمكان لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضًا.
وفي اشتراط [ثبوت] اللقاء وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف:
منهم من لم يشترط شيئًا من ذلك، وهو مذهب مسلم.
ومنهم من شرط ثبوت اللقاء وحده، وهو مذهب علي بن المديني والبُخاري وأبي بكر الصيرفي (٢) الشافعي والمحققين، وهو الصحيح.
ومنهم من شرط طول الصحبة، وهو قول أبي المظفر السمعاني الفقيه الشافعي.
ومنهم من شرط أن يكون معروفًا بالرواية عنه، وبه قال أبو عمرو المُقْرئ.
стр. 107
وأما إذا قال: حدّثنا الزهري أن ابن المسيّب قال كذا أو حدث بكذا أو فعل أو ذكر أو روى أو نحو ذلك، فقال الإمام أحمد بن حنبل وجماعة: لا يلتحق ذلك كـ "عن"، بل يكون منقطعًا حتى يتبيّن السماع، وقال الجماهير: هو كـ "عن" محمول على السماع بالشرط المتقدم، وهذا هو الصحيح (١).
* * *
стр. 108
الفَصْلُ السَّابعُ في بيانِ طبقاتِ رُوَاةِ البُخاريِّ
جملة من حدّث عنه البُخاري في "صحيحه" خمس طبقات:
الأولى: لم يقع حديثهم إلَّا كما وقع من طريقه إليهم، منهم: محمد بن عبد الله الأنصاري، حدّث عنه عن حميد عن أنس. ومنهم: مكي بن إبراهيم وأبو عاصم النبيل حدّث عنهما عن يزيد بن أبي عُبَيد عن سَلَمَة بن الأكوع. ومنهم: عُبيد الله بن موسى حدّث عنه عن معروف عن أبي الطفيل عن علي، وحدّث عنه عن هِشامِ بن عروة وإسماعيل بن أبي خالد وهما تابعيان. ومنهم: أبو نعيم حدّث عنه عن الأعمش، والأعمش تابعي. ومنهم: علي بن عياش حدّث عنه عن حريز (١) بن عثمان عن عبد الله بن بسر الصحابي.
هؤلاء وأشباههم الطبقة الأولى، وكأنّ البُخاري سمع مالكًا والثوري وشعبة وغيرهم، فإنهم حدّثوا عن هؤلاء وطبقتِهم.
الثانية: من مشايخه قوم حدّثوا عن أئمة حدّثوا عن التابعين، وهم شيوخه الذين روى عنهم عن ابن جُريج ومالك وابن أبي ذئب وابن عيينة بالحجاز، وشعيب والأوزاعي وطبقتهما بالشام، والثوري
стр. 109
وشعبة وحماد وأبي عوانة وهمام بالعراق، والليث ويعقوب بن عبد الرحمن بمصر، وفي هذه الطبقة كثرة.
الثالثة: قوم حدّثوا عن قوم أدرك زمانهم وأمكنه لقيهم لكنه لم يسمع منهم، كيزيد بن هارون وعبد الرزاق.
الرابعة: قوم في طبقته حدّث عنهم عن مشايخه كأبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، حدّث عنه في "صحيحه"، ولم ينسبه عن يحيى بن صالح.
الخامسة: قوم حدَّث عنهم وهم أصغر منه في الإسناد والسن والوفاة والمعرفة، منهم عبد الله بن حماد الآملي، وحسين القباني وغيرهما.
ولا بُدَّ من الوقوف على هذا؛ لأن من لا معرفة له يظن أن البُخاري إذا حدّث عن مكي عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة، ثم حدّث في موضع آخر عن بكر بن مضر عن عمرو بن الحارث عن بُكير بن عبد الله بن الأشج عن يزيد بن أبي عُبيد عن سلمة، أن الإسناد الأول سقط منه شيء، وإنما يحدّث في موضع عاليًا، وفي موضع نازلًا.
فقد حدّث في مواضع كثيرة جدًّا عن رجل عن مالك، وفي موضع عن عبد الله بن محمد المسندي عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك، وحدّث في مواضع عن رجل عن شعبة، وحدّث في مواضع عن ثلاثة عن شعبة، منها حديثه عن حماد بن حميد عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة، وحدّث في مواضع عن رجل عن الثوري، وحدّث في مواضع عن ثلاثة عنه، فحدّث عن أحمد بن عمر عن أبي النضر عن عبيد الله الأشجعي عن الثوري.