← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالقَوْلِ. .) . فائدةُ ذكرِ " وَلَا تَجْهرُوا لهُ بالقَوْلِ " بعد قوله " لَا تَرْفَعُوا أصواتكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَبِيِّ " النهيُ عن الجهرِ في مخاطبتِهِ، وإنْ لم يتضمَّنْ رفع أصواتِهم على صوته. وقيلْ: المراد النهيُ عن مخاطبته ﷺ باسمه. ٣ - قوله تعالى: (أنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمُ وأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) أي مخافة حبوطها. فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ الأعمال إنما تحبط بالكفر، ورفعُ الصوتِ على صوتِ النبي ليس بكفر؟ قلتُ: المراد به الاستخفاف بالنبي ﷺ ، لأنه ربما يؤدي إلى الكفر. وقيل: حبوطُ العمل هنا مجازٌ عن نقصان المنزلة، وانحطاطِ الرتبة. ٤ - قوله تعالى: (وَلَكنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الِإيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي

стр. 527

قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إليكُمُ الكُفْرَ وَالفُسُوقَ والعِصْيَانَ ... ) . إن قلتَ: ما فائدةُ الجمعِ بين الفِسْقِ والعصيانِ؟! قلتُ: الفسوقُ: الكذبُ كما نُقل عن ابن عباس ﵄، والعصيانُ: بقيَّةُ المعاصي، وإنما أفردَ الكذبَ بالذِّكر، لأنه سببُ نزول هذه الآية. وقيل: الفسوقُ: الكبيرةُ، والعصيانُ: الصغيرة. ٥ - قوله تعالى: (قَالَتِ الَأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. .) . المنفيُّ هنا: الِإيمانُ بالقلبِ، والمُثْبتُ: الانقيادُ ظاهراً، فهما في اللغةِ متغايران بهذا الاعتبار، كما أنهما في الشرع مختلفان مفهوماً، متَّحدانِ صدقاً، إذِ الِإيمانُ هو التصديقُ بالقلب، بشرط التلفظِ بالشهادتين، والِإسلامُ بالعكس. ٦ - قوله تعالى: (إِنمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا. .) الآية.

стр. 528

إن قلتَ: العملُ ليس من الِإيمان، فكيف ذكرَ أنه منه في هذه الآية؟ قلتُ: المرادُ منها الإِيمانُ الكاملُ، أي إنما المؤمنون إيماناً كاملًا، كما في قوله تعالى " إِنمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ ". وقوله ﷺ : ((المسلمُ من سلِمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ ". " تَمَّتْ سُورَةُ الحجرات " سورة ق ١ - قوله تعالى: (ق. وَالقُرْآنِ المَجِيدِ. بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ. .) . " ق " إذا جُعل اسماً للسورة، فهو خبرُ مبتدإِ محذوفٍ أي هذه ق بالمعنى السابق في " ص ". وإن جُعل قَسَماً فجوابُه مع ما عُطفَ عليه محذوفٌ، تقديره: لتُبْعثُنَ، بدليل قوله " ذَلِكَ رَجعٌ بعِيدٌ " أو لقد أرسلنا

стр. 529

محمداً، بدليل قوله " بل عجبوا أن جاءهم منذِرٌ منهم ". أو هو قولُه: " قَدْ عَلِمْنَا ما تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ " حذفت منه اللّاَمُ لطول الكلام. أوهو قولُه: " مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ". ٢ - قوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الحَصِيدِ) . إن قلتَ. فيه إضافةُ الشيء إلى نفسه وهي ممتنعةٌ، لأن الِإضافة تقتضي المغايرةَ بينَ المُضَافِ والمُضَاف إليه؟ قلتُ: ليست ممتنعةً مطلقاً، بل هي جائزةٌ عند اختلاف اللفظيْنِ، كما في قوله " حقَّ اليقين " و " حبلَ الوريد " و " دارَ الآخرة ". وبتقدير امتناعها مطلقاً فالتقدير: حبَّ الزَّرعِ أو النباتِ الحصيد. ٣ - قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى المُتَلَقِّيَانِ عَنِ اليمينِ وَعًنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) . إن قلتَ: كيف قال " قَعِيدٌ " ولم يقل: قعيدان، إذْ أنه وصفٌ للملَكَيْنِ المذكورين؟ قلتُ: معناه عن اليمين قعيدٌ، وعن الشمال قعيدٌ، لكنه

стр. 530

حذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، أو أن " فعيلاً " يستوي فيه الواحد والاثنان والجمع، قال تعالى " والملائكةُ بعد ذلكَ ظهيرٌ " أو قال ذلك رعايةً للفواصل. ٤ - قوله تعالى: (وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ) . قاله هنا بالواو، وقاله بعدُ بدونها، لأن الأول خطابٌ للِإنسانِ من قرينه ومتعلِّقٌ به، فناسب ذكرُ الواو، والثاني استئنافُ خطابِ من الله، غير متعلقٍ بما قبله، فناسب حذفُها. ٥ - قوله تعالى: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) . إن قلتَ: كيف ثنَّى الفاعل مع أنه واحدٌ، وهو مالكٌ خازنُ النَّارِ؟ قلتُ: بل الفاعلُ مثنَّى، وهما الملَكَان اللَّذان مرَّ ذكرهما بقوله " وَجَاءَتْ كلُّ نفْسٍ معَها سَائِقٌ وشَهِيدٌ "، أو أنَّ تثنية الفاعل أُقيمت مقام تكرّر الفعل للتأكيد، واتّحادهما حكماً، فكأنه قال: أَلْقِ، أَلْقِ، كقول امرىء القيس: قفا نبكِ، أو أن العرب أكثر ما يوافق الرجل منهم اثنين، فكثر على ألسنتهم خطابهما فقالوا، خليليَّ، وصاحبيَّ، وقِفَا، ونحوها. ٦ - قوله تعالى: (وَأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) .

стр. 531

إن قلتَ: لمَ لمْ يقل: غير بعيدةٍ، لكونه وصفاً للجنة؟ قلتُ: لأن " فعيلاً " يستوي فيه المذكَر والمؤنث، أو لأنه صفة لمذكَّرٍ محذوف أي مكاناً غير بعيد. فإن قلتَ: ما فائدة قوله " غيرَ بعيدٍ " بعد قوله " وأُزلفت " : بمعنى قُرِّبت؟ قلتُ: فائدته التأكيدُ، كقولهم: هو قريبٌ غيرُ بعيد، وعزيزٌ غير ذليل. ٧ - قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ. .) . أي واعٍ، وإلا فكلُّ إنسانٍ له قلبٌ، بل كلُّ. حيوانِ، أو المرادُ بالقلب: العقلُ. " تَمَّتْ سُورَةُ قَ " سُوَرة الذّارِيَات ١ - قوله تعالى: (إِنَّمَا توعَدُونَ لِصَادِقٌ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الصَّادِق وصفٌ

стр. 532

للواعد، لا لما يُوعَد؟ قلتُ وُصف به ما يُوعد مبالغةً، أو هو بمعنى مصدوق، كعيشةٍ راضية، وماءٍ دافق. ٢ - قوله تعالى: (إِنَّ المُتَّقِينَ في جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ. .) . ختم الآية هنا بقوله " وعيونٍ. آخذينَ " وفي الطور بقوله " ونعيم. فاكهينَ " لأن ما هنا متَّصلٌ بما به يصلُ الِإنسان إلى الجنَّات، وهو قوله " إنهم كانوا قبل ذلك محسنين " الآيات. وما في الطور متَّصلٌ بما يناله الِإنسان فيها، وهو قوله " ووقاهم عذاب الجحيم. كلو واشربوا " الآية. ٣ - قوله تعالى: (وَمِنْ كُل شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) أي صنفين. فإِن قلت: كيف قال ذلك، مع أن العرش، والكرسي، واللوح، والقلم، لم يُخلق من كلٍ منها إلَّا واحد؟ قلتُ: معناه ومن كل حيوانٍ خلقنا ذكراً وأنثى، ومن كل شيء يشاهدونه خلقنا صنفين، كالليلِ والنهار، والنور والظلمة، والصيف والشتاء، والخير والشر، والحياة والموت، والشمس والقمر. ٤ - قوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ) .

стр. 533

قاله هنا وبعدُ، وليس بتكرارٍ، لأن الأول متعلق بترك الطاعة إلى المعصية، والثاني بالشركِ بالله. ٥ - قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا ليَعْبُدُونِ) . لا ينافي ذلك عدم عبادة الكافرين، لأن الغاية لا يلزم وجودُها، كما في قولك: بريتُ القلم لأكتب به، فإنك قد لا تكتب به، أو لأن ذلك عامٌ أُريد به الخصوص، بدليل قوله. نعالى " ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً مِن الجنِّ والإِنس " ومَنْ خُلِق، لجهنم لا يكون مخلوقاً للعبادة. ٦ - قوله تعالى: (مَا أُرِيدُ مِنهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ) . فإن قلتَ: ما فائدةُ تكرار لفظ " ما أريد "؟ قلتُ: فائدته إفادةُ حكمٍ زائد على ما قبله، إِذِ المعنى ما أريد منهم أن يطعموا أنفسهم، وما أريد منهم أن يُطعموا عبيدي، وإنما أضاف تعالى الإِطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيالُه وعبيدُه، ومن أطعم عيال غيره فكأنه أطعمه، ويؤيده خبر " إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني "، أي استطعمك عبدي فلم تطعمه. " تمْت سورة الذاريات "

стр. 534

سُورَة الطور ١ - قوله تعالى: (وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنَّ الحورَ العينَ في الجنة، مملوكاتٍ ملكَ يمينٍ، لا ملك نكاح؟ قلتُ: معناه قرنَّاهم بهنَّ، من قولك: زوَّجتُ إبلي أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقدُ النكاح، ويؤيّده أن ذلك لا يُعدَّى بالباء بل بنفسه، كما قال تعالى " زَوَّجْنَاكَهَا ". ٢ - قوله تعالى: (كُلُّ امْرِىءٍ بِمَاكَسَبَ رَهِينٌ) . إن قلتَ: كيف قال تعالى في وصف أهل الجنة ذلك، مع أن المعنى: كل امرىءٍ مرهونٌ في النَّارِ بعمله؟ قلتُ: بل المعنى كلُّ نفس مرهونةٌ بالعمل الصالح، الذي هي مطالبةٌ به، فإن عمل صالحاً فلها، وإلَّا أوبقها، أو الجملةُ من صفاتِ أهل النار، معترضةٌ بين صفاتِ أهل الجنَّةِ. رُوي عن مقاتل أنه قال: معناه كلُّ امرىءٍ كافرٍ بما

стр. 535

عمل من الكفر، مرتَهنٌ في النار، والمؤمن لا يكون مرتهناً، لقوله تعالى " كلُّ نفسٍ بما كسبتْ رهينة. إلّاَ أصحابَ اليمين. . ". ٣ - قوله تعالى: (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مكنَونٌ) . قاله هنا وفي الِإنسان بالواو، عطفاً على ما قبلَه، وقاله في الواقعة بغير واوٍ، لأنه حالٌ أو خبرٌ بعد خبر. ٤ - قوله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن كلَّ أَحدٍ غيره كذلك؟ قلتُ: معناه فما أنتَ - بحمدِ اللَّهِ وإِنعامهِ عليكَ بالصِّدقِ والنبوَّة، - بكاهنٍ ولا مجنون كما يقول الكفَّارُ، أو " الباءُ " هنا - بمعنى " مع " كما في قوله تعالى " فَتَسْتَجيبونَ بِحمْدِهِ ". ٥ - قوله تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنونِ) . ذكر " أَمْ " خمس عشرة مرة، وكلُّها إلزامات،

стр. 536

ليس للمخاطَبِين بها عنها جوابٌ. ٦ - قوله تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فإِنَّكَ بَأَعْيُنِنَا. .) معنى الجمع هنا: التفخيمُ والتعظيمُ، أي بحيث نراكَ ونحفظك، ومثلُه قوله تعالى " تجري بأعيننا ". " تَمَّتْ سُورَةُ الطور " سورة النجم ١ - قوله تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن الضلالة والغِواية متَّحدتان؟ قلت: لا نسلم اتحادهما إذ الضلالة ضد الهدى، والغواية ضد الرشد، أو المعنى ما ضل في قوله ولا غوى فى فعله، وبتقدير اتحادهما يكون ذلك من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى

стр. 537

٢ - قوله تعالى: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدنى) . إن قلتَ: كيف أدخَلَ كلمةَ الشكِّ، وهو مُحالٌ عليه تعالى؟ قلتُ: " أو " للتخيير لا للشكِّ، أي إِن شئتم قدِّروا ذلك القرب بقاب قوسين، أو بأدق منهما، أو هي بمعنى " بلْ "، أو " للتشكيك لهم في قدرِ القُربِ. ٣ - قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) . إن قلتَ: " رأى " هنا من رؤية القلب، فأينَ مفعولُها الثاني؟ قلتُ: هو محذوفٌ تقديره: أفرأيتموها بنات اللَّهِ وأندادَه؟ والمعنى: أخبروني ألهذِه الأصنام قدرةٌ على شيءٍ ما فتعبدونها، دون القادر على كل شيء؟! فإن قلتَ: كيف وصفَ الثالثة بالأخرى، مع أنه إنما يُوصف بها الثانية، وظاهرُ اللفظِ يقتضي أن يكون قد سبق ثالثة، ثم لحقها أخرى، ليكون ثالثَتيْن؟ قلتُ: " الأخرى " صفةٌ للعُزَّى، وإنما أخَّرها رعايةً

стр. 538

للفواصل، أو صفةُ ذمٍّ للَّاتِ، والعُزَّى، ومناة التي هي ثالثة اللَّتيْن قبلها، فالْأخرى على هذا من التأخر في الرتبة. ٤ - قوله تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الَأنْفُسُ. .) . قاله هنا وبعدُ، وليس بتكرار، لأن الأول متَّصلٌ بعبادتهم اللَّات والعُزَّى ومناة، والثاني بعبادتهم الملائكة، والظنُّ فيها مذموم بقوله " إن الظَّنَّ لا يُغْني منَ الحقِّ شيئاً " أي لا يقوم مقام العلم. فإن قلتَ: كيف لا يقوم مقامه، مع أنه يقوم مقامه في كثيرٍ من المسائل كالقياس؟ قلتُ: المرادُ هنا: الظنُّ الحاصلُ من اتّباع الهوى، دون الظنِّ الحاصلِ من الاستدلال والنظر، بقرينة قوله " إن يَتَّبعُونَ إلَّا الظنَّ وَمَا تَهْوى الأَنْفُسُ ". ٥ - قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلإنسانِ إِلَّا مَا سَعَى) إن قلتَ: ثوابُ الصَّدقة، والقراءة، والحج، والدعاء، يصل إِلى الميِّت، وليس من سعيه؟ قلتُ: ما دلَّت عليه الآية مخصوصٌ بقوم إبراهيم وموسى، وهو حكايةٌ لما في صحفهما، أمَّا هذه الأمة فلها ما

стр. 539

سَعَتْ وما سُعِيَ لها، أو هو على ظاهره، ولكنْ دعاءُ ولد الِإنسانِ، وصديقه، وقراءتُهما وصدقتُهما عنه، من سعيهِ أيضاً، بواسطة اكتسابه القرابة، والصَّداقة، أو المحبَّة من الناس، بسبب التقوى والعملِ الصالح. ٦ - قوله تعالى: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى) أي تشكُّ، والخطابُ فيه للوليد بن المغيرة. فإن قلتَ: كيف قال تعالى ذلك، بعد تعديد النِّقَم، والآلاءُ النِّعَمُ؟ قلتُ: قد تقدَّم أيضاً تعديدُ النِّعم، مع أن النِّقْمة في طيِّها نعمة، لما تضمَّنته من المواعظ والزواجر، والمعنى: فبأيِّ نعم ربك، الدالَّة على وحدانيته، تشكُّ يا وليد بن المغيرة؟ " تَمَّتْ سُورَةُ النجم " سُورَة القمر ١ - قوله تعالى: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عبْدَنَا. .)

стр. 540

إن قلتَ: ما فائدةُ إعادةِ التكذيب فيه؟! قلتُ: فائدتُه حكايةِ الواقع، وهو أنهم كذَّبوا تكذيباً بعد تكذيب، أو الأولُ تكذيبهُم بالتوحيد، والثاني بالرسالة، أو الأول تكذيبُهم بالله، والثاني برسوله ﷺ . ٢ - قوله تعالى: (فَالْتَقَى المَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ) إن قلتَ: القياسُ " فالتقى المَاءَانِ " - كما قُرىَء به شاذاً - أي ماء السَّماءِ، وماءُ الأرض؟ قلتُ: أراد به جنس الماء، ووحَّده موافقةً لقوله قبلُ " بِمَاءٍ مُنْهَمِرِ ". ٣ - قوله تعالى: (تَجْرِي بِأعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كفِرَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك، والجزاءُ إنما يكونُ للكافر لا للمكفور؟ قلتُ: إن قُرىء " كَفَرَ " بالبناء للفاعل شاذاً، فالخبرُ للكافر، أو بالبناءِ للمفعول، والأصلُ: كُفِرَ به، حُذف الجارُّ وأوصل بمجروره الفعل، فالجزاء للمكفور به وهو الله تعالى، أو نوحٌ ﵇، والجزاء لكونه مصدراً يُضافُ تارةً للفاعل، وتارةً للمفعول.

стр. 541

٤ - قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلِ مُنْقَعِرٍ) . ذكَّر وصفَ النخلِ هنا بـ " مُنْقَعِر " وأنَّثه فىاالحاقًّة بـ " خاوية " رعايةً للفواصل فيهما، وجاز فيه الأمر نظراً إلى " لفظ " النخل تارةً فيُذكَّر، وإِلى " معناه " أخرى فيُؤنَّث. " تَمَّتْ سُورَةُ القمر " سورة الرحمن ١ - قوله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَها وَوَضَعَ المِيزَانَ) قره برفع السَّماءِ، لأنه تعالى عدَّد نِعَمه على عباده، ومن أجَلِّها الميزان، الذي هوالعدلُ، الذي به نظام العالم وقِوامُه. وقيل: هو القرآن، وقيل: هو العقلُ، وقيل: ما يُعرف به المقاديرُ، كالميزان المعروف، والمكيال، والذراع. إن قلتَ: ما فائدةُ تكرارِ لفظ الميزان ثلاث مرات، مع أن القياس بعد الأولى الِإضمارُ؟ قلتُ: فائدتُه بيانُ أنَّ كلًا من الآياتِ مستقلة بنفسها، أو

стр. 542

أن كلًا من الألفاظ الثلاثة مغايرٌ لكلٍ من الآخريْنِ، إذِ الأول ميزان الدنيا، والثاني ميزان الآخرة، والثالث ميزان العقل. فإن قلتَ: قولُه " أَلأَ تَطْغَوْا فِي المِيزَانِ " أي لا تجاوزوا فيه العدل، مُغْنٍ عن الجملتين المذكورتين بعده؟! قلتُ: الطغيانُ فيه: أخذ الزائِد، والِإخسارُ: إعطاء الناقص، والقسطُ: التوسط بين الطرفين المذمومين. ٢ - قوله تعالى: (فَبِأَيِّ الَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ذُكر هنا إحدى وثلاثين مرَّة، ثمانيةٌ منها ذُكرت عَقِب آياتٍ، فيها تعداد عجائب خلقِ الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم. ثم سبعة منها عقب آياتٍ، فيها ذكرُ النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها، لأن من جملة الآلاء، دفعُ البلاء وتأخير العقاب. وبعد هذه السبعة ثمانية، في وصف الجنتين وأهلهما، بعددِ أبواب الجنة. وثمانيةٌ أخرى بعدها في الجنتين، اللتيْن هما دون الجنتين

стр. 543

الأولَييْن، أخذاً من قوله تعالى " ومن دونهما جنتان ". فمن اعتقد الثمانيةَ الأولى، وعمل بموجبها، استحقَّ هاتيْنِ الثمانتيْن من الله، ووقَاه السبعةَ السابقةَ. ٣ - قوله تعالى: (خَلَقَ الِإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ) أي من طينٍ يابس لم يُطبخْ، له صلصلةٌ أي صوتٌ إذا نقر. فإن قلتَ: كيف قال ذلك هنا، وقال في الِحجْر " من صلصالٍ من حَمَإٍ مسنونٍ " أي من طينٍ أسود متغيِّر، وقال في الصافات " من طينٍ لازبِ " أي لازم يلصق باليد، وقال في آل عمران " كمثلِ آدمَ خَلَقهَ من تراب "؟! قلتُ: الآياتُ كلُّها متفقةُ المعنى، لأنه تعالى خلقه من تراب، ثم جعله طيناً، ثم حمأً مسنوناً، ثم صلصالًا. ٤ - قوله تعالى: (رَبًّ المَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ المغربَيْنِ) . إن قلتَ: لمَ كرَّر ذكر الربِّ هنا، دون سورتيْ: المعارج، والزمَل؟ قلتُ: كرَّره هنا تأكيداً، وخص ما هنا بالتأكيد لأنه موضع

стр. 544

الامتنان، وتعديد النِّعم، ولأن الخطاب فيه من جنسين هما: الِإنس، والجنِّ، بخلاف ذَيْنك. ٥ - قوله تعالى: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلاَنِ) . أي سنقصد لحسابكم، فهو وعيدٌ وتهديدٌ لهم، فالفراغ هنا بمعنى القصدُ للشيء، لا بمعنى الفراغ منه، إذ معنى الفراغ من الشيء، بذلُ المجهود فيه، وهذا لا يُقال في حقه تعالى. ٦ - قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَاتَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) أي ولمن خاف قيامه بين يديْ ربه، والمعنى لكل خائفٍ من الفريقين جنتان: جنةٌ للخائف الِإنسيّ، وجنة للخائف الجني، أو المعنى لكل خائفٍ جنتان: جنةٌ لعقيدته، وجنةٌ لعمله، أوجنةّ لفعل الطاعات، وجنةٌ لترك المعاصي، أو جنةٌ يُثَابُ بها، وجنةٌ يتفضَّل بها عليه، أو المراد بالجنَّتيْنِ جنةٌ واحدة، وإنما ثنَّى مراعاةً للفواصل. ٧ - قوله تعالى: (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ) جمع الضمير مع أن قبله جنتان،

стр. 545

لرجوعه إلى الآلاء المعدودة في الجنتين، أو إلى الجنتين، لكن جمعه لاشتمالهما على قصورٍ ومنازل، أو إلى المنازل والقصور التي دلَّ عليها ذكرُ الجنَّتَيْنِ، أو إِلى الفُرُش لقربها، وتكون " في " بمعنى " على " كما في قوله تعالى " أمْ لهمْ سُلَّمٌ يَسْتمعُونَ فِيهِ " أي عليه، وقوله تعالى " لَمْ يَطْمثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلهمْ وَلَا جَانٌ " أي لم يفتضَّ الِإنسيَّاتِ إنسيُّ، ولا الجنيَّاتِ جنيٌّ. " تَمَّتْ سُورَةُ الرحمن " سُورة الوَاقِعَة ١ - قوله تعالى: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُوْلَئِكَ المُقَرَّبُونَ) فائدة التكرار فيه التأكيدُ، في مقابلة التأكيد في (وأصْحَابُ المَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ المَيْمَنَةِ وَأَصْحَابُ المَشْأمَةِ مَا أصْحَابُ المَشْأمَةِ) كأنه قال: هم المعروفُ حالُهم، المشهورُ وصفهم. أو المعنى: والسابقون إلى طاعة الله، هم السابقون إلى رحمته وكرامته. . ثم قيل المرادُ بهم: السابقون إلى الإِيمان من كل أمة، وقيل: الذين صلُّوا إلى القبلتيْنِ، وقيل: أهل القرآن، وقيل: السابقون إلى المساجد، وإلى الخروج في

стр. 546

سبيل الله، وقيل: هم الأنبياءُ. ٢ - قوله تعالى: (ويَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ) . إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن التخليد لا يختصُّ بالولدانِ في الجنة؟ قلتُ: معناه أنهم لا يتحوَّلون عن شكل الولدان، والمراد بهم هنا ولدانُ المسلمين، الذين يموتون صغاراً ولا حسنة لهم. وقيل: ولدانٌ على سنٍّ واحدٍ، أنشأهم الله لأهل الجنة، يطوفون عليهم، من غير ولادة، لأن الجنة لا ولادة فيها، وقيل: أطفالُ المشركين وهم خدمُ أهل الجنة. ٣ - قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ) . أي فهلاَّ تُصدِّقون بأنَّا خلقناكم!! إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أنهم مصدِّقون بذلك، بدليل قوله تعالى " ولَئِنْ سَأَلتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ". قلتُ: هم وإنْ صدَّقوا بألسنتهم، لكنْ لما كان مذهبهم خلافَ ما يقتضيه التصديقُ، كانوا كأنهم مكذبون به، أو أن ذلك تحضيضٌ على التصديق بالبعث بعد الموت، بالاستدلال بالخلق الأول، فكأنه قال: هو خلقكم أولًا باعترافكم فلا يمتنع عليه أن يعيدكم ثانياً، فهلَّا تُصدِّقون بذلك!!

стр. 547

٤ - قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ) (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) (أفَرَأيْتُمُ المَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ) (أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتي تُورُونَ) بدأ بذكر خلق الِإنسانِ، ثم بما لا غنى له عنه، وهو الحبُّ الذي منه قوته، ثم بالماء الذي به سوغُه وعجنُه، ثم بالنَّارِ الذي بها نضجُه وصلاحُه، وذكرَ عَقِب كلٍ من الثلاثة الأولى ما يُفسده، فقال في الأولى " نحنُ قدَّرنا بينكُمُ الموْتَ " وفي الثانية " لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلناهُ حُطَاماً " وفي الثالثة " لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً " ولم يقلَ في الرابعة ما يُفسدها، بل قال: " نحنُ جَعَلنَاها تَذْكرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ " أي جعلناها تذكرة تتعظون بها، ومتاعاً للمسافرين ينتفعون بها. ٥ - قوله تعالى: (لَو نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) ذَكَرَ في جواب " لو " في الزرع اللّاَم عملَاَ بالأصل، وحذفها منه في الماء اختصاراً لدلالة الأول عليه، أوأن أصل هذه اللام للتأكيد، وهو أنسبُ بالمطعوم، لأنه مقدَّمٌ وجوداً ورُتبةً على المشروب.

стр. 548

٦ - قوله تعالى: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظيمِ) أي نزِّهْ ربَّك فقوله " باسم " زائدٌ، أو المعنى: نزِّهْ اسم ربك، فالباء زائدةٌ والاسم باقٍ على معناه، أو هو بمعنى الذات، أو بمعنى الذِّكر، أو الباءُ متعلقةٌ بمحذوفٍ. والمرادُ بالتسبيح الصلاةُ وباسم ربك: التكبيرُ، أي افتتحْ الصلاةَ بالتكبِير. ٧ - قوله تعالى: (إِنَهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابِ مَكْنُونٍ) . إن قلتَ: القرآن صفةٌ قديمةٌ قائمة بذاتَ الله تعالى، فكيف يكون حالاًّ في " كتاب مكنون " أي لوحٍ محفوظ، أو مصحفٍ؟ قلتُ: لا يلزم من كتابته في كتابٍ حلوله فيه، كما لو كتب على شيء ألف دينارٍ، لا يلزم منه وجودها فيه، ومثله قوله تعالى " الَّذِي يَجدُونَهُ مَكْتوباً عندهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالِإنْجيلِ ". فثبتَ أنه ليس حالًّا في شيءٍ من ذلك، بل هو كلام اللهِ تعالى، وكلامُه صفةٌ قديمةٌ قائمة به لا تفارقه. فإن قلتَ: إذا لم تفارقْه فكيف سمَّاه منزَّلًا؟ قلتُ: معنى " إنزاله تعالى له " أنه علَّمه جبريل، وأمَره أن يعلِّمه النبي ﷺ ، ويأمره أن يُعلمه لأمته، مع أنه لم يزل ولا يزال صفةً للَّهِ تعالى قائمةً به لا تفارقه.

стр. 549

سورة الحديد ١ - قوله تعالى: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ. .) عبَّر هنا وفي الحشر والصفِّ بالمضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلى بالأمر، وفي الِإسراء بالمصدر، استيعاباً للجهات المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالصدر في الِإسراء لأنه الأصلُ، ثم بالمضي لسبق زمنه، ثم بالمضارع لشموله الحال والمستقبل، ثم بالأمر لخصوصه بالحال مع تأخره في النطق به في قولهم: فَعَلَ، يَفْعَل، افعَلْ، وقوله " ما في السَّموَاتِ والأرض " قاله هنا بحذف " ما " موافقةً لقوله بعدُ " خَلَقَ السَّمواتِ وَالأَرْضَ " و " له مُلْكُ السَّموَاتِ والأَرْض " وقاله في الحشر، والصفّ، والجمعة، والتغابن بإِثباتها عملاً بالأصل.

стр. 550

٢ - قوله تعالى: (لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالَأرْضِ. .) الآية. ذكره مرتين وليس بتكرارٍ، لأن الأول في الدنيا لقوله عَقِبه " يُحْيِ وُيميت " والثاني في العُقبى لقوله عَقِبَه " وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ ". ٣ - قوله تعالى: (لَايَسْتَوِي مِنْكُمْ مِنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وقَاتَلَ. .) تقديره: من أنفق وقاتل قبلَ الفتح، ومن أنفق وقاتَلَ بَعده، لأن الاستواء إنما يكون بين اثنين فأكثر، وإنما حذفه لدلالة ما بعده عليه. ٤ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ) سمَّاهم شهداءَ تغليباً، أو المرادُ لهم أجرُ الشُّهداء، وإلا فبعضُهم لم يُقتل حتى يكونَ شَهيداً. ٥ - قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي أَنْفُسِكُمْ. .) الآية قاله هنا، وقال في التغابن " ما أصابَ من مصيبةٍ إلاَّ بإذنِ اللَّهِ " فصَّل هنا، وأجمل ثَمَّ، موافقةً لما قبلهما، لأنه فصَّل هنا بقوله " اعلمُوا أنَّما الحياةُ الدنيا " الآية، بخلافه ثَمَّ. ٦ - قوله تعالى: (لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ. .) ليس المرادُ به الانتهاء عن الحزن والفرح، اللَّذَينَ

стр. 551

لا ينفكُّ عنهما الِإنسانُ بطبعه، بل المرادُ الحزنُ المخرجُ لصاحبه إلى الذُّهول، عن الصبر والتسليم لأمر الله تعالى، والفرحُ الملهي عن الشكر، نعوذ بالله منهما. ٧ - قوله تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ) . المرادُ بالميزان: العدلُ أو العقل، وقيل: هو الميزان المعروف، أنزله جبريل ﵇، فدفعه إلى نوح ﵇ وقال له: مرْ قومكَ يزنوا به. ٨ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ. .) . إن قلتَ: كيف قال ذلك مع أن المؤمنِين مؤمنون برسوله؟! قلتُ: معناه يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ﷺ ، فيكون خطاباً لأهل الكتابِ خاصة، أومعناه: يا أيها الذين آمَنوا يوم الميثاق، آمِنوا باللَّه ورسوله اليوم، أو يا أيها الذين آمنوا في العلانية باللسان، اتقوا الله وآمنوا برسوله في السِّر بتصديق القلب. " تَمَّتْ سُورَةُ الحديد "

стр. 552

سُورة المجادَلة ١ - قوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِم مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ. .) قال ذلك هنا، وقال بعده " وَالذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ " لأن الأول خطابٌ للعرب خاصة، وكان طلاقهم في الجاهلية الظهار، والثاني بيان أحكام الظهار للنَّاسِ عامة. ٢ - قوله تعالى: (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . ختمه هنا بـ " أليمٌ " وبعده بـ " مهينٌ " لأن الأول متَّصل بضدِّه وهو الِإيمان، فتوعَّدهم على الكفر بالعذاب الأليم، الذي هو جزاء الكافرين، والثاني متصل بقوله " كُبِتوا " وهو الإِذلالُ والِإهانة، فوصف العذاب بمثل ذلك فقال " مهين ". ٣ - قوله تعالى: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلّاَ هُوَ سَادِسُهُمْ. .) الآية. إن قلت: لمَ خصَّ " الثلاثة " و " الخمسة " بالذّكر؟

стр. 553

قلت: لأن قوماً من المنافقين تحلَّقوا للتناجي، وكانوا بعدَّة العدد المذكور، مغايظةً للمؤمنين (١) ، فنزلت الآية بصفة حالهم عند تناجيهم، أو لأن العدد الفرد أشرفُ من الزوج، لأن الله تعالى وترٌ يحبُّ الوتر، فخُصِّص العددان المذكوران بالذّكر، تنبيهاً على أنه لا بدَّ من رعاية الأمور الِإلهية في جميع الأمور، ثم بعدد ذكرهما زيد عليهما ما يعمُّ غيرهما من المتناجين بقوله " وَلَا أَدْنى منْ ذَلِكَ وَلَا أَكثرَ " تعميماً للفائدة. ٤ - قوله تعالى: (وَيَحْلِفونَ عَلَى الكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي أنهم كاذبون. إن قلتَ: ما فائدةُ الِإخبار عنهم بذلك؟ قلتُ: فائدتُه بيانُ ذمِّهم بارتكابهم اليمين الغموس. " تَمَّتْ سُورَةُ المجادلة "

стр. 554

سُورة الحشْر ١ - قوله تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ. .) الآية. قاله هنا بالواو، عطفاً على قوله تعالى " مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ " وقاله بعد بحذفها، لأنه مستأنفٌ عمَّا قبلهِ. ٢ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالِإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ. .) " الدَّارَ " أي المدينة اتخذوها منزلاً، فقولُه بعده " وَالِإيمَانَ " منصوبٌ ب " تبوَّءوا " بتضمنه لزموا، أو بمقدَّر أي واعتقدوا "، أو وأخلصوا، أو واختاروا الِإيمان، لأن الِإيمان لا يُتَّخذُ منزلاً، فهو على الثاني من باب " علفتُها تِبْناً وماءً بارداً " أو منصوب بتبوءوا بلا تضمين، على أنه مجازٌ، بجعله منزلاً لهم، لتمكنهم فيه كتمكنهم في المدينة، ففي " تبوَّءُوا " جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وهو جائزٌ عند الشافعي ﵁.

стр. 555

٣ - قوله تعالى: (وَلِئنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلِئَنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ. .) فإن قلتَ: " إنّ " الشرطية إنما تدخل على ما يحتمل وجوده وعدمه، فكيف قال تعالى ذلك، مع إخباره بأنهم لا ينصرون؟ قلتُ: معناه: ولئن نصروهم فَرْضاً وتقديراً، كقوله تعالى لنبيه ﷺ . " لَئِنْ أَشرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ". ٤ - قوله تعالى: (لأنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ) أي أشدُّ خوفاً في صدور المنافقين أو اليهود، وظاهرُه لأنتم أشد خوفاً من الله تعالى. فإن قلتَ: إن عُلِّق قولُه " من الله " بأشدَّ، لزم ثبوتُ الخوف للَّهِ وهو مُحال، أو بالرهبة لزم كونُ المؤمنين أشدَّ خوفاً من المذكورين، وليس مراد اً؟ قلتُ: الرهبةُ مصدر " رُهِب " بالبناء للمفعول هنا، فالمعنى أشدُّ موهوبيةً، يعني أنكم في صدورهم أهيبُ من كونِ الله تعالى فيها، ونظيرُه قولُك: زيدٌ أشدُّ ضرباً في الدار من عمرو، يعني مضروبيةً. ٥ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ)

стр. 556

ختمه هنا بقوله " لا يفقهون " وبعده بقوله " لا يعقلون " لأن الأول متصل بقوله " لأنتُمْ أشدُّ رهْبَةً في صدُورِهمْ منَ اللَّهِ " أي لأنهم يفقهون ظاهر الشيء دون باطنه، والفقهُ معرفةُ الظاهر والباطن، فناسب نفيُه الفقه عنهم. والثاني متَّصلٌ بقوله " تَحْسبُهم جَمِيعاً وقلوبُهُمْ شَتَّى " أي لو عقلوا لاجتمعوا على الحقِّ ولم يتفرَّقوا، فناسب نَفيُ العقلِ عنهم. إن قلتَ: كيف يستقيم التفضيلُ بأشدِّيةِ الرهبة، مع أنهم لا يرهبون الله، لأنهم لو رهبوه لتركوا النفاق والكفر؟! قلتُ: معناه أن رهبتَهم في السرِّ منكم، أشدُّ من رهبتهم من الله تعالى، التي يظهرونها لكم، وكانوا يُظهرون للمؤمنين رهبةً شديدةً من الله تعالى. ٦ - قوله تعالى: (وَلْتنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ. .) أي: يوم القيامة، وفائدة تنكير النَّفْس، بيانُ أنَّ الأنفس الناظرة في معادها قليلةٌ جداً، كأنه قيل: ولْتنظرْ نفسٌ واحدةٌ في ذلك، وأين تلك النَّفسُ!! وفائدةُ تنكير " الغَدِ " تعظيمُه، وإبهامُ أمره، كأنه قيل: لا تعرف النفسُ كُنْه عَظَمتِهِ وهوله، فالتنكير فيه للتعظيم، وفي النَّفس للتقليل.

стр. 557

فإن قلتَ: الغَدُ اليومُ الذي يعقب ليلتك، فكيف أطلق على يوم القيامة؟ قلتُ: الغَدُ له معنيان: ما ذكرتم، ومطلقُ الزمان والمسقبل، كما أنَ للأمسِ معنييْن مقابلين لما ذكرنا، وقيل: إنما أطلق الغد على يوم القيامة تقريباً له، لقوله تعالى " وما أمرنا إلَّا واحدة كلمح البصرِ " فكأنه لقربه أشبهَ اليومَ الذي يعقب ليلتك. ٧ - قوله تعالى: (لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا القُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَه خَاشعاً. .) الآية، أي لو جعلنا في جبلٍ - على قساوته - تمييزاً كما في الِإنسانِ، ثم أنزلنا عليه القرآن، لتَشقَّق خشيةً من الله تعالى، وخوفاً ألَّا يؤدي حقه في تعظيم القرآن. والمقصودُ تنبيهُ الِإنسان على قسوة قلبه، وقلَّةِ خشوعه عند تلاوة القرآن، وإعراضِه عن تدبر زواجره. ٨ - قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الخَالِقُ البَارِىُء المُصورُ. .) ، الخالقُ: هو الذي قدَّر ما يوجده، والبارىءُ: هو الذي يُميِّز بعضَه عن بعضٍ بالأشكال المختلفة. وقيلَ: الخالقُ: المبدي، والبارىء: المعيدُ. " تَمَّتْ سُورَةُ الحشر "

стр. 558

سُورة الممتَحنة ١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهمْ بالموَدَّةِ) بدأه هنا بـ " تُلْقُونَ " وبعده بـ " تُسِرُّون " تنبيهاً بالأول على ذمِّ مودَّة الأعداء، جهراً وسِرّاً، وبالثاني على تأكيد ذمِّها سرًّا، وخص الأول بالعموم لتقدمه، وباءُ " بالمودَّة " زائدةٌ، وقيل: سببيَّةٌ، والمفعولُ محذوفٌ والتقديرُ: يُلْقون إليهم أخبار النبي ﷺ ، بسبب المودَّة التي بينكم وبينهم. ٢ - قوله تعالى: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ. .) قاله هنا بتأنيثِ الفعل مع الفاصل، لقربه وإن جاز التذكيرُ، وأعاده في قوله " لقَدْ كَانَ لكُمْ فيِهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ " بتذكيره مع الفاصل، لكثرته وإن جاز التأنيث، وإنما كرَّر ذلك لأن الأول في القول، والثاني في الفعل، وقيل: الأول في إبراهيم، والثاني في محمد ﷺ .

стр. 559

٣١ - قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ لأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ. .) مستثنى من قوله " أسوة حسنةٌ " وقولُه " وَمَا أملِكُ لكَ من اللَّهِ منْ شيْءٍ " ليس مستثنى، وإِنما ذكر لكونه من تمام قول إبراهيم ﵇، كأنه قال: أنا أستغفر لك، وليس في طاقتي إِلاَّ الاستغفار. " تَمَّتْ سُورَةُ الممتحنة " سُوَرة الصَّف ١ - قوله تعالى: (يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) فائدةُ ذكر " قد " التأكيدُ أو التكثيرُ، كما تكون للتقليل.

стр. 560

٢ - قوله تعالى: (وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) إن قلتَ: كيف خصَّ عيسى " أحمد " بالذكر دون " محمد " مع أنه أشهر أسماء النبي ﷺ ؟ قلتُ: خصَّه بالذّكر لأنه في الِإنجيل مسمَّى بهذا الاسم، ولأن اسمه في السَّماء أحمد، فذُكر باسمه السَّماوي، لأنه أحمدُ النَّاسِ لربه، لأن حمده لربه بما يفتحه الله عليه يوم القيامة من المحامد، قبل شفاعته لأمته، سابقٌ على حمدهم له تعالى، على طلبه الشفاعة من نبيّه ﷺ لهم. ٣ - قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَهُوَ يُدْعَى إلى الِإسلاَم) قاله هنا بتعريف الكَذب، إشارةً إلى قول اليهود " هَذَا سِحْرٌ مِبين " وقاله في مواضع بتنكيره، جرياً على الأكثر، من استعمال الصدر مُنَكَّراً.

стр. 561

٤ - قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ. .) اللَّام زائدةٌ للتأكيد في مفعول " يريد " وأصلُهُ يُريدون أن يُطفئوا، كما في براءة، أو تعليلية والمفعولُ محذوفٌ تقديره: يريدون إبطال القرآن ليطفئوا. ا - قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُو بَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ. .) مجزومٌ جواباً للأمر، المأخوذ من " تُؤمنون " أوجواباً للاستفهام في قوله " هَلْ أَدلُّكُمْ على تِجَارةٍ " أو مجزومٌ بشرطٍ مقدَّر أي إن تُؤمنوا يغفرْ لكم. ٦١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسىَ أبْنُ مَرْيَمَ) الآية. إن قلتَ: ظاهرهُ تشبيهُ كونهم أنصار الله بقول عيسى ﵇ " مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللَّهِ " وليس مراداً؟! قلتُ: التشبيهُ محمولٌ على المعنى تقديره: كونوا أنصارَ اللَّهِ كما كانَ الحواريون أنصاراً لعيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى اللَّهِ؟ " تَمَّتْ سُورَةُ الصف "

стр. 562

سُورَة الجُمُعة ١ - قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَتَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولَاَ مِنْهُمْ) إن قلتَ: ما وجهُ التقييدِ في بعث الرسول، بكونهِ أمّياً منهم؟ قلتُ: مشاكلةُ حاله لأحوالهم، فيكون أقربَ إلى موافقتهم له، أو انتفاء سوء الظنّ عنه، في أنَّ ما دعاهم إليه تعلَّمه من كتب قرأها، وحِكَمٍ تلاها. ٢ - قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) المرادُ بالسعي هنا: القصدُ لا العَدْوُ كقوله تعالى " وأن

стр. 563

ليس للِإنسانِ إلاَّ ما سعى " وقول الداعي: وإليكَ نَسْعَى ونحفِدُ. ٣١ - قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. .) فيه حذفٌ تقديره: وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه، فَحُذِف الثاني لدلالة الأول عليه، وقرأ ابن مسعودٍ: " انفضُّوا إليهما " وعليه فلا حذف. " تَمَّتْ سُورَةُ الجمعة " سُورة المنافِقون ١ - قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي في شهادتهم التي يعتقدونها، فالتكذيبُ للشهادة لا للمشهود به. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهم) ، " ذلِكَ بأنَّهمْ " أي المنافقين " آمنُوا ثمَّ كَفَرُوا " أي آمنوا بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم، ف " ثُمَّ " للترتيب الِإخباري لا الِإيجادي. قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذرْهُمْ) ، " كلّ " مفعول أول ليحسب، و " عليهم " مفعولٌ

стр. 564

ثانٍ له، والتقديرُ: يحسبون كل صيحةٍ واقعةً عليهم، وقولُه " العَدُوُّ " استئنافٌ، وقيل: هو المفعول الثاني ليحسب، وعليه ف " عليهم " حالٌ. ٤ - قوله تعالى: (وَلَكِن المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) ختمه هنا بـ " لَا يَفْقَهُونَ " وبعده " لا يعلمون "، لأن الأول متصل بقول " وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فطنة وفقه فناسب نفي الفقه عنهم، والثاني متصل بقوله " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم، فناسب نفى العلم عنهم، فالمعنى لا يعلمون أن الله معز أولياءه ومذل أعداءه. " تَمَّتْ سُورَةُ المنافقون "

стр. 565

سُوَرة التغَابن ١ - قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) ؟ كرَّر " ما " هنا وفي قوله بعدُ " وَيعْلمُ ما تُسِرُّونَ ومَا تُعْلنونَ " تأكيداً وتعميماً للاختلاف، فناسبَ ذكرٌ " ما " فيهما، لأن تسبيحَ ما في السَّمواتِ، مخالفٌ لتسبيح ما في الأرض، كثرةً وقلَّةً، ووقوعاً، من حيوانٍ وجماد، وأسرارُنا مخالفةٌ لعلانيتنا، فناسب ذكرُ " ما " فيهما، ولم يكررها في قوله " يعلمُ ما في السَّمواتِ والأرضِ " لعدم اختلاف علمه تعالى، إذْ علمُه بما تحتَ الأرض، كعلمه بما فوقها، وعلمُه بما يكونُ كعلمِه بما كان، فناسب حذفها فيه. ٩١ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأنَّهُ كَانَتْ تَأْتيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أبَشَرٌ يَهدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) وقولُه " فكفَرُوا وتولَّوْا واسْتَغنَى اللَّهُ " مُرتَّبٌ على قولهِ " ذَلِك بأنه كانتْ تَأْتيهِم رُسُلُهُمْ بالبيِّناتِ ".
следующие страницы →