- وَقَالَ مُؤَمَّلٌ ¬ (١): حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ ¬ (٢) وَمُعَلَّى ¬ (٣) بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ.
وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدَ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِيهِ ¬ (٤) عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.
- وَقَالَ غُنْدُرٌ ¬ (٥): حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ مَنْصُورٍ ¬ (٦)، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيّ ﷺ . وَلَمْ يَرْفَعْهُ ¬ (٧) سُفْيَانُ ¬ (٨)
"وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ" سقطت الواو في نـ. "عَنْ رِبْعِيٍّ" في نـ: "عَنْ رِبْعِيِّ بنِ حِراشٍ".
===
¬(١) قوله: (وقال مؤمل) بلفظ المفعول من التأميل، قال العيني (١٦/ ٣٤٩) والكرماني (٢٤/ ١٦٠): هو ابن هشام أي: اليشكري - بتحتية ومعجمة - أبو هشام البصري. قال ابن حجر: هو ابن إسماعيل أبو عبد الرحمن البصري نزيل مكة، أدركه البخاري ولم يلقه لأنه مات سنة ٢٠٦ هـ، وذلك قبل أن يرحل البخاري ولم يخرج عنه إلا تعليقًا، وهو صدوق كثير الخطأ، "قس" (١٥/ ٣٥).
¬ (٢) ابن حسان.
¬ (٣) بلفظ مفعول التعلية بالمهملة، القردوسي بضم القاف، "ك" (٢٤/ ١٦٠).
¬ (٤) عبد العزيز بن عبد اللّه بن أبي بكرة، وليس له ولا لولده في "البخاري" إلا هذا الحديث، "ع" (١٦/ ٣٤٩).
¬ (٥) محمد بن جعفر.
¬ (٦) ابن المعتمر.
¬ (٧) أي: الحديث المذكور.
¬ (٨) الثوري.
стр. 9915
عَنْ مَنْصُورٍ ¬ (١). [راجع: ٣١].
١١ - بَابٌ كَيْفَ الأَمْرُ ¬ (٢) ¬ (٣) إِذَا لَمْ تَكُنْ ¬ (٤) جَمَاعَةٌ ¬ (٥)؟
٧٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ جَابِرٍ ¬ (٦) قَالَ: حَدَّثَنِي بُسْرُ ¬ (٧) بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَضْرَمِيُّ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا إِدْرِيسَ ¬ (٨) الْخَوْلَانِيَّ ¬ (٩): أَنَّهُ سَمِعَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَقُولُ: كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ،
===
¬(١) أي: بالسند المذكور.
¬ (٢) أي: أمر المسلم.
¬ (٣) قوله: (كيف الأمر … ) إلخ، يعني ماذا يفعل في حال الاختلاف والفتنة إذا لم توجد جماعة مجتمعون على خليفة؟ وحاصل معنى الترجمة أنه: إذا وقع اختلاف ولم يكن خليفة فكيف يفعل المسلم (١) من قبل أن يقع الاجتماع على خليفة؟ وفي حديث الباب بين ذلك، وهو أنه يعتزل الناس كلهم ولو بأن يعض بأصل شجرة حتى يدركه الموت، "ع" (١٦/ ٣٥٠).
¬ (٤) أي: لم توجد، وكان تامة.
¬ (٥) أي: مجتمعون على الإمام.
¬ (٦) بالجيم، هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، "ع" (١٦/ ٣٥١)، "ف" (١٣/ ٣٥)، "ك" (٢٤/ ١٦١).
¬ (٧) بضم الموحدة وسكون المهملة.
¬ (٨) هو عائذ اللّه، بالذال المعجمة، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٩) بفتح الخاء المعجمة.
стр. 9916
مَخَافَةَ ¬ (١) أَنْ يُدْرِكَنِي ¬ (٢)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ ¬ (٣) وَشَرٍّ، فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ، فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ". قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: "نَعَمْ، وَفِيهِ دَخَنٌ" ¬ (٤). قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ: "قَوْمٌ يَهْدُونَ بِغَيْرِ هَدْيي ¬ (٥)،
"هَدْيي" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي هـ: "هَدْيٍ" - الهدي بفتح الهاء وهو السيرة والطريقة -.
===
¬(١) أي: لأجل مخافة.
¬ (٢) أي: الشرُّ.
¬ (٣) قوله: (في جاهلية وشرٍّ) يشير به إلى ما كان قبل الإسلام من الكفر وقتل بعضهم بعضًا، ونهب بعضهم بعضًا، وارتكاب الفواحش. قوله: "بهذا الخير" يعني الإيمان والأمن وصلاح الحال واجتناب الفواحش. قوله: "فيه دخن" بفتح الدال المهملة وفتح الخاء المعجمة وهو الدخان، وأراد به ليس خيرًا خالصًا بل فيه كدورة بمنزلة الدخان من النار، وقيل: أراد بالدخن الحقد، وقيل: الدغل، وقيل: فساد في القلب، وقيل: الدخن كل أمر مكروه. وقال النووي: المراد من الدخن أن لا تصفو القلوب بعضها لبعض كما كانت عليه من الصفاء. وقال القاضي [في "الإكمال" (٦/ ٢٥٥ و ٢٥٦)]: الخير بعد الشر أيام عمر بن عبد العزيز، والذي تعرف منهم وتنكر هم الأمراء بعده، ومنهم من يدعو إلى بدعة وضلالة كالخوارج. وقال الكرماني: يحتمل أن يراد بالشر: زمان قتل عثمان ﵁، وبالخير بعده: زمان خلافة علي ﵁، والدخن: الخوارج ونحوهم، والشر بعده زمان الذين يلعنونه على المنابر، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ٣٦٠٦) في "علامات النبوة".
¬ (٥) بياء الإضافة عند الأكثرين، وبياء واحدة بالتنوين عند الكشميهني، "ع" (١٦/ ٣٥١)، "ف" (١٣/ ٣٦).
стр. 9917
تَعْرِفُ مِنْهُمْ ¬ (١) وَتُنْكِرُ" ¬ (٢) قَالَ: قُلْتُ: فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الْخَيْرِ مِنْ شَرٍّ؟ قَالَ: "نَعَمْ، دُعَاةٌ ¬ (٣) عَلَى أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، مَنْ أَجَابَهُمْ إِلَيْهَا قَذَفُوهُ فِيهَا". قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ صِفْهُمْ لَنَا. قَالَ: "هُمْ مِنْ جِلْدَتِنَا ¬ (٤) ¬ (٥)، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَتِنَا". قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي إِنْ أَدْرَكَنِي ذَلِكَ؟ قَالَ:
===
¬(١) أي: من القوم المذكورين، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٢) يعني من أعمالهم، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٣) بالضم جمع داع، قال ذلك باعتبار ما يؤول إليه حالهم، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٤) أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا، "ع" (١٦/ ٣٥١)، "ف" (١٣/ ٣٦).
¬ (٥) قوله: (من جلدتنا) أي: من قومنا ومن أهل لساننا وملتنا. وفيه إشارة إلى أنهم من العرب. وقال الداودي: أي: من بني آدم، وقال القاضي: معناه: أنهم في الظاهر على ملتنا وفي الباطن مخالفون، وجلدة الشيء ظاهره، وهي في الأصل غشاء البدن. قوله: "و [لو] أن تعض" أي: ولو كان الاعتزال من تلك الفرق بالعضِّ فلا تعدل عنه. وقال القاضي: المعنى: إذا لم يكن في الأرض خليفة فعليك بالعزلة والصبر على تحمل شدة الزمان، وعض أصل الشجرة كناية عن مكابدة المشقة، كقولهم: فلان يعض الحجارة من شدة الألم، أو المراد اللزوم كقوله ﵇: "عضوا عليها بالنواجذ". قوله: "وأنت على ذلك" أي: على العض الذي هو كناية عن لزوم جماعة المسلمين وإطاعة سلاطينهم ولو جاروا. وفيه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك الخروج على أئمة الجور؛ لأنه [ ﷺ ] أمر بذلك ولم يأمر بتفريق كلمتهم وشقِّ عصاهم، "عيني" (١٦/ ٣٥١ - ٣٥٢).
стр. 9918
"تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ". قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ ¬ (١) وَلَا إِمَامٌ؟ قَالَ: "فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ ¬ (٢) بِأَصْلِ شَجَرَةٍ، حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْت، وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ¬ (٣) ". [راجع: ٣٦٠٦].
١٢ - بَابُ مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْفِتَنِ وَالظُّلْم ¬ (٤)
٧٠٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ يَزِيدَ ¬ (٥) قَالَ: حَدَّثَنَا حَيْوَةُ ¬ (٦) وَغَيْرُهُ ¬ (٧)
"عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ" زاد في نـ: "المَقْبُرِيُّ".
===
¬(١) هذا موضع مطابقة الترجمة.
¬ (٢) بفتح العين المهملة وتشديد الضاد المعجمة من حد علم، وهو منصوب عند الرواة كلهم، وجوّز بعضهم بالرفع، ولا يجوز ذلك إلا إذا جُعل "أن" مخففة من المثقلة، "ع" (١٦/ ٣٥١).
¬ (٣) أي: على العضّ.
¬ (٤) أي: أهلهما والسواد الأشخاص.
¬ (٥) المقرئ بفاعل الإقراء.
¬ (٦) بفتح المهملة وإسكان التحتانية وبفتح الواو، ابن شريح - مصغَّر الشرح، بالمعجمة والراء والمهملة - التجيبي بضم الفوقانية وكسر الجيم وبالتحتانية وبالموحدة، "ك" (٢٤/ ١٦٢).
¬ (٧) قوله: (وغيره) قال صاحب "التوضيح" (٣٢/ ٣٤٢): قيل: المراد به ابن لهيعة، وقيل: كأنه يريد ابن لهيعة، فإنه رواه عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن، وقد رواه عنه الليث أيضًا، وقال الكرماني: ويروى "عبدة" ضد الحرة، والأول أصح. قوله: "فيرمى" [أي: فيرمى به] ويروى كذلك، قيل: هو من القلب، والتقدير: فيرمى بالسهم فيأتي. وقال الكرماني: وفي بعض الروايات (١) لفظ "فيرمى" مفقود وهو ظاهر، وقيل: يحتمل أن تكون الفاء
стр. 9919
قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو الأَسْوَدِ. ح وَقَالَ اللَّيْثُ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ قَالَ: قُطِعَ ¬ (١) عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْثٌ ¬ (٢) فَاكْتُتِبتُ فِيهِ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَنَهَانِي أَشَدَّ النَّهْي ثُمَّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ ¬ (٣): أَنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ، يُكَثِّرُونَ ¬ (٤) سَوَادَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى
===
الثانية زائدة، وثبت كذلك لأبي ذر في سورة "النساء": "يأتي السهم يرمى به"، "ع" (١٦/ ٣٥٣)، "ف" (١٣/ ٣٨). قوله: "أو يضربه" عطف على "فيأتي" لا على "فيصيب" يعني: يقتل إما بالسهم وإما بضرب السيف ظالمًا نفسه بسبب تكثيره سواد الكفار وعدم هجرته عنهم. وهذا إذا كان راضيًا مختارًا. قال شارح "الصحيح" [مغلطاي] المصري: هو حديث مرفوع؛ لأن تفسير الصحابي إذا كان مسندًا إلى نزول آية فهو مرفوع اصطلاحًا، "ك" (٢٤/ ١٦٣). وفيه تخطئة من يقيم بين أهل المعصية باختياره لا لقصد صحيح من إنكار عليهم مثلًا، أو رجاء إنقاذ مسلم من هلكة، وأن القادر على التحول عنهم لا يعذر كما وقع للذين كانوا أسلموا ومنعهم المشركون من أهلهم (١) من الهجرة، ثم كانوا يخرجون مع المشركين لا لقصد قتال المسلمين، بل لإيهام كثرتهم في عيون المسلمين فحصلت لهم المؤاخذة بذلك، فرأى عكرمة أن من خرج في جيش يقاتلون المسلمين يأثم وإن لم يقاتل ولا نوى ذلك، "ف" (١٣/ ٣٨).
¬ (١) أي: أفرد عليهم، "ع" (١٦/ ٣٥٣).
¬ (٢) بفتح الموحدة وهو الجيش، "ع" (١٦/ ٣٥٣)، أي: جيش يبعث إلى الحرب، "ك" (٢٤/ ١٦٢).
¬ (٣) مرَّ الحديث مع تحقيقه (برقم: ٤٥٩٦) في سورة "النساء".
¬ (٤) من الإكثار أو من التكثير، "ع" (١٦/ ٣٥٣).
стр. 9920
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمَى فَيُصِيبُ أَحَدَهُمْ فَيَقْتُلُه، أَوْ يَضْرِبُهُ فَيَقْتُلُه، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧].
[راجع: ٤٥٩٦].
١٣ - بَابٌ إِذَا بَقِيَ ¬ (١) فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ ¬ (٢)
٧٠٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَان، عَنِ الأَعْمَش، عَنْ زيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُذَيْفَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ ¬ (٣)، رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الآخَرَ: حَدَّثَنَا: "أَنَّ الأَمَانَةَ نَزَلَتْ ¬ (٤)
"أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ" في عسـ: "حدثنَا سُفْيَانُ". "عَنِ الْأَعْمَشِ" في نـ: "حدثنا الْأَعْمَشُ".
===
¬(١) أي: المسلم.
¬ (٢) ماذا يصنع؟ و"الحثالة" بضم المهملة وخفة المثلثة: رديء كل شيء وما لا خير فيه، "ع" (١٦/ ٣٥٣)، "ك" (٢٤/ ١٦٣).
¬ (٣) أي: في باب الأمانة - إذ له أحاديث -، أولهما في نزول الأمانة وثانيهما في رفعها، "ك" (٢٤/ ١٦٣).
¬ (٤) قوله: (نزلت في جذر قلوب الرجال) أي: كانت لهم بحسب الفطرة وحصلت لهم بالكسب من الشريعة استفادةً من الكتاب والسُّنَّة. و"الوكت" بفتح الواو وإسكان الكاف وبالمثناة: الأثر اليسير، وقيل: السواد، وقيل: اللون المخالف للون الذي كان قبله. و"المجل" بفتح الميم وسكون الجيم وفتحها: هو التنفط الذي يحصل في اليد من العمل. و"الأمانة" ضد الخيانة، وقيل: هي التكاليف الإلهِيَّة. وحاصله: أن القلب يخلو عن الأمانة تزول عنه شيئًا فشيئًا، فإذا زال جزء منها زال نورها وخلفته ظلمة كالوكت، وإذا زال شيء آخر صار كالمجل، وهذه الظلمة فوق التي قبلها. ثم شبه
стр. 9921
فِي جَذْرِ ¬ (١) قُلُوبِ الرِّجَالِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ". وَحَدَّثَنَا ¬ (٢) عَنْ رَفْعِهَا، قَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ ¬ (٣)، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَر الْمَجْلِ ¬ (٤)، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ ¬ (٥)، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا ¬ (٦) وَلَيْسَ فِيهِ شيْءٌ. وَيُصبِحُ النَّاسُ
"فَيَبْقَى" في نـ: "فَيَبْقَى فيها".
===
زواله بعد ثبوته في القلب واعتقاب الظلمة إياه بجمر تدحرجه على رجلك حتى يؤثر فيها ثم يزول الجمر ويبقى التنفط، "ك" (٢٤/ ١٦٣ - ١٦٤). قوله: "وحدثنا عن رفعها" أي: رفع الأمانة أصلًا حتى لا يبقى من يوصف بالأمانة إلا النادر، ولا يعكر - عَكَرَ على الشيء، يَعْكِرُ عَكْرًا وعُكُورًا واعتكر: كرَّ وانصرف، "ق" (ص: ٤٦٩) - على ذلك ما ذكره في آخر الحديث مما يدل على قلة من ينسب للأمانة؛ فإن ذلك بالنسبة إلى حال الأولين، فالذين أشار إليهم بقوله: "ما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا" هم من أهل العصر الأخير الذي أدركه والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول أقل، وأما الذي ينتظره فإنه حيث تفقد الأمانة من الجميع إلا النادر، "ف" (١٣/ ٣٩).
¬ (١) بفتح الجيم وسكون المعجمة: الأصل، "ك" (٢٤/ ١٦٣).
¬ (٢) قوله: (حَدَّثَنا) وهو الحديث الثاني، وفيه من أعلام النبوة؛ لأن فيه الإخبار عن فساد زمان الناس وقلة أمانتهم في آخر الزمان، "ع" (١٦/ ٣٥٤).
¬ (٣) الأثر اليسير.
¬ (٤) أثر العمل في اليد.
¬ (٥) بكسر الفاء.
¬ (٦) من الانتبار: وهو الارتفاع، ومنه المنبر، "ك" (٢٤/ ١٦٣)، أي: مرتفعًا.
стр. 9922
تتَبَايَعُونَ ¬ (١) لَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ في بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا. ويُقَالُ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَه، وَمَا أَظْرَفَه، وَمَا أَجْلَدَه، وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ¬ (٢). وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَلَا أُبَالِي أَيُّكُمْ بَايَعْتُ ¬ (٣)، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَام، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ ¬ (٤)، وَأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا".
[راجع: ٦٤٩٧].
"وَلَا يَكَادُ" في نـ: "فَلَا يَكَادُ". "حَبَّةِ خَرْدَلٍ" في نـ: "حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ". " الإِسْلَامُ" في هـ، ذ: "إسلامُه".
===
¬(١) من البيع.
¬ (٢) ذكر الإيمان لأن الأمانة لازمة له، وليس المراد أن الأمانة هي الإيمان. ومرَّ الحديث (برقم: ٦٤٩٧). [انظر: "القسطلاني" (١٥/ ٤١)].
¬ (٣) قوله: (لا أبالي أيكم بايعت … ) إلخ، ومعنى المبايعة ههنا البيع والشراء، أي: كنت أعلم أن الأمانة في الناس فكنت أقدم على معاملة من اتفق غير مبال بحاله وثوقًا بأمانته أو أمانة الحاكم عليه؛ فإنه إن كان مسلمًا فدينه يمنعه من الخيانة ويحمله على أدائها، وإن كان كافرًا - وذكر النصراني على سبيل التمثيل - فساعيه، أي: الوالي عليه يقوم بالأمانة في ولايته، فينصفني ويستخرج حقي منه، وأما اليوم فقد ذهبت الأمانة فلمست أثق اليوم بأحد أئتمنه على بيع أو شراء إلا فلانًا وفلانًا، يعني أفرادًا من الناس قلائل. فإن قلت: رفع الأمانة ظهر في زمانه، فما وجه قول حذيفة: أنتظره؟ قلت: المنتظر هو الرفع بحيث يبقى أثرها مثل المجل، ويصح الاستثناء بقوله: "إلا فلانًا"، "ك" (٢٤/ ١٦٤).
¬ (٤) أي: واليه.
стр. 9923
١٤ - بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ ¬ (١)
٧٠٨٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمٌ ¬ (٢)، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ ¬ (٣)، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ ¬ (٤): أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيَّ الْحَجَّاجُ ¬ (٥) فَقَالَ:
===
¬(١) قوله: (التعرب في الفتنة) بفتح العين المهملة وضم الراء المشددة وبالباء الموحدة، وهو الإقامةُ بالبادية والتكلفُ في صيرورته أعرابيًا. وقيل: التعرب: السكنى مع الأعراب، وهو أن ينتقل المهاجر من البلد [الذي] هاجر إليه فيسكن البادية فيرجع بعد هجرته أعرابيًّا، وكان ذلك محرمًا إلا أن يأذن له الشارع في ذلك، وقيده بالفتنة إشارة إلى ما ورد [من الإذن] في ذلك عند حلول الفتن. ووقع في رواية كريمة "التعزب" بالزاي وبينهما عموم وخصوص، "ع" (١٦/ ٣٥٤).
¬ (٢) ابن إسماعيل الكوفي.
¬ (٣) مولى سلمة بن الأكوع.
¬ (٤) قوله: (عن سلمة) بفتحتين "ابن الأكوع" الأسلمي، وقد كلمه الذئب. قوله: "ارتددت … " إلخ، أراد الحجاج بقوله هذا أنك رجعت في الهجرة التي فعلتها لوجه اللّه بخروجك من المدينة، وبيان أنك تستحق القتل؛ فأخبره بالرخصة له. وقال بعضهم: بأن سلمة مات في آخر خلافة معاوية سنة ستين ولم يدرك زمان إمارة الحجاج، واللَّه أعلم، "ك" (٢٤/ ١٦٤). وقال يحيى بن بكير وغيره: مات سنة أربع وسبعين، وهو ابن ثمانين سنة، "ع" (١٦/ ٣٥٥). قوله: "فلم يزل [بها] حتى قبل أن يموت" بإسقاط "أقبل" وهو الذي في اليونينية، كما في رواية. وفيه حذف "كان" بعد قوله: "حتى" وقبل قوله: "قبل" وهي مقدرة، وهي استعمال صحيح، "قس" (١٥/ ٤٢).
¬ (٥) ابن يوسف الثقفي أمير الحجاز بعد قتل ابن الزبير، فسار من مكة إلى المدينة سنة ٧٤ هـ. [انظر: "عمدة القاري" ١٦/ ٣٥٤].
خَيْرَ ¬ (١) مَالِ الْمُسْلِمِ ¬ (٢) غَنَمٌ، يَتَّبعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ ¬ (٣) ¬ (٤) وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ ¬ (٥)، يَفِرُّ ¬ (٦) بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ". [راجع: ١٩].
١٥ - بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الْفِتَنِ
٧٠٨٩ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ ¬ (٧) بْنُ فَضَالَةَ ¬ (٨) قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ ¬ (٩)،
===
¬(١) بالنصب ورفع "غنم" وبالعكس، "مجمع" (٣/ ٢٣٠).
¬ (٢) قوله: (خير مال المسلم … ) إلخ، فإن قلت: فيه أن الاعتزال أولى، والقواعد الإسلامية تقتضي أولوية الاختلاط، ولهذا شرع الجماعة في الصلوات لاختلاط أهل المحلة، والجمعة لأهل البلد، والعيد لأهل السواد، والوقوف بعرفات لأهل الآفاق، ومنع نقل اللقيط من البلد إلى القرية وجوّز العكس (١)؟ قلت: الأوقات والأحوال مختلفة، فالجليس الصالح خير من الوحدة، وهي خير من الجليس الطالح، "ك" (٢٤/ ١٦٥)، "مجمع" (٣/ ٢٣٠).
¬ (٣) بشين معجمة وعين مهملة مفتوحتين: أعلى الجبل، وسعف بسين مهملة ولا معنى له هنا، الجوهري: هو غصن النخل، "مجمع" (٣/ ٧٥).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ٦٤٩٥).
¬ (٥) أي: المطر، وأراد بها التِّلال والبراري والأودية، "ع" (١٦/ ٣٥٥).
¬ (٦) حال.
¬ (٧) بضم الميم.
¬ (٨) بفتح الفاء والتخفيف.
¬ (٩) الدستوائي.
стр. 9926
عَنْ قَتَادَةَ ¬ (١)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ حتَّى أَحْفَوْهُ ¬ (٢) بِالْمَسْأَلَةِ، فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: "لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا بَيَّنْتُ لَكُمْ". فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا كُلُّ رَجُلٍ رَأْسُهُ ¬ (٣) فِي ثَوْبِهِ يَبكِي، فَأَنْشَأَ ¬ (٤) رَجُلٌ ¬ (٥) ¬ (٦) كَانَ إِذَا لَاحَى ¬ (٧) يُدْعَى ¬ (٨) إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَبِي؟ قَالَ: "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَنْشَأَ عُمَرُ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بِاللَّهِ
"الْمِنْبَرَ" في هـ، ذ: "عَلَى الْمِنْبَرِ". "رَأْسُهُ فِي ثَوْبِهِ" في هـ، ذ: "لافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ". "نَعُوذُ بِاللَّهِ" في نـ: "عَائذًا بِاللَّهِ" ¬ (٩).
===
¬(١) ابن دعامة.
¬ (٢) بالحاء المهملة أي: ألحُّوا عليه في السؤال وبالغوا ورددوا، "ك" (٢٤/ ١٦٦)، "ع" (١٦/ ٣٥٦).
¬ (٣) وفي رواية الكشميهني: "لافٌّ رأسه في ثوبه"، "ف" (١٣/ ٤٤).
¬ (٤) أي: بدأ بالكلام.
¬ (٥) كان اسمه عبد اللّه على الأصح، "ك" (٢٤/ ١٦٦).
¬ (٦) قيل: اسمه خارجة، وقيل: قيس بن حذافة [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٥٦، و"قس" (١٥/ ٤٤)].
¬ (٧) أي: خاصم.
¬ (٨) أي: يُنسب، "ع" (١٥/ ٤٥٧).
¬ (٩) قوله: (عائذًا باللَّه) هكذا وقع بالنصب وهو على الحال أي: أقول ذلك عائذًا، أو على المصدر أي: عياذًا، وجاء في رواية أخرى بالرفع أي: أنا عائذ. قوله: "قال قتادة: يذكر … " إلخ هو بضم أوله وفتح الكاف، ووقع في رواية الكشميهني: "فكان قتادة يذكر" بفتح أوله وضم الكاف وهو أوجه، وكذا وقع في رواية الإسماعيلي، "ف" (١٣/ ٤٤ - ٤٥).
стр. 9927
مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا رَأَيْتُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَالْيَوْمِ قَطُّ ¬ (١)، إِنَّهُ صُوِّرَتْ لِي الْجَنَّةُ وَالنَّارُ حَتَّى رَأَيْتُهُمَا دُونَ الْحَائِطِ" ¬ (٢).
قَالَ قَتَادَةُ: يُذْكَرُ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] [راجع: ٩٣، أخرجه: م ٢٣٥٩، تحفة: ١٣٦٢].
٧٠٩٠ - وَقَالَ عَبَّاسٌ النَّرْسِيُّ ¬ (٣): حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ¬ (٤)، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ:
"سُوءِ الْفِتَنِ" في هـ، ذ: "شر الْفِتَنِ". "قَالَ قَتَادَةُ" في هـ، ذ: "فَكَان قَتَادَةُ". "يَزِيدُ" في نـ: "يَزِيدُ بن زريع".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٦٣٦٢).
¬ (٢) أي: عنده.
¬ (٣) قوله: (قال عباس النرسي) هو بموحدة ثم مهملة وهو ابن الوليد، و"النرسي" بفتح النون وسكون الراء وبالسين المهملة، ومضى في "علامات النبوة" له حديث (برقم: ٣٦٣٤)، وفي أواخر "المغازي" في "باب بعث معاذ وأبي موسى إلى اليمن "آخر (برقم: ٤٣٤٦). ومن جاء بهذه الصورة فيما عدا هذه المواضع الثلاثة في "البخاري" هو عياش بن الوليد الرقام بمثناة تحتانية وآخره معجمة، "ف" (١٣/ ٤٤ - ٤٥). وقال الكلاباذي: نرس، لقب جدهم، كان اسمه نصرًا، فقال له بعض النبط: نرس، بدل نصر؛ فبقي لقبًا عليه فنسب ولده إليه. وقيل: نهر من أنهار الفرسٍ تضاف إليه الثياب النرسية، "ع" (١٦/ ٣٥٦). قوله: "لافّ" وفي بعضها "لافّا" نصب على الحال، قاله الكرماني. أقول: على الأول هو خبر؛ لقوله: "كل رجل". وقوله: "يبكي" حال، وعلى الثاني خبرُ قوله: "كل رجل" قولُه: "يبكي"، والحال معترض بين المبتدأ والخبر.
¬ (٤) ابن أبي عروبة.
стр. 9928
أَنَّ رَسُوْلَ اللَّهِ ﷺ ، بِهَذَا ¬ (١). وَقَالَ: كُلُّ رَجُلٍ لَافٌّ رَأْسَهُ فِي ثَوبِهِ يَبكِي. وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. أَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ سُوءِ الْفِتَنِ. [راجع: ٩٣، أخرجه: م ٢٣٥٩، تحفة: ١١٨٤].
٧٠٩١ - وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ ¬ (٢) ¬ (٣): حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُريعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ¬ (٤) وَمُعْتَمِرٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
"رَسُول اللَّهِ" في نـ: "نَبِيَّ اللَّهِ". "لَافٌّ رَأْسَهُ" في نـ: "لَافًّا رَأْسَهُ". "سُوءِ الْفِتَنِ" في عسـ: "شَرِّ الْفِتَنِ". "سُوءِ" في نـ: "سَوْأَى"، وفي نـ: "سُوءَى".
===
¬(١) بَيَّن بهذا أن في هذا زيادة قوله: "لافًّا" فدل على أن زيادتها في الأول وهم من الكشميهني، وبين أيضًا قوله: "قال: عائذًا باللّه": بالشك [في سوء وسوأى]، كذا في "الفتح" (١٣/ ٤٥).
¬ (٢) هو ابن خياط.
¬ (٣) قوله: (وقال لي خليفة … ) إلخ، حيث قال البخاري: قال فلان، فيه إشارة إلى أنه أخذه مذاكرة لا تحديثًا وتحميلًا، وأراد بذكره ههنا التصريح بسماع سعيد عن قتادة وسماع قتادة عن أنس هذا، ولما ألحُّوا على سيدنا ﷺ في المسألة كره مسائلهم وعز على المسلمين الإلحاحُ والتعنتُ عليه، وتوقعوا نزول عقوبة اللّه عليهم فبكوا خوفًا منها، فمثَّل اللّه الجنة والنار له، وأراه كلَّ ما سئل عنه (١)، "ك" (٢٤/ ١٦٧).
¬ (٤) ابن أبي عروبة، أو "معتمر"،: ابن سليمان التيمي [انظر: "الفتح" (١٣/ ٤٥)، "ك" (٢٤/ ١٦٦ - ١٦٧)].
стр. 9929
بِهَذَا، وَقَالَ: عَائِذًا بِاللَّهِ ¬ (١) مِنْ شَرِّ الْفِتَنِ. [راجع: ٩٣، أخرجه: م ٢٣٥٩، تحفة: ١٢٢٨، ١١٨٤].
١٦ - بَابُ قَولِ النَّبِيِّ ﷺ : "الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ" ¬ (٢)
٧٠٩٢ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ مَعْمَرٍ ¬ (٣)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ ¬ (٤)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : أَنَّهُ قَامَ إِلَى جَنْبِ الْمِنْبَرِ فَقَالَ: "الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، الْفِتْنَةُ هَا هُنَا، مِنْ حَيثُ يَطْلُعُ قَرنُ الشَّيطَانِ ¬ (٥).
"عَائِذًا بِاللَّهِ" في نـ: "عَائِذ بِاللَّهِ". "الْفِتْنَةُ" في نـ: "الْفِتَنُ". "حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ" في ذ: "حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ".
===
¬(١) بلا شك وتردد.
¬ (٢) أي: من جهته.
¬ (٣) ابن راشد.
¬ (٤) ابن عبد اللّه بن عمر.
¬ (٥) قوله: (حيث يطلع قرن الشيطان) ذهب الداودي إلى أن للشيطان قرنين على الحقيقة، وذكر الهروي أن قرنيه ناحيتي رأسه، وقيل: هذا مثل أي: حينئذ يتحرك (١) الشيطان وينشط، وقيل: القرن: القوة أي: يطلع من قوة الشيطان. وإنما أشار ﷺ إلى المشرق لأن أهله يومئذ [كانوا] أهل كفر، فأخبر أن الفتنة تكون من تلك الناحية، وكذلك كانت، وهي: وقعة الجمل، ووقعة صفين، ثم ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما وراءها من المشرق، وكانت الفتنة الكبرى التي كانت مفتاح فساد ذات البين قتل عثمان
стр. 9930
- أَوْ قَالَ ¬ (١): قَرنُ الشَّمْسِ - ". [راجع: ٣١٠٤، أخرجه: ت ٢٢٦٨، تحفة: ٦٩٣٩].
٧٠٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيث، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهُوَ مُستَقْبِلٌ الْمَشْرِقَ يَقُول: "أَلَا إِنَّ الْفِتْنَةَ هَا هُنَا مِنْ حَيثُ يَطْلُعُ قَرنُ الشَّيطَانِ". [راجع: ٣١٠٤، أخرجه: م ٢٩٠٥، تحفة: ٨٢٩٠].
٧٠٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ ¬ (٢)، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ ¬ (٣)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا ¬ (٤)، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا".
"اللَّيثُ" في نـ: "لَيثٌ". "قَالَ: اللَّهُمَّ" في نـ: "فقَالَ: اللَّهُمَّ". "فِي يَمَنِنَا" زاد بعده في نـ: "مرتين".
===
رضي اللّه تعالى عنه، وكان ﵇ يحذر من ذلك ويعلم به قبل وقوعه، وذلك من دلالات نبوته ﷺ ، "ع" (١٦/ ٣٥٧ - ٣٥٨).
¬ (١) شك من الراوي. و"قرن الشمس" أعلاها، وقيل: الشيطان يقرن رأسه بالشمس عند طلوعها لتقع سجدة عبدتها له، "ك" (٢٤/ ١٦٧ - ١٦٨).
¬ (٢) أي: السمان البصري.
¬ (٣) أي: عبد اللّه.
¬ (٤) قوله: (في شامنا) الشأم: بلاد عن مشْأمَة القبلة، وسميت لذلك. أو: لأن قومًا من بني كنعان تشاءموا إليها، أي: تياسروا. أو سمي بـ "سام بن نوح"؛ فإنه بالشين بالسريانية. أو لأن أرضها شامات بيض وحمر وسود، وعلى هذا لا تُهْمَزُ. وقد تُذَكَّر، وهو شامي وشآم وشامي، "قاموس" (ص: ١٠٣٧). و"شأمنا" يريد به إقليم الشام، و"يمننا" إقليم اليمن. والشام هو من
стр. 9931
قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا؟ قَالَ: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَأْمِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي يَمَنِنَا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَفِي نَجْدِنَا؟ فَأَظُنُّهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةَ: "هُنَاكَ ¬ (١) الزَّلَازِلُ وَالْفِتَنُ ¬ (٢)، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرنُ الشَّيطَانِ" ¬ (٣).
[راجع: ١٠٣٧].
٧٠٩٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الْوَاسِطِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ ¬ (٤)،
"قَالُوا: وَفِي نَجْدِنَا" في ذ: "قَالُوا: يَا رَسولَ اللَّهِ وَفِي نَجْدِنَا". "هُنَاكَ" في نـ: "هُنَالِكَ". "يَطْلُعُ قَرنُ الشَّيطَانِ" كذا في هـ، ذ، ولغيرهما: "يَطْلُعُ الشَّيطَانُ". "حَدَّثَنَا خَالِدٌ" في ز: "حَدَّثَنَا خَلْف".
===
شمال الحجاز، واليمن من يمينه. مرَّ قبيل مناقب قريش (برقم: ٣٤٩٩)، والنجد هو: ما ارتفع من الأرض، والغور: ما انخفض منها. ومن كان بالمدينة الطيبة صلى اللّه على ساكنها وسلَّم كان نجده بادية العراق ونواحيها وهي مشرق أهلها. ولعل المراد من "الزلازل": الاضطرابات التي بين الناس [من] البلايا ليناسب الفتن، مع احتمال إرادة حقيقتها. قيل: إن أهل المشرق كانوا حينئذ أهل كفر فأخبر أن الفتنة تكون من ناحيتهم، كما أن وقعة الجمل وصفين وظهور الخوارج في أرض نجد والعراق وما والاها كانت من المشرق، وكذلك يكون خروج الدجال ويأجوج ومأجوج منها. وقيل: القرن في الحيوان يضرب به المثل فيما لا يحمد من الأمور، "ك" (٢٤/ ١٦٨).
¬ (١) أشار بقوله: "هناك" إلى نجد، ونجد من المشرق، فيحصل مطابقة الترجمة.
¬ (٢) مرَّ الحديث (برقم: ١٠٣٧) في "الاستسقاء".
¬ (٣) أي: أمته وحزبه.
¬ (٤) ابن عبد اللّه الطحان، ووقع في بعض النسخ: "خلف" بدل خالد، وما أظن صحته، "ع" (١٦/ ٣٥٩).
стр. 9932
عَنْ بَيَانٍ ¬ (١)، عَنْ وَبَرَةَ ¬ (٢) بْنِ عَبدِ الرَّحْمَنِ ¬ (٣)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ قَالَ: خَرَجَ عَلَينَا عَندُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا ¬ (٤) قَالَ: فَبَادَرَنَا ¬ (٥) إِلَيهِ رَجُلٌ ¬ (٦) فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ¬ (٧)، حَدِّثْنَا عَنِ الْقِتَالِ
===
¬(١) بفتح الباء الموحدة وتخفيف التحتانية وبعد الألف نون، ابن بشر - بالمعجمة - الأحمسي بالمهملتين، "ع" (١٦/ ٣٥٩)، "ك" (٢٤/ ١٦٨).
¬ (٢) بفتح الموحدة عند الجميع، قال عياض: ضبطناه في "مسلم" بسكونها، "ع" (١٦/ ٣٥٩).
¬ (٣) الحارثي.
¬ (٤) قوله: (حديثًا حسنًا) أي: حسن اللفظ مشتمل على ذكر الرحمة والرخصة. قوله: "واللّه يقول" يريد الاحتجاج بالآية على مشروعية القتال في الفتنة، وأن فيها الردَّ على من ترك ذلك كابن عمر ﵁، فقال ابن عمر: "ثكلتك أمك" بكسر الكاف أي: عدمتك أمك - وهو وإن كان على صورة الدعاء عليه لكنه ليس مقصودًا، بل قد يرد مورد الزجر -، وقد مرت قصته في سورة "البقرة" (برقم: ٤٥١٣)، وهي: أنه قيل له في فتنة ابن الزبير ﵁: ما يمنعك أن تخرج وقال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾؟ قَالَ: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة!! والفتنة هي الكفر، أي: كان قتالنا على الكفر وقتالكم على الملك أي: في طلب الملك. وأشار به إلى ما وقع بين مروان ثم عبد الملك ابنه، وبين ابن الزبير وما أشبه ذلك، وكان رأي عبد اللّه بن عمر ترك القتال في الفتنة، ولو ظهر أن إحدى الطائفتين محقة والأخرى مبطلة، "ع" (١٦/ ٣٥٩)، "ف" (١٣/ ٤٧)، "ك" (٢٤/ ١٦٩).
¬ (٥) بفتح الراء.
¬ (٦) اسمه حكيم، كذا في "الفتح" (١٣/ ٤٧) و"العيني" (١٦/ ٣٥٩)، قال في "المقدمة" (ص: ٣٤٠): اسمه يزيد بن بشر السكسكي.
¬ (٧) هذا كنية عبد اللّه بن عمر.
стр. 9933
فِي الْفِتْنَةِ وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ؟ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، إِنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ ﷺ يُقَاتِلُ ¬ (١) الْمُشْرِكِينَ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِم فِتْنَةً، وَلَيسَ بِقِتَالِكُم عَلَى الْمُلْكِ.
[راجع: ٣١٣٠، أخرجه: س في الكبرى ١١٠٢٦، تحفة: ٧٠٥٩].
١٧ - بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عُيَينَةَ ¬ (٢) عَنْ خَلَفِ بْنِ حَوْشَبٍ ¬ (٣) قَالَ:
"بِقِتَالِكُم" كذا في عسـ، ذ، وفي ذ: "كَقِتَالِكُم".
===
¬(١) حاصل جواب ابن عمر: أن الضمير في قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ﴾ للكفار، "ف" (١٣/ ٤٧).
¬ (٢) هو سفيان.
¬ (٣) قوله: (عن خلف) بالخاء المعجمة واللام المفتوحتين "ابن حوشب"، كان من أهل الكوفة، روى عن جماعة من كبار التابعين، وأدرك بعض الصحابة، لكن لا تُعْلَم روايته عنهم، وكان عابدًا من عُبّاد أهل الكوفة، وثقه العجلي، وقال النسائي: لا بأس به، وأثنى عليه ابن عيينة، وليس له في "البخاري" إلا هذا الموضع. قوله: "فَتِيَّة" على فعيلة مكبرًا، وبالضم مصغرًا، وجاز في "الأول" و"الفتية" أربعة أوجه: رفع "الأول" ونصب "فتية" على أن قوله: "الحرب" مبتدأ "أول"، وقوله: "أول ما تكون" مبتدأ ثان، و"فتية" حال سادَّة مسد الخبر، والجملة خبر مبتدأ أول، والمعنى: أول أكوانها إذ كانت فتية. وعكسه بأن يكون قوله: "الحرب" مبتدأ، و"فتية" خبره، و"أول ما تكون" ظرف، ورفعهما على أن "الحرب" مبتدأ، و"أول" بدل منه، و"فتية" خبر، أو: "أول" مبتدأ ثان، و"فتية" خبره وأُنِّثَ الخبر مع أن المبتدأ مذكر لأنه مضاف إلى الأكوان المراد بها الحالات، ونصبهما على أن "أول" ظرف
стр. 9934
كَانُوا ¬ (١) يَستَحِبُّونَ أَنْ تتَمَثَّلُوا بِهَذِهِ الأَبْيَاتِ عِنْدَ الْفِتَنِ:
"عِنْدَ الْفِتَنِ" زاد بعده في ذ: "قَال امرؤُ القَيسِ" ¬ (٢).
===
وهو خبر المبتدأ الذي هو الحرب، و"فتية" منصوب على الحال من الضمير المستكن في الظرف [المستقر] أي: الحرب موجودة في أول أكوانها على هذه الحا لة. قوله: "بزينتها" بكسر الزاي وسكون التحتية وبالنون، ورواه سيبويه: "ببزتها" بالباء الموحدة والزاي المشددة، والبزة: اللباس الجيد. قوله: "إذا اشتعلت" يقال: اشتعلت النار إذا ارتفع لهبها، و"إذا" يجوز أن تكون ظرفية ويجوز أن تكون شرطية، وجوا بها قوله: "وَلَّتْ". [قوله: "وَشَبَّ" بالشين المعجمة والباء الموحدة المشددة، يقال:، شبت الحرب: إذا اتقدت. قوله: "غير ذات حليل" بفتح الحاء المهملة وكسر اللام وهو الزوج، ويروى بالخاء المعجمة وهو ظاهر. قوله: "شمطاء" من الشمط بالشين المعجمة: اختلاط الشعر الأبيض بالشعر الأسود، ويجوز في إعرابه النصب على أن يكون صفة العجوز، والرفع على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: هي شمطاء. قوله: "ينكر" على صيغة المجهول، و"لونها" مرفوع به أي: بدل حسنها بقبح. "مكروهة" نصب على الحال من الضمير في "تغيرت". يصف فاها بالبخر مبالغة في التنفير منها. والمراد بالتمثيل بهذه الأبيات استحضار ما شاهدوه وسمعوه من حال الفتنة، فإنهم يتذكرون بإنشادها ذلك فيصدهم عن الدخول فيها حتى لا يغتروا بظاهر أمرها أولًا، "ع" (١٦/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، "قس" (١٥/ ٤٩ - ٥٠)، "ك" (٢٤/ ١٦٩ - ١٧٠)، "ف" (١٣/ ٤٩ - ٥٠).
¬ (١) أي: السلف.
¬ (٢) كذا وقع عند أبي ذر في نسخة، والمحفوظ أن هذه الأبيات لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، وقد جزم به المبرد في "الكامل"، "ع" (١٦/ ٣٦٠).
أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ. قَال عُمَرُ: إِذَنْ ¬ (١) لَا يُغْلَقَ ¬ (٢) أَبَدًا. قُلْتُ: أجَلْ. قُلْنَا لِحُذَيْفَةَ: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ الْبَابَ؟ قَال: نَعَم كَمَا أَعْلَمُ ¬ (٣) أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيلَةَ، وَذَلِكَ أَنِّي حَدَّثْتُهُ حَدِيثًا لَيسَ بِالأَغَالِيطِ ¬ (٤). فَهِبنَا أَنْ نَسأَلَهُ مَنِ الْبَابُ؟ فَأَمَرْنَا مَسرُوقًا فَسَأَلَهُ فَقَال: مَنِ الْبَابُ؟ قَال عُمَرُ. [راجع: ٥٢٥].
"قَالَ: بَلْ يُكْسَرُ" في هـ، ذ: "قَالَ: لا، بَلْ يُكْسَرُ". "إِذَنْ" في نـ: "إِذًا". "كَمَا أَعْلَمُ" في سـ، حـ، ذ: "كَمَا نَعْلَمُ (١) ". "اللَّيلَةَ" في نـ: "لَيلَةً".
===
¬(١) أي: إذا كان بالقتل فلا تسكن الفتنة أبدًا، "ع" (١٦/ ٣٦١).
¬ (٢) بالنصب، "ك" (٢٤/ ١٧٠).
¬ (٣) أي: علمًا ضروريًّا، "ك" (٢٤/ ١٧٠).
¬ (٤) قوله: (بالأغاليط) جمع الأغلوطة وهي الكلام الذي يغلط به ويغالط فيه، أي: لا شبهة [فيه]؛ لأنه من معدن الصدق. وقوله: "فَأَمَرنا" أي: قلنا أو طلبنا. وفيه: أن الأمر لا يشترط فيه العلو والاستعلاء، وكان حذيفة مهيبًا، وكان مسروق أجرأ على سؤاله لكثرة علمه وعلو مرتبته. فإن قلت: قال أولًا: "بينك وبينها بابًا مغلقًا" وآخرًا: "هو الباب"! قلت: المراد بين زمانك أو حياتك وبينها أو الباب بدل عمر (٢) وهو بين الفتنة وبين نفسه، "ك" (٢٤/ ١٧١)، "ع" (١٦/ ٣٦١). قال ابن بطال [١٠/ ٤٧، ٤٨]: إنما عدل حذيفة حين سأله عمر عن الإخبار بالفتنة الكبرى إلى الإخبار بالفتنة الخاصة لئلا يغم ويشغل باله، ومن ثم قال له: "إن بينك وبينها بابًا مغلقًا"،
стр. 9937
٧٠٩٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَريَمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شَرِيكِ ¬ (١) بْنِ عَبْدَ اللَّهِ ¬ (٢)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ يومًا إِلَى حَائِطٍ ¬ (٣) مِنْ حَوَائِطِ الْمَدِينَةِ لِحَاجَةٍ، وَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ ¬ (٤)، فَلَمَّا دَخَلَ الْحَائِطَ جَلَستُ عَلَى بَابِهِ
===
ولم يقل له: "أنت الباب" وهو يعلم أنه الباب، فعرَّض له بما فهمه ولم يصرح، وذلك من حسن أدبه. وقول عمر: "إذا كسر لم يغلق" أخذه من جهة أن الكسر لا يكون إلا غلبة، والغلبة لا تقع إلا في الفتنة، وعلم من الخبر النبوي أن بأس الأمة بينهم واقع، وأن الهرج لا يزال إلى يوم القيامة، "ف" (١٣/ ٥٠).
¬ (١) بفتح الشين، "ك" (٢٤/ ١٧١).
¬ (٢) ابن أبي نمر.
¬ (٣) قوله: (إلى حائط) هو بستان أريس - بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة -، يجوز فيه الصرف وعدمه، وهو قريب من قباء، وفي بئره سقط خاتم النبي ﷺ من أصبع عثمان ﵁. قوله: "ولم يأمرني" أي: بأن أكون بوّابًا للنبي ﷺ ، لكن سبق في مناقب عثمان ﵁ أنه ﷺ أمره بذلك، فيحتمل أنه لما حدث نفسه بذلك صادف أمره ﷺ بذلك، قاله القسطلاني (١٥/ ٥٣). وقال في "الفتح": قال الداودي: في الرواية الأخرى: "أمرني بحفظ الباب"، وهو اختلاف ليس المحفوظ إلا أحدهما، وتعقب بإمكان الجمع بأنه فعل ذلك ابتداء من نفسه، فلما استأذن أولًا لأبي بكر وأمره النبي ﷺ أن يأذن له [ويبشره بالجنة] وافق ذلك اختيار النبي ﷺ لحفظ الباب عليه؛ لكونه في حالة خلوة، وقد كشف عن ساقيه ودلى رجليه فأمره بحفظ الباب، فصادف أمره ما كان أبو موسى ألزم نفسه به قبل الأمر، ويحتمل أن يكون أطلق الأمر على التقرير، "ف" (١٣/ ٥٠).
¬ (٤) أي: في عقبه.
стр. 9938
وَقُلْتُ: لأَكُونَنَّ الْيَوْمَ بَوَّابَ النَّبِيِّ ﷺ ولَم يَأْمُرنِي، فَذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَضَى حَاجَتَهُ ¬ (١)، وَجَلَسَ عَلَى قُفِّ الْبِئْر ¬ (٢)، وَكَشَفَ عَنْ سَاقَيهِ فَدَلَّاهُمَا ¬ (٣) فِي الْبِئْرِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَستَأْذِنُ عَلَيهِ لِيَدْخُلَ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ ¬ (٤) حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ. فَوَقَفَ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ يَستَأْذِنُ عَلَيكَ. قَالَ: "ائْذَنْ لَه، وَبَشِّرهُ بِالْجَنَّةِ". فَدَخَلَ فَجَاءَ عَنْ يَمِينِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَكَشفَ عَنْ سَاقَيهِ وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَجَاءَ عُمَرُ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَنْ لَه، وَبَشِّرهُ بِالْجَنَّةِ". فَجَاءَ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ ﷺ فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيهِ
"عَلَى قُفِّ الْبِئْرِ" في سـ، حـ، ذ: "في قُفِّ الْبِئْرِ". "وَكَشَفَ" في نـ: "فَكَشَفَ". "فَجَاءَ" في هـ، ذ: "فَجَلَسَ".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٣٦٧٤) في "الفضائل"، [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٦٢].
¬ (٢) قوله: (جلس على قف البئر) وفي رواية الكشميهني: "في قف البئر" وهو - بالضم - ما ارتفع من متن الأرض، وقال الداودي: ما حول البئر، وقال الكرماني: القف - بضم القاف -: هو البناء حول البئر وحجر في وسطها وشفيرها (١) ومصبها، "ع" (١٦/ ٣٦٢). قال في "المجمع" (٤/ ٣١٠): قف البئر هو: الدكة التي تجعل حولها، وأصله: ما غلظ من الأرض وارتفع، وهو من القف اليابس؛ لأن ما ارتفع حول البئر يكون يابسًا غالبًا، والقف أيضًا وادٍ [في] المدينة، انتهى.
¬ (٣) أي: أرسلهما فيها، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٤) أي: أثبت كما أنت عليه، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
стр. 9939
وَدَلَّاهُمَا فِي الْبِئْرِ، فَامْتَلأَ الْقُفُّ فَلَم يَكُنْ فِيهِ مَجْلِسٌ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَقُلْتُ: كَمَا أَنْتَ ¬ (١) حَتَّى أَستَأْذِنَ لَكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "ائْذَن لَه، وَبَشِّرهُ بِالْجَنَّةِ، مَعَهَا بَلَاءٌ يُصِيبُهُ" ¬ (٢). فَدَخَلَ فَلَم يَجِدْ مَعَهُم مَجْلِسًا، فَتَحَوَّلَ حَتَّى جَاءَ مُقَابِلَهُم ¬ (٣) عَلَى شَفَةِ الْبِئْرٍ، فَكَشَفَ عَنْ سَاقَيهِ ثُمَّ دَلَّاهُمَا ¬ (٤) فِي الْبِئْرِ، فَجَعَلْتُ أَتَمَنَّى أخًا لِي ¬ (٥)
"فَامْتَلأَ" في هـ، ذ: "وامْتَلأَ". "ثُمَّ دَلَّاهُمَا" في نـ:
"فَدَلَّاهُمَا".
===
¬(١) أي: قف واثبت كما أنت عليه، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٢) قوله: (معها بلاء يصيبه) وهو البلية التي صار بها شهيد الدار. ومطابقته للترجمة تؤخذ من قوله: "وبشِّره بالجنة معها بلاء يصيبه" وهذا من جملة الفتن التي تموج كموج البحر، ولهذا خصه ﵇ بالبلاء ولم يذكر ما جرى على عمر ﵁، لأنه لم يمتحن مثل ما امتحن عثمان ﵁ من التسلط عليه ومطالبة خلع الإمامة والدخول على حرمه ونسبة القبائح إليه، "ع" (١٦/ ٣٦١ - ٣٦٢). وقال في "الفتح" (١٣/ ٥١): "بلاء يصيبه": هو ما وقع له من القتل الذي نشأت عنه الفتن الواقعة بين الصحابة في الجمل ثم في صفين وما بعد ذلك. قوله: "فتأوّلت … " إلخ، أي: "فسَّرتُ ذلك بقبورهم، وذلك من جهة كونهما مصاحبين له مجتمعين عند الحضرة المباركة التي هي أشرف بقاع الأرض لا من جهة أن أحدهما عن اليمين والآخر عن اليسار، وأما عثمان ﵁ فهو في البقيع مقابلًا لهم، "ك" (٢٤/ ١٧٢)، "ع" (١٦/ ٣٦٢).
¬ (٣) اسم مكان - فتحًا -، واسم فاعل كسرًا، "ع" (١٦/ ٣٦٢)، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٤) أي: أرسلهما فيها، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٥) هو أبو بردة.
стр. 9940
وَأَدْعُو اللَّهَ ¬ (١) أَنْ يَأْتِيَ.
قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَتَأَوَّلْتُ ¬ (٢) ذَلِكَ: قُبُورَهُمُ اجْتَمَعَتْ ¬ (٣) هَا هُنَا وَانْفَرَدَ عُثْمَانُ. [راجع: ٣٦٧٤].
٧٠٩٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ ¬ (٤) قَالَ: حدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيمَانَ ¬ (٥) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لأُسَامَةَ ¬ (٦): أَلَا تُكَلِّمُ هَذَا ¬ (٧) ¬ (٨)؟ قَالَ: قَدْ كَلَّمْتُهُ مَا دُونَ أنْ أَفْتَحَ لَكَ بَابًا أَكُونُ
"فَتَأَوَّلْتُ" في هـ، ذ: "فَأوَّلْتُ". "حَدَّثَنَا بِشْرُ" في نـ: "حَدَّثَنِي بِشْرُ". "حدَّثَنَا مُحَمَّدُ" في نـ: "أخبرَنَا مُحَمَّدُ". "لَكَ" سقط في نـ.
===
¬(١) مرَّ الحديث مع بيانه (برقم: ٣٦٧٤).
¬ (٢) أي: فسرت.
¬ (٣) والمراد من الاجتماع مطلقه، "قس" (١٥/ ٥٤).
¬ (٤) العسكري، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٥) الأعمش.
¬ (٦) ابن زيد، حِبّ رسول اللّه ﷺ ، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٧) أي: عثمان ﵁، "ك" (٢٤/ ١٧٢).
¬ (٨) قوله: (ألا تكلم هذا) فيما وقع من الفتنة بين الناس والسعي في إطفاء ثائرتها. وقيل: المراد: التكلم في شأن الوليد بن عقبة - بسكون القاف - وما ظهر منه من شرب الخمر. و"هذا" أي: عثمان. قوله: "قد كلمته ما دون" أي: شيئًا دون "أن أفتح بابًا" من أبواب الفتن، أي: كلمته على سبيل المصلحة والأدب والسر بدون أن يكون فيه تهيج الفتنة ونحوها، وكلمة "ما" موصوفة أو موصولة، "ك" (٢٤/ ١٧٢ - ١٧٣). قوله: "فيطيف به" أي: يجتمعون حوله، يقال: أطاف به القوم إذا حلقوا حوله حلقة وإن
стр. 9941
أَوَّلَ مَنْ يَفْتَحُه، وَمَا أَنَا بِالَّذِي ¬ (١) أَقُولُ لِرَجُلٍ - بَعْدَ أَنْ يَكُونَ أَمِيرًا عَلَى رَجُلَينِ -: أَنْتَ خَيرٌ بَعْدَ مَا سَمِعْتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يُجَاءُ ¬ (٢) بِرَجُلٍ فَيُطْرَحُ فِي النَّارِ، فَيُطْحَنُ ¬ (٣) فِيهَا كَطَحْنِ الْحِمَارِ بِرَحَاه، فَيُطِيفُ ¬ (٤) بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَان،
"مَنْ يَفْتَحُهُ" في هـ، ذ: "مَنْ فَتَحَهُ". "أَنْتَ خَيرٌ" في هـ، ذ: "ائتِ خَيرًا" - بصيغة الأمر، من الإتيان: و"خيرًا" بالنصب على المفعولية -. "سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ" في نـ: "سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ". "كَطَحْنِ الْحِمَارِ" في هـ: "كَمَا يُطْحَنُ الْحِمَارُ".
===
لم يدوروا، وطافوا إذا داروا حوله، وبهذا التقدير يظهر خطأ من قَالَ: إنهما بمعنى واحد، "ف" (١٣/ ٥٢). ومطابقته للترجمة يمكن أن تؤخذ بالتعسف في كلام أسامة، وهو أنه لم يرد فتح باب المجاهرة بالتنكير على الإمام (١) لما يخشى من عاقبة ذلك من كونه فتنة ربما تؤول إلى أن تموج كموج البحر. فإن قلت: ما مناسبة ذكر أسامة هذا الحديث ههنا؟ قلت: ذكره ليتبرأ مما ظنوا به من سكوته عن عثمان في أخيه، وقَالَ: قد كلمته سرًّا (٢) دون أن أفتح باب الإنكار على الأئمة علانية خشيةَ أن يفرق الكلام. ثم عرفهم بأنه لا يداهن أحدًا ولو كان أميرًا بل ينصح له في السر جهده، "ع" (١٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣).
¬ (١) مرَّ الحديث (برقم: ٣٢٦٧).
¬ (٢) على بناء المجهول.
¬ (٣) كذا رأيت في نسخة معتمدة على البناء للمجهول، وفي أخرى بفتح أوله وهو أوجه، "ف" (١٣/ ٥٢).
¬ (٤) أي: يجتمعون حوله.
стр. 9942
أَلَستَ كُنْتَ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: إِنِّي كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا أَفْعَلُه، وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَأَفْعَلُهُ".
[راجع: ٣٢٦٧].
١٨ - بَابٌ ¬ (١)
٧٠٩٩ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْن الْهَيثَمِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: لَقَدْ نَفَعَنِي اللَّهُ ¬ (٢) بِكَلِمَةٍ أَيَّامَ الْجَمَلِ: لَمَّا بَلَغَ
"تَأْمُرُ" في نـ: "تَأْمُرُنا".
===
¬(١) بالتنوين بغير ترجمة، وسقط لابن بطال، "ف" (١٣/ ٥٤).
¬ (٢) قوله: (لقد نفعني اللّه) إلخ، مطابقته للكتاب من حيث إن أيام الجمل كانت فتنة شديدة، وقصتها مشهورة كانت بين علي وعائشة رضي اللّه تعالى عنهما، وسميت "وقعة الجمل" لأن عائشة كانت على جمل، "ع" (١٦/ ٣٦٣). قوله: "أن فارسًا" مصروف في النسخ، وقال ابن مالك "شواهد التوضيح" (ص: ٢٥٠)،: الصواب عدم الصرف. أقول: هو يطلق على الفرس وعلى بلادهم، فعلى الأول يجب الصرف، إلا أن يقال: المراد القبيلة، وعلى الثاني جاز الأمران كسائر البلاد، "ك" (٢٤/ ١٧٣). قوله: "ابنة كسرى" كسرى هذا شيرويه بن إبرويز بن هرمز، وقال الكرماني: كسرى - بكسر الكاف وفتحها -: ابن قباذ - بضم القاف وتخفيف الباء الموحدة -، واسم بنته بوران - بضم الباء الموحدة وإسكان الواو وبالراء والنون -، وكانت مدة ملكها سنة وستة أشهر. قوله: "لن يفلح قوم … " إلخ، واحتج به من منع قضاء المرأة، وهو قول الجمهور. وخالف الطبري فقال: يجوز أن تقضي فيما تقبل شهادتها فيه، وأطلق بعض المالكية الجواز، "ع" (١٦/ ٣٦٣ - ٣٦٤). [انظر "فتح الباري" (١٣/ ٥٦)].
стр. 9943
النَّبِيَّ ﷺ أَنَّ فَارِسَ مَلَّكُوا ابْنَةَ كِسرَى قَالَ: "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" ¬ (١). [راجع: ٤٤٢٥].
٧١٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حَصِينٍ ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مَريَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادٍ الأَسَدِيُّ قَالَ: لَمَّا سَارَ طَلْحَةُ ¬ (٤)
"أَنَّ فَارِسَ" في نـ: "أَنَّ فَارِسًا".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٤٤٢٥).
¬ (٢) المقرئ.
¬ (٣) بفتح أوله، اسمه عثمان الأسدي، "ع" (١٦/ ٣٦٤).
¬ (٤) قوله: (لما سار طلحة … ) إلخ، وأصل ذلك أن عائشة كانت بمكة لَمَّا قتل عثمان، ولما بلغها الخبر قامت في الناس تحضّهم على القيام بطلب دم عثمان، فطاوعوها على ذلك، واتفق رأيهم في التوجه إلى البصرة، ثم خرجوا في سنة ست وثلاثين في ألف من الفرسان من أهل مكة والمدينة، وتلاحق بهم آخرون فصاروا إلى ثلاثة آلاف، وكانت عائشة على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار فدفعه إلى عائشة، وكان علي ﵁ بالمدينة، ولما بلغه الخبر خرج في أربعة آلاف فيهم أربع مائة ممن بايعوا تحت الشجرة وثمانمائة من الأنصار، وبعث [علي] عمار بن ياسر وابنه الحسن بن علي … إلخ، "ع" (١٦/ ٣٦٤). قوله: "إن عائشة قد سارت … " إلخ، أراد بذلك عمار بن ياسر: أن الصواب مع علي، وإن صدرت هذه الحركة عن عائشة، فإنها بذلك لم تخرج عن الإسلام ولا عن كون زوجة النبي ﷺ في الجنة. قوله: "أم هي؟ " إنما قال: "هي"، وكان المناسب أن يقول: "إياها" لأن الضمائر يقوم بعضها مقام البعض، "ع" (١٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
стр. 9944
وَالزُّبَيرُ ¬ (١) وَعَائِشَةُ إِلَى الْبَصْرَةِ بَعَثَ عَلِيٌّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ ¬ (٢) وَحَسَنَ ابْنَ عَلِيٍّ، فَقَدِمَا عَلَينَا الْكُوفَةَ فَصَعِدَا الْمِنْبَرَ ¬ (٣)، وَكَانَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فَوقَ الْمِنْبَرِ فِي أَعْلَاهُ ¬ (٤)، وَقَامَ عَمَّارٌ أَسْفَلَ مِنَ الْحَسَنِ، فَاجْتَمَعْنَا إِلَيهِ، فَسَمِعْتُ عَمَّارًا ¬ (٥) يَقُولُ: إِنَّ عَائِشَةَ قَدْ سَارَتْ إِلَى الْبَصْرَةِ، وَاللَّهِ إِنَّهَا لَزَوْجَةُ نَبِيِّكُم ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ابْتَلَاكُم، لِيُعْلَمَ ¬ (٦) إِيَّاهُ ¬ (٧) تُطِيعُونَ أَمْ هِيَ؟ ¬ (٨). [راجع: ٣٧٧٢، أخرجه: ت ٣٨٨٩، تحفة: ١٠٣٥٦].
"وَكَانَ" في نـ: "فَكَانَ". "وَاللَّهِ" في نـ: "وواللَّهِ".
===
¬(١) ابن العوام.
¬ (٢) هذا مطابق للحديث السابق من حيث المعنى، فالمطابق للمطابق للشيء مطابق لذلك الشيء، "ع" (١٦/ ٣٦٤).
¬ (٣) أي: منبر جامع الكوفة.
¬ (٤) لأنه ابن الخليفة وابن بنت رسول اللّه ﷺ ، "ع" (١٦/ ٣٦٤).
¬ (٥) القائل بهذا أبو مريم الراوي، "ع" (١٦/ ٣٦٤).
¬ (٦) على بناء المجهول أي: ليميز. ويفهم من كلام الشراح أنه على بناء المعلوم، كذا في "العيني" (١٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥).
¬ (٧) أي: عليًّا.
¬ (٨) أي: عائشة.
стр. 9945
٧١٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ عَنِ ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ ¬ (١)، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ: قَامَ عَمَّارٌ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ، فَذَكَرَ عَائِشَةَ وَذَكَرَ مَسِيرَهَا وَقَالَ: إِنَّهَا زَوْجَةُ نَبِيِّكُم ﷺ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَكِنَّهَا مِمَّا ابْتُلِيتُم ¬ (٢). [راجع: ٣٧٧٢].
٧١٠٢ و ٧١٠٣ و ٧١٠٤ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ الْمُحَبَّرِ ¬ (٣) قَالَ:
"حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيمٍ" زاد قبله في نـ: "بَابٌ" - بلا ترجمة، وسقط في رواية أبي ذر وهو المناسب؛ إذ الحديث اللاحق طرف من سابقه، "قس" (١٥/ ٥٨) -. "عن ابْنِ أَبِي غَنِيَّةَ" كذا في ذ، وفي نـ: "حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي غَنِيَّةَ". "عَنْ أَبِي وَائِلٍ" زاد بعده: "قَالَ".
===
¬(١) قوله: (ابن أبي غنية) بفتح المعجمة وكسر النون وشدة التحتانية: عبد الملك الكوفي، أصله من أصبهان، لم يسبق ذكره. "الحكم" بفتحتين: ابن عتيبة، مصغّر عتبة الدار، "ك" (٢٤/ ١٧٤).
¬ (٢) ببناء المجهول أي: امتحنتم بها، "ك" (٢٤/ ١٧٤).
¬ (٣) قوله: (المحبر) بفتح الباء الموحدة وبالراء، من التحبير: اليربوعي، وقيل: الواسطي. و"أبو مسعود" هو عقبة - بضم العين المهملة وسكون القاف وبالباء الموحدة - ابن عمرو البدري (١) الأنصاري. قوله: "حيث بعثه علي" وفي رواية الكشميهني: "حين بعثه". قوله: "يستنفرهم" أي: يطلب منهم الخروج لعلي على عائشة. قوله: "ما رأيناك" الخطاب لعمار، فعد كل منهم الإبطاء والإسراع عيبًا بالنسبة لما يعتقده. قوله: "وكساهما" أي: كسى أبو مسعود، والدليل على أن الذي كسى أبو مسعود حديث صرح به في الرواية الآتية، وإن كان الضمير المرفوع في "كساهما" إليه خلاف الظاهر، وكان
стр. 9946
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو ¬ (١) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ يَقُولُ: دَخَلَ أَبُو مُوسَى وَأَبُو مَسعُودٍ عَلَى عَمَّارٍ حَيثُ بَعَثَهُ عَلِيٌّ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ يَسْتَنْفِرُهُم، فَقَالَا: مَا رَأَيْنَاكَ أَتَيتَ أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدَنَا مِنْ إِسْرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ مُنْذُ أَسْلَمْتَ. فَقَالَ عَمَّارٌ: مَا رَأَيْتُ مِنْكُمَا مُنْذُ أَسْلَمْتُمَا أَمْرًا أَكْرَهَ عِنْدِي مِنْ إِبْطَائِكُمَا عَنْ هَذَا الأَمْرِ. وَكَسَاهُمَا ¬ (٢) حُلَّةً حُلَّةً، ثُمَّ رَاحُوا ¬ (٣) إِلَى الْمَسجِدِ ¬ (٤). [طرفه: ٧١٠٦، تحفة: ١٠٣٥٢].
٧١٠٥ و ٧١٠٦ و ٧١٠٧ - حَدَّثَنَا عَبدَانُ ¬ (٥)، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ ¬ (٦)، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقِ ¬ (٧) بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي مَسعُودٍ
"حَيْثُ بَعَثَهُ" في هـ: "حِينَ بَعَثَهُ".
===
أبو مسعود موسرًا جوادًا. وقال ابن بطال (١٠/ ٥٢): كان اجتماعهم عند أبي مسعود يوم الجمعة، فكسى عمارًا حُلَّة ليشهد بها الجمعة لأنه كان في ثياب السفر وهيئة الحرب، فكره أن يشهد الجمعة في تلك الثياب، وكره أن يكسوه بحضرة أبي موسى ولا يكسو أبا موسى، فكسى أبا موسى أيضًا. والحلة: اسم لثوبين من أيّ ثوب كان: إزارًا ورداءً، "ع" (١٦/ ٣٦٦).
¬ (١) هو ابن مرة بضم الميم وتشديد الراء.
¬ (٢) أي: أبو مسعود ﵁، أي: عمارًا وأبا موسى ﵄.
¬ (٣) أي: راح عمار وأبو موسى وأبو مسعود، "ع" (١٦/ ٣٦٦).
¬ (٤) أي: الجامع بالكوفة.
¬ (٥) لقب عبد اللّه بن عثمان، "ع" (١٦/ ٣٦٧).
¬ (٦) اسمه محمد بن ميمون.
¬ (٧) هو أبو وائل.
стр. 9947
وَأَبِي مُوسَى وَعَمَّارٍ فَقَالَ أَبُو مَسعُودٍ: مَا مِنْ أَصْحَابِكَ أَحَدٌ إِلَّا لَوْ شِئْتُ لَقُلْتُ ¬ (١) فِيهِ غَيرَكَ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ شَيئًا مُنْذُ صَحِيتَ النَّبِيَّ ﷺ أعْيَبَ عِنْدِي ¬ (٢) مِنِ اسْتِسرَاعِكَ فِي هَذَا الأَمْرِ ¬ (٣). فَقَالَ عَمَّارٌ: يَا أَبَا مَسعُودٍ وَمَا رَأَيْتُ مِنْكَ وَلَا مِنْ صَاحِبِكَ ¬ (٤) هَذَا شَيئًا مُنْذُ صَحِبتُمَا النَّبِيَّ ﷺ أَعْيَبَ عِنْدِى مِنْ إِبْطَائِكُمَا فِي هَذَا الأَمْرِ. فَقَالَ أَبُو مَسعُودٍ - وَكَانَ مُوسِرًا -: يَا غُلَامُ هَاتِ حُلَّتَينِ. فَأَعْطَى إِحْدَاهُمَا أَبَا مُوسَى وَالأُخْرَى
===
¬(١) أي: لقدحت فيه بوجه من الوجوه، "ع" (١٦/ ٣٦٦)، "ك" (٢٤/ ١٧٥).
¬ (٢) قوله: (أعيب عندي) أفعل التفضيل من العيب، وفيه رد على النحاة حيث قالوا: أفعل التفضيل من الألوان، والعيوب لا يستعمل من لفظه. قال الكرماني: الإبطاء فيه كيف يكون عيبًا؟ قلت: لأنه تأخر عن امتثال مقتضى ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، كذا في "العيني" (١٦/ ٣٦٦). وقال في "الفتح" (١٣/ ٥٩): فيما دار بينهم دلالة على أن كلًّا من الطائفتين كان مجتهدًا، ويرى أن الصواب معه، وجعل كل منهم الإبطاء والإسراع عيبًا بالنسبة لما يعتقده، فعمار لما في الإبطاء من مخالفة الإمام وترك امتثال ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ [الحجرات: ٩]، والآخران لما ظهر لهما من ترك مباشرة القتال في الفتنة. وكان أبو مسعود على رأي أبي موسى في الكفِّ عن القتال تمسُّكًا بالأحاديث الواردة في ذلك وما في حمل السلاح على المسلم من الوعيد، وكان عمار على رأي علي في قتال الباغين والناكثين والتمسك بقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، وحمل الوعيد الوارد في القتال على من كان متعديًا على صاحبه، انتهى مختصرًا.
¬ (٣) أي: ترغيب الناس إلى الخروج للقتال، "ك" (٢٤/ ١٧٥).
¬ (٤) والمراد به أبو موسى.
стр. 9948
عَمَّارًا وَقَالَ: رُوحَا فِيهِ ¬ (١) إِلَى الْجُمُعَةِ. [راجع: ٧١٠٣].
١٩ - بَابٌ إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بقَوْم عَذَابًا
٧١٠٨ - حَدَّثَنَا عَبدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ¬ (٢) قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبدُ اللَّهِ ¬ (٣) قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ ¬ (٤)، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَمْزَةُ بْنُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "إِذَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِم ¬ (٥)، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِم".
[أخرجه: م ٢٨٧٩، تحفة: ٦٧٠٣].
٢٠ - باب قَولِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَينَ فِئَتَينِ مِنَ الْمُسلِمِينَ"
٧١٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٦) قَالَ:
"رُوحَا فِيهِ" في نـ: "رُوحَا فِيهَا". "سَيِّد" كذا في هـ، ذ، مر، وفي نـ: لَسَيِّدٌ" - اللام فيه للتأكيد، وفي رواية المروزي والكشميهني: "سَيِّدٌ"بغير لام، (ع" (١٦/ ٣٦٧) -.
===
¬(١) تذكير الضمير باعتبار الثوب وتأنيثه باعتبار الحُلَّة.
¬ (٢) هو المشهور بعبدان.
¬ (٣) ابن المبارك.
¬ (٤) ابن يزيد.
¬ (٥) قوله: (من كان فيهم) هو من صيغ العموم، يعني يصيب الصالحين منهم أيضًا؛ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، لكن يبعثون يوم القيامة على حسب أعمالهم، فيثاب الصالح بذلك لأنه كان تمحيصًا له، ويعاقب غيره، "ك" (٢٤/ ١٧٦)، "ع" (١٦/ ٣٦٧).
¬ (٦) أي: ابن عيينة.
стр. 9949
حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ¬ (١) أَبُو مُوسَى وَلَقِيتُهُ ¬ (٢) بِالْكُوفَةِ جَاءَ إِلَى ابْنِ شُبرُمَةَ ¬ (٣)
"جَاءَ" في ذ: "وَجَاءَ".
===
¬(١) ابن موسى، وكنيته أبو موسى، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهو بصري، كان يسافر في التجارة إلى الهند وأقام بها مدة، "ع" (١٦/ ٣٦٧).
¬ (٢) قائل هذا: سفيان.
¬ (٣) قوله: (وجاء إلى ابن شبرمة) بضم المعجمة والراء وإسكان الموحدة بينهما اسمه، عبد اللّه الضبي، القاضي بالكوفة في خلافة أبي جعفر المنصور، ومات في زمنه سنة ١٤٤ هـ، وكان صارمًا عفيفًا ثقةً فقيهًا. قوله: "أدخلني على عيسى … " إلخ، عيسى هو ابن موسى بن محمد بن علي بن عبد اللّه بن عباس، ابن أخي المنصور، وكان أميرًا على الكوفة إذ ذاك. قوله: "خاف عليه" ولعل سبب خوفه عليه أنه كان صادعًا بالحق فخشي أنه لا يتلطف بعيسى" فيبطش به لما عنده من عزة الشباب وعزة الملك. وفيه دلالة على أن من خاف على نفسه سقط عنه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قوله: "بالكتائب" جمع كتيبة على وزن عظيمة، وهي طائفة من الجيش تجمع، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، لأن أمير الجيش إذا رتبهم وجعل كل طائفة على حدة كتبهم في ديوانه، وكان ذلك بعد قتل علي ﵁ واستخلاف الحسن. وعند الطبري (١) بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري: أن عليًا جعل على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة وكانوا أربعين ألفًا بايعوه على الموت، فلما قتل علي بايعوا الحسن بن علي بالخلافة وكان لا يحب القتال، ولكن كان يريد أن يشترط على معاوية، فعرف أن قيس بن سعد لا يطاوعه على الصلح،
стр. 9950
فَقَالَ: أَدْخِلْنِي عَلَى عِيسَى فَأَعِظَهُ. فَكَأَنَّ ابْنَ شُبرُمَةَ خَافَ عَلَيهِ ¬ (١) فَلَم يَفْعَلْ ¬ (٢). فَقَالَ ¬ (٣): حَدَّثَنَا الْحَسَنُ ¬ (٤) قَالَ: لَمَّا سَارَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ إِلَى مُعَاوِيَةَ بالْكَتَائِبِ ¬ (٥) قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ لِمُعَاوِيَةَ: أَرَى كَتِيبَةً لَا تُوَلِّي ¬ (٦) ¬ (٧) حَتَّى تُدْبُرَ أُخْرَاهَا ¬ (٨). قَالَ مُعَاوِيَةُ:
"فَقَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ" في نـ: "قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ". "أُخْرَاهَا" في نـ: "أُخْرَى".
===
فنزعه وأمّر عبد اللّه بن عباس. وعند الطبراني أيضًا: بعث الحسن قيس بن سعد على مقدمته في اثني عشر ألفًا - يعني من الأربعين - فسار قيس إلى جهة الشأم، وكان معاوية لما بلغه قتل علي خرج في عساكره من الشام، وخرج الحسن حتى نزل المدائن، ملتقط من "العيني" (١٦/ ٣٦٨)، و"الفتح" (١٣/ ٦٢ - ٦٣)، و"الكرماني" (٢٤/ ١٧٦ - ١٧٧)، و"القسطلاني" (١٥/ ٦٤).
¬ (١) أي: على إسرائيل.
¬ (٢) أي: لم يدخله على عيسى، "ع" (١٦/ ٣٦٨).
¬ (٣) أي: إسرائيل.
¬ (٤) أي: البصري.
¬ (٥) جمع كتيبة وهي الجيش وجماعة الخيل، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (٦) أي: لا تدبر.
¬ (٧) بتشديد اللام، من التولية، إذ التولي بمعنى الإدبار أي: لا تدبر، [انظر "القسطلاني" ١٥/ ٦٤ - ٦٥].
¬ (٨) قوله: (حتى تدبر أخراها) أي: التي تقابلها، ونسبتها إليها لتشاركهما في المحاربة، وهذا على أنه يدبر من أدبر رباعيًا، ويحتمل أن يكون من دبر يدبر بفتح أوله وضم الموحدة أي: تقوم مقامها، يقال: دبرته
стр. 9951
مَنْ لِذَرَارِيِّ ¬ (١) الْمُسلِمِينَ؟ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ: نَلْقَاهُ ¬ (٢) فَنَقُولُ لَهُ: الصُّلْحَ ¬ (٣).
قَالَ ¬ (٤) الْحَسَنُ ¬ (٥): وَلَقَدْ سمِعْتُ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: بَينَا النَّبِيُّ ﷺ
===
إذا بقيت بعده، وتقدم في رواية عبد اللّه بن محمد في "الصلح" (رقم: ٢٧٠٤): "إني لأرى كتائب لا تولي حتى تقتل أقرانها" وهي أبين. وقال الكرماني (٢٤/ ١٧٧): أي: الكتيبة التي لخصومهم، أو الكتيبة الأخيرة التي لأنفسهم ومن ورائهم أي: لا ينهزمون؛ إذ عند الانهزام (١) يرجع الآخر أولًا، "ف" (١٣/ ٦٤)، [انظر "القسطلاني" (١٥/ ٦٤)]. قوله: "فقال: أنا" وظاهره يوهم أن المجيب بذلك عمرو بن العاص، ولم أر في طرق الخبر ما يدل على ذلك، فإن كانت محفوظة فلعلها كانت: "فقَالَ: أنَّى" بتشديد النون المفتوحة، قالها عمرو استبعادًا، "ف" (١٣/ ٦٤). قوله: "فقال عبد اللّه بن عامر" بن كريز مصغر الكرز - بالراء والزاي - العبشمي، بالمهملة والموحدة والمعجمة، "وعبد الرحمن بن سمرة" بفتح المهملة وضم الميم: عبشمي أيضًا. "نلقاه فنقول له: الصلح" أي: نشير عليه بالصلح، وهذا ظاهره أنهما بدءا بذلك، والذي تقدم في "الصلح" أن معاوية هو الذي بعثهما، فيمكن الجمع بأنهما عرضا أنفسهما فوافقهما، "ف" (١٣/ ٦٤)، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (١) بالتخفيف والتشديد جمع ذرية أي: من يكفلهم إذا قُتل آباؤهم.
¬ (٢) أي: نجتمع معه، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (٣) أي: نطلب الصلح، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (٤) هذا موصول بالسند المتقدم، "ع" (١٦/ ٣٦٨).
¬ (٥) أي: البصري.
стр. 9952
يَخْطُبُ جَاءَ الْحَسَنُ فَقَالَ: "ابْنِي ¬ (١) هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ ¬ (٢) اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَينَ فِئتَينِ ¬ (٣) مِنَ الْمُسلِمِينَ". [راجع: ٢٧٠٤].
٧١١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ¬ (٤) قَالَ: قَالَ عَمْرٌو ¬ (٥) ¬ (٦): أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ ¬ (٧) بْنُ عَلِيٍّ ¬ (٨): أَنَّ حَرمَلَةَ مَوْلَى أُسَامَةَ ¬ (٩) أَخْبَرَهُ. قَالَ عَمْرو ¬ (١٠): وَقَدْ رَأَيْتُ حَرمَلَةَ قَالَ: أَرْسَلَنِي ¬ (١١) أُسَامَةُ ¬ (١٢)
"فَقَالَ: ابْنِي هَذَا" في نـ: "فَقَالَ النبي ﷺ : ابْنِي هَذَا".
===
¬(١) أطلق الابن على ابن البنت، "ع" (١٦/ ٣٦٨)، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (٢) استعمل "لعل" استعمال "عسى"، "مجمع"، [انظر "العيني" (١٦/ ٣٦٨)].
¬ (٣) قوله: (بين فئتين … ) إلخ، الفئتان هما: طائفة الحسن وطائفة معاوية، وكان الحسن دعاه ورعُه إلى ترك الملك رغبةً فيما عند الله، ولم يكن ذلك لقلة ولا لعلة ولا لذلّة، بل صالحه رعاية لدينه ومصلحة للأمة ﵁. وفيه معجزة لرسول الله ﷺ . مرَّ الحديث في "كتاب الصلح" (برقم: ٢٧٠٤)، "ك" (٢٤/ ١٧٧).
¬ (٤) ابن عيينة.
¬ (٥) ابن دينار.
¬ (٦) في السند ثلاثة من التابعين: عمرو ومحمد وحرملة.
¬ (٧) أبو جعفر الباقر.
¬ (٨) ابن الحسين بن علي بن أبي طالب.
¬ (٩) ابن زيد.
¬ (١٠) ابن دينار.
¬ (١١) أي: من المدينة، "ف" (١٣/ ٦٧).
¬ (١٢) قوله: (أرسلني أسامة … ) إلخ، ولم يذكر مضمون الرسالة، ولكن دل قوله: "فلم يعطني شيئًا" أنه كان أرسله ليسأل عليًا شيئًا من المال.
стр. 9953
إِلَى عَلِيٍّ ¬ (١) وَقَالَ: إِنَّهُ سَيَسْأَلُكَ الآنَ فَيَقُولُ: مَا خَلَّفَ صَاحِبَكَ ¬ (٢)؟ فَقُلْ لَهُ ¬ (٣): يَقُولُ ¬ (٤) لَكَ: لَوْ كُنْتَ فِي شِدْقِ ¬ (٥) الأَسَدِ ¬ (٦) لأَحْبَبتُ أَنْ
===
قوله: "سيسألك الآن … " إلخ، هذا هيّأه أسامة اعتذارًا عن تخلفه عن علي، لعلمه أن عليًا كان ينكر على من تخلف عنه ولا سيما مثل أسامة الذي هو من أهل البيت، فاعتذر بأنه لم يتخلف ضنًّا منه بنفسه عن علي ولا كراهة له، وأنه لو كان في أشد الأماكن هولًا لأحب أن يكون معه فيه ويواسيه بنفسه، ولكنه إنما تخلف لأجل كراهيته [في] ققال المسلمين، وهذا معنى قوله: "ولكن هذا أمر لم أره"، "ف" (١٣/ ٦٧).
¬ (١) وهو بالكوفة، "ف" (١٣/ ٦٧).
¬ (٢) أي: ما السبب في تخلفه عن مساعدتي؟ "ك" (٢٤/ ١٧٨).
¬ (٣) أي: لعلي.
¬ (٤) أي: أسامة.
¬ (٥) والشدق: جانب الفم، "ك" (٢٤/ ١٧٨).
¬ (٦) قوله: (في شدق الأسد … ) إلخ، بكسر المعجمة ويجوز فتحها وبسكون الدال المهملة بعدها قاف أي: جانب فمه من داخل، ولكل فم شدقان إليهما ينتهي شق الفم، وعند مؤخرهما ينتهي الحنك الأعلى والأسفل، ورجل أشدق واسع الشدقين، ويتشدق في كلامه إذا فتح فمه وأكثر القول [فيه] واتسع فيه، وهو كناية عن الموافقة حتى في حالة الموت؛ لأن الذي يفترسه الأسد بحيث يجعله في شدقه في عداد من هلك. قوله: "هذا أمر لم أره" يعني: قتال المسلمين، وسببه أنه [لما] قتل مرداسًا وعاتبه النبي ﷺ على ذلك قرّر على نفسه أن لا يقاتل مسلمًا. قوله: "فلم يعطني" هذه الفاء هي الفصيحة، والتقدير: فذهبت إلى علي فبلغته ذلك فلم يعطني شيئًا. قوله: "فأوقروا لي راحلتي" أي: حملوا [لي] على راحلتي ما أطاقت حمله، ولم يعين جنس ما أعطوه ولا نوعه. والراحلة: الناقة التي صلحت