← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

الرسالة، لا مطلق الوحي، والوحيُ هنا إنما هو ببشارة الولد لا بالرسالة. ٧ - قوله تعالى: (قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيّاً) . إن قلتَ: كيف قالت مريم ذلك، مع أنه إنما يُتعوَّذ من الفاسق لا من التقيِّ؟ قلتُ: معناه إن كنتَ ممن يتَّقي اللَّهَ، فأنتَ تنتهي عني بتعوذي باللَّهِ منك. وقيل: ظنَّته رجلًا اسمُه " تقيٌّ " - وكان فاجراً - فتعوَّذتْ منه. (١) ٨ - قوله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكيّاَ) بتقدير إنما أنا رسولُ ربِّكِ، يقول لكِ: أرسلتُ رسولًا إليكِ لأهب لكِ، فيكون حكاية عن الله، لا من قوِل جبريل، وقُرِىء " لِيَهَبَ لَكِ " أي ليهب ربُّكِ لكِ غلاماَ، أو بإسناد الهبة إلى جبريل مجازاً، أي لأكون سبباً في هبة الولد، بواسطة نفخي في درعها، فهو من قول جبريل.

стр. 352

٩ - قوله تعالى: (وَلَمْ يَمْسَسْني بَشَرٌ وَلَمْ أكُ بَغِيّاً) . لم تقل: بغيَّةً، لما قاله ابن الأنباري من أنَّ " بغيّاً " غالب في النساء، وقلَّ ما يقول العرب: رجلٌ بغي، فتركوا التاء فيه إجراءً له مجرى حائض، وعاقر. أو هو: " فعيل " بمعنى فاعل، فتركوا التاء فيه كما في قوله تعالى: " إنَّ رحمةَ اللَّهِ قريب من المحسنينَ ". . أو لموافقة الفواصل. ١٠ - قوله تعالى: (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً) مرتَّبٌ على مقدَّرٍ بينه وبين الشرط تقديره: فإما ترينَّ من البشر أحداً، فيسألك الكلام، فقولي إني نذرتُ الآية، وبهذا سقط ما قيل من أن قولها " فلن أكَلَم اليومَ إنسيّاً " كلامٌ بعد النذر، إذ هو بهذا التقدير من تمام النذر لا بعده. ١١ - قوله تعالى: (وَأوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً) . إن قلتَ: كيف امر بذلك مع أنه كان طفلاً، وخطابُ التكليفِ إِنما يكون بعد البلوغ والتمييز؟

стр. 353

قلت: ذلك لا يدلُّ على أنه أوصاه بأداء ذلك في الحال، بل أوصاه في الحال بالأداء بعد البلوغ والتمييز، أو أن الله صيَّره عقب ولادته بالغاً مميِّزاً، بدليل قوله تعالى " إن مَثَلَ عيسى عند الله كمثلِ آدمَ " فكما أنه تعالى خلق آدم تاماً كاملاً دفعةً، فكذا القول في " عيسى " ﵉، وهو أقرب إلى ظاهر قوله (مادمتُ حياً) ، فما أوصاه بذلك إلا بعد بلوغه وتمييزه. فإن قلتَ: الزكاة إنما تجب على الأغنياء، وعيسى لم يزل فقيراً، لابساً كساءً مدة مكثه في الأرض، مع علمه تعالى بحاله، فكيف أوصاه بها؟! قلتُ: المراد بالزكاة هنا تزكيةُ النفس وتطهيرها من المعاصي، لا زكاة المال. ١٢ - قوله تعالى: (وإنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) . قال ذلك هنا، وقال في الزخرف " وإنَّ اللَّهَ هوَ ربِّي وربُّكُمْ " بزيادة " هو " لأنه تعالى ذكر قصة عيسى ﵇ هنا مستوفاة، فأغنى ذلك عن التأكيد، بخلافه ثَمَّ، ولذلك قال هنا: " فويلٌ للذينَ كفروا " وفي

стр. 354

الزخرف " فويلِّ للذين ظلموا " إِذِ الكفرُ أشدُّ قبحاً من الظلم، فكان وصفُ من ذُكر بالكفر، في المحلِّ الذي استوفى فيه قصة عيسى، أنسبَ بالمحلّ الذي أجمل فيه قصَّته. وقال هنا: " أَسْمِعْ بهمْ وأَبْصِرْ " وعكَسَ في الكهف، لأن معناه هنا أنه تعالى ذكر قصص الأنبياء، فاسمعْها وتدبَّرْها، واستعملْ النظر فيها ببصيرتك، ومعناه في الكهف أنه تعالى له غيبُ السمواتِ والأرض، فاجعلْ بصيرتك في الفكر في مخلوقاته، وتدبَّرها بحيثُ تصلُ إلى معرفته، واسمِع لصفاته ووحِّدْهُ، فناسب تقديم السمع هنا، والبصرِ ثمَّ. ١٣ - قوله تعالى: (قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً) . إن قلتَ: الاستغفارُ للكافر حرامٌ، فكيف وعد إبراهيم ﵇ أباه، بالاستغفار له مع أنه كافرٌ؟ قلتُ: معناه سأسال اللَّهَ لك توبةً، تنال بها مغفرته يعني الِإسلامَ، والاستغفارُ للكافر بهذا الوجه جائزٌ، كأن يقول: اللهم وفِّقْه للِإسلام، أوتبْ عليه واهده. أو أنه

стр. 355

وعده ذلك قبل تحريم الاستغفار للكافر. ١٤ - قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. .) . أي الذي يلي يمين موسى، حين أقبل من مَدْين. ١٥ - قوله تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً) . إن قلتَ: هارون كان أكبر من موسى، فما معنى هبته له؟ قلتُ: معناه أن الله تعالى أنعم على موسى ﵇، بإجابتهِ دعوتَه فيه، حيثُ قال: " واجعلْ لي وَزِيراً منْ أهلي. هارونَ أخي " الآية، فمعنى هبته له، جعلَه عضداً له وناصراً ومعيناً. ١٦ - قوله تعالى: (إِلّاَ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شيْئاً) قاله هنا: وقال في الفرقان " وعمل عملاً صالحاً " لأنه تعالى أوجز هنا في ذكر المعاصي، فأوجز في التوبة،

стр. 356

وأطال ثَم فأطال. ٧ ١ - قوله تعالى: (لَقَدْ أحْصَاهُمْ وَعَذَهُمْ عَداً) . إن قلت: ما فائدة ذكر العدِّ بعد الِإحصاء، مع أن الاحصاء هو العدُّ أو الحصرُ، والحصرُ لا يكون إلا بعد معرفة العدد؟ قلت: له معنى ثالث، وهو العلمُ كقوله تعالى " وأحصى كل شيءٍ عدداً " أي علم عدد كل شيء، فالمعنى هنا: لقد علمهم، وعدهم عدّاً. " انتهت سورة مريم "

стр. 357

سورة طه ١ - قوله تعالى: (وَهَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكثُوا. .) الآية. إن قلتَ: كيف حكى الله تعالى قول موسى ﵇ لأهله، عند رؤية النَّار هنا، وفي النمل، والقَصَص بعباراتٍ مختلفة، وهذه القصة لم تقع إلاَّ مرَّة واحدة، فكيف اختلفت عبارة موسى فيها؟! قلتُ: قد مرَّ في الأعراف في قصة موسى ﵇، مثلَ هذا السؤال، مع جوابه، وجوابُه ثَمَّ يأتي هنا. ٢ - قوله تعالى: (فَلَمَّا أتَاهَا نُودِيَ يا مُوسَى إِنِّي أنَا

стр. 358

رَبُّكَ. .) الآية. قاله هنا وفي القَصَص بلفظ " أتى " وفي النمل بلفظ " جاء " لأنهما وإن كانا بمعنى واحد، غاير بينهما لفظاً، توسعةً في التعبير عن الشيء بمتساويين. وخُصَّ " أتى " بهذه السورة لكثرة التعبير بالِإتيان فيها، و " جاء " بالنمل لكثرة التعبير بالمجيء فيها، وأُلحق ما في القصص بما في " طه " لفور ما بينهما، أي من حيثُ قوله هنا " يا موسى إني أنا ربُّك " وقوله في القصص " يا موسى إني أنا اللَّهُ " وإن اختلف محلهما، بخلاف ذلك في النمل.. ٣ - قوله تعالى: (إِن السَّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أخفِيهَا لِتُجْزَى كل نفسٍ بِمَا تَسْعَى) . قاله هنا: وفي " الحج " بحذف لام التأكيد، وقاله في " غافر " بإِثباتها، لأنها إنما تُزاد لتأكيد

стр. 359

الخبر، وتأكيدُه إنما يُحتاجُ إليه، إذا كان المخبَرُ بهِ شاكّاً في الخبر، والمخاطبون في " غافر " هم الكفَّار، فأكَّد فيها باللّاَم بخلاف تَيْنكَ. ٤ - قوله تعالى: (فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى) . ضميرُ " عنها " و " بها " للساعة، والمنهيُّ ظاهراً من لا يؤمن بها، وحقيقةً موسى ﵇، إذ المقصودُ نهيُ موسى عن التكذيب بالسَّاعة. ٥ - قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى) ؟ إن قلتَ: ما فائدةُ سؤالهِ تعالى لموسى، مع أنه أعلمُ بما في يده؟! قلتُ: فائدتُه تأنيسُه، وتخفيفُ ما حصل عنده من دهشةِ الخطاب، وهيبة الِإجلال، وقت التكلم معه، أو اعترافه بكونها عَصَا، وازدياد علمه بذلك، فلا يعترضه شكّ إذا قلبها الله ثعباناً، أنها كانت عصى ثم انقلبت ثعباناً بقدرة الله تعالى. ٦ - قوله تعالى: (قَالَ هِيَ عَصَايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْهَا

стр. 360

وَأَهُشّ بِهَا عَلَى غَنَمِي. .) الآية. هو جواب موسى ﵇ فإن قلتَ: لمَ زاد عليه " أتوكأ عليها وأهشُّ بها على غنمي ولي فيها مآربُ أخرى "؟. قلتُ: قال ابن عباس ﵄: إنه سُئل سؤالاً ثانياً: ما تصنعُ بها؟ فأجاب بذلك. أو ذكرَ ذلك خوفاً من أنْ يُؤمرَ بإِلقائها، كما أُمِرَ بإِلقاءِ النَّعلين، أو لئلا يُنسبَ إلى التَّعب في حملها، مع المقام مقامُ البسطِ، للتلذُّذِ بالكلام مع الربِّ تعالى، ولهذا بَسَط في نفس الجواب، إذ كان يكفي فيه أن يقول: عصا. ٧ - قوله تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيةً أُخْرَى) . جعل هنا الجناح مضموماً إليه، وفي القصص مضموماً في قوله: (واضمُمْ إليك جناحَك) لأن المراد به هنا، ما بين العضد إلى الِإبط من اليد اليُسرى، وبه

стр. 361

ثَمَّ ذلك من اليد اليمنى، فلا تنافي. ٨ - قوله تعالى: (إِذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) . قال ذلك هنا، وقال في الشعراء (وإذْ نَادَى ربُّكَ مُوسَى أَنِ ائتِ القَوْمَ الظَّالمين. قومَ فِرْعَوْنَ) وفي القصص (فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلِإهِ) . اقتصر في " طه " على فرعون، لأنَّه الأصلُ بالنسبة إلى قومه، مع سبقِ طه. واكتفى في " الشعراء " بذكره في الإِضافة، عن ذكره مفرداً. وجمع بينهما: في " القصص " ليوافق قولَه: " فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ " في التَّعدد. ٩ - قوله تعالى: (وَاحْلُل عُقْدَةً مِنْ لِسَاني. يَفْقَهُوا قَوْلِي) . قال ذلك هنا، وقال في " الشعراء ": (وَلاَ يَنْطَلِقُ لِسَاني) . وفي " القَصَص ": (وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أفْصَحُ

стр. 362

مِنَي لِسَاناً) . صرَّح: بعقدة اللسان في " طه " لسَبْقها، وَكنَّى عنها في الشعراء بما يقربُ من الصَّريح، وفي القصص بكنايةٍ مبهمة، لدلالة تلك الكناية عليها. ١٠ - قوله تعالى: (إِذْ أوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى) . إن قلتَ: هذا مجملٌ فما فائدتُه؟ قلتُ: فائدتُه الِإشارةُ إلى أنه ليس كلُّ الأمور، مما يُوحى إلى النساء، كالنبوَّةِ ونحوها، أو التعظيمُ والتفخيمُ أولاً، كما في قوله تعالى " فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى " والبيانُ ثانياَ بقوله (أنِ اقْذِفيهِ فِي التَّابُوتِ فاقذفيه في اليمِّ) . ١١ - قوله تعالى: (فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أمِّكَ كي تَقَرَّ عَيْنُهَا ولا تَحْزَنَ. .) الآية. قاله هنا بلفظ الرَّجع، وقال في " القصص ": " فَرَدَدْنَاهُ " بلفظ الردِّ، لأنهما وإن اتَّحدا معنى، لكنْ خُصَّ الرجعُ بما هنا، ليقاوم ثِقَل الرجع، خفَّةَ فتح الكاف، والردُّ بالقصص لتقاومَ خِفَّةُ الردِّ ثِقَلَ ضَمَّةِ الهاء،

стр. 363

وليَوافقَ قوله " إنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ ". ١٢ - قوله تعالى: (وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً. .) قاله هنا بلفظ " سَلَكَ " وقاله في الزخرف بلفظ " جَعَلَ " لأن لفظ السُّلوك مع السُّبُل أكثرُ استعمالًا من " جَعَل " فخص به " طه " لتقدمها، وب " جَعَل " الزخرف، ليوافق التعبيرُ به قبله مرَّة، وبعده مراراً. ١٣ - قوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى) . أخَّر موسى عن هارون، مع أنَّ هارون كان وزيراً له، لموافقة الفواصل. ١٤ - قوله تعالى: (فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا) - أي لا يموتُ فيها موتاً متصلاً، ولا يحيا حياةً متصلة، بل كل ما مات في مدة العذاب، أعيد حياً ليدوم العذاب، وإنما قدرنا ذلك، لأن الموت والحياة لا يرتفعان عن الشخص.

стр. 364

١٥ - قوله تعالى: (فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً في البَحْرِ يَبَساً لَا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى) أي لا تخاف إدراك فرعون، ولا تخشى غَرَقاً في البحر، وإلَّا فالخوفُ والخشيةُ مترادفان، وغَايَر بينهما لفظاً، رعايةً للبلاغة. ١٦ - قوله تعالى: (وَأضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى) . إن قلتَ: صدرُهُ يُغني عن عَجُزه، فكيف ذكر العَجُز؟ قلتُ: المعنى وما هداهم بعد ما أضلَّهم، فإِن المضلَّ قد يهدي بعد إضلاله، أو ما هدى نفسه، أو أضلهم عن الدِّينِ، وما هداهم طريقاً في البحر. ١٧ - قوله تعالى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأيْمَنَ. .) . إن قلتَ: المواعدةُ كانت لموسى ﵇ لا لهم، فكيف أضيفت إليهم؟ . قلتُ: لمَّا كانت لِإنزالِ كتابٍ لهم، فيه صلاح دنياهم وأُخراهم،

стр. 365

أضيفت إليهم لهذه الملابسة. ١٨ - قوله تعالى: (وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى) ؟ إن قلتَ: هذا سؤال عن سبب العجلة، فإِن موسى لما واعده اللَّهُ تعالى، حضورَ جانبِ الطور لأخذ التوراة، اختار من قومه سبعين رجلًا يصحبونه إلى ذلك، ثم سبَقهم شوقاً إلى ربه تعالى، وأمرهم بلَحاقه، فعوتب على ذلك، فكيف طابقَ الجوابُ في الآية السؤال؟ قلتُ: السؤال تضمَّن شيئين: إنكارَ العَجَلة، والسؤالَ عن سببها، فبدأ موسى بالاعتذار عمَّا أنكره تعالى عليه، بأنه لم يوجد منه إلا تقدّمٌ يسيرٌ، لا يُعتدُّ به عادةً، ثمَّ عقَّب العذر بجواب السؤال عن السبب بقوله " وعجلتُ إليك ربِّ لترضى ". ١٩ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِي وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً) : " فنسي " أي ترك، ولهذا قال بعد ذلك " وعصى آدم ربَّه فغوى ".

стр. 366

٢٠ - قوله تعالى: (فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجَنَّةِ فَتَشْقَى) . إن قلتَ: الخطابُ لآدم وحواء، فكيف قال: " فَتْشقَى " دون فَتشَقيا؟ قلتُ: قال ذلك لأن الرجل قيِّمُ امرأته، فشقاؤه يتضمَّن شقاءها، كما أن سعادته تتضمن سعادتها. أو قاله رعايةً للفواصل، أو لأنه أراد بالشَّقاءِ: الشَّقاءَ في طلب القوت، وإصلاح المعاش، وذلك وظيفةُ الرجل دون المرأة. ٢١ - قوله تعالى: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى) . إن قلتَ: هل يجوز أن يُقال: كان آدمُ عاصياً، غاوياً، أخذاً من ذلك؟ قلتُ: لا، إذ لا يلزم من جواز إطلاق الفعل، جواز إطلاق اسم الفاعل، ألا ترى أنه يجوز أن يُقال: تباركَ اللَّهُ، دون متبارك، ويجوز أن يُقال: تابَ اللهُ على آدم دون تائب!!

стр. 367

٢٢ - قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عن ذِكْرِي فَإنَّ لى مَعِيشةً ضَنْكاً. .) الآية. أي حياةً في ضيقٍ وشدَّة. فإِن قلتَ: نحنُ نرى المعرضين عن الِإيمان، في أخصب عيشة؟! قلتُ: قال ابن عباس المراد بالعيشة الضَّنْكِ: الحياة في المعصية، وإن كان في رخاءٍ ونعمة. . ورُوي أنها عذابُ القبر، أو المرادُ بها عيشة في جهنم. ٢٣ - قوله تعالى: (وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأجَلٌ مُسَمَّىَ) . الكلمةُ: قولُه تعالى " سبقتْ رحمتي غضبي ". أو قوله تعالى: (وما كان اللَّهُ ليُعذِّبهمْ وأنتَ فيهِمْ. .) أو قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رحمةً

стр. 368

للعالمين) . يعني لعالمي أمته، بتأخير العذاب عنهم، وفي الآية تقديمٌ وتأخير أي (ولولا كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمَّى) لكان العذاب لزاماً أي لازماً لهم كما لزم الأمم التي قبلهم. ٢٤ - قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) . إن قلتَ: كيف جمع بين هذين، مع أن أحدهما يُغني عن الآخر؟ قلتُ: المرادُ بالأول السالكون، وبالثاني الواصلون. أو بالأول الذين ما زالوا على الصراط المستقيم، وبالثاني الذين لم يكونوا على الصراط المستقيم ثم صاروا عليه. أو بالأول أهل دين الحقِّ في الدنيا، وبالثاني المهتدون إلى طريق الجنة في العقبى (١) ، فكأنه قيل: ستعلمون من الناجي في الدنيا، والفائز في الآخرة " تَمَّتْ سُورَةُ طه "

стр. 369

(١) سورة طه آية (١٣٥) . سورة الأَنبياء ١ - قوله تعالى: (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غفْلَةٍ مُعْرِضونَ) . إن قلتَ: كيف وصف الحسابَ بالقرب، وقد مضى من وقت هذا الِإخبار، أكثرُ من تسعمائة عام ولم يوجد؟ قلتُ: معناه إنه قريبٌ عند الله، وإن كان بعيداً عندنا كقوله تعالى: " إنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَرَاهُ قَرِيباً " وقوله: " وإنَّ يَوْماً عند رَبِّكَ كأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدوُّنَ ". أو إنه: قريبٌ بالنسبة إلى ما مضى من الزمان. أو إن المراد: قربه لكل واحدٍ في قبره، ويؤيده خبرُ " من ماتَ قامتْ قيامته ". ٢ - قوله تعالى: (مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ

стр. 370

إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) . قاله هنا: بلفظ " من ربِّهم " وفي الشعراء بلفظ " منَ الرحمنِ ". لأن " الرَّبَّ " يأتي مضافاً، بخلاف " الرحمنِ " لم يأتِ مضافاً غالباً. ولموافقة ما هنا قوله بعد: " قالَ ربِّي يعلَمُ القَوْلَ " وموافقة ما في الشعراء قوله بعد: " وإنَّ ربَّكَ لهوَ العزيزُ الرحيمُ " إذِ الرحمنُ والرحيم أخوان) . فإن قلتَ: كيف وصف الذِّكرَ بالحدوث، مع أن الذكرَ الآتي هو القرآنُ، وهو قديمٌ؟ قلتُ: المرادُ أنه مُحدَثٌ إنزالُه، أو أنه ذكرٌ غيرُ القرآن، وأُضيف إلى الربِّ، لأنه آمرٌ به وهادٍ له. ٣ - قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا.) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن النجوى المسَّارةُ؟! قلتُ: معناه بالغوافي إخفاءِ المسَّارة، بحيثُ لم يفهم أحدٌ تناجيهم ومسارَتهم، تفصيلاً ولا إجمالًا.

стр. 371

٤ - قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلا رِجَالاً نُوحي إِلَيْهِمْ. .) . قاله هنا: بحذف " مِنْ " تَبَعاً لحذفها من قوله قبلُ " ما آمنتْ قبلَهم منْ قريةٍ " وقاله بعدُ بذكرها، جرياً على الأصل. ٥ - قوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكرِ إِنْ كنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) . أمرَ مشركي مكة بأن يسألوا " أهل الذِّكر " أي أهل الكتاب، عمَّن مضى من الرسل، هل كانوا بشراً أم ملائكة. فإن قلتَ: كيف أمرهم بذلك، مع أنهم قالوا " لن نُؤْمِنَ بهذَا القرآنِ ولا بالذي بينَ يديْهِ "؟ قلتُ: لا مانع من ذلك، إذِ الِإخبار بعدم الِإتيان بشيءٍ، لا يمنع أمره بالِإتيان به، ولو سُلِّم فهم وإن لم يؤمنوا بكتاب أهل الكتاب، لكنِ النَّقلُ المتواترُ من أهل الكتابِ في أمرٍ، يُفيد العلم لمن يؤمن بكتابهم، ولمن لا يؤمنُ به.

стр. 372

٦ - قوله تعالى: (ولا يَسْتَحْسِرُونَ) أي: يَعْيون. ٧ - قوله تعالى: (وَجَعَلْئَا مِنَ المَاءِ كلَّ شَيْءٍ حَيً. .) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، الشَّاملَ لقوله في النور " واللَّهُ خَلَقَ كلَّ دابَّةٍ مِنْ مَاءٍ " مع أنَّ لنا أشياء أحياء، لم تخلق من الماء، وهم: الملائكةُ، والجنُّ، وآدمُ، وناقة صالح! ؟ إذِ الملائكةُ خُلقت من نورٍ، والجنُّ من نار، وآدمُ من تراب، وناقة صالح من حجرٍ لا من ماء؟! قلتُ: أرادُ به البعضُ كما في قوله تعالى:، (وأُوتيتْ من كلِّ لشَيْءٍ) وقوله: (وَجَاءَهمُ المَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) . أو الكلُّ مخلوقون من الماء، لأن الله خلقَ قبل خلقِ الِإنسانِ جوهره، ونظر إليها نظر هيبةٍ فاستحالت ما ماءً، فخلق من ذلك الماء جميع المخلوقات. أو خلقههم من الماء، إمَّا بواسطةٍ أو بغيرها، ولهذا قيل: إنه تعالى خلق الملائكةَ من ريحٍ خلقها من الماءِ، والجنَّ من نارٍ خلقها من الماء، وآدَم من ترابٍ خلقه من الماء.

стр. 373

٨ - قوله تعالى: (كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ وَنَبْلُوكمْ بالشَرِّ وَالخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) . أي إلى الجنة أو النَّار. قال ذلك هنا بالواو، موافقةً للتعيين بها، فيما زاده هنا بقوله " ونبلوكم بالشَّرِّ والخَيْر فتنةً " وقال في العنكبوت بـ " ثُمَّ " لدلالتها على تراخي الرجوع، المذكور عن بلوى الدنيا ولم يقع بينهما تعبيرٌ بواو - ثم ما زاده هنا اختصاراً. ٩ - قوله تعالى: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْألُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ) . قاله استهزاءً وتهكُّماً بمن سفهوه، وإلَّا ففاعلُه هو نفسُه. أو أنه لما كان الحامل له على الفعل، تعظيمُهم للأصنام، وكان كبيرها أبعث له على الفعل، لمزيد تعظيمهم له، أسند الفعلُ إليه لأنه السبب فيه. ١٠ - قوله تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى

стр. 374

إِبْرَاهِيمَ) . إن قلتَ: كيف خاطب النار مع أنها لا تعقلُ؟! قلت: خطابُ التَّحويل والتَّكوين، لا يختصُّ بمن يعقل كما مرَّ، قال تعالى: (يَا جِبَالُ أَوِّبي مَعَهُ وَالطَّيرَ) وقال: " فقَالَ لَهَا وللَأرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أو كَرْهاً " وقال: " وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ". ١١ - قوله تعالى: (وَأَرَادُوا بِهِ كيْداً فَجَعَلْنَاهُم الأخْسَرِينَ) . قاله هنا: بلفظ " الأخسرين " وفي الصَّافات بلفظ " الأسفلين ". لأنَّ ما هنا تقدَّمه أنَّ إبراهيم كادَهم، وأنهم كادوه، وأنه غلبهم في الكيْدِ، فخسرت تجارتهم حيث كسر أصنامهم، ولم يبلغوا من إحراقه مرادهم، فناسب ذكر " الأخسر ين ". وما في الصافات: تقدَّمه " قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلُقْوهُ فِي الجَحِيمِ " فأجَّجوا ناراً عظيمةً، وبنوْا بنياناً عظيماً، ورفعوا إبراهيم إليه ورموه منه إلى أسفل، فرفعه الله إليه،

стр. 375

وجعلهم في الدنيا من الأسفلين، وردّهم في العقبى أسفل سافلين، فناسبَ ذكرُ الأسفلين. ١٢ - قوله تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُرُّ وَأنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) ختم القصَّة هنا بقوله " رحمةً من عندنا " وختمها في " ص " بقوله " رحمةً منَّا " لأنَ أيوب بَالَغ هنا في التضرُّعِ بقوله " وأنتَ أرحمُ الراحمين " فبالغ تعالى في الِإجابة، فناسب ذكر " من عندنا " لأنَّ عندنا يدلّ على أنه تعالى، تولَّى ذلك بنفسه، ولا مبالغة في " ص " فناسب ذكرُ " منَّا " لعدم دلالته على ما دلَّ عليه " عندنا ". ١٣ - قوله تعالى: (فَنَفَخْنَا فِيهَا. .) . أي في جَيْبِ درعها، بحذف مضافين، ولهذا ذكَّر الضمير في " التحريم " فقال: " فنفخنا فيه " (١) . ١٤ - قوله تعالى: (وَأَنَا رَ بُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كلٌّ إلينا رَاجِعُونَ) .

стр. 376

قال ذلك هنا، وقال في المؤمنين (وَأَنَا رَبُّكُمْ فاتَّقُونِ. فَتَقَطَّعُوا) لأن الخطاب هنا للكفار، فأمرهم بالعبادة التي هي التوحيدُ، ثمِ قال " وتقطَّعُوا " بالواو " لا بالفاء، لأن مدخولها ليس مرتباَ على ما قبلها، بل هو واقع قبله، ومن قال: الخطابُ مع المؤمنين، فمعناه: دوموا على العبادة. والخطابُ ثَمَّ للنبيِّ وأمته، بدليل قوله قبل (يا أيها الرسلْ كلوا من الطيبات. . الآية. والأنبياءُ وأمَّتُهم مأمورون بالتقوى. . ثم قال " فتقطَّعوا أمرهم " بالفاء، أي ظهر منهم التقطُّع بعد هذا القول، والمرادُ أمتُهم. ١٥ - قوله تعالى: (وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أهْلَكْنَاهَا أنهمْ لَا يَرجِعُونَ) . أي ممتنعٌ عليهم الرجوع. فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه لا بدَّ من رجوعهم إلى اللَهِ؟! قلتُ: معناه لا يرجعون عن الكفر إلى الِإيمان، أو لا يرجعون بعد إهلاكهم إلى الدنيا. وقيل: معنى " حرامٌ " واجبٌ، ف " لا " حينئذٍ زائدة، أي واجبٌ رجوعهم.

стр. 377

١٦ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الحُسنى أوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ) أي عن جهنم. فإن قلتَ: كيف يكونون مبعدين عنها، وقد قال تعالى " وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّاَ وَارِدُهَا " وورودُها يقتضي القرب منها؟! قلت: معناه: مبعدون عن ألمها، وعَنَاها، مع ورودهم لها. أو معناه: مبعدون عنها بعد ورودها، بالِإنجاءِ المذكور بعد الورود. ١٧ - قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن النبيَّ ﷺ لم يكنْ رحمةً للكافرين بل نقمةً، إذْ لولا إرساله إليهم ما عُذِّبوا بكفرهمِ لقوله تعالى " وَمَا كُنَّا مُعَذِّبينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولَا "

стр. 378

قلتُ: بل كان رحمةً للكافرين أيضاً، من حيث إنَّ عذاب الاستئصال أُخِّر عنهم بسببه. أوكان رحمةً عامة، من حيثُ إنه جاء بما يُسعدهم إن اتَّبعوه، ومن لم يتَّبعه فهو المقصِّرُ. أو المراد بـ " الرحمة " الرحيم، وهو ﷺ كان رحيماً للكفَّار أيضاً، ألا ترى أنهم لمَّا شجَّوه، وكسروا رباعيته، حتى خرَّ مغشيّاً عليه، قال بعد إفاقته: " اللَّهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون ". ١٨ - قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمنُ المُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) . فإن قلتَ: ما فائدةُ قوله " بالحق) ؟ قلتُ: ليس المرادُ " بالحقِّ " هنا نقيضَ الباطل، بل المرادُ ما وعده اللَّهُ تعالى إيَّاه، من نصرِ المؤمنين، وخذلانِ الكافرين، ووعدُه لا يكونُ إلَّا حقاً، ونظيرُه قولُه تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وبيْنَ قَوْمنَا بالحَقِّ) . أو أنَّ: قوله " بالحقِّ " تأكيدٌ لما في التصريح بالصِّفة من المبالغة وإن كانت لازمةً للفعل، ونظيرُه في عكسه من صفة الذمِّ قولُه تعالى (ويقتلونَ الأنبياءَ بغيرحقٍّ) . " تَمَّتْ سُورَةُ الأنبياء "

стр. 379

سورة الحجّ ١ - قوله تعالى: (يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَت) . إن قلتَ: كيف جمع هنا، وأفردَ بعدُ في قوله " وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى "؟ قلتُ: لأن الرؤية الأولى متعلِّقةٌ بالزلزلة، وكلُّ الناسِ يرونها. والثانية متعلِّقَةٌ بكون النَّاسِ سكارى، فلا بدَّ من جعل كل واحد رائياً باقيهم. ٢ - قوله تعالى: (كلَّمَا أرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا. .) الآية. قال ذلك: هنا بذكر " مِنْ غَمٍّ " وفي السَّجدة

стр. 380

بدونه، موافقةً لما قبلهما. إذْ ما هنا تقدمه قوله تعالى " قُطِّعَتْ لهمْ ثِيَاث مِنْ نَارٍ " الآية. وما هناك لم يتقدَّمه إلا قوله " فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ". ٣ - قوله تعالى: (وَذوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ) تقديره: وقيل لهم ذوقوا، كما في السجدة، وخصَّ ما هنا بالحذف لطول الكلام، وما في السجدة بالذِّكر لقصره، وموافقةً لذكر القول قبله كقوله " أم يقولونَ افتراه " وقوله " وقالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا " و " قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ ". ٤ - قوله تعالى: (إِن اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَناتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنهارُ. .) الآية. كرره لأنه لما ذكَرَ حكم أحدَ الخصمين، وهو " فالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لهمْ ثيابٌ من نَارٍ " لم يكن بُدٌّ من ذكر حكم الخصم الآخر، لمقارنته له، وإن تقدَّم ذكره. ٥ - قوله تعالى: (فَكُلُوا مِنهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ) .

стр. 381

كرَّره لأن الأول مرتَّب على ذبح بهيمة الأنعام، الشاملة للبُدْنِ، والبقر، والغنم، والثاني مرتَّبٌ على ذبح البُدْنِ خاصَّة، وإن وافقه في حكم ذبح الآخرين. ٦ - قوله تعالى: (أذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأنَّهُمْ ظُلِمُوا. .) . أي اذِنَ للذينَ يريدون أن يُقاتِلوا في القتال. ٧ - قوله تعالى: (الَّذِين أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ. .) الاستثناءُ فيه منقطعٌ بمعنى لكنْ أُخرجوا بقولهم ربُّنا اللَّهُ، أو هو من باب تعقيب المدح بما يشبه الذَّم، كقول الشاعر: ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفهم بهِنَّ فلولٌ منَ قِرَاعِ الكتائبِ أي إن كان فيهم عيبٌ فهو هذا، وهذا ليس بعيبٍ، فلا عيب فيهم. ٨ - قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَت صَوَامِعُ وبِيع ... ) الآية. فإِن قلتَ: أيُّ مِنَّةٍ على المؤمنين، في حفظ " الصَّوامعِ " و " البِيَعِ " و " الصَّلَوَاتِ " أي الكنائس عن الهدم، حتَّى امتنَّ عليهم بذلك؟!

стр. 382

قلتُ: المِنَّةُ عليهم فيها أن الصَّوامع، والبِيَعَ، في حرسهِم وحفظهم، لأن أهلهما محترمون. أو المرادُ لهدِّمت صوامع وبِيعٌ في زمن عيسى ﵇، وكنائس في زمن موسى ﵇، ومساجدُ في زمن أمن النبي ﷺ ، فالامتنانُ على أهل الأديانِ الثلاثة، لا على المؤمنين خاصَّة. ٩ - قوله تعالى: (وَكُذِّبَ مُوسَى فَأمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) . إنما لم يقل: " وبنو إسرائيل " في قوم موسى، عطفاً على " قوم نوح "؟! لأن قوم موسى لم يكذِّبوه، بل غيرهم وهم القِبْطُ، أو الإِبهامُ في بناءِ الفعل للمفعول، للتفخيم والتعظيم، أي وكُذِّبَ موسى أيضاً مع وضوح آياته، وعظَم معجزاته، فما ظنُّك بغيره؟ ١٥ - قوله تعالى: (فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ

стр. 383

ظَالِمَةٌ. .) . قال ذلك هنا، وقال بعدُ: " وَكأيِّنْ مِنْ قريةٍ أمْلَيت لَهَا وهِيَ ظَالِمَةٌ " موافقةً لما قبلهما، إذْ ما هنا تقدَّمه معنى الإِهلاك بقوله " فأمليتُ للَّذينَ كفرُوا ثُمَّ أخذتهم " أي أهلكتُهم. وما بعدُ تقدَّمه " ويَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذابِ " وهو يدلُّ على أن العذاب لم يأتهم في الوقت، فحسُن ذكر الإهلاك في الأول، والِإملاء - أي التأخير - في الثاني. ١١ - قوله تعالى: (فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القلوبُ الَّتي في الصُّدُورِ) . إن قلتَ: ما فائدة ذلك، مع أن القلوب لا تكون إلاَ في الصدور؟! قلتُ: فائدتُه المبالغةُ في التأكيد، كما في قوله تعالى: " يَقُولونَ بِأَفْوَاهِهمْ ". أو القلبُ هنا بمعنى العقل، كما قيل به في قوله تعالى " إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لمنْ كانَ لهُ قلبٌ " أي عقلٌ، ففائدة التقييد الاحترازُ عن القول الضعيف، بأن

стр. 384

العقل في الدماغ. ١٢ - قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ. .) الآية. الرسولُ: إنسانٌ أوحي إليه بشرع وأمرَ بتبليغه. والنبيُّ: إنسانٌ أوحي إليه بشرعٍ وإن لم يؤمر بتبليغه، فهو أعمُّ من الرسول. ١٣ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بَأنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ البَاطِلُ. .) الآية. قاله هنا بتأكيده بـ " هو " وقاله في لقمان بدونه، لموافقةِ كلٍّ منهما ما قبله وما بعده، لأن ما هنا تقدَّمه تأكيداتٌ، بعضها ب " أَنَّ " وبعضها باللّاَم، وبعضُها بهما، بخلافه ثَمَّ، ولهذا قال هنا: " وَإنَّ اللَّهَ

стр. 385

لَهُوَ الغَنِيُّ الحميدُ " وقال ثَمَّ: " إِنَّ اللَّهَ هو الغنيُّ الحميد ". ١٤ - قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ. .) . إن قلتَ: كيف لا حرج فيه مع أنَّ في قطع يدٍ بسرقة ربع دينار، ورجم محصنٍ بزنى مرَّة، ووجوب صوم شهرين متتابعين، بإِفساد يومٍ من رمضان بِوَطْءٍ، ونحو ذلك حَرَجاً؟! قلتُ: المرادُ بالدين: التوحيدُ، ولا حرج فيه بل فيه تخفيفٌ، فإِنه يُكفِّر ما قبله من الشرك وإن امتدَّ، ولا يتوقف الِإتيانُ به على زمانٍ أو مكان معيَّنٍ. أو أن كلَّ ما يقع الِإنسانُ فيه من المعاصي، يجد له مخرجاً في الشرع، بتوبةٍ، أو كفارةٍ، أو رخصة، أو المرادُ نفيُ الحرج الذي كان في بني إسرائيل. (١) " تَمَّتْ سُورَةُ الحج "

стр. 386

سورة المؤمنون ١ - قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتونَ) . إِن قلتَ: لم أكَّده باللَّام، دون قوله بعده " ثُمَّ إِنّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثونَ " مع أن المذكورين ينكرون البعث دون الموت؟ قلتُ: لما كان العطفُ ب " ثُمَّ "، المحتاج إليه هنا يقتضي الاشتراك في الحكم، أغنى به عن التأكيد باللَام. ٢ - قوله تعالى: (ولَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكلُون) . قاله هنا بالجمع وبالواو، وقال في الزخرف " لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منها تأكلون " بالِإفراد وحذفِ الواو، موافقةً لما قبلهما، إذ ما هنا تقدمت " جنَّاتٌ "

стр. 387

بالجمع، وما بعد الواو ومعطوفٌ على مقدَّر تقديرُه: منها تدَّخرون، ومنها تأكلون، وما في الزخرف تقدَّمت جنَّة بالتوحيد في قوله " وتلك الجنة " وليس في فاكهة الجنة الأكلُ، فناسبَ الجمعُ والواوُ هنا، والِإفرادُ وحذفُ الواو " ثَمَ ". ٣ - قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ. .) . المرادُ بها: شجرة الزيتون. فإِن قلتَ: لمَ خصَّها بطور سيناء، مع أنها تخرج من غيره أيضاً؟! قلت: أصلُها منه ثمَّ نُقِلتْ إلى غيرهِ. ٤ - قوله تعالى: (فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلّاَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. .) الآية. قال ذلك هنا بتقديم الصِّلةِ على قومه، وقال بعدُ بالعكس. لأنه اقتصر هنا في صلة الموصول على الفعل والفاعل، وفيما بعدُ طالت فيه الصِّلة، بزيادة العطف على الصِّلةِ مرَّةً بعد أخرى، فقدَّم عليها " مِنْ قَوْمِهِ " لأن تأخيرَه عن المفعولِ ملبِّسٌ، وتوسيطه بينه وبين ما قبله رَكِيكٌ.

стр. 388

٥ - قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَلزَلَ مَلَائِكَةً. .) الآية. قاله هنا بلفظ " الله " وفي فصِّلت بلفظ ربُّنا، موافقةً لما قبلهما، إذْ ما هنا تقدَّمه لفظ " الله " دون " ربنا " وما في فصِّلت تقدَّمه لفظ الربّ في " ربِّ العالمين " سابقاً على لفظ " الله " فناسبَ ذكر " الله " هنا، وذكرُ الرَّبِّ ثم. ٦ - قوله تعالى: (فبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) . قاله هنا بالتعريف، وقال بعدُ: " فبُعْداً لقومٍ لا يؤمنون " بالتنكير، لأن الأول لقوم " صالح " بقرينة قولِه: " فأخذتْهُمُ الصَّيحةُ " فعرَّفهم تعريف عهدٍ، ونكَّر الثاني لخلوِّه عن قرينة تقتضي تعريفه، وموافقةً لتنكير ما قبله، وهو " قروناً آخرين ". @ - قوله تعالى: (وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) . قاله هنا بلفظ " عَليمٌ " وفي سبأ بلفظ " بَصِير " مناسبةً لما قبلَهما، إذْ ما هنا تقدَّمه آيتا الكتاب، وجعل

стр. 389

" مريم " وابنها آية، والعلمُ بهما أنسبُ من بصرهما، وما هناكَ تقدَّمه قوله " وألنَّا له الحديدَ " والبصرُ بإِلانة الحديد أنسبُ من العلم بها. ٨ - قوله تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) . نزل في كفار مكة، والمرادُ بالحقِّ التوحيدُ. فإِن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنهم كلَّهم كانوا كارهينَ للتوحيد؟ قلتُ: كان منهم من ترك الِإيمان به، أَنَفَةً وتكبُّراً من توبيخ قومهم، لئلا يقولوا: ترك دين آبائه، لا كراهةً للحقِّ، كما يُحكى عن أبي طالبٍ وغيره. ٩ - قوله تعالى: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) ، أي من قبل البعث، قاله هنا بتأخير " هَذَا " عمَّا قبله. وقاله في النمل بالعكس، جرياً على القياس هنا، من تقديم المرفوع على المنصوب، وعَكَسَ ثمَّ بياناً لجواز تقديم المنصوب على المرفوع، وخصَّ ما هنا

стр. 390

بتأخير " هذا " جرياً على الأصل بلا مقتضٍ لخلافه، وما هناك بتقديمه اهتماماً به من منكري البعث، ولهذا قالوا بعدُ (إِنْ هَذَا إِلّاَ أَساطِيرُ الأَولِينَ) . ١٥- قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ لله. .) . قاله هنا بلفظ " لله "، وبعدُ بلفظ " الله " (١) مرتين، لأنه في الأول وقع في جواب مجرورٍ باللام في قوله " قلْ لِمَنِ الأرض " فطابَقَه بجرِّه باللام، بخلاف ذلك في الأخيرين، فإِنهما إنما وقعا في جوابٍ مجردٍ عن اللام. ١١ - قوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) ، ذكره بعد قوله (قد كانت آياتي تُتْلى عليكم) لأن ذاك في الدنيا عند نزول العذاب، وهو " الجدْبُ " عند بعضهم، ويوم بدرٍ عند بعضهم. وهذا في الآخرة وهم في الجحيمِ، بدليل قوله (رَبَّنَا أخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون) . " تَمَّتْ سُورَةُ المؤمنون "
следующие страницы →