← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 9086

فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

زكريا الأنصاري

Полный текст (633 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٤ - قوله تعالى: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ. .) اللَّام زائدةٌ للتأكيد في مفعول " يريد " وأصلُهُ يُريدون أن يُطفئوا، كما في براءة، أو تعليلية والمفعولُ محذوفٌ تقديره: يريدون إبطال القرآن ليطفئوا. ا - قوله تعالى: (يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُو بَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ. .) مجزومٌ جواباً للأمر، المأخوذ من " تُؤمنون " أوجواباً للاستفهام في قوله " هَلْ أَدلُّكُمْ على تِجَارةٍ " أو مجزومٌ بشرطٍ مقدَّر أي إن تُؤمنوا يغفرْ لكم. ٦١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسىَ أبْنُ مَرْيَمَ) الآية. إن قلتَ: ظاهرهُ تشبيهُ كونهم أنصار الله بقول عيسى ﵇ " مَنْ أَنْصَاري إِلَى اللَّهِ " وليس مراداً؟! قلتُ: التشبيهُ محمولٌ على المعنى تقديره: كونوا أنصارَ اللَّهِ كما كانَ الحواريون أنصاراً لعيسى حين قال لهم: من أنصاري إلى اللَّهِ؟ " تَمَّتْ سُورَةُ الصف "

стр. 562

سُورَة الجُمُعة ١ - قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَتَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولَاَ مِنْهُمْ) إن قلتَ: ما وجهُ التقييدِ في بعث الرسول، بكونهِ أمّياً منهم؟ قلتُ: مشاكلةُ حاله لأحوالهم، فيكون أقربَ إلى موافقتهم له، أو انتفاء سوء الظنّ عنه، في أنَّ ما دعاهم إليه تعلَّمه من كتب قرأها، وحِكَمٍ تلاها. ٢ - قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) المرادُ بالسعي هنا: القصدُ لا العَدْوُ كقوله تعالى " وأن

стр. 563

ليس للِإنسانِ إلاَّ ما سعى " وقول الداعي: وإليكَ نَسْعَى ونحفِدُ. ٣١ - قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها. .) فيه حذفٌ تقديره: وإذا رأوا تجارةً انفضُّوا إليها، أو لهواً انفضُّوا إليه، فَحُذِف الثاني لدلالة الأول عليه، وقرأ ابن مسعودٍ: " انفضُّوا إليهما " وعليه فلا حذف. " تَمَّتْ سُورَةُ الجمعة " سُورة المنافِقون ١ - قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) أي في شهادتهم التي يعتقدونها، فالتكذيبُ للشهادة لا للمشهود به. قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبهم) ، " ذلِكَ بأنَّهمْ " أي المنافقين " آمنُوا ثمَّ كَفَرُوا " أي آمنوا بألسنتهم، وكفروا بقلوبهم، ف " ثُمَّ " للترتيب الِإخباري لا الِإيجادي. قوله تعالى: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ العَدُوُّ فَاحْذرْهُمْ) ، " كلّ " مفعول أول ليحسب، و " عليهم " مفعولٌ

стр. 564

ثانٍ له، والتقديرُ: يحسبون كل صيحةٍ واقعةً عليهم، وقولُه " العَدُوُّ " استئنافٌ، وقيل: هو المفعول الثاني ليحسب، وعليه ف " عليهم " حالٌ. ٤ - قوله تعالى: (وَلَكِن المُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) ختمه هنا بـ " لَا يَفْقَهُونَ " وبعده " لا يعلمون "، لأن الأول متصل بقول " وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ " وفي معرفتها غموض يحتاج إلى فطنة وفقه فناسب نفي الفقه عنهم، والثاني متصل بقوله " وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ " وفي معرفتها غموض زائد يحتاج إلى علم، فناسب نفى العلم عنهم، فالمعنى لا يعلمون أن الله معز أولياءه ومذل أعداءه. " تَمَّتْ سُورَةُ المنافقون "

стр. 565

سُوَرة التغَابن ١ - قوله تعالى: (يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ) ؟ كرَّر " ما " هنا وفي قوله بعدُ " وَيعْلمُ ما تُسِرُّونَ ومَا تُعْلنونَ " تأكيداً وتعميماً للاختلاف، فناسبَ ذكرٌ " ما " فيهما، لأن تسبيحَ ما في السَّمواتِ، مخالفٌ لتسبيح ما في الأرض، كثرةً وقلَّةً، ووقوعاً، من حيوانٍ وجماد، وأسرارُنا مخالفةٌ لعلانيتنا، فناسب ذكرُ " ما " فيهما، ولم يكررها في قوله " يعلمُ ما في السَّمواتِ والأرضِ " لعدم اختلاف علمه تعالى، إذْ علمُه بما تحتَ الأرض، كعلمه بما فوقها، وعلمُه بما يكونُ كعلمِه بما كان، فناسب حذفها فيه. ٩١ - قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأنَّهُ كَانَتْ تَأْتيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أبَشَرٌ يَهدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ) وقولُه " فكفَرُوا وتولَّوْا واسْتَغنَى اللَّهُ " مُرتَّبٌ على قولهِ " ذَلِك بأنه كانتْ تَأْتيهِم رُسُلُهُمْ بالبيِّناتِ ".

стр. 566

فإن قلتَ: ظاهرُه أن استغناءه بعد إتيانِ الرسل بالبيِّنات، مع أنه مستَغْنٍ دائماً؟! قلتُ: معناه ظهر استغناؤه عن إيمانهم، حيث لم يُلجئْهم إليه مع قدرته على ذلك. ٣ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً. . إلى قوله: أَبَداً) . ذكر مثلَه في الطلاق، لكنْ زادَ هنا " يُكَفِّرْ عنهُ سيّئَاتِهِ " لأن ما هنا تقدّمه " أبَشَرٌ يَهْدوننا " الآيات، وأخبر فيها عن الكفار بسيئاتٍ تحتاج إلى تكفيرِ، فناسب ذكر " يُكفِّر عنه سيئاتِه " بخلاف ما في الطلاق لَم يتقدَّمْه شيءٌ من ذلك. ٤ - قوله تعالى: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ. .) . إن قلتَ: كيف قال ذلكَ، مع أن الهدايةَ سابقةٌ على الِإيمان؟ قلتُ: ليس المرادُ يهدِ قلبه للِإيمان، بل المرادُ يهده لليقين عند نزول المصائب، فيعلم أنَّ ما أخطأه لم يكنْ ليصيبه، وما أصابه لم يكن ليخطئه، أو يهده للرضى والتسليم عند وجود

стр. 567

المصائب، أو للاسترجاع عند نزولها بأن يقول: " إنَّا للَّهِ وإنَّا إليهِ رَاجِعُونَ ". " تَمَّتْ سُورَةُ التغابن " سورة الطلاق ١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ. إن قلتَ: كيف أفردَ نبيَّه بالخطاب، مع أنه جمعه مع غيره عقبها؟! قلتُ: أفرده به أولًا لأنه إمامُ أمَّته، وسادٌّ مسدَّهم، أو معناه: يا أيها النبيُّ قل لأمتك إذا طلقتم النساء أي أردتم طلاق نسائكم فطلقوهن. . الخ. ٢ - قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. .) . ذكره ثلاث مرات، وختم الأول بقوله: " يجعلْ له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسبُ ". والثاني بقوله تعالى: " يَجْعلْ لهُ مِنْ أمْرهِ يُسْراً ". والثالث بقوله تعالى: " يُكفِّرْ عنهُ سَيِّئاتِهِ وُيعْظمْ لَهُ أجْراً ".

стр. 568

إشارةً إلى تَعْداد النِّعم المترتِّبة على التَّقوى، من أنَّ اللَّهَ يجعلُ لمن اتَّقاه في دنياه، مَخْرجاً من كُرَب الدنيا والآخرة، ويرزقه من حيث لا يخطُر بباله، ويجعل له في دنياه وآخرته من أمره يُسراً، ويكفِّر عنه فى آخرته سيّئاته، وُيعْظم له أجراً.

стр. 569

٤ - قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُوْلَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) . فائدةُ ذكر الغاية فيه، رفعُ توهّم أن النفقةَ تتقيَّدُ، بمضيِّ مقدارِ عدَّة الأقراء، أوأنه إذا طالت مدّة الحملِ، لا تجب النفة من الِإطالة. ٥ - قوله تعالى: (سيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً) . لا يُنافي قوله " إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً " لأن " مع " بمعنى بعد، وإلَّا فيلزمُ اجتماعُ الضِّدين وهو محال. ٦ - قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ..) الآية. إن قلتَ: كيف قال فيها " فَحَاسَبْنَاهَا حسَاباً شدِيداً وعذبناها عَذَاباً نُكْراً " بلفظ المضي، مع أنَّ الحساب والعذاب المرتَّبيْن على العُتوِّ إنما هما في الآخرة؟ قلتُ: أتى بذلك على لفظ الماضي تحقيقاً له وتقريراً، لأن المنتظر من وعدِ الله ووعيده، آتٍ لا محالة، ونظيره قوله تعالى " ونادَى أَصْحَابُ النَارِ ". " تَمَّتْ سُورَةُ الطلاق "

стр. 570

سُورة التحريم ١ - قوله تعالى: (وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ) . إن قلتَ: إن كان المرادُ به الفردُ فأيُّ فردٍ هو، مع أنه لا يناسب جمع الملائكةِ بعده؟ أو الجمعُ فهلّاَ كُتِب في المصحف با لواو؟ قلتُ: هو فردٌ أُريد به الجمعُ كقوله تعالى " والمَلَكُ عَلَى أرْجَائِها " وقولهِ " ثُم يُخرجُكُمْ طِفْلاً " أو هو جمعٌ لكنه كُتب في المصحف بغير واو على اللفظ، كما جاءت ألفاظ كثيرةٌ في المصحف على اللفظ، دون إصلاح الخطِّ. ٢ - قوله تعالى: (وَالمَلاَئِكَهُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ) . وُضِعَ فيه المفردُ موضع الجمع أي ظهراء، أو أن " فعيلًا " يستوي فيه الواحد وغيره كقعيد. ٣ - قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) . الآية.

стр. 571

إن قلتَ: كيف أثبت الخيرية لهنَّ بالصفات المذكورة بقوله " مسلماتٍ " إلى آخره مع اتِّصاف أزواجه ﷺ بها أيضاً؟ قلتُ: المراد " خيراً منكنَّ " في حفظ قلبه، ومتابعة رضاه، مع اتصافهنَّ بهذه الصفات المشتركة بينكنَّ وبينهنَّ. فإن قلتَ: لمَ ذكرَ الواو في " أبكاراً " وحذَفَها في بقية الصفات؟ قلتُ: لأن أبكاراً مباينٌ للثيِّبات، فذكرَ بالواو لامتناع اجتماعهما في ذاتٍ واحدة، بخلاف بقية الصفات، لا تباين فيها فذُكرت بلا واوٍ. فإِن قلتَ: أيُّ مدحٍ في كونهنَّ ثيِّباتٍ؟! قلتُ: الثَّيِّبُ تُمدح من جهة أنها أكثر تجربةً وعقلًا، وأسرعُ حَبَلاً غالباً، والبكرُ تُمدح من جهة أنها أطهرُ وأطيبُ، وأكثر مداعبةً وملاعبةً غالباً. ٤ - قوله تعالى: (لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمرُونَ) . فائدةُ ذكره بعد " لا يعصونَ اللَّهَ ما أمرهُمْ " التأكيدُ،

стр. 572

لاتحادهما صدقاً، أو التأسيسُ لاختلافهما مفهوماً، أو المرادُ بالأمر الأول: العباداتُ والطَّاعاتُ، وبالثاني: الأمرُ بتعذيب أهل النَّار. ٥ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً. .) . لم يقل نَصُوحةً، لأن " فَعُولًا " يستوي فيه المذكر والمؤنَّث، كقولهم: امرأةٌ صبورٌ وشكور. ٦ - قوله تعالى: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ) . فائدةُ قوله " منْ عِبَادنا " بعد عبديْنِ، مدحُهما والثناءُ عليهما، بإِضافتهما إليه إضافة التشريف والتخصيص، كما في قوله تعالى " وعبادُ الرحمنِ " وقوله تعالى " فادخلي في عبادي " وفي ذلك مبالغةٌ في المعنى المقصود، وهو أن الِإنسان، لا تنفعه عادةً إلّاَ صلاح نفسه، لا صلاح غيره، وإن كان ذلك الغيرُ في أعلا المراتب. ٧ - قوله تعالى: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ القَانِتِينَ) . إن قلتَ: القياسُ من القانتات، فلِمَ عَدَل عنه إلى القانتينَ؟

стр. 573

قلتُ: رعايةً للفواصل، أو معناه من القوم القانتين. " تَمَّتْ سُورَةُ التحريم " سورَة الملك ١ - قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ وَالحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) . قدَّم الموتَ لأنه هو المخلوق أولًا، لقوله تعالى " وكُنتُمْ أَمْواتاً فأَحياكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يُحْييكُمْ ". ٢ - قوله تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفَاوتٍ. .) . أي من خَلَل وعيبٍ، وإلَّا فالتفاوتُ بين المخلوقاتِ، بالصغَرِ والكِبَر وغيرهما كثيرٌ. ٣ - قوله تعالى: (فَارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) . قال بعده: " ثُمَّ ارْجعِ البصَرَكرَّتَيْنِ " قيل: أي مع الكرَّة الأولى، فتصير ثلاث مرَّاتٍ، والمشهورُ أنَّ المراد بهذه التثنيةِ

стр. 574

التكثيرُ، بدليل قوله تعالى " يَنْقَلِبْ إليْكَ البَصَرُ خَاسِئاً " أي ذليلاً " وَهُوَ حَسِيرٌ " أي كليلٌ، وهذان الوصفان لا يتأتَّيان بنظرتين ولا ثلاث، فالمعنى كرَّاتٍ كثيرةً، كنظيره في قولهم: لبَّيْكَ وسعدَيْكَ، وحنانَيْكَ ودوالَيْكَ، وهذا كذلك. ٤ - قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ) . ليس بتكرار مع قوله تعالى " أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا "، لأن الأول في تخويفهم بخسف الأرض بهم، والثاني في تخويفهم بالحصْبِ من السماء، وقدَّم الأول، لأن الأرض التي جعلها اللهُ مقراً لهم، وعبدوا فيها غيره، أقربُ إليهم من السماء البعيدة عنهم. إن قلتَ: كيف قال: " مَنْ في السَّماءِ " مع أنه تعالى ليس فيها ولا في غيرها، بل هوتعالى منزَّهٌ عن كلَ مكان؟! قلتُ: المعْنى مَنْ ملكوتُه في السَّماء (١) ، التي هي مسكنُ ملائكته، ومحلُّ عرشه وكرسيِّه، واللوحُ المحفوظ، ومنه تنزلُ أقضيتُه وكتُبُه. تَمَّتْ سُورَةُ المُلك "

стр. 575

سوَرة القَلَم ١ - قوله تعالى: (ن. وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) . يأتي فيهما ما مرَّ في سورة " صَ " لكنَّ جواب القسم هنا مذكورٌ، وهو الجملة المنفية، وفي جوابه يُعرف ممَّا مرَّ ثَمَّ. ٢ - قوله تعالى: (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجودِ) . أي توبيخاً وتعنيفاً لهم على تركه في الدنيا، لا تكليفاً وتعبُّداً، إذْ لا تكليف في الآخرة. ٣ - قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ. .) . أي إلى الصلاة " وَهم سَالِمُونَ " أي صحيحون. فإن قلتَ: الصحَّةُ ليست شرطاً في وجوبِ الصلاة؟

стр. 576

قلتُ: المرادُ الخروج إلى الصلاة في جماعةٍ مشروطٌ بالصحة. " تَمَّتْ سُورَةُ القلم " سُورة الحَاقَّة ١ - قوله تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) . إنما لم يقل " صَرْصرَة " كما قال " عاتية " مع أنَ الريح مؤنثة، لأن الصَّرصر وصفٌ مختصٌّ بالريح، فأشبه باب " حائض، وطامث، وحامل " بخلاف عاتية فإنها غير الريح، من الأسماء المؤنثة يُوصف به. ٢ - قوله تعالى: (فَتَرَى القَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلً خَاوِيةٍ) . " فيها " أي في تلك الليالي والأيام، متعلِّقٌ بصرعى لا ب " ترى "، والرؤيةُ علميةٌ لا بصرية، لأنه ﷺ ما أبصرهم

стр. 577

صرعى فيها ولارآهم، فصار المعنى: فتعلمهم صرعى فيها بإعلامنا، حتى كأنك تشاهدهم. " ٢ - قوله تعالى: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. . إلى قوله تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) . فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن المراد بهذه النفخة " النفخة الأولى " وهي نفخةُ الصَّعْقِ، والعرضُ إنما يكونُ بعد النفخةِ الثانية، وبين النفختيْنِ زمنٌ طويل؟ قلتُ: المرادُ باليومِ: الوقتُ الواسعُ الذي يقع فيه النفختان وما بعدهما. ٤ - قوله تعالى: (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) . إن قلتَ: كيف عبَّر بأنه يظنُّ ذلك، مع أنه يعلمه؟! قلتُ: الظنُّ مطلقٌ بمعنى العلم، كما في قوله تعالى " الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهمْ ملاقُوا رَبِّهمْ وأَنَّهمْ إليهِ رَاجِعُونَ ". ٥ - قوله تعالى: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ

стр. 578

(٣٦) . إن قلتَ: ما التوفيقُ بينه وبين قوله تعالى " لَيسَ لهمْ طَعَامٌ إلّاَ مِنْ ضَرِيعٍ " وفي آخَر " إنَّ شجرةَ الزقُّوم طَعَامُ الَأثيمِ " وفي آخَر " أُوْلئِكَ مَا يَأكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلّاَ النَّارَ "؟ قلتُ: لا منافاةَ إذْ يجوز أن يكون طعامُهم جميع ذلك، أو أنَّ العذاب أنواعٌ، والمعذبين طبقاتٌ، فمنهم أَكَلةُ غِسلين، ومنهم أَكَلةُ الضَّريع، ومنهم أكلةُ الزقُّومِ، ومنهم أَكَلةُ النَّارِ، لكل بابٍ منهم جزءٌ مقسومٌ. ٦ - قوله تعالى: (وَمَا هُوَ بَقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ. وَلاَ بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ) . إن قلتَ: لمَ ختمَ الأُولى بقلَّةِ الِإيمانِ، والثانيةَ بقلَّةِ التذكّرِ؟ قلتُ: لأن من نَسَبَ النبيَّ ﷺ إلى أنه شاعرٌ، وأنَّ ما أتى به شعرٌ فهو كافرٌ، وأنَّ من نسبه إلى الكَهَانة فإنما نسبه إليها لقلَّةِ تذكُّرِهِ في ألفاظ القرآن، إذْ كلامُ الكهَنَةِ نثرٌ لا شعر، فناسبَ ختمَهُ بقلَّةِ التذكّر، وختمَ الأول بِقلَّةِ الِإيمان. " تَمَّتْ سُورَةُ الحاقة "

стр. 579

سورة المعارج ١ - قوله تعالى: (إِنَّ الِإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً) . فسَّرَ " هَلُوعاً " بقوله " إِذَا مسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وإذَا مسَّهُ الخَيْرُ مَنُوعاً ". فإن قلتَ: الِإنسانُ في حال خلْقه، لم يكن موصوفاً بذلك؟ قلتُ: " هَلُوعاً " حالٌ مقدَّرةٌ أي مقدَّرٌ في خلقه الهَلَعُ، كما في قوله تعالى " محلِّقينَ رءوسَكُمْ " أي لتدخلنَّ المسجد الحرام مقدرين حلق رءوسكم. ٩٢ - قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ) . ختمه هنا بقوله " دَائِمونَ " وبعدُ بقوله " يُحَافِظونَ " لأن المراد بدوامهم عليها، ألا يتركوها في وقتٍ من أوقاتها، وبمحافظتهم عليها، أن يأتوا بها على أكمل أحوالها، من

стр. 580

الإِتيان بها بجميع واجباتها وسُنَنها، ومنها الاجتهادُ في تفريغ القلب عن الوسوسة، والرياء، والسُّمْعةِ. " تَمَّتْ سُورَةُ المعارج " سُورة نوح ١ - (يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلً مُسَمَّىً) . خطابٌ لقوم نوحٍ ﵇. فإن قلتَ: إن كان المراد تأخيرهم عن الَأجَل المقدَّر أزلاً فهو محالٌ، لقوله تعالى " ولنْ يُؤخِّرَ اللهُ نفْساً إِذَا جَاءَ أجلُهَا " أوتأخيرَهم إلى مجيء أجلهِم المقدَّر، فهم كغيرهم سواءً آمنوا أم لا؟ قلتُ: معناه يؤخركم عن العذاب إلا منتهى آجالكم، على تقدير الِإيمان، فلا يُعذّبكم في الدنيا إن وقع منكم ذنبٌ، كما عذَّب غيركم من الأمم الكافرة فيها، أويؤخر موتكم كأن

стр. 581

قضى الله بتعميركم ألف سنة إن آمنوا، وبخمسمائة سنة إن لم يُؤمنوا. ٢ - قوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ. .) أي من الشرك بالتوحيد. ٣ - قوله تعالى: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي. .) . قال هنا بلا واوٍ، وقاله بعدُ بواوٍ، لأن الأول استئنافٌ، والثاني معطوفٌ عليه. ٤ - قوله تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّاِلمِينَ إِلّاَ ضَلَالاً) . - ختمه بقوله " ضلالًا " موافقةً لقوله قبلُ " وقد أضلًّوا كثيراً " وختمه بعدُ بقوله " تَبَارا " أي هلاكاً، موافقةً لقوله قبل " لا تذرْ على الأرضِ من الكافرينَ دَيَّاراً ". ٥ - قوله تعالى: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافرِينَ دَيَاراً) . إن قلتَ: كيف دعا نوحٌ على قومه بذلك، مع أنه أُرسل إليهم ليهديهم وُيرشدهم؟ قلت: إنما دعا عليهم بذلك، بعد أن أعلمه الله تعالى أنهم لا يُؤمنون.

стр. 582

٦ - قوله تعالى: (وَلاَ يَلِدُوا إِلّاَ فَاجِراً كفَّاراً) من كلام نوح. فإن قلتَ: كيف وصفهم بالفجور والكفر حال ولادتهم، وكيف عرف أنهم لا يلدوا إلا فاجراً كفاراً؟! قلتُ: وصفَهم بما يئولون إليه من الفجور والكفر، وعلمَ ذلكَ بإعلام اللَّهِ إيَّاه. " تَمَّتْ سُورَةُ نوح " سورة الجن قوله تعالى: (وَأنَّهُ لَمَّاقَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ. .) . أي النبي ﷺ ، وإنما عَدَل عنه إلى " عبدُ اللَّهِ " تواضعاً، لأنه واقع موقع كلامه عن نفسه. " تَمَّتْ سُورَةُ الجن "

стр. 583

سُورة المُزَّمِّل ١ - قوله تعالى: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلاً) . وصفَ القرآنَ بالثِّقَل، لثِقله بنزول الوحي على نبيِّه، حتى كان يعرَقُ في اليوم الشَّاتي، أو لثقل العمل بما فيه، أو لثقله في الميزان، أو لثقله على المنافقين. ٢ - قوله تعالى: (السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ. .) أي بذلك اليوم لشدته، وإنما لم يُؤنث صفة السماء مع أنها مؤنثة، لأنها بمعنى السقف، تقول: هذا سماءُ البيتِ أي سقفُه، قال تعالى " وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً محفوظاً ". أو لأنها تُذكَّرُ وتُؤنَّثُ، أو جاء " منْفَطِرٌ " على النَّسب أي ذات انفطارٍ، كامرأةٍ مرضعٍ وحائض أي ذاتُ إرضاع وٍ ذاتُ حيضٍ.

стр. 584

٣ - قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً) . إن قلتَ: إن جُعل " اتَّخَذَ إلى ربّهِ سبيلاً " جواباً فأين الشرطُ؟ أو " شاءَ " لا يصلح شرطاً بدون ذكر مفعوله، أو جعل المجموع شرطاً فأين الجواب؟ قلتُ: معناه فمن شاء النَّجاة اتَّخذ إلى ربه سبيلاً. أوفمن شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً، اتَّخذ إلى ربه سبيلاً، كقوله تعالى " فمنْ شَاءَ فَلْمؤمِنْ ومَنْ شاءَ فَلْيكْفُرْ " أي فمن شاء الِإيمان فلْيؤمن، ومن شاءَ الكفرَفلْيكفرْ. ٤ - قوله تعالى: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّوَ مِنَ القُرْآنِ. .) أي في الصَّلاة، بأن تُصلُّوا ما تيسَّر من الصَّلاة، بما تيسَّر من القرآن، وهذا يرجع إلى قول بعضهم: إن المراد بـ " اقْرَءُوا " صلُّوا، وإن عبَّر بالقراءة عن الصلاة، التي هي بعضُ واجباتها، فهو من إطلاق " الجزء على الكل " وقوله بعده " فَاقرءُوا ماتَيَسَّر منْهُ " تأكيدٌ، حثّاً على قيام الليل بما تيسَّر. " تَمَّتْ سُورَةُ المزمل "

стр. 585

سورة المدثر ١ - قوله تعالى: (فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ. عَلَى الكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) . فائدةُ ذكره بعد قوله " فَذَلِكَ يَوْمئذٍ يومٌ عَسِيرٌ عَلَى الكافرينَ " رفعُ توهُّم أن يُراد بـ " عسير " عسيرٌ يُرجى تيسيره، كما يُرْجى تيسير العُسرِ من أمور الدنيا، وقيل: فائدتُه التوكيدُ. ١١ - قوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ. فَقُتِلَ كيْفَ قَدَّرَ. ثُمَّ قُتِلَ كيْفَ قَدَّرَ) . ذكر " قَدَّرَ " ثلاثَ مرَّات، و " قُتِل كيف قَدَّرَ " مرتين، لأن المعنى، أن الوليد فكَّر في شأن النبي ﷺ وما أتى به، وقدَّر ماذا يمكنه أن يقول فيهما، فقال الله " فَقُتِلَ كيفَ قدَّرَ " أي

стр. 586

على أيِّ حالٍ كان تقديرُه، فالتقديرُ الأول مغايرٌ للثاني والثالث، لاختلاف المقدَّر، وقولُه " ثُمَّ قُتل كيفَ قدَّرَ " كرَّره للمبالغة فهو تأكيدٌ، ولزمَ منه أن " قدَّرَ " الثالثَ تأكيدٌ للثاني، وأن " قُتِلَ " الثاني تأكيدٌ للأول، و " ثُمَّ " للدلالة على أن مدخولها أبلغُ ممَّا قبلها. وقيل: المرادُ بالقتل الأول لغوُ الوليدِ وتعذيبُه، فهو مغايرٌ للثاني. ٣ - قوله تعالى: (لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ. لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ. عليها تِسْعَةَ عَشَرَ) . قيل: معناهما واحدٌ، أي لا تُبقي ولا تذرُ للكفَّارِ شيئاً من لحمٍ ولا عَصَب إلّاَ أهلكته، ثم يعودُ كما كان، وقيل: متغايران، أي لا تُبقي لهم لحماً، ولا تذرُ لهم عظماً، أو لا تُبقيهم أحياء، ولا تذرهم أمواتاً. فإن قلتَ: لأيِّ معنى، خصَّ عدد خزنةِ جهنم بـ " تِسْعَةَ عَشَرَ "؟! قلتُ: لأنها موافقةٌ لعدد أسباب فساد النفس الِإنسانية، وهي القُوى " الِإنسانيةُ، والطبيعيةُ " إذِ

стр. 587

القُوى الِإنسانيةُ اثنتا عشرة: الخمسةُ الظاهرةُ، والخمسةُ الباطنة، والشهوةُ والغضب. والقُوى الطبيعيةُ سبعةٌ: الجاذبةُ، والماسكةُ، والهاضمةُ، والدافعةُ، والغاذيةُ، والنَّامية، والمولِّدة، والمجموعُ تسعة عشرَ. " تَمَّتْ سُورَةُ المدثر " سُورة القيامَة ١ - قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبعْ قُرْآنَهُ) أي بقراءة جبريل عليكَ. ٢ - قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ. إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) . إن قلتَ: الذي يُوصف بالنظر بمعنى الِإبصار، النظرُ بالعينِ لا بالوجه؟

стр. 588

قلتُ: أطلق الوجه فيه وأراد جزءَه، ففي لفظ " وجوهٌ " بالنظر إلى " ناضِرة " و " ناظرة " جمعٌ بين الحقيقة والمجاز، وهو جائزٌ. ٣ - قوله تعالى: (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) أي أولاك اللَّهُ ما تكره، وكرَّره مراراً بقوله " ثُمَّ أَوْلَى لكَ فأَوْلَى " مبالغةً في التهديد والوعيد، فهو تهديدٌ بعد تهديد، ووعيدٌ بعد وعيد. " تَمَّتْ سُورَةُ القيامة " سورة الإنسان ١ - قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الِإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ. .) وصفَ النطفةَ مع أنها مفردٌ ب " أَمْشَاجٍ " وهو جمعٌ، لأنها في معنى الجمع، كقوله تعالى " مُتَّكِئينَ عَلَى رَفْرفٍ خُضْرٍ " أو بجعلِ أجزائها نُطَفاً، وقيل: " أمشاجٌ " مفردٌ لا جمعٌ،

стр. 589

كبرمةٍ أعشار، وثوبٍِ أخلاقٍ. ٢١ - قوله تعالى: (نَبْتَليهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً) فإإن قلتَ: كيف عَطَفَ على " نبْتلِيهِ " ما بعدَه بالفاء، مع أنَّ الابتلاءَ متأخرٌ عنه؟ قلتُ: " نَبْتليهِ " حالٌ مُقدَّرة أي مريدين ابتلاءه حين تأهُّله، فجعلناه سميعاً بصيراً، فالمعطوفُ عليه هو إرادةُ الابتلاء لا الِإبتلاءُ. ٢٢ - قوله تعالى: (وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآئِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَاكوابٍ. .) ذكرَه بالبناءِ للمفعول، وقال بعدُ " وَيطُوفُ عليهمْ وِلْدانٌ " بالبناء للفاعل، لأن المقصودَ في الأول: ما يطاف به لا الطائفون، بقرينة قوله " بآنيةٍ من فضَّةٍ " والمقصودُ في الثاني: الطائفون، فذكَر في كلٍّ منهما ما يناسُبه. ٤ - قوله تعالى: (وَأكوَابٍ كانَتْ قَوَارِيرَا) معناه تكوَّنت لا أنها كانت قبلُ قوارير، فهو من قوله تعالى " كُنْ فيكونُ " وكذا " كانَ مِزَاجُها كَافُورا ". ٥ - قوله تعالى: (إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً)

стр. 590

إن قلتَ: ما الحكمةُ في تشبيههم باللؤلؤِ المنثور دون المنظوم؟ قلتُ: لأنه تعالى أراد تشبيههم - لحسنهم وانتشارهم في الخدمة - باللؤلؤ الذي لم يُثقب، وهو أشدُّ صفاءً، وأحسنُ منظراً، ممَّا ثُقب، لأنه إذا ثُقب نقص صفاؤه وممائيَّتُه، وما لم يُثقب لا يكون إلا منثوراً. ٦ - قوله تعالى: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً) . إن قلتَ: أيُّ شرفٍ لتلك الدَّار، معِ أنه سقاهم ذلك في الدنيا، قال تعالى: " وَأَسْقيناكُمْ ماءً فُرَاتاَ " أي عذباً؟ قلتُ: المراد سقاهم في تلك الدار بغير واسطة، وأيضاً فشتَّان ما بين الشرابين، والآنيتيْنِ، والمنزليْنِ. ٧ - قوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) . - أفادَ بالتعبير بـ " أو " النهيَ عن طاعتهما معاً بالأوْلى، ولو عطَفَ بالواو لأفهم جواز طاعة أحدهما، وليس مراداً.

стр. 591

٨ - قوله تعالى: (نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ. .) أي خلقهم. فإن قلتَ: كيف قال ذلك هنا، وقال في النساء " وَخُلِقَ الإِنسانُ ضَعِيفاً "؟ قلتُ: قال ابن عباسٍ وغيرهُ: المراد به: ضعيفٌ عن الصبر عن النساء، فلذلك أباح الله له نكاح الأمَةِ، وقَالَ الزَجاج: معناه يغلبُه هَوِاه وشهوتُه، فلذلِكَ وُصف بالضعف ومعنى قوله " وشَدَدْنَا أسْرهم " ربطنا أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والأعصاب، أو المرادُ بالأسر: عَجْبُ الذنب، لأنه لا يتفتت في القبر. " تَمَّتْ سُورَةُ الإِنسان " سُورَة المرُسلات ١ - قوله تعالى: (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ) كُرِّر هنا عشرَ مرَّاتٍ، والتكرار في مقام الترغيب والترهيب مستحسنٌ، لا سيما إذا تغايرت الآياتُ السابقةُ على المرَّات المكرَّرة كما هنا. ٢ - قوله تعالى: (هَذَا يَوْمُ لاَ يَنْطِقُونَ. وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ

стр. 592

فَيَعْتَذِرُونَ) إن قلتَ: نفيُ النطق عنهم يدلًّ على انتفاء الْاعتذار منهم، إذِ الِإعتذارُ لا يكونُ إلّاَ بالنًّطق، فما فائدةُ قوله عَقِبه " ولا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتذِرُونَ ". قلتُ: معناه لا ينطقون ابتداءً بعذرٍ مقبول، ولا بعد أن يُؤذنَ لهم في الاعتذار، لو أُذن لهم فيه، إذِ الخائفُ عادةً قد لا ينطق لسانُه بعذرٍ وحجةٍ لخوفه، لكنْ إذا أُذن له فيه نَطَق، ففائدةُ ذلك نفيُ هذا المعنى، أي لا ينطقون ابتداءً بعذرٍ ولا بعد الِإذن. فإن قلتَ: مَا ذُكر يُنافيه ما دلَّ عليه قوله تعالى " يومَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمينَ مَعْذِرتُهم " من وقوع الاعتذار منهم؟ قلت: لا يُنافيه لأن يوم القيامة يومٌ طويلٌ، فيعتذرون في وقتٍ، ولا يعتذرون في آخر، والجوابُ بأن المراد بتلك الآية " الظالمونَ " من المسلمين، وبما هنا " الكافرونَ " ضعيفٌ، لتعقيب تلك الآية بقوله تعالى " ولهُمُ اللَّعْنَةُ ولهمْ سُوءُ الدَّارِ ". " تَمَّتْ سُورَةُ المرسلات "

стр. 593

سورة النبأ ١ - قوله تعالى (وكَلاَّ سَيَعْلَمُونَ. ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ) كرره تأكيداً، أو الأول توعُّدٌ للكفَّار بما يرونه عند النزع، والثاني توعُّدٌ لهم بما يصيرون إليه من عذاب الآخرة، أو الأول توعدٌ بأهوال القيامة، والثاني توعدٌ بما بعدها من النار وحرِّها، أو الأولُ ردعٌ عن الاختلاف، والثاني عن الكفر، و " ثُمَّ " للِإشعار بأن الوعيد الثاني أشدُّ. ٢ - قوله تعالى (أَلمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَاداً. وَالجِبَالَ أَوْتَاداً) وجهُ اتّصالهِ بما قبلَه، أنهم لما اختلفوا في النبأ العظيم - وهو البعث - ثم أنكروه، نبَّههم اللهُ تعالى بما خلقه وأوجدهُ، على كمال قدرته، وغايةِ قهره، وأن جميعَ الأشياء طوعُ إرادته، وفي مشيئته.

стр. 594

٣ - فوله تعالى (إِلّاَ حَمِيماً وَغَسَّاقاً. جَزَاءً وفَاقاً) قال ذلك هنا، وقال بعدُ " جزاءً منْ ربِّكَ عَطَاءً حِسَاباً " لأن الأول للكفار، فناسب ذكر " وِفَاقاً " أي جزاءً موافقاً لأعمالهم، كما قال تعالى " وجزاءُ سيِّئةٍ سيِّئةٌ مثلُها " والثاني للمؤمنين، فناسب ذكرُ " حساباً " أي كافياً وافياً لأعمالهم، من قولك: حسبى أي كفاني. " تَمَّتْ سُورَةُ النبأ " سورة النازعات ١ - قوله تعالى (وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً. والنَّاشِطَاتِ نَشْطاً) الواوُ فيه للقَسَم، وجوابه محذوفٌ أي لتبعثن، والمرادُ بالنازعات وما عُطِف عليه: الملائكةُ، وذُكروا بلفظ التأنيث مع أنهم ليسوا إناثاً، لأنه تعالى أقسم بطوائفها، والطائفةُ مؤنثة.

стр. 595

فإن قلتَ: كيف أضاف الأبصارَ إلى القلوب، مع أنها لا تُضافُ إليها؟ قلتُ: فيه حذفُ مضافٍ أي أبصارُ أربابها. " ٢ - قوله تعالى (فَأَرَاهُ الآية َ الكُبْرى) هو أي العَصَى واليد. فإن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أنه أراه الآياتِ كلَّها، لقوله تعالى " ولَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنَا كُلَّها " وكلُّ آياتِه كبرى. قلتُ: الِإخبارُ هنا عمَّا أراه له أوَّلَ ملاقاته إيَّاه، وهو العصى، واليد، وأطلق عليهما " الآية الكبرى " لاتحاد معناهما، أو أراد بالكبرى: العصى وحدها، لأنها كانت مقدَّمة على الأخرى. @٤ - قوله تعالى (وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا) أضاف الليلَ إلى السماءِ، مع أنه إنما هو في الأرض، لأنه هو: أول ما يظهر عند الغروب من أُفُق السَّماءِ. ٥١ - قوله تعالى (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الكُبرَى) أي الداهيةُ العظمى التي تَطمُّ على غيرها، وهي " النفخةُ الثانية "، وخصَّ ما هنا بالطامَّة، موافقةً لما قبله من داهية فرعون، وهي قوله " أَنا رَبُّكُمُ الأَعلَى " ولذلك وُصفت

стр. 596

الطامةُ بالكبرى، موافقةً لقوله قبلُ " فَأَرَاهُ الآيةَ الكُبرى " بخلاف ما في " عَبَس " لم يتقدّمه شيء من ذلك، فخُصَّت بالصاخَّة، وإن شاركت الطامَّة في أنها النفخة الثانية، لأنها الصوتُ الشديدُ، والصَّوتُ يكون بعد الطمِّ، فناسبَ جعلُ الطمِّ للسَّابقة، والصخِّ للاَحقة، وجوابُ " إذا " قولُه " فأمَّا مَنْ طَغىَ " الخ، وقيل: محذوفٌ تقديره: فإن الجحيم مأواه. " تَمَّتْ سُورَةُ النازعات " سورة عبس ١ - قوله تعالى: (كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ. فمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ) " إِنها " أي الآياتُ، أو السورةُ " فمنْ شَاءَ ذَكَرَه " أي القرآن أو ما ذكر من الآيات. ٢ - قوله تعالى: (وَحَدَائِقَ غُلْباً. وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) الأبُّ: ما ترعاه البهائم، وقيل: التِّبنُ، وقيل: يابسُ الفاكهة.

стр. 597

" ٢ - قوله تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاحَّةُ. يَوْمَ يَفرُّ المَرْءُ مِنْ أَخيهِ) . جوابُ " إذَا " محذوفٌ يدلُّ عليه قولُه بعدُ " لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُه يَوْمئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ". تَمَّتْ سُورَةُ عبس " سورة التكوير ١ - قوله تعالى: (وَإِذَا البِحَارُ سُجِّرَتْ) أي أُوقدت فصارتْ ناراً. قال ذلك هنا، وقال في الانفطار " إذَا البِحَارُ فُجِّرتْ " أي سالت مياهُها على الأرض، فصارت بحراً واحداً، واختلط العذبُ بالملح، موافقةً في الأول لقوله بعده، " سُعِّرتْ " ليقع الوعيد بتسجير البحار وتسعير النار، وفي الثاني لقوله " وإذَا الكواكبُ انتثرتْ " أي تساقطت على الأرض، وصيرورةُ البحار ناراً مسجَّرة، يصيرُ أحدهما في وقت؟ ، والآخرُ في آخر، لطول يوم القيامة.

стр. 598

٢ - قوله تعالى: ((وَإذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَت. بأيِّ ذَنْبِ قُتِلَتْ) فإِن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن سؤال ما ذُكر إنما يحسُن من القاتل لا من المقتول؟ قلتُ: إنما سُئلت لتبكيتِ قاتلها توبيخه بما يجيب به، فإنها قُتِلَتْ بغير ذنبِ. ونظيره قولُهَ تعالى لعيسى ﵇ " أَأَنْتَ قلتَ للنَّاسِ اتَّخِذوني وأمّيَ إِلهَيْنِ من دون الله. . ". ٣ - قوله تعالى: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ) أي علمت كلّ نفسٍ، لقوله تعالى: " يومَ تجدُ كلُّ نفسٍ ما عَمِلتْ من خيرٍ محضَراً " الآية. فإن قلتَ: لمَ ختمَ الآية هنا بقوله " مَا أَحْضَرَتْ " أي من خير وشرٍّ، وفي الإِنفطار بقوله " ما قدَّمتْ وأَخَّرتْ " أي ما قدَّمته من الأعمال، وما أخَّرته منها فلم تعمله. (١) قلتُ: رعايةً للمناسبة، إذْ شروط الجواب هنا طالتْ بكثرتها، فحسُن اختصارهُ ليوقف عليه، وشروطُه ثَمَّ قصُرتْ بقلَّتها، فحَسُن بسطُه لتيسُّر الوقف عليه حينئذِ.

стр. 599

سورة الانفِظار ١ - قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَ بِّكَ الكَرِ يمِ) إن قلتَ: ما فائدةُ تخصيص ذكر صفة الكرم، من بين سائر صفاته تعالى؟ قلتُ: فائدتُه اللُّطفُ بعبده، وتلقينُه حجَّتَه وعذره، ليقول: غرَّني كرمُ الكريم. (١) ٢ - قوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ. ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) . كرَّره تعظيماً للدِّين، وقيل: الأول للمؤمنين، والثاني للكفار.

стр. 600

٣ - قوله تعالى: (يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً. .) إن قلتَ: كيف قال ذلك، مع أن النفوس المقبولة الشفاعة، تملك لمن شفعت فيه شيئاً، وهو الشفاعة؟ قلتُ: المنفيُّ ثبوتُ المُلْك بالسَّلطنةِ، والشفاعةُ ليست بطريق السَّلْطنة، فلا تدخل في النفى، ويؤيده قوله تعالى " والأمْرُ يومئذٍ لِلَّهِ ". " تَمَّتْ سُورَةُ الانفطار " سُورة المطُفِّفين ١ - قوله تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) فإن قلتَ: هلَّا قال: اكتالوا واتَّزَنوا، كما قال في مقابله " وِإذَا كَالُوهُمْ أوْ وَزَنُوهُمْ "؟! قلتُ: لأن المطفّفين كانت عادتُهم، ألاَّ يأخذوا ما يُكال وما يُوزن، إلّاَ بالمكيال، لأن استيفاء الزيادة بالمكيال أمكنُ لهم، وأهونُ عليهم منه بالميزان، وإذا أَعْطَوْا كالوا ووزنوا، لتمكنهم من البخس فيهما.
следующие страницы →