Полный текст (633 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
أن أمته، يدعون أزواجه بأشرف ما تُنادى به النساءُ وهو الأمُّ، وأشرفُ ما يُنادى بهِ النبيُّ ﷺ لفظُ " الرسول " لا الأب، ولأنه تعالى جعلهن كالأمهات، إجلالًا لنبيّه، لئلا يطمَع أحدٌ في نكاحهن بعده، ولو جعله أباً للمؤمنين، لكان أباً للمؤمناتِ أيضاً فيحرُمْن عليه، وذلك يُنافي إجلالَه وتعظيمه، ولأنه تعالى جعله أولى بنا من أنفسنا، وذلك أعظم من الأبِ في القرب والحرمة، إذ لا أقربَ للِإنسان من نفسه، ولأن من الآباءِ من يتبرأ من ابنه، ولا يمكنه أن يتبرأ من نفسه.
٣ - قوله تعالى: (وَإِذْ أخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ. .) الآية، فيها عطفُ الخاصّ على العامّ، وقُدِّمَ النبيُّ ﷺ في الذكر، على مشاهير الأنبياء، لبيان شرفه وفضله عليهم، صلَّى الله وسلم عليهم أجمعين، وإِنما قُدِّم نوحٌ في آية (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وصَّى به نُوحاً) لأنها سيقت لوصف ما بُعث به نوح من العهد القديم، وما بُعث به نبيُّنا من العهد الحديث، وما
стр. 457
بُعث به من توسَّطهما من الأنبياء المشاهير، فكان تقديم نوحٍ فيها أشدَّ مناسبةً للمقصود.
٤ - قوله تعالى: (وَأخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) .
فائدةُ إعادته التأكيدُ، أو المرادُ بالميثاقِ الغليظِ: هو اليمينُ بالله تعالى، على الوفاء بما حُمِّلوا، وعليه فلا إعادة لاختلاف الميثاقيْن.
٥ - قوله تعالى: (وَيُعَذِّبَ المُنَافِقِينَ إنْ شَاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف علَّق عذابهم بمشيئته، مع أن عذابهم متيقَّنُ الوقوع لقوله تعالى " إنَّ المُنَافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ من النَّارِ "؟!
قلتُ: معناه إن شاء عذابهم - وقد شاء - أو إن شاء موتهم على النفاق.
٦ - قوله تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. .) الآيتين.
المراد بالفاحشةِ: النشوزُ وسوءُ الخُلُقِ.
стр. 458
إن قلتَ: لم خصَّ الله تعالى نساء النبي ﷺ بتَضعيف العقوبة على المذنبِ، والمثوبةِ على الطاعة؟
قلتُ: أما الأول فلأنهن يُشاهدن من الزواجر الرادعة عن الذنوب، ما لا يشاهده غيرهنَّ، ولأنَّ في معصيتهنَّ أذىً لرسول الله ﷺ ، وذنبُ من أذى رسول الله ﷺ أعظمُ من ذنب غيره.
وأما الثاني: فلأنهنَّ أشرف من سائر النساء، لقربهنَّ من رسول الله ﷺ ، فكانت الطاعة منهنَّ أشرفَ، كما أن المعصيةَ منهنَّ أقبح.
٧ - قوله تعالى: (إنَّ المُسْلِمينَ وَالمُسْلِمَاتِ والمُؤْمِنِين وَالمُؤمِنَاتِ. .) الآية.
إن قلت: لم عطَفَ أحدَهما على الآخر، مع أنَّهما متَّحدانِ شرعاً؟!
قلتُ: ليسا بمتَّحديْن مطلقاً، بل هما متَّحدان صدقاً لا مفهوماً، أخذاً من الفرق بين الِإسلام والإِيمان الشرعيَّينْ، إذِ الِإسلامُ الشرعيًّ: هو التلفُّظُ بالشهادتين، بشرط تصديق القلب بما جاء به النبيًّ ﷺ ، والإِيمانُ الشرعيًّ: عكس ذلك، ويكفي في العطف المقتضي للاختلاف،
стр. 459
اختلافهما مفهوماً وإِن اتحدا صدْقاً.
٨ - قوله تعالى: (مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخَاتَمَ النّبيِّينَ. .) الآية،
هو جوابٌ عن سؤالٍ مقَدّر، تقديره: أمحمدٌ أبو زيدِ بن حارثة؟
فأُجيبَ بنفي الأعمِّ المستلزم لنفي الأخصِّ، إذْ لو اقتصر على قوله: ما كان محمد أبا زيدٍ لقيل: وماذا يلزم منه؟ فقد كان للأنبياءِ أبناءٌ، فجيء بنفي الأعمِّ، تمهيدا للاستدراك بأنه رسولُ الله وخَاتَمُ النبيّين.
إن قلتَ: كيف صحَّ نفيُ الأبوَّة عنه، وكان أباً للطيِّب، والطَّاهر، والقاسم، وإبراهيم؟
قلتُ: قد قيَّد النفي بقوله " مِنْ رجالِكُمْ "، لأن إضافة الرجال إلى المخاطبين، تُخرج أبناءه لأنهم رجاله لا رجالهم، ولأن المفهوم منهم بقرينةِ المقام الرجالُ البالغون، وأبناؤه ليسوا كذلك، إذْ لو كان له ابنٌ بالغٌ لكان نبياً، فلا يكون هو خاتم النّبيِّينَ.
فإن قلتَ: كيف قال تعالى " وَخَاتَم النَّبِيِّينَ " وعيسى
стр. 460
عليه السلام ينزل بعده وهو نبيٌّ؟
قلتُ: معنى كونه " خاتَم النَّبِيِّينَ " أنه لا يتنبَّأُ أحدٌ بعده، وعيسى نبي قبله، وحينَ ينزل عاملًا بشريعة محمد ﷺ .
٩ - قوله تعالى: (وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً)
إن قلتَ: كيف شبَّهَ الله تعالى نبيَّه ﷺ بالسراجِ دون الشمس مع أنها أتمُّ؟
قلتُ: المراد بالسِّراج هنا: الشمسُ، كما قال تعالى " وجعل الشمس سراجاً ". أو شبَّهه بالسراج لأنه تفرَّع منه بهدايته جميعُ العلماء، كما يتفرع من السراج سُرُجٌ لا تُحصى، بخلاف الشمس.
١٠ - قوله تعالى: (يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ. .) الآية.
التقييدُ بالمؤمنات خرج مَخْرج الغالب، وإِلَّا فالكتابياتُ مثلهنَّ فيما ذُكر في الآية.
١١ - قوله تعالى: ((وَبَنَاتِ عَمِّكَ وبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ. .) الآية.
أفردَ العمَّ والخال
стр. 461
، وجمعَ العمَّاتِ والخالات، لأن العمَّ والخال بوزن مصدريْنِ وهما " الضمُّ " و " المال " والمصدرُ يستوي فيه المفردُ والجمعُ، بخلاف العمة والخالة، ولا يردُ على ذلك جمعُ العمِّ والخال في قوله في النور " أو بيوت أعمامكم أو بيوتِ أخوالكم " لأنهما ليسا مصدرين حقيقةً، فاعتُبر هنا حقيقتُهما، وثَمَّ شَبَهُهُما.
٢ ١ - قوله تعالى: (لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ في آبَائِهِنَّ ولا أبنائهنَّ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف ذكر فيها الأقاربَ ولم يذكر العمَّ والخال، مع أن حُكْمُها حكمهم في رفع الجُناح؟!
قلتُ: قد مرَّ مثلُ هذا السؤال وجوابه في قوله " ولا يُبدين زينتهنَّ " الآية، فراجعْه.
٣ ١ - قوله تعالى: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ. .) عَطَفَ الأول على الثاني، مع أنها بمعنىً، لتغايرهما لفظاً، كقولهم: فلانٌ عاقلٌ لبيب، وقول الشاعر:
معاذ اللَّهِ من كذبٍ ومَيْنٍ وتقدَّم نظيره.
٤ ١ - قوله تعالى: (فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا
стр. 462
وحَمَلَهَا الِإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولًا) .
إن قلتَ: الِإنسانُ هنا آدمُ ﵇، فكيف وصفه بظلومٍ وجهول، وهما صفتا مبالغة؟
قلتُ: لأنه لجلالة قدره، ورفعة محلِّه، كان ظلمه لنفسه بما حمله وجهله به وإن قلَّ - أفحشَ من غيره، أو لتعدِّي ضررهما لجميع الناس، لِإخراجهم من الجنة - بواسطته.
" تَمَّتْ سُورَةُ الأحزاب "
стр. 463
سُوَرة سبأ
١ - قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ. .) الآية.
" ما بين يديْ الِإنسان ": كلُّ ما يقع نظرُه عليه من غير أن يُحوِّل وجهه إليه. " وما خلفه ": هو كلُّ ما يقع نظره عليه، حتى يحوِّلُه إليه فيعم الجهاتِ كلها.
فإن قلتَ: هلَّا ذكر الأيمان والشمائل كما ذكرها في قوله " ثم لآتينَّهمْ منْ بينِ أَيْدِيهمْ ومِنْ خَلْفِهمْ وعنْ أَيْمانِهمْ وعن شَمَائلِهمْ "؟
قلتُ: لأنه وُجد هنا ما يغني عن ذكرهما، من لفظ العموم والسماء والأرض بخلافه ثَمَّ.
٢ - قوله تعالى (إِنَّ في ذَلِكَ لَاَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) .
قاله هنا بتوحيد " الآية " وقال بعدُه (إنَّ في ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّار شَكُورٍ) بـ جمعهما، لأنَّ ما هنا إشارة الى إحياء الموتى، فناسب التوحيد. وما بعدُ إشارة إلى " سبأ " قبيلة تفرَّقت في البلاد، فصارت فِرَقاً فناسب الجمعُ.
٣ - قوله تعالى: (يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ) . أي نقوشاً من أبنيةٍ، أو صوراً من نحاسٍ، أو زجاجً، أو رُخام.
إن قلتَ: كيف أجاز سليمان ﵇ عمل الصُّوَر؟!
قلتُ: يجوز أن يكون عملها جائزاً في شريعته، وأن تكون غير صور الحيوان وهو جائزٌ في شريعتنا أيضاً.
٤ - قوله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمينٍ وَشِمَالً. .) الآية، وحَّد الآية مع أن الجنتين
стр. 464
آيتان، لتماثلهما في الدلالة، واتحاد جهتهما، كقوله تعالى " وجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيمَ وأُمَّهُ آية ".
٥ - قوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكمْ لَعَلَى هُدَىً أَوْ في ضَلاَلٍ مُبِينٍ. .) .
إن قلتَ: ما معنى التشكيك في ذلك؟
قلتُ: هذا من إجراء المعلوم مجرى المجهول، بطريق اللّفِّ والنشر المرتَّب، و " أو " في الموضوعين بمعنى الواو، والتقديرُ: وإنَّا لعلى هدىً، وأنتم في ضلالٍ مبين، وإنما جاء بذلك لِإرادة الِإنصاف في الجدال، وهو أوصلُ إلى الغرض، أو باقيتين على معناها والمعنى: وإنَّا لمهتدون أو ضالون وأنتم كذلك، وإنما قاله للتعريض بضلالهم، كقول الرجل لخصمه إذا أراد تكذيبه: إنَّ أحدنا لكاذبٌ.
٦ - قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤))
لم يقل فيه ((من قبلِكَ " أو " قبلَكَ " كما في غيرها، لأن ما هنا إخبارٌ مجرَّدٌ، وفي غيره إخبارٌ للنبي ﷺ وتسليةٌ له.
стр. 465
٧ - قوله تعالى: (قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ. .) لم يذكر " كنتم " كما قاله في غيره، لأن قوله هنا " تعملون " وقع في مقابَلةِ " أجرمنا " في قوله: (قُلْ لا تُسْأَلونَ عَمَّا أَجْرمنَا) أي أذنبنا، وضميرُ أجرمنا للنبي ﷺ والمرادُ غيرُه، وغيرُه صدر منه ذنبٌ فعبَّر عنه بالماضي. والمخاطبُ في " تَعْمَلُونَ ". الكُفَّارُ، وكفرُهم واقعٌ في الحال، وفي المستقبل ظاهراً، فعبَّر عنه بالمضارع فلا يُناسبه " كنتم " مع أن الخطاب في ذلك واقع في الدنيا، والخطابُ في غيره نحو " ثمَّ نُنَبئكم بما كنتُم تعملون " واقعٌ في الآخرة، فناسبه التعبيرُ بـ " كنتم ".
٨ - قوله تعالى: (بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ أكثَرُهُمْ بهِمْ مُؤْمِنُونَ)
إن قلتَ: كيف قالت الملائكةُ في حقِّ المشركين ذلك، مع أنه لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنهُ عَبَد الجِنَّ؟
قلتُ: معناه أنهم كانوا يطيعون الشياطين، فيما يأمرونهم به من عبادة غير الله تعالى، فالمراد بالجِنِّ الشياطينُ، على أن الكرماني جزم بأنهم عبدوا الجنِّ أيضاً.
" تَمَّتْ سُورَةُ سبأ "
стр. 466
سورة فاطر
١ - قوله تعالى: (وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ. .) الآية.
إن قلتَ: لمَ عبَّر بالمضارع وهو " تُثيرُ " بين ماضيَيْنِ؟!
قلتُ: للِإشارة إلى استحضار تلك الصورة البديعة، وهي إثارةُ الرياحِ السحابَ، الدالة على القدرة الباهرة، حتى كأن السامع يُشاهدها، وليس الماضي كذلك.
٢ - قوله تعالى: (وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَفَرٍ وَلَا يُنْقصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَأ في كِتَابِ. .) الآية، " مِنْ مُعَمَّرٍ " أي من أحدٍ، وسمَّاه مُعَمًّراً بما يصَيرُ إليه.
٣ - قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا. .)
قاله هنا بتأنيث الضمير لعوده إلى الثمراتِ، وقال
стр. 467
ثانياً: " مختلفٌ ألوانُها " بتأنيثه أيضاً، لعوده إلى الجبال، وقال ثالثاً: " مختلفٌ ألوانُهُ " بتذكيره، لعوده إلى بعض المفهوم من لفظ من قوله " ومن الناسِ والدوابِّ والأنعام ". ٤ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) .
قاله هنا بلفظ " الله " لعدم تقدم ذكره، وبزيادة اللام موافقةً لقوله بعدُ " إنَّ ربَّنا لغفورٌ شكورٌ " وقاله في الشورى بالضمير، لتقدم لفظ " الله " وبحذف اللام لعدم ما يقتضي ذكرها.
٥ - قوله تعالى: (لاَ يَمَسُّنا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ) .
الفرقُ بين " النَّصَبِ " و " اللُّغوبِ " أنَّ النَّصبَ: تعبُ البدنِ، واللغوب: تعبُ النفْس، وفرَّق الزمخشري بينهما بأن النَّصبَ: التعبُ، واللغوب: الفتورُ الحاصلُ بالنَّصب، ورُدَّ بأن انتفاء الثاني معلومٌ من انتفاء الأول.
٦ - قوله تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونِ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَل صَالِحاً غَيْر الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ)
стр. 468
إن قلتَ: الوصفُ بغير الذي كنا نعمل، يوهم أنهم كانوا عملوا صالحاً غير الذي طلبوه، مع أنهم لم يعملوا صالحاً قطُّ بل سيئاً؟
قلتُ: قالوه بزعمهم أنهم كانوا يعملون صالحاً كما قال تعالى " وهم يحسَبُونَ أنهم يُحْسِنونَ صُنْعاً " فمعناه غير الذي كنا نحسبه صالحاً فنعمله.
٧ - قوله تعالى: (فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً) .
إن قلتَ: التبديلُ: تغييرُ الشيءِ عمَّا كان عليه مع بقاءِ مادته، والتحويلُ: نقلُه من مكانٍ إلى آخر، فكيف قال ذلك مع أن سنة الله لا تُبدَّلُ ولا تحوَّلُ؟!
قلتُ: أراد بالأول أن العذاب لا يُبدَّل بغيره، وبالثاني أنه لا يُحوَّل عن مستحقِّه إلى غيره، وجَمَعَ بينهما هنا تتميماً لتهديد المسيء لقبح مكره، في قوله تعالى (وَلَا يَحِيقُ المكْرُ السَّيِّىءُ إِلَّا بِأَهلِهِ) .
" تَمَّتْ سُورَةُ فاطر "
стр. 469
سُوَرة يس
١ - قوله تعالى: (فَعَزَّزْنَا بِثَالِتٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ) .
قاله هنا بغير تأكيد باللَّام، ولأنه ابتداءُ إخبارٍ، وقاله بعد بالتأكيد بها لأنه جوابٌ بعد إنكارٍ وتكذيبٍ، فاحتيج إلى التأكيد.
٢ - قوله تعالى: (وَمَاليَ لَا أَعْبًدُ الَّذِي فَطَرَ ني وَإِلَيْهِ تًرْجَعُونَ) ، قاله الجائي من المدينة.
إن قلتَ: كيف أضاف الفطرة إلى نفسه، والرجوع - الذي هو البعثُ - إليهم، مع علمه بأن الله فطرهم وإياهُ، وإليه يرجع هو وهم، فلم يقل: الذي فطرنا وإليه نرجع، أو فطركم وإليه ترجعون؟!
قلتُ: لأن الخلْقَ والإِيجاد نعمةٌ من الله تعالى تًوجب
стр. 470
الشكر، والبعثَ بعد الموت للجزاءِ وعيدٌ من الله يوجب الزجر، فأضاف ما يقتضي الشكر لنفسه، لأنه أليقُ بإيمانه، وما يقتضي الزجر إليهم لأنه أليقُ بكفرهم.
٣ - قوله تعالى: (إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدةً فَإذَا هُمْ خَامِدُونَ) . ذُكرِ هنا مرتين، وليس بتكرار، لأن الأول هي النفخةُ التي يموت بها الخلق، والثانية هي النفخة التي يحيا بها الخلْقُ.
٤ - قوله تعالى: (لَا الشَّمْسُ يَنْبَغى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ القَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهارِ) .
إن قلتَ: كيف نفى تعالى الِإدراك عن الشمس للقمر، دون عكسه؟
قلتُ: لأن سير القمر أسرعُ، لأنه يقطع فلكه في شهرٍ، والشمسُ لا تقطع فلكها إلّاَ في سنة، فكانت جديرةً بأن توصف بنفي الِإدراكِ لبطء سيرها، والقمر خليقاً بأن يوصف بالسبق لسرعة سيره.
стр. 471
٥ - قوله تعالى: (وَآيَةٌ لَهُمْ أئا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ) .
إن قلتَ: الذُّرية اسم للأولاد، والمحمولُ في سفينة نوحٍ ﵇، آباءُ المذكورين لا أولادهم؟!
قلتُ: الذرِّية من أسماء الأضداد عند كثيرٍ، تُطلق على الآباء والأولاد، والمرادُ هنا: الفريقان، فمعناه حملنا آباءهم وأولادهم، لأنهم كانوا في ظهور آبائهم المحمولين ظاهراً.
٦ - قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ مَتىَ هَذَا الوَعْدُ إِنْ كنْتُمْ صَادِقِينَ) أي متى إنجازه؟ وإلَا فالوعدُ بالبعث كان واقعاً لا منتظراً. أو أراد بالوعد: الموعود.
٧ - قوله تعالى: (قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَأَ مِنْ مَرْقَدِنا. .) الآية.
إن قلتَ: قولُهم ذلك سؤال عن الباعث، فكيف طابقَه الجواب بقوله " هَذَا مَا وَعَدَ الرحْمنُ وَصَدَقَ المُرْسَلُونَ "؟
قلتُ: معناه: بعثكم الرحمنُ الذي وعدكم بالبعث،
стр. 472
وأخبركم به الرسول. وإنما جيء به على هذه الطريقة تبكيتاً لهم وتوبيخاً.
٨ - قوله تعالى: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ في ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَائِكِ مُتَكِئُونَ)
إن قلتَ: كيف قال في صفة أهل الجنَّة ذلك، والظلُّ إنما يكون لا يقع عليه الشمس، ولا شمس في الجنة لقوله تعالى: " لا يَرَوْنَ فيهَا شَمْساً وَلَا زَمْهَرِيراً "؟
قلتُ: ظلُّ أشجار الجنة من نور قناديل العرش، أو من نور العرش، لئلا تبهر أبصارهم، فإنه أعظم من نور الشمس.
٩ - قوله تعالى: (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)
سمَّى نطق اليد كلاماً، ونطق الرجل شهادةً، لأن الغالب في كونها فاعلة، وفي الرِّجْلِ كونها حاضرة، وقولُ الفاعل على نفسه إقرارٌ لا شهادة، وقولُ الحاضر على غيره شهادة.
١٠ - قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ
стр. 473
إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)
أي: إنشاءه " وما ينبغي له " أي ما يليق به ذلك. كما قال تعالى " وَمَا ينبغي للرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ ولَداً "
وما ورد عنه ﷺ من الرجز نحو قوله:
أَنَا النَّبيُّ لا كذِبْ أنا ابنُ عبدِ المطَّلبْ
وقوله:
هل أنتِ الَّا أُصْبُعٌ دَمِيتِ وفي سبيل اللَّهِ مَا لَقِيتِ
فليس بشعرٍ عند الخليل، أو أَنَّ الموزون بوزنِ الشعر - وإن لم يعَن رَجَزاً - ليس بشعر عند أحدٍ، إذِ الشعرُ قولٌ موزونٌ مُقَفَّى، مقصودٌ به الشعر، والقصدُ منتفٍ فيما رُوي من ذلك.
١١ - قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا. .) الآية، أي قدرتُنا، عبَّر عنها باليد لما بينهما من الملازمة، وللِإشارة إلى الانفراد بخلق الأنعام، كما يُقال في عمل القلب: هذا ممَّا عملتْ يداك، وإن لم يكن للمخاطب يدٌ.
١٢ - قوله تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلَاَ وَنَسِيَ خَلْقَهُ. .)
стр. 474
الآية، سمَّاه مثلًا، وإن لم يكن مثلاً، لما اشتمل عليه من الأمرِ العجيب، وهو إنكار الِإنسان قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، مع شهادة العقل والنقل على ذلك.
" تَمَّتْ سُورَةُ يس "
سُورة الصّافَّات
١ - قوله تعالى: (ربُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا وَرَبُّ المَشَارِقِ) .
إن قلتَ: لمَ جمع هنا المشارق وحذف مقابله، وثنَّاه في الرحمن، وجَمَعه في المعارج، وأفرده في المزَّمِّل مع ذكرِ مقابله في الثلاثة؟!
قلتُ لأن القرآن نزل على المعهود، من أساليب كلام العرب وفنونه، ومنهما الِإجمالُ والتفصيلُ، والذِّكرُ والحذفُ، والجمعُ والتثنيةُ والِإفرادُ باعتباراتٍ مختلفة، فأفرد وأجمل في
стр. 475
المزمِّل، بقوله " رَبّ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ " أراد مشرق الصيف والشتاء ومغربهما، وجَمَع وفَصّل في المعارج بقوله " فَلَا أً قْسِمُ بِرَبِّ المَشَارِقِ وَالمَغَارِبِ " أراد جميع مشارق السَّنَة ومغاربها، وهي تزيد على سبعمائة، وثنَّى وفصَّل في الرحمن بقوله " رَبّ المشرقَيْنِ وربُّ المَغْرِبَينِ " أراد مشرقي الصيف والشتاء ومغربهما، وجمع وحذفَ هنا بقوله " ربُّ المشارق " أراد جميع مشارق السنة، واقتصر عليه لدلالته على المحذوف، وخصَّ ما هنا بالجمع موافقةً للجموع أول السورة، وبالحذف مناسبة للزينة في قوله " إنا زينا السماءَ الدنيا بزينةٍ الكواكب " إذِ الزينةُ إنما تكون غالباً بالضياء والنو، وهما ينشئان من المشرقِ لا من المغرب، وما في الرحمن بالتثنية، موافقة للتثنية في " يسجدان " وفي " فبأيِّ آلاء ربكما تُكَذِّبان " وبذكرِ المتقابِلَيْن موافقةً لبسط صفاته تعالى وإنعاماته ثمَّ، وما في المعارج بالجمع، موافقةً للجمع قبله وبعده، وبذكرِ المقابِلَيْنِ موافقةً لكثرة التأكيد في القسم وجوابه، وما في المزمِّل بالإِفراد موافقةً لما قبلَه، من إفراد ذكر النبي ﷺ ، وما بعدَه من إفراد ذكرِ الله تعالى، وبذِكرِ
стр. 476
المتقابِلَيْن موافقةً للحصر في قوله " لا إِلهَ إلَّا هو " ولبسطِ أوامر الله تعالى لنبيِّه ﷺ .
٢ - قوله تعالى: (إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) .
إن قلتَ: لمَ خصَّ سماء الدنيا بزينةِ الكواكب، مع أنَّ بقية السموات مزيَّنةٌ بذلك؟
قلتُ: لأنَا إنَّما نرى سماء الدنيا، دون غيرها.
٣ - قوله تعالى: (بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ) .
" عجبت " بضم التاءِ على قراءةِ حمزةَ والكسائي.
فإن قلتَ: ما وجهُهُ مع أن التعجب روعةٌ تعتري الِإنسانَ، عن استعظام الشيء، واللهُ منزَّهٌ عنها؟!
تلت: أراد بالتعجُّبِ الاستعظامُ، وهو جائزٌ على الله تعالى، أومعناه: قل يا محمدُ بل عجبتُ، وفي الذي تُعجِّب قولان: أحدهما كفرهم بالقرآن، والثاني إنكارهم البعث.
٤ - قوله تعالى: (أَئِذَا مِتْنَا وَكنَّا تُرَاباً وَعِظاماً أئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) .
ختم الآية بقوله " أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ "؟ وختم التي بعدها
стр. 477
بقوله " أئنا لمدينون "؟ أي لمجزيُّون ومحاسبون، لأن الأول في حقّ المنكرين للبعث، والثانية في حقّ المنكرينَ للجزاء، وإن كان كلٌّ منهما مستلزماً للآخر.
٥ - قوله تعالى: (وَتَرَكنَا عَلَيْهِ في الآخِرِينَ) .
إن قلتَ: كيف قال عقِبَه في قصص - ما عدا قصة " لوطٍ، ويونسَ، وإلياسَ " - " سلام على نوحٍ " " سلامٌ على إبراهيم " " سلام على موسى وهارون " " سلامٌ على الياسين " ولم يقل ذلكَ في قصص الثلاثة؟!
قلتُ: اكتفاءً فيها بقوله " وإنَّ لوطاً لمنَ المرسلِين "
" وإن يونسَ لَمِنَ المُرْسَلِين " " وإنَّ إِلْياسَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ ".
٦ - قوله تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا المُؤْمِنِينَ) .
إن قلتَ: كيف مدح تعالى نوحاً وغيره كإِبراهيم، وموسى، وعيسى ﵈ بذلك، مع أن مرتبة الرسل فوق مرتبة المؤمنين؟!
قلتُ: إنما مدحهم بذلك، تنبيهاً لنا على جلالة محلِّ الإِيمان وشرفه، وترغيباً في تحصيله، والثباتِ عليه، والازدياد منه، كما قال تعالى في مدح إبراهيم عليه السلام
стр. 478
: " وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) ".
٧ - قوله تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ. فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ) .
لم يقل " إلى النجوم " مع أنَّ النَّظر إنَّما يتعدّى بـ " إلى " كما
في قوله تعالى: " ولكنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ " لأنَّ " في " بمعنى " إلى " كما في قوله تعالى: " فَرَدُّوا أيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ " أو أن النظر هنا بمعنى الفكر، وهو يتعدى بـ " في " كما في قوله تعالى " أولمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّمواتِ " فصار المعنى: ففكَّر في علم النجوم.
فإن قلتَ: لِمَ لَمْ يجز النَّظرُ في علم النُّجوم، كما جاز لِإبراهيم؟!
قلتُ: إذا كان الناظر فيه كإبراهيم، في أنَّ اللهَ أراه ملكوتَ السموات والأرضِ، جاز له النظر فيه.
وقولُه: " إني سقيمٌ " قاله إبراهيم ﵇، ليتخلَّف عنهم إذا خرجوا إلى عيدهم، فيكيدَ أصنامهم.
فإن قلتَ: كيف جاز له أن يقول ذلك، مع أنه ليس بسقيم؟!
стр. 479
قلت: معناه سأسقم، كما في قوله تعالى " إنَّكَ ميت "،
أو سقيمُ القلب عليكم لعبادتكم للأصنام وهي لا تضرُّ ولا تنفع، أو أنَّ من يموت فهو سقيمٌ.
٨ - قوله تعالى: (فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ) أي يُسرعون المشيَ.
فإن قلتَ: هذا يدلُّ على أنهم عرفوا أن إبراهيم هو الكاسر لآلهتهم، وقولُه في الأنبياء " قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتنا " الآية، يدلُّ على أنهم ما عرفوا أنه الكاسرُ لها؟
قلتُ: يحتمل أنَّ بعضهم عرفه فأقبل إليه.
٩ - قوله تعالى: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) أي إلى حيث أمرني ربي وهي المهاجرة للشام، أو إلى طاعة ربي ورضاه، وقوله " سيهْدينِ " أي سيثبِّتُني على هداي، ويزيدني هُدَى
١٠ - قوله تعالى: (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ) .
ختمه هنا بـ " حليم " وفي الحِجْر، والذاريات بـ " عليم " نظراً في ذيْنكَ لشرفِ العلم، وفيما هنا لمناسبته حِلْمَ
стр. 480
الغلامِ، لوعده بالصبر في جوابه لسؤال ابنه له في ذبحه بقوله " سَتَجِدُني إنْ شَاءَ اللَّهُ منَ الصَّابرين ".
١١ - قوله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى في المَنَام أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى. .) الآية، أي في ذبحي إيًّاك، لم يشاوره ليرجع إلى رأيه، لأنَّ أمرَ اللهِ حتمٌ، لا يتخلف الأنبياءُ عنده، بل ليختبرَ صبرَه، وليوطِّنَ نفسه على الذبح، فيلقى البلاء كالمستأنسِ به، ويكتسب الثواب بصبره وانقياده، ولتكون " سُنَّةً " في المشاورة، فقد قيل: لو شاورَ آدمُ ﵇ الملائكةَ في أكل الشجرة، لمَا صدر منه ما صدر.
واختلفوا في الذبيح هل هو " إسماعيلُ " أو " إسحاق " والجمهورُ على أنه إسماعيل.
١٢ - قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَ اهِيمُ. قَدْ صَدَّقْتَ الرُؤْيَا. .) .
إن قلتَ: كيف قال " قدْ صَدَّقتَ الرُّؤْيا " مع أنَّ تصديقها إنما يكون بالذبح ولم يوجد؟
стр. 481
قلتُ: معناه قد فعلتَ ما في غاية وُسْعكَ، ممَّا يفعله الذابح من إلقاء ولدك، وإمرار المُديةِ على حلقه، ولكنَّ اللهَ منعها أن تقطع، أو أنَّ الذي رآه في النوم، معالجة الذبح فقط لِإراقة الدم، وقد فعل ذلك في اليقظة فكان مصدِّقا للرؤيا.
١٣ - قوله تعالى: (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ. وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ) . جواب " لمَّا " محذوفٌ أي استبشرا واغتبطا شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليهما من الفداء، أو قولهُ " نَادَيْنَاه " والواو زائدة.
١٤ - قوله تعالى: (كذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ) .
إن قلتَ: لمَ قاله هنا، أعني في قصة إبراهيم بحذف " إذَّا " وأثبتَه في آخر غيرها من القصص؟
قلتُ: حذفه في قصة إبراهيم اختصاراً، واكتفاءً بذكره له قبلُ، في قصته بقوله: " وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إبْرَاهيمُ " الآية، مع أنَّ ما بعد قصته كان من تكملتها وهو قوله: " وَبَشَّرْنَاهُ بإِسحاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ " بخلاف سائر القصص.
١٥ - قوله تعالى: (وَإِنَّ لُوطًا لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٣) إِذْ نَجَّيْنَاهُ
стр. 482
وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٣٤) .
إن قلتَ: لوطٌ كان رسولًا قبل التنجية، فما وجه تعلق " إذْ نجَّيْناه " به؟
قلتُ: هو ليس متعلقاً به، بل بمحذوفٍ تقديره: واذكرْ، وكذا القولُ في قوله تعالى " وإنَّ يونسَ لمنَ المُرْسَلين. إذْ أَبَقَ إلى الفُلْكِ المَشْحُونِ ".
١٦ - قوله تعالى: (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) .
إن قلتَ: " أَوْ " للشَّكِّ، وهو على اللَّهِ محالٌ؟!
قلتُ: " أو " بمعنى " بل " أو بمعنى الواو، أو المعنى أو يزيدون في نظرهم، فالشكُّ إنما دخل في قول المخلوقين.
١٧ - قوله تعالى: (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) . تهديدٌ لهم، ثم أعاده في قوله " وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ " تأكيداً. أو لأنَّ الأول في الدنيا، والثاني في الآخرة، وحذف منه المفعول اكتفاءً بذكره أولاً.
" تمت سووة الصافات "
стр. 483
سورة ص
١ - قوله تعالى: (ص) إن جُعل اسماً للسورة، فهو خبر مبتدأٍ محذوفٍ أي هذه " صَ " السورة التي أعجزت العرب، فقوله " والقرآنِ ذي الذكر " قسمُ عجز العرب، كقولك: هذا حاتمٌ واللَّهِ، أي هذا هو المشهور بالسخاء واللَّهِ، وإن جُعلَ قَسَماً فجوابه مع ما عُطف عليه محذوفٌ تقديره: إنه كلامٌ معجز، أو لنهلكنَّ أعداءك بقرينة قوله " كمْ أهلكْنَا مِنْ قبلِهمْ مِن قَرْنٍ " أو جوابه " كَمْ " وأصله " لَكَمْ " حُذفت اللاَّم لطول الكلام تخفيفاً، كما في قوله تعالى " والشَّمسِ وضُحَاهَا. . قَدْ أفلَحَ مَنْ زَكَّاهَا " وقيل: غير ذلك.
٢ - قوله تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ
стр. 484
(٤) .
قاله هنا بالواو، وفي " ق " بالفاء، لأنَّ ما هناك أشدُّ اتصالًا منه هنا، لأنَّ ما هنا متَّصلٌ بما قبله اتصالَاَ معنوياً فقط، وهو أنهم عجبوا من مجيء المنذِر، وقالوا هذا ساحرٌ كذَّابٌ، وما في " ق " متصلٌ بما قبله اتصالًا لفظياً ومعنوياً، وهو أنهم عجبوا عقب الِإخبار عنهم بأنهم عجبوا، فقالوا هذا شىء عجيب، فناسب فيه ذكرُ الفاء دون ما هنا.
٣ - قوله تعالى: (أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا. .) الآية.
قاله هنا بلفظ " أَأُنزِلَ " وفي القمر بلفظ " أَأُلقِيَ "، لأن
ما هنا حكايةٌ عن كفار قريش، فناسبَ التعبيرُ به، لوقوعه إنكاراً لمَّا قرأه عليهم النبي ﷺ ، من قوله تعالى " وَأنْزَلنَا إليكَ الذِّكرَ لتُبيِّن للنَّاسِ مَا نُزِّلَ إليهِمْ " وما في القمر حكايةٌ عن قوم صالح، وكانت الأنبياءُ تُلقي إليهم صحفٌ مكتوبة، فناسبَ التعبيرُ ب " أُلقي " وقدَّم الجار والمجرور على الذكر هنا، موافقةً لما قرأه النبي ﷺ على المنكرين، وعَكَس في القمر جرياً على الأصل، من تقديم المفعول بلا واسطة
стр. 485
على المفعول بواسطة.
٤ - قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ. . إلى قوله: فَحَقَّ عِقَابِ) .
ختم أواخر آياته هنا بما قبل آخره ألفٌ، وآيات قوله في (ق) " كذَّبتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ. . إلى قوله: فَحَقَّ وَعِيدِ " بما قبل آخره ياءٌ أو واوٌ، موافقة لبقية فواصل السورتين،
٥ - قوله تعالى: (إذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ. .) .
أي قالوا حين دخلوا على داود ﵇: نحنُ خصمان وهما مَلَكانِ مثَّلا أنفسهما معه بخصمينِ بغى أحدهما على الآخر، على سبيل الفرض والتصوير، لأن الملائكة مُنتفٍ عنهم البغيُ والظلم، وكذا قولُه " إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسعُون نَعْجةً وَليَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ " كقول الفقيه: لزيدٍ أربعون شاةً، وعمروٍ مثلُها وخلطاها وحال عليها الحول، كم يجب فيها؟ وليس لهما شيء من ذلك. وكنًى عن المرأة بالنَّعجة (١) ، كما مثل نفسه بالخصم.
стр. 486
٦ - قوله تعالى: (فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢) .
إن قلتَ: ما معنى تكرر الحُبِّ وتعديته ب " عَنْ " وظاهرُه إني أحببتُ حباً مثل حبِّ الخير، كقولك: أحببتُ حُبَّ زيدٍ أي مثلَ حبِّهِ؟
قلتُ: أحببتُ هنا بمعنى آثرتُ، كما في قوله تعالى
" فَاستَحَبُّوا العَمَى عَلى الهُدَى " أي آثروه، و " عن " بمعنى " على " كما في قوله تعالى " ومن يبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ " فيصيرُ المعنى: آثرتُ حبَّ الخير على ذكر ربّي.
٧ - قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لي وَهَبْ لي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. .) .
إن قلتَ: كيف قال سليمان ذلك، مع أنه يُشبه الحسد والبخل بنعم الله تعالى على عباده، بما لا يَضرُّ سليمانَ؟!
قلتُ: المرادُ لا ينبغي لأحدٍ أن يسلبه مني في حياتي، كما فعل الشيطان الذي لبس خاتمي، وجلس على كرسيِّ
стр. 487
(١) ..
أو أنَّ الله علم أنه لا يقوم غيره مقامه بمصالح ذلك المكان، واقتضت حكمته تعالى تخصيصه به، فألهمه سؤاله.
٨ - قوله تعالى: (إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ) .
إن قلتَ: كيف وصف الله تعالى أيوب ﵇ بالصبر، مع أن الصبر ترك الشكوى من ألم البلوى، وهو قد شكى بقوله " أَنِّي مَسَّنيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبِ وَعَذَابِ " وقوله " أني مَسّنِي الضُرُّ "؟
قلتُ: الشكوى إلى اللَّهِ تعالى لا يُنافي الصبر، ولا تُسمَّى جزعاً لما فيها من الجهاد والخضوع والعبودية للَّهِ تعالى، والافتقار إليه، ويؤيده قول يعقوب ﵇ " إنَّمَا أشكُو بَثِّي وحُزْنِي إِلَى اللَّهِ " مع قوله " فَصَبْرٌ جَميلٌ " وقولهم: الصبرُ تركُ الشكوى أي إلى العباد، أو أنه ﵇ طلب الشفاء من الله تعالى، بعدما لم يبق منه إلَّا قلبُه ولسانُه، خيفةً على قومه أن يفتنهم الشيطان، ويوسوس إليهم أنه لو كان نبيًّا لَمَا ابتُلي بما هو فيه، ولكشفَ الله ضرَّه إذا دعاه.
стр. 488
٩ - قوله تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْم الدِّينِ) .
إن قلتَ: هذا يدلُّ على أنَّ غاية لعنة الله تعالى لِإبليس إلى يوم القيامة قد تنقطع؟
قلتُ: كيف تنقطع وقد قال تعالى " فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ على الظّاِلمينَ " وإبليسُ أظلمُ الظَّلمةِ، والمراد أن عليه اللعنة طول مدَّةِ الدنيا، فإذا كان يوم القيامة، اقترن له باللعنة من أنواعِ العذاب، ما ينسى معه اللعنة، فكأنها انقطعت.
" تَمَّتْ سُورَةُ ص "
стр. 489
سورة الزُمر
١ - قوله تعالى: (إنَّا أنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ. .) .
عبَّر فيه هنا ب " إلى " وفيها أثناء السورة ب " على ". . تقدَّم في البقرة الفرقُ بين " إلى " و " على " ونزيد هنا أنَّ كلَّ موضعٍ خُوطب فيه النبيُّ ﷺ بالِإنزالِ، أو التنزيل، أو النزول، إن عُدِّيَ ب " إلى " ففيه تكليفٌ له، أو ب " على " ففيه تخفيفٌ عنه، فما هنا تكليفٌ له بالِإخلاص في العبادة بدليل قوله " فاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ " وما في أثناء السورة تخفيفٌ عنه بدليل قوله " وما أنتَ عليْهم بوكيلٍ " أي لستَ بمسئولٍ عنهم.
٢ - قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ) .
стр. 490
أي دائمٌ على كفره وكذبه، أو لا يهديه إلى حجة يُلزم بها المؤمنين، وإلَّا فكم هُدي من كافر.
٣ - قوله تعالى: (لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف يكون قوله فيها " لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشَاءُ " مع أن كل من ادَّعى له ولداً، أو نسبَ إليه ولداً قال: إنَّ الله اصطفاه من خلقه فجعله ولداً؟! (١)
قلتُ: إن جُعِلَ ردًّا على اليهود في قولهم: إن عزيراً بن الله، وعلى النَّصارى في قولهم: إنه المسيحُ. . كان معناه: لاصطفى ولداً من الملائكة لا من البشر، لأن الملائكة أشرفُ من البشر بلا خلافٍ بين اليهود والنصارى.
أو ردًّا على مشركي العرب في قولهم: إنه الملائكة، كان معناه لاصطفى ولداً من جنس ما يخلق كل شيء يريده، ليكون ولدُه موصوفاً بصفته،
لا من الملائكة الذين لا
стр. 491
يقدرون على إيجاد جناح بعوضة.
ولا يرد على هذا خلق عيسى ﵇ الطَّيْرَ، لأنه ليس بتامّ، أو لأنه بمعنى التقدير من الطين، ثم اللَّهُ يخلقه حيواناً، بنفخ عيسى ﵇ إظهاراً لمعجزته.
٤ - قوله تعالى: ((خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالَأرْضَ بِالحَقِّ. .) أي بسبب إقامته.
٥ - قوله تعالى: (خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا. .) الآية.
إن قلتَ: كيف عطف ب " ثُمَّ " مع أن خلق حواء من آدم، سابقٌ على خلقنا منه؟!
قلتُ: " ثُمَّ " هنا للترتيب في الِإخبار لا في الِإيجاد، أو المعطوف متعلِّقٌ بمعنى واحدة، و " ثُمَّ " عاطفة عليه لا على " خلقكم " فمعناه: خلقكم من نفسٍ واحدة أُفردت بالإِيجاد، ثم شُفِعتْ بزوج.
أو هو معطوف على " خلقكم " لكنَّ المراد بخلقهم، خلقُهم يوم أخذ الميثاق، لا هذا الخلق الذي يتمُّ فيه الآن،
стр. 492
بالتوالدِ والتناسل، وذلك أن الله خلق آدم ﵇، ثم أخرج أولاده من ظهره كالذَّرِّ، وأخذ عليهم الميثاق ثم ردَّهم إلى ظهره، ثم خلق منه حواء.
٦ - قوله تعالى: (وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الَأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجً. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أنَّ الأنعامَ مخلوقةٌ في الأرضِ، لا منزلةٌ من السَّماءِ؟
قلتُ: هذا من مجازِ النسبةِ إلى سبب السَّبب، إذِ الأنعامُ
لما كانت لا تعيش إلّا بالنَّباتِ، والنَّباتُ لا يعيش إلا بالمطرِ، والمطرُ منزلٌ من السماء، وصفها بالإِنزالِ، من تسمية المسبَّب باسم سَببِ سببه.
أو معناه: وقضى لكم، لأن قضاءه منزلٌ من السماء، من حيث كُتب في اللوح المحفوظ.
أو خلقها في الجنة ثم أنزلها على آدم ﵇، بعد إنزاله إلى الأرض، والِإنزالُ بمعنى الإِحداثِ والِإنشاءِ، لقوله تعالى " يا بني آدمَ قَدْ أَنْزَلْنَا علَيكُمْ لباساً ".
стр. 493
٧ - قوله تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ) .
زاد اللّاَمَ بعد " أمِرْتُ " الثاني دون الأول، لأن مفعول الثاني محذوفٌ اكتفاءً بمفعول الأول، والتقديرُ: وأُمرتُ أن أكون عبداً لله لأن أكون.
فإن قلتَ: لمَ قال في هذه الآية " مُخْلِصاً لهُ الدِّينَ " ب " أل " وقال بعد: " قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِيني " بالإِضافة.
قلتُ: لأن قوله " اللَّهَ أَعْبُدُ " إخبارٌ عن التكلِّم، فناسبتِ الِإضافةُ إليه، وقوله " أُمِرْتُ أنْ أَعْبُدَ اللَّهَ " ليس إخباراً عن المتكلِّمِ، فناسبت الِإخبارَ عنه أصالة " أُمِرْتُ " فقط، وما بعده فضلةٌ.
٨ - قوله تعالى: (ثُمَّ يَهيجُ فَتَرَاهُ مُصْفرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً. .) .
قاله هنا بلفظ " يَجْعَلُهُ " وفي الحديد بلفظ " يكونُ " موافقةً في كلٍّ منهما لما قبله، وهو " كَمَثَلِ " غَيْثٍ أعجَبَ الكُفَّارَ نَباتُهُ ".
стр. 494
٩ - قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكِتَابَ لِلنَّاس بِالحَقِّ فَمن اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ. .) .
قاله هنا بحذف " فإِنما يهتدي " المذكورُ في يونس والِإسراء، اكتفَاءً بما ذكره بقوله قبلُ " وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ وَمَنْ يَهدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ".
١٠١ - قوله تعالى: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَميعاً لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالَأرْضِ ثُمَّ إليه تُرْجَعُونَ)
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن للأنبياء، والعلماء، والشهداء، والأطفال، شفاعةٌ؟
قلتُ: معناه أن أحداً لا يملكها إلَّا بتحليلها، كما قال تعالى: " منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ " وقال: " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلا لِمَن ارْتَضَى ".
١١ - قوله تعالى: (وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبكُمْ. .) الآية.
إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن القرآن كلَّه حسنٌ؟
стр. 495
قلتُ: معناه أحسنَ وحيِ، أو كتاب أُنزل اليكم، وهو القرآن كلُّه. أو أحسنُ القرآنُ آَياتُه المحكماتُ، أو آياتُه التي تضمَّنت أمر طاعةٍ أو إحسان، وقد مرَّ نظير هذا السؤال في نظير هذه الآية في الأعراف، في قوله تعالى " وَأْمُرْ قومَكَ يأخذوا بأحسنِها " وما مرَّ ثَمَّ في جوابه يأتي هنا.
٢ ١ - قوله تعالى: (وَلَقَدْ أوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ. .) .
إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن الموحى إليهم جمعٌ، ولمَّا أوحِيَ إلى من قبلَه، لم يكن فِى الوحي إليهم خطابُه.
قلتُ: معناه ولقد أوحي إلى كل واحدٍ منك ومنهم لئن أشركتَ، أو فيه إضمارُ نائب الفاعل تقديره: ولقد أوحِيَ إليك وإلى الذِينَ من قبلك التوحيدُ، ثم ابتدأ فقال: " لئن أشركتَ "، أو فيه تقديمٌ وتأخير تقديره: ولقد أُوحيَ إليك لئن أشركتَ، وكذلك أُوحي إلى الذين من قبلك.
٣ ١ - قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً. .) الآيتين.
следующие страницы →