قَالَ: حَدثني سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ ¬ (١) أَلَيَاتُ ¬ (٢) نِسَاءِ دَوْسٍ ¬ (٣) عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ". وَذُو الْخَلَصَةَ: طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. [تحفة: ١٣١٦٣].
٧١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيمَانُ ¬ (٤)،
"حَدثني سَعِيدُ" في نـ: "أخبرني سَعِيدُ". "أَنَّ أبا هُرَيْرَةَ" كذا في قتـ، ذ، وفي نـ: "أخبَرَنِي أبو هُرَيْرَةَ". "سَمِعْتُ النَّبِيَّ" في نـ: "سمعت رسول الله".
===
¬(١) قوله: (حتى تضطرب) أي: يضرب بعضها بعضًا، وقال ابن التين: فيه الإخبار بأن نساء دوس يركبن الدواب من البلدان إلى الصنم المذكور فهو المراد باضطراب ألياتهن "ع" (١٦/ ٣٧٤). قوله: "على ذي الخلصة" بفتح المعجمة واللام والمهملة، وقيل بسكون اللام، وقيل بضمها، وهو موضع ببلاد دوس كان فيه صنم يعبدونه اسمه الخلصة. والطاغية: الصنم، ولفظ البخاري مشعر بأن ذا الخلصة هو الطاغية نفسه. إلا أن يقال: كلمة: "فيها" أو كلمة "هي" محذوفة، لكن تقدم في "كتاب الجهاد" في "باب حرق الدور" بأنه بيت في خثعم يسمى كعبة اليمانية، ومعناه: لا تقوم الساعة حتى تضطرب أي: تتحرك أعجاز نسائهم من الطواف حول ذي الخلصة أي: حتى يكفرن ويرجعن إلى عبادة الأصنام، "ك" (٢٤/ ١٨١ - ١٨٢).
¬ (٢) بفتح الهمزة واللام جمع ألية، وهي: العجيزة، وجمعها: أعجاز، "ع" (١٦/ ٣٧٤)، "ف" (١٣/ ٧٦).
¬ (٣) بفتح الدال، قبيلة أبي هريرة، "ع" (١٦/ ٣٧٤)، "ك" (٢٤/ ١٨١).
¬ (٤) ابن بلال.
стр. 9963
عَنْ ثَوْرٍ ¬ (١)، عَنْ أَبِي الْغَيْثِ ¬ (٢)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَخْرُجَ رَجُلٌ مِنْ قَحْطَانَ ¬ (٣) يَسُوقُ النَّاسَ بِعَصًا" ¬ (٤). [راجع: ٣٥١٧].
٢٤ - بَابُ خُرُوجِ النَّارِ
وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ أَشْرَاطِ ¬ (٥) السَّاعَةِ ¬ (٦) نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ".
"بِعَصًا" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي ذ: "بِعَصَاهُ".
===
¬(١) ابن زيد الديلي.
¬ (٢) اسمه سالم.
¬ (٣) بفتح القاف وسكون المهملة: قبيلة، وهو أبو اليمن، "ع" (١٦/ ٣٧٤)، "ك" (٢٤/ ١٨٢).
¬ (٤) قوله: (يسوق الناس بعصًا) كناية عن قهره عليهم وانقيادهم له، ولم يرد نفس العصا، وقيل: إنه يسوقهم بعصاه حقيقة كما يساق الإبل والماشية لشدة عنفه على الناس. ومطابقته للترجمة من حيث إن سوق رجل من قحطان الناسَ إنما يكون في تغيير الزمان وتبديل أحوأل الإسلام؛ لأن هذا الرجل ليس من رهط الشرف الذين جعل الله فيهم الخلافة، ولا من فخذ النبوة، وبهذا يرد على الإسماعيلي في قوله: هذا ليس من ترجمة الباب في شيء، "ع" (١٦/ ٣٧٤).
¬ (٥) جمع شرط - بفتحتين - بمعنى العلامة.
¬ (٦) قوله: (أول أشراط الساعة) أي: علاماتها. فإن قلت: كيف كان أولها وبعثة سيدنا محمد ﷺ وغيرها أيضًا من جملة العلامات؟ قلت: المراد بها علاماتها المستعقبة لقيامها، "ك" (٢٤/ ١٨٢). قال ابن التين: يريد به
стр. 9964
٧١١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ ¬ (١) مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ،
"أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ" في نـ: "حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ".
===
أنها تخرج من اليمن حتى تؤديهم إلى بيت المقدس. فإن قلت: جاء في حديث حذيفة بن أسيد بأنه: "لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات"، فعد في الأول خروج الدجال، وفي آخره: "وآخر ذلك نار تخرج من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم"، وفي "التوضيح" (٣٢/ ٣٩٩): وقد جاء في حديث: "إن النار آخر أشراط الساعة"؟ قلت: يجوز أن يُقالَ لكل واحد: أول؛ لتقارب بعضه من بعض، أو أن الأول أمر نسبي يطلق على ما بعده باعتبار الذي يليه"ع" (١٦/ ٣٧٥).
¬ (١) قوله: (حتى تخرج نار من أرض الحجاز) قال القرطبي في "التذكرة": قد خرجت [نار] بالحجاز بالمدينة، وكان بدؤها زلزلة عظيمة في ليلة الأربعاء بعد العتمة الثالث من جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمأة، واستمرت إلى ضحى النهار يوم الجمعة فسكنت، وظهرت النار بقريظة بطرف الحرة، ترى في صورة البلد العظيم، عليها سور محيط عليه شراريف وأبراج ومآذن (١) وترى رجال يقودونها، لا تمر على جبل إلا دكته وأذابته، ويخرج من مجموع ذلك مثل النهر أحمر وأزرق، له دوي كدوي الرعد، يأخذ الصخور بين يديه، وينتهي إلى محط الركب العراقي، واجتمع من ذلك ردم صار كالجبل العظيم، فانتهت النار إلى قرب المدينة، ومع ذلك فكان يأتي المدينة نسيم بارد، وشوهد لهذه النار غليان كغليان البحر، وقال
стр. 9965
تُضِيءُ ¬ (١) أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى" ¬ (٢). [تحفة: ١٣١٦٢].
٧١١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ ¬ (٣) بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عُقْبَةُ ¬ (٤) بْنُ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ¬ (٥)، عَنْ خُبَيبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدِّهِ ¬ (٦) حَفْص بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يُوشِكُ الْفُرَاتُ ¬ (٧) أَنْ يَحْسِرَ ¬ (٨) عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ
"فَمَنْ حَضَرَهُ" في نـ: "فَمَنْ حَضَرَ".
===
لي بعض أصحابنا رأيتها صاعدة في الهواء من نحو خمسة أيام، وسمعت أنها رئيت من مكة ومن جبال بصرى. وقال النووي (١٨/ ٢٧): تواتر العلم بخروج هذه النار عند جميع أهل الشام، والذي ظهر لي أن النار المذكورة في حديث الباب هي النار التي ظهرت بنواحي المدينة كما فهمه القرطبي وغيره، "وأما النار التي تحشر الناس فنار أخرى، ملتقط من "الفتح" (١٣/ ٧٩).
¬ (١) من أضاء، جاز لازمًا ومتعديًا.
¬ (٢) بضم الموحدة وإسكان المهملة وبالراء مقصورًا: مدينة معروفة بالشام، وهي مدينة حوران، "ك" (٢٤/ ١٨٢).
¬ (٣) هو: أبو سعيد الأشج - بالمعجمة والجيم -، المشهور بكنيتة وصفته، وعاش بعد البخاري سنة واحدة، ومات سنة سبع وخمسين ومأتين، [انظر: "العيني" (١٦/ ٣٧٦)].
¬ (٤) السكوني.
¬ (٥) ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، المشهور بالعمري، "ك" (٢٤/ ١٨٣)، "ع" (١٦/ ٣٧٦).
¬ (٦) الضمير راجع إلى عبيد الله.
¬ (٧) هو النهر الذي يجري بالعراق، "ك" (٢٤/ ١٨٣).
¬ (٨) بكسر السين المهملة وفتحها أي: يكشف. أي: لذهاب مائه.
стр. 9966
مِنْهُ ¬ (١) ¬ (٢) شَيْئًا". [أخرجه: م ٢٨٩٤، د ٤٣١٣، ت ٢٥٦٩، تحفة: ١٢٢٦٣].
قَالَ عُقْبَةُ ¬ (٣): وَحَدَّثَنَا عُبَيدُ اللَّهِ ¬ (٤) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ … مِثْلَه، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: "يَحْسِرُ عَنْ جَبَل مِنْ ذَهَبٍ".
٢٥ - بَابٌ
٧١٢٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ¬ (٥)، عَنْ شُعْبَةَ قَالَ:
===
¬(١) لأنه مستعقب للبليات وهو آية من الآيات، "ك" (٢٤/ ١٨٣).
¬ (٢) قوله: (فلا يأخذ منه) بالجزم على الأمر، وهذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن، وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانير، ويجوز أن يكون قطعًا وأن يكون تبرًا. قال ابن التين: إنما نهى عن الأخذ منه لأنه للمسلمين فلا يؤخذ إلا بحقه. قلت: ليس هذا ببين، والذي يظهر أن النهي عن أخذه لما ينشأ عنه من الفتنة والقتال عليه ويحتمل أن تكون الحكمة في النهي عن الأخذ منه لكونه يقع في آخر الزمان عند الحشر الواقع في الدنيا وعند عدم الظهور أو قلته فلا ينتفع بما أخذ منه، ولعل هذا هو السر في إدخال البخاري له في ترجمة خروج النار، هذا ملتقط من "الفتح" (١٣/ ٨٥ - ٨١). قال العيني (١٦/ ٣٧٦): مطابقته للترجمة من حيث إنه ذكر عقيب الحديث السابق وبينهما مناسبة في كون كل منهما من أشراط [الساعة،، فالمناسب للمناسب للشيء يناسب لذلك الشيء.
¬ (٣) أشار بهذا أن لعبيد الله إسنادين، أحدهما فيه كنز والآخر فيه جبل، [انظر: "العيني" (١٦/ ٣٧٦)].
¬ (٤) العمري.
¬ (٥) القطان.
стр. 9967
حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ ¬ (١) - يَعنِي ابنَ خَالِدٍ - قَالَ: سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "تَصَدَّقُوا، فَسَيَأْتِي زَمَانٌ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ، فَلَا يَجِدُ ¬ (٢) مَنْ يَقْبَلُهَا". قَالَ مُسَدَّدٌ: حَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لأُمِّهِ ¬ (٣). [راجع: ١٤١١].
٧١٢١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: أخبرَنَا أَبُو الزِّنَادِ ¬ (٤)، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئتَانِ ¬ (٥) عَظِيمَتَانِ، تَكُونُ بَينَهُمَا مَقْتَلَةٌ
"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ" في ذ: "سَمِعْتُ النبي". "فَسَيَأْتِي زَمَان" في نـ: "فَسَيَأْتِي عَلى الناس زَمَان". "يَمْشِي" في هـ: "يَمْشِي الرجل". "قَالَ مُسَدَّدٌ" في ذ: "وقَالَ مُسَدَّدٌ". "لأُمِّهِ " زاد بعده في سـ، ذ: "قاله أبو عبد الله" - هو البخاري نفسه -. "أخبرَنَا أَبُو الزِّنَادِ" في ذ: "حَدَّثَنَا أَبُو الزنَادِ".
===
¬(١) أي: القاصّ.
¬ (٢) قوله: (فلا يجد … ) إلخ، لكثرة الأموال وقلة الرغبات، للعلم بقرب قيام الساعة وقصر الامال، "ك" (٢٤/ ١٨٤). ويحتمل أن يكون ذلك وقع كما ذكر في خلافة عمر بن عبد العزيز فلا يكون من أشراط الساعة، "ف" (١٣/ ٨٢ - ٨٣). وسبب ذلك بسط عمر بن عبد العزيز العدلَ وإيصالَ الحقوق لأهلها حتى استغنوا، "قس" (١٥/ ٧٨).
¬ (٣) هي أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب الخزاعية، وكان الإسلام فرّق بينها وبين عمر، "ع" (١٦/ ٣٧٧).
¬ (٤) عبد الله بن ذكوان.
¬ (٥) هما طائفتا علي ومعاوية ﵄، "ك" (٢٤/ ١٨٤). مرَّ هذا الجزء من الحديث (برقم: ٦٩٣٥).
стр. 9968
عَظِيمَةٌ، دَعْوَاهُمَا ¬ (١) وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ ¬ (٢) دَجَّالُونَ ¬ (٣) كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ ¬ (٤)، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ ¬ (٥)، وَتتَقَارَبَ الزَّمَانُ ¬ (٦)، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْل، وَحَتَّى يَكْثُرَ ¬ (٧) فِيكُمُ الْمَالُ فَيَفِيضَ ¬ (٨)، حَتَّى يُهُمَّ رَبُّ الْمَالِ ¬ (٩)
===
¬(١) أي: تدعيان الإسلام وتتأول كل منهما أنها محقة، "ع" (١٦/ ٣٧٨).
¬ (٢) أي: يظهر ويخرج.
¬ (٣) قوله: (دجالون) أي: خلَّاطون بين الحق والباطل مموهون والفرق بينهم وبين الدجال الأكبر أنهم يدعون النبوة وهو يدعي الإلهية لكن كلهم مشتركون في التمويه وادعاء الباطل العظيم، وقد وجد كثير منهم وأفضحهم الله وأهلكهم. قوله: "قريب" بالرفع أي: عددهم قريب، أو هو منصوب مكتوب بلا ألف على اللغة الربيعية (١). قوله: "يتقارب الزمان " أي: أهله بأن يكون كلهم جهالًا، ويحتمل الحمل على الحقيقة بأن يعتدل الليل والنهار [دائمًا]، وذلك بأن تنطبق منطقة البروج على معدل النهار، "ك" (٢٤/ ١٨٤).
¬ (٤) أي: بقبض العلماء.
¬ (٥) قد استمرت الزلزلة في بلد من بلاد الروم ثلاثة عشر شهرًا، "ع" (١٦/ ٣٧٨).
¬ (٦) مرَّ تحقيقه عن قريب (برقم: ٧٠٦١).
¬ (٧) مرَّ بيانه (برقم: ١٤١٢).
¬ (٨) من الفيضان، وهو أن يكثر حتى يسيل كالوادي، [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٧٨)].
¬ (٩) قوله: (حتى يهم رب المال) قال ابن بطال: "رب" مفعول، و"من يقبل" فاعله، و"يهمه" أي: يحزنه بسببه. وقال النووي: "يهم" بضم
стр. 9969
مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَه، وَحَتَّى يَعْرِضَهُ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَليْهِ: لَا أَربَ ¬ (١) لِي ¬ (٢) بِهِ. وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبرِ
"لَا أِربَ لِي بِهَ" زاد في ذ: "فِيهِ".
===
الياء وكسر الهاء وبفتح الياء وضم الهاء، وحينئذ يكون الرب فاعلًا، أي: يقصد. قوله: "من يقبل" فإن قلت: ظاهره أن يقَالَ: "من لا يقبل"، قلت: يريد به من شأنه أن يكون قابلًا لها، "ك" (١٨٤/ ٢٤ - ١٨٥).
قوله: "حتى يكثر … " إلخ، إشارة إلى ما وقع من الفتوح واقتسامهم أموال الفرس والروم في زمن الصحابة. قوله: "فيفيض حتى يهم … " إلخ، إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، لأنه وقع في زمنه أن الرجل يعرض ماله للصدقة فلا يجد من يقبل صدقته. وقوله: "لا أرب لي" إشارة إلى ما يبلغ في زمن عيسى ﵇، "ع" (١٦/ ٣٧٨ - ٣٧٩).
قوله: "وحتى يتطاول … " إلخ، وهي من العلامات التي وقعت عن قرب من زمن النبوة. ومعنى التطاول في البنيان: أن كلًّا ممن يبني بيتًا يريد أن يكون ارتفاعه أعلى من ارتفاع الآخر، ويحتمل أن يكون المراد المباهاة به في الزينة والزخرفة، أو أعم من ذلك، وقد وجد الكثير من ذلك وهو في ازدياد، "ف" (١٣/ ٨٨).
قوله: "يليط حوضه" بفتح أوله من الثلاثي، وبضمه من الرباعي، والمعنى: يصلحه بالطين والمدر فيسد شقوقه ليملأه ويسقي منه دوابه، يقال: لاط الحوض يليطه إذا أصلحه بالمدر ونحوه، ومنه قيل: اللائط لمن يفعل الفاحشة، وجاء في مضارعه يلوط تفرقةً بينه وبين الحوض، وحكى القزاز في الحوض أيضًا يلوط، والأصل في اللوط اللصوق، "ف" (١٣/ ٨٨).
¬ (١) بفتحتين وبكسر أوله وسكون ثانيه، كذا في "المجمع" (١/ ٦٣).
¬ (٢) أي: لا حاجة لي.
٢٦ - بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ ¬ (١)
٧١٢٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى ¬ (٢)، عن إِسْمَاعِيلَ ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنِي قَيْسٌ ¬ (٤) قَالَ: قَالَ لِي الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: مَا سَأَلَ أَحَدٌ
"عَنْ إِسْمَاعِيلَ" في نـ: "حدثنا إِسْمَاعِيلُ". "حَدَّثَنِي قَيْسٌ" في نـ: "حَدَّثنا قَيْسٌ".
===
¬(١) قوله: (باب ذكر الدجال) هو فعال - بفتح أوله والتشديد - من الدجل وهو التغطية، ويسمى الكذاب دجالًا لأنه يغطي الحق بباطله، ويقال: دجل البعير بالقطران إذا غطاه، والإناء بالذهب إذا طلاه. وقال ثعلب: الدجال المموّه، سيف مدجل إذا طلي. وقال ابن دريد: سمي دجالًا لأنه يغطي الحق بالكذب، وقيل: لضربه نواحي الأرض يقال: دجل مخففًا ومشددًا إذا فعل ذلك، وقيل: بل قيل ذلك لأنه يغطي الأرض، فرجع إلى الأول، "ف" (١٣/ ٩١). الدجال هو شخص بعينه ابتلى الله عباده به، وأقدره على أشياء من مقدورات الله من إحياء الميت واتباع كنوز الأرض وإمطار السماء وإنبات الأرض بأمره، ثم يعجزه تعالى بعد ذلك فلا يقدر على شيء منها، وهو يكون مدعيًا للإلهية وهو في نفس دعواه مكذب لها بصورة حاله من انتقاصه بالعور، وعجزه عن إزالته عن نفسه وعن إزالة الشاهد بكفره المكتوب بين عينيه. فإن قلت: إظهار المعجزة على يد الكذاب ليس بممكن؟ قلت: إنه يدعي الإلهية واستحالته ظاهرة فلا محذور فيه، بخلاف مدعي النبوة فإنها ممكنة، فلو أتى الكاذب فيها بمعجزة لالتبس النبي بالمتنبي. فإن قلت: ما فائدة تمكينه من هذه الخوارق؟ قلت: امتحان العباد، "ك" (٢٤/ ١٨٥).
¬ (٢) ابن سعيد القطان.
¬ (٣) ابن أبي خالد.
¬ (٤) ابن أبي حازم.
стр. 9972
النَّبِيُّ ﷺ عن الدَّجَّالِ أكْثرَ مَا سَأَلْتُه، وَإِنَّهُ قَالَ لِي: "مَا ¬ (١) يَضرُّكَ مِنْهُ؟ ". قُلْتُ: إِنَّهُمْ ¬ (٢) يَقُولُونَ: إِنَّ مَعَهُ ¬ (٣) جَبَلَ خُبْزٍ وَنَهَرَ ¬ (٤) مَاءٍ. قَالَ: "إنه أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ ¬ (٥) مِنْ ذَلِكَ". [أخرجه: م ٢١٥٢، ق ٤٠٧٣، تحفة: ١١٥٢٣].
٧١٢٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ¬ (٦) قَالَ:
"أكْثرَ" ثبت في ذ "مَا سَأَلْتُهُ" في نـ: "مِمَّا سَأَلْتُهُ". "إِنَّهُمْ" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي نـ: "لأنَّهُمْ". "إنه أَهْوَنُ" في ذ: "بَل هُو أَهْوَنُ"، [وفي نـ: "هُو أَهْوَنُ"]. "مِنْ ذَلِكَ" في نـ: "مِنْ ذَاكَ".
===
¬(١) استفهام.
¬ (٢) أي: إن الناس، وفي بعضها: "لأنهم" فهو متعلق بمحذوف يناسب المقام، "ك" (٢٤/ ١٨٥).
¬ (٣) المراد أن معه خبز قدر الجبل"ع" (١٦/ ٣٧٩).
¬ (٤) بسكون الهاء وفتحها، "ك" (٢٤/ ١٨٥).
¬ (٥) قوله: (أهون على الله) قال القاضي: معناه هو أهون على الله من أن يجعل سببًا لضلال المؤمنين بل هو ليزداد الذين آمنوا إيمانًا، وليس معناه أنه ليس معه شيء من ذلك، "ك" (٢٤/ ١٨٦). قاله في "مجمع البحار" (٥/ ١٩٤). قوله: "ما يضرك" أي: كنت مولعًا بالسؤال عن الدجال مع أنه ﷺ قال: ما يضرك فإن الله كافيك شره. فقلت: كيف ما يضرني وإنهم أي: الناس يقولون: إن معهم جبل خبز؟
¬ (٦) ابن خالد.
стр. 9973
حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ¬ (١)، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - قَالَ أَبُو عَبدِ اللَّهِ ¬ (٢): أُرَاهُ ¬ (٣) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَ: "أعْوَرُ العَينِ الْيُمْنَى ¬ (٤)، كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ ¬ (٥) ".
[راجع: ٣٠٥٧، تحفة: ٧٥٣٠].
٧١٢٤ - حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ ¬ (٦)، عَنْ يَحْيَى ¬ (٧)، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَجِيءُ الدَّجَّالُ حَتَّى يَنْزِلَ فِي نَاحِيَةِ
"العَيْنِ الْيُمْنَى" كذا في ذ، وفي نـ: "عَيْنِ الْيُمْنَى". "سَعْدُ بْنُ حَفْصٍ" في ذ: "سَعيدُ بْنُ حَفْصٍ" [زيادة التحتية بعد العين تحريف، "قس" (١٥/ ٨٤)].
===
¬(١) السختياني.
¬ (٢) هو البخاري.
¬ (٣) قوله: (أراه) بضم الهمزة، القائل به هو البخاري، وقد سقط قوله: "أراه … " إلخ، في رواية المستملي وأبي زيد المروزي وأبي أحمد الجرجاني، فصار بصورته موقوفًا، وبذلك جزم الإسماعيلي. والحديث في أصله مرفوع، فقد أخرجه مسلم من رواية حماد بن زيد عن أيوب فقال فيه: عن النبي ﷺ ، ""ع" (١٦/ ٣٨٠).
¬ (٤) أي: عين جهة اليمنى، "ك" (٢٤/ ١٨٦).
¬ (٥) بالهمزة، وهي التي ذهب نورها، وبلا همزة: الناتئة الشاخصة، "ع" (١٦/ ٣٨٠).
¬ (٦) أبو معاوية النحوي.
¬ (٧) أي: ابن أبي كثير.
стр. 9974
الْمَدِينَةِ، تَرْجُفُ ¬ (١) ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ كُلُّ كَافِرٍ وَمُنَافِق" ¬ (٢) ¬ (٣). [راجع: ١٨٨١، تحفة: ٢٢١].
٧١٢٥ - حَدَّثَنَا عَبدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبدِ اللَّهِ ¬ (٤) قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَا يَدْخُلُ
"تَرْجُفُ" في نـ: "ثم تَرْجُفُ"، وفي نـ: "فتَرْجُفُ". "حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبدِ اللَّهِ … " إلخ، هذا الحديث ثابت هنا في هـ، قتـ، ذ، وساقط لغيرهم. "عَنْ أَبِيهِ" في نـ: "عَنْ أَبِيهِ عَنِ جَدِّه" - وضمير جده عائد إلى إبراهيم، "ك" (٢٤/ ١٨٦) -.
===
¬(١) أي: تتحرك المدينة ويضطرب أهلها، "ك" (٢٤/ ١٨٦).
¬ (٢) مرَّ (برقم: ١٨٨١) في أواخر "الحج".
¬ (٣) قوله: (كل كافر ومنافق) قلت: الذي يظهر لي أن المراد بالكافر غلاة الروافض؛ لأنهم كفرة، وفي المدينة رِفضٌ كثير، "ع" (١٦/ ٣٨٠).
¬ (٤) قوله: (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله … ) إلخ، ثبت هذا للمستملي وحده ههنا، وسقط لسائرهم، وقد مضى في آخر "كتاب الحج" سندًا ومتنًا. و"إبراهيم بن سعد" أي: ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، وسعد هو الذي روى عنه محمد بن بشر في السند الثاني، "ف" (١٣/ ٩٤). قوله: "عن أبيه عن أبي بكرة" كذا هو في الصغانية وابن الأديب وبين أبيه وأبي بكرة تصحيح، وفي نسخة دار الذهب وأبي يعلى: عن أبيه عن جده عن أبي بكرة؛ فعلى رواية الصغاني وابن الأديب الحديث منقطع إلا أنه وصله بعد في رواية ابن إسحاق عن صالح بن إبراهيم عن أبيه، وفي حديثه عن علي بن عبد الله إلخ، وبين فيهما أن اتصاله يحصل بذكر جد إبراهيم بن سعد وهو إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف.
стр. 9975
الْمَدِينَةَ ¬ (١) رُعبُ ¬ (٢) الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَلَهَا يَؤمَئِذٍ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ، عَلَى كُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ". [راجع: ١٨٧٩].
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ¬ (٣): عَنْ صَالِحِ ¬ (٤) بْنِ إِبْرَاهِيمَ ¬ (٥)، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْتُ الْبَصْرَةَ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرَةَ: سَمِعْتُ هذا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ .
٧١٢٦ - حَدَّثَنَا ¬ (٦) عَلِيُّ بْنُ عَبدِ اللَّهِ ¬ (٧) قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "لَا يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ رُعْبُ الْمَسِيحِ، وَلَهَا يَوْمَئِذٍ سَبعَةُ أَبْوَابٍ، لِكُلِّ بَابٍ مَلَكَانِ". [راجع: ١٨٧٩].
٧١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ ¬ (٨)،
"وَلَهَا" سقطت الواو في ذ. "وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ … " إلخ، هذا التعليق ثابت في سـ، هـ. "سَمِعْتُ هَذَا مِنَ النَّبيِّ ﷺ " في ذ: "سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ بهذا". "وَلَهَا" سقطت الواو في نـ. "لِكُلِّ بَابٍ" كذا في هـ، ذ، ولغيرهما: "على كُلِّ بَابٍ".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ١٨٧٩).
¬ (٢) بضمها وبسكون الثاني: الفزع.
¬ (٣) محمد، صاحب المغازي، "ع" (١٦/ ٣٨١).
¬ (٤) هو أخو سعد بن إبراهيم، [انظر: "الكرماني" (٢٤/ ١٨٦)].
¬ (٥) ابن عبد الرحمن بن عوف، "ف" (١٣/ ٩٥).
¬ (٦) هذا الحديث ثبت للمستملي وحده، "قس" (١٥/ ٨٥).
¬ (٧) أي: المديني.
¬ (٨) هو ابن سعد.
стр. 9976
عَنْ صَالِحٍ ¬ (١)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ عَبدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النَّاسِ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ ذَكَرَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: "إِنِّي لأُنْذِرُكُمُوه، وَمَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ أَنْذَرَهُ ¬ (٢) قَوْمَهُ ¬ (٣)، وَلَكِنِّي سَأَقُولُ لَكُمْ فِيهِ قَوْلًا لَمْ يَقُلْهُ نَبِيٌّ لِقَوْمِهِ: إِنَّهُ أَعْوَرُ وَإِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ". [راجع: ٣٠٥٧، أخرجه: م ١٦٩، تحفة: ٦٨٥٩].
"وَلَكِنِّي" في هـ: "وَلَكِنْ". "فِيهِ" في نـ: "منه"، وفي نـ: "عَنه".
===
¬(١) ابن كيسان.
¬ (٢) مرَّ الحديث (برقم: ٣٣٣٧).
¬ (٣) قوله: (وما من نبي إلا وقد أنذره قومه) زاد في رواية معمر: "لقد أنذره نوح قومه" وفي رواية أبي داود والترمذي: "لم يكن نبي بعد نوح إلا وقد أنذر قومَه الدجّالَ". فإن قلت: هذا مشكل لأن الأحاديث قد بينت أنه يخرج بعد أمور ذُكرت، وأن عيسى ﵇ يقتله بعد أن ينزل من السماء فيحكم بالشريعة المحمدية؟ قلت: إنه كان وقت خروجه أخفى على نوح ومن بعده فكأنهم أنذروا به ولم يذكر لهم وقت خروجه فحذّورا قومهم من فتنته. ويؤيده قوله ﷺ في بعض طرقه: "إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه"؛ فإنه محمول على أن ذلك كان قبل أن يتبين له وقت خروجه وعلاماته، فكان يجوز أن يخرج في حياته ﷺ ، ثم بين له بعد ذلك حاله ووقت خروجه فأخبر به. قوله: "إنه أعور" إنما اقتصر على هذا مع أن أدلة الحدوث في الدجال ظاهرة، لكن العور أثر محسوس يدركه العالم والعامي ومن لا يهتدي إلى الأدلة العقلية، فإذا ادعى الربوبية وهو ناقص الخلقة - والإله متعال عن النقص - علم أنه كاذب، "ف" (١٣/ ٩٥ - ٩٦)، "ع" (١٦/ ٣٨١)، "تو" (٩/ ٤١٥٠). قوله: "سأقول لكم قولًا لم يقله نبي لقومه " قيل: إن السر في
стр. 9977
٧١٢٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْث، عَنْ عُقَيلٍ ¬ (١)،
===
اختصاص النبي ﷺ بالتنبيه المذكور مع أنه أوضح الأدلة في تكذيب الدجال أن الدجال إنما يخرج في أمته دون غيرها ممن تقدم من الأمم، ودل الخبر على أن علم كونه (١) يختص خروجه بهذه الأمة كان طوي عن غير هذه الأمة كما طوي عن الجميع علم وقت قيام الساعة، "ف" (١٣/ ٩٦).
¬ (١) قوله: (عن عقيل) بضم العين وفتح القاف: ابن خالد بن عقيل - بفتح العين - الأيلي بفتح الهمزة وسكون التحتية وكسر اللام، "قس" (١٥/ ٨٧ - ٨٨).
قوله: "سبط الشعر" بكسر السين وفتحها مع سكون الباء وكسرها وفتحها، السبط من الشعر: المنبسط المسترسل، والجعد ضد السبط. قوله: "ينطف" بضم طاء وكسرها، نطف الماء: قطر الماء قليلًا قليلًا، وكانت تلك الليلة ماطرة، أو هو أثر غسله، أو هو بيان لطافته ونضارته لا حقيقة النطف. قوله: "أو يهراق" من أراقه وهراقه وأهراقه إذا هدره وأجراه من إنائه، أبدل الهمزة من الهاء ثم جمع بينهما، هو بضم الياء وفتح الهاء وسكونها، كله من "المجمع" (٤/ ٢٠ - ٢١، ١/ ٣٥٩، ٤/ ٧٤٦، ٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
فإن قلت: الدجال كيف دخل مكة؟ قلت: المنفي هو أن لا يدخل عند خروجه وظهور شوكته، "ك" (٢٤/ ١٨٧). وردت في وصف الدجال كلمات متنافرة يشكل التوفيق بينها، ففي هذا الحديث أنها طافية، وفي آخر أنه جاحظ العين كأنها كوكب، وفي آخر أنها ليست بناتئة ولا حجراء. والسبيل في التوفيق بينها أن نقول: إنما اختلف الوصفان بحسب اختلاف العينين، ويؤيد ذلك ما في حديث ابن عمر هذا: "إنه أعور عين اليمنى"، وفي حديث حذيفة: "إنه ممسوح العين عليها ظفرة غليظة"، وفي حديثه أيضًا: "إنه أعور
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ ¬ (١) فِي صلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالَ [راجع: ٨٣٢، أخرجه: م ٥٨٩، تحفة: ١٦٤٩٦].
٧١٣٠ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي ¬ (٢)، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَبدِ الْمَلِكِ ¬ (٣)، عَنْ رِبْعِيٍّ ¬ (٤)، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ فِي الدَّجَّالِ ¬ (٥): "إِنَّ مَعَهُ مَاءً وَنَارًا، فَنَارُهُ مَاءٌ بَارِدٌ ¬ (٦)، وَمَاؤُهُ نَارٌ ¬ (٧) ".
قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ ¬ (٨): أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . [راجع: ٣٤٥٠].
"قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ" في ذ: "قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ". - كذا في الفرع بالنون، وفي غيرها: "أبو "بالواو وهو الصواب -.
===
¬(١) أي: لتعليم أمته وإلا فهو آمن من فتنته، "ك" (٢٤/ ١٨٨).
¬ (٢) هو عثمان بن جبلة.
¬ (٣) ابن عمير.
¬ (٤) ابن حراش.
¬ (٥) أي: في شأنه وحكايته، "ك" (٢٤/ ١٨٨).
¬ (٦) قوله: (فناره ماء بارد … ) إلخ، هذا كله يرجع إلى اختلاف المرئي بالنسبة إلى الرائي، فإما أن يكون الدجال ساحرًا فيخيل الشيء بصورة عكسه، وإما أن يجعل الله باطن الجنة التي يسخرها الدجال نارًا وباطن النار جنة، وهذا هو الراجح. وإما أن يكون ذلك كناية عن النعمة والرحمة بالجنة وعن المحنة والنقمة بالنار، فمن أطاعه فأنعم عليه بجنته يؤول أمره إلى دخول نار الآخرة وبالعكس، ويحتمل أن يكون ذلك من جملة المحنة والفتنة فيرى الناظر إلى ذلك من دهشته النار فيظنها جنة وبالعكس، "ف" (١٣/ ٩٩).
¬ (٧) مرَّ الحديث (برقم: ٣٤٥٠).
¬ (٨) اسمه عقبة - بسكون القاف - البدري، "ك" (٢٤/ ١٨٨).
стр. 9980
٧١٣١ - حَدَّثَنَا سُلَيمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا بُعِثَ نَبِيٌّ إِلَّا أَنْذَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلَا إِنَّهُ أَعْوَر، وَإِنَّ رَبَّكُمْ لَيسَ بِأَعْوَرَ ¬ (١)، وَإِنَّ بَيْنَ عَينَيهِ مَكْتُوبًا كَافِرٌ" ¬ (٢).
فِيهِ ¬ (٣) أَبُو هُرَيْرَةَ ¬ (٤) وَابْنُ عَبَّاسٍ. [طرفه: ٧٤٠٨، أخرجه: م ٢٩٣٣، د ٤٣١٦، ت ٢٢٤٥، تحفة: ١٢٤١].
"مَكْتُوبًا" كذا في صـ، ذ، وفي نـ: "مَكْتُوبٌ". "وَابْنُ عَبَّاسٍ" زاد في نـ: "عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٣٣٣٧).
¬ (٢) قوله: (مكتوب كافر) هكذا في رواية الأكثرين بالرفع، فيكون اسم "إن" محذوفًا، وما بعده جملة من مبتدأ وخبر في موضع خبرها، أو "بين عينيه مكتوب" جملة هي الخبر، و"كافر" خبر مبتدأ محذوف أي: بين عينيه شيء مكتوب، وذلك الشيء هو كلمة كافر، ويجوز أن يكون "كافر" مبتدأ والخبر "بين عينيه"، والاسم المحذوف إما ضمير الشأن أو عائد إلى الدجال. ولأبي ذر والأصيلي بنصب "مكتوبًا"، فيحتمل أن يكون اسم "إن" محذوفًا على ما قرر في رواية الرفع، و"كافر" مبتدأ وخبره "بين عينيه" و"مكتوبًا" حال، أو يجعل مكتوبًا اسم "إن" و"بين عينيه" خبره، فكافر خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو كافر، ويجوز رفع كافر بمكتوب، كذا في "قس" (١٥/ ٩١) و"ف" (١٣/ ١٠٠) و"تن" (٣/ ١٢٤٥). و"كافر" إما أن حروف هجائه هي المكتوب غير مقطعة وإما المكتوب: ك ف ر، "ك" (١٨٨/ ٢٤ - ١٨٩).
¬ (٣) أي: في الباب.
¬ (٤) قوله: (وفيه أبو هريرة … ) إلخ، أما حديث أبي هريرة فسبق في ترجمة نوح في "أحاديث الأنبياء"، وأما حديث ابن عباس ففي صفة موسى
стр. 9981
٢٧ - بَابٌ لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ ¬ (١)
٧١٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْريِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيدُ اللَّهِ بْنُ عَبدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا حَدِيثًا طَوِيلًا عَنِ الدَّجَّالِ، فَكَانَ فِيمَا يُحَدِّثُنَا بِهِ أَنَّهُ قَالَ: "يَأْتِي الدَّجَّالُ ¬ (٣) - وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ
"لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ الْمَدِينَةَ" في نـ: "لَا يَدْخُلُ المدينة الدَّجَّالُ". "حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ" في نـ: "أخبرني عُبَيْدُ اللَّهِ". "حَدَّثَنَا النَّبِيُّ" كذا في ذ، وفي ذ: "حَدَّثَنَا رَسول الله".
===
﵇، وقد وصف الدجال وصفًا لم يبق معه لذي لُبٍّ إشكالٌ، وتلك الأوصاف كلها ذميمة تبين لكل ذي حاسة سليمة كذبه فيما يدعيه، وإن الإيمان به حق، وهو مذهب أهل السُّنَّة خلافًا لمن أنكر ذلك من الخوارج وبعض المعتزلة، ووافقنا على إثباته بعض الجهمية وغيرهم، لكن زعموا أن ما عنده مخاريق وحِيل؛ لأنها لو كانت أمورًا صحيحة لكان ذلك إلباسًا للكاذب بالصادق، وحينئذ لا يكون فرق بين النبي والمتنبي، وهذا هذيان لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه؛ فإن هذا إنما يلزم لو أن الدجال يدعي النبوة وليس كذلك فإنه إنما يدعي الإلهية، ولذا قال ﵇: "إن الله ليس بأعور" تنبيهًا للعقول على حدوثه ونقصانه، وأما الفرق بين النبي والمتنبي فلأنه يلزم منه انقلاب دليل الصدق دليل الكذب [وهو محال]. وقوله: إن الذي يأتي به الدجال حيل ومخاريق، فقول معزول عن الحقائق؛ لأن ما أخبر به ﷺ من تلك الأمور حقائق، والعقل لا يحيل شيئًا منها فوجب إبقاؤه على حقائقها، "قس" (١٥/ ٩١).
¬ (١) أي: النبوية.
¬ (٢) الخدري.
¬ (٣) أي: إلى ظاهر المدينة، "ف" (١٣/ ١٠٢).
стр. 9982
الْمَدِينَةِ ¬ (١) ¬ (٢) -، فَيَنْزلُ بَعْضَ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي الْمَدِينَةَ ¬ (٣)، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ ¬ (٤) وَهُوَ خَيْرُ النَّاسِ - أَوْ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ -، فَيَقُولُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَهُ. فَيَقُولُ الدَّجَّالُ ¬ (٥): أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُه، هَلْ تَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ ¬ (٦): لَا. فَيَقْتُلُهُ ثُمَّ يُحْيِيهِ فَيَقُولُ ¬ (٧):
"فَيَنْزِلُ" في سـ حـ، ذ: "يَنْزِلُ".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ١٨٨٢).
¬ (٢) قوله: (نقاب المدينة) بكسر النون جمع نقب بفتحها وبسكون القاف، مثل: حبل وحبال وكلب وكلاب، هو طريق بين الجبلين أو بقعة بعينها، "قس" (١٥/ ٩٢). قوله: "فينزل بعض السباخ " بكسر المهملة وتخفيف الموحدة جمع سبخة بفتحتين، وهي الأرض الرملة التي لا تنبت شيئًا لملوحتها، وهذه البقعة خارج المدينة من غير جهة الحرة، "ف" (١٣/ ١٠٢). قوله: "فيقولون: لا" والقائلون به إما اليهود ونحوهم، وإما المسلمون فقالوه خوفًا منه، أو معناه: لا نشك في كفرك وبطلان قولك. قوله: "أشد بصيرة" لأن رسول الله ﷺ أخبر بأن ذلك من جملة علاماته. قوله: "ولا يسلّط عليه" أي: لا يقدر على قتله بأن لا يخلق القطع في السيف أو يجعل بدنه كالنحاس مثلًا وغير ذلك، "ك" (٢٤/ ١٨٩).
¬ (٣) أي: من جهة الشام، "ف" (١٣/ ١٠٢).
¬ (٤) قيل: هو الخضر، "قس" (١٥/ ٩٢) "ع" (١٦/ ٣٨٤)، "ك" (٢٤/ ١٨٩).
¬ (٥) أي: لأوليائه، "قس" (١٥/ ٩٢).
¬ (٦) أولياؤه من أتباعه، "قس" (١٥/ ٩٢).
¬ (٧) أي: الرجل، "قس" (١٥/ ٩٣).
стр. 9983
وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الْيَوْمَ. فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلَا يُسَلَّطُ عَلَيهِ". [راجع: ١٨٨٢].
٧١٣٣ - حَدَّثَنَا عَبدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نُعَيمِ بْنِ عَبدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ ¬ (١)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "عَلَى أَنْقَابِ ¬ (٢) الْمَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لَا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ ¬ (٣) وَلَا الدَّجَّالُ" ¬ (٤).
[راجع: ١٨٨٠].
٧١٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ¬ (٥) قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ¬ (٦) قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "الْمَدِينَةُ يَأْتِيهَا الدَّجَّالُ ¬ (٧)،
"مَا كنْتُ فِيكَ" زاد في نـ: "قَطّ". "حَدَّثَنَا يَحْيَى" كذا في ذ، ولغيره: "حَدَّثَنِي يَحْيَى". "عَنْ أَنَسٍ" في نـ: "عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ".
===
¬(١) بصيغة الفاعل، من الإجمار - بالجيم والراء - صفة "نعيم"، "ع" (١٦/ ٣٨٤).
¬ (٢) جمع القلة للنقب.
¬ (٣) الموت من الوباء، "ع" (٧/ ٥٨٨).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ١٨٨٠).
¬ (٥) ابن عبد ربه، أبو زكريا السختياني البلخي، يقال له: ختّ "ع" (١٦/ ٣٨٤).
¬ (٦) الواسطي.
¬ (٧) قوله: (يأتيها الدجال) أي: المدينة، وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد والحاكم في ذكر المدينة: "ولا يدخلها الدجال إن شاء الله، كلما أراد دخولها تلقاه بكل نقب من أنقابها ملك مصلت سيفه يمنعه عنها". قوله: "إن شاء الله" قيل: هذا الاستثناء يحتمل التعليق ويحتمل
стр. 9984
فَيَجِدُ الْمَلَائِكَةَ يَحْرُسُونَهَا ¬ (١)، فَلَا يَقْرَبُهَا الدَّجَّال، وَلَا الطَّاعُون، إِنْ شَاءَ اللَّهُ". [راجع: ١٨٨١، أخرجه: ت ٢٢٤٢، تحفة: ١٢٦٩].
٢٨ - بَابُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ¬ (٢)
٧١٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
"وَلَا الطَّاعُونُ" في نـ: "قَالَ: وَلَا الطَّاعُونُ".
===
التبرك وهو أولى، وقيل: إنه يتعلق بالطاعون فقط وفيه نظر، وحديث محجن المذكور أيضًا يؤيد أنه لكل منهما، "ف" (١٣/ ١٠٥).
¬ (١) أي: يحفظونها.
¬ (٢) قوله: (باب يأجوج ومأجوج) وهم من بني آدم ثم من بني يافث بن نوح، وبه جزم وهب وغيره. وقيل: إنهم من الترك. وقيل: يأجوج من الترك ومأجوج من الديلم. وعن كعب: هم من ولد آدم من غير حواء، وذلك أن آدم نام فاحتلم فامتزجت نطفته بالتراب فخلق منها يأجوج ومأجوج. وَرُدَّ بأن النبي لا يحتلم، وأجيب عنه: بأن المنفي أن يرى في المنام أنه يجامع، فيحتمل أن يكون دفق الماء فقط وهو جائز كما يجوز أن يبول. والأول المعتمد، وإلا فأين كانوا حين الطوفان؟ ويأجوج ومأجوج بغير همز لأكثر القراء، وقرأ عاصم بالهمزة الساكنة فيهما، وهي لغة بني أسد، وهما اسمان عجميان عند الأكثر منعا من الصرف للعلمية والعجمة، وقيل: بل عربيان. واختلف في اشتقاقهما فقيل: من أجيج النار [وهو] التهابها، وقيل: من الأجة بالتشديد وهي الاختلاط وشدة الحر، وقيل: من الأج وهو سرعة العدو، وقيل: من الأجاج وهو الماء الشديد الملوحة، ووزنهما يفعول ومفعول وهو ظاهر قراءة عاصم وكذا الباقين إن كانت الألف مسهلة من الهمزة، وقيل: فاعول من يج ومج، وقيل: مأجوج من ماج إذا اضطرب، وجميع ما ذكر من الاشتقاق مناسب لحالهم، "ف" (١٣/ ١٠٦) مختصرًا.
стр. 9985
ح وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيمَانَ ¬ (١)، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ ¬ (٢)، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: أَنَّ زَيْنَبَ بْنَتَ أَبِي سَلَمَةَ حَدَّثَتْه، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ زينَبَ بْنَتِ جَحْشٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دخَلَ عَلَيْهَا يَوْمًا فَزِعًا ¬ (٣) يَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه، ويلٌ لِلْعَرَبِ ¬ (٤) مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ
"زَيْنَبَ بِنَتَ أَبِي سَلَمَةَ" كذا في ذ، ولغيره: "زَيْنَبَ ابْنَةَ أَبِي سَلَمَةَ". "زينَبَ بْنَتِ جَحْشٍ" كذا في ذ، ولغيره: "زينَبَ ابْنَةِ جَحْشٍ".
===
¬(١) أي: ابن بلال.
¬ (٢) هو: محمد بن عبد الله بن أبي عتيق الصديقي، "ك" (٢٤/ ١٩٠).
¬ (٣) قوله: (فزعًا) أي: خائفًا مضطربًا. فإن قلت: سبق في أول "كتاب الفتن" أنها قالت: استيقظ النبي ﷺ من النوم يقول: "لا إله إلا الله"؟ قلت: لا منافاة؛ لجواز تكرار ذلك القول. وخصص العرب بالذكر لأن شرهم بالنسبة إليها أكثر كما وقع ببغداد من قتلهم الخليفة ونحوه. "والردم" السدّ الذي بيننا وبينهم وهو سَدّ ذي القرنين. قوله: "إذا كثر الخبث" بفتح المعجمة والموحدة: الفسق. وقيل: الزنا خاصة أي: إذا كثر يحصل الهلاك العام لكن يبعثون على حسب أعمالهم. فإن قلت: لم لا يكون الأمر بالعكس كما جاء: "لا يشقى جليسهم" ويغلب بركة الخير على شؤم الشر؟ قلت: هو في القليل كذلك بخلاف ما إذا كثر الخبث فإن الأكثر يغلب الأقل، وحاصله: أن الغلبة للأكثر في الصورتين، "ك" (٢٤/ ١٩٠ - ١٩١).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ٧٠٥٩) مع تحقيقه.
стр. 9986
يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هَذِهِ". وَحَلَّقَ بِإِصْبَعَيْهِ الإِبْهَام وَالَّتِي تَلِيهَا. قَالَتْ زينَبُ بْنَتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَنَهْلِكُ ¬ (١) وَفِينَا الصَّالِحُونَ؟ قَالَ: "نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخُبْثُ" ¬ (٢). [راجع: ٣٣٤٦].
٧١٣٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ ¬ (٤)، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "يُفْتَحُ الرَّدْمُ - رَدْمُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ - مِثْلَ هَذِهِ" ¬ (٥). وَعَقَدَ وُهَيْبٌ تِسْعِينَ ¬ (٦).
[راجع: ٣٣٤٧].
"وَمَأْجُوجَ" سقط في نـ. "زينَبُ بْنَتُ جَحْشٍ" كذا في ذ، ولغيره: "زينَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ". "حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ" في نـ: "قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ".
===
¬(١) بكسر اللام.
¬ (٢) أي: الفسق.
¬ (٣) ابن خالد.
¬ (٤) أي: عبد الله.
¬ (٥) مرَّ الحديث (برقم: ٣٣٤٧).
¬ (٦) قوله: (وعقد وهيب تسعين) فإن قلت: قال ههنا: "عقد وهيب تسعين"، وفي أول "الفتن": "عقد سفيان"، وفي "الأنبياء" في "باب ذي القرنين": "وعقد" أي: رسول الله ﷺ ؟ قلت: لا منع للجمع بأن عقد كلهم، وأما عقده فهو تحليق الإبهام والمسبحة بوضع خاص يعرفه [أهل] الحساب، "ك" (٢٤/ ١٩١). قال في "الفتح" (١٣/ ١٠٧ - ١٠٨): قد تقدم في رواية سفيان: "وعقد سفيان تسعين أو مائة"، وفي رواية مسلم عن عمرو الناقد عن ابن عيينة: "وعقد سفيان عشرة"، وفي هذا الحديث: "وعقد وهيب تسعين" وهو عند مسلم أيضًا، وقال عياض [في "الإكمال" (٨/ ٤١٢)] وغيره: هذه
стр. 9987
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
الروايات متفقة إلا قوله: "عشرة". قلت: وكذا الشك في المائة؛ لأن صفاتها مختلفة وإن اتفقت في أنها تشبه الحلقة، فعقد العشرة أن يجعل طرف ظفر السبابة اليمنى في باطن طي عقدة الإبهام العليا وعقد التسعين أن يجعل طرف السبابة اليمنى في أصلها ويضمها ضمًا محكمًا بحيث تنطوي عقدتاها حتى تصير مثل الحية المطوقة، وعقد المائة مثل عقد التسعين لكن بالخنصر اليسرى، فعلى هذا فالتسعون والمائة متقاربان، ولذلك وقع فيهما الشك، وأما العشرة فمغايرة لهما. قال القاضي عياض: لعل حديث أبي هريرة متقدم فزاد الفتح بعده القدر المذكور في حديث زينب. قلت: وفيه نظر؛ لأنه لو كان الوصف المذكور من أصل الرواية لاتجه، ولكن الاختلاف فيه من الرواة عن سفيان، ورواية من روى عنه تسعين أو مائة أتقن وأكثر من رواية من روى عشرة، وإذا اتحد مخرج الحديث ولا سيما في أواخر الإسناد بَعُدَ الحملُ على التعدد جدًّا، انتهى مختصرًا.
* * *
تمَّ بحمد الله وتوفيقه المجلد الثالث عشر
ويتلوه إن شاء الله تعالى المجلد الرابع عشر
وأوله: "كتاب الأحكام"
وصلَّى الله تعالى على خير خلقه سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا
стр. 9988
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
٩٣ - كِتَابُ الأَحْكَامِ ¬ (١)
١ - بَابُ ¬ (٢) قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
٧١٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ¬ (٣) قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ¬ (٤)، عَنْ يُونُسَ ¬ (٥)، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ أَطَاعَنِي ¬ (٦) فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ¬ (٧)،
" بَابُ" ثبت في ذ.
===
¬(١) قوله: (كتاب الأحكام) جمع الحكم، هو إسناد أمر إلى آخر إثباتًا أو نفيًا. وفي اصطلاح الأصوليين: خطاب الله المتعلق بافعال المكلفين بالاقتضاء والتخيير. وأما خطاب السلطان للرعية وخطاب السيد لعبده فوجوب طاعته هو بحكم الله تعالى: " ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ " هم الأمراء، وقيل: العلماء. والطاعة هو الإتيانُ بالمامور به والانتهاء عن المنهيِّ عنه، والمعصية خلافه، "ك" (٢٤/ ١٩٢)، [انظر: "الفتح" ١٣/ ١١١].
¬ (٢) سقط لفظ "باب" لغير أبي ذر.
¬ (٣) لقب عبد الله بن عثمان.
¬ (٤) ابن المبارك.
¬ (٥) ابن يزيد.
¬ (٦) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، "ع" (١٦/ ٣٨٦).
¬ (٧) قوله: (فقد أطاع الله) يحتمل أن يكون ذلك؛ لأن الله أمر بطاعة رسوله، وكذا الرسول أمر بطاعة أميره؛ أو لأن طاعة الرسول ﷺ هو نفس
стр. 9989
وَمَنْ عَصانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ، وَمَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصانِي". [راجع: ٢٩٥٧، أخرجه: ١٨٣٥، تحفة: ١٥٣١٩].
٧١٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ ¬ (١)،
"حَدَّثَنِي مَالِكٌ" في نـ: "قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ"، وفي نـ: "حَدَّثنا مَالِكٌ".
===
طاعة الله تعالى؛ لأنه لا يأمر إلا بما أمره به، "ك (٢٤/ ١٩٢ - ١٩٣). قال ابن التين: قيل: كانت قريش ومن يليها من العرب لا يعرفون الإمارة فكانوا يمتنعون على الأمراء، فقال هذا القول يحثهم على طاعة من يؤمّرهم عليهم والانقياد لهم إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد فلا يخرجوا عليهم لئلا تفترق الكلمة، "ف" (١٣/ ١١٢)، "ع" (١٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧).
¬ (١) قوله: (ألا كلكم راع … ) إلخ، قال الخطابي [في "الأعلام" (١/ ٥٧٩)]: اشتركوا أي: الإمام والرجل ومن ذكر في التسمية بالراعي ومعانيهم مختلفة، فرعاية الإمام الأعظم حياطة الشريعة بإقامة الحدود والعدل في الحكم، ورعاية الرجل أهله سياسته لأمرهم وإيصالهم حقوقهم، ورعاية المرأة تدبير أمر البيت والأولاد والخدم والنصيحة للزوج في كل ذلك، ورعاية الخادم حفظ ما تحت يده والقيام بما يجب عليه من خدمته. قال الطيبي: في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوبًا لذاته وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه، وهو تمثيل ليس في الباب ألطف ولا أجمع ولا أبلغ منه، فإنه أجمل أولًا ثم فصل، وأتى بحرف التنبيه مكررًا. والفاء في قوله: "ألا فكلكم راع" جواب شرط محذوف، وختم بما يشبه الفذلكة إشارة إلى استيفاء التفصيل. وقال غيره:
стр. 9990
وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ ¬ (١) عَنْ رَعِيَّتِهِ ¬ (٢)، فَالإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى أَهْلِ بَيْتِ زَوْجِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَعَبْدُ الرَّجُلِ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْه، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [راجع: ٨٩٣، أخرجه: د ٢٩٢٨، تحفة: ٧٢٣١].
٢ - بَابٌ الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ
٧١٣٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: كَانَ مُحَمَّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ بَلَغَ مُعَاوِيَةَ وَهُمْ ¬ (٣) عِنْدَهُ فِي
"الأُمَرَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ" في صـ، ذ:" الأمرُ أمرُ قُرَيْشِ". "عَنِ الزُّهْرِيّ" في نـ: "عَنِ الزُّهْرِيِّ قال". "وَهُمْ عِنْدَهُ" كذا في سـ، حـ، ذ، وفي نـ: "وهو ¬ (٤) عنده".
===
دخل في هذا العموم المنفرد الذي لا زوج له ولا خادم ولا ولد فإنه يصدق عليه أنه راع على جوارحه حتى يعمل المامورات ويجتنب المنهيات فعلًا ونطقًا واعتقادًا، فجوارحه وقواه وحواسه رعيته، ولا يلزم من الاتصاف بكونه راعيًا أن لا يكون مرعيًّا باعتبار آخر، "ف" (١١٣/ ١٣).
¬ (١) مرَّ الحديث (برقم: ٨٩٣).
¬ (٢) بفتح الراء وشدة التحتانية، وأصل الرعاية حفظ الشيء وحسن التعهد فيه، "ك" (٢٤/ ١٩٣).
¬ (٣) أي: محمد بن جبير وأصحابه.
¬ (٤) قوله: (وهو) أي: والحال أن محمد بن جبير عند معاوية، ويروى "وهُمْ عنده"، أي: محمد بن جبير بن مطعم ومن كان معه في
стр. 9991
وَفْدٍ مِنْ قُرَيْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ¬ (١) يُحَدِّثُ: أَنَّهُ سَيَكُونُ مَلِكٌ مِنْ قَحْطَانَ ¬ (٢): فَغَضِبَ ¬ (٣)، فَقَامَ فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُه، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْد، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رِجَالًا مِنْكُمْ يُحَدِّثُونَ أَحَادِيثَ لَيْسَتْ فِي
"يُحَدِّثُونَ" في حـ، ذ، "يَتَحَدَّثُونَ".
===
وفد الذين أرسلهم أهل المدينة إلى معاوية ليبايعوه، وذلك حين بويع له بالخلافة لما سلم له الحسن بن علي بن أبي طالب ﵁. قوله: "فغضب" أي: معاوية. قال ابن بطال (٨/ ٢١٢): سبب إنكار معاوية: أنه حمل حديث عبد الله بن عمرو على ظاهره، وقد يكون معناه أن قحطانيًا يخرج في ناحية من النواحي فلا يعارض حديث معاوية. قوله: "أحاديث" جمع حديث على غير قياس. وواحد الأحاديث أحدوثة ثم جعلوه جمعًا للحديث،"ع" (١٦/ ٣٨٨). وفي هذا الكلام أن معاوية كان يراعي خاطر عمرو بن العاص، فما آثر أن ينص على تسمية ولده بل نسب ذلك إلى رجال بطريق الإبهام، ومراده بذلك عبد الله بن عمرو ومن وقع منه التحديث بما يضاهي ذلك، "ف" (١٣/ ١١٥). قوله: "إلا كبه الله" أي: ألقاه فيها، وهو من الغرائب إذ أكب لازم وكب متعد عكس المشهور، والمعنى: لا ينازعهم في أمر الخلافة أحد إلا وكان مقهورًا في الدنيا معذَّبًا في الآخرة، "قس" (١٥/ ١٠٣). قوله: "ما أقاموا الدين" فإن قلت: هذا لا ينافي كلام عبد الله؛ لإمكان ظهوره عند عدم إقامتهم الدين؟ قلت: غرضه أنه لا اعتبار له إذ ليس في الكتاب ولا في السُّنَّة، "ك" (٢٤/ ١٩٤).
¬ (١) أي: ابن العاص.
¬ (٢) هو أبو اليمن.
¬ (٣) أي: معاوية.
стр. 9992
كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا تُؤْثَرُ ¬ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُولَئِكَ جُهَّالُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَالأَمَانِيَّ ¬ (٢) الَّتِي تُضِلُّ أَهْلَهَا، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقُولُ: "إِنَّ هَذَا الأَمْرَ ¬ (٣) فِي قُرَيْشٍ، لَا يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ ¬ (٤) اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ مَا أَقَامُوا الدِّينَ". تَابَعَهُ نُعَمٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ. [راجع: ٣٥٠٠].
٧١٤٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي ¬ (٥) يَقُولُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ ¬ (٦) فِي قُرَيْشٍ ¬ (٧) مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ". [راجع: ٣٥٠١].
"كَبَّهُ اللَّهُ" زاد في نـ: "في النَّارِ".
===
¬(١) أي: لا تروى.
¬ (٢) بتشديد الياء وتخفيفها، أي: احذروها، وهي جمع أمنية، ما تقدره النفس وتتمنى، ولذا يطلق على الكذب وما يتمنى ويقرّ، [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٨٨].
¬ (٣) أي: الخلافة. هذا موضع الترجمة.
¬ (٤) أي: ألقاه.
¬ (٥) محمد بن عبد الله بن عمر.
¬ (٦) أي: الإمامة. ومرَّ الحديث والذي قبله (برقم: ٣٥٠١) في "مناقب قريش".
¬ (٧) قوله: (لا يزال هذا الأمر في قريش … ) إلخ، قال ابن هبيرة: يحتمل أن يكون على ظاهره وأنهم لا يبقى منهم في آخر الزمان إلا اثنان: أمير ومؤمّر عليه والناس لهم تبع. وقيل: ليس المراد حقيقة العدد وإنما المراد انتفاء أن يكون الأمر في غير قريش. وقال النووي [في "المنهاج"
стр. 9993
٣ - بَابُ أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ
لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ ¬ (١) بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون﴾ [المائدة: ٤٧].
٧١٤١ - حَدَّثَنِي شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ ¬ (٣)، عَنْ إِسْمَاعِيلَ ¬ (٤)، عَنْ قَيسٍ ¬ (٥)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
"لِقَوْلِهِ" في نـ: "لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالَى". "حَدَّثَنِي شِهَابُ" في نـ: "حَدَّثَنَا شِهَابُ".
===
(١٢/ ٢٠٠)]: حكم حديث ابن عمر مستمر إلى الآن لم تزل الخلافة في قريش من غير مزاحمة لهم على ذلك، ومن تغلب على الملك بطريق الشوكة لا ينكر أن الخلافة في قريش، وإنما يدعي أن ذلك بطريق النيابة عنهم. وقال القرطبي [في "المفهم" (٤/ ٦)]: هذا الحديث خبر عن المشروعية أي: لا تنعقد الإمامة الكبرى إلا لقرشي مهما وجد منهم أحد، فكأنه جنح إلى أنه خبر بمعنى الأمر "ع" (١٦/ ٣٨٩)، "ف" (١٧/ ١١٣ - ١١٨).
¬ (١) قوله: (لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ … ﴾ إلخ، وجه الاستدلال بالآية لما ترجم به أن منطوق الحديث دل على أن من قضى بالحكمة كان محمودًا. ومفهومه يدل على أن من لم يفعل ذلك فهو على العكس من فاعله، وقد صرحت الآية بأنه فاسق، واستدلال المصنف بها يدل على أنه يرجح قول من قال: إنها عامة في أهل الكتاب وفي المسلمين، "فتح" (١٣/ ١٢٠) مختصرًا.
¬ (٢) العبدي الكوفي.
¬ (٣) الرؤاسي.
¬ (٤) ابن أبي خالد.
¬ (٥) ابن أبي حازم.
стр. 9994
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ¬ (١): رَجُلٌ ¬ (٢) آداهُ اللَّهُ مَالًا فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ ¬ (٣) فِي الْحَقِّ، أو آخَرُ آتَاهُ اللَّهُ حِكْمَةً ¬ (٤) فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا". [راجع: ٧٣].
٤ - بَابُ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلإمَامِ ¬ (٥) مَا لَمْ تَكُنْ ¬ (٦) مَعْصِيَةٌ
٧١٤٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شعْبَةَ،
"فَسَلِّطَهُ" في نـ: "فَسُلِّطَ". "أو آخَرُ" في نـ: "وَآخَرُ". "يَحْيَى" في نـ: "يَحْيَىَ بنُ سَعيدٍ".
===
¬(١) قوله: (لا حسد إلا في اثنتين … ) إلخ، الهلكة بالمفتوحات: الهلاك، والتسليط عليه هو الإهلاك، والحكمة: العلم الوافي، والمراد به علم الدين. فإن قلت: الحسد مطلقًا مذموم؟ قلت: هذا ليس حسدًا بل غبطة ويطلق أحدهما على الآخر، أو معناه: لا حسد إلا فيهما وما فيهما ليس بحسد فلا حسد، كقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: ٥٦]، "ك" (٢٤/ ١٩٥). فليس هو خبرًا وإنما المراد به الحكم، ومعناه حصر المرتبة العليا من الغبطة في هاتين الخصلتين، وليس المراد نفي أصل الغبطة مما سواهما فيكون من مجاز التخصيص، "ف" (١٣/ ١٢١).
¬ (٢) بالجر، ويجوز الرفع على الاستئناف، والنصب بإضمار: أعني، "ف" (١٢٠/ ١٣).
¬ (٣) بفتحات أي: على إهلاكه أي: إنفاقه "في الحق"، "ف" (١٣/ ١٢٠).
¬ (٤) مرَّ الحديث (برقم: ٧٣، و ١٤٠٩).
¬ (٥) قوله: (للإمام) وإنما قيده بالإمام وإن كان في أحاديث الباب الأمر بالطاعة لكل أمير ولو لم يكن إمامًا؛ لأن محل الأمر بطاعة الأمير أن يكون مؤمّرًا من قِبَل الإمام، "ف" (١٣/ ١٢٢).
¬ (٦) أي: تلك الطاعة، "قس" (١٥/ ١٠٦).
стр. 9995
عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ ¬ (١)، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ ¬ (٢) عَلَيكُمْ عَبدٌ ¬ (٣) حَبَشِيُّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ" ¬ (٤). [راجع: ٦٩٣].
"وإنِ اسْتُعْمِلَ عَليْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ" في سـ، حـ، ذ، "وَإِنِ اسْتُعْمَلَ عَليْكُمْ عَبْدًا حَبَشِيًّا".
===
¬(١) اسمه يزيد بن حميد الضبعي، "ع" (١٦/ ٣٩١).
¬ (٢) قوله: (وإن استعمل) على صيغة المجهول أي: جُعل عاملًا بأن أمر إمارة عامة على البلد مثلًا، أو ولي فيها ولاية خاصة كالإمامة في الصلاة، أو جباية الخراج، أو مباشرة الحرب، فقد كان في أيام الخلفاء الراشدين من تجمع له الأمور الثلاثة ومن يختص ببعضها، "ع" (١٦/ ٣٩١). قوله: "كأنها زبيبة" أراد بالتشبيه صغر رأسه وبيان حقارة صورته على سبيل المبالغة، وهذا في الأمراء والعمال دون الخلفاء؛ لأن الحبشة لا تتولى الخلافة؛ لأن الأئمة من قريش. وقال الخطابي [في "الأعلام" (٤/ ٢٣٣٤)]: قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود وهذا من ذاك، أطلق العبد الحبشي مبالغة في الأمر بالطاعة وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك، "ع" (١٦/ ٣٩١)، "ك (٢٤/ ١٩٥)، "ف" (١٣/ ١٢٢ - ١٢٣).
¬ (٣) مرفوع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، ويروى بالنصب على أن يكون "استعمل" على بناء المعلوم، والضمير فيه يرجع إلى الإمام بدلالة القرينة، "ع" (١٦/ ٣٩١).
¬ (٤) بفتح الزاي: الحبة من العنب اليابسة السوداء، "ك (٢٤/ ١٩٥).
مرَّ الحديث مع توجيه كون العبد عاملًا (برقم: ٦٩٣).
стр. 9996
٧١٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ¬ (١)، عَنِ الْجَعْدِ ¬ (٢)، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ¬ (٣)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْوِيهِ ¬ (٤) قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرِهِ شَيْئًا فَكَرِهَهُ فَلْيَصْبِرْ ¬ (٥)، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُفَارِقُ الْجَمَاعَةَ شِبْرًا فَيَمُوتُ ¬ (٦) إِلَّا مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً". [راجع: ٧٠٥٣].
٧١٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ¬ (٧)، عَنْ عُبَيدِ اللَّهِ ¬ (٨) قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ¬ (٩)، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "السَّمْعُ ¬ (١٠) وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ
"فَكَرِهَهُ" في هـ، ذ: "يَكرَههُ".
===
¬(١) ابن زيد.
¬ (٢) ابن دينار الصيرفي.
¬ (٣) اسمه عمران العطاردي.
¬ (٤) هو في معنى قوله: عن النبي ﷺ .
¬ (٥) قوله: (فليصبر) هذا موضع المطابقة للترجمة؛ لأنه يدل على وجوب السمع والطاعة للأئمة. قوله: "يرويه" فائدته الإشعار بأن الرفع إلى النبي ﷺ أعم بأن يكون بالواسطة أو بدونها. قوله: "ميتة" بكسر الميم كالميتة الجاهلية، حيث لا إمام لهم، ولا يراد به أن يكون كافرًا، كما في "العيني" (١٦/ ٣٩١).
¬ (٦) بالنصب والرفع نحو: ما تأتينا فتحدثنا، "ك، (٢٤/ ١٩٦).
¬ (٧) القطان.
¬ (٨) هو ابن عمر العمري، "ف" (١٣/ ١٢٣).
¬ (٩) أي: ابن عمر ﵄.
¬ (١٠) مرَّ الحديث (برقم: ٣٩٥٥) في "الجهاد"، [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٩٢].
стр. 9997
الْمُسْلِمِ ¬ (١) فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ" ¬ (٢). [راجع: ٢٩٥٥].
٧١٤٥ - حَدَّثنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ ¬ (٣)، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ¬ (٤)، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً ¬ (٥)،
"وَكَرِهَ" في ذ: "أو كَرِهَ".
===
¬(١) أي: ثابت أو واجب، "ك" (٢٤/ ١٩٦).
¬ (٢) قوله: (فإذا أمر بمعصبة فلا سمع ولا طاعة) أي: لا يجب ذلك بل يحرم على من كان قادرًا على الامتناع، وفي حديث معاذ عند أحمد (٣/ ٢٨٨): "لا طاعة لمن لم يطع الله". وقد تقدم البحث في هذا على حديث عبادة. "إلا أن تروا كفرًا بواحًا"، ملخصه أنه ينعزل بالكفر إجماعًا فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض، "فتح" (١٣/ ١٢٣) مختصرًا.
¬ (٣) مصغر العبدة ضد الحرة، سعد هذا أبو حمزة - بالزاي - ختن أبي عبد الرحمن أستاذه، [انظر: "العيني" ١٦/ ٣٩٢].
¬ (٤) اسمه عبد الله بن حبيب السلمي، بضم المهملة.
¬ (٥) قوله: (سرية) هي قطعة من الجيش نحو ثلاثمائة أو أربعمائة. قوله: "لما جمعتم" أي: إلا جمعتم، جاء "لما" بمعنى كلمة إلا للاستثناء، ومعناه: ما أطلب منكم إلا جمعكم، ذكره الزمخشري في "المفصل". قوله: "خمدت" بالخاء المعجمة وفتح الميم، وضبط في بعض الروايات بكسر الميم ولا يعرف في اللغة، ومعنى خمدت: سكن لهبها وإن لم يطفأ جمرها، فإن طفئ قيل: همدت. قوله: "لو دخلوها … " إلخ، فإن قلت: ما وجه الملازمة؟ قلت:
стр. 9998
وَأَمَّرَ عَلَيهِمْ رَجُلًا ¬ (١) مِنَ الأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوه، فَغَضبَ عَلَيهِمْ وَقَالَ: أَلَيسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: عَزَمْتُ عَليْكُمْ لَمَّا ¬ (٢) جَمَعْتُمْ حَطَبًا وَأَوْقَدْتُمْ نَارًا، ثُمَّ دَخَلْتُمْ فِيهَا. فَجَمَعُوا حَطَبًا فَأَوْقَدُوا، فَلَمَّا هَمُّوا بِالدُّخُولِ فَقَامَ يَنْظُرُ بَعْضهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَبِعْنَا النَّبِيُّ ﷺ فِرَارًا مِنَ النَّارِ، أَفَنَدْخُلُهَا ¬ (٣)؟ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ خَمَدَتِ النَّار، وَسَكَنَ غَضَبُه، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: "لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا، إِنَّمَا الطَّاعَةُ ¬ (٤)
"وَقَالَ" سقطت الواو في نـ. "عَزَمْتُ" في ذ: "قد عَزَمْتُ". "فَأَوْقَدُوا" في هـ: "فَأَوْقَدُوا نارًا". "فَقَامَ" في هـ، ذ: "فَقَامُوا".
===
الدخول فيها معصية فإذا استحلوها كفروا، وهذا جزاء من جنس العمل. وقال بعضهم: أراد بالأبد [أبد] الدنيا أي: لو دخلوها لماتوا فيها ولم يخرجوا منها أحياء، قاله الكرماني (٢٤/ ١٩٦ - ١٩٧). ورجح الوجه الأخير العيني (١٦/ ٣٩٢ - ٣٩٣). وفي "الفتح" (١٣/ ١٢٣): وقد قيل: إنه لم يقصد دخولهم النار حقيقة، وإنما أشار لهم بذلك إلى أن طاعة الأمير واجبة، ومن ترك الواجب دخل النار، فإذا شق عليكم دخول هذه [النار] فكيف بالنار الكبرى، وكأن قصده أنه لو رأى منهم الجد في ولوجها لمنعهم.
¬ (١) هو عبد الله بن حذافة السهمي، وهو مهاجري، لعله أطلق عليه أنصاريًا باعتبار حلف أو غير ذلك من أنواع المجاز، كذا في "المقدمة" (ص:٣٠٨).
¬ (٢) بالتخفيف وجاء بالتشديد فقيل: إنها بمعنى "إلا"، "ف" (١٣/ ١٢٣).
¬ (٣) الهمزة للاستفهام.
¬ (٤) أي: إنما يجب الطاعة في المعروف لا في المعصية"ع" (١٦/ ٣٩٣).
стр. 9999
فِي الْمَعْرُوفِ" ¬ (١). [راجع: ٤٣٤٠].
٥ - بَابُ مَنْ لَمْ يَسْأَلِ اللَّهَ ¬ (٢) الإِمَارَةَ أَعَانَهُ اللَّهُ
٧١٤٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ ¬ (٣) قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الْحَسَنِ ¬ (٤)، عَنْ عَبدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَبدَ الرَّحْمَنِ بنَ سمرة لَا تَسْأَلِ الإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ ¬ (٥) وُكِلْتَ ¬ (٦) إِلَيْهَا ¬ (٧)، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ
"أَعَانَهُ اللَّهُ" في ذ: "أَعَانَهُ اللَّهُ عليها". "وُكِلْتَ" في نـ: "وُكِّلْتَ".
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٤٣٤).
¬ (٢) أكذا في النسخ الهندية. وفي نسخ الشروح الثلاثة وحاشية السندي: "باب من لم يسأل الإمارة" بدون لفظ الجلالة، وما في نسخ الشروح هو الأوجه، انظر "الأبواب والتراجم" (٦/ ٢٩٥)].
¬ (٣) بكسر الميم وسكون النون، "ك" (٢٤/ ١٩٧).
¬ (٤) أي: البصري.
¬ (٥) أي: عن سؤال.
¬ (٦) بالتخفيف، "ك" (٢٤/ ١٩٨)، "ع" (١٦/ ٣٩٣).
¬ (٧) قوله: (وكلت إليها) بضم الواو وكسر الكاف مخففًا ومشددًا وسكون اللام، ومعنى المخفف أي: صرف إليها، ومن وكل إلى نفسه هلك. ومنه في الدعاء: "ولا تكلني إلى نفسي"، وكل أمره إلى فلان: صرفه إليه، ووكَّله بالتشديد: استحفظه. ومعنى الحديث: أن من طلب الإمارة فأعطيها تركت إعانته عليها من أجل حرصه. ويستفاد منه: أن طلب ما يتعلق بالحكم مكروه. فيدخل في الإمارة القضاء والحسبة ونحو ذلك. وأن من
стр. 10000
عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينِ فَرَأَيْتَ غَيرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ" ¬ (١). [راجع: ٦٦٢٢].
٦ - بَابٌ مَنْ سَأَلَ الإِمَارَةَ وُكِلَ إِلَيْهَا
٧١٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ¬ (٢) قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُس، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ سمُرَةَ، لَا تَسْأَلِ الإمَارَةَ، فَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا مِنْ غَيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ
"عَنْ يَمِينِكَ" كذا في ذ، وفي نـ: "يَمِينَكَ". "وُكِلَ" في نـ: "وُكِّلَ". "حَدَّثَنَا عَبدُ الرَّحْمَنِ" في نـ: "حَدَّثَنِي عَبدُ الرَّحْمَنِ". "لَا تَسْأَلِ" في هـ، ذ: "لَا تتمنَّيَنَّ". "وُكِلْتَ" في نـ: "وُكِّلْتَ". "مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ" في نـ: "عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ".
===
حرص عليه لا يعان، ويعارضه في الظاهر ما أخرجه أبو داود (ح: ٣٥٧٧) عن أبي هريرة رفعه: "من طلب قضاء المسلمين حتى يناله ثم غلب عدله جوره فله الجنة، ومن غلب جوره عدله فله النار". والجمع بينهما أنه لا يلزم من كونه لا يعان عليه بسبب طلبه أن لا يحصل منه العدل إذا ولي، أو يحمل الطلب هنا على القصد وهناك على التولية. قال ابن التين: هو محمول على الغالب وإلا فقد قال يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥]، وقال سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ [ص: ٣٥]، ويحتمل أن يكون في غير الأنبياء ﵈، "فتح" (١٣/ ١٢٤ - ١٢٥).
¬ (١) مرَّ الحديث مع تحقيقه (برقم: ٦٦٢٢).
¬ (٢) بفتح الميمين، اسمه عبد الله بن عمر البصري "ع" (١٦/ ٣٩٤).
стр. 10001
عَلَيْهَا، وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ¬ (١)، وَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ" ¬ (٢). [راجع: ٦٦٢٢].
===
¬(١) مرَّ الحديث (برقم: ٦٧٢٢).
¬ (٢) قوله: (وكَفِّرْ عن يمينك) هو ههنا مذكور بعد الإتيان، وفي الحديث السابق قبله ففيه إشعار بأنه لا ترتيب بين الحنث والكفارة فجاز تقديمها عليه، قاله الكرماني (٢٤/ ١٩٨)، هذا مذهب الشافعي في الكفارة بالمال دون الصوم؛ لأنه أدى بعد السبب وهو اليمين، والحنث شرطه، والتقديم على الشرط بعد وجود السبب ثابت شرعًا كما في الزكاة قبل الحول بعد وجود النصاب. أقول: ومقتضى هذا لا يفرق المال والصوم، وعندنا - أي: الحنفية - لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث؛ لأن الكفارة لستر الجناية، من الكفر وهو الستر، ولا جناية قبل الحنث؛ لأنها منوطة بالحنث لا باليمين؛ لأنه ذكر الله على وجه التعظيم فيكون الحنث سببًا لا اليمين؛ لأن السبب يكون مفضيًا إلى المسبب واليمين ليس كذلك، بل مانع عن الإقدام على المحلوف عليه، فكيف يكون مفضيًا؟!
فإن قيل: قد ورد السمع به في قوله ﵇: "فليكفر عن يمينه ثم ليأت بالذي هو خير". قلنا: المعروف في الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة: "فكفر عن يمينك وائت الذي هو خير"، وفي "مسلم" (ح: ١٦٥٠) من حديث أبي هريرة: "فليكفر عن يمينه وليفعل الذي هو خير"، وكذا في "البخاري"، وليس في شيء من الروايات المعتبرة لفظ "ثم" إلا وهو مقابل بروايات كثيرة بالواو، فمن ذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة في أبي داود قال فيه: "فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير" وهذه الرواية مقابلة بروايات عديدة كحديث عبد الرحمن هذا في "البخاري " وغيره بالواو فينزل منزلة الشاذ منها، فيجب حملها على معنى الواو حملًا للقليل الأقرب إلى الغلط على الكثير، ومن ذلك حديث عائشة في "المستدرك" (٤/ ٣٠١): كان