← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

واللَّامُ للتعليل (١) أي لأجله سجدوا للَّهِ، ومنه قوله تعالى " رأيتُهم لي سَاجِدينَ " أي إنما سجدتْ للَّهِ، لأجل مصلحتي، والسعي في إعلاء منصبي. ١٤ - قوله تعالى: (وَقَدْ أحْسَنَ بِي إِذْ أخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ) . إن قلتَ: لمَ ذكر " يوسف " ﵇، نعمةَ الله عليه في إخراجه من السجن، دون إخراجه من الجبِّ، معِ أنه أعظم نعمةً، لأن وقوعَه في الجبِّ كان أعظمَ خَطَراَ؟! قلتُ: لأن مصيبة السجن كانت عنده أعظم، لطول مدَّتها، ولمصاحبته الأوباش وأعداءَ الدينِ فيه، بخلاف مصيبة الجبِّ، لقِصَر مدَّتها، ولكون المؤنس له فيه جبريل ﵇، وغيره من الملائكة. أو لأن في ذكر الجُبِّ " توبيخاً وتقريعاً " لِإخوته، بعد قوله: " لا تَثْرِيبَ عليكُمُ اليَوْمَ ". ١٥ - قوله تعالى: (أنْتَ وَلِيِّ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَألْحِقْنِي بالصَّالِحِينَ) .

стр. 282

إن قلتَ: كيف قال يوسف ذلك، مع علمه بأنَّ كل نبيٍّ لا يموت إلّاَ مسلماً؟ قلتُ: قاله إظهاراً للعبودية والافتقار، وشدَّة الرغبة في طلب سعادة الخاتمة، وتعليماً للأمة، وطلباً للثواب. ١٦ - قوله تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الِإيمان والشرك لا يجتمعان؟ قلتُ: معناه: وما يؤمنُ أكثرُهم بأن اللَّهَ خالقُه ورازقُه، وخالقُ كل شىءٍ قولًا، إلا وهو مشرك بعبادة الأصنام فعلاً. أو أن المراد به المنافقون، يؤمنون بألسنتهم قولًا، ويشركون بقلوبهم اعتقاداً. ١٧ - قوله تعالى: (أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. .) . قاله هنا، وفي الحج، وفي آخر غافر بالفاء، وقاله

стр. 283

في الروم، وفاطر، وأول غافر بالواو. لأن ما في الثلاثة الأول، تقدّمه التعبير في الِإنكار بالفاء في قوله هنا " أفامنوا أن تأتيهم غاشية " وفي الحج " فهي خاوية على عروشها " وفي آخر غافر " فَأيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ "؟ وما في الثلاثة الأخيرة، تقدَّمه التعبيرُ بالواو في قوله في الروم: " أو لم يَتَفَكَّروا في أنْفسِهمْ " وفي فاطر " أو لَمْ نعَمَركمْ مَا يَتَذَكَّرُ فيهِ مَنْ تَذَكَّرَ " وفي أول غافر " وانْذِرْهمْ يَوْمَ الآزِفَةِ " " وما تُخْفي الصُّدور " " واللَّه يَقْضِي بِالحقِّ والَّذِينَ يَدْعونَ منْ دُونهِ لَا يَقْضُون بِشيءٍ ". " تَمَّتْ سُورَةُ يوسف "

стр. 284

سورة الرعد ١ - قوله تعالى: (إِنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْم يَتَفَكَّرُونَ) . ختم الآية هنا بـ " يَتَفَكَّرُونَ " وختمها بعد بـ " يَعْقِلُونَ "، لأن التفكُّر في الشيء سببٌ لتعقُّله، والسبب مقدَّم على المسبَّب، فناسَب تقدم التفكر على التعقُّل. ٢ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ في السَّمواتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلكَ هنا، وقال في الحج (ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ في السَّمواتِ وَمَنْ في الأرْضِ. .) . وفي النَّحل (ولّلهِ يَسْجُدُ مَا في السَّموَاتِ

стр. 285

وَمَا فِي الأرْضِ. .) ؟! قلتُ: لأنه هنا ذكر العلوَّيات، من الرَّعد، والبرق، والسَّحاب، ثم الملائكة بتسبيحهم، ثم الأصنام والكفار، فبدأ بذكر " مَنْ في السَّموات " ليقدّم ذكرهم، وأتبعهم من في الأرض، ولم يذكر " مَنْ " استخفافاً بالأصنام والكفار. وفي الحج تقدَّم ذكر المؤمنين وسائر الأديان، فقد ذكر " مَنْ في السَّمواتِ " لشرفهم، ثم قال " وَمَنْ في الأرْضِ " ليقدّم ذكر المؤمنين. وفي النَّحل: تقدَّم ذكرُ ما خلقه الله عامًّا، ولم يكن فيه ذكرُ الملائكةِ والرعد، ولا الِإنس بالتصريح، فاقتضت الآية ُ " ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ " فقال في كلِّ آيةٍ ما يناسبها. ٣ - قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ. .) قاله هنا، وفي القَصَص،

стр. 286

والعنكبوتِ، والرُّومِ، بلفظ " اللَّهُ " وفي الِإسراء، وفي سبأ في موضعين بلفظ الرب، وفي الشورى بإضممار لفظ " الله " وبزيادة " له " في العنكبوت، وفي ثاني موضعيْ سبأ، موافقةً لتقدم تكرر لفظ " الله " في السور الأربع، ولتقدّم تكرر لفظ الربّ في المواضع الثلاثة، ولتقدم تكرّر الِإضمار في الشورى. وزاد في العنكبوت " من عباده " و " له " موافقةً لبسْطِ الكلام على الرزق المذكور فيها صريحاً. وزاد في القَصَص " مِنْ عِبَادِهِ " موافقةً لذلك، وإن كان لفظ الرزق فيه تضمناً.

стр. 287

وزَادَ " له " في ثاني موضعَيْ سبأ، لأنه نزل في المؤمنين، وما قبله في الكافرين. وحذف لفظ " الله " في غير العنكبوت، وفي أول موضعَيْ سبأ اختصاراً. ٤ - قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)) . إن قلتَ: كيف طابقَ هذا الجوابُ قولهم (لَوْلَا أنْزِلَ عَلَيْهِ آيةٌ مِنْ رَبِّهِ "؟ قلتُ: المعنى قل لهم: إنَّ اللَّهَ أنزل عليَّ آياتٍ ظاهرة، ومعجزاتٍ قاهرة، لكنَّ الِإضلال والهداية من اللَّهِ، فأضلَّكم عن تلك الآيات، وهَدَى إليها آخرين، فلا فائدةَ في تكثيرِ الآياتِ والمعجزاتِ. أو هو كلام جرى مجرى التعجب من قولهم، لأن الآيات الباهرة المتكاثرة، التي ظهرت على يد النبي ﷺ ، كانت أكثَر من أن تشتبه على العاقل، فلمَّا طلبوا بعدها آياتٍ أخَر، كان محلَّ التعجب والِإنكار، فكانَّه قيل لهم: ما أعظم عنادكم!! إن الله يُضلّ من يشاء، كمن كان على صنيعكم، من التَّصْميم

стр. 288

على الكفر، فلا سبيل إلى هدايتكم، وإنْ أنزلت كلُّ آية!! ويهدي من كان على خلاف صنيعكم. ٥ - قوله تعالى: (أفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ. .) الآية. إن قلتَ: كيف طابَق قوله عقبه " وجعلوا للَّهِ شركاء قل سَمُّوهم "؟ قلتُ: فيه محذوفٌ تقديره: أفمن هو رقيبٌ على كل نفسٍ، صالحةٍ وطالحةٍ، يعلمُ ما كسبتْ من خيرٍ وشرٍّ، كمن ليس كذلك؟ من شركائهم التي لا تضر ولا تنفع؟ ويدل له قوله تعالى: " وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ " ونحوُه قولُه تعالى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلِإسْلاَمِ) تقديره: كمنْ قَسَا قَلبُه؟ يدلُّ له قوله: (فويلٌ للقاسية قلوبُهم من ذَكرِ اللَّهِ) . ٦ - قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أمِرْتُ أنْ أعْبُدَ اللَّهَ وَلَا أشْرِكَ بِهِ. .) . إن قلتَ: كيف اتصل هذا بقوله قبله: " وَمِن الأحْزَابِ مَنْ يُنكِرُ بَعْضَهُ "؟

стр. 289

قلتُ: هو جوابٌ للمنكرين معناه: قل إنما أُمرت فيما أنزل إلي، بأن أعبد الله ولا أشرك به، فإِنكاركُم لبعضه إنكارٌ لعبادة الله وتوحيده. ٧ - قوله تعالى: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ المَكرُ جميعاً. .) . إن قلتَ: كيف أثبتَ لهم مكراً ثم نفاه عنهم بقوله " فللَّهِ المكُر جميعاً "؟. قلتُ: معناه إن مكر الماكرين مخلوقٌ له، ولا يضرُّ إلا بإرادته، فإِثباتُه لهم باعتبار الكسب، ونفيُه عنهم باعتبار الخلق. " تَمَّتْ سُورَةُ الرعد "

стр. 290

سورة إبراهيم ١ - قوله تعالى: (وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنِ لَهُمْ. .) . إن قلتَ: هذا يقتضي أن النبي ﷺ إنما بُعث إلى العرب خاصة، فكيف الجمعُ بينه وبين قوله: (قُلْ يا أَيُّها النَّاسُ إِنِّي رسولُ اللَّهِ إِليْكُمْ جَمِيعاً) ؟ وقوله: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً للنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) ؟ قلتُ: أرسل إلى النَّاس كافةً بلسان قومه وهم العرب، ونزولُه بلسانهم مع الترجمة لباقي الألسُنِ كافٍ، لحصول الغرض بذلك، ولأنه أبعدُ عن التحريف والتبديل، وأسلمُ من التنازع والاختلاف.. ٢ - قوله تعالى: (يَدْعُوكُمْ لِيْغفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ

стр. 291

وَيُؤَخِّرَكمْ إِلىَ أجَلٍ مُسَمَّىً. .) " مِنْ " زائدة، إذِ الِإسلامُ يُغفر به ما قبله، أو تبعيضيَّة لِإخراج حقّ العباد. ٣ - قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكلِ المُؤْمِنُونِ) . قال ذلك هنا، وقال بعده (وَعَلَى اللَّهِ فليتوكَّلِ المُتَوَكِّلُونَ) . لأن الِإيمان سابق على التوكل. ٤ - قوله تعالى: (لاَ يَقْدِرُونَ مِمَّا كسَبُوا عَلَى شَيْءٍ. .) . قدَّم " مِمَّا كسبوا " على ما بعده، لأن الكسب هو المقصود بالذِّكر، بقرينة ما قبله، وإن كان القياسُ عكسُ ذلك كما في البقرة، لأن " على شيءٍ " صِلة " لِيَقْدِرُونَ " و " مِمَّا كَسَبُوا " صفَةٌ لشيءٍ. ٥ - قوله تعالى: (وَأنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقَاً لَكُمْ. .) . قاله هنا بدون " لكم " وقاله في النمل بذكر " لكم " اكتفاءً هنا بذكره بعد، لا سيما وقد ذُكر مكرَّراً.

стр. 292

٦ - قوله تعالى: (رَبِّ إِنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَاسِ. .) . إن قلتَ: كيف جعل الأصنام مضلَّةَ، والمضِلًّ ضارٌّ، وقد نفى عنهم الضرر بقوله: " وًيعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَالَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ "؟! قلتُ: نسبةُ الِإضلال إليها مجاز، من باب نسبة الشيء إلى سببه، كما يُقال: فتنتهم الدنيا، ودواءٌ مُسْهِل، فهي سببٌ للِإضلال، وفاعلُه حقيقةً هو اللَّهُ تعالى. ٧ - قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحِسَابُ) . إن قلتَ: كيف استغفرَ إبراهيم ﵇ لِوَالديْهِ وهما كافرانِ، والاستغفارُ للكافر حرامٌ؟! قلتُ: المعنى: واغفرْ لوالديَّ إن أسلما، أو أراد

стр. 293

بهما آدم وحواء. . ٨ - قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالِمُونَ. .) الآية. إن قلتَ: كيف يحسبه النبي ﷺ غافلًا، وهو أعلمُ الخلْقِ باللَّهِ؟! قلتُ: المرادُ دوام نهيه عن ذلك، كقولهِ تعالى: (ولَا تَكُونَنَّ مِنَ المُشْرِكينَ) وقولِهِ: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) . ونظيرُه في الأمر قولُه تعالى: (يَا أَيُّها الذينَ آمَنُوا آمِنُوا باللَّهِ وَرَسُولِهِ) . أوهو نهيٌ لغير النبي ﷺ ممَّن يحسبه غافلاً، لجهلِهِ بصفاته تعالى. " تَمَّتْ سُورَةُ إبراهيم "

стр. 294

سورة الحجر ١ - قوله تعالى: (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ) . إن قلتَ: كيف وصفوه بالجنون، مع قولهم: " نُزِّلَ عليهِ الذِّكْرُ " أي القرآن، المستلزمُ ذلكَ لاعترافهم بنبوَّته؟! قلتُ: إنما قالوا ذلكَ استهزاءً وسُخرية، لا اعترافاً، كما قال فرعون لقومه: (إنَّ رسولكُمُ الَّذِي أرْسِلَ إِليكُمْ لَمَجْنُونٌ) . أو فيه حذف: أي يا أيها الذي تدَّعى أنَّكَ نزل عليك الذِّكرُ. ٢ - قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيى وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوَارِثُونَ) .

стр. 295

إن قلتَ: كيف قال ذلك، والوارثُ من يتجدَّدُ له المُلْكُ، بعد فناءِ المورِّث، واللَّهُ تعالى لم يتجدَّدْ له مُلْكٌ، لأنه لم يزل مالكاً للعَالَم؟! قلتُ: الوارثُ لغةً هو الباقي بعد فناءِ غيره، وإن لم يتجدَّدْ له مُلْك، فمعنى الآية: ونحن الباقون بعد فناء الخلائق، أو إنَّ الخلائق لمَّا كانوايعتقدون أنهم مالكون، ويسمون بذلك أيضاً مجازاً ثم ماتوا، خلُصت الأملاكُ كلُّها للَّهِ تعالى عن ذلك التعلق، فبهذا الاعتبار سُمِّي وارثاً. ونظيرُ ذلك قولُه تعالى (لِمَنِ المُلْكُ اليَوْمَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ) ، والمُلْكُ له أزليٌّ وأبديٌّ. ٣ - قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) . قال ذلك هنا بتعريف الجنسِ، ليناسب ما قبلَه من التعبير بالجنس، في قوله تعالى " وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِإنْسَانَ " " والجَانَّ خَلَقْنَاهُ " " فَسَجَدَ المَلَائِكَةُ ". وقال في " ص ": (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتي إِلى يَوْمِ الدِّين) . بالإِضافة، ليناسب ما قبله من قوله " مَا مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بَيَدِيَّ "؟.

стр. 296

٤ - قوله تعالى: (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَاناً عَلى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ) . قاله هنا يزيادة " إِخْوَاناً " لأنه نزل في أصحاب رسول الله ﷺ . وقاله في غير هذه السورة بدونهم، لأنه نزل في عامَّة المؤمنين. ٥ - قوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُواسَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ) . حذف منه قبل قال اختصاراً، قولَه في هود " قالَ سلامٌ " وفي هود (قالوا سَلاَماً قال سَلاَمٌ فما لبث أن جَاءَ بعجلٍ حنيذٍ. فلمَّا رأى أيديَهمْ لا تَصِلُ إليهِ نكرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنهُمْ خِيفَةً) فحُذف للدلالة عليه. ٦ - قوله تعالى: (قَالُوا لَا تَوْجَلْ إنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَم عَلِيمً) . " لا تَوْجَلْ " أي لا تخف، وبه عبَّر في هود

стр. 297

توسعةً في التعبير عن الشيءِ الواحدِ بمتساوييْن، وخصَّ ما هنا بالأول لموافقته قولَه: " إنا منكمْ وَجِلُونَ " وما في هود بالثاني لموافقتهِ قولَه: " خِيفَةً ". ٧ - قوله تعالى: (إلّاَ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إنَّهَا لَمِنَ الغَابِرِينَ) . إسنادُ التقديرِ إلى الملائكةِ مجازٌ، إذِ المقدِّر حقيقةً هو الله تعالى، وهذا كما يقول خواصُّ المَلِكِ: دبَّرنا كذا، وأمرنا بكذا، والمدَبِّر، والآمرُ هو الملِكُ، وفي ذلك إظهارٌ لمزيد قربهم بالملك. ٨ - قوله تعالى: (إنَّ في ذلِكَ لأيَاتٍ لِلْمُتَوسِّمِينَ. وإنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ. إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنينَ) . إن قلتَ: كيف جمع الآية أولًا، ووحَّدها ثانياً، والقصَةُ واحدةٌ؟! قلت: جمع أولًا باعتبار تعدُّد ما قصَّ من حديث لوطٍ، وضيف إبراهيم، وتعرُّض أهلِ لوطٍ لهم، وما كان من إهلاكهم، وقلب المدينة على من فيها، وإمطار الحجارة على من غاب عنها. ووحَّد ثانياً: باعتبار وحْدَةٍ قرية قوم لوط، المُشار

стр. 298

إليها بقوله: " وَإنَّهَا لَبِسبِيلٍ مُقِيمٍ ". ٩ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ كذَّبَ أَصحَابُ الحِجْرِ المُرسَلِينَ) . " الحِجْر " اسمُ واديهم أو مدينتهم. فإن قلتَ: أصحابهُ وهم قومُ صالحٍ، إنما كذبوا صالحاً، لأنه المُرْسلُ إليهم، لا المُرْسَلينَ كلَّهُم؟! قلتُ: من كذَّب رسولًا واحداً، كذَّب جميع الرُّسل، لاتفاقهم في دعوة النَّاس إلى توحيد اللَّهِ تعالى. ١٠ - قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُون) إن قلتَ: كيف قال ذلك هنا، وقال في الرحمن (فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنسٌ وَلَا جَانٌّ) ؟ قلتُ: لأن في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يُسألون، وفي بعضها لا يُسألون، وتقدَّم نظيرُه في هود. أو لأن المراد هنا أنهم يُسألون سؤال توبيخٍ، وهو لم فعلتم أو نحوه، وثَمَّ لا يُسألون سؤال استعلامٍ واستخبار. " تَمَّتْ سُورَةُ الحِجْر "

стр. 299

سورة النحل ١ - قوله تعالى: (وَلَكُمْ فيها جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) . قدَّم الِإراحة على السَّرح، مع أنها مؤخرة عنها في الواقع، لأن الأنعام وقت الِإراحة - وهي ردّها عشاءً إلى مَرَاحه أجملُ وأحسنُ من سَرْحها، لأنها تُقبِل مالئةَ البطون، حافلةَ الضُّروع، متهاديةً في مشيها، بخلاف وقت سرْحِها، وهو إخراجُها إلى المرعى. ٢ - قوله تعالى: (إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وحَّدَ الآية في هذه السورة في خمسة مواضعَ

стр. 300

، نظراً لمدلولها. وَجَمَعَها في موضعين لمناسبة قوله قبلها " والنُّجومُ مُسَخَراتٌ بِأَمرِهِ ". ٣ - قوله تعالى: (وَتَرَى الفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ لَتَبْتَغُوا مِنْ فَضلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ) . قاله هنا بتأخير " فيه " عن " مواخرَ " وبالواو في " ولتبتغوا "، وقاله في " فاطر " بتقديم " فيه " وحذف الواو، جرياً هنا على القياسِ، إذِ " الفُلْكُ " مفعول أول لترى، و " مواخرَ " مفعولٌ ثانٍ له، و " فيه " ظرفٌ وحقُّه التأخيرُ، والواوُ للعطفِ على لام العلة، في قوله: " لتأكلوا منه لحماً طرياً " وحَذَفَ الواوَ، لعدم المعطوف عليه هنا. ٤ - قوله تعالى: (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلاَ تَذَكَرُونَ) . هذا من عكس التشبيه، إذْ مقتضَى الظاهر العكسُ، لأن الخطابَ لعُبَّادِ الأوثان حيثُ سموها آلهةً، تشبيهاً به تعالى، فجعلوا غيرَ الخالقِ كالخالق، فَخُولف

стр. 301

في خطابهمِ، لأنهم بالغوا في عبادتها، حتَّى صارت عندهم أصلَا في العبادة، والخالقُ فرعاً، فجاء الِإنكار على وَفقِ ذلك، ليفهموا المراد على معتقدهم. إن قلتَ: المرادُ بـ " مَنْ لَا يَخْلُقُ " الأصنام، فكيف جيء ب " مَنْ " المختصَّة بأولي العلمِ؟! قلتُ: خاطبهم على معتقدهم، لأنهم سمَّوها آلهةً وعبدوها، فأجروها مجرى أولي العلم، ونظيرهُ قولُه تعالى (أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشونَ بِهَا) الآية. ٥ - قوله تعالى: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثون) . إن قلتَ: ما فائدةُ قوله في وصف الأصنام " غيرُ أحياءٍ " بعد قوله " أمواتٌ "؟ قلتُ: فائدتُه أنها أمواتٌ لا يَعْقبُ موتَها حياةٌ، احترازاً عن أمواتٍ يعقبُ موتَها حياةٌ، كالنُّطَفِ، والبيض، والأجسادِ الميتة، وذلك أبلغُ في موتها، كأنه قال: أمواتٌ في الحالِ، غيرُ أحياءٍ في المآل. ٦ - قوله تعالى: (وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ) .

стр. 302

إن قلتَ: كيف عابَ الأصنام بأنهم لا يعلمون، مع أنَّ المؤمنين كذلك؟ قلتُ: معناه وما تشعر الأصنام متى تبعث عُبَّادها؟ فكيف تكونُ آلهةً مع الجهل؟ بخلاف المؤمنين فإنهم يعلمون أنه يوم القيامة. ٧ - قوله تعالى: (لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلّونَهُمْ) أي ليحملوا أوزار كفرهم مباشرةً، ومِثلَ أو بعضَ أوزارِ كفرِ مَنْ أضلُّوهم، بتسبّبهم في كفرهم. . ف " مِنْ " زائدة، أو تبعيضيَّة. وأمَّا قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) فمعناه وزراً لا مَدْخل لها فيه، ولا تعلُّق له بها بتسبُّب ولا غيرِه. ونظيرُ هاتين الآيتين، سؤالاً وجواباً، قولُه تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ..) . ٨ - قوله تعالى: (فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ

стр. 303

بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٤)) قال فيه وفي الجاثية " مَاعَمِلُوا " وفي الزُّمر " مَا كَسَبُوا " موافقةً لِمَا قبلَ كلٍّ منها، أوبعد، أوقبله وبعده، إذْ ما هنا قبله " ما كُنَّا نَعْمَلُ منْ سُوءٍ " و " تعملون " مرَّتين. وقبْلَ ما في الجاثية " ما كنتم تعملون " و " عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ " وبعده " سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا ". وقبلَ ما في الزمر " وذُوقُوا ما كنتُمْ تَكْسِبونَ " وبعده " فَمَا أَغْنَى عنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ". ٩ - قوله تعالى: (إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كنْ فَيَكُون) . إن قلتَ: هذا يدلُّ على أنَّ المعدوم شيءٌ، وعلى أنَّ خطابَ المعدومِ جائزٌ، مع أنَّ الأول منتفٍ عند أكثرِ العلماء، والثاني بالِإجماع. قلتُ: أما تسميتُه " شيئاً " فمجازٌ بالأول، وأمَّا الثاني

стр. 304

فلأنَّ ذلِكَ خطابُ تكوين، لا خطابُ إيجاد، فيمتنع أن يكون المخاطب به موجوداً قبل الخطاب، لأنه إنما يكون بالخطاب. ٩٥ - قوله تعالى: (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأَرضِ مِنْ دَابَّةٍ. .) ، تجوَّزَ بالسجود عن الانقياد، فيما لا يعقل، والسُّجودِ على الجبهة فيمن يعقل، ففيه جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وإنَّما لم يُغَلِّب العقلاء من الدَّواب على غيرهم، كما في آية (واللهُ خَلَقَ كلَّ دَابَّة مِنْ مَاءٍ) لأنه أراد هنا عموم كلِّ دابة، ولم يقترنْ بتغليب، فجاء ب " ما " التي تعمُّ النوعين، وفي تلك - وإن أراد العموم - لكنَّه اقترن بتغليبٍ، وهو ذكرُ ضميرِ العقلاء، في قوله " فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي " فجاء ب " مِنْ " تغليباً للعقلاء. ١١ - قوله تعالى: (لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلًّمونَ) . قاله هنا، وفي الروم بالتَّاء،

стр. 305

بإضمار القول، أي قل لهم: تَمتَّعوا، كما في قوله تعالى: (قُلْ تَمَتَّعُوا فَإنَّ مَصِيرَكمْ إلَى النَّارِ) وقوله (قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً) . وقال في العنكبوت) : (وَلِيَتَمتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُون) باللام والياء، على القياسِ، إذْ هو معطوف على اللّام ومدخولها في قوله " لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ " ومدخولُها غائبٌ. ١٢ - قوله تعالى: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ. .) " ما ترك عليها " أي على الأرض، قال ذلك هنا، وقال فى فاطر: (بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَةٍ) . تركَ لفظ " ظهر " هنا، احترازاً عن الجمع بين الظائين: في ظهرها، وظلمهم، بخلافه في فاطر، إذْ لم يُذكر فيها " بظلمهم ". فإن قلتَ: الآية تقتضي مؤاخذةَ البريءِ، بظلم

стр. 306

الظَّالم، وذلكَ لا يحسُنُ من الحكيم؟! قلتُ: المرادُ بالظُّلمِ هنا: الكفرُ، وبالدَّابةِ: الدابَّةُ الظالمة وهي الكافرُ، كما نُقِل عن ابن عباس ﵄. ١٠ -قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا. .) قاله هنا بحذف " مِنْ " لعدمِ ذكرها قبله، وليوافق حذفُها بعده من قوله " لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَعِلْمٍ شَيْئاً ". وقاله في العنكبوت بإثباتها، ليوافق التعبيرُ بها في قوله قبلُ: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ من نَزَّل مِنَ السَّمَاءِ مَاءً) . وأثبتها فىِ قولِهِ في الحج (لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ علْمٍ شَيْئاً) ليوافقَ التعبيرُ بها قبلُ في قوله (فَإنَّا خَلَقْنَاكمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ من نُطْفَةٍ) الآية. ١٤ - قوله تعالى: (وَإنَّ لَكُمْ فِي الأنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ. .) الآية. قاله هنا بإفراد

стр. 307

الضمير مذكَّراً، وفي المؤمنين " بطونها " بجمعه مؤنثاً، نظراً هنا إلى أن الأنعام " مفردٌ " كما نقله الزمخشري عن سيبويه، وثَمَّ إلى أنه " جمعٌ " كما هو الشائع. ١٥ - قوله تعالى: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجاً. .) الآية. أي من جنسكم، كما قال تعالى (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أنْفُسِكُمْ. .) الآية. ١٦ - قوله تعالى: (أفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ) . قاله هنا بزيادة " هُمْ " وفي العنكبوت بدونها. لأن ما هنا اتَصل بقوله: (وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً) إلى آخره، وهو بالخطاب، ثم انتقل إلى الغَيْبَة فقال: (أفبالباطلِ يُؤْمنون وبنعمةِ اللهِ هم يكفرونَ " فلو ترك " هم " لالْتَبستِ الغَيْبةُ بالخطاب، بأن تُبْدل الياءُ تاءً.

стр. 308

١٧ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّموَاتِ وَالَأرضِ شَيْئاً وَلَا يَسْتَطِيعُونَ) . غَلَّبَ فيهِ مَنْ يَعْقِلُ، على مَنْ لا يَعْقل، فعبَّر بالواو والنُّون، إذْ في مَنْ يُعْبَدُ، مَنْ يعقِلُ ٣ العُزَير، والمسيح، ومن لا يَعْقِلُ كالأصنام، وأفردَ " يملكُ " نظراً إلى لفظ " مَا " وجمع نظراً إلى معناها، كما قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الفُلْكِ وَالَأئعامِ مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَؤوا عَلَى طهُورِه) . فإن قلتَ: ما فائدة نفي استطاعة الرزق، بعد نفي ملكه؟! قلتُ: ليس في " يستطيعون " ضميرُ مفعولٍ هو الرِّزقُ، بل الاستطاعةُ منفيَّةٌ عنهم مطلقاً، في الرِّزق وغيره، وبتقدير أنَّ فيه ضميراً، لا يلزم من نفي المُلْكِ نفيَ استطاعته، لجواز بقاء الاستطاعة على اكتساب المُلْك، بخلافِ هؤلاء فإنهم لا يملكون، ولا يستطيعون أن يملكوا.

стр. 309

١٨ - قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ. .) الآية. فائدة ذكره " مَمْلوكاً " بعد قوله " عَبْداً " الاحترازُ عن الحُرّ فإنه عبدُ اللَّهِ تعالى، وليس مملوكاً لغيره، وفائدة " لا يَقْدِرُ عَلَى شيْءٍ " بعد قوله " مملوكاً " الاحترازُ عن المأذون له، والمكاتَبِ، لقدرتهما على التّصرف استقلالاً. ١٩ - قوله تعالى: (هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) . إن قلتَ: لمَ جَمَع ولم يُثَنِّ، مع أنَّ المضروبَ به المثلُ اثنان: مملوكٌ، ومَنْ رَزَقه اللَّهُ رزقاً حَسَناً؟! قلتُ جُمع باعتبار جِنْسَيْ المماليك، والمالِكين. أو نظراً إلى أن أقلَّ الجمع اثنان. ٢٥ - قوله تعالى: (وَمَا أمْرُ السَّاعَةِ إِلّاَ كلَمْحِ البَصَرِ أوْ هُوَ أقْرَبُ. .) .

стр. 310

إن قلتَ: " أوْ " للشَّكِّ، وهو على اللَّهِ مُحَالٌ، فَما معنى ذلك؟ قلتُ: " أو " هنا بمعنى الواو، أو للشكِّ بالنسبة إلينا، أو بمعنى " بَلْ " ونظيرُ ذلكَ قولُه تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) ، وقولُه: " فَهِيَ كَالحِجَارةِ أوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ". . وأُورِد على الأخير أنَّ " بل " للإضراب، وهو رجوعٌ عن الِإخبار، وهو على الله محال. . وُيجاب بمنع أنه مُحَال، بناءً على جواز وقوع النسخ في الأخبار، وهو جائزٌ عند الأشاعرة مطلقاً، خلافاً للمعتزلة فيما لا يتغيَّر. ٢١ - قوله تعالى: (وَجَعَلَ لكم سَرَابيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ وَسَرَابِيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ) " سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحرَّ " أي والبرد، وإنما حَذَفه لدلالة ضدِّه عليه، كما في قوله تعالى (بِيَدِكَ الخَيْرُ) أي والشرُّ. وخصَّ الحرَّ، والخيرَ بالذِّكر، لأن الخطابَ بالقرآن

стр. 311

أول ما وقع بالحجاز، والوقايةُ من الحَرِّ، أهمُّ عند أهله، لأن الحرَّ عندهم أشدُّ من البرد، والخيرُ مطلوبُ العبادِ من ربهم دون الشَرِّ. ٢٢ - قوله تعالى: (يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وَأَكْثَرُهُمُ الكَافِرُونَ) . إن قلتَ: بل كلُّهم كافرون؟! قلتُ: المرادُ بالأكثرِ هنا الجمعُ. ٢٣ - قوله تعالى: (وَإِذَا رَأى الَّذِينَ أشْرَكوا شُرَكَاءَهُمْ قالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ

стр. 312

شرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كلنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِك) . إن قلتَ: ما فائدةُ قولهم ذلك، مع أنه تعالى عالمٌ بهم؟! قلتُ: لما أنكروا الشِّركَ بقولهم (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَاكنَّا مًشْرِكينَ) عاقبهم اللَّه بإصماتِ ألسنتهم، وأنطقَ جوارِحهم، فقالوا عند معاينة آلهتهم: " رَبَّنا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا ". فأقرُّوا بعد إنكارهم طلباً للرحمة، وفراراً من الغضب، فكان هذا القولُ على وجه الاعتراف منهم بالذنب، لا على وجهه إعلام من لا يعلم، أو أنهم لما عاينوا عظيم غضب الله، قالوا ذلك رجاء أن يُلزِم اللَّهُ الأصنامَ ذنوبهم فيخفَّ عنهم العذاب. ٢٤ - قوله تعالى: (فَألْقَوْا إِلَيْهِمُ القَولَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ) . " فَألْقَوْا " أي الشركاء كالأصنام " إليهِمُ القَوْلَ " فُسِّر القولُ بقوله: " إِنَّكُمْ لَكَاذِبونَ " أي في قولكم: إنكم عبدتمونا.! فإن قلتَ: لمَ قالت الأصنامُ للمشركين ذلك، مع أنهم كانوا صادقين فيه؟!. قلتُ: قالوه لهم لتظهر فضيحتهم، حيثُ عبدوا من لا يعلمُ بعبادتهم. فإن قلتَ: كيف أثبت للأصنام نُطقاً هنا، ونفاه عنها في قوله في الكهف: " فدَعَوْهُمْ فلمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ "؟!

стр. 313

قلتُ: المثبتُ لهم هنا، النُّطقُ بتكذيب المشركين، في دعوى عبادتهم لها، والمنْفِيُّ عنها في الكهفِ النُّطقُ بالِإجابةِ إلى الشفاعة لهم، ودفع العذاب عنهم، فلا تَنَافي. ٢٥ - قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدَىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) . إن قلتَ: إذا كان كذلكَ، فكيف اختلفتِ الأئمةُ في كثيرٍ من الأحكام؟! قلتُ: لأن أكثر الأحكام ليس منصوصاً عليه فيه، وبعضُها مستنبطٌ منه، وطُرُق الاستنباطِ مختلفة، فبعضُها بالِإحالة إمَّا على السُنَّة، بقولهِ تعالى " وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْه فَانْتَهُوا " وقولِه: " وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الهَوَى " أو على الِإجماع بقوله تعالى " فاعتبرُوا يَا أوْلي الأبْصَارِ " والاعتبارُ: النَّظَرُ والاستدلالُ اللَّذان يحصل بهما القياسُ. ٢٦ - قوله تعالى: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أجْرَهُمْ بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .

стр. 314

قاله هنا بلفظ " ما " وفي الزُّمر بلفظ " الذي " موافقةً في كلٍّ منهما لما قَبْلَه، إذْ قبل ما هنا (إنَّماعِندَ اللَّهِ هو خير لكم) وقوله (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ) وقبل ما هناك (أسَوَأَ الَّذي كَانُوا يَعْمَلون) وقوله (وَالَّذي جَاءَ بِالصِّدْقِ) . ٢٧ - قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا. .) الآية. كرَّر فيها وفي قوله بعدُ: (ثمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذينَ عَمِلُوا السُّوءَ بجهالة) الآية. " إنَّ رَبَّكَ " لطول الكلام بين اللفظين، قيل: ومثلُه: (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إذَا مِتُّمْ وَكنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) . ٢٨ - قوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَفْسِها. .) الآية. إن قلتَ: ما معنى إضافةِ النَّفس إلى النفسِ، مع أن النَّفسَ لا نَفْسَ لها؟ قلتُ: النفس تُقال للروح، وللجوهر القائم بذاته،

стр. 315

المتعلق بالجسم، تعلّق التدبير، ولجملةِ الإِنسان، ولعينِ الشيءِ وذاتِهِ، كما يُقال: نفسُ الذهب والفضَّة محبوبةٌ أي ذاتُهما. فالمرادُ بالنفس الأولى الِإنسانُ، وبالثانيةِ ذاتُه، فكأنه قال: يوم يأتي كلُّ إنسان يُجادل عن ذاتِه، لا يهمُّه شيءٌ آخر غيره، كلٌّ يقولُ: نفسي، نفسي. ٢٩ - قوله تعالى: (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ في ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) . قاله هنا بحذف النون، وفي النَّمل بإثباتها، تشبيهاً لها بحروف العِلَّة، وخصَّ ما هنا بحذفها موافقةً لقوله قبلُ (قَانِتاً للَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكينَ) ولسبب نزول هذه الآية، لأنها نزلت تسليةً للنبي ﷺ حين قُتل عمُّه " حمزة " ومُثِّل به، فقال ﷺ : لأفعلنَّ بهم ولأصنعنَّ، فأنزل الله تعالى: (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ) الآية، فبالغ في الحذف ليكون ذلك مبالغةً في التسلية، وإثباتُها في النمل، جاء على القياس، ولأن الحُزْن ثَمَّ، دون الحزْنِ هنا. " تَمَّتْ سُورَةُ النحل "

стр. 316

سورة الإسْرَاء ١ - قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا. .) . قال " بعبده " دون نبيِّه أوحبيبه، لئلا تضِلَّ به أمَّتُه، كما ضلَّت أمَّةُ المسيح، حيث دعته إلهاً. أو لأن وصفه بالعبودية، المضافةِ إلى الله تعالى أشرف المقامات، وقال " ليلاً " مُنَكَّراً، ليدلَّ على قِصَر زمن الِإسراء، مع أنَّ بين مكة وبيت المقدس، مسيرة أربعين ليلةً، لأن التنكيرَ يدلُّ على البعضيَّة. والحكمةُ في إسرائه ﷺ من بيت المقدس، دون مكة، لأنه محشرُ الخلائق، فيطؤه بقدمه ليسهل على أمته يوم القيامة، وقوفهم ببركة أثر قدمه. أو لأنه مجمعُ أرواح الأنبياء، فأراد الله أن يُشرِّفهم بزيارته ﷺ .

стр. 317

أو أُسريَ به منه، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يُخبر به كفار مكة، صبيحة تلك الليلة، فيكون إخباره بذلك مطابقاً لما رأوْا، وشاهداً ودليلاً على صدقه في الإِسراء. ٢ - قوله تعالى: (الَّذِي بَارَكنَا حَوْلَهُ. .) . هو أعمُّ من أن يُقال: باركنا عليه، أو فيه، لإِفادته شمول البركة، لما أحاط بالمسجد من أرض الشام بالمنطوق، وللمسجد بمفهوم الأولى. ٣ - قوله تعالى: (إِنْ أحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أسَأْتُمْ فَلَهَا. .) الآية. " فَلَها " اللَّامُ للاختصاص، أو بمعنى " عَلَى "، كما في قوله تعالى: " وَيخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّداً ". ٤ - قوله تعالى: (وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) . قال ذلك هنا بلفظ " كبيراً "، وقاله في الكهف بلفظ " حَسَناً "، موافقةً للفواصل قبلهما وبعدهما.

стр. 318

٥ - قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلَ. .) . إن قلتَ: لمَ ثَنَّى الآية هنا، وأفردها في قوله (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَها آيَةً) ؟ قلتُ: لتباين اللَّيلِ والنَّهارِ من كل وجه، ولتكررهما، فناسبهما التثنيةُ، بخلاف " عيسى " مع أمِّه، فإنَّه جزءٌ منها، ولا تكرر فيهما، فناسبهما الإفرادُ. ٦ - قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً. .) . أي مضيئة لأن النَّهار لا يُبصِر. ٧ - قوله تعالى: (اقْرَأْ كتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) . لا يُنافي قوله تعالى: (وَكفَى بِنَا حَاسِبِينَ) لأن في يوم القيامة مواقف مختلفة، ففي موقفٍ يَكِلُ اللَّهُ حسابهم

стр. 319

إلى أنفسهم، وعلمُه محيطٌ به، وفي موقفٍ يحاسبُهم هو تعالى. وقيل: هو الذي يحاسبُهم لا غيرُ، وقولُه (كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) أي يكفيك أنك شاهدٌ على نفسك بذنوبها، فهو توبيخٌ وتقريعٌ، لا تفويضُ حسابِ العبدِ إلى نفسه. وقيل: من يريدُ مناقشته في الحساب، يُحاسبه بنفسه، ومن يريد مسامحته يَكِلُ حسابَه إليه. ٨ - قوله تعالى: (وَإِذَا أرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقوا فِيهَا. .) الآية. " أمرنا مترفيها " أي أردنا منهم الفسق، أو أمرناهم بالطاعة، أو كثَّرناهم ففسقوا، يُقال: أمَرتُه، وآمَرتُه، بالقصر والمَدِّ بمعنى كثَّرته. وقيَّد بالمترفين وإن كان الأمرُ لا يختصُّ بهم، لأن صلاحهم أو فسادهم، مستلزمٌ لصلاح غيرهم أو فساده.

стр. 320

٩ - قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُريدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ. . .) الآية. إن قلتَ: قضيَّتُه أنَّ من لم يتركِ الدنيا يكونُ من أهل النار، وليس كذلك؟! قلتُ: المراد من لِم يُردْ بإسلامه وعبادته إلَّا الدنيا، وهذا لا يكون إلّاَ كافراَ، أو منافقاً. ١٥ - قوله تعالى: (وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّك مَحْظُوراً) أي ممنوعاً. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّا نشاهد الواحدَ، لا يقدر على دانقٍ، وآخرُ معه الألوف؟! قلتُ: المراد بالعطاء هنا الرِّزقُ، واللهُ سوَّى في ضمانه بين المطيع والعاصي من العباد، فلا تفاوت بينهم في أصل الرزق، وإنما التفاوتُ بينهم في مقادير الأملاكِ، وإنما لم يمنع الكفَّارَ الرّزقَ، كما منعهم الهدايةَ، لأنَّ في منعهِ له هلاكَهم، وقيامَ الحجة لهم، بأن يقولوا: لو أمهلتنا ورزقتنا، لبقينا أحياءَ فآمنَّا.
следующие страницы →