← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

سورة الإسْرَاء ١ - قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَا. .) . قال " بعبده " دون نبيِّه أوحبيبه، لئلا تضِلَّ به أمَّتُه، كما ضلَّت أمَّةُ المسيح، حيث دعته إلهاً. أو لأن وصفه بالعبودية، المضافةِ إلى الله تعالى أشرف المقامات، وقال " ليلاً " مُنَكَّراً، ليدلَّ على قِصَر زمن الِإسراء، مع أنَّ بين مكة وبيت المقدس، مسيرة أربعين ليلةً، لأن التنكيرَ يدلُّ على البعضيَّة. والحكمةُ في إسرائه ﷺ من بيت المقدس، دون مكة، لأنه محشرُ الخلائق، فيطؤه بقدمه ليسهل على أمته يوم القيامة، وقوفهم ببركة أثر قدمه. أو لأنه مجمعُ أرواح الأنبياء، فأراد الله أن يُشرِّفهم بزيارته ﷺ .

стр. 317

أو أُسريَ به منه، ليشاهد من أحواله وصفاته، ما يُخبر به كفار مكة، صبيحة تلك الليلة، فيكون إخباره بذلك مطابقاً لما رأوْا، وشاهداً ودليلاً على صدقه في الإِسراء. ٢ - قوله تعالى: (الَّذِي بَارَكنَا حَوْلَهُ. .) . هو أعمُّ من أن يُقال: باركنا عليه، أو فيه، لإِفادته شمول البركة، لما أحاط بالمسجد من أرض الشام بالمنطوق، وللمسجد بمفهوم الأولى. ٣ - قوله تعالى: (إِنْ أحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأنْفُسِكُمْ وَإِنْ أسَأْتُمْ فَلَهَا. .) الآية. " فَلَها " اللَّامُ للاختصاص، أو بمعنى " عَلَى "، كما في قوله تعالى: " وَيخِرُّونَ لِلأذْقَانِ سُجَّداً ". ٤ - قوله تعالى: (وَيُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً) . قال ذلك هنا بلفظ " كبيراً "، وقاله في الكهف بلفظ " حَسَناً "، موافقةً للفواصل قبلهما وبعدهما.

стр. 318

٥ - قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلَ. .) . إن قلتَ: لمَ ثَنَّى الآية هنا، وأفردها في قوله (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَها آيَةً) ؟ قلتُ: لتباين اللَّيلِ والنَّهارِ من كل وجه، ولتكررهما، فناسبهما التثنيةُ، بخلاف " عيسى " مع أمِّه، فإنَّه جزءٌ منها، ولا تكرر فيهما، فناسبهما الإفرادُ. ٦ - قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً. .) . أي مضيئة لأن النَّهار لا يُبصِر. ٧ - قوله تعالى: (اقْرَأْ كتَابَكَ كفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) . لا يُنافي قوله تعالى: (وَكفَى بِنَا حَاسِبِينَ) لأن في يوم القيامة مواقف مختلفة، ففي موقفٍ يَكِلُ اللَّهُ حسابهم

стр. 319

إلى أنفسهم، وعلمُه محيطٌ به، وفي موقفٍ يحاسبُهم هو تعالى. وقيل: هو الذي يحاسبُهم لا غيرُ، وقولُه (كَفَى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً) أي يكفيك أنك شاهدٌ على نفسك بذنوبها، فهو توبيخٌ وتقريعٌ، لا تفويضُ حسابِ العبدِ إلى نفسه. وقيل: من يريدُ مناقشته في الحساب، يُحاسبه بنفسه، ومن يريد مسامحته يَكِلُ حسابَه إليه. ٨ - قوله تعالى: (وَإِذَا أرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقوا فِيهَا. .) الآية. " أمرنا مترفيها " أي أردنا منهم الفسق، أو أمرناهم بالطاعة، أو كثَّرناهم ففسقوا، يُقال: أمَرتُه، وآمَرتُه، بالقصر والمَدِّ بمعنى كثَّرته. وقيَّد بالمترفين وإن كان الأمرُ لا يختصُّ بهم، لأن صلاحهم أو فسادهم، مستلزمٌ لصلاح غيرهم أو فساده.

стр. 320

٩ - قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُريدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ. . .) الآية. إن قلتَ: قضيَّتُه أنَّ من لم يتركِ الدنيا يكونُ من أهل النار، وليس كذلك؟! قلتُ: المراد من لِم يُردْ بإسلامه وعبادته إلَّا الدنيا، وهذا لا يكون إلّاَ كافراَ، أو منافقاً. ١٥ - قوله تعالى: (وَمَا كانَ عَطَاءُ رَبِّك مَحْظُوراً) أي ممنوعاً. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّا نشاهد الواحدَ، لا يقدر على دانقٍ، وآخرُ معه الألوف؟! قلتُ: المراد بالعطاء هنا الرِّزقُ، واللهُ سوَّى في ضمانه بين المطيع والعاصي من العباد، فلا تفاوت بينهم في أصل الرزق، وإنما التفاوتُ بينهم في مقادير الأملاكِ، وإنما لم يمنع الكفَّارَ الرّزقَ، كما منعهم الهدايةَ، لأنَّ في منعهِ له هلاكَهم، وقيامَ الحجة لهم، بأن يقولوا: لو أمهلتنا ورزقتنا، لبقينا أحياءَ فآمنَّا.

стр. 321

ولأنم لو منعهم الرزق لكان قد عاجَلهم بالعقوبة، ولكان ذلك من صفاتِ البخلاء، واللَّهُ منزَّه عن ذلك، لأنه حليمٌ كريمٌ. ولأن إعطاء الرزق لجميع العبادِ عدلٌ، وعدلُ اللهِ عامٌّ، وهِبةُ الهدايةِ فضلٌ، والفضلُ بيدِ اللَّهِ يؤتيه من يشاء. ١١ - قوله تعالى: (لَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إلَهاً آخَرَ لتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولَاَ) . قال ذلك هنا، ثم قال: (ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ لتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُورًا) ثم قال: (لا تجعلْ مَعَ اللهِ إلهاً آخَرَ فَتُلْقَى في جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً) . ولا تكرار فيها، لأنَّ الأولى في الدنيا، والثالثة في الآخرة. والخطابُ فيهما للنبي ﷺ على الراجح والمرادُ به غيرهُ، كما في آية " إمَّا يبلغنَّ عندك الكِبَر أحدُهُما أو كلاهما ". وأما الثانية فخطابٌ للنبى ﷺ أيضاً، وهو المرادُ به، وذلك أن امرأة، بعثتْ صبيَاً إليه مرة بعد أُخرى، سألته قميصاً، ولم يكن عليه ولا له قميصٌ غيره، فنزعه

стр. 322

ودفعه إليه، فدخل وقتُ الصلاة فلم يخرج في الحين، فدخل عليه أصحابه فرأوه على تلك الصِّفة، فلاموه على ذلك، فأنزل الله " فتقعد مَلُوماً " أي يلومك النَّاس " محْسُوراً " أي مكشوفاً، وقيل: مقطوعاً عن الخروج إلى الجماعة. (١) ١٢ - قوله تعالى: (إمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا) الآية. فائدة ذكر " عِنْدَكَ " أنهما يكبران في بيته وكنفه، ويكونان كَلاًّ عليه، لا كافل لهما غيره، وربَّما ناله منهما من المشاقِّ، ما كان ينالهما منه في حال الصِّغَر. ٣ ١ - قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَساَء سَبِيلاً) ، هو أعمُّ من أن يُقال: " ولا تَزْنُوا " ليفيد النَّهيَ عن مقدِّمات الزِّنا، كاللَّمس والقُبلة بالمنطوق، وعن الزِّنا بمفهوم الأَولى. ١٤ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هَذَا القُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلَّا نُفوراً) .

стр. 323

قال ذلك هنا بحذف " للنَّاسِ " اكتفاءً بذكره قبلُ، بلفظ " وكلَّ إنسانٍ أَلْزمناه طائرهُ في عُنُقِهِ ". وقاله بعدُ بذكره، ليتميَّز عن الجنِّ، لجريان ذكرهما معاً قبل. وقُدِّمَ على " في هذا القرآن " هنا في الآية الثانية، اهتماماً بالتمييز المذكور، وبالنَّاس لأنهم الأصلُ في التكليف ولهذا اقتصر عليهم في غالب الآيات كقوله " يا أيها النَّاسُ " وقوله " من بعدما بيَّناه للنَّاس " وقوله " الذي أنزل فيه القرآنُ هدىً للنَّاس ". وعَكَسَ في الكهف لمناسبة قولِه قبلُ " مَا لِهَذا الكِتَابِ لا يُغادِرُ صَغيرةً وَلَا كبيرةً "؟ ١٥ - قوله تعالى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّموَاتُ السَّبْعُ وَالأَرضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) الآية. ضمير " فيهنَّ " عائد إلى السمواتِ والأرض، والتسبيحُ - وهو التنزيهُ - شاملٌ التسبيح بلسان المقال، كما في المؤمنين، وبلسان الحال

стр. 324

كما في سائر الموجودات، إذْ كلّ موجود يدلُّ على قدرته تعالى، وفي ذلك جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وهو جائزٌ عند الشافعي ﵁. فإن قلتَ: يمنع من شموله للثاني قوله (ولكنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) لأنه مفقوهٌ لنا؟ قلتُ: الخطاب فيه للكفَّار، وهم لمِ يفقهوا تسبيحَ الموجودات، لأنهم أثبتوا للُّه شركاً، وزوجاَ، وولداً، بل هم غافلون عن أكثر دلائل التوحيد، والنبوّة، والمعاد. ١٦ - قوله تعالى: (وَقَالُوا أئِذَا كنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) أعادها بعينها آخر السورة، وليس تكرارا، لأن الأولى من كلامهم في الدنيا حين أنكروا البعث، والثانية من كلام الله تعالى، حين جازاهم على كفرهم وإنكارهم البعث فقال: (مَأوَاهُمْ جَهَنَّمُ كلَّمَا خَبَت زِدْنَاهُمْ سَعِيراً) الآية. وقال هنا: (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا) وفي الكهف (ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا) بزيادة "

стр. 325

جهنم " اكتفى هنا بالإشارة، ولتقدم ذكر جهنم وهي - وإن تقدَّمت في الكهف - لم يكتف بالِإشارة، بل جمع بينها وبين العبارة، لاقتران الوعيد بالوعد بالجنات في قوله (إنَّ ائَذين آمنوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ كانَتْ لهمْ جَنَّاتُ الفِرْدَوْس نُزُلاً) ليكون الوعد والوعيد ظاهريْنِ للمستمعين. ١٧ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ فضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورَا) . إن قلتَ: لمَ خصَّ " داود " بالذّكر؟ قلتُ: لأنه اجتمع له ما لم يجتمع لغيره من الأنبياء، وهو الرسالةُ، والكتابةُ، والخطابةُ، والخلافةُ، والملْكُ، والقضاءُ، في زمن واحد، قال تعالى (وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ) وقال (يَا دَاوُدُ إنا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً في الأَرْضِ فَاحكُمْ بين النَّاسِ بِالحق. .) . فإن قلتَ: لمَ نكَّر الزَّبور هنا، وعرَّفه في قوله:

стр. 326

" ولقد كتبنا في الزبور "؟ قلتُ: يجوز أن يكون الزبور من الأعلام التي يستعمل ب " أل " وبدونها، كالعباس، والفضل. أو نكَّرهُ هنا بمعنى آتيناه بعض الزُّبر وهي الكتب، أو أراد به ما فيه ذكرُ النبي ﷺ من الزبور، فسمَّى بعض الزَّبور زبوراً، كما سمَّى بعض القرآن قرآناً في قوله تعالى: (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) . ١٨ - قوله تعالى: (قُلِ ادْعُوا َالَّذِين زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ) . قاله هنا بالضمير لقرب مرجعه، وهو الرَّبُّ في قوله " وربُّك أعلمُ ". وقال في سبأ (قُلِ ادْعُوا الَّذين زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ) بالِإسم الظاهر، لبعد مرجع الضمير لو أُتي به، والمرادُ فيهما: قل ادعوا الذين زعمتموهم آلهةً من دون الله أي غيره لينفعوكم بزعمكم. فإن قلتَ: كيف قال " من دونه " مع أن المشركين

стр. 327

ما زعموا غير الله إلهاً دون الله، بل مع الله على وجه الشركة؟ قلتُ: في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره: قل ادعوا الذين من دون الله زعمتم أنهم شركاء. ١٠- قوله تعالى: (وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذَّب بها الأولون. .) ، أي وما منعنا أن نرسل رسولًا، بالآيات التي اقترحها أهل مكة على النبيء ﷺ ، كجعل الصفا ذهباً، وإزالةِ جبالِ مكة ليزرعوا، إلا تكذيب الأولين بها أي بآياتٍ اقترحوها على رسلهم لمَّا أرسلناها فأهلكناهم، ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذَّبوا بها واستحقوا الِإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم ليتم أمرُ النبي ﷺ ، ولأنَّا لا نعجل بالعقوبة. فإن قلتَ: كيف قال " وَمَا مَنَعَنَا " الخ مع أنه تعالى لا يمنعه عن إرادته مانعٌ؟ قلتُ: المنعُ هنا مجازٌ عن الترك، كأنه قال: وما كان سببُ تركِ الإِرسال بالآيات، إلَّا تكذيب الأولين. ٢٠ - قوله تعالى: (وآتينا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً. .)

стр. 328

أي دالَّة كما يُقال: الدليل مرشدٌ وهادٍ. فإن قلتَ: ما وجهُ ارتباط هذا بما قبله؟ قلتُ: لمَّا أخبر بأن الأولين كذَّبوا بالآيات المقترحة، عينَّ منها " ناقةَ صالح " لأن آثار ديارهم الهالكة باقيةٌ في بلاد العرب، قريبةٌ من حدودهم، يُبصرها صادرُهم وواردُهم. ٢١ - قوله تعالى: (فَظلمُوا بِهَا. .) أي بالناقة الباءُ ليست للتعدية، لأن الظلم يتعدَّى بنفسه، فالمعنى: فظلموا أنفسهم بقتلها أي بسببه. ٢٢ - قوله تعالى: (وَمَا نُرْسِل بِالآياتِ إلّاَ تَخْوِيفاً) . إن قلتَ: هذا يدل على الِإرسال بالآيات، وقوله قبلُ " وما منعنا أن نرسل بالآيات " يدلُّ على عدمه؟! قلتُ: المرادُ بالآياتِ هنا: العِبَرُ، والدَّلالاتُ، وفيما قبلُ: الآياتُ المقترحة. ٢٣ - قوله تعالى: (والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ)

стр. 329

إن قلتَ: ليس في القرآن لعنُ شجرةٍ؟ قلتُ: فيه إضمارٌ تقديره: والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن. أو معناه: الملعونُ آكلوها وهم الكَفَرةُ، أو الملعونةُ بمعنى المذمومة، وهي مذمومة في القرآن بقوله تعالى: (إن شجرةَ الزَّقومِ طعامُ الأَثيمِ) وبقوله تعالى: (طَلْعُهَا كأنهُ رءوسُ الشَياطِينِ) . أو الملعونة بمعنى المبعدة، لأن اللعنَ لغةً: الطَّرْدُ والِإبعادُ. وهذه الشجرة مبعدةٌ عن مكانِ رحمة الله تعالى وهو الجنة، لأنها في قعر جهنم، وهذا الِإبعادُ مذكورٌ في القرآن بقوله تعالى " إنها شجرةٌ تخرجُ في أصلِ الجحيم ". ٢٤ - قوله تعالى: (قَالَ أرَأيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَي. .) . قاله هنا بتكرير الخطاب، كنظيره في " أرأيتكم " في الأنعام، لدلالته على أن المخاطَب به أمرٌ عظيم،

стр. 330

وهو هنا كذلك، لأنه - لعنهُ اللهُ - ضمِنَ بقوله " لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيتَهُ إِلَّا قَلِيلاً " إغواءَ أكثرهم. ٢٥ - قوله تعالى: (فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) إن قلت: لم خصهم بذلك مع أن أصحاب الشمال كذلك إذا نظروا إلى ما في كتابهم من الفضائح والقبائح أخذهم من الحياء والخل والخوف ما يوجب انقباض ألسنهم من إقامة الحروف فتكون قراءتهم كلا قراءة، وأمر أصحاب اليمين على العكس، وأما قوله " ولا يضلمون فتيلا " فعائد إلى كل الناس لا إلى أصحاب اليمين خاصة، وإنما خصهم بذلك لأنهم يعلمون أنهم لا يظلمون ويعتقدون ذلك بخلاف أصحاب الشمال فإنهم يعتقدون أو يظنون أنهم يظلمون. وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ

стр. 331

جَاءَهُمُ الْهُدَى. .) الآية. قال ذلك هنا، وقاله في الكهف بزيادة " ويستغفروا ربَّهم " لأن المعنى هنا: ما منعهم عن الِإيمان بمحمد، إلَّا قولُهم: " أبعثَ الله بشراً رسولًا "؟ هلَّا بعثَ مَلَكاً إ! وجهلوا أن التَّجانس يورث التَّوانس، والتغايرَ يورثُ التنافر. والمعنى في الكهف: ما منعهم عن الإِيمان والاستغفار، إلا إتيانُ سنة الأوَّلين، فزاد فيها (وَيسْتَغْفروا رَبَّهُمْ " لاتصاله بقوله " سُنَّةَ الأوَّلينَ " وهم قومُ نوحٍ، وهود، وصالح، وشعيب، حيث أمروا بالاستغفار. فنوحٌ قال: " اسْتَغْفِرُوا ربَّكُمْ إنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ". وهود قال: " وَيا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُم تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجَيبٌ ". وشعيب قال: " وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) .

стр. 332

٢٧ - قوله تعالى: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً بينِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كان بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) . قال ذلك هنا بتقديم " شهِيداً " على " بيني وبينكم " وقاله في العنكبوت بالعكس. . لأن ما هنا جاء على الأصل من تقديم المفعول، وما في العنكبوت جاء على خلاف الأصل، ليتَّصل وصف الشهيد به، وهو قوله تعالى (ويعلمُ ما في السمواتِ والأرض) . ٢٨ - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ. .) . قال ذلك هنا بلفظ " قادر " وفي الأحقاف بلفظ " بقادرٍ " وفي يس " أوليس الذي خلق السمواتِ والأرضَ بقادرٍ ". . لأن ما هنا خبر " إن "، وما في يس خبر " ليسَ " وخبرها تدخلُه الباء، وما في الأحقاف خبرُ " إنَّ " وكانَ القياسُ عدمُ دخول الباء فيه، لكنَّها دخلته تشبيهاً لـ " لَمْ " بـ " ليس " في النفي. ٢٩ - قوله تعالى: (قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ

стр. 333

إِلَّا رَبُّ السَّموَاتِ وَالأرْضِ بَصَائِرَ. .) . إن قلتَ: كيف قال موسى ﵇ لفرعون ذلك، مع أن فرعون لم يعلم ذلك، لأنه لو علم ذلك لم يقل لموسى ﵇ " مسحوراً " بل كان يؤمن به؟! قلتُ: معناه لقد علمتَ لو نظرتَ نظراً صحيحاً، ولكنك معاندٌ مكابرٌ، تخشى فواتَ دعوى الألوهية لو صدَّقتني.! ٣٥ - قوله تعالى: (وَإِنِّي لأظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) . أي هالكاً، أو ملعوناً، أو خاسراً. فإن قلتَ: كيف قال له " لأظُنُّكَ " مع أنه يعلم أنه مثبورٌ؟! قلتُ: الظنُّ هنا بمعنى العلم، كما في قوله تعالى " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم ".

стр. 334

وإنما عبَّر بالظنِّ، ليُقَابل (قولَ فرعونَ له: " لأظنُّكَ يا موسى مسحوراً " كأنه قال: إذا ظننتني مسحوراً، فأنا أظنُّك مثبوراً. ٣١ - قوله تعالى: ((يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً. .) الآية. كرَّره لأن الأول واقعٌ في حال السجود، والثاني في حال البكاء، أو الأول واقعٌ في قراءة القرآن، أو سماعه، والثاني في غير ذلك. " تَمَّتْ سُورَةُ الِإسراء "

стр. 335

سورة الكهف ١ - قوله تعالى: (وَلَمْ يَجْعَلْ لَه عِوَجاً. قَيِّماً. .) . إن قلتَ: ما فائدة ذكره " قيّماً " بعد قوله " ولم يجعلْ له عِوَجاً " لأنَّ نفي العِوَج يستلزم الِإقامة؟! قلت: فائدئه التأكيد في وصف كتاب الله العظيم، أو معنى " قَيِّماً " أنه قائمٌ على الكتب السماوية كلِّها، مصدِّقاً لها، ناسخاً لبعض شرائعها. ونُصب " قيِّماً) بمقدَّرٍ تقديره: لكنْ جعَلَه قيِّماً. ٢ - قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) . أي لنعلمه علم ظهورٍ ومشاهدة.

стр. 336

٣ - قوله تعالى: (وَيَقولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كلْبُهُمْ. .) " وثامنُهم " الواو فيه زائدة، وقيل: مستأنفةٌ، وقيل: واوُ الثمانية كما في قوله تعالى (وَفُتِحَت أَبْوَابُهَا) وقال الزمخشري وغيرُه: هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة، كما تدخل على الصفة الواقعة حالاً فى المعرفة، تقول: جاءني رجلٌ ومعه آخر، ومررتُ بزيد وبيده سيفٌ، ومنه قوله تعالى: (وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتابٌ معلوم) . وفائدتُها توكيدُ اتّصال الصفة بالموصوف، والدلالة على أن اتّصالها أمرٌ ثابتٌ مستقرٌّ. ٤ - قوله تعالى: (واتلُ ما أوحيَ إليك من كتاب ربك لا مبدِّل لكلماته. .) . أي من البشر، وإلا فاللهُ يبدلها، قال تعالى: " ما ننسخ من آيةٍ أو نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أوْ مِثْلِهَا ")

стр. 337

وقال: " وإذا بدَّلنا آيةً مكان آيةٍ " الآية. ٥ - قوله تعالى: (وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر. .) . إن قلتَ: في هذا إباحةُ الكفر؟! قلتُ: لا، لأن هذا إنما ذُكر تهديداً لهم، بناءً على أن الضمير في " شَاءَ " لـ " مَنْ " وعليه الجمهور. أو المعنى: فمن شاء الله إيمانه آمنَ، ومن شاء كفره كَفَر، بناءً على أن الضمير فيه " للَّهِ " كما قاله ابن عباس ﵄. ٦ - قوله تعالى: (يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ. .) الآية. إن قلتَ: لبسُها في الدنيا حرامٌ على الرجال، فكيف وعد اللهُ بها المؤمنين في الجنة؟ قلتُ: عادةُ ملوكِ الفرسِ والروم، لبسُ الأساور والتيجان، دون مَنْ عداهم، فلذلك وعد اللهُ المؤمنين

стр. 338

بها لأنهم ملوكُ الآخرة. ٧ - قوله تعالى: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. .) الآية. أفردها بعد تثنيتها ليدلَّ على الحصر، أي لا جنة له غيرها، ولا نصيب له في جنة غيره، ولم يقصد جنَّةً معيَّنةً من الجنَتين، بل جنس ما كان له في الدنيا. ٨ - قوله تعالى: (وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأجِدَنَّ خَيْراً مِنْهَا مُنْقَلَباً) . إن قلتَ: كيف قال الكافر ذلك وهو يُنكر البعث؟ قلتُ: معناه: ولئن رُددتُ إلى ربي على زعمك، ليعطينِّي هناكَ خيراً منها، ونظيره قولُه تعالى في فصِّلت (وَلَئِنْ رُجِعْت إلَى رَبِّي إنَّ لِي عِنْدَهُ للحسْنَى) وعبَّر هنا بـ " رُدِدْتُ " وثَمَّ بـ " رُجِعت " توسعةً في التعبير عن الشيء بمتساويين.

стр. 339

٩ - قوله تعالى: (إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالاً وَوَلَداً) . فائدةُ ذكرِ " أَنَا " في مثل ذلك، حصر الخبر في المبتدأ، كما في قوله تعالى: " إنّي أَنَا ربُّكَ " وقوله: " إنِّي أنَا الله ". ١٠ - قوله تعالى: (هنَالِكَ الوَلَايَة لِلَّهِ الحَقِّ هوَ خَيْرٌ ثَوَاباً وَخَيْرٌ عُقْباً) . " خَيْرٌ " هنا ليست على بابها، إذْ غير الله لا يثيب، ولا تحمد طاعته في العاقبة ليكون الله خيراً منه ثواباً وعقباً، أو ذلك على سبيل الفرضِ والتقدير. ١١ - قوله تعالى: (وَحَشَرْنَاهمْ فَلَمْ نغَادِرْ مِنْهمْ أحَداً) . أتى به ماضياً، مع أن ما قبله مضارعين وهما: " ويوم نسيِّر الجبالَ وتَرَى الأرضَ بارزةً " ليدلَّ على أنَّ حشرهم، كان قبل السّير والبروز، لِيُعاينوا تلك الأهوال والعظائم، كأنه قال: وحشرناهم قبل ذلك.

стр. 340

١٢ - قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لهَذَا الكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرةً وَلَا كبيرَةً إلاَّ أَحْصَاهَا) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الصغائر تُكفَّر باجتناب الكبائر، لقوله تعالى: " إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تنْهَوْن عنه نُكَفِّرْ عنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ "؟! قلتُ: الآيةُ الأولى في حقِّ الكافرين، بدليل قوله " فترى المجرمين " والثانيةُ في حقِّ المؤمنين، لأن اجتناب الكبائر لا يتحقَّق مع الكفر. أو يُقال: الأولى في حقِّ المؤمنين أيضاً، لكن يجوز أن يُكتب الصغائر، ليشاهدها العبد يوم القيامة، ثم يُكفَّرعنه فيعلم قَدْر نعمةِ العفوِ عليه. ١٣ - قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلّاَ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجنِّ. .) . إن قلتَ: هذا يدلُّ على أن " إبليس " من الجنِّ، وهو منافٍ لقوله تعالى في البقرة: " وإذْ قُلْنَا للملاَئِكَة اسجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا إبليسَ " فإِنه يدلُّ على أنه من الملائكة؟

стр. 341

قلتُ: في ذلك قولان: أحدهما: أنه من الجنّ لظاهر هذه الآية، ولأن له ذريةً كفرة بل أكفر الكفرة. بخلاف الملائكة لا ذرية لهم، ولا يعصون الله ما أمرهم، لأنهم عقولٌ مجردة لا شهوةَ لهم، ولا معصيةَ إلَّا عن شهوة، فالاستثناءُ في تلك الآية منقطعٌ. وثانيهما وهو المختارُ (١) أنه من الملائكة، قبل أن يعصي الله تعالى، فلمَّا عصاه مسخه شيطاناً، ورُوي ذلك عن ابن عباس، كما رُوي عنه أيضاً أنه كان من خُزَّانِ الجنة، وهم جماعةٌ من الملائكةِ يسمَّون الجنَّ، ف " كان " بمعنى صار. أو المعنى كان في سابق علمه تعالى، أو من الجنّ الذين هم من الملائكة، فالاستثناءُ متَّصلٌ، ولا منافاة بين الآيتين.

стр. 342

١٤ - قوله تعالى: (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُوني وَهُمْ لَكُمْ عَدُوّ. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الشيطان وذريته، ليسوا أولياء بل أعداء، لأن الأولياء هم الأصدقاء؟! قلتُ: المرادُ بالولاية هنا، اتِّباعُ النَاسِ لهم فيما يأمرونهم به من المعاصي، فالموالاةُ مجازٌ عن هذا، لأنه من لوازمها. ١٥ - قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْهَا. .) . قاله هنا بالفاء، الدالة على التعقيب، لأن ما هنا في الأحياء من الكفَّار، فإنهم ذُكِّروا فأعرضوا عَقِب ما ذكِّروا، وقاله في السجدة ب " ثمَّ " الدالة على التراخي، لأن ما هناك في الأموات من الكفار، فإنهم ذُكّروا مرَّة بعد أخرى، ثم أعرضوا بالموتِ فلم يؤمنوا. ١٦ - قوله تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَامَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا

стр. 343

حُوتَهُمَا. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن النَّاسي " يوشع " وحده؟ قلتُ: نسبةُ النسيانِ إليهما مجازٌ، أو المرادُ أحدهما، كنظيره في قوله تعالى (يَخْرجُ منهما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجَانُ) . وقيل: نسيَ " موسى " بفقده الحوتِ، و " يوشع " أن يُخبره بخبره. ١٧ - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا. .) الآية. قاله بغير فاءٍ، وقال بعد: " حتَّى إذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ " بالفاء، لأنه جعل خَرْقها جزاءَ الشرط، فلم يحتج للفاء، وجعل قتل الغلام من جملة الشرط، فعطفه عليه بالفاء، وجزاء الشرط قوله " قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكيَّةً بغيرِ نفسٍ ". ١٨ - قوله تعالى: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً) .

стр. 344

قاله بلفظ " الِإمْرِ " لأنه للعجب، والعجب كما يكون في الخير، يكون في الشرِّ، وقاله بعد في قتل الغلام بلفظ " نُكْراً " لأنه لا يكون إلا في الشرّ، وقتلُ النفسِ أعظمُ من مجرَّد خرق السفينة، فناسب كلٌّ ما هو فيه، ولذلك قال في خرق السفينة " ألَمْ أقُلْ إنَّكَ " بحذف " لك " وفي قتل الغلام " ألمْ أقُلْ لكَ إنَّكَ " بذكره، ولأن في ذكره، قصدَ زيادة المواجهة، بالعتاب على تركِ الوصيَّةِ مرَّة ثانية. ١٩ - قوله تعالى: (ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً) . جاء بالأول بالتاء " تَسْتَطِعْ " على الأصل، وفي الثاني " تَسْطِعْ " بحذفها تخفيفاً لأنه الفرعُ، وعَكَس ذلك في قوله " فَمَا اسْطَاعُوا أن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْباً " لأن مفعول الأول اشتمل على حرفٍ، وفعل وفاعل، ومفعول، فناسبه الحذف تخفيفاً، بخلاف مفعول الثاني فإنه اسم واحد، وهو قوله " نقباً " فناسبه البقاءُ على الأصل. ٢٠ - قوله تعالى: (أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكينَ

стр. 345

يَعْمَلُونَ في البَحْرِ فَأَرَدْت أَن أَعِيبَها. .) . قاله الخَضِرُ في خرقِ السفينة، وقال في قتل الغلام " فَأردْنَا أنْ يُبْدلَهُمَا ربًّهُما خَيْراً منْهُ " وفي إقامةِ جدارِ اليتيمينِ " فَأرَادَ ربًّكَ أنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا ". لأنَّ الأول في الظاهر إفسادٌ محضٌ، فأسنده إلى نفسه. وفي الثالث إنعامٌ محضٌ، فأسنده إلى ربه تعالى. وفي الثاني إفسادٌ من حيثُ القتلُ، وإنعامٌ من حيثُ التبديلُ، فأسنده إلى ربِّه ونفسه، كذا قيل في الأخيرة. والأوجهُ فيه ما قيل: إنه عبَّر عن نفسه فيه بلفظ الجمع، تنبيهاً على أنه من العِظَام في علوم الحكمة، فلم يُقْدِم على القتل إلَّا لحكمة عالية. ٥٢١ - قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ. .) .

стр. 346

إن قلتَ: الشمس في السَّماءِ الرابعة (١) ، وهي بقدر كرة الأرض مائةً وستين، أو وخمسين، أو وعشرين مرَّة، فكيف تَسَعها عينٌ في الأرضِ تغرب فيها؟ قلتُ المرادُ وجدها في ظنّه، كما يرى راكبُ البحر، الشمسَ طالعةً وغاربةً فيه، " فذو القرنين " انتهى إلى آخر البُنيانِ في جهة الغَرْب، فوجد عيناً واسعة، فظنَّ أن الشمس تغربُ فيها. فإن قلتَ: " ذو القرنين " كان نبياً، أو تقياً حكيماً، فكيف خفي عليه هذا حتى وقع في ظنِّ ما يستحيلُ وقوعُه؟ قلتُ: الأنبياء والحكماءُ لا يبعد أن يقع منهم مثل ذلك، ألا ترى إلى ظنِّ موسى فيما أنكره على الخضِر، وأيضاً فاللَّه قادرٌ على تصغير جُرْم الشمس، وتوسيع العينِ وكرة الأرضِ، بحيث تسع عينُ الماء

стр. 347

(١) عينَ الشمس، فلمَ لا يجوز ذلك، ولم يُعلم به لقصور عقولنا عن الِإحاطة بذلك!! ٢٢ - قوله تعالى: (فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَزْناً) . أي قَدْراً لحقارتهم، وليس المرادُ فلا ننصبُ لهم ميزاناً، لأن الميزانَ إنما يُنصبُ ليوزن به الحسناتُ، في مقابلته السيئات، والكافر لا حسنةَ له، وأما قوله تعالى (وأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازينُهُ فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ) فهو فيمن غلبتْ سيئاتُه على حسناته من المؤمنين، فإنه يدخل النار لكنْ لا يُخلَّد فيها. " تَمَّتْ سُورَةُ الكهف "

стр. 348

سورة مريم ١ - قوله تعالى: (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقوبَ. .) . أي يرث العلم والنبوة لا المال، لخبر " نحن معاشرَ الأنبياء لا نورثُ ما تركناه صدقة ".. وورث يتعدَّى بنفسه وب " مِنْ " وقد جُمع بينهما في الآية، وقيل: " مِنْ " للتبعيض لا للتعدية، لأن آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء، وعلى الأول المرادُ من " آل يعقوب " الأنبياء، لأنهم الذين لا يورِّثون إلَّا العلم والنبوَّة. ٢ - قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أنَّى يَكُونُ لِي غلاَمٌ وَكَانَتِ امْرَأتِي عَاقِراً.) الأية. إن قلتَ: كيف استبعد زكريا ذلك وأنكره؟ قلتُ: لم يفعله إنكاراً، بل ليُجاب بما أجيب به عن

стр. 349

طلبه الولد، وهو قولُه تعالى: " يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّركَ بِغُلَام اسمُه يَحْىَ " فيزدادُ الموقنون إيقاناً، ويرتدع المبطلون. أو قاله: تعجُّبَ فرحٍ وسرورٍ، لا تعجُّبَ إنكارٍ واستبعاد، ويعقوب المذكور هو أبو " يوسف " وقيل: هو أخو زكريا، وقيل: هو أخو عمران أبي مريم ﵇. ٣ - قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لي آيةً. .) أي علامة. فإن قلتَ: كيف طلب العلامة على وجود الولد، بعدما بشَّره اللَّهُ تعالى؟ قلتُ: ليبادر إلى الشكر، ويتعجل السرور، إذِ الحملُ لا يظهر في أول العلوق، فأراد معرفته أول وجوده، فجعل الله آية وجوده عجزَه عن كلام الناس. ٤ - قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً) . قال ذلك هنا، وقال بعده " ولم يجعلني جباراً شقياً " لأن الأول في حق " يحى " والثاني في حقّ "

стр. 350

عيسى " ﵉. ٥ - قوله تعالى: (وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً) قاله هنا: في قصَّة " يحى " منكَّراً، وقال بعدُ في قصة " عيسى ": (والسَّلَامُ عليَّ يومَ وُلدتُ) ومعرَّفاً، لأن الأول من الله، والقليلُ منه كثيرٌ، والثاني من عيسى و " أل " للاستغراق، أو للعهد كما في قوله تعالى: (كما أرسَلْنا إلى فرعَونَ رسُولَاَ. فَعَصى فرعونُ الرَّسولَ) أي ذلك السلامُ الموجَّه إلى يحى موجَّه إليَّ. ٦ - قوله تعالى: (فَأرْسَلْنَا إِلَيْها رُوحَنَا. .) أي جبريل. فإن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع اتفاق العلماء على أن الوحي لم ينزل على امرأة، ولهذا قالوا في قوله " وأوحينا إلى أُمّ موسى " أنه وحيُ إلهام، وقيل: وحي منام. قلتُ: لا نسلِّم أن الوحي لم يُنزَّل على امرأة، فقد قال مقاتل في قوله تعالى " وأوحينا إلى أمِّ موسى " أنه كان وحياً بواسطة جبريل، والمتَّفقُ عليه إنما هو وحي

стр. 351

الرسالة، لا مطلق الوحي، والوحيُ هنا إنما هو ببشارة الولد لا بالرسالة. ٧ - قوله تعالى: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) . إن قلتَ: كيف قالت مريم ذلك، مع أنه إنما يُتعوَّذ من الفاسق لا من التقيِّ؟ قلتُ: معناه إن كنتَ ممن يتَّقي اللَّهَ، فأنتَ تنتهي عني بتعوذي باللَّهِ منك. وقيل: ظنَّته رجلًا اسمُه " تقيٌّ " - وكان فاجراً - فتعوَّذتْ منه. (١) ٨ - قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكيّاَ) بتقدير إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يقول لكِ: أرسلتُ رسولًا إليكِ لأهب لكِ، فيكون حكاية عن الله، لا من قوِل جبريل، وقُرِىء " لِيَهَبَ لَكِ " أي ليهب ربُّكِ لكِ غلاماَ، أو بإسناد الهبة إلى جبريل مجازاً، أي لأكون سبباً في هبة الولد، بواسطة نفخي في درعها، فهو من قول جبريل.

стр. 352

٩ - قوله تعالى: (وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أكُ بَغِيّاً) . لم تقل: بغيَّةً، لما قاله ابن الأنباري من أنَّ " بغيّاً " غالب في النساء، وقلَّ ما يقول العرب: رجلٌ بغي، فتركوا التاء فيه إجراءً له مجرى حائض، وعاقر. أو هو: " فعيل " بمعنى فاعل، فتركوا التاء فيه كما في قوله تعالى: " إنَّ رحمةَ اللَّهِ قريب من المحسنينَ ". . أو لموافقة الفواصل. ١٠ - قوله تعالى: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً) مرتَّبٌ على مقدَّرٍ بينه وبين الشرط تقديره: فإما ترينَّ من البشر أحداً، فيسألك الكلام، فقولي إني نذرتُ الآية، وبهذا سقط ما قيل من أن قولها " فلن أكَلَم اليومَ إنسيّاً " كلامٌ بعد النذر، إذ هو بهذا التقدير من تمام النذر لا بعده. ١١ - قوله تعالى: (وَأوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) . إن قلتَ: كيف امر بذلك مع أنه كان طفلاً، وخطابُ التكليفِ إِنما يكون بعد البلوغ والتمييز؟

стр. 353

قلت: ذلك لا يدلُّ على أنه أوصاه بأداء ذلك في الحال، بل أوصاه في الحال بالأداء بعد البلوغ والتمييز، أو أن الله صيَّره عقب ولادته بالغاً مميِّزاً، بدليل قوله تعالى " إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثلِ آدمَ " فكما أنه تعالى خلق آدم تاماً كاملاً دفعةً، فكذا القول في " عيسى " ﵉، وهو أقرب إلى ظاهر قوله (مادمتُ حياً) ، فما أوصاه بذلك إلا بعد بلوغه وتمييزه. فإن قلتَ: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى لم يزل فقيراً، لابساً كساءً مدة مكثه في الأرض، مع علمه تعالى بحاله، فكيف أوصاه بها؟! قلتُ: المراد بالزكاة هنا تزكيةُ النفس وتطهيرها من المعاصي، لا زكاة المال. ١٢ - قوله تعالى: (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) . قال ذلك هنا، وقال في الزخرف " وإنَّ اللَّهَ هوَ ربِّي وربُّكُمْ " بزيادة " هو " لأنه تعالى ذكر قصة عيسى ﵇ هنا مستوفاة، فأغنى ذلك عن التأكيد، بخلافه ثَمَّ، ولذلك قال هنا: " فويلٌ للذينَ كفروا " وفي

стр. 354

الزخرف " فويلِّ للذين ظلموا " إِذِ الكفرُ أشدُّ قبحاً من الظلم، فكان وصفُ من ذُكر بالكفر، في المحلِّ الذي استوفى فيه قصة عيسى، أنسبَ بالمحلّ الذي أجمل فيه قصَّته. وقال هنا: " أَسْمِعْ بهمْ وأَبْصِرْ " وعكَسَ في الكهف، لأن معناه هنا أنه تعالى ذكر قصص الأنبياء، فاسمعْها وتدبَّرْها، واستعملْ النظر فيها ببصيرتك، ومعناه في الكهف أنه تعالى له غيبُ السمواتِ والأرض، فاجعلْ بصيرتك في الفكر في مخلوقاته، وتدبَّرها بحيثُ تصلُ إلى معرفته، واسمِع لصفاته ووحِّدْهُ، فناسب تقديم السمع هنا، والبصرِ ثمَّ. ١٣ - قوله تعالى: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) . إن قلتَ: الاستغفارُ للكافر حرامٌ، فكيف وعد إبراهيم ﵇ أباه، بالاستغفار له مع أنه كافرٌ؟ قلتُ: معناه سأسال اللَّهَ لك توبةً، تنال بها مغفرته يعني الِإسلامَ، والاستغفارُ للكافر بهذا الوجه جائزٌ، كأن يقول: اللهم وفِّقْه للِإسلام، أوتبْ عليه واهده. أو أنه

стр. 355

وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر. ١٤ - قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. .) . أي الذي يلي يمين موسى، حين أقبل من مَدْين. ١٥ - قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً) . إن قلتَ: هارون كان أكبر من موسى، فما معنى هبته له؟ قلتُ: معناه أن الله تعالى أنعم على موسى ﵇، بإجابتهِ دعوتَه فيه، حيثُ قال: " واجعلْ لي وَزِيراً منْ أهلي. هارونَ أخي " الآية، فمعنى هبته له، جعلَه عضداً له وناصراً ومعيناً. ١٦ - قوله تعالى: (إِلّاَ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شيْئاً) قاله هنا: وقال في الفرقان " وعمل عملاً صالحاً " لأنه تعالى أوجز هنا في ذكر المعاصي، فأوجز في التوبة،
следующие страницы →