← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

فيها النبيُّ، كما خُصَّت " مريمُ " بأنها كانت تُرزق من فاكهة الجنة، و " زكريا " لم يُرزق منها، ولم يلزم من ذلكَ فضلُها على " زكريا "، وقد نُقل أن " سليمان " ﵇، كان إذا أراد الخروج إلى الغَزَاةِ، قال لفقراء المهاجرين والأنصار، اُدعوا لنا بالنُّصْرة، فإِن الله ينصرنا بدعائكم، ولم يكونوا أفضل منه، مع أن كرامة التَّبع من جملة كرامة المتبوع. ويُحكى أن العلمَ الذي كان عند " آصف " هو اسمُ الله الأعظم، فدعا به فأُجيب به في الحال. وهو عند أكثر العلماء كما قال البندنيجي: اسمُ الله، وقيل: يا حيُّ، يا قيُّوم. وقيل: يا ذا الجلالِ والِإكرام، وقيل: يا أللهُ، يا رحمنُ، وقيل: يا إلهنا وإِلهَ كل شيء، إلهاً واحداً، لا إلهَ إلّاَ أنتَ. ٤! - قوله تعالى: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لله رَبِّ العَالمِين) . حقيقةُ المعيَّة: الاتفاقُ في الزمانِ، وسليمانُ كان مُسلماً قبلها وإِن يُقل بدل " مع سليمان " على يد سليمان؟ لأنها كانت ملكة،

стр. 422

فلم تذكر عبارةً تدلُّ على أنها صارت مولاةً له بإِسلامها، وإِن كان الواقعُ ذلك. ١٥ - قوله تعالى: (وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) . قاله هنا بلفظ " أنجينا " وفي حمَ السجدة بلفظ " ونجينا " موافقةً لما بعده هنا، ولما قبله وبعده ثَمَّ، فيما وزنُه " أفعل " و " فعل " ثَمَّ، حيث قال هنا بعده " فأنجيناه وأهلَه. . وأمطرنا " وقال ثَمَّ قبله " وزيَّنَّا " وبعده " وقَيَّضْنَا ". ١٦ - قوله تعالى: (أَإِلهٌ مَعَ الله) ؟ ذُكر هنا في خمسة مواضع متوالية: وختم الأولى بقوله: (بَلْ همْ قومٌ يَعْدِلُونَ) والثانية بقوله: (بلْ أكثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) والثالثة بقوله: (قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) . والرابعة بقوله: (تَعَالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) . والخامسة بقوله: (قل هاتُوا برهانَكُمْ إن كنْتُمْ صادقينَ) .

стр. 423

أي عدلوا، وأوَّلُ الذنوبِ العدولُ عن الحقِّ، ثُمَّ لم يعلموا ولو علموا ما عدلوا، ثم لم يتذكَّروا فيعلموا بالنظر والاستدلال، فأشركوا من غير حجةٍ وبرهانٍ، قل لهم يا محمد: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. ١٧ - قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ العَزِيزُ العَلِيمُ) . تجوَّز " بحكمه " عما يحكم به، وهو العدلُ، وإِلا فالقضاءُ والحكم واحد. ١٨ - قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْم يُؤْمِنُونَ) . خصَّ المؤمنين بالذّكر، مع أن غيرههمً مثلَهم، لأنهم المنتفعون بالآيات. ١٩ - قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّموَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ. .) الآية. قاله هنا بلفظ " فزع " وفي الزمر بلفظ " صَعِقَ " موافقةً هنا لما بعده، وهو " وهم من فَزَعٍ يومئذٍ آمنون " وفي الزمر لما قبله، وهو " إِنَّكَ ميِّتٌ " إذْ معنى الصعق: الموت، وعبَّر فيهما بالماضي دون المضارع مع أنه أنسبُ، للإِشعارِ

стр. 424

بتحقق الفزع والصعق ووقوعهما، إذِ الماضي أدلُّ على ذلِكَ من المضارع. ْ٢ - قوله تعالى: (وَكلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ) . إن قلتَ: كيف قال " داخرين " أي صاغرين أذلّاَء بعد البعث، مع أنَّ " النبيِّين، والصدِّيقين، والشهداء، والصالحين " يأتون عزيزين مكرَّمين؟! قلتُ: المرادُ صغارُ العبودية والرِّق وذلُّهما، لا ذلُّ المعاصي والذنوب، وذلك يعمُّ الخلق كلَّهم، كما في قوله تعالى: (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ إِلّاَ آتِي الوَّحْمَنِ عَبْداً) . ٢١ - قوله تعالى: (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ البَلْدَةِ الذِي حَرَّمَهَا. .) أي حرَّم محرَّماتِها، من تنفير صيدِها وغيره. " تَمَّتْ سُورَةُ النمل "

стр. 425

سُوَرة القصص ١ - قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنا إِلى أمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ في اليَمِّ.) الآية، هي من معجزات الِإيجاز، لاشتمالها على أمريْنِ، ونهييْنِ، وخبريْنِ متضمنيْنِ بشارتيْنِ، في أسهل نظم، وأسلس لفظٍ، وأوجز عبارة. فإِن قلتَ: ما فائدةُ وحي الله تعالى إلى أم موسى بإِرضاعه، مع أنها ترضعه طبعاً وإِن لم تؤمر بذلك؟ قلتُ: أمرها بإِرضاعه ليألف لبنها، فلا يقبل ثدي غيرها بعد وقوعه في يد فرعون، فلو لم يأمرها به، ربَّما كانت تسترضع له مرضعة، فيفوت المقصود. ٢ - قوله تعالى: (فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي اليَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَني. .) .

стр. 426

إن قلتَ: جواب الشرط يجامعه، وجوابه هنا الِإلقاءُ وعدمُ الخوف، فكلٌّ منهما يجامعه، فيصدق بقوله: فإِذا خفتِ عليه فلا تخافي عليه، وذلك تناقضٌ؟ قلتُ: معناه فإِذا خفتِ عليه القتلَ، فألقيه في اليمِّ ولا تخاف عليه الغرق فلا تناقض.. إن فلت: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في الآية؟ قلت: الخوف غم يصيب الإنسان لأمر يتوقعه فى المستقبل، والحزن غم يصيب الإنسان لأمر وقع ومضى. قوله تعالى: (قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ..) الآيتين إن قلت: كيف جعل موسى قتل القبطي الكافر من عمل الشيطان وسماه ظلما لنفسه واستغفر منه؟ قلت: أما جعله ذلك من عمل الشيطان فلكونه كان الأولى له تأخير قتله إلى زمن آخر فلما عجله ترك المندوب، فجعله من عمل الشيطان وأما تسميته ذلك ظلما فمن حيث إنه حرم نفسه الثواب بترك

стр. 427

المندوب، أو من حيث إنه قال ذلك على سبيل الانقطاع إلى الله، والاعتراف بالتقصير عن القيام بحقوقه، وإِن لم يكن ثَمَّ ذنبٌ، وأما استغفاره من ذلك فمعناه اغفرْ لي ترك ذلك المندوب. ٤ - قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ يَسْعَى. .) الآية. قاله هنا بتقديم " رجل " على " من أقصا المدينة " وعكَس في يس. قيل: موافقةً هنا لقوله قبل " فوجد فيها رجلين يقتتلان " واهتماماً ثَمَّ بتقديم " من أقصا المدينة " لما رُوي أن الرجل " حزقيل " وقيل " حبيب " كان يعبد الله في جبل، فلما سمع خبر الرُّسُل سعى مستعجلًا. ٥ - قوله تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا) . إن قلتَ: موسى لم يَسْقِ لابنتَيْ شعيبِ طلباً للأجر، فكيف أجاب دعوةَ شعيب في قول ابنته له (إِنًّ أبي يَدْعوكَ

стр. 428

ليجْزِيَكَ أجرَ ما سَقَيْتَ لَنا "؟! قلتُ: يجوز أن يكون أجاب دعوته لوجه الله تعالى، على وجه البِرّ والمعروف، لا طلباً للأجر وإِنْ سُمِّي في الدعوة أجراً. ٦ - قوله تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) . قاله هنا بلفظ " الصَّالحينَ " وفي الصَّافات بلفظ " الصَّابرين " لأنَّ ما هنا من كلام " شعيب " وهو المناسب للمعنى هنا، إذِ المعنى ستجدني من الصالحين في حُسْن العُشْرة، والوفاءِ بالعهد. وما هناك من كلام " إسماعيل " وهو المناسب للمعنى ثَمَّ، إذِ المعنى ستجدني من الصابرين على الذبح. ٧ - قوله تعالى: (فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أخَافُ أنْ يُكَذِّبُونِ) أيْ يوضّح حججي، ويؤيدها بما رزقه الله من فصاحة اللُّسانِ. ٨ - قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالهُدَى مِنْ عِنْدِهِ. .) الآية.

стр. 429

قاله هنا بزيادة الباء، وبعدُ بدونها، تقويةً للعامل هنا بحسب الظاهر، لضعفه عن العمل، وحذَفه بعدُ اكتفاءً بدلالة الأول عليه. ٩ - قوله تعالى: (فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلهِ مُوسى. .) الآية. قاله هنا بحذف " أبلغُ الأسبابَ. أسبابَ السَّمواتِ " وقال في غافر بذكره، لأن ما هنا تقدَّمه " ما علمتُ لكمْ من إِلهٍ غيري " من غير ذكر أرضٍ وغيرها، فناسبَه الحذفُ، وما هناك تقدَّمه " إنّي أخافُ أن يُبَدِّل دينكم أوأن يُظهر في الأرض الفساد " فناسبه مقابلته بالسماء في قوله " لعلي أبلغُ الأسبابَ. أسبابَ السمواتِ ". ١٠ - قوله تعالى: (وَإِنِّي لَأظُنُّهُ مِنَ الكَاذِبِينَ) . قال ذلك هنا، وقال في غافر " وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً " موافقةً للرويِّ هنا، وعلى الأصل بلا معارضٍ ثَمَّ. ١١ - قوله تعالى: (وَمَا كنْتَ بِجَانِبِ الغَرْبيِّ إِذْ قَضَيْنَا

стр. 430

إِلَى مُوسَى الأَمْرَ. .) الآية. إن قلتَ: أوّلُها يُغني عن قوله " وَمَاكنتَ مِنَ الشَّا هِدِينَ "؟ قلتُ: لا، إذْ معنى أولها: ما كنتَ يا محمدُ حاضراً حين أحكمنا إلى موسى الوحي، ومعنى " وما كنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ " أي الحاضرين قصته مع شعيب ﵈ فاختلفت القصتان. ١٢ - قوله تعالى: (وَمَا أً وتِيتُمْ مِن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزينَتُهَا. .) . قاله هنا بالواو، وفي الشورى بالفاء، لأنَّ ما هنا لم يتعلَّقْ بما قبله كبير تعلق، فناسب الِإتيان به بالواو، المقتضية لمطلق الجمع، وما هناك متعلِّقٌ بما قبله أشدَّ تعلُّقٍ، لأنه عقب ما لهم من المخافة، بما لهم من الأمنَةِ، فناسبَ الِإتيانُ به بالفاء، المقتضية للتعقيب. ٣ ١ - قوله تعالى: (فَمَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا. .) قال هنا بزيادة " وزينتها " وفي الشورى بحذفه، لأنَّ ما هنا لسبقه، قُصد فيه ذكرُ جميع ما بُسِط من رزق

стр. 431

أعراضِ الدنيا، فذكر " وزينتها " مع المتاع، ليستوعبَ جميعَ ذلك، إذِ المتاعُ ما لا بُدَّ منه في الحياة، من مأكولٍ، ومشروبِ، وملبوسٍ، ومسكنٍ، ومنكوحٍ، والزينةُ ما يتجملَ به الإنسان، وحذفه في الشورى اختصاراً. ١٤ - قوله تعالى: (فَدَعَوْهُم فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا العَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانوا يَهْتَدُون) ، جوابُه محذوفٌ تقديره: لما رأوا العذاب، ولا يصح أن يكون جوابُها ما قبلها، لأنَّ من يرى العذابَ يكون ضالًّا لا مهتدياً. ١٥ - قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. .) الآيتين. ختم آية الليلِ بقوله " أفلا تسمعون "؟ وآية النهارِ بقوله " أفلا تُبصرون "؟ لمناسبة الليل المظلم الساكن للسَّماع، ومناسبة النهار النيِّر للِإبصار. وإِنَّما قدَّم الليلَ على النهار، ليستريح الإِنسانُ فيه، فيقومَ إلى تحصيل ما هو مضطرٌّ إليه، من عبادةٍ وغيرها بنشاطٍ وخفَّةٍ، ألَا ترى أن الجنة نهارُها دائمٌ، إذْ لا تعب

стр. 432

فيها يحتاج إلى ليلٍ يستريح أهلُها فيه؟ ١٦ - قوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُط الرِّزْقَ ... وَيْكَأَنَّه لاَ يفْلِحُ الكَافِرونَ " " ويكأنَّ " أعاده بعد لاتصال كلٍّ منهما، بما لم يتَّصل به الآخر، و " وَيْ " قال سيبويه كغيره: إنها صلَةٌ، وهي كلمة تدلُّ على النَّدم، وقال الأخفش: أصلها " ويكَ " و " أَنَّ " بعده منصوبٌ بإِضمار اِعْلَمْ أي اِعلَمْ أنَّ اللهَ، فعلى الأول يُوقف على " وَيْ " وبه قرأ الكسائي، وعلى الثاني يوقف على " وْيكَ " وبه قرأ أبو عمروٍ، والجمهور يقفون على " ويكأنَّ " تبعاً للرَّسم، ويجوِّزون الوقف عليه بهاء السكت. " تَمَّتْ سُورَةُ القصص "

стр. 433

سورة العنكبوت ١ - قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الِإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً. .) . أي بِرّاً ذا حُسْنٍ. ذَكرَه هنا، وفي الأحقاف " إحساناً " وحَذَفَه في لقمان، مع أنَّ الثلاثة نزلت في " سعد بن مالك " وهو " سعدُ بن أبي وقَّاص " على خلافٍ فيه، لأن الوصية هنا وفي الأحقاف جاءت في سياق الِإجمال، وفي لقمان جاءت مفصَّلة لما تقدَّمها من تفصيل كلام لقمان لابنه، ولأن قوله بعدها " أَنِ اشكُرْ لي ولوالِدَيْكَ " قائم مقامه، فحسُن حذفُه. ٢ - قوله تعالى: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَتُطِعْهُمَا. .) . قال ذلك هنا، وقال في لقمان " عَلَى أَنْ تُشْرِك "

стр. 434

موافقةً هنا لفظاً، للفظِ اللام في قوله " ومنْ جاهَدَ فإِنَّما يُجَاهِدُ لنفسِهِ " وحملَاَ للمعنى بطريق التضمين في لقمان، إذِ التقديرُ: وإِن حملاك على أن تشرك بي. ٣ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَاماً. .) . إن قلتَ: ما فائدةُ العدولِ إلى ما قاله، عن تسعمائة وخمسين، مع أنه عادةُ الحساب؟ قلتُ: فائدتُه تسليةُ النبي ﷺ ، إذِ القصة مسوقةٌ لتسليته بما ابتلي به نوح ﵊، من مكابدة أمته في أطول المُدَد، فكان ذلك أقصى العقود، التي لا عقد أكثر منه في مراتب العدد، أفخر وأفضى إلى المقصود، وهو استطالة التَّسامعِ مدّةَ صبره، وفيه فائدةٌ أخرى، وهي نفيُ توهُّم إرادة المجاز، بإِطلاقِ لفظ تسع المائة والخمسين على أكثرها، فإِن هذا التوهم مع ذكر الألف والاستثناء منتفٍ أو أبعد. وجاء المميَّز الأول بلفظ " السنةِ " والثاني بلفظ " العَام " لكراهة التكرار. ٤ - قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَا

стр. 435

يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ الله الرِّزْقَ. .) الآية. نكَّر الرزق أولًا، ثمَّ عرَّفه ثانياً، لأنه أراد بذلك أن الذين تعبدون من دون الله، لا يستطيعون أن يرزقوكم شيئاً من الرزق، فابتغوا عند الله الرزقَ كله، فإِنه هو الرزَّاقُ لا غيرُه. ٥ - قوله تعالى: (قُلْ سِيرُوا فِى الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِىءُ النَّشْاةَ الآخِرَةَ. .) الآية. إن قلتَ: كيف أضمر لفظ " الله " أولًا، ثم أظهره ثانياً مع أن القياس العكسُ؟ قلتُ: تنبيهاً على عِظم إنشائهم أي إعادتهم، لأنها التى ينكرها الكافر، فناسب ذكر الظاهر للإِيضاح. ٦ - قوله تعالى: (وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الَأرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ. .) الآية. قال ذلك هنا، واقتصر في الشورى على " في

стр. 436

الأرضِ " لأنَّ ما هنا خطابٌ لقومٍ فيهم " النمرود " الذي حاول الصعود إلى السماء، فأخبرهم بعجزهم وأنهم لا يفوتون الله، لا في الأرضِ، ولا في السماء، وما في الشورى خطابٌ لمن لم يحاول الصعود إلى السماء، وقيل: خطابٌ للمؤمنين بقرينة قوله " وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبتْ أيديكُمْ ويعفو عن كثيرٍ "، وقد حُذفا معاً للاختصار، في قوله في الزمر " وما هم بمعجزين ". ٧ - قوله تعالى: (فَأَنْجَاهُ اللهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) . قاله هنا بالجمع، وقاله بعدُ في قوله " خَلَقَ الله السَّمواتِ والأَرْضَ بالحقِّ إِنَّ في ذَلِكَ لآيَةً للمُؤْمنينَ " بالتوحيد، لأنَّ ما هنا إشارةٌ إلى إثبات النبوَّة القائمة بالنبيين، وهم كثيرون فناسب الجمع، وما بعدُ إشارةٌ إلى التوحيد القائم بواحدٍ، وهو الله لا شريك له. ٨ - قوله تعالى: (وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) . إن قلتَ: قال ذلك في معرض المدح لِإبراهيم ﵇، أو الامتنان عليه، وأجرُ الدنيا فانٍ منقطعٌ بخلاف

стр. 437

أجرِ الآخرة، فكيف ذكره دون أجر الآخرة؟! قلتُ: بل ذَكَره أيضاً في قوله " وإِنه في الآخرة لَمِنَ الصَّالحينَ " إذِ المعنى إن له في الآخرة أجر الصالحين وافياً كاملًا، لكن أخّره موافقةً للفواصل، وأجرُه في الدنيا قيل: هو الثناءُ الحسنُ، والمحبَّةُ من الناس، وقيل: هو البركةُ التي باركها الله تعالى فيه وفي ذريته. ٩ - قوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هي أَحْسَنُ إِلَّا الَّذينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ) . إن قلتَ: كيف قال " إِلَّا الذينَ ظلموا " مع أن جميع أهل الكتاب ظالمون، لأنهم كافرون قال تعالى " والكافرونَ همُ الظَّالمونَ "؟! قلتُ: المرادُ بالظلمِ هنا: الامتناعُ عن قبولِ عقد الذمَّةِ، أو نقضِ العهد بعد قبوله. ١٠ - قوله تعالى: (فَأَحْيَا بِهِ الَأرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا. .) الآية. قاله هنا بذكر " مِنْ " وفي البقرة، والجاثية بحذفها،

стр. 438

موافقةً لما قبله هنا في قوله " مِنْ عباده " و " مِنَ السَّماءِ " بخلاف ذلك في البقرة والجاثية. ١١ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. .) الآية. إن قلتَ: المجاهدةُ فىِ دِينِ الله إنما تكونُ بعد الهداية، فكيف جعل الهداية من ثمرتها؟ قلتُ: معناه جاهدوا في طلب العلم، لنهدينهم سبلنا بمعرفة الأحكام وحقائقها، أو جاهدوا في نيْل درجةٍ، لنهدينهم إلى أعلى منها، قال تعالى " والذينَ اهتدوا زادهم هُدَىً " وقال تعالى " ويزيدُ الله الذين اهتَدوا هُدَىً ". " تَمَّتْ سُورَةُ العنكبوت "

стр. 439

سُورَة الرُّوم ١ - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَسِيرُ وا فِي الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كيْفَ كانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. .) . قاله هنا، وفي فاطر، وأول المؤمن بالواو، وفي آخرها بالفاء، لأنَّ ما هنا موافقٌ لما قبله وهو " أولم يتفكَّرُوا " ولما بعده وهو " وأثاروا الأرضَ " وما في فاطر موافقٌ أيضاًِ لما قبلَه وهو " ولنْ تَجِدَ لسُنَّةِ الله تحويلًا " ولما بعده وهو " وما كانَ الله ليعجزه " وما في أول المؤمن موافقٌ لما قبلَه وهو " والّذينَ تَدْعُونَ من دُونهِ " وما في آخرها موافقٌ لما قبله وهو " فأيَّ آياتِ الله تُنْكِرونَ " وما بعده وهو " فما أَغْنَى عنهمْ ما كَانُوا يَكْسِبُونَ " فناسبَ فيه الفاء، وفي الثلاثةِ قبلَه الواوُ. ٢ - قوله تعالى: (فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ

стр. 440

قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً. .) . قاله هنا بحذف " كانوا " قبل قولِه " مِنْ قبلِهِمْ " وحذفِ الواوِ بعده، وقاله في فاطر بحذف " كانوا " أيضاً وبذكر الواو. وفي أوائل غافر بذكرِ " كانوا " دون الواو، وزيادة " هم " وفي أواخرها بحذف الجميع، لأن ما في أوائلها، وقع فيه قصةُ نوح وهي مبسوطة فيه، فناسب فيه البسطُ، وحذفَ الجميع في أواخرها اختصاراً، لدلالة ذلكَ عليه، وما هنا وفي فاطر موافقةً لذكرها قبلُ وبعدُ. ٣ - قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا. .) الآية. ختمها بقوله: " لقومِ يتفكرون " لأن الفكر يؤدّي إلى الوقوف على المعاني المطَلوبة، من التَّوانسِ والتّجانسِ بين الأشياء كالزوجين. ثم قال: " ومن آياتِه خلقُ السمواتِ والأرضِ " الآية وختمها بقوله " لآياتٍ للعالمِينَ " لأن الكل يُظلّهم

стр. 441

السماء، وُيقلِّهم الأرضُ، وكُلّ منهم متميِّزٌ بلطيفة يمتاز بها عن غيره، وهذا يشترك في معرفته جميع العالمين. ثم قال: " ومِنْ آياتِهِ منامُكُمْ بِاللَّيْلِ والنهارِ)) وختمها بقوله " لآياتٍ لقومٍ يَسْمَعُونَ " لأن من يسمع سماع تدبّرٍ، أن النوم من صنع الله الحكيم، لا يقدر على اجتلابه إذا امتنع، ولا على رفعه إذا ورد، يعلم أنَ له صانعاً مدبّراً. ثم قال: " ومِنْ آياتِهِ يريكُمُ البَرْقَ خَوْفاً وطَمَعاً " وختمها بقوله " لآياتٍ لقوم يعقلون " لأن العقل مِلاكُ الأمر، وهو المؤدي إلى العلم - فيما ذُكر - وغيره. ٤ - قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ. .) الآية، الضميرُ فيه مع أنه راجعٌ إلى الِإعادة، المأخوذة من لفظ " يُعيدُه " في قوله (وهو الذي يَبْدأ الخَلْقَ ثُم يُعيدُه) نظراً إلى المعنى دون اللفظ، وهو رجعُه أو ردُّه، كما نُظر إلى المعنى في قوله " لنُحْييَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً " أي مكاناً ميتاً. ٥ - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ وْا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ. .) الآية. قاله هنا بلفظ " أَوَلم يَرَوْا " وفي الزمر بلفظ " أولمْ

стр. 442

يعلَمُوا " لأنَّ بسط الرزق ممَّا يُرى، فناسب ذكرُ الرؤية، وما في الزمر تقدَّمه " أوتيتُهُ على علمٍ " فناسب ذكر العلم. ٦ - قوله تعالى: (وَلِتَجْرِيَ الفُلْكُ بِأَمْرِهِ. .) قال ذلك هنا، وقال في الجاثية بزيادة " فيه "، لأنَّ ما هنا لم يتقدّمه مرجعُ الضميرِ، وثَمَّ تقدَّم له مرجعٌ وهو البحر، حيث قال (الله الذي سخَّر لكم البحْرَ) . ٧ - قوله تعالى: (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) . فائدة ذكرِ " منْ قَبْلِهِ " بعد قوله " من قبل " التأكيدُ، وقيل: الضميرُ لإِرسال الرياح أو للسحاب فلا تكرار. ٨ - قوله تعالى: (الله الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الضَّعْفَ صفةٌ، والمخاطبون لم يخلقوا من صفةٍ بل من عينٍ، وهي الماءُ أو الترابُ؟ قلتُ: المرادُ بالضعفِ " الضعيفُ "، من إطلاقِ المصدر على اسم الفاعل، كقولهم: رجلٌ عدْلٌ أي:

стр. 443

عادل، فمعناه من ضعيف وهو النطفة. ٩ - قوله تعالى: (وَقَالَ آلَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وَالِإيمَانَ لَقَدْ لَبَثْتُمْ فِي كِتَابِ الله. .) ، أي لبثتم في قبوركم في علم كتاب الله، أو في خبره، أو في قضاء الله. ١٥ - قوله تعالى: (فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) ، أي لا يُطلب منهم الِإعتاب أي الرجوع إلى الله تعالى. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع قوله في فصّلت: (وإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ المُعْتَبِين) حيث جعلهم مطلوباً منهم الِإعتابُ، وثَمَّ طالبينَ له؟! قلت: معنى قوله (وَلَا هُمْ يُسْتَعْتبونَ) أي ولا هم يُقالون عثَراتِهم، بالردِّ إلى الدنيا، ومعنى قوله " وإِن يَسْتعتِبُوا فَمَا هم من المُعْتَبينَ " أي إن يستقيلوا فما هم من المُقَالين، فلا تنافي. " تَمَّتْ سُورَةُ الروم "

стр. 444

سورة لقمان ١ - قوله تعالى: (وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً. .) . قال هنا بزيادة " كأنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً " وفي الجاثية بحذفه، مع أنهما نزلا في " النضرِ بن الحارث " حيث كان يعدل عن سماع القرآن، إلى اللهو وسماعِ الغناء، لأنه تعالى بالغ في ذمِّه هنا، فناسبَ زيادةُ ذلك، بخلاف ما في الجاثية. ٢ - قوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الِإنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ. .) الآيتين. إن قلتَ: كيف وقعت الآيتان في أثناء وصية لقمان لابنه؟

стр. 445

قلتُ: هما من الجُمَل الاعتراضية، التي لا محلٍ لها من الِإعراب، اعتُرِض بها بين كلامين متَّصليْنِ معنى، تأكيداً لما في وصية لقمان لابنه من النهي عن الشرك. فإِن قلتَ: لمَ فَصَل بين الوصية ومفعولها بقوله " حملتْهُ أً مُّهُ وهناً على وَهنٍ وفِصَالُهُ في عامينِ "؟ قلتُ: تخصيصاً للأم بزيادة التأكيد في الوصية، لما تكابده من المشاقَ. ٣ - قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ مَا فِي الَأرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ وَالبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ..) . إن قلتَ: المطابقُ لأولها أن يُقال: وما في الأبحر من ماءٍ مدادٌ، فلمَ عَدَل عنه إلى قوله " والبحرُ يمدُّه منْ بَعْدِهِ سَبْعَة أَبْحُرٍ "؟ قلتُ: استغنى عن المداد بقوله " يَمدُّه " من مدَّ الدواة وأمدَّها أي زادها مداداً، فجعل البحر المحيط بمنزلة الدَّواة، والأبحر السبعة مملوءة مداداً أبداً لا تنقطع، فصار نظيرَ ما قلتم، ونظيرَ قوله تعالى: " قُلْ لَوْ

стр. 446

كَانَ البحرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي " الآية، وأشار بـ " لو " إلى أن البحارَ غير موجودة، أي لو مُدَّت البحارُ الموجودة سبعة أبحرٍ أُخرى، وذكرُ السبعة ليس للحصر بل للمبالغة، وإِنما خُصَّت بالذّكر لكثرة ما يُعدُّ بها، كالكواكب السيارة، والسموات والأرضينَ وغيرها، ولأنها عددٌ تنحصر فيه المعدودات الكثيرة، إذْ كُلُّ أحدٍ يحتاج في حاجته إلى زمانٍ ومكان، والزمانُ منحصرٌ في سبعة أيام، والمكان في سبعة أقاليم. فإِن قلتَ: المقصود هنا التفخيمُ والتعظيمُ، فكيف أتى بجمع القلة في قوله " كلماتُ الله "؟ قلتُ: جمعُ القلَّة هنا أبلغ في المقصود، لأن جمع القلَّة إذا لم ينفد بما ذُكر من الأقلام والمداد، فكيف ينفد به جمعُ الكثرة؟! ٤ - قوله تعالى: (كلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمَّى. .) الآية. قاله هنا بلفظ " إلى " وفي فاطر، والزمر بلفظ اللام، لأن ما هنا وقع بين اثنتيْنِ دالَّتيْنِ على غاية ما ينتهي إليه الخلقُ، وهما قوله تعالى: " ما خَلْقُكُمْ ولا بعثُكُمْ إِلّاَ

стр. 447

كنفْسٍ واحدةٍ " وقوله: " يا أيها الناسُ اتقوا ربكم واخشَوْا يوماً " الآية، فناسب ذكر " إلى " الدالة على الانتهاء، والمعنى لا يزال كلٌّ من الشمس والقمر جارياً، حتى ينتهي إلى آخر وقت جريه المسمى له، وما في فاطر والزمر خالٍ عن ذلك، إذْ ما في فاطر لم يُذكر مع ابتداء خلقٍ ولا انتهاءٍ به، وما في الزمر ذُكر مع ابتداء به فناسب ذكر اللام المعدّية، والمعنى: يجري كل مما ذُكر لبلوغ أجلٍ. ٥ - قوله تعالى: (إِنَّ الة عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ويُنَزِّل الغَيْثَ ويَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ. .) الآية. أضاف فيها العلم إلى نفسه في الثلاثة من الخمسة المذكورة، ونفى العلم عن العباد في الأخيرين منها، مع أن الخمسة سواء في اختصاصِ الله تعالى بعلمها، وانتفاء علم العباد بها، لأن الثلاثة الأول أمرها أعظمُ وأفخم، فخُصَّت بالِإضافة إليه تعالى، والأخيرينِ من صفات العباد، فخُضَا بالِإضافة إليهم، مع أنه إذا انتفى عنهم علمهما، كان انتفاءُ علم ما عداها من الخمسة أولى. فإِن قلتَ: لمَ قال تعالى " بأيّ أرضٍ تموتُ " ولم يقل: بأيِّ وقتٍ تموت، مع أن كلَاَ منهما غير معلوم

стр. 448

لغيره، بل نفيُ العلم بالزمان أولى، لأن من الناس مَنْ يدَّعىِ علمه، بخلاف المكان. قلت: إنما خص المكان بنفي علمه، لأن الكون في مكان دون مكانٍ في وسع الِإنسان واختياره، فاعتقادهُ علم مكان موته أقربُ، بخلاف الزمان، ولأن للمكان دون الزمان تأثيراً في جلب الصحة والسُّقم، أو تأثيرُه فيهما أكثرُ. " تَمَّتْ سُورَةُ لقمان "

стр. 449

سُوَرة السجْدة ١ - قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الَأمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ. .) الآية. إن قلتَ: لمَ قال هنا " في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُه أَلْفَ سَنَةٍ " وفي المعارج " في يَوْمٍ كَانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ "؟! قلتُ: المرادُ باليوم هنا، مدَّةُ عروج الله تعالى - أي عروج تدبيره وأمره - من الأرض إلى السماء الدنيا، وبه تَمَّ عروجُ الملائكةِ من الأرض إلى العرش. أو المرادُ به في الموضعين: " يومُ القيامةِ " ومقدارُه ألف سنةٍ من حساب أهل الدنيا، إذا تولَّى الحسابَ فيه الله تعالى، وخمسينَ أَلف سنةٍ لو تولَّى فيه الحسابَ غيرُ الله تعالى. أو المرادُ: أنه كألفِ سنةٍ في حقِّ خواصِّ المؤمنين، وخمسين ألفَ سنة في حق عوامِّهم.

стр. 450

أو المرادُ: أنه كألفِ سنةٍ في حقِّ المؤمنِ، وخمسين ألف سنةٍ. في حقِّ الكافر. (١) ٢ - قوله تعالى: (الَّذي أحْسَنَ كُلَّ شيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الِإنْسَانِ مِنْ طِينٍ) بسكون اللام وفتحها. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن في مخلوقاته تعالى قبيحاً، كالشرور والمعاصي؟ قلتُ: " أَحْسَنَ " بمعنى أتقنَ وأحكَمَ، أو " أحْسَنَ " بمعنى: عَلِمَ، كما يُقال: فلانٌ لا يحسنُ شيئاً أي لا يعلمه، فمعناه بسكون اللام: عَلِم خَلْقَ. كل شيءٍ، وبفتحها: عَلِمَ كُلَّ شيءٍ خَلَقه. (٢) ٣ - قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) .

стр. 451

قاله هنا بلفظ " منْ مَاءٍ مَهِينٍ " وفي المؤمنين " من سُلاَلةٍ مِنْ طِينٍ "، لأنَّ المذكور هنا صفة ذُرِّيةِ آدمَ، والمذكورُ ثَمَّ صفةُ آدم ﵇. ٤ - قوله تعالى: ((ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ. .) الآية. المراد بـ " روحِهِ " جبريلُ، وإِلَّا فالله مُنزَّهٌ عن الروح، الذي يقومُ بهِ الجَسَدُ، وتكونُ به الحياةُ، وأضافه إلى نفسه تشريفاً، وإِشعاراً بأنه خلقٌ عجيبٌ، مناسبٌ للمقام. ٥ - قوله تعالى: (قُلْ يَتَوَفاكُمْ مَلَك المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ. .) الآية، هو " عزرائيل " ﵇، قال ذلك هنا، وقال في الأنعام " حَتَّى إِذَا جَاءَ أحَدَهُمُ المَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا " وفي الزمر " الله يتوفَّى الأنفسَ حينَ مَوْتِها " ولا منافاةَ، لأن الله هو المتوفِّي حقيقةً، بخلقه الموت، وبأمر الوسائط بنزع الروح - وهم غيرُ ملك الموت أعوانٌ له - ينزعونها من الأظافير إلى الحلقوم، ومَلَكُ الموتِ ينزعها من الحلقوم، فصحَّت الِإضافاتُ كلُّها.

стр. 452

٦ - قوله تعالى: (إِنَّمَا يُؤْمنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً. .) الآية. إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن المؤمنين ليسوا منحصرين فيمن اتَّصف بهذه الصِّفةِ، ولا هذه الصِّفةُ شرط في تحقق الِإيمان؟! قلتُْ المرادُ بـ " ذُكِّرُوا ": وُعِظُوا، وبالسجود: الخشوعُ، والخضوعُ، والتواضعُ في قبولِ الموعظة، وذلك شرطٌ في تحقق الِإيمان. أو المرادُ بالمؤمن: الكاملُ إيماناً. ٧ - قوله تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَستَوُونَ) . المرادُ بالفاسق هنا: الكافرُ، بقرينةِ التفصيل بعده، وإِلَّا فالفاسقُ مؤمنٌ، ونظيره قولُه تعالى: (أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمينَ كَالمُجْرِمينَ) ؟ وقوله (أَمْ حَسِبَ الَّذينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجعلَهُمْ كالَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا

стр. 453

الصَّالِحَاتِ) الآية، إذ ليسَ كلُّ مجرمٍ ومسيءٍ كافرٌ. ٨ - قوله تعالى: (وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كنْتُمْ بِهِ تُكَذَبُونَ..) . قال ذلكَ هنا، وقال في سبأ: " عَذَابَ النَّارِ الّتي كنتُمْ بها تُكذّبُون ". ذكَّر الوصف والضميرَ هنا، نظراً للمضاف وهو العذابُ، وأنّثهما ثمَّ نظراً للمضافِ إليه وهو النَّارُ، وخُصَّ ما هنا بالتذكير، لأن النَّار وقعتْ موقع ضميرها لتقدّم ذكره، والضميرُ لا يُوصف فناسبَ التذكيرُ، وفي سبأ لم يتقدَّمْ ذكرُ النَّارِ ولا ضميرُها، فناسب التأنيثُ. ٩ - قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الفَتْحُ إِنْ كنْتُمْ صَادِقِينَ) . إدن قلتَ: هذا سؤالٌ عن وقت الفتح - وهو يومُ القيامةِ - فكيف طابقه الجوابُ بقوله " قلْ يومَ الفَتْح لا يَنْفَعُ الَّذينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ "؟!

стр. 454

قلتُ: لمَّا كان سؤالُهم سؤالَ تكذيبِ واستهزاءٍ بيومِ القيامة، لا سؤالَ استفهام، أُجيبوا باَلتهديدِ المطابقِ للتكذيب والاستهزاءِ، لا ببيانِ حقيقة الموقَّتِ، وإِنْ فُسِّر الفتحُ بـ " فتحِ مكة " أو بيوم بدر، كان المرادُ أن المتولّين لم ينفعهم إيمانهم حال القتل كإِيمان فرعون، بخلاف الطلقاء الذين آمنوا بعد الأسر، فالجوابُ بذلك مطابقٌ للسؤال من غير تأويل. " تَمَّتْ سُورَةُ السجدة "

стр. 455

سُورَة الأحزاب ١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِع الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ. .) . لم يقل في ندائه " يا محمّدُ " كما قال في نداءِ غيره " يا موسى، يا عيسى، يا داودُ " بلْ عَدَل إلى " يا أيُّها النَّبيُّ " إجلالَاَ له وتعظيماً، كما قال: (يَا أيُّها الرَّسُولُ) وإِنما عدل عن وصفه إلى اسمه في الإخبار عنه في قوله (محمَّدٌ رسولُ الله) وقولِهِ (وما محمَّدٌ إِلًّا رسولٌ) ليعلم الناس أنه رسول الله، ليُلقِّبوه بذلك ويدعوه به. ٢ - قوله تعالى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ. .) ، أي في الحرمةِ والاحترام، وإِنما جعلهن اللهُ كالأمهات، ولم يجعل نبيَّه كالأب، حتى قال: (ما كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالكُمْ) لأنه تعالى أراد

стр. 456

أن أمته، يدعون أزواجه بأشرف ما تُنادى به النساءُ وهو الأمُّ، وأشرفُ ما يُنادى بهِ النبيُّ ﷺ لفظُ " الرسول " لا الأب، ولأنه تعالى جعلهن كالأمهات، إجلالًا لنبيّه، لئلا يطمَع أحدٌ في نكاحهن بعده، ولو جعله أباً للمؤمنين، لكان أباً للمؤمناتِ أيضاً فيحرُمْن عليه، وذلك يُنافي إجلالَه وتعظيمه، ولأنه تعالى جعله أولى بنا من أنفسنا، وذلك أعظم من الأبِ في القرب والحرمة، إذ لا أقربَ للِإنسان من نفسه، ولأن من الآباءِ من يتبرأ من ابنه، ولا يمكنه أن يتبرأ من نفسه. ٣ - قوله تعالى: (وَإِذْ أخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ. .) الآية، فيها عطفُ الخاصّ على العامّ، وقُدِّمَ النبيُّ ﷺ في الذكر، على مشاهير الأنبياء، لبيان شرفه وفضله عليهم، صلَّى الله وسلم عليهم أجمعين، وإِنما قُدِّم نوحٌ في آية (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصَّى به نُوحاً) لأنها سيقت لوصف ما بُعث به نوح من العهد القديم، وما بُعث به نبيُّنا من العهد الحديث، وما

стр. 457

بُعث به من توسَّطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوحٍ فيها أشدَّ مناسبةً للمقصود. ٤ - قوله تعالى: (وَأخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) . فائدةُ إعادته التأكيدُ، أو المرادُ بالميثاقِ الغليظِ: هو اليمينُ بالله تعالى، على الوفاء بما حُمِّلوا، وعليه فلا إعادة لاختلاف الميثاقيْن. ٥ - قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. .) الآية. إن قلتَ: كيف علَّق عذابهم بمشيئته، مع أن عذابهم متيقَّنُ الوقوع لقوله تعالى " إنَّ المُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ من النَّارِ "؟! قلتُ: معناه إن شاء عذابهم - وقد شاء - أو إن شاء موتهم على النفاق. ٦ - قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. .) الآيتين. المراد بالفاحشةِ: النشوزُ وسوءُ الخُلُقِ.

стр. 458

إن قلتَ: لم خصَّ الله تعالى نساء النبي ﷺ بتَضعيف العقوبة على المذنبِ، والمثوبةِ على الطاعة؟ قلتُ: أما الأول فلأنهن يُشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب، ما لا يشاهده غيرهنَّ، ولأنَّ في معصيتهنَّ أذىً لرسول الله ﷺ ، وذنبُ من أذى رسول الله ﷺ أعظمُ من ذنب غيره. وأما الثاني: فلأنهنَّ أشرف من سائر النساء، لقربهنَّ من رسول الله ﷺ ، فكانت الطاعة منهنَّ أشرفَ، كما أن المعصيةَ منهنَّ أقبح. ٧ - قوله تعالى: (إنَّ المُسْلِمينَ وَالمُسْلِمَاتِ والمُؤْمِنِين وَالمُؤمِنَاتِ. .) الآية. إن قلت: لم عطَفَ أحدَهما على الآخر، مع أنَّهما متَّحدانِ شرعاً؟! قلتُ: ليسا بمتَّحديْن مطلقاً، بل هما متَّحدان صدقاً لا مفهوماً، أخذاً من الفرق بين الِإسلام والإِيمان الشرعيَّينْ، إذِ الِإسلامُ الشرعيًّ: هو التلفُّظُ بالشهادتين، بشرط تصديق القلب بما جاء به النبيًّ ﷺ ، والإِيمانُ الشرعيًّ: عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف،

стр. 459

اختلافهما مفهوماً وإِن اتحدا صدْقاً. ٨ - قوله تعالى: (مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النّبيِّينَ. .) الآية، هو جوابٌ عن سؤالٍ مقَدّر، تقديره: أمحمدٌ أبو زيدِ بن حارثة؟ فأُجيبَ بنفي الأعمِّ المستلزم لنفي الأخصِّ، إذْ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيدٍ لقيل: وماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياءِ أبناءٌ، فجيء بنفي الأعمِّ، تمهيدا للاستدراك بأنه رسولُ الله وخَاتَمُ النبيّين. إن قلتَ: كيف صحَّ نفيُ الأبوَّة عنه، وكان أباً للطيِّب، والطَّاهر، والقاسم، وإبراهيم؟ قلتُ: قد قيَّد النفي بقوله " مِنْ رجالِكُمْ "، لأن إضافة الرجال إلى المخاطبين، تُخرج أبناءه لأنهم رجاله لا رجالهم، ولأن المفهوم منهم بقرينةِ المقام الرجالُ البالغون، وأبناؤه ليسوا كذلك، إذْ لو كان له ابنٌ بالغٌ لكان نبياً، فلا يكون هو خاتم النّبيِّينَ. فإن قلتَ: كيف قال تعالى " وَخَاتَم النَّبِيِّينَ " وعيسى

стр. 460

عليه السلام ينزل بعده وهو نبيٌّ؟ قلتُ: معنى كونه " خاتَم النَّبِيِّينَ " أنه لا يتنبَّأُ أحدٌ بعده، وعيسى نبي قبله، وحينَ ينزل عاملًا بشريعة محمد ﷺ . ٩ - قوله تعالى: (وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً) إن قلتَ: كيف شبَّهَ الله تعالى نبيَّه ﷺ بالسراجِ دون الشمس مع أنها أتمُّ؟ قلتُ: المراد بالسِّراج هنا: الشمسُ، كما قال تعالى " وجعل الشمس سراجاً ". أو شبَّهه بالسراج لأنه تفرَّع منه بهدايته جميعُ العلماء، كما يتفرع من السراج سُرُجٌ لا تُحصى، بخلاف الشمس. ١٠ - قوله تعالى: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ. .) الآية. التقييدُ بالمؤمنات خرج مَخْرج الغالب، وإِلَّا فالكتابياتُ مثلهنَّ فيما ذُكر في الآية. ١١ - قوله تعالى: ((وَبَنَاتِ عَمِّكَ وبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ. .) الآية. أفردَ العمَّ والخال
следующие страницы →