Полный текст (633 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
سورة المؤمنون
١ - قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتونَ) .
إِن قلتَ: لم أكَّده باللَّام، دون قوله بعده " ثُمَّ إِنّكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ تُبْعَثونَ " مع أن المذكورين ينكرون البعث دون الموت؟
قلتُ: لما كان العطفُ ب " ثُمَّ "، المحتاج إليه هنا يقتضي الاشتراك في الحكم، أغنى به عن التأكيد باللَام.
٢ - قوله تعالى: (ولَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكلُون) . قاله هنا بالجمع وبالواو، وقال في الزخرف " لكم فيها فاكهةٌ كثيرةٌ منها تأكلون " بالِإفراد وحذفِ الواو، موافقةً لما قبلهما، إذ ما هنا تقدمت " جنَّاتٌ "
стр. 387
بالجمع، وما بعد الواو ومعطوفٌ على مقدَّر تقديرُه: منها تدَّخرون، ومنها تأكلون، وما في الزخرف تقدَّمت جنَّة بالتوحيد في قوله " وتلك الجنة " وليس في فاكهة الجنة الأكلُ، فناسبَ الجمعُ والواوُ هنا، والِإفرادُ وحذفُ الواو " ثَمَ ".
٣ - قوله تعالى: (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ. .) . المرادُ بها: شجرة الزيتون.
فإِن قلتَ: لمَ خصَّها بطور سيناء، مع أنها تخرج من غيره أيضاً؟!
قلت: أصلُها منه ثمَّ نُقِلتْ إلى غيرهِ.
٤ - قوله تعالى: (فَقَالَ المَلأُ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلّاَ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ. .) الآية.
قال ذلك هنا بتقديم الصِّلةِ على قومه، وقال بعدُ بالعكس. لأنه اقتصر هنا في صلة الموصول على الفعل والفاعل، وفيما بعدُ طالت فيه الصِّلة، بزيادة العطف على الصِّلةِ مرَّةً بعد أخرى، فقدَّم عليها " مِنْ قَوْمِهِ " لأن تأخيرَه عن المفعولِ ملبِّسٌ، وتوسيطه بينه وبين ما قبله رَكِيكٌ.
стр. 388
٥ - قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَلزَلَ مَلَائِكَةً. .) الآية. قاله هنا بلفظ " الله " وفي فصِّلت بلفظ ربُّنا، موافقةً لما قبلهما، إذْ ما هنا تقدَّمه لفظ " الله " دون " ربنا " وما في فصِّلت تقدَّمه لفظ الربّ في " ربِّ العالمين " سابقاً على لفظ " الله " فناسبَ ذكر " الله " هنا، وذكرُ الرَّبِّ ثم.
٦ - قوله تعالى: (فبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) .
قاله هنا بالتعريف، وقال بعدُ: " فبُعْداً لقومٍ لا يؤمنون " بالتنكير، لأن الأول لقوم " صالح " بقرينة قولِه: " فأخذتْهُمُ الصَّيحةُ " فعرَّفهم تعريف عهدٍ، ونكَّر الثاني لخلوِّه عن قرينة تقتضي تعريفه، وموافقةً لتنكير ما قبله، وهو " قروناً آخرين ".
@ - قوله تعالى: (وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) .
قاله هنا بلفظ " عَليمٌ " وفي سبأ بلفظ " بَصِير " مناسبةً لما قبلَهما، إذْ ما هنا تقدَّمه آيتا الكتاب، وجعل
стр. 389
" مريم " وابنها آية، والعلمُ بهما أنسبُ من بصرهما، وما هناكَ تقدَّمه قوله " وألنَّا له الحديدَ " والبصرُ بإِلانة الحديد أنسبُ من العلم بها.
٨ - قوله تعالى: (بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ) . نزل في كفار مكة، والمرادُ بالحقِّ التوحيدُ.
فإِن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنهم كلَّهم كانوا كارهينَ للتوحيد؟
قلتُ: كان منهم من ترك الِإيمان به، أَنَفَةً وتكبُّراً من توبيخ قومهم، لئلا يقولوا: ترك دين آبائه، لا كراهةً للحقِّ، كما يُحكى عن أبي طالبٍ وغيره.
٩ - قوله تعالى: (لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ) ، أي من قبل البعث، قاله هنا بتأخير " هَذَا " عمَّا قبله.
وقاله في النمل بالعكس، جرياً على القياس هنا، من تقديم المرفوع على المنصوب، وعَكَسَ ثمَّ بياناً لجواز تقديم المنصوب على المرفوع، وخصَّ ما هنا
стр. 390
بتأخير " هذا " جرياً على الأصل بلا مقتضٍ لخلافه، وما هناك بتقديمه اهتماماً به من منكري البعث، ولهذا قالوا بعدُ (إِنْ هَذَا إِلّاَ أَساطِيرُ الأَولِينَ) .
١٥- قوله تعالى: (سَيَقُولُونَ لله. .) .
قاله هنا بلفظ " لله "، وبعدُ بلفظ " الله " (١) مرتين،
لأنه في الأول وقع في جواب مجرورٍ باللام في قوله " قلْ لِمَنِ الأرض " فطابَقَه بجرِّه باللام، بخلاف ذلك في الأخيرين، فإِنهما إنما وقعا في جوابٍ مجردٍ عن اللام.
١١ - قوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ) ، ذكره بعد قوله (قد كانت آياتي تُتْلى عليكم) لأن ذاك في الدنيا عند نزول العذاب، وهو " الجدْبُ " عند بعضهم، ويوم بدرٍ عند بعضهم.
وهذا في الآخرة وهم في الجحيمِ، بدليل قوله (رَبَّنَا أخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُون) .
" تَمَّتْ سُورَةُ المؤمنون "
стр. 391
سُورة النُّور
١ - قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مائَةَ جَلْدَةٍ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ قدَّم المرأةَ في آيةِ " حدِّ الزنى " وأُخّرتْ في آيةِ " حدِّ السرقة "؟
قلتُ: لأن الزِّنى إنما يتولد من شهوةِ الوقاع، وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسَّرقةُ إنما تتولَّد من الجسارة، والقوَّة، والجرأة، وهي من الرجل أقوى وأكثر.
فإِن قلتَ: فلمَ قدَّم الرجل في قوله تعالى (الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً) ؟
قلتُ: لأن تلك الآية في الحدِّ، والمرأةُ هي الأصلُ فيه لما مرَّ، وهذه الآيةُ في حُكم النكاح، والرجلُ هو الأصل فيه، لأنه الراغبُ والبادرُ في الطلب، بخلاف
стр. 392
الزّنى فإِن الأمر فيه بالعكس غالباً.
٢ - قوله تعالى: (وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ) كرَّره لاختلاف الأجوبة فيه. إذْ جوابُ الأوّل محذوفٌ تقديره: لفضحكم.
وجوابُ الثاني قوله " لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيم ".
وجواب الثالثِ محذوفٌ تقديره: لعجَّل لكم العذابَ.
وجوابُ الرابعِ " ما زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ أَبَداً ".
٣ - قوله تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: ما فائدةُ ذكرِ " مِنْ " في غضِّ البصرِ ما دون حفظِ الفرج؟
قلتُ: فائدتُهُ الدلالةُ على أن حكم النظر أخفُّ من حكم الفرج ما إذْ يحلُّ النظر إلى بعضِ أعضاء المحارمِ، ولا يحلُّ شيءٌ من فروجهنَّ.
стр. 393
٤ - قوله تعالى: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلّاَ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ تركَ ذكر الأعمام والأخوالِ، مع أنَّ حكمَهما حكم من استُثْني؟
قلتُ: تركهما كما ترك محرَّم الرضاع، أو لفهمهما من بني الِإخوان وبني الأخوات، بالأَوْلى أو بالمساواة.
والجوابُ - أنه لم يُذكر من المستثنى، إِلَّا من اشترك هو وابنُه في المحرميَّةِ، لأنَّ من لم يشاركه ابنُه فيها، كالعمِّ والخال، قد يَصِفُ محرمَه عند ابنه، وهو ليس بمحْرَمِ لها، فيُفْضي إلى الفتنةِ - نُقِضَ بأن إفضاءَ الفتنةِ، َ يأتي في " آباء بعولتهنَّ " فقد يذكرُ أبو البعلِ، محْرمَه عند ابنه الآخر، وليس بمحرم لها.
٥ - قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن إكراههنَّ على الزنى حرامٌ، وإِنْ لم يُردْنَ التحصُّنَ؟
قلتُ: الشرط هنا لا مفهوم له، لخروجه مخرج
стр. 394
الغالب منْ أنَّ إكراههنَّ إنما يكون مع إرادتهنّ التحصًّنَ، ولوروده على سبب، وهو أن الجاهلية كانوا يُكرهون إماءَهم على الزنى، مع إرادتهنَّ التحصنِ، أو أنَّ " إنْ " بمعنى " إذْ " كما في قوله تعالى: " وَذرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ " وقَوْلِهِ: " وأنتمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ".
٦ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ. .) .
قاله هنا بذكرِ الواوِ، و " إليكمْ " وقاله بعدُ بحذفهما، لأن اتصال ما هنا بما قبله أشدًّ؟ إذ قوله بعدُ " ومَوْعِظَةً للمتَّقِينَ " مصروفٌ الى الجُمَل السابقة من قوله: " وَلْيَسْتَعْفِف الّذينَ لا يجدونَ نكاحاً " إلى آخره، وفيه معطوفان بالواو، فناسبَ ذكرُها العطف، وذكرَ " إليكم " ليُفيد أنّ الآياتِ المبيِّناتِ، نزلتْ في المخاطبينَ في الجُمَل السَّابقة، وما ذُكِرَ بعدُ خالٍ عن ذلك، فناسبَهُ الاستئنافُ والحذفُ.
٧ - قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ..) الآية، أي مثل صفةِ نورِه
стр. 395
تعالى، كصفةِ نور مِشْكاةٍ فيها مصباحٌ، المصباحُ في " زُجَاجَةٍ " هي القنديل، والمصباحُ: الفتيلةُ الموقودةُ، والمشكاةُ: الأنبوبةُ في القنديل، فصار المعنى: كمثل نور مصباحٍ، في مشكاةٍ، في زجاجة.
فإِن قلتَ: لمَ مثَّل الله نورَه - أي معرفته - في قلب المؤمنِ، بنور المصباح دون نور الشمس، مع أن نورها أتمُ؟
قلتُ: لأن المقصود تمثيلُ النور في القلب، والقلبُ
في الصَّدْرِ، والصَّدرُ في البدن، كالمصباحِ، والمصباحُ في الزجاجةِ، والزجاجة في القنديل.
وهذا التمثيلُ لا يستقيم إِلَّا فيما ذُكر، ولأن نور المعرفة له آلاتٌ يتوقَّفُ هو على اجتماعها، كالذّهنِ، والفهم، والعقل، واليقظة، وغيرها من الصفات الحميدة، كما أنَّ نور القنديل، يتوقف على اجتماع القنديل، والزيتِ، والفتيلة وغيرها، أو لأن نور الشمس يُشرقُ متوجهاً إلى العالم السُّفلي، ونور المعرفةِ يُشرق متوجهاً إلى العالم العُلْوي، كنور المصباح.
ولكثرةِ نفع الزيتِ وخلوصهِ عمَّا يخالطه غالباً، وقعَ التشبيهُ في نوره دون نور الشمس، مع أنه أتمُّ من نور المصباح.
стр. 396
٨ - قوله تعالى: (رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ. .) .
إن قلتَ: لمَ عطفَ البيعَ على التجارة مع شمولها له؟
قلتُ: لأن التجارة هي التصرُّف في المال لقصد الربح، والبيعُ أعمُّ من ذلك، فَعَطَفه عليها لئلا يُتوهم القصورُ على بيع التجارة.
أو أُريد بالتجارة؟ الشراءُ لقصد الربح، وبالبيع: البيعُ مطلقاً.
٩ - قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ. .)
إن قلتَ: لمَ خصَّ الدابة بالذِّكْرِ، مع أن عْيرها مثلها، كما شمله قوله في الأنبياء: " وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِكُل شَيْءٍ حَيٍّ ".
قلتُ: لأن القدرة فيها أظهرُ وأعجَبُ منها في غيرها.
١٥ - قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَنْ يَمْشِي عَلَى
стр. 397
أربع ... ) .
فيه مجازُ التغليبِ، حيثُ استعمل " مَنْ " وهي لمن يعقلُ فى غيره، لوقوعه تفصيلاً لما يعمُّهما وهو " كلّ دابة ".
وفيه أيضاً: مجازُ التشبيه، إذْ إسنادُ ما ذُكر إلى الحيَّة، زحفٌ لا مَشْيٌ، لكنَّه يشبهه في السَّيْر.
١١ - قوله تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنْكُم. .) .؟
إن قلتَ: كيف أمرَ الله تعالى بالاستئذانِ لهم، مع أنهم غير مكلَّفين؟
قلتُ: الأمرُ في الحقيقة لأوليائهم ليؤدِّبوهم.
١٢ - قوله تعالى: (وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا.) الآية.
ختمها بقوله " كذلك يُبيِّنُ الله لكمُ آياتِهِ " بالإضافة إليه.
وختم ما قبلها وما بعدها بقوله " كذلِكَ يُبيِّن الله لكم الآياتِ " بالتعريف ب " أل " لأنهما يشتملان على علاماتٍ
стр. 398
يمكننا الوقوف عليها، وهي في الأول " مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحينَ تَضَعونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ ".
وفي الأخيرة " مِنْ بُيُوتِكُمْ أو بُيُوتِ آبائِكُمْ أو بُيُوتِ أُمَّهَاتكُمْ " الآية.
فختم الآيتين بقوله " كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لكُمُ الآيات "
وأمَّا بلوغُ الأطفالِ، فلم يُذكر له علاماتٌ يمكننا الوقوف عليها، بل تفرَّد تعالى بعلمه بذلك، فخصَّها بقوله " كَذَلِكَ يُبيِّن الله لكُمْ آياتِهِ " بالِإضافة إليه.
١٣ - قوله تعالى: (وَالقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاَّتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً..) الآية.
إن قلتَ: كيف أباح تعالى بذلك للقواعد من النساء - وهنَّ العجائزُ - التجرُّدَ من الثياب بحضرة الرجال؟!
قلتُ: المرادُ بالثيابِ الزائدةُ على ما يسترهنَّ، وسُمِّيتِ العجوزُ قاعداً لكثرة قعودها قاله ابن قتيبة.
١٤ - قوله تعالى: (وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكلُوا مِنْ
стр. 399
بُيُوتِكُمْ. .) الآية، أي من بيوتِ أولادكم وعيالكم، وإِلَّا فانتفاء الحَرَج عن أكلِ الِإنسانِ من بيته معلومٌ.
١٥ - قوله تعالى: (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. .) الآية، أي قولوا: السلامُ - أي من الله - علينا وعلى عبادِ الله الصالحين، فإِنَّ الملائكة تردُّ عليكم، هذا إن لم يكن بها أحدٌ، وإِلا فقولوا: السلامُ عليكم.
١٦ - قوله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أمرِه. .) الآية.
إن قلتَ: كيف عدَّى خالف ب " عَنْ " مع أنه يتعدَّى بنفسه؟!
قلتُ: ضَمّن ب " خَالَفَ " معنى " يُعرضُ " أو " يعدلُ " فعدَّاه تعديتَه، أو عن متعلَّقٍ بمحذوفٍ تقديره: أو ويعدلون عن أمره، أو هي زائدة على قول الأخفش.
" تَمَّتْ سُورَةُ النور "
стр. 400
سورة الفرقان
١ - قوله تعالى: (تَبَارَكَ إلَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) . " تبارك " هذه كلمةٌ لا تُستعمل إِلَّا لله بلفظ الماضي، وذُكرت في هذه السورة في ثلاثة مواضع تعظيماً لله تعالى.
وخُصَّتْ مواضُعها بذكرها، لِعظَم ما بعدها.
الأول: ذكرُ الفرقان وهو القرآنُ، المشتملُ على معاني جميع كتبِ الله.
والثاني: ذكرُ النبي ﷺ ومخاطبةِ الله له فيه، وروي (١) : " لولاك يا محمدُ ما خَلقتُ الكائناتِ ".
والثالث: ذكرُ البروج، والشمس، والقمر، والليل
стр. 401
والنهار، ولولاها لما وُجد في الأرض حيوان ولا نباتٌ.
٢ - قوله تعالى: (وَخَلَقَ كلَّ شَيْءٍ فَقَدَّره تَقْدِيراً)
إن قلتَ: الخلقُ هو التقديرُ، ومنه قوله تعالى " وإِذْ تخلُقُ من الطِّينِ " فكيف جمع بينهما؟
قلتُ: الخلقُ من الله هو الِإيجادُ، فصحَّ الجمعُ بينه وبين التقدير، ولو سُلِّم أنه التقديرُ، فساغ الجمعُ بينهما لاختلافهما لفظاً، كما في قوله تعالى: " أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ " -.
٣ - قوله تعالى: (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. .) الآية.
قاله هنا بالضمير " مِنْ دونه " وقاله في مريم، ويسَ بلفظ " الله " موافقةً لما قبله في المواضع الثلاثة.
٤ - قوله تعالى: (وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعاً. .) . قدَّم الضرَّ على النفع لمناسبة ما بعده، من تقديم الموت على الحياة.
стр. 402
٥ - قوله تعالى: (أَمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيراً) .
إن قلتَ: كيف قال في وصف الجنة ذلك، مع أنها لم تكن حينئذٍ جزاءً ومصيراً؟
قلتُ: إنما قال ذلك، لأن ما وعد الله به، فهو فىِ تحقّقه كأنه قد كان. أو أنه كان في اللوح المحفوظ، أنَّ الجنة جزاؤُهم ومصيرُهم.
٦ - قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً) .
إِن قلتَ: لمَ أخَّر " هَوَاهُ " مع أنه المفعولُ الأول؟
قلتُ: للعناية بتقديم الأول كقوله: علمتُ فاضلاً زيداً.
٧ - قوله تعالى: (لِنُحْييَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَاماَ وَأَنَاسِيَّ كثِيراً) .
ذكر الصفة مع أن الموصوف
стр. 403
مؤنَّثٌ، نظراً إلى معنى البلدة وهو المكان، لا إلى لفظها، والسرُّ فيه تخفيف اللفظ.
وقدَّم في الآية إحياءَ الأرضِ، وسقيَ الأنعامِ، على سقي الأناسيّ، لأن حياة الأناسيّ بحياة أرضهم وأنعامهم، فقدَّم ما هو سببُ حياتهم ومعاشهم، ولأن سقْيَ الأرضِ بماء المطرِ، سابقٌ فِي الوجود على سقي الأناسيّ.
٨ - قوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ منْ دُونِ الله مَا لَا يَنْفَعُهُم وَلَا يَضُرُّهُمْ. .) الآية، قدَّم النفع على الضُّرِّ، موافقةَ لقوله قبل " هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أجاج ".
٩ - قوله تعالى: (قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) ، أي ما أسألكم على إبلاع ما أنزل عليَّ من أجرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتخِذَ إِلى رَبه) أي إلى ثوابه سَحبِيلاً أي فأنا أدله على ذلك، فهو استثناءٌ منقطع.
وأمَّا الاستثناءُ في قوله تعالى: (قُلْ لا أَسأَلكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا المَوَدَّةَ في القُرْبى) فمنسوخ بقوله تعالى: (قل ما سألتكُمْ مِن أجْرٍ فهُوَ لكمْ إِنْ أَجْريَ إِلَّا عَلَى الله) على ما
стр. 404
روى ابن عباس ﵄.
أو هو استثناءٌ منقطعٌ كما عليه المحققون تقديره: لكِنِّي أذكّركم المودَّة في القربى.
١٠ - قوله تعالى: (وَالَّذِين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً) ، لم يقل " أئمة " رعايةً للفواصل، أو تقديرُه: واجعل كلَّ واحدٍ منا إماماً.
١١ - قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً) ، جمع بين التحية والسلام، مع أنهما بمعنى لقوله تعالى " تحيتُهُمْ يوم يلقونه سلامٌ " ولخبرِ " تحيةُ أهلِ الجنة في الجنة السلام " لأن المراد هنا بالتحية: سلامُ بعضِهم على بعض، أو سلامُ الملائكة -، وبالسَّلامِ سلام الله عليهم لقوله تعالى (سلاَمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمً) .
أو المرادُ بالتحية إكرامُ الله لهم بالهدايا والتُّحف، وبالسلام سلامه عليهم بالقول، ولو سُلِّم أنهما بمعنى، فساغ الجمَعُ بينهما، لاختلافهما لفظاً كما مرَ نظيره.
" تَمَّتْ سُورَةُ الفرقان "
стр. 405
سورة الشعَراء
١ - قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) .
كرَّره في ثمانية مواضع، أولها في قصة موسى، ثم إبراهيم، ثم نوح، ثم هود، ثم صالح، ثم لوط، ثم شعيب، ثم في ذكر نبينا محمد ﷺ وإِن لم يذكر صريحاً.
٢ - قوله تعالى: (فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ) .
إن قلتَ: كيف أفرد " رسولُ " مع أنه خبر متعدِّد، والقياسُ رَسُولا كما في طه؟
قلتُ: الرسول بمعنى الرسالة، وهي مصدر يُطلق على المتعدد وغيره.
стр. 406
أو تقديره: كلُّ واحدٍ منَّا رسولُ ربِّ العالمين.
أو أفرده نظراً إلى موسى لأنه الأصلُ، وهارونُ تَبَعٌ له.
٣ - قوله تعالى: (قَالَ فَعَلْتُهَا إِذاً وَأَنا مِنَ الضَّالِّينَ) .
إن قلتَ: كيف قال موسى " وأنا من الضَّالين " والنبيُّ لا يكونُ ضالّاً؟
قلتُ: أراد به وأنا من الجاهلين، أو من الناسين كقوله تعالى: (أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحداهُمَا الأخرَى) .
أو من المخطئين لا من المتعمدين، كما يُقال:
ضلَّ عن الطريق إذا عدل عن الصواب إلى الخطأ.
٤ - قوله تعالى: (قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِينَ) .
стр. 407
لم يقل فرعون: " ومنْ ربُّ العالمينَ " لأنه كان منكراً لوجود الربِّ، فلا يُنْكَر عليهِ التعبيرُ ب " مَا ".
٥ - قوله تعالى: (قَالَ رَبُّ السَّموَاتِ وَالَأرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كنْتُمْ مُوقِنِينَ) .
إن قلتَ: كيف علَّق كونه ربُّ السموات والأرضِ،
بكونِ فرعون وقومِه كانوا موقنين، مع أن هذا الشرط منتفٍ، والرُّبوبيةُ ثابتةٌ؟!
قلتُ: معناه إن كنتم موقنين أن السمواتِ والأرضَ موجوداتٍ، وهذا الشرطُ موجود، و " إِن " نافية لا شرطيَّة.
فإِن قلتَ: ذكرُ السمواتِ والأرض مستوعبٌ جميعَ المخلوقاتِ، فما فائدة قولهِ: " ربُّكُمْ وربُّ آبائكمُ الأوَّلين "؟ وقولِهِ " ربُّ المشرقِ والمغرب "؟!
قلتُ: فائدتهما تمييزُهما في الاستدلال على وجود الصَّانع.
أما الأول: فإِن أقربَ ما للِإنسان نفسُه، وما يشاهده
стр. 408
من تغييراته، وانتقاله من ابتداء ولادته.
وأمِّا الثاني: فلِمَا تضمِّنه ذكرُ المشرقِ والمغربِ وما بينهما، من بديع الحكمة في تصريف الليل والنهار، وتغيير الفصولِ بطلوع الشمس من المشرق، وغروبها في المغرب، على تقديرٍ مستقيم في فصول السنة.
فإِن قلتَ: لمَ قال أوَّلاً (إن كنتُمْ مُوقِنينَ) وثانياً (إنْ كنتُمْ تَعْقِلُونَ) ؟
قلتُ: لاطَفَهم أولاً بقوله " إنْ كنتُم مُوقِنينَ " فلما رأى عنادهم خاشنَهم بقوله " إنْ كنتُمْ تَعْقِلُون " وعَارَضَ بِهِ قولَ فرعون (إِنَّ رسُولَكُمُ الّذي أرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) .
٦ - قوله تعالى: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِتهاً غَيْرِي لأجْعَلَنَّكَ مِنَ المَسْجُونِينَ) .
إن قلت: لمَ عَدَلَ إليه عن " لأسجُنَنَّك " مع أنه أخصرُ منه؟
قلتُ: لِإرادةِ تعريف العهد، أي لأجعلنك ممِّنْ عُرفتْ حالُهم في سجني - وكان إذا سجن إنساناً طرَحه
стр. 409
في هوَّةٍ عميقة مظلمة، لا يُبصر فيها ولا يسمع -.
٧ - قوله تعالى: (قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) .
قاله هنا بحذف لام التأكيد، وفي الزخرف بإِثباتها، لأنَّ ما هنا كلامُ السَّحرة حين آمنوا، ولا عمومَ فيه فناسب عدم التأكيد، وما في الزخرف عامٌّ لمن ركب سفينةً أو دابةً، فناسبَه التأكيدُ.
٨ - قوله تعالى: (فَلَمَّا تَرَاءَى الجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) .
إن قلتَ: قضيَّتُه أنَّ كُلَّ جمعٍ منهما رأى الآخرِ، لأن التَّراءي تفاعلٌ، مع أَنَّ كلَاَ منها لم يرَ الآخر (١) ، لأن الله تعالى أرسل غيماً أبيضَ، فحال بينهما حتى منع الرؤية؟
قلتُ: التراءي يُستعمل بمعنى التقابل، كما في خبرِ
" المؤمنُ والكافر لا يتراءيان " أي لا يُدانيان ولا يتقابلان.
стр. 410
٩ - قوله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لأَبيه وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ)
قاله في قصة إبراهيم هنا بدون ذكر " ذا " وفي " والصافات " بذكره، لأن " ما " لمجرد الاستفهام، فأجابوا بقولهم " قالوا نعبد أصناماً " و " ماذا " فيه مبالغة، لتضمنه معنى التوبيخ، فلما وبَّخهم ولم يجيبوه، زاد على التوبيخ فقال: (أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ. فمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ العَالَمينَ) فذكر في كل سورةٍ ما يناسب ما ذُكر فيها.
١٥ - قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ) .
زاد " هو " عقِبَ الذي في الِإطعام والسقي، لأنهما ممَّا يصدران من الإِنسان عادةً، فيُقال: زيدٌ يُطعِم ويسقي، فذكر " هو " تأكيداً إعلاماً بأن ذلك منه تعالى، لا من غيره، بخلاف الخلْقِ، والموت، والحياة، لا تصدر من غير الله. . ويجوز في " الذي خلقني " النصبُ، نعتاً لربِّ العالمين، أو بدلًا، أو عطف بيانٍ، أو بإِضمار أعني. . والرفعُ خبراً لضمير " الذي " أو مبتدأ خبرُه الجملةُ بعده،
стр. 411
ودخلتْ عليه الفاء على مذهب الأخفش، من جواز دخولها على خبر المبتدأ نحو: زيدٌ فاضربه، وقيل: دخلت عليه لما تضمَّنه المبتدأ من معنى الشرط لكونه موصولَاَ، ورُدَّ بأن الموصول هنا معيَّنٌ لا عامٌّ.
وقوله (وَإِذَا مَرِضْتُ) ولم يقل: أمرضني، كما قال قبله: " خلقني، ويهدين " لأنه كان في معرِض الثناء على الله تعالى، وتعدادِ نعمه، فأضاف ذَيْنِكَ إليه تعالى، ثم أضاف المرض إلى نفسه تأدباً مع الله تعالى، كما في قول الخضر " فأردتُ أن أعيبها " وإِنما أضاف الموت إلى الله تعالى في قوله " والَّذي يميتُني " لكونه سبباً لِلِقائِه الذي هو من أعظم النِّعم.
١١ - قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونٌ. إِلَّا مَنْ أَتَى اللهَ بقلبِ سَلِيمٍ) ، فينفعه مالُه الذي أنفقه في الخير، وولدُه الصَالح بدعائه، كما جاء في خبر " إذا ماتَ ابن آدمَ انقطع عمله إلا من ثلاثٍ: صدقةٍ جارية، أوعلمٍ يُنتفعُ به، أو ولدٍ صالح يدعو له " (١) .
١٢ - قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) أي قُرِّبتْ.
стр. 412
فإِن قلتَ: كيف قُرِّبت مع أنها لم تنتقل من مكانها؟
قلتُ: فيه قلبٌ أي وأزلف المتقون إلى الجنة، كما يقول الحاج إذا دنوا إلى مكة: قربت مكة منا.
١٣ - قوله تعالى: (فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ. وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ) ، جَمَع الشَّافعَ، وأفردَ الصَّديقِ، لكثرة الشفعاء عادةً وقلة الصديق، ولهذا قال الشافعي ﵁: ما في زمانِكَ من تَرْجُو مودَّتَه
ولا صَديقٍ إذا جارَ الزَّمانُ وَفَى
فعِشْ فَريداً ولا تَرْكَنْ إِلى أحَدٍ
هَا قَدْ نصحْتُكَ فيما قلْتُهُ وَكَفَى
١٤ - قوله تعالى: (ألاَ تَتَّقُونَ) . إِلى قوله: وَمَا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى رَبِّ العَالَمِين) ذُكر في خمسة مواضع: في قصة نوحٍ، وهودٍ،
وصالحً، ولوطٍ، وشعيب (١) .
١٥ - قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللهَ وَأطِيعُونِ) .
стр. 413
ذُكر مكرَّراً في ثلاثة مواضع: في قصة نوح، وهود، وصالح تأكيداً.
فإِن قلتَ: لمَ خُصتِ الثلاثةُ بالتأكيد، دون قصة لوطٍ، وشعيبٍ؟!
قلتُ: اكتفاءً عنه في قصة لوط بقوله: (قَالَ إِني لِعَمَلِكُمْ مِنَ القَالِينَ) وفي قصة شعيب بقوله: (واتَّقُوا الَّذي خَلَقَكُمْ والجِبِلَّةَ الأَوَّلِينَ) لاستلزامهما له.
١٦ - قوله تعالى في قصة صالح: (مَا أَنْتَ إِلَّا بشَرٌ مِثْلُنَا. .) .
قاله فيها بلا " واوٍ " وقاله في قصة شعيب بواوٍ.
لأنه هنا بدلٌ مما قبله، وثمَّ معطوف على ما قبله، وخُصَّتِ الأولى بالبدل، لأن صالحاً قلَّل في الخطاب، فقلَّلوا في الجواب.
وأكثرَ شعيب في الخطاب، فأكثروا في الجواب.
١٧ - قوله تعالى: (فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ. فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ) الآية.
стр. 414
إن قلتَ: كيف أخذهُم العذابُ بعدما ندموا على جنايتهم، وقد قال ﷺ : (النَّدَم توبةٌ)
قلتُ: ندمهم كان عند معاينة العذاب، وهي ليست وقت التوبة كما قال تعالى: (وليست التوبةُ للذين يعملون السيئات. .) الآية.
وقيل: كان ندمُهم ندم خوفٍ من العقاب العاجل، لا ندم توبة فلم تنفعهم.
١٨ - قوله تعالى: (يُلْقُونَ السَّمْعَ وأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) .
الضميرُ للأَفَّاكين وهم الكذَّابون.
فإِن قلتَ: كيف قال " أَكْثَرُهُمْ " بعدما حكَمَ بأنَّ كل أفَاكٍ أثيمٌ أي فاجرٌ؟!
قلتُ: الضمير في " أكثرُهُم " للشياطين، لا للأفاكين، ولو سُلِّم فالأفَّاكون هم الذين يكثرون الكذبَ، لا أَنهم الذين لا ينطقون إلّاَ بالكذب.
" تَمَّتْ سُورَةُ الشعراء "
стр. 415
سُورَة النَّمْل
١ - قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكتَابٍ مُبِينٍ) .
إن قلتَ: الكتابُ المبينُ هو القرآنُ، فكيف عطَفَه عليه، مع أن العطف يقتضي المغايرة؟!
قلتُ: المغايرةُ تصدق بالمغايرة لفظاً ومعنى، وباللفظ فقط، وهو هنا من الثاني، كما في قوله تعالى: (أُولَئِكَ عَليْهم صَلَواتٌ من ربِّهِمْ ورحمةٌ) .
أو المرادُ بالكتاب المبين: هو اللوحُ المحفوظ، وهو هنا من الأول.
فإِن قلتَ: لمَ قدَّم القرآنَ هنا على الكتاب، وعَكَسَ في الحِجْر؟
قلتُ: جرياً على قاعدة العرب في تفنُّنهم في الكلام.
стр. 416
٢ - قوله تعالى: (سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْآتِيكُمْ بِشهاب قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلونَ) .
فإِن قلتَ: كيف قال هنا ذلك، وفي طه " لعلّي آتيكُم " وأحدهما قَطْعٌ، والآخرُ ترجٍّ، والقضيَّةُ واحدة؟!
قلتُ: قد يقول الراجي إذا قويَ رجاؤه: سأفعلُ كذا، وسيكونُ كذا، مع تجويزه عدم الجزم.
٣ - قوله تعالى: (فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَن حَوْلَهَا. .) المرادُ بالنَّارِ عند الأكثرِ " النّورُ " وبمن فيها " موسى " ومن حولها " الملائكة " أو العكسُ، بأن باركَ الله من في مكان النور، ومنْ حوله ومكانه هو البقعة المباركة في قوله تعالى: (نودي من شاطىء الوادِ الأيمنِ في البقعة المباركة) وبارك يتعدَّى بنفسه كما هنا، وب " على " و " في " كما في قوله تعالى (وباركنا عليهِ وعَلَى إسْحَاقَ) وقوله (وبارَكَ فيها) .
٤ - قوله تعالى: (وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً) .
قاله هنا بدون ذكر " أن " وفي القصص بذكرها.
لأن ما هنا تقدَّمه فعل بعد " أنْ " وهو " بورك " فحسُنَ
стр. 417
عطفُ الفعل عليه، وما هناكَ لم يتقدمه فعلٌ بعد " أنْ " فذكرتْ " أنْ " لتكوت جملة " أن ألقِ عصاكَ " معطوفةً على جملة " أن يا موسى إنني أنا اللهُ ".
٥ - قوله تعالى: (يَا مُوسَى لاَ تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ المُرْسَلُونَ) .
قال ذلك هنا، وقال في القصص " يا مُوسَى أَقْبلْ ولا تخفْ إِنكَ مِنَ الآمِنينَ " بزيادة " أَقْبِلْ "، لأنَّ ما هنا بُني عليه كلامٌ يناسبه وهو " إني لا يخافُ لديَّ المرسلونَ " فناسبه الحذفُ، وما هناك لم يُبنَ عليه شيءٌ، فناسبه زيادة " أقبِلْ " جبراً له، وليكون في مقابلة " مدبراً " أي أقبلْ آمناً غير مدبرٍ، ولا تخفْ.
٦ - قوله تعالى: (إِنِّي لاَ يَخَافُ لَدَيَّ المرسلون. إِلاَّ مَنْ ظَلَمَ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف وجهُ صحة الاستثناءِ فيه، مع أن الأنبياءَ معصومون من المعاصي؟!
قلتُ: الاستثناءُ منقطعٌ، أي لكنْ من ظلم من غير الأنبياء فإِنه يخاف، فإِن تاب وبدَّل حسْناً بعد سوء فإِني غفورٌ رحيم، أو متصلٌ بحمل الظلم على ما يصدر من الأنبياء من تركِ الأفضل، أو " إِلّاَ " بمعنى " ولا " كما في
стр. 418
قوله تعالى: (لِئَلَّا يكُونَ للنَّاسِ عليكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الذينَ ظلموا) .
وإِنما خصَّ المرسلين بالذِّكر؟ لأن الكلام في قصة موسى - وكان من المرسلين - وإِلّا فسائر الأنبياء كذلك، وإِن لم يكن بعضهم رسلاً.
٧ - قوله تعالى: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غيْرِ سُوءٍ. .) .
قاله هنا بلفظ " أَذخِلْ " وفي القَصَص بلفظ " أُسلُكْ " لأن الِإدخال أبلغُ من السلوك، لأن ماضيه أكثر حروفاً من ماضي السلوك، فناسبَ " أَدْخِل " كثرة الآيات، في قوله " تخرجْ بيضاءَ من غيرِ سوءٍ في تسعِ آياتٍ " أي معها مرسلاً إلى فرعون، وناسب أسلك قلَّتها، وهي سلوك اليد، وضمُّ الجناح، المعبَّر عنهما بقوله (فَذَانِكِ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ ومَلئِهِ) .
٨ - قوله تعالى: (فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ) .
قاله هنا بلفظ " وقومه " وفي القصص بلفظ " وملائهِ " لأن الملأَ أشرافُ القوم، ولم يوصفوا ثَمَّ بما
стр. 419
وُصِف به القومُ هنا من قوله " فلما جاءتْهُمْ آياتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ وَجَحَدُوا بها. . " الآية فناسبَ ذكرُ القوم هنا، وذكر الملأَ ثَمَّ.
٩ - قوله تعالى: (وَأوتِينَا مِنْ كلِّ شَيْءٍ. .)
النُّونُ نونُ الجمعِ، عنى " سليمانُ " نفسَه وأباه، أو نونُ العظمة، مراعاةَ لسياسة المُلْك، لأنه كان ملكاً مع كونه نبياً.*
فإِن قلتَ: كيف سوَّى بينه في قوله " من كل شيء " وبين بلقيس في قول الهُدْهد: " وأوتيتْ مِنْ كُلَ شي "؟!
قلتُ: الفرقُ بينهما أنها أوتيتْ من كلِّ شىء من أسباب الدنيا فقط، لعطف ذلك على " تمْلِكُهم " وسْليمان أوتي من كل شيءٍ من أسباب الدين والدنيا، لعطف ذلك على المعجزة وهي " منطقُ الطير ".
١٠- قوله تعالى: (لأعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أوْ لأذبَحَنَّهُ أَوْ ليَأْتِينِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ) . توعَّد " سليمانُ " الهدهد بذلك، مع أنه غيرُ مكلَّفٍ، بياناً لكونه خُصَّ بذلك، كما خُصَّ بتعلّم منطقه.
١١ - قوله تعالى: (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ
стр. 420
تَوَلَّ عَنْهمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ) .
إن قلتَ: إذا تولَّى عنهم كيف يعلم جوابهم؟!
قلتُ: معناه ثمَّ تول عنهم يسيراً حيث لا يرونك، فانظر ماذا يرجعون؟
١٢ - قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمَ) .
قدَّم " سليمانُ " اسمه على اسم الله تعالى، مع أنَّ المناسبَ عكسُه، لأنه عرف أن " بلقيس " تعرف اسمه، دون اسم الله تعالى، فخاف أن تستخفَّ باسم الله تعالى، أوَّلَ ما يقعُ نظرها عليه، أوكان اسمُه على عنوانِ الكتاب، واسمُ اللهِ في باطنه.
١٣ - قوله تعالى: (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَاب أَنَا اتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَد إِلَيْكَ طَرْفُك. .) .
القائلُ كاتبُ سليمانَ، واسمُه " آصف ".
فإِن قلتَ: كيف قَدَر مع أنه غيرُ نبيٍّ، على ما لم يقدر عليه سليمان مع أنه نبيٌّ، من إحضار عرش بلقيس في طرفة عين؟!
قلتُ: يجوز أن يُخصَّ غيرُ النبيّ بكرامةٍ، لا يشاركه
стр. 421
فيها النبيُّ، كما خُصَّت " مريمُ " بأنها كانت تُرزق من فاكهة الجنة، و " زكريا " لم يُرزق منها، ولم يلزم من ذلكَ فضلُها على " زكريا "، وقد نُقل أن " سليمان " ﵇، كان إذا أراد الخروج إلى الغَزَاةِ، قال لفقراء المهاجرين والأنصار، اُدعوا لنا بالنُّصْرة، فإِن الله ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه، مع أن كرامة التَّبع من جملة كرامة المتبوع.
ويُحكى أن العلمَ الذي كان عند " آصف " هو اسمُ الله الأعظم، فدعا به فأُجيب به في الحال.
وهو عند أكثر العلماء كما قال البندنيجي: اسمُ الله، وقيل: يا حيُّ، يا قيُّوم.
وقيل: يا ذا الجلالِ والِإكرام، وقيل: يا أللهُ، يا رحمنُ، وقيل: يا إلهنا وإِلهَ كل شيء، إلهاً واحداً، لا إلهَ إلّاَ أنتَ.
٤! - قوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لله رَبِّ العَالمِين) . حقيقةُ المعيَّة: الاتفاقُ في الزمانِ، وسليمانُ كان مُسلماً قبلها وإِن يُقل بدل " مع سليمان " على يد سليمان؟ لأنها كانت ملكة،
стр. 422
فلم تذكر عبارةً تدلُّ على أنها صارت مولاةً له بإِسلامها، وإِن كان الواقعُ ذلك.
١٥ - قوله تعالى: (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) .
قاله هنا بلفظ " أنجينا " وفي حمَ السجدة بلفظ " ونجينا " موافقةً لما بعده هنا، ولما قبله وبعده ثَمَّ، فيما وزنُه " أفعل " و " فعل " ثَمَّ، حيث قال هنا بعده " فأنجيناه وأهلَه. . وأمطرنا " وقال ثَمَّ قبله " وزيَّنَّا " وبعده " وقَيَّضْنَا ".
١٦ - قوله تعالى: (أَإِلهٌ مَعَ الله) ؟
ذُكر هنا في خمسة مواضع متوالية:
وختم الأولى بقوله: (بَلْ همْ قومٌ يَعْدِلُونَ)
والثانية بقوله: (بلْ أكثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ)
والثالثة بقوله: (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) .
والرابعة بقوله: (تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) .
والخامسة بقوله: (قل هاتُوا برهانَكُمْ إن كنْتُمْ صادقينَ) .
стр. 423
أي عدلوا، وأوَّلُ الذنوبِ العدولُ عن الحقِّ، ثُمَّ لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكَّروا فيعلموا بالنظر والاستدلال، فأشركوا من غير حجةٍ وبرهانٍ، قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين.
١٧ - قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ) .
تجوَّز " بحكمه " عما يحكم به، وهو العدلُ، وإِلا فالقضاءُ والحكم واحد.
١٨ - قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) . خصَّ المؤمنين بالذّكر، مع أن غيرههمً مثلَهم، لأنهم المنتفعون بالآيات.
١٩ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " فزع " وفي الزمر بلفظ " صَعِقَ " موافقةً هنا لما بعده، وهو " وهم من فَزَعٍ يومئذٍ آمنون " وفي الزمر لما قبله، وهو " إِنَّكَ ميِّتٌ " إذْ معنى الصعق: الموت، وعبَّر فيهما بالماضي دون المضارع مع أنه أنسبُ، للإِشعارِ
стр. 424
بتحقق الفزع والصعق ووقوعهما، إذِ الماضي أدلُّ على ذلِكَ من المضارع.
ْ٢ - قوله تعالى: (وَكلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) .
إن قلتَ: كيف قال " داخرين " أي صاغرين أذلّاَء بعد البعث، مع أنَّ " النبيِّين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين " يأتون عزيزين مكرَّمين؟!
قلتُ: المرادُ صغارُ العبودية والرِّق وذلُّهما، لا ذلُّ المعاصي والذنوب، وذلك يعمُّ الخلق كلَّهم، كما في قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلّاَ آتِي الوَّحْمَنِ عَبْداً) .
٢١ - قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا. .) أي حرَّم محرَّماتِها، من تنفير صيدِها وغيره.
" تَمَّتْ سُورَةُ النمل "
стр. 425
سُوَرة القصص
١ - قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ.) الآية، هي من معجزات الِإيجاز، لاشتمالها على أمريْنِ، ونهييْنِ، وخبريْنِ متضمنيْنِ بشارتيْنِ، في أسهل نظم، وأسلس لفظٍ، وأوجز عبارة.
فإِن قلتَ: ما فائدةُ وحي الله تعالى إلى أم موسى بإِرضاعه، مع أنها ترضعه طبعاً وإِن لم تؤمر بذلك؟
قلتُ: أمرها بإِرضاعه ليألف لبنها، فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به، ربَّما كانت تسترضع له مرضعة، فيفوت المقصود.
٢ - قوله تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَني. .) .
следующие страницы →