← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

إن قلت: لمَ قال " بياتاً " ولم يقل: ليلاً، مع أنه أكثرُ استعمالاً، وأظهرُ مطابقةً مع النَّهار؟ قلتُ: لأنَّ المعهود في الاستعمال، عند ذكر الِإهلاكِ والتهديد، ذكرُ البَيَاتِ، وإن قُرِنَ به النَّهار. ١٢ - قوله تعالى: (ألاَ إِنَّ لِلَّهِ مَا في السَّمَوَاتِ وَالْأرْض. .) الآية. قاله هنا بلفظ " ما " ولم يكرِّرْه، وقاله بعدُ بلفظ " مَنْ " وكرَّره، لأنَّ " ما " لغير العقلاء، وهو في الأوَّل المالُ، المأخوذُ من قوله تعالى: " لافْتَدَتْ بِهِ "، ولم يكرِّر " ما " اكتفاءً بقوله قبله: " وَلَوْ أنَّ لكلِّ نفْسِ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لافْتَدَت بِهِ ". و" مَنْ " للعقلاء، وهم في الثاني قومٌ آذَوْا النبيَّ ﷺ ، فنزل فيهم " ولا يَحْزُنْكَ قولُهُمْ " وكرَّر " مَنْ " لأن المرادَ مَنْ في الأرض، وهم القومُ المذكورون، وإنما قدَّم عليهم " مَنْ في السَّماء " لعُلوِّها، ولموافقة سائرِ الآيات،

стр. 247

سوى ما قدَّمتُه في " آل عمران "، وذكر في قوله بعد: " لَهُ مَا في السَّمَواتِ وَمَا فِي الأرْضِ " بلفظ " ما " وكرَّر لأن بعض الكفار قالوا " اتَّخذَ اللَّهُ ولداً " فقال تعالى " لهُ ما في السمواتِ وما في الأرض " (أي اتخاذ الولد إنما يكون لدفع أذى، أو جلب منفعة، واللَّهُ مالكُ ما في السموات والأرض) فكان المحلُّ محلّ " ما " ومحلّ التكرار، للتعميم والتوكيد. فإن قلتَ: لمَ خصَّ " ما في السموات وما في الأرضِ " بالذِّكر، مع أنه تعالى مالكٌ أيضاً للسَّموات والأرض وما وراءهما؟ قلتُ: لأنَّ في السمواتِ والأرض الأنبياءَ، والملائكةَ، والعلماءَ، والأولياء، ومن يعقلُ فيهم أحقُّ بالذِّكر، مع أن غيرهم مفهومٌ بالأوْلى. ١٣ - قوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ يَوْمَ القِيَامة. .) الآية. إن قلتَ: هذا تهديدٌ، فكيف ناسبَه قولُه بعدُ " إنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ على النَّاسِ "؟

стр. 248

قلتُ: هو مناسبٌ لأنَّ معناه: إنَّ اللَّهَ لذو فَضْلٍ على النَّاس، حيثُ أنعم عليهم بالعقلِ، وإرسالِ الرُّسلِ، وتأخيرِ العذابِ، وفتح باب التوبة، أي كيف تفترون على اللَّهِ الكذبَ مع تضافر نِعَمِه عليكم؟! ١٤ - قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلاَ تعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ. .) الآية. إن قلتَ: كيف جَمعَ الضميرَ، مع أنه أفرَدَ قبلُ في قوله: " وما تكونُ في شأنٍ وما تتلو منه من قرآن " والخطابُ للنبي ﷺ ؟! قلتُ: جَمعَ ليدُلَّ على أنَّ الأمَّة، داخلون مع النبي ﷺ فيما خُوطب به قبلُ، أوجمعَ تعظيماً للنبي ﷺ كما في قولهِ تعالى " يَا ايُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ". ١٥ - قوله تعالى: (وَلاَ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ. .) أي لكَ لستَ مرسلاً، فالمقولُ محذوفٌ كنظيره في " يس "، والوقفُ على " قولُهُمْ " فيهما لازمٌ،

стр. 249

ويمتنع الوصلُ، لأنه ﷺ منزَّهٌ عن أن يُخاطبَ بذلك. ٦ ١ - قوله تعالى: (إِنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) . قال ذلك هنا، وقال في سورة المنافقين " وَللَّهِ العِزَّةُ ولرسُولِهِ وللمؤمنينَ " لأن المراد هنا، العزَّةُ الخاصَّة باللَّهِ وهي: عزَّةُ الِإلهيّة، والخلقِ، والِإماتةِ، والِإحياءِ، والبقاءِ الدائم، وشبْهِهَا. وهناكَ العزَّةُ المشتركةُ، وهي في حقِّ اللَّه تعالى: القدرةُ، والغلبةُ. وفي حقِّ رسوله ﷺ : عُلُوُّ كلمتِه، وَإظهارُ دينه. وفي حقِّ المؤمنين: نصرُهم على الأعداء. ١٧ - قوله تعالى: (قَالَ مُوسَى أتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أسِحْرٌ هَذَا. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال موسى إنهم قالوا: أسحرٌ هذا؟ بطريق الاستفهام، مع أنهم إنما قالوه بطريق الِإخبار المؤكَّدِ، في قوله تعالى: " فَلَمَّا جاءهُمُ الحقُّ من عندِنَا

стр. 250

قالُوا إنَّ هَذَا لسِحْرٌ مُبِينٌ "؟! قلتُ: فيهِ إضمارٌ تقديرُه: أتقولونَ للحقِّ لمَّا جاءكِم، إنَ هذا لسحرٌ مبينٌ؟ ثم قال لهم: أسحرٌ هذا؟ إنكاراً لما قالوه، فالاستفهامُ للِإنكار، من قول " موسى " لا من قولهم. ١٨ - قوله تعالى: (فَمَا آمَنَ لمُوسَىِ إِلا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهمْ أنْ يَفْتِنهُمْ. .) قاله هنا بضمير الجمع، لعودِه إلى الذُّريَّة، أو القوم، لتقدّمهما عليه، بخلافِ بقية الآيات، فإنه بضمير المفرد، لعودِه إلى فرعونَ. ١٩ - قوله تعالى: (وَأوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأخِيهِ أنْ تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً) . ثَنَّى ضميرَ المأمور فيها، لعوده إلى موسى وأخيه، للتصريح بهما. وَجَمعه ثانياً، لعوده إليهما مع قومهما، لأن كلاً

стр. 251

منهم مأمورٌ بجعل بيته قبلةً يصلِّي إليها، خوفاً من ظهورها لفرعون. وأفرده ثالثاً لعوده إلى موسى، لأنه الأصلُ المناسبُ تخصيصُه بالبشارة لشرفها. ٢٠ - قوله تعالى: (قَالَ قَدْ أجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا. .) الآية. إنْ قلتَ: لمَ أضافَ الدعوةَ إليها، مع أنها إنما صدرت من موسى ﵇، لآية " وقال موسى ربَّنَا إنكَ آتيتَ فرعونَ وَمَلأهُ زينةً. . " الآية؟ قلتُ: أضافهما إليهما لأن " هارون " كان يؤمِنُّ على دعاء موسى، والتأمينُ دعاءٌ في المعنى، أو لأن هارون دعا أيضاً مع موسى، إلَّا أنه تعالى خص موسى بالذِّكر، لأنه كان أسبقَ بالدعوة، أو أحرص عليها. ٢١ - قوله تعالى: (فَإِنْ كُنْتَ في شَكٍّ مِمَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ. .)

стр. 252

إن قلتَ: " إنْ " للشك، والشكُّ في القرآن منتفٍ عنه ﷺ قطعاً، فكيف قال اللَّهُ ذلك له؟! قلتُ: لم يقل له، بل لمنْ كان شاكّاً في القرآن، وفي نبوَّة محمدٍ ﷺ ، ولا ينافيه قولُه " ممَّا أنزلنا إليكَ " لوروده في قولهِ " وأنزِلنا إليكم نوراً مبيناً " وقوله " يَحْذَرُ المنَافِقون أنْ تُنزَّلَ عليهمْ سُورَةٌ ". وقيلَ: الخطابُ للنبي ﷺ والمراد غيرُه، كما في قوله تعالى " يا أيها النبيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تطِعِ الكافِرِينَ والمنافقين ". أو المرادُ إلزامُ الحجَّةِ على الشاكِّينِ الكافرين، كما يقول لعيسى ﵇ " أأنتَ قلتَ للنَّاسِ اتَّخِذُوني وأمِّيَ إلهيْنِ منْ دُونِ اللَّهِ "؟ وهو عالمٌ بانتفاء هذا القول منه، لِإلزام الحجَّة على النصارى. ٢٢ - قوله تعالى: (وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كلّهُمْ جَمِيعاً. .) الآية.

стр. 253

فائدةُ ذكرِ " جميعاً " بعد " كُلُّهُمْ "، مع أنَّ كلاًّ منهما يفيد الإِحاطةَ والشمولَ، الدِّلالةُ على وجود الإيمان منهم، بصفة الاجتماع الذي لا يدلُّ عليه " كلّهم " كقولك: جاء القوم جميعاً أي مجتمعين، ونظيرُه قوله تعالى: " فسَجَدَ الملَائِكَةُ كلُّهُمْ أجْمَعُونَ ". ٢٣ - قوله تعالى: (وَأمِرْتُ أنْ أكونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ) . قال ذلك هنا، موافقةً لقوله قبلُ: " كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ ". وقال في النَّمل: " وأمِرْتُ أنْ أكونَ منَ المُسْلِمينَ " موافقةً لقوله قبلُ: " فهم مُسْلِمُونَ ". ٢٤ - قوله تعالى: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فلا رادَّ لفضْلِهِ. .) الآية.

стр. 254

إن قلتَ: لمَ ذكرَ المسَّ في الضُّرِ، والِإرادةَ في الخير؟! قلتُ: لاستعمال كلٍّ من المسِّ، والِإرادة، في كلٍّ من الضُرِّ والخير، وأنه لا مُزيل لما يصيب به منهما، ولا رادَّ لما يريده فيهما، فأوجزَ الكلامَ بأن ذكَرَ المسَّ في أحدهما، والِإرادةَ في الآخرِ، ليَدُلَّ بما ذَكَرَ على ما لم يذْكَرَ، مع أنه قد ذَكَرَ المسَّ فيهما في سورة الأنعام. " تَمَّتْ سُورَةُ يونس "

стр. 255

سورة هود ١ - قوله تعالى (وَأنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أجَلٍ مُسَمَّىً. .) . " ثُمَّ " للترتيب " الإِخباري لا الوجودي " إذِ التوبةُ سابقة على الاستغفار. أو المعنى: استغفروا ربكم من الشِّرك، " ثُمَّ تُوبُوا " أي ارجعوا إليه بالطاعة. إن قلتَ: نجدُ من لم يستغفرِ اللَّهَ ولم يَتُبْ، يمتِّعُه اللَّهُ متاعاً حسناً إلى أجلِهِ، أي يرزُقُه ويوسِّعُ عليهِ كما قال ابنُ عباس، أو يُعمِّره كما قال ابن قتيبة، فما فائدةُ التقييدِ بالاستغفار والتوبة؟! قلتُ: قال غيرهما: المتاعُ الحسنُ - المقيَّدُ بالاستغفارِ والتوبةِ - هو الحياةُ في الطَّاعةِ والقناعة، ولا

стр. 256

يكونانِ إلّاَ للمستغفِر التَّائب. ٢ - قوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا. .) الآية. لم يقل " على الأرض " مع أنه أنسبُ بتفسير الدابة لغةً، لأنها ما يدبُّ على الأرض، لأنَّ " في " أعمُّ مِنْ " عَلَى " لأنها تتناول من الدوابِّ ما على ظهرِ الأرض، وما في بطنها. وقيل: " في " بمعنى " على " كما في قوله تعالى (وَلأصَلِّبَنَّكُمْ في جُذُوع النَّخْلِ) وقولِهِ (أمْ لهمْ سُلَّمٌ يَسْتمعُونَ فِيهِ) وظاهرٌ أنَّ تفسير الدابة بما يَدبُّ على الأرض، يتناول الطير، فلا يَرِدُ أنَّ الآية، لا تتناول الطير في ضمان رزقه. فإن قلتَ: " عَلَى " للوجوب، واللَّهُ تعالى لا يجبُ عليه شيءٌ؟

стр. 257

قلتُ: المرادُ بالوجوب هنا " وجوبُ اختيار لا وجوبُ إلزامِ " كقوله ﷺ : ((غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجبٌ علَى كلِّ محتَلم " وكقولِ الِإنسان لصاحبه: حقُّك واجبٌ عليَّ. أو " عَلى " بمعنى " مِنْ " كما في قوله تعالى: " الَّذِينَ إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ " ٣ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَن ذَهَبَ السّيِّئَاتُ عَنى) قاله هنا، وقال في " فصِّلت ": (وَلَئِنْ أذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ) بزيادة " منَّا " و " مِنْ "، لأنه ثَمَّ بَيَّن جهة الرحمة، بقوله: " لا يَسْأَمُ الِإنْسَانُ منْ دُعَاءِ الخَيْرِ " فنايسبَ ذكرُ " منَّا " وحذَفَه هنا اكتفاءً بقوله قبلُ: " وَلَئِنْ أذقْنَا الِإنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ". وزاد " من " ثَمَّ، لأنه لمَّا حدَّ الرحمة وجهَتَها، حدَّ ألظَّرْف بعدها لتَتَشَاكلا في التحديد، وهنا لمَّا أهمل

стр. 258

الأول، أهمل الثاني ليَتَشاكلا. ٤ - قوله تعالى: (فَلَعَلكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ. .) الآية. إنما قال " ضَائِقٌ " ولم يقل: ضيِّقٌ، لموافقة قوله قبلَه: " تاركٌ "، وليدلَّ على أنه ضِيقٌ عارضٌ لا ثابت، لأنه ﷺ كان أوسعَ النَّاسِ صدراً. ونظيرُه قولُك: زيد سائدٌ وجائد، تريد حَدَثَ فيه السيادةُ والجودُ، فإنْ أردتَ وصفه بثبوتهما، قلتَ: زيد سيِّدٌ وجواد. ٥ - قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ. .) . أي مثله في الفصاحة والبلاغة، وإلَّا فما يأتون به مُفْترى، والقرآنُ ليس بمفترى. أو معناه: مفترياتٍ كما أنَّ القرآنَ - في زعمكم - مُفْتَرى!! فإِن قلتَ: كيف أفردَ في قوله " قُلْ " ثمَّ جَمَعَ في

стр. 259

قوله " فإن لم يستجيبوا لكم "؟ قلتُ: الخطابُ للنبي ﷺ فيهما، لكنَّه جَمَعَ في " لكم " تعظيماً، وتفخيماً له، ويعضُده قولُه في سورة القصص: (فإنْ لمْ يَسْتَجيبُوا لكَ) . أو الخطابُ في الثاني للمشركين، وفي " يَسْتَجِيبُوا " لِـ " مَنِ اسْتَطَعْتُمْ " والمعنى: فأتُوا أيها المشركون بعشر سورٍ مثلِهِ، إلى آخره، فإن لم يستجبْ لكم من تدعونه، إلى المظَاهرةِ على معارضتِهِ لعجزهم " فاعلموا أنما أنزل بعلم الله " وبالنظر إلى هذا الجواب، جُمِعَ الضميرُ في " لم يستجيبوا لكم " هنا، وأفردَ في القَصَص. فإن قلتَ: قال في سورة يونس " فَأتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ " وقد عجزوا عنه، فكيفَ قال هنا: " فَأتُوا بعشر سُوَرٍ مِثْلِهِ "؟! قلت: قيل: نزلتْ سورةُ هودٍ أولَاَ، لكنْ أنكره المبرّد وقال: بل سورةُ يونس أولاً، قال: ومعنى قوله في سورة يونس " فأتوا بسورةٍ مثلِهِ " أي في الِإخبار عن الغيب، والأحكامِ، والوعدِ والوعيد، فعجزوا، فقال لهم في

стр. 260

سورة هود: إنْ عجزتم عن ذلك، فأتوا بعشر سور مثلهِ في البلاغة، لا في غيره مما ذُكرَ، وما قاله هو المتَّجِه. هذا وتحريرُ الأول، مع زيادة أن يُقال: إنَّ الِإعجاز وقع أولاً بالتحدِّي بكل القرآن في آية " قُل لَئِن اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالجِنُّ " فلمَّا عجزوا تحدَّاهم - بعشر سورٍ، فلما عجزوا تحدَّاهم بسورة، فلما عجزوا تحدّاهم (١! - بدونها بقوله: " فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مثلِهِ ". ٦ - قوله تعالى: (لَا جَرَمَ أنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ) . قال ذلكَ هنا، وقال في النَّحل: " هُمُ الخاسرون " لأنَّ ما هنا نزل في قومٍ صدُّوا عن سبيل الله، وصدُّوا غيرهم، فضلُّوا وأضلُّوا.. وما هناكَ نزل في قومِ صدُّوا عن سبيل الله، فناسب في الأول " الأخسرون " وفَي الثاني " الخاسرون ". ٧ - قوله تعالى: (قَالَ يَا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ. .) . قال هنا بتقديم " رحمةً " على الجارّ والمجرور،

стр. 261

وعكس بعدُ في قوله " وآتاني منه رحمةً " وفي قوله " ورزقني منه رزقاً حسناً " ليوافق كلٌّ منهما ما قبله، إذِ الأفعال المتقدمة هنا وهي: " ترى، ونرى، ونظنُّ " لم يفصل بينها وبين مفاعيلها جار ومجرور، والفعلُ المتقدِّم بعدُ، وهو " كان " في الثاني و " نَفْعَلَ " في الثالث، فَصَل بينه وبين مفعوله جار ومجرور، إذ خبرُ " كان " كالمفعول. فإن قلتَ: لمَ قال في الأوَّلَيْن " وآتاني " وفي الثالث " ورزقني "؟! قلتُ: لأنَّ الثالث تقدَّمه ذكرُ الأموال، وتأخَّر عنه قولُه " رزقاً حسناً " وهما خاصَّان، فناسبهما قولُه " ورزقني " بخلاف الأوَّليْن فإنه تقدَّمهما أمور عامة، فناسبها قوله، " وآتاني ". ٨ - قوله تعالى: (وَيَا قَوْمِ لَا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أجْرِيَ إِلّاَ عَلَى اللَّهِ. .) .

стр. 262

إن قلتَ: لمَ قال هنا حكايةً عن نوحٍ بلفظ " مالاً " وقاله بعدُ حكايةً عن هودٍ بلفظِ " أجراً "؟! قلتُ: توسعةً في التعبير عن المراد بمتساوييْن، ولأن قصَّةَ نوحٍ وقع بعدها " خزائنُ " والمالُ بها أنسَبُ. فإن قلتَ: لم قال في الأولى " ويا قوم " بالواو، وفي الثانية " يا قوم " بدونها؟ قلتُ: لطول الكلام، الواقع بين الندائين في قصة نوح، وقصر ما بينهما في قصة هود، فناسب ذكرُ الواو في الأول لتوصيل ما بعدها بما قَبْلَها. ٩ - قوله تعالى: (قَالَ لاَ عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ. .) الآية. الاستثناءُ فيه منقطعٌ، لأن من ﵀ معصومٌ لا عاصم. أو متَّصلٌ لأن معنى من رحمَ الراحمُ - وهو اللَّهُ - فكأنه قيل: لا عاصم إلا اللَّه. أو لأنَّ عاصماً بمعنى معصوم، كـ " مَاءٍ دَافِقٍ "،

стр. 263

و (عيشةٍ راضية) ١٠ - قوله تعالى: (وَقِيلَ يَا أرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أقْلِعِي. .) الآية. إن قلتَ: هما لا يعقلان فكيف أُمِرا؟ قلتُ: الأمرُ هنا أمرُ " إيجادٍ " لا أمرُ " إيجاب "، فلا يُشترط فيه فهمٌ ولا عقل، لأنَّ الأشياء كلَّها منقادةٌ للَّهِ تعالى، ومنه قوله تعالى: " إِنَّما أمرُنا لِشَيْءٍ إذَا أرَدْنَاهُ أنْ نقولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " وقوله: " فَقَالَ لها وللأرْضِ ائتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً قَالَتا أتَيْنَا طَائِعِينَ ". ١١ - قوله تعالى: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أهْلِي. .) الآية. قاله هنا بالفاء، وقال في مريم في قصة زكريا " إذْ نَادَى ربَّهُ نِدَاءً خفياً قال ربّ " بلا فاء. . لأنه أريد بالنداء هنا إرادتُه، فهي سببٌ له، فناسبت الفاء الدالة على السببيَّة، وهناك لم يُردْ ذلكَ، فناسب تركُ الفاء. ١٢ - قوله تعالى: (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ. .) الآية.

стр. 264

إن قلتَ: هود كان رسولًا، فكيف لم يُظْهِرْ معجزةً؟! قلتُ: قد أظهرها وهي " الريحُ الصَّرْصَرُ " ولا يُقبل قولُ الكفَّار في حقه. قال بعضهم: أو إنَّ الرسول إنما يَحْتاج إلى معجزة، إذا كان صاحب شَريعة، لتنقادَ أمتُه إليها، إذْ في كل شريعةٍ أحكام غير معقولة، فيحتاج الرسولُ الآتي بها إلى معجزةٍ، تشهد بصحة صدقه، وهودٌ لم يكن له شريعةٌ، وإِنَّما كان يأمر بالعقل، فلا يَحْتاج إلى معجزة، لأنَّ الناسَ ينقادون إلى ما يأمرهم به، لموافقته للعقل. والمعتمدُ الجوابُ الأول، ولا يلزم من عدم إظهاره معجزةً، عدمُها في نفس الأمر، فقد قال ﷺ : ((مَا مِنْ نَبِيٍّ إلّاَ وقد أوتيَ منَ الآياتِ، ما مثلُه آمَن عليهِ البشرُ. .) . وقولُهم " ما جئتنا ببيِّنةٍ " كقول غيرهم " إنْ هُوَ إلّاَ رجل بهِ جِنَّة " " إنَّ هذا لساحر عليم ".

стр. 265

١٣ - قوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ) . قاله في قصة " هود " و " شعيب " بالواو، وفي قصة " صالح " و " لوط " بالفاء، لأن العذاب في قصة الأوَّليْن تأخَّر عن وقت الوعيد، فناسبَ الإِتيانُ بالواو، وفي قصة الأخيرين وقع العذابُ عقب الوعيد، فناسبَ الِإتيان بالفاء، الدَّالةِ على التعقيب. ١٤ - قوله تعالى: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ مَا أرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ. .) الآية جوابُ الشرط محذوفٌ، إذِ الِإبلاع ليس هو الجواب، لتقدّمِه على تولِّيهم، وإنما هو متعلَّقُ الجوابِ، والتقديرُ: فقل لهم: قد أبلغتكُم. ١٥ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَ أمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِنْ عَذَابٍ

стр. 266

غَلِيظٍ) . كرَّر التنجية، لأنَّ المراد بالأولى: تنجيتُهم من عذاب الدنيا، الذي نَزَلَ بقوم هود، وهي " سَمُومٌ " أرسلها اللَّهُ عليهم، فقطَّعتهم عُضْواً عُضْواً. وبالثانية: تنجيتُهم من عذاب الآخرة (١) ، الذي استحقَّه قوم هودٍ بالكفر. ١٦ - قوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ القِيَامَةِ. .) الآية. قاله هنا بذكر " الدنيا " وقال في قصة موسى بعد " وَاتْبِعُوا في هذِهِ لَعْنَةً " بحذفها، اختصاراً واكتفاءً بما هنا. ١٧ - قوله تعالى: (وَأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) . قاله هنا في قصة صالح، بلا " تاء " وقاله بها بعدُ في قصة شعيب، وكلٌّ صحيح، لكنْ اختصَّ الثاني بها، لأنَّ قوم شعيب وقع الِإخبار عن عذابهم، بثلاثة ألفاظٍ مؤنثة

стр. 267

الأعراف، والعنكبوت " فأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ " وهنا " الصيحةُ " وفي الشعراء " الظُلَّة " - وقعت لهم الثلاثة في ثلاثةِ أوقات. ١٨ - قوله تعالى: (فَأسْرِ بِأَهْلِكَ بِقطْعٍ منَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحدٌ إلّاَ امرأتَكَ. .) استثنى فيها " إلّاَ امْراتَكَ " ولم يستثنها منها في الحِجْر اكتفاءً باستثنائها ثَمَّ قبله في قوله: " إِنَّا لَمنَجُّوهُمْ أجْمَعِينَ إِلَّا امْراتَهُ ". ١٩ - قوله تعالى: (وَلَا تَنْقُصُوا المِكْيَالَ والمِيزَانَ إِنِّي أرَاكمْ بِخيْرٍ. .) الآية. هذا النَّهيُ يتضمَّن الأمر بالِإيفاء، وصرَّح به بعدُ في قوله (وَيَا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزَانَ بِالقِسْطِ) وهو يتضمَّنُ النهي عن النقص، ففي ذلك تأكيدٌ على الحثِّ على عدم البَخْس، وعلى الحثَ على العدل، وقدَّمَ النَّهيَ على الأمر، لأنَّ دفع المفاسد آكدُ

стр. 268

من جلبِ المصالح. ٢٠ - قوله تعالى: (يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلا بإِذْنِهِ. .) الآية. مُقَيدٌ لقوله تعالى: (يَوْمَ تَأتي كُل نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِها) أي بإذن الله، ولا يُنافي ذلك قوله تعالى (هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) . لأنَ في يوم القيامة مواقفَ، ففي بعضها لا يُؤذن لهم في الكلام، فيُكفُّون عنه، وفي بعضها يُؤذنُ لهم فيه، فيتكلمون. ٢١ - قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ شَقِى وَسَعِيد) . إن قلتَ: " مِنْ " للتبعيض، ومعلومٌ أن الناس كلهم، إما شقى أوسعيد، فما معنى التبعيض؟! قلتُ: التبعيضُ صحيح لأنَ أهلَ القيامة ثلاثةُ أقسام: أ - قسم شقى، وهم أهلُ النَار. ب - وقسمٌ سعيدٌ، وهم أهلُ الجنَة. ج - وقسمٌ لا شقي ولا سعيدٌ، وهم أهل

стр. 269

الأعراف، وإن كان مصيرُهم إلى الجنة، كما قاله قتادة وغيره. ٢٢ - قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السموَاتُ وَالأرْض. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ السمواتِ والأرضَ يَفْنيان، وذلكَ يُنافي الخلودَ الدائم؟! قلتُ: هذا خرج مَخْرج الألفاظ، التي يُعَبِّر العرب فيها عن إرادة الدوام، دون التأقيت، كقولهم: لا أفعل هذا ما اختلفَ الليلُ والنَّهارُ، وما دامتِ السمواتُ والأرضُ، يريد لا يفعلُه أبداً. أو أنهم خوطبوا على معتقدهم أنَّ السمواتِ والأرضَ لا يفنيان. أو أن المراد سمواتُ الآخرة وأرضُها، قال تعالى: " يوم تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرضِ والسَّمواتُ " وتلك دائمة لا تفنى. إن قلتَ: إذا كان المرادُ بما ذُكر الخلودُ الدائم، فما معنى الاستثناء في قوله " إلَّا ما شاء ربُّك "؟ قلت: هو استثناء من الخلود في عذاب أهل النار

стр. 270

(١) ، ومن الخلود في نعيم أهل الجنة، لأن أهل النَّار لا يُخلَّدون في عذابها وحده، بل يُعذَّبون بالزمهرير، وبأنواع أخَرَ من العذابِ، وبما هو أشدُّ من ذلك، وهو سَخَطُ اللَّهِ عليهم. وأهلُ الجنة لا يُخلَّدون في نعيمها وحده، بل يُنعَّمون بالرضوان، والنظرِ إلى وجهِه الكريم، وغير ذلك، كما دلَّ عليه قوله تعالى (عَطَاءً غيرَ مَجْذُوذٍ) . أو " إلّاَ " بمعنى غير، أي خالدين فيها ما دامت السَّمواتُ والأرضُ، غير ما شاء اللَّهُ من الزيادة عليهما، إلى ما لا نهاية له. أو " إلَّا " بمعنى الواو، كقوله تعالى (إِنِّي لا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ) . ٢٣ - قوله تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأهْلُهَا مُصْلِحُونَ) . قاله هنا بصيغة " لِيُهْلِكَ " لأنه لمَّا ذكر قولَه " بِظُلْمٍ " نفى الظُّلم عن نفسه، بأبلغ لفظٍ يُستعمل في النفي، لأنَّ اللام فيه لام الجحود، والمضارعُ يُفيد الاستمرار، فمعناه: ما فعلتُ الظُّلمَ فيما مضى، ولا

стр. 271

أفعله في الحال، ولا في المستقبل، فكان غايةً في النفي. وقاله في القصص، بدون ذكر " بظلمٍ "، فاكتفى بذكر اسم الفاعل، المفيد للحال فقط، وإن كان يُستعمل في الماضي، والمستقبل مجازاً. ٢٤ - قوله تعالى: (وَكلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ. .) الآية. إن قلتَ: ما الجمعُ بينه وبينِ قوله تعالى " وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ "؟ قلتُ: معناه كلُّ نبأٍ نقصُّه عليك من أنباء الرسل، هو ما نثبت به فؤادك، ف " ما " في موضع رفعٍ خبر مبتدأ محذوف، فلا يقتضى اللفظُ قصَّ أنباء جميع الرسل. ٢٥ - قوله تعالى: (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الحَقُّ. .) . أي في هذه الأنباءِ، أو الآيات، أو السورة.

стр. 272

خَصَّها بالذِّكر، تشريفاً لها، وإن كان قد جاءه الحقُّ في جميع السُّوَر، كقوله تعالى: (حَافِطوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الوُسْطَى. .) . والتعريف ب " في هذه الحقُّ " إما للجنس، أو للعهد، والمرادُ به: البراهينُ الدالة على التوحيد، والعدل، والنُبُوَّة. " تَمَّتْ سُورَةُ هود "

стр. 273

سورة يوسف ١ - قوله تعالى: (وَالشَمْسَ وَالقَمَرَ رَأيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ) . ذِكرُ الرؤيةِ ثانياً، جواباً لسؤالٍ مقدَّر من " يعقوب " ﵇، كأنه قال ليوسف بعد قوله: " إِنِّي رأيتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ والقمَرَ " كيفَ رأيتها؟ سائلًا عن حال رؤيتها، فقال مجيباً له: رأيتُهم لي ساجدين. وقيل: ذكره توكيداً، وجمع الكواكب في قوله " رأيتُهُمْ لي سَاجِدِينَ " جمع العقلاء، لوصفه لها بما هو من صفات العقلاء وهو السجود، كقوله تعالى: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكنكُمْ لاَ يَحْطِمنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ. .) . ٢ - قوله تعالى: (اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ

стр. 274

أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أبِيكُمْ. .) الآية. هذا قولُ إخوة يوسف. إن قلتَ: كيف قالوا ذلك وهم أنبياءُ؟! قلتُ: لم يكونوا أنبياءَ على الصحيح (١) ، وبتقدير أنهم كانوا أنبياءَ، إنما قالوا ذلك قبل نبوِّتهم. والجوابُ بأن ذلك من الصغائر، أو بانهم قالوه في صغرهم ضعيفٌ. ٣ - قوله تعالى: (أرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً نَرتَعْ وَنَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (٢) . إن قلتَ: كيف قالوا ذلك، مع أنهم كانوا بالغينَ عاقلين، وأنبياء أيضاً على قول؟ وكيف رضي يعقوب بذلك منهم على قراءة النون؟! قلتُ: كان لعبُهم المسابقة والمناضلة، يؤيده

стр. 275

" إنَّا ذهبنا نستبقُ "، وسمَّوه لعباً لأنه في صورة اللَّعب. قال الفخر الرازي: وُيرَدُّ على أصل السؤال أن يُقال: كيف يتورَّعون عن اللَّعب، وهم قد فعلوا ما هو أعظم حرمةً من اللَّعب وأشدُّ، وهو إلقاءُ أخيهم في الجُبِّ على قصد القتل إ! قلتُ: لم يكن وقتَ إلقاء أخيهم يوسف في الجبِّ، وقتُ طلب تورّعهم عن اللَّعب ولا قتله، وأصلُ السؤال إنما وقع على طلب التورًّع المتقدِّم على الِإلقاء، لكنْ يُطلب الجوابُ عن إلقائهم له في الجب من أن ذلك من المعاصي؟ وُيجابُ بما مرَّ في الجواب عن قولهم " اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضاً "!! ٤ - قوله تعالى: (وَأوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِئَنَّهُمْ بِأمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشعُرُونَ) . " وأوحينا إليه " أي وحيَ إلهام لا وحيَ رسالة، لأنه يومئذٍ لم يكن بالغاً، ووحيُ الرسًالةِ إنما يكونُ بعد الأربعين. ٥ - قوله تعالى: (وَلَمَّا بَلَغَ أشدهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلماً وَكَذَلِكَ نَجْزي المُحْسِنِينَ) . قاله هنا بدون "

стр. 276

واستوى " وقال في القصص به، لأن يوسف أوحيَ إليه في الصغر، و " موسى " أوحي إليه بعد أربعين سنة، فقولُه " واستَوَى " إشارة إلى تلك الزِّيادة. ٦ - قوله تعالى: (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ..) الآية. وحَّد الباب هنا، وجمعه قبلُ في قوله " وَغَلَّقَتِ الأبْوَابَ " لأن إغلاقَ الباب للاحتياط لا يتمُّ إلَّا بإغلاق الجميِع، وأمَّا هروبه منها فلا يكون إلَّا إلى باب واحد، حتى لو تعدَّدت أمامه لم يقصد منها أوَّلًا إلّا لأول، فلهذا وحَّد البابَ هنا وجَمَعه ثَمَّ. ٧ - قوله تعالى: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (٤٦)) . كرر " لعلَّ " رعايةً للفواصل، إذْ لو قال: لعلِّي أرجع إلى الناس فيعلموا بحذف النون، جواباً لـ " لعل " لفاتت الرعاية.

стр. 277

٨ - قوله تعالى: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) . إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن الأنبياء ﵈ أعظمُ النَّاسِ زُهْداً في الدُّنيا، ورغبةً في الآخرة؟! قلتُ: إنما طلبَ ذلكَ ليتوصَّل به، إلى إمضاءِ أحكام الله تعالى، وإقامة الحقِّ، وبسط العدل ونحوِه، ولعلْمِه أنَّ أحداً غيره لا يقوم مقامه في ذلك. ٩ - قوله تعالى: (وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأخٍ لَكُمْ مِنْ أبِيكُمْ. .) . قاله هنا بالواو، وقاله بعدُ بالفاء، لأنه ذكر هنا أول مجيئهم إلى يوسف، فناسبته الواو، الدَّالةُ على الاستئناف. وذُكر بعدُ عند انصرافهم عنه، عطفاً على " لمَّا دخلوا " فناسبته الفاء الدَّالةُ على الترتيب والتعقيب.

стр. 278

١٥ - قوله تعالى: (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (٧٠)) . إن قلتَ: كيف جاز ليوسف أن يأمر المؤذن بأن يقول ذلك، مع أنَّ فيه بهتاناً، واتِّهامَ من لم يسرقْ بأنه سَرَق؟! قلتُ: إنما قاله " توريةً " عما جرى منهم مجرى السرقة، من فعلهم بيوسف ما فعلوا أولًا. أو كان ذلك القولُ من المؤذِّن، بغير أمر يوسف ﵇. أو أنَّ حكم ذلك حكم " الحِيَل الشَّرعيةِ " التي يُتوصل بها إلى مصالح دينيَّة، كقوله تعالى لأيوب: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ) ، وقول إبراهيم في حقِّ زوجته: " هي أختي " لِتَسْلَم من يد الكافر.

стр. 279

١١ - قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧) . " مِنْ رَوْحِ اللَّهِ " أي من رحمته " إِلَّا القَومُ الكَافِرُونَ ". إن قلتَ: منَ المؤمنينَ منْ ييأسُ من روْحِ اللَّهِ، لشدَّةِ مصيبته، أو كثرةِ ذنوبه، كما في قصة الذي أمر أهله إذا مات أن يحرقوه. (١) الحديث ثم إنَّ اللَّهَ تعالى غفرَ له؟! قلتُ: إنما ييأس من رَوْحِ اللَّه الكافرُ، لا المؤمنُ عملاً بظاهر الآية، فكلُّ من أيِسَ من روْح اللهِ فهو كافرٌ، حتَّى يعود إلى الِإيمان، ولا نُسلَم أن صاحبَ القصَّةِ مات آيساً، ولم يسمح له الرجوع عن وصيَّته. ١٢ - قوله تعالى: (فَلَمَّا أنْ جَاءَ البَشِيرُ ألْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. .) الآية. قال هنا وفي العنكبوت

стр. 280

آخراً في قوله تعالى " ولمَّا أن جاءت رسلنا لوطاً " بذكر " أن ". وقال في هود: " ولمَّا جاءت رسلُنا لُوطاً " وفي العنكبوت أولًا " ولمَّا جاءت رسلُنَا إبراهيمَ بِالبُشْرَى " بحذفها بنيَّتها على جواز الأمرين. والقولُ بأنَّ ذكرَ " أنْ " يدلُّ على وقوع جواب " لمَّا " حالَاَ، بخلاف ما إذا حُذفت، يُرَدُّ بأنَّ آية هود، وآية العنكبوت، التي ذُكرَ فيها " أنْ " متَّحدتان شرطاً وجواباً، مع أنَّ " أنْ " ذُكرت في إحداهما، وحُذفت من الأخرى. إلَا أن يُقال إنها إذا لم تُذكر، لم يلزم وقوعُ جواب " لما " حالَاَ. ١٣ - قوله تعالى: (وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً. .) الآية. إن قلتَ: كيف جاز لهم أن يسجدوا ليوسف، والسجودُ لغير الله حرامٌ؟! قلتُ: المرادُ أنهم جعلوه كالقِبْلَةِ، ثم سجدوا للهِ تعالى، شكراً لنعمة وُجْدَان يوسف، كما تقول: سجدتُ وصلَّيتُ للقِبْلة.

стр. 281

واللَّامُ للتعليل (١) أي لأجله سجدوا للَّهِ، ومنه قوله تعالى " رأيتُهم لي سَاجِدينَ " أي إنما سجدتْ للَّهِ، لأجل مصلحتي، والسعي في إعلاء منصبي. ١٤ - قوله تعالى: (وَقَدْ أحْسَنَ بِي إِذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ) . إن قلتَ: لمَ ذكر " يوسف " ﵇، نعمةَ الله عليه في إخراجه من السجن، دون إخراجه من الجبِّ، معِ أنه أعظم نعمةً، لأن وقوعَه في الجبِّ كان أعظمَ خَطَراَ؟! قلتُ: لأن مصيبة السجن كانت عنده أعظم، لطول مدَّتها، ولمصاحبته الأوباش وأعداءَ الدينِ فيه، بخلاف مصيبة الجبِّ، لقِصَر مدَّتها، ولكون المؤنس له فيه جبريل ﵇، وغيره من الملائكة. أو لأن في ذكر الجُبِّ " توبيخاً وتقريعاً " لِإخوته، بعد قوله: " لا تَثْرِيبَ عليكُمُ اليَوْمَ ". ١٥ - قوله تعالى: (أنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ) .

стр. 282

إن قلتَ: كيف قال يوسف ذلك، مع علمه بأنَّ كل نبيٍّ لا يموت إلّاَ مسلماً؟ قلتُ: قاله إظهاراً للعبودية والافتقار، وشدَّة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليماً للأمة، وطلباً للثواب. ١٦ - قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الِإيمان والشرك لا يجتمعان؟ قلتُ: معناه: وما يؤمنُ أكثرُهم بأن اللَّهَ خالقُه ورازقُه، وخالقُ كل شىءٍ قولًا، إلا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلاً. أو أن المراد به المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولًا، ويشركون بقلوبهم اعتقاداً. ١٧ - قوله تعالى: (أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. .) . قاله هنا، وفي الحج، وفي آخر غافر بالفاء، وقاله

стр. 283

في الروم، وفاطر، وأول غافر بالواو. لأن ما في الثلاثة الأول، تقدّمه التعبير في الِإنكار بالفاء في قوله هنا " أفامنوا أن تأتيهم غاشية " وفي الحج " فهي خاوية على عروشها " وفي آخر غافر " فَأيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ "؟ وما في الثلاثة الأخيرة، تقدَّمه التعبيرُ بالواو في قوله في الروم: " أو لم يَتَفَكَّروا في أنْفسِهمْ " وفي فاطر " أو لَمْ نعَمَركمْ مَا يَتَذَكَّرُ فيهِ مَنْ تَذَكَّرَ " وفي أول غافر " وانْذِرْهمْ يَوْمَ الآزِفَةِ " " وما تُخْفي الصُّدور " " واللَّه يَقْضِي بِالحقِّ والَّذِينَ يَدْعونَ منْ دُونهِ لَا يَقْضُون بِشيءٍ ". " تَمَّتْ سُورَةُ يوسف "

стр. 284

سورة الرعد ١ - قوله تعالى: (إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) . ختم الآية هنا بـ " يَتَفَكَّرُونَ " وختمها بعد بـ " يَعْقِلُونَ "، لأن التفكُّر في الشيء سببٌ لتعقُّله، والسبب مقدَّم على المسبَّب، فناسَب تقدم التفكر على التعقُّل. ٢ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلكَ هنا، وقال في الحج (ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمواتِ وَمَنْ في الأرْضِ. .) . وفي النَّحل (ولّلهِ يَسْجُدُ مَا في السَّموَاتِ

стр. 285

وَمَا فِي الأرْضِ. .) ؟! قلتُ: لأنه هنا ذكر العلوَّيات، من الرَّعد، والبرق، والسَّحاب، ثم الملائكة بتسبيحهم، ثم الأصنام والكفار، فبدأ بذكر " مَنْ في السَّموات " ليقدّم ذكرهم، وأتبعهم من في الأرض، ولم يذكر " مَنْ " استخفافاً بالأصنام والكفار. وفي الحج تقدَّم ذكر المؤمنين وسائر الأديان، فقد ذكر " مَنْ في السَّمواتِ " لشرفهم، ثم قال " وَمَنْ في الأرْضِ " ليقدّم ذكر المؤمنين. وفي النَّحل: تقدَّم ذكرُ ما خلقه الله عامًّا، ولم يكن فيه ذكرُ الملائكةِ والرعد، ولا الِإنس بالتصريح، فاقتضت الآية ُ " ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ " فقال في كلِّ آيةٍ ما يناسبها. ٣ - قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. .) قاله هنا، وفي القَصَص،
следующие страницы →