← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

صالحٍ، عن أبِيهِ. وجابرٌ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ. وقد رُوِّينَا هذا الحديثَ عن شَيخِنا أبي عبد الله الحافظِ، عن أبي جَعفَرٍ المَروَزِيِّ هذا، بإسنادِهِ عن الحسَنَ بن صالحٍ، عن لَيثٍ، وجابرٍ. وأخبَرَناه أبُو عبد الله، ثنا أبُو العبَّاس مُحمَّدُ بنُ يعقُوب، ثنا العبَّاسُ بنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ثنا يحيى بنُ أبي بُكَيرٍ، وإسحاقُ بنُ منصُورٍ السَّلُولِيُّ، قالا: ثنا الحَسَنُ بنُ صالح بن حَيٍّ، عن جابرٍ. وليثُ بنُ أبي سليمٍ، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن كان له إمامٌ فقِراءَة الإِمام له قِراءةٌ". فالحديثُ عن الحَسَن بن صالحٍ، عن ليثٍ، وجابرٍ. فمِن أينَ جاء له عن أَبِيه، عن جابرٍ؟! فإِمَّا أن صَحَّف فيما حَمَل من الحديث ولم يَدرِ به، وإمَّا أن تَعمَّدَه ليَكُون المُتابعَ لجابرٍ الجُعفِيِّ ثقةً غيرَ مجرُوحٍ. وأيَّهما كان، فكفَاه به ذَمًّا، وعَيبًا، وكذِبًا، وزُورًا" انتهَى. • قلتُ: والبَيهَقِيُّ يُعرِّضُ هنا بالطحاوِيِّ، فيما أظُنُّ. وذِكرُ تعمُّدِ الطَّحاوِيِّ الزِّيَادَةَ في الإسناد مِن عِندِه لا يجُوزُ أبدًا؛ والطَّحَاوِيُّ ثقةٌ أمينٌ حافظٌ. وهذا مِن آثار الخُصُومة بين الحنفيَّة والشَّافعيَّة. والبَيهَقِيُّ كثيرُ التَّعريض بالطَّحَاوِيِّ. غفر اللهُ لنا ولَهُما. وتابَعَهُما أيضًا أبُو حَنِيفَة النُّعمانُ .. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "مُسنَد أبي حَنِيفة" (ص ٣٢) من طريق إسحاقَ. الأَزرَقِ، عن أبي حَنِيفَة، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ مرفُوعًا. قال أبو نُعيمٍ: "كذا في أصل أبي الزُّبير، عن جابرٍ". وهذه الرِّوايَة وهمٌ.

стр. 1052

والصَّواب أن أبا حَنِيفَة يرويه عن جابرٍ الجُعفِيِّ، عن أبي الزُّبَير. وانتَظِر ما يأتي. وقال ابنُ التُّركُمانِيِّ في "الجوهر النَّقيِّ" (٢/ ١٥٩ - ١٦٠) في قضيَّةِ إثباتِ جابرٍ الجُعفيِّ في الإسناد وحَذفِه، بعد أن ذَكَر روايةَ ابن أبي شيبَة الماضِيةَ: "وهذا سنَدٌ صحيحٌ. وكذا روَاهُ أبو نُعيمٍ، عن الحَسَن بن صالحٍ، عن أبي الزُّبَير، ولم يَذكُر الجُعفِيَّ. كذا في "أطراف المِزِّي". وتُوُفِّي أبو الزُّبَير سنة ثمانٍ وعِشرين ومِئةٍ، ذَكَرَهُ التِّرمِذِيُّ، وعَمْرُو بنُ عليٍّ. والحَسَنُ بنُ صالحٍ وُلِد سنة مِئةٍ، وتُوفِّي سنة سبعٍ وستِّين ومئةٍ. وسَماعُه من أبي الزُّبير مُمكِنٌ. ومَذهَبُ الجُمهور: إنْ أَمكَن لقاؤُهُ لشخصٍ، ورَوَى عنه، فرِوايَتُه محمولةٌ على الاتِّصال. فيُحمَل على أن الحسَن سَمِعه من أبي الزُّبير مرَّةً بلا واسِطةٍ، ومرَّةً أُخرَى بواسطة الجُعفِيِّ ولَيثِ بن أبي سليمٍ" انتهَى. ونَقَل كلامَه الزَّبِيدِيُّ في "إتحاف السَّادة" (٣/ ١٩٨) برُمَّتِه، ولم يَنسِبهُ إليه كعادَتِه! • قلتُ: أمَّا رِواية أبي نُعيمٍ التي ذَكَرَها المِزَيُّ في "أطرافه" (٢/ ٢٩١)، فلا أَدرِي من رَواها عنه. فإنَّ عَبدَ بنَ حُميدٍ، والعَبَّاسَ بنَ مُحَمَّدٍ، وأحمدَ بنَ الهَيثَمِ، ومُحمَّدَ بنَ أَشكابٍ، رَوَوهُ عن أبي نُعيمٍ، فأثبَتُوا الجُعفِيَّ في الإِسناد. وما أظُنُّ أن الذي رواه عن أبي نُعيمٍ يحَذفِه يترجَّحُ عليهِم جميعًا. سلَّمنا أنَّهُ وقع اختلافٌ على شاذَانَ، وأبي نُعيمٍ، وأبي غسَّانَ، فقد رواه عُبيدُ الله بنُ مُوسَى، وأحمدُ بنُ يُونُس، وسَلَمة بنُ عبد المَلِك،

стр. 1053

فأثبَتُوا ذِكرَ الجُعفِيِّ، ولا أعلَمُ اختلافًا علَيهِم في هذا الإِسنادِ - إلَّا اختلافًا على أحمدَ بن يُونُس، يأتي -. فلو سلَّمنَا تساقُطَ رواياتِ مَن اختُلِف عليهم، لَبَقِيَت رواياتُ مَن لم يُختَلَف عليهم، وهي كافيةٌ في إثباتِهِ. ثُمَّ في تصحيح ابن التُّركُمانِيِّ لإسناد الحديث نظَرٌ؛ فإنَّ أبا الزُّبَير مشهورٌ بالتَّدليس، ولم يُصَرِّح بتحديثٍ. ومن وُجُوه الاختلافِ على الحَسَن بن صالحٍ في إسناده، أن أحمدَ بن عبدِ الله بن يُونُس رواه، عن حَسَن بن صالحٍ، عن جابرٍ الجُعفِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "مَن كان في إمامٌ، فقِراءَةُ الإمام له قراءةٌ". أخرَجَهُ الطَّحاوِيُّ (١/ ٢١٨) قال: حدَّثَنا فَهدُ بنُ سُليمانَ .. وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٥٤٢) قال: أخبَرَنا إبراهيمُ بنُ شَريكٍ، قالا: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بن يُونُس بهذا. وقد تقدَّم أن أحمدَ بنَ داوُد المَكِّيَّ، وفَهدَ بنَ سُليمان، وإبراهيمَ بن شَريكٍ رَوَوهُ، عن أحمدَ بن يُونُس بهذا الإسناد، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ. وقد تُوبع جابرٌ الجُعفِيُّ على جَعل الحديثِ مِن مُسنَد جابرٍ .. تابَعَهُ أيُّوبُ السَّختِيَانِيُّ، فرواه عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ مرفُوعًا: "مَن صلَّى خلف الإمام، فقِراءَةُ الإمَام لِه قِراءةٌ". أخرَجَهُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَن في "المُوطَّإِ" (ص ٩٩)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٧٩٥٣)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٤٠١)، والبَيهَقِيُّ في "القِراءة" (٣٤٦)، وابنُ الجَوزِيِّ في "التَّحقيق" (١/ ١٢٠) من طريق سَهل بن

стр. 1054

العَبَّاس الرَّمِليَّ، ثنا إسماعيلُ بنُ عُلَيَّةَ، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ بهذا. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَرفَع هذا الحديثَ أحدٌ ممَّن رواه عن ابن عُلَيَّة إلَّا سَهلُ بنُ العبَّاس. ورواء غيرُهُ موقُوفًا". وقال الدَّارَقُطنِي: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وسهلُ بنُ العبَّاس مترُوكٌ". وقال أيضًا في "العِلل" (ج ٢/ ق ٦١/ ١ - ٢): "وحدَّثَ به شيخٌ يُعرَف بسَهل بن العبَّاس، وكان ضعيفًا … - ثُمَّ قال: - وحديثُ سهلِ بن العبَّاس، عن ابن عُليَّة: لا أَصلَ له" انتهَى. وقال البَيهَقِيُ: "قال أبو عبد الله - يعني: الحاكمَ -: هذا الخَبَرُ باطلٌ بهذا الإسناد. ولو صحَّ مِثلُ هذا من حديثِ أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، عن أبي الزُّبَير، عن حابرٍ، لكان الأَخذُ باليَد، ولَمَا اختَلف عليه أحدٌ. وإنما الحَمْلُ فيه على سهل بن العبَّاس هذا؟ فإنَّه مجهُولٌ لا يُعرَف". • قلتُ: وقولُه: "كالأَخذِ باليَد" يعني: لَوُجِد في حديث الثِّقات مِن أصحاب أيُّوبَ. فلمَّا انفَرَد به مثلُ هذا المجهُول، ولم يُوجَد عند الثِّقات، دلَّ على نَكارَته وبُطلان نِسبَتِه إلى أيُّوبَ، وهذا علامَةُ الحديثِ المُنكَر. والله أعلم. واختُلِف على أيُّوبَ السَّختِيَاتِيِّ في إسناده. فرواه خارِجَةُ بنُ مُصعَبٍ - وهو متروكٌ -، عن أيوبَ السَّختِيَانِيِّ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر. أَخرَجَهُ الدَّارَقُطنِي (١/ ٤٠٢)، والخطيبُ (١/ ٣٣٧). قال الدَّارَقُطنِيُّ: "رَفْعُهُ وهمٌ".

стр. 1055

ثم رواه من طريق أحمدَ بن حنبَلٍ، عن إسماعيلَ بن عُلَيَّة، ثنا أيُّوبُ، عن نافعٍ، وابنِ سيرِينَ، أنَّهُما حدَّثا عن ابن عُمَرَ، أنَّه قال في القِراءة خلف الإمام: "تَكفِيكَ قراءةُ الإمام". وكذلك أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "جُزء القِراءة" (١٢٥). وأخرَجَ عبدُ الرَّزَّاق (ج ٢/ رقم ٢٨١٢) عن هشام بن حسَّانَ، عن أنَس بن سيرِين، قال: سألتُ ابنَ عُمَر: أقرأُ مع الإمام؟ قال: "إنَّك لَضَخْمٌ!! تكفيك قراءَةُ الإمام". وأخرَجَ مالكٌ في "المُوطَّإِ" (١/ ٨٦/ ٤٣) عن نافعٍ، أنَّ عبدَ الله بن عُمَر كان إذا سُئل: هل يَقرَأُ أحدٌ خلف الإمام؟ قال: "إذا صلَّى أحدُكم خلفَ الإمام فحَسْبُهُ قراءةُ الإمام، وإذا صلَّى وحدَهُ فليقرأ"، - قال: - وكان عبدُ الله بنُ عُمَر لا يقرَأُ خلف الإِمام. وأخرَجَ عبدُ الرَّزَّاق (ج ٢/ رقم ٢٨١١) عن مَعمَرٍ، وابنِ جُريجٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالم بن عبدِ الله، قال: "يَكفِيكَ قراءةُ الإمام فيما يَجهَر في الصَّلاة". قال ابنُ جُريجٍ: حدَّثَني ابنُ شِهابٍ، عن سالمٍ، عن ابن عُمَر، كان يقُولُ: "يُنصِت للإمام فيما يَجهر به في الصَّلاة، ولا يَقرَأُ مَعَهُ". وهذه كُلُّها أسانيدُ صحيحةٌ. وأخرَجَ عبدُ الرَّزَاق (٢٨١٤) قال: أخبَرَنا داوُدُ بنُ قَيسٍ، عن زيد بن أَسلَم، عن ابن عُمَر: كان يَنهَى عن القراءة خلف الإِمَام. • قلتُ: فالصَّحيحُ في حديث ابن عُمَر الوَقفُ. أمَّا الرَّفعُ فمُنكَرٌ.

стр. 1056

ووَجهٌ رابعٌ من الاختلاف على الحَسَن بن صالحٍ في إِسناده .. فرواه النَّضرُ بنُ عبد الله الأَزدِيُّ، قال: ثنا حَسَنُ بن صالحٍ، عن أبي هارُونَ العَبدِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا مِثلَه. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأَوسَط" (ج ٢/ ق ١٧٩/ ٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ بن عامرٍ، ثنا أبي، عن جَدِّي، ثنا أبو غالبٍ النَّضرُ بنُ عبد الله بهذا الإسناد. وقال: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن الحسَن بن صالحٍ، عن أبي هارُونَ، إلَّا النَّضرُ. تفرَّد به عامرٌ". • قلتُ: أمَّا عامرٌ، فهو ابنُ إبراهيمَ الأصبهانيُّ. وهو ثقةٌ. والنَّضرُ مجهُولٌ. ولكنَّه لم يتفرَّد به كما قال الطَّبَرَانِيُّ .. فتابعه إسماعيلُ بنُ عَمْرِو بن نَجِيحٍ البَجَليُّ، فرواه عن الحسَن بن صالحٍ بسَنَده سواء. أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (١/ ٣١٦)، وقال بعد ذِكر أحاديثَ: "وهذه الأحاديثُ التي أَملَيتُها مع سائر روايَاتِه التي لم أَذكُرها، عامَّتُها ممَّا لا يُتابِع إسماعيلَ أحدٌ عليها. وهو ضعيفٌ" انتهَى. كذا قال! ورِوايَةُ الطَّبَرَانِيِّ ترُدُّ عليه، وروايَتُه تَرُدُّ على الطَّبَرَانِيِّ. فسُبحان من وَسِع كُلَّ شيءٍ عِلمًا. وانظُر "تنبيهَ الهَاجِد" (٥٥٨). وقد خالَفَهُما في سياقِهِ مُعتَمِرُ بنُ سُليمان. فرواه عن أبي هارُونَ العَبدِيِّ، قال: سألتُ أبا سعيدٍ الخُدرِيِّ، عن

стр. 1057

القِراءة خلفَ الإِمام، فقال: "يَكفِيكَ قراءةُ ذاك الإمام". أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبَة (١/ ٣٧٧). فهذا الوَجهُ أولَى. لكن مدارُهُ على أبي هارُونَ العَبدِيِّ، واسمُهُ عِمارَةُ بن جُوَينٍ، وهو مترُوكٌ. والأَشبَهُ في كُلِّ ما مَضَى - من المرفُوع - هو حديثُ جابرٍ ﵁. وقد وجدتُ له طريقًا آخرَ. أخرَجَهُ أبو يُوسف القاضي في "كتاب الآثار" (١١٣)، ومُحمَّدُ بنُ الحَسَن الشَّيبَانِيُّ في "المُوطإِ" (ص ٦١)، والطَّحَاوِيُّ (١/ ٢١٦)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٢٣، ٣٢٤ - ٣٢٥)، وفي "العِلَل" (ج ٤/ ق ١٢٩/ ١)، وأبو نُعيمٍ في "مُسنَد أبي حَنِيفَة" (ص ٢٢٨)، والبَيهَقِيُّ (٢/ ١٥٩)، وفي "المَعرِفَة" (٣/ ٧، ٧٩)، وفي "جُزء القِراءة" (٣٣٤، ٣٣٥)، والخطيبُ (١٠/ ٣٤٠) من طريق أبي حَنِيفَة النُّعمانَ بن ثابتٍ، عن مُوسى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شدَّادٍ، عن جابر بن عبدِ الله ﵄ مرفُوعًا: "مَن كان له إمامٌ، فقِراءَةُ الإمام له قراءةٌ". قال ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٤/ ٣٥٧ - شُروح المُوطَّإِ): "ولم يُسنِدهُ غيرُ أبي حَنِيفَة، وهو سَيِّءُ الحِفظ عند أهل الحَدِيث. وقد خالَفَهُ الحُفَّاظُ فيه: سفيانُ الثَّورِيُّ، وشُعبةُ، وابنُ عُيَينَة، وجَرير، فرَوَوهُ عن مُوسى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شدَّاد مُرسَلًا. والصَّحيح فيه الإِرسَالُ، وليس ممَّا يُحتَّج به" انتهَى. • قلتُ: رضي الله عنك!

стр. 1058

فلم يتفرَّد بوَصلِه أبو حَنِيفَة .. بل تابَعَهُ الحسَنُ بنُ عُمارَةَ، فرواه عن مُوسَى بن أبي عائِشَة بهذا الإسناد. أخرَجَهُ ابن عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٥٦)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٢٥). قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا لم يُوصِلهُ - فزاد في الإسناد جابرًا - غيرَ الحَسَن، وأبي حنيفة. وهو بأبي حَنِيفة أَشهَرُ منه بالحَسَن بن عُمارَةَ". وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "لم يُسنِدهُ عن مُوسَى بن أبي عائِشَةَ غيرُ أبي حَنِيفَة، والحَسَنِ بن عُمارَة، وهما ضَعِيفَان". وقال أيضًا: "الحَسَن بن عُمارَةَ مترُوكُ الحديث". وقال أيضًا: "رَوَى هذا الحديثَ: الثَّورِيُّ، وشعبَةُ، وإسرائيلُ بنُ يُونُس، وشَريكٌ، وأبو خالدٍ الدَّالَانِيُّ، وأبو الأَحوَصِ، وسُفيانُ بنُ عُيَينة، وجريرُ بنُ عبد الحَميد، وغيرُهم، عن مُوسَى بن أبي عَائِشة، عن عبد الله بن شدَّادٍ مُرسلًا عن النَّبيِّ ﷺ . وهو الصَّواب"، وكذلك قال في "العِلَل" (ج ٤/ ق ١٢٩/ ١)، وزاد: "ويُشبِهُ أن يكُون أبو حَنِيفَة وَهِم في قَولِه في هذا الحديث: عن جابرٍ". وزاد ابنُ عَدِيٍّ ممَّن رواه مُرسلًا: وَهبًا، وزائدةَ بنَ قُدَامَة، وأبا عَوَانَة، وابنَ أبي لَيلَى، وقَيسَ بنَ الرَّبيع. وزاد البَيهَقِيُّ في "القراءة": أبا حَنِيفَة. وسَبَقَهُم أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ. فقال ابنُ أبي حاتِمٍ في "العِلل" (٢٨٢): "وذَكَر أبي حديثًا، رواه

стр. 1059

الثَّورِيُّ، عن مُوسى بن أبي عَائِشة، عن عبدِ الله بن شدَّادٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "مَن كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءَةٌ. قال أبي: هذا يَروِيه بعضُ الثِّقات، عن مُوسى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن رجُلٍ مِن أهل البَصرَة. قال أبي: ولا يَختَلِفُ أهلُ العِلمِ أن من قال: "مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن جابرٍ"، أنَّه قد أخطَأَ. قلتُ: الذي قال: "عن مُوسَى بن أبي عائشة، عن جابرٍ" فأخطَأَ، هو النُّعمان بن ثابتٍ؟ قال: نعم" انتهَى. وكذلك قال ابنُ مَعِينٍ. فقال ابنُ طَهمَانَ في "سُؤَالَاتِه" (٣٩٧): "سمعتُ يحيى يقولُ: حديثٌ يرويه أبو حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ فذَكَرَه، فقال: - ليس هو بشيءٍ؛ إنَّما هو عبدُ الله بن شَدَّادٍ". وكذلك قال أبو زُرعَة، في حكايةٍ طويلَةٍ ذَكَرَها البَرذَعِيُّ في "سُؤَالَاتِه لأبي زُرعَة" (ص ٧١٧ - ٧٢٥): "ورَأَى أبو زُرعَة في كِتابي حَدِيثًا، عن أبي حاتِمٍ، عن شيخٍ لَهُ، عن أيُّوبَ بن سُويدٍ، عن أبي حَنِيفَة، حديثًا مُسنَدًا، وأبو حاتِمٍ جالسٌ إلى جَنبِه، فقال لي: من يُعاتَب على هذا أنتَ أو أبو حاتِمٍ؟ قلتُ: أنا. قال: لم؟ قلتُ: لأنِّي جَبَرتهُ على قِراءَته، وكان يَأبَى، فقَرَأَهُ عليَّ بعد جَهدٍ، فقال لي قولا غَلِيظًا أُنسِيتُه في كتابي ذلك الوقت. فقلتُ له: إنَّ إبراهيمَ بن أَرُومَةَ كان يُعنَى بإسنادِ أبي حَنِيفة.

стр. 1060

فقال أبو زُرعَة: إنَّا لله وإنَّا إليه راجِعُون! عَظُمت مصيبَتُنا في إبراهيم! يُعنَى به! لأيِّ معنًى يُصَدِّقه؟ لاتِّباعه؟! لإِتقانه؟! ثُمَّ ذكر كلامًا غَلِيظًا في إبراهيمَ لم أُخرِجهُ هاهنا. ثُمَّ قال: رَحِم اللهُ أحمدَ بنَ حنبلٍ! بَلَغَنِي أنَّه كان في قَلبِه غُصَصٌ من أحاديثَ ظَهَرَت، عن المُعلَّى بن منصُورٍ، كان يَحتاجُ إليها، وكان المُعلَّى أَشبَهَ القَومِ بأهل العِلمِ، وذلك أنَّه كان طَلَّابَةً للعِلم، ورَحَل، وعُنِي به، فصَبَر أحمدُ عن تلك الأحاديث، ولم يَسمَع منه حرفًا، وأمَّا عليُّ بنُ المَدِينِيُّ، وأبو خَيثَمة، وعامَّةُ أصحابِنا، سَمِعوا منه، وأيُّ شيءٍ يُشبِهُ المُعلَّى من أبي حنيفة؟ المُعلَّى صدُوقٌ وأبو حَنِيفَة يُوصِل الأحاديثَ - أو كلمةً قالها أبو زُرعَةَ هذا معناها -. ثُمَّ قال لي أبو زُرعَة: حَدَّث عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . فزاد - يعني: أبا حَنِيفَة - في الحديثِ: "عن جابرٍ"، يعني: حديثَ القراءة خَلف … " انتهَى. • قلتُ: فهذا إجماعٌ من صَيَارِفَة الفَنِّ على وَهم أبي حَنِيفَة والحَسَنِ بن عُمارةَ في وَصل هذا الحديث. ولأبي حَنِيفَة فيه لونٌ آخَرُ. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "مُسنَد أبي حَنِيفَة" (ص ٢٢٨ - ٢٢٩) من طريق زُفَر بن الهذيل، عن أبي حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عَائِشة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن أبي الوليد، عن جابِرٍ مرفُوعًا. فزاد: "أبَا الوليد" في إسناده. وتُوبع زُفَرُ بنُ الهُذيل ..

стр. 1061

تابَعَهُ أبو يُوسُف القاضي، فرواه عن أبي حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن أبي الوَلِيد، عن جابرٍ مرفُوعًا. أخرَجَهُ ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٤/ ٣٥٨ - شروح المُوطَّإِ) مُعلَّقًا، ووَصَلَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٢٥)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "جُزء القِراءة" (ص ١٥٠)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٤٧٧) من طريق أحمدَ بن عبدِ الرَّحمن بن وهبٍ، ثنا عَمِّي عبدُ الله بنُ وَهبٍ، ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن أبي يُوسُف يعقُوبَ، بهذا الإسنادِ، عن جابر بن عبد الله، أن رجُلًا قَرَأَ خلفَ النبي ﷺ في الظُّهر والعَصر، فأَومَأَ إليه رجُلٌ فنهاه، فلمَّا انصرفَ قال: أَتَنهَانِي أن أقرأ خلف النَّبيِّ ﷺ ؟! فتَذاكَرَا ذلك، حتى سَمِع النَّبيُّ ﷺ ، فقال رسُولُ الله ﷺ : "من صلَّى خلف إمامٍ، فإن قِراءَتَهُ له قراءةٌ". قال الدَّارَقُطنِيُّ: "أبو الوَليد هذا مجهُولٌ. ولم يَذكُر في هذا الإسناد جابرًا غيرُ أبي حَنِيفة". وقال ابنُ عبد البَرِّ: "وأبو الوليد مجهولٌ، لا يُعرَف. وحدِيثُهُ هذا لا يَصِحُّ". • قلتُ: كذا رواه ابنُ أخي ابن وَهبٍ. وخالَفَهُ عبدُ المَلِك بنُ شُعيبِ بن اللَّيث بن سَعدٍ، فرواه عن ابن وَهبٍ، نا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن طَلحَة، عن مُوسى بن أبي عَائِشَة، عن عَبد الله بن شَدَّاد بن الهَادِ، عن أبي الوَلِيد، عن جابرٍ. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "جزء القِراءة" (٣٣٩).

стр. 1062

ثم رواه مرَّةً أُخرَى بهذا الإسناد، إلَّا أنَّه أَسقَطَ طلحةَ هذا من الإِسنَاد، ثُمَّ قال: "أخبَرَنا أبو عبد الله الحافظُ، قال: قال أبو عَليٍّ الحافظُ: هكذا كَتَبنَاه، وهو خطأٌ، إنَّما هو: عن اللَّيث بن سعدٍ، عن يعقُوبَ بن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شَدَّاد بن الهادِ، عن أبي الوَليد، عن جابرٍ، يعني القصَّةَ الأُولَى. وأمَّا القصَّة الأخرَى، فإنَّها بهذا الإسناد، دُون ذِكر أبي الوَلِيد في إسنادِه. قال أبو عَليٍّ: والوَهَمُ من عبدِ المَلِك بن شُعيبِ". قال البَيهَقِيُّ: "والدَّليل على صِحَّة ما قال أبو عليٍّ الحافظُ ﵀: أن أبا بَكرٍ أحمدَ بن مُحمَّد بن الحارث الفقيه قال: … - وساق إسنادَهُ إلى الدَّارَقُطنِيِّ، كما مَرَّ قريبًا. ثُمَّ قال: - هذا هو الصَّحيح: عن اللَّيث بن سعدٍ، عن يعقُوبَ. وكذلك رواه خَلَفُ بنُ أيُّوب، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفَة، والحَكَمُ بنُ أيُّوب، عن زُفَرَ، عن أبي حنِيفة، عن مُوسَى بن أبي عَائِشة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن أبي الوَليد، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مُختَصَرًا، في قراءَة الإمام له قراءةٌ. وفي رواية اللَّيث بن سَعدٍ، وهو أَحَدُ الأئمَّة، عن يعقُوب بن أبي يُوسُف، دليل على أن قِصَّة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ إنَّما رواها أبو حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عَائِشة، عن عبدِ الله بن شدَّادٍ، عن جابرٍ، وليس فيها أنَّ: "قراءَتَهُ له قراءةٌ"، وهي القصَّةُ التي رواها عِمرانُ بن حُصينٍ .... وأمَّا القِصَّة التي فيها: "فإنَّ قِراءَتهُ له قراءةٌ"، فإنَّ أبا حنيفَةَ إنَّما رواها عن مُوسَى بن أبي عَائِشة، عن عبد الله بن شَدَّاد، عن أبي الوليد،

стр. 1063

عن جابرٍ. وهو رَجُلٌ مجهُولٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ ﵀، ولا تقُومُ به حُجَّةٌ. ومن رَوَى هذا الحديثَ عن أبي بَكرٍ الحارِثيِّ، عن الدَّارَقُطنِيِّ، وأَسقَطَ من إسنادِه أبا الوَلِيد، أو رواه عن الحَاكِم أبي عبد الله، عن أبي علي الحافظِ، وأَسقَطَ من إسنادِه ابنَ شَدَّادٍ، وأَوهَمَ أن أبا الوليد كُنيَةُ ابن شَدَّادٍ، فإنَّه لم يَسلُك سبيلَ الصِّدق في رِواية الحديثِ، وله مِن إِسقاط بَعضِ المُتُون ليَستَقِيمَ له ما يَقصِدُه من الاحتجاج أشباهٌ كَثِيرَةٌ، لا أُحِبُّ ذِكرَها، والله يَعصِمُنا من أَمثال ذلك بفَضلِه ورحمَتِه. ورَوَى أبو بَكرٍ مُحمَّدُ بنُ إسحاقَ بن خُزَيمَة الإمامُ هذا الحديثَ، عن أحمدَ بن عبد الرَّحمن بن وهبٍ. كما رواه أبو بَكرٍ بنُ زيادٍ النَّيسَابُورِيُّ، وهو أحدُ الأئِمَّة في الفِقه والحديث. ثُمَّ قال ابنُ خُزَيمَة: أبو الوَلِيد مجهُولٌ لا يُدرَى مَن هُو، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ، قال: وفي قِصَّة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ دليلٌ على أن الرَّجُل قَرَأَ خلف النَّبيِّ ﷺ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ جَهرًا لا خفيًا؛ لأن في الخَبَر أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن قَرَأَ منكم ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾؟ "، فإن كان كَرِهَ قراءةَ الرَّجُل خلفَهُ، فإنَّما كَرِهَ جَهرَه بالقِراءة، ومُخَالجَتَهُ قراءَتَه. وأمَّا خَبَرُ أبي الوَلِيد، عن جابرٍ، ففيه أنَّهُ أومَأَ إليه رجُلٌ. والعِرَاقِيُّون يَنهَونَ عن الإِيمَاء في الصَّلاة بما يُفهَم عن المُومِي. ومَن أبُو الوَلِيد فيُحتَج به على أَخبَارٍ ثابتةٍ عن النَّبيِّ ﷺ ويُترَكُ له النَّظَرُ والمَقاييس؟! قال: وذِكرُ جابرٍ في هذا الخبر خطأٌ فاحشٌ. وكذلك ذِكرُ أبي الوَلِيد قبلَه. إنَّما الخَبَرُ: عن عبدِ الله بن شدَّادٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . كما رواه أهلُ العلم

стр. 1064

وحُفَّاظُهم ومُتقِنُوهم وأهلُ المعرفة بالأخبار، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن النَّبي ﷺ مُرسَلًا: شُعبَةُ بن الحَجَّاج عالمُ أهلِ زمانِهِ بالحديث، وسُفيانُ الثَورِيُّ إمام أهل العِراق في الحديث ومُتقِنُهم وحافظُهم، ولم يَكُن بالعِراقِيِّين في عَصرِهما مثلُهما في حفظ الحديث وإِتقَانِه، وابنُ عُيَينَة حافظُ أهلِ الحَرَم، ولم يَكُن بحرم الله مَكَّةَ في زمانه أحفظُ منه، رَوَوا هذا الخَبَر، وجماعة غيرُهم، ليس فيه ذِكرُ جابرٍ. وذَكَرَ شيخُنا أبو عبد الله الحافظُ، عن أبي عليٍّ الحُسين بن عليٍّ الحافظِ، أنَّه قال: هُما قِصَّتان، رواهما أبو حَنِيفَة، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، واختَلَفت رُواته عنه فيهما، كما ذَكَرنا. فأمَّا قِصَّة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، فإنَّها راجِعَة إلى حديث زُرارةَ بن أَوفَى، عن عِمرانَ بن حُصينٍ. وأمَّا قِصَّةُ: "مَن كان له إمامٌ فقراءة الإمام له قراءة"، فرواها منصُورُ بنُ المُعتَمِر، وشُعبَةُ بنُ الحَجَّاج، وسُفيانُ بنُ سعيدٍ الثَّورِيُّ، وسُفيانُ بنُ عُيَينَة، وأبو عَوَانَة، وشَريكُ بن عبد الله النَّخْعِيُّ، وزائدةُ بنُ قُدَامَة، وأبو إسحاقَ الفَزَارِيُّ، وجَرير، وغيرُهُم، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شَدَّاد، عن رسُول الله ﷺ مُرسَلًا … ". قال البَيهَقِيُّ: "ومَن حَكَم لهذا الحديث بالوَصلِ برواية واحدٍ، ومُتابَعةِ جماعَةٍ من الضعَفاء والمجهُولِين إيَّاه على ذلك، وتَرَكَ روايةَ مَن ذَكَرنَاهُم من الأئِمَّة، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة مُرسَلًا، ثُمَّ روايةَ عبد الله بن المُبارَك، عن سفيان، وشُعبَةَ، وأبي حَنِيفَة، ثُمَّ روايةَ وكيعٍ،

стр. 1065

وأبي نُعَيمٍ، والأَشجَعِيِّ، وعبدِ الرَّزَّاق، وعبدِ الله بن الوَليد العَدَنِيِّ، وأبي داوُد الحَفرِيِّ، وغيرِهم، عن سُفيانَ الثَّورِيِّ، عن مُوسى بن أبي عائِشَة، كذلك مُرسلًا، لم يَكُن له كبيرُ مَعرِفَةٍ بعِلمِ الحديث، ولو لم يُستدلَّ بمُخالَفة رَاوِي الحديث ما هُو أَثبَتُ وأَكثر دِلالاتٍ بالصِّدق منه على خَطَإِ الحِديث، لم يَعرِف قطُّ صوابَ الحَديث من خَطَئِه". • قلتُ: أطالَ البَيهَقِيُّ وأطَابَ ﵀. بَيدَ أنَّه وَقَع اختِلَافٌ في رِوَايَة أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفَة .. فرُوِي كما مرَّ ذِكرُه، عن أبي يُوسُف يعقوبَ، عن أبي حَنِيفَة، عن مُوسى بن أبي عائشة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، عن أبي الوليد، عن جابرٍ. وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ (٧/ ٢٤٧٧) .. • والبَيهَقِيُّ في "جزء القِراءَة" (٣٣٤) عن أبي الحسن مُحمَّد بن عبد الله، قالا: ثنا أبو يَعلَى، قال: قُرئ على بِشر بن الوَلِيد، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفَة بهذا. ولم يَذكُر أبا الوَلِيد. وكذلك رواه اللَّيثُ بنُ سعدٍ، وأَسَدُ بنُ عَمْرٍو، وابنُ إِسحَاق، وأبو يحيى الحِمانِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ الحَسَن، ويُونُسُ بنُ بُكَيرٍ هكذا. وخالَفَهُم عبدُ الله بنُ المُبارَك، فرواه عن أبي حنِيفَة، عن مُوسى بن أبي عائِشة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : … مرسَلًا. أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ (٣٣٦)، ثمَّ قال: "وهكذا رُوِي عن زُفَرَ بن الهُذَيل في أصحِّ الرِّوَايَتَين عنه، عن أبي حَنِيفَة مُرسلًا" انتهى.

стр. 1066

فأكثَرُ أصحابِ أبي حَنِيفَة رووه عنه موصُولًا. وابنُ المُبارَك، وزُفَرُ - في أصحِّ الرِّوايَتَين - روياه عن أبي حَنِيفَة مُرسَلًا، فوافق الثِّقاتِ على إرسالِه، وهذا يدلُّ على اضطرابٍ فيه. والصَّوابُ في هذا الحديث ما رواه الأئمَّةُ عن مُوسى بن أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا. منهم: الثَّورِيُّ، عند عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٢/ رقم ٢٧٩٧)، والطَّحَاوِيِّ في "شرح المعاني" (١/ ٢١٧)، وابنِ المُنذِر في "الأوسط" (٣/ ١٠٢)، والبَيهَقِيِّ (٢/ ١٦٠) .. ومنهم: سُفيانُ بن عُيَينَة، أخرجه ابنُ عَدِيٍّ (٧/ ٢٤٧٧) .. ومنهم: جَرِيرُ بنُ عبد الحَمِيد، عند ابن أبي شيبَة (١/ ٣٧٦)، وابنِ عَدِيٍّ (٧/ ٢٤٧٧) .. ومنهم: شَريكُ بنُ عبد الله النَّخْعِيُّ، عند ابن أبي شيبَة (١/ ٣٧٦) .. ومنهم: شُعبهُ، عند ابن عَدِيٍّ (٧/ ٢٤٧٧) .. ومنهم: إِسرائِيلُ بنُ يُونُس، أخرَجَهُ مُحمَّدُ بنُ الحَسَن في "المُوطَّإِ" (ص ٦٢ - ٦٣)، وقال: أخبرَنا إسرائيلُ بنُ يُونُس، قال: حدَّثَني مُوسَى ابنُ أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، قال: أَمَّ رسولُ الله ﷺ النَّاسَ في العَصر، - قال: - فقَرَأَ رجُلٌ خلفه، فغمَزَهُ الذي يليه، فلمَّا أَنْ صلَّى قال: لِمَ غمزتني؟ قال: كان رسُولُ الله ﷺ قُدَّامك، فكرهتُ أن تَقرَأ خَلفَه. فسَمِعَهُ رسُولُ الله ﷺ ، فقال: "مَن كان له إمامٌ، فقراءَتُهُ له قراءةٌ".

стр. 1067

كذا رواه مُحمَّدُ بنُ الحَسَن. وخالفه أبو أحمدَ الزُبَيرِيُّ، فرواه عن إسرائيلَ، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شدَّادٍ، عن رجُلٍ من أهل البَصرَة، عن النَّبيِّ ﷺ نَحوَه. أخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ (١/ ٢١٧) قال: ثنا أبو بَكرَةَ، ثنا أبو أحمدَ بهذا. وقد تقدَّمت أسماءُ مَن رواه من الثقات عن مُوسَى بن أبي عائِشَة مُرسَلًا. قال شيخُنا ﵀ في "الإرواء" (٢/ ٢٧٢): "وقد تعقَّب بعضُ المُتأخِّرين قولَ الدَّارَقُطنِيِّ المُتقدِّمَ: أنَّه لم يُسنِدهُ غيرُ أبي حَنِيفَة، وابنِ عُمارةَ، بما رواه أحمدُ بنُ مَنِيعٍ في "مُسنَده": أخبَرَنا إسحاقُ الأَزرَقُ، حدَّثَنا سُفيانُ، وشريكٌ، عن مُوسَى بن أبي عائِشَة، عن عبدِ الله بن شدَّادٍ، عن جابرٍ، مرفُوعًا به. قلتُ: وهذا سندٌ ظاهر الصِّحَّةُ، ولذلك قال البُوصِيرِيُّ في "الزَّوائد" (٥٦/ ١): "سندُهُ صحيحٌ، كما بيَّنتُهُ في زوائد المسانيد العَشرة". قلتُ: وهو عِندِي معلُولٌ؛ فقد ذَكَر ابنُ عدِيٍّ، كما تقدَّم، وكذا الدَّارَقُطنِيُّ، والبَيهَقِيُّ، أن سُفيانَ الثَّورِيَّ، وشَريكًا روياه مُرسَلًا، دون ذِكر جابِرٍ. فذِكرُ جابر في إسنادِ ابن مَنِيعٍ وَهَمٌ، وأظنُّهُ من إسحاق الأزرق؛ فإنَّه وإن كان ثِقَةً، فقد قال فيه ابنُ سعدٍ: رُبَّما غَلَط" انتهَى. • قلتُ: وهذا هو الحَقُّ؛ فإنَّ ابنَ أبي شَيبَة، وأبا أحمدَ الزُبَيرِيَّ، خالَفَاه، فرواه الأَوَّلُ عن شَريكٍ، والثَّاني عن الثَّورِيِّ، عن موسى بن

стр. 1068

أبي عائشة، فأرسلَاه. وهما أَثبَتُ من إسحاقَ بن يُوسف الأَزرَقِ. ورَوَى البَيهَقِيُّ في "المعرفة" (٣/ ٧٩) عن سَلَمة بن مُحَمَّدٍ الفَقِيهِ، قال: "سَألتُ أبا مُوسَى الرَّازِيَّ الحافظَ، عن الحديث المَروِيِّ عن رسُول الله ﷺ : "مَن كان له إمامٌ … "، فقال: لم يَصحّ فيه عِندَنا، عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ، وإنَّما اعتَمَد مشايخُنا فيه الرِّواياتِ عن عليٍّ وابنِ مسعُودٍ، والصَّحَابةِ … - ونَقَل البَيهَقِيُّ - عن الحاكِم، قال: أَعجَبَني هذا لما سمِعتُه منه، فإن أبا مُوسى أحفظُ مَن رَأَينَا مِن أصحاب الرَّأي على أَدِيمِ الأَرضِ" انتهَى. وقد تُوبع مُوسى بنُ أبي عائشة .. تابَعَهُ الحَكَمُ بنُ عُتَيبَة، فرواه عن عبد الله بن شَدَّادٍ، عن جابرٍ مرفُوعًا: "مَن كان له إمامٌ، فقِراءَة الإمام له قراءةٌ". أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "القِراءة" (٣٤٢) من طريق العبَّاس بن عزيز بن سيَّارٍ القطَّانِ المَروَزِيِّ، نا عَتِيقُ بنُ مُحَمَّدٍ النَّيسَابُورِيُّ، نا حفصُ بنُ عبد الرَّحمن، عن أبي شيبَة، عن الحَكَم بهذا. قال البَيهَقِيُّ: "قيل: هذه الرِّوايةُ إنْ سلِمت من العبَّاس القطَان هذا - فإنِّي لا أَعرِفُه بعد العَدِّ - فلا تَسلَمُ من أبي شيبَة عبدِ الرَّحمن بن إسحاقَ الوَاسطِيِّ. قال أحمدُ بنُ حنبَلٍ ﵀: أبو شَيبَة ليس بشَيءٍ، مُنكَرُ الحديثِ. وقال يحيى بنُ مَعِينٍ: عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاقَ الكُوفيُّ مترُوكٌ. وجَرَحَهُ أيضا البُخَارِيُّ، وأبو عبد الرَّحمن النَّسَائِيُّ، وغيرُهما من أهل العِلم بالحديث. وإذا كُنَّا لا نَقبَلُ رواية المَجهُولِين، فكيف نَقبَل روايةَ

стр. 1069

المَجرُوحِين؟ لا نَقبَلُ من الحديث إلَّا ما رواه مَن ثَبَتَت عدالَتُه، وعُرف بالصِّدق رواتُهُ. وقد رواه أيُّوبُ بنُ الحَسَن، ومُحمَّدُ بنُ يزيدَ السُّلَمِيُّ، عن حفص بن عبد الرَّحمن مُرسَلًا". وله طريقٌ آخرُ عن جابرٍ ﵀. أخرَجَهُ ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٤/ ٣٥٨) مُعلَّقًا، ووَصَلَهُ الطَّحاوِيُّ (١/ ٢١٧)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٢٧)، وأبو الحَسَن الخِلَعِيُّ في "الخِلَعِيَّات" (٢٠/ ٤٧/ ١) - كما في "الإِرواء" (٢/ ٢٧٣) -، وابنُ عَدِيٍّ (٧/ ٢٧٠٨)، والبَيهَقِيُّ في "القراءة" (٣٤٩)، وابنُ الجَوزِيِّ في "التَّحقيق" (٤٧٦) من طريق يحيى بن سَلَامٍ، ثنا مالكٌ، عن أبي نُعيمٍ وهبِ بن كَيسَان، عن جابرٍ مرفُوعًا: "مَن صلَّى صلاةً لم يَقرَأ فيها بفاتِحة الكِتَاب فلم يُصَلِّ، إلَّا وراء الإمام". قال ابنُ عَدِي: "وهذا الحديثُ عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، لَم يَرفَعهُ عن مالكٍ، غيرُ يحيى بنُ سَلَّامٍ. وهذا الحديثُ في "المُوطَّإِ" مِن قول جابرٍ موقُوفٌ". وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "يحيى بنُ سَلامٍ ضعيفٌ، والصَّوابُ موقُوفٌ". وقال ابنُ عبد البَرِّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ أحدٌ من رُواة "المُوطَّإِ" مرفُوعًا، وإنَّما هو في "المُوطَّإِ" موقُوفٌ على جابرٍ مِن قولِه. وانفَرَد يحيى بنُ سَلَّامٍ، عن مَالكٍ، ولم يُتابَع عليه". • قلتُ: كذا! وقد تابَعَهُ إبراهيمُ بنُ رُستُمَ، وعليُّ بنُ الجَارُود بن يزيدَ، قالا: نا مالكٌ بهذا الإسنادِ، بلفظ: "لا تُجزِئُ صلاةٌ لا يُقرأ فيها بفاتحة

стр. 1070

الكتاب، إلَّا أن يكون وراء الإمام". أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "المعرفة" (٣٥٣) قال: أخبَرَنا أبو عبد الله الحافظُ، نا مُحمَّدُ بنُ عبد الله الشُّعَيريُّ، نا مُحمَّدُ بنُ أَشرَسَ، نا إبراهيمُ بنُ رُستمَ، وعليُّ بن الجَارُود بهذا. قال البَيهَقِيُّ: "مُحمَّدُ بنُ أَشرَس هذا مَرمِيٌّ بالكَذِب، ولا يَحتَجُّ بروايته إلَّا مَن غَلَب عليه هَوَاهُ، نعُوذُ بالله من مُتابَعة الهَوَى. وهذا الحديثُ في "المُوَطَإِ" الذي صنّفه مالكُ بنُ أنسٍ وتدَاوَلَهُ أهلُ العلم إلى يَومِنا هذا موقوفٌ. وأَنكَرَ فيما رُوِّينا عنه رَفعَه، فكيف يُقبَلُ مِن قومٍ لم تَثبُت عدالتُهم، بل اشتُهِروا بروايةِ المَنَاكِير، روايتَه مرفُوعًا؟! وباللّه التَّوفيق". وتابَعَهُ كذلك الدَّارَقُطنِيُّ في "غرائب مالكٍ"، من طريق عاصمِ بن عصَامٍ، عن يحيى بن نَصر بن حاجِبٍ، عن مالكٍ، عن وَهبِ بن كَيسَان، عن جابِرٍ مرفُوعًا: "مَن كان له إمامٌ، فقراءَةُ الإمام له قراءةٌ". قال الدَّارَقطنِي: "هذا باطلٌ، لا يَصِحُّ عن مالكٍ، ولا عن وَهبِ بن كَيسَان. وعاصمُ بنُ عِصامٍ لا يُعرَف". وأخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ، والدَّارَقُطنِيُّ، والبَيهَقِيُّ (٢/ ١٦٠)، وفي "جُزء القراءة" (٣٥٤ - ٣٥٨)، والخِلَعِيُّ في "الخِلَعِيَّات" (٢٠/ ٤٧/ ١) من طُرُقٍ عن مالكٍ - وهو في "المُوَطَّإِ" (١/ ٣٨/٨٤) -، عن وَهبِ بن كَيسَان، أنَّهُ سَمِع جابرًا، يقُولُ: "من صَلَّى ركعةً لم يَقرَأ فيها بأُمِّ القُرآن لم يُصَلِّ، إلَّا وراء الإمام".

стр. 1071

ورواه عن مالكٍ: يحيَى بنُ يَحيَى، ومُحمَّدُ بنُ الحَسَن الشَّيبَانِيُّ، ويحيَى بنُ بُكيرٍ، وابنُ وهبٍ، وإسماعيلُ بُن مُوسَى ابنُ بنت السُّدِّيِّ، والقَعنَبِيُّ، في آخَرين. قال البَيهَقِيُّ: "هذا هو الصَّحيح عن جابرٍ، مِن قَولِه، غيرُ مرفُوعٍ. وقد رَفَعَهُ يحيى بنُ سلَّامٍ، وغيرُهُ من الضُّعَفاء، عن مالكٍ، وذلك ممَّا لا يَحِلُّ روايَتُه على طريقة الاحتجاجِ به". ثُمَّ أَخرَجَ البَيهَقِيُّ في "القِراءة" (٣٥٩) قال: "فقد أخبَرَنا أبو عبد الله الحافظُ، أنا أبو غانِمٍ أَزهَرُ بنُ أحمدَ بن حمدُونَ المُنادِي ببغدادَ، نا أبو قِلابَة الرَّقَاشِيُّ، نا بُكيرُ بنُ بكَّارٍ، نا مِسعَرٌ، عن يؤيدَ الفَقِيهِ، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: "كان يَقرَأُ في الرَّكعتين الأُولَيَين بفاتحة الكتاب، وسورةٍ مَعَها، ويقرَأُ في الأُخرَيَين بفاتحة الكتاب. - قال: - وكُنَّا نتحدَّثُ أنَّه لا يَجُوزُ صلاةٌ إلَّا بفاتحة الكِتَاب، وشيءٍ مَعَها - وفي رواية ابن بِشرَان: فما فوقَ ذاك، أو قال: فمَا أَكثَر من ذاك -"، وهذا لفظٌ عامٌّ يَجمَعُ المُنفَرِدَ والمأمُومَ والإِمامَ. ورواه عُبيدُ الله بنُ مِقسَمٍ، عن جابر بن عبدِ الله، أنَّهُ قال: "سُنَّةُ القراءة في الصَّلاة: أن يَقرَأَ في الأُولَيَين بأُمِّ القُرآن وسُورَةٍ، وفي الأُخرَيَين بأُمِّ القُرآن"، والصَّحَابِيُّ إذا قال: سُنَّةً، أو كُنَّا نتحدَّثُ، فإنَّ جماعةً من أصحاب الحَدِيث يُخرِجُونَه في المَسانِيد" انتهَى. وجُملَةُ القول: أن هذا الحديثَ لا يَصِحُّ عن جابرٍ إلَّا موقُوفًا، أمَّا المَرفُوعُ فساقطٌ عن

стр. 1072

حدِّ الاعتِبَار به، إلَّا مُرسَلَ عبد الله بن شدَّادٍ. والله أعلَمُ. (تنبيهٌ) بعد كتابة ما تقدَّمَ بثلاثةَ عَشَر عامًا، وقفتُ هذه الأيَّام على الطَّبعة الجَدِيدة لكتاب "مُصنَّف ابن أبي شَيبَة"، بتحقيق الأُستاذ مُحمَّد عوَّامة، فرأَيتُهُ تعرَّض للكلام عن هذا الحديثِ (٣/ ٢٧٤ - ٢٧٧)، لكنَّهُ أَتَى في كلامِهِ بعجائبَ ومُغالَطَاتٍ. فإنَّ ابن أبي شَيبَةَ رواه في "مُصنَّفه" قال: حدَّثَنا شريكٌ، وجَريرٌ، عن مُوسى بن أبي عائشة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، قال. قال رسُولُ الله ﷺ : .. فَذَكَرَه. قال الأستاذُ عوَّامةُ: "هذا إسنادٌ صحيحٌ مُرسَلٌ. عبدُ الله بن شَدَّادٍ وُلِد على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ . تَرجَمَهُ بن حجرٍ في القِسم الثَّاني من "الإصابة". ومع ذلك فقد جاء الحديثُ موصُولًا من طَرِيقِه. رواه الإمامُ أبو حَنِيفَة في "مُسنَده" (ص ٥٩، ٦١ - بشرحه "تنسيق النظام" للسَّنْبهْلِيِّ)، عن مُوسى بن أبي عائِشَة، عن عبد الله بن شَدَّادٍ، عن جابر بن عبد الله مرفُوعًا. وجاء ذلك في "مُوطَّإِ الإمام مُحمَّدٍ" (١١٧) - وانظُره في "التَّعليق المُمَجَّد" (٤١٥) -، و "الآثارِ" له (٨٦)، ولأبي يُوسُف (١١٣). وتابع أبا حنيفةَ على ذلك: سُفيانُ الثَّورِيُّ، وشريكٌ القَاضِي. جاء ذلك فيما رواه أحمدُ بنُ مَنِيعٍ في "مُسنَده"، عن إسحاقَ الأَزرَق

стр. 1073

- أحَدُ الثِّقات - عنهُما. نَقَل ذلك البُوصِيرِيُّ في "إتحاف الخِيَرة" (١٥٦٧، ١٨٣٢)، ومِن خَطِّه أَنقُلُ، وقال: "صحيحٌ على شرط الشَّيخَين"، وسيأتي تمامُ كلامِهِ. وجاءَ الحديثُ موصُولًا مرفُوعًا، بإسنادٍ صحيحٍ إلى جابر بن عبد الله أيضًا في "مُسنَد أحمد" (٣/ ٣٣٩ = ١٤٦٤٣ من الطَّبعة المُحقَّقة)، عن أسود بن عامرٍ شَاذَانَ - وهو ثقةٌ -. وفي "المُنتَخَب" لعبد بن حُميدٍ (١٠٥٠)، عن أبي نُعيمٍ الفَضلِ بن دُكَينٍ - وهو ثقةٌ إمامٌ مشهُورٌ -. كلاهما عن الحسَن بن صالحٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرِ بن عبد الله مرفُوعًا. والحَسَنُ بنُ صالحٍ ثقةٌ فقيهٌ. وأبو الزُّبَير ثقةٌ، وهو على شرط مُسلمٍ. وسيأتي برقم (٣٨٢٣)، من رواية مالك بن إسماعيلَ - أحدِ الثِّقات -، عن الحَسَن بن صالح، عن أبي الزُّبَير به. ولمَّا ذَكَرَهُ الزَّيلَعِيُّ في "نصب الرَّايَة" (٢/ ١٠)، وعزاه إلى أحمدَ، وقال: "في إسنادِهِ ضعفٌ"، استَدرَكَ عليه تصحيحَهُ محقِّقُه العلَّامةُ الفِنجَابِيُّ (١)، فانظُرهُ. كما استَدرَك البُوصِيرِيُّ في المَوضِع الثَّاني (١٨٣٤)، علَى ابن عَدِيٍّ دعوَاهُ تفرُّدَ الحَسَن بن عُمارةَ برَفعِهِ، بما نَقَلَهُ من "مُسنَد ابن مَنِيعٍ" و "عبدِ بن حُمَيدٍ". وسأنقُلُ لفظَهُ آخِرَ هذه الكَلِمَة للتَّنبيه إلى أمرٍ آخَرَ. والصَّوابُ في سند عَبدِ بن حُميدٍ هو ما نقلتُهُ من خطِّ البُوصِيرِيِّ في

стр. 1074

المَوضِعَين المُشار إِلَيهِما، بل إنَّه في المَوضِع الثَّاني كَتَب هكذا: "رواه عَبدُ بنُ حُميدٍ: حدَّثَنا أبو نُعيمٍ، حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ صالحٍ، عن أبي الزُّبَير"، وكَتَب فوق "عن": "صَحَّ"، تنبيهًا إلى صِحَّة ما كَتَب، وأنَّه لم يُسقِط شيئًا من الإسناد، لأنَّه سَيَسُوق عَقِبَهُ إسنادَ ابن ماجَهْ، وفيه زيادةُ جابرٍ الجُعفِيِّ بين الحَسَن بن صالحٍ، وأبي الزُّبَير، كما سيأتي. وقد جاءَ لَفظُ عبدِ بن حُميدٍ في مَطبُوعَتِه التي أَنقُلُ عنها: "١٠٥٠ - حدَّثنا أبو نُعيمٍ، حدَّثَنا الحَسَن بن صالحٍ، عن جابرٍ، عن أبي الزُّبَير … ". وجابرٌ هذا هو الجُعفِيُّ، وهو ضعيفٌ. وهذا إقحامٌ لاسمِهِ في السَّنَد مِن ناسِخٍ ماسِخٍ مُتأثِّرٍ بإسنادِ ابن ماجَهْ (٨٥٠)، لذا كَتَب البُوصِيرِيُّ "صحَّ" فوق "عن"، لئلَّا يَظُنَّ ظانٌّ أنَّه أَسقَطَ الوَاسِطَةَ التي عند ابن ماجَهْ. ويؤَكِّدُ أن هذا إقحامٌ خاطئ قولُ المِزِّيِّ في "تُحفَته" (٢٦٧٥): "رواه أبو نُعيمٍ، عن الحَسَن بن صالحٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، ولم يَذكُر جابرًا الجُعفِيَّ". فرواية أبي نُعيمٍ في الحديثِ ليس فيها ذِكر لجابرٍ الجُعفِيِّ، وهي روايةُ عبد بن حُميدٍ عنه، كما ترى. وبعدَ أن ذَكَر البُوصِيرِيُّ إسنادَ ابن مَنيعٍ المَوصُولَ والمُرسلَ، وإسنادَ عَبدِ بن حُميدٍ الذي نَقَلتُه أوَّلَ التَّخرِيجِ، قال: "قلتُ: إسنادُ جابرٍ الأوَّلُ - أي: إسنادَ ابن منِيعٍ - صحيحٌ على شرط الشَّيخَين، والثَّاني - أي: إسنادَ عَبدِ بن حُميدٍ - على ما شرط مُسلِمٍ"." انتهَى كلامُهُ. • قلتُ: والجواب عن هذا الكلام من وجُوهٍ:

стр. 1075

* الأوَّلُ: قوله: "وتابَعَ أبا حَنِيفَة عليه: سُفيانُ الثَّورِيُّ، وشريكٌ القَاضِي"، وأحال إلى رواية أحمدَ بن مَنِيعٍ، عن إسحاقَ الأَزرَقِ، عن الثَّورِيِّ، وشريكٍ … ثُمَّ نَقَلَ كلامَ البُوصِيرِيِّ أنَّه: "إسنادٌ صحيحٌ على شرط الشَّيخَين … ". • قلتُ: أمَّا رِوايَةُ الثَّورِيِّ، فقد رواها عنه: عبدُ الرَّزَّاق، وأبو أحمدَ الزُّبَيرِيُّ مُرسَلةً. وهما أَوثَقُ من إسحاقَ بن يُوسُف الأَزرَق. وإسحاقُ مع ثِقَتِه، فقد قال ابنُ سعدٍ: "رُبَّما غلط". وقد اختُلِف على إسحاق الأزرق في إسناده .. فرواه مُحمَّدُ بنُ حَربٍ الوَاسِطِيُّ، قال: ثنا إسحاقُ الأَزرَقُ، عن أبي حَنِيفة، عن مُوسى بن أبي عائشة، عن عبدِ الله بن شَدَّادٍ، عن جابرٍ مرفُوعًا. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٢٣)، وفي "العِلَل" (١٣/ ٣٧٣). وصَوَّبَ الدَّارَقُطنِيُّ هذه الرِّواية. ورواه عليُّ بنُ أَشكاب، قال: ثنا إسحاقُ الأزرقُ، عن أبي حَنِيفَة، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ مرفُوعًا. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "مُسنَد أبي حَنِيفَة" (ص ٣٢). قال الدَّارَقُطنِيُّ في "علله" (١٣/ ٣٧٢) عن هذه الرِّواية: "وَهِم فيه". وأمَّا رواية شَريكٍ الموصُولةُ، فهي من طريق إسحاق الأزرقِ أيضًا. وقد خالَفَهُ فيها أبو بَكرٍ بنُ أبي شَيبَة، فرواها عن شَريكٍ مُرسَلةً. وهو أوثَقُ من الأَزرَق، لا شكَّ في ذلك. فلا أَدرِي: هل سَمِع الأستاذُ

стр. 1076

عوَّامةُ عن "الحديث الشَّاذِّ"؟! أمَّا الأَعجَبُ من هذا: استرواحُهُ لتَصحيح البُوصِيرِيِّ هذا الإسنادَ على شرط الشَّيخَين. والبُوصِيرِيُّ ﵀ لم يَكُن من فُرسَان هذا المَيدَان، مثلَ الهَيثَمِيِّ، ولا يُنازع في هذا أحدٌ له ذَوقُ المُحَدِّثِين، إنَّما كانا يَجرِيَان على ظَاهِر الإسناد، وَمَع ذلك، فلَهُما تناقُضَاتٌ غرِيبَةٌ، وقد علمتُ هذا عن البُوصِيرِيِّ لمَّا حققتُ "زوائِدَه على ابن ماجَهْ" على نُسخَتَين بخطِّ وَلَدِه مُحَمَّدٍ، وبيَّنتُ تناقُضَه في كثيرٍ من أحكامه. ولو سَلَّمنا أنَّه لم يُعَلَّ بالمُخالَفة، كما هو الوَاقِعُ، فليس على شرط الشَّيخَين، وأحمدُ بنُ مَنِيعٍ لم يَروِ له البُخارِيُّ شيئًا، ولم يَروِ له مُسلِمٌ شيئًا عن إسحاقَ الأَزرَق. ولم يَروِ الشَّيخَان شيئًا للثَّورِيِّ، عن مُوسى بن أبي عائِشَة. ولا لِمُوسَى، عن عبدِ اللّه بن شَدَّادٍ. ولم يَروِ أحدٌ من أصحاب الكُتُب السِّتَةِ لعبدِ الله بن شدَّادٍ، عن جابرٍ. وحُكمُ البُوصِيرِيِّ هذا يَقَعُ في مِثلِه كثيرٌ من المُتأَخِّرِين، فلا يَكَادُون يُفَرِّقُون بين قَولِ القائل: "على شرط الشَّيخَي"، وبين: "رجالُهُ رجالُ الشَّيخَين". وشَرطُ الحُكمِ على الإسناد بأنَّه على شرط الشَّيخَين أو أحدِهِما، مُتعلِّقٌ بوُجُود الإسناد بعَينِهِ في الكِتَابَين أو أحدِهما، وليس مُلَفَّقًا من رجالهِما، وأن يَكُونَا ذَكَراه على سبيل الاحتجاج، لا الاستِشهَادِ، مع شَرائِطَ أُخرى. فلا يَكفِي أن يكُون الإسنادُ مُلفَّقًا من رجالهما. قال السِّيُوطِيُّ في "تدريب الرَّاوِي" وهو يَنقُل كلامًا للعِرَاقِيِّ،

стр. 1077

وتعقيبًا للحافظ في "نُكَتِه"، قال: "وورَاءَ ذلك كُلِّه أن يُروَى إسنادٌ ملفَّق من رجالهما، كسِمَاكٍ، عن عِكرَمة، عن ابن عبَّاسٍ. فسِماكٌ على شرط مُسلِمٍ فقط، وعِكرِمَةُ انفَرَد به البُخارِيُّ. والحقُّ أن هذا ليس على شَرطِ واحدٍ منهما. وأدَقُّ من هذا أن يَروِيَا عن أُناسٍ ثقاتٍ، ضُعِّفُوا في أُناسٍ مخَصُوصِين، من غيرِ حديثِ الذين ضُعِّفُوا فيهم، فيَجِيءُ عنهم حديثٌ من طريقِ من ضُعِّفُوا فيه، برجالٍ كُلُّهم في الكِتَابَين أو أحدِهما. فنِسبَتُه أنَّه على شرط من خَرَّج له غَلَطٌ. كأن يُقال في: "هُشَيمٍ، عن الزُّهريِّ": كلٌّ من هُشيمٍ، والزُّهرِيِّ، أخرَجَا له، فهو على شَرطِهما. فيُقال: بل ليس على شَرط واحدٍ مِنهُما؛ لأنَّهما إنَّما أَخرَجا لهشُيمٍ من غيرِ حديثِ الزُّهرِيِّ؛ فإنَّه ضُعِّف فيه؛ لأنَّه كان دَخَل إليه فأَخَذَ منه عِشرِين حديثًا، فلَقِيَهُ صاحبٌ له وهو راجعٌ، فسأله روايتَهُ، وكان ثَمَّ ريحٌ شديدةٌ، فذَهَبَت بالأوراق من الرَّجُل، فصار هُشيمٌ يُحَدِّثُ بما عَلَق منها بذِهنِهِ، ولم يَكُن أتقَنَ حِفظَها، فوَهِمَ في أشياءَ منها، ضُعِّفَ في الزُّهرِيِّ بسببها. وكذا، همَّامٌ ضعيفٌ في ابن جُريجٍ، مع أن كلًّا منهُما أخرَجَا له، لكن لم يُخرجَا له عن ابن جُريجٍ شيئًا. فعلى مَن يَعزُو إلى شَرطِهما، أو شَرطِ واحدٍ مِنهُما، أن يسُوقَ ذلك السَّندَ بنَسَق روايةِ من نُسِب إلى شرطه، ولو في موضعٍ مِن كتابه" انتهَى.

стр. 1078

* الثَّاني: قولُه: "وجاء الحديثُ موصُولًا مرفُوعًا، بسندٍ صحيحٍ في "مُسنَد أحمد" … الخ". وقد بيَّنتُ لك فيما مَضَى أن إثبات جابرٍ الجُعفِيِّ في إسناد أحمد هو الصَّحيحُ، وذكرتُ دلائلَ على ذلك. سلَّمنا أنَّه لم يَقَع ثمَّة سقطٌ، فقد اختُلِف على شاذانَ في إثباته، فكيف يكُونُ الإسنادُ صحيحًا؟! * الثالث: قولُه: "والصَّواب في سَنَد عبدِ بن حُميدٍ ما نقلتُهُ بخطِّ البُوصِيرِيِّ … الخ"، وهو يعني أنَّ إسناد عبدِ بن حُميدٍ خالٍ من ذِكر جابرٍ الجُعفِيِّ. واستدلَّ على ذلك بدَلِيلَين: أوَّلهما: أن البُوصِيرِيَّ نَقَل الإسنادَ مِن "مُسنَد عبدٍ"، وليس فيه جابرٌ الجُعفِيُّ، وعلَّم بعلامة "صحَّ"؛ تنبيهًا إلى أنَّهُ لم يقع سَقطٌ في الإسناد. ثانيهما: أن المِزِّيَّ ذَكَر في "أطرافه" أن أبا نُعيمٍ الفضلَ بنَ دُكَينٍ رواه بدون ذِكر الجُعفِيِّ في إسناده، واستَنبَطَ مِن هذا أن رواية أبي نُعيمٍ خالية من ذِكر الجُعفِيِّ. أمَّا الدَّليل الأوَّلُ: فمنقُوضٌ بأنَّ أُصولَ "مُسنَد عبد بن حُميدٍ" قد ثَبَت فيها ذِكرُ جابرٍ الجُعفِيِّ، ومنها نُسخَتان مكتُوبَتان في القون السَّادس والسَّابع، وهما أَوثَقُ مِن نَقلِ البُوصِيرِيِّ، فلَرُبَّما وَهِم أثناء نَقلِه، أو رَجَّح ما هو مرجُوحٌ، أو وقع له نُسخَة فيها هذا السَّقطُ. فلا يكُونُ هذا دليلًا على رُجحَان السَّقط مع ثُبُوته في أصل الكِتاب. وأمَّا الدَّليلُ الثَّاني: فإنَّ المِزِّيَّ يَذكُر - كعادَتِه - في بعض الأحاديث

стр. 1079

الاختلافَ على الرُّواة في إسناد الحَدِيث. وقد رَوَاهُ - كما مرَّ - العبَّاسُ بنُ مُحَمَّدٍ الدُّورِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ أشكاب، وأحمدُ بنُ الهَيثَم، كُلُّهم - مع عَبْدِ بن حُميدٍ - يروُونَه عن أبي نُعيمٍ، بإثباتِهِ في الإسناد. أمَّا الذي أَشَار إليه المِزِّيُّ فلا نَدرِي: مَن الرَّاوي عن أبي نُعيمٍ؟ وحتَى لو كان ثِقةً، فهذا من الاختلاف على أبي نُعيمٍ في إسناده، وذلك لا يَقتَضِي الادِّعَاءَ أن رواية عَبدِ بن حُميدٍ خاليةٌ من ذِكر جابرٍ الجُعفِيِّ. ثمَّ بعد ذلك يقولُ: "وهذا إقحامٌ من ناسخٍ ماسخٍ … - ثمَّ يقول: - ويُؤَكِّدُ أن هذا إقحام خاطئٌ قولُ المِزِّيِّ: … ". فهل هذا الكلامُ يمُتُّ إلا العِلم بسَبَبٍ؟!! ثمَّ يقُولُ الأستاذُ عوَّامَةُ بعد ذلك: "قال البُوصِيرِى - وهو مِن مُحَدِّثي السَّادةِ الشَّافعيَّة، ومِن مُعاصِري ابن حَجَرٍ - رحمهما الله - - (١٥٦٩): "وهذا الحديثُ معرُوفٌ برواية الحَسَن بن عُمارَةَ الكُوفيِّ. وقد تَكلَّمُوا فيه كثيرًا: كذَّبَهُ شُعبَةُ، ونقل السَّاجِيُّ إجماعَ أهلِ الحديثِ على تَركِ حدِيثه، وفيه كلامٌ كثيرٌ جدًّا. فرواه الحَسَن بن عُمارةَ، عن موسى بن أبي عائشة، به موصولًا. وسيأتِي - عنده (١٥٦٩) - أَبسَطَ من هذا في "كتاب افتِتَاح الصَّلاة"، في "باب ترك القِرَاءة خلف الإِمام". وزعم ابنُ عَدِيٍّ أن الحسَن بن عُمارَةَ تفرَّدَ بوَصلِه، قال: وقد رواهُ عن موسى غيرُه مثلُ: شُعبَةَ، والثورِيِّ، وزائدَةَ، كلُّهُم مُرسَلًا". أقولُ [القائلُ هو الأستاذ عوَّامة]: في كلامِهِم عن الحسَن بن عُمارَةَ

стр. 1080

توارُدٌ ومتابَعَةٌ لطعن شُعبَةَ فيه. انظُر لزامًا ما كتَبتُه وطوَّلتُ الكلام فيه في المُقَدِّمة (ص ٦٤). وفي قول البُوصِيرِيِّ: "زَعَم ابنُ عَدِيٍّ أن الحَسَن بن عُمارَةَ تفرَّدَ بوَصلِهِ" أَدَبٌ كبيرٌ مع الإمام أبي حَنِيفَة ﵁؛ ذلك، أن كلام ابنَ عدِيٍّ متوَجِّهٌ إلى الحَسَن وأبي حَنِيفَة - انظُرهُ في "الكامل" (٢/ ٧٠٦) -. لكنَّ البُوصِيرِيَّ تأدَّبَ، وأَعرَضَ عن ذِكر الإمامَ الأَعظَمِ بالسُّوء الذي تورَّط فيه ابنُ عَدِيٍّ! فرَحِمَهُ الله! ما أَعقَلَه! " انتهَى. • قلتُ: وهنا تُسكَبُ العَبَراتُ على ضَياع المَنهَج العِلمِيِّ، اتِّبَاعًا لنَعَرَات العَصَبِيَّةِ المَذهَبية. والأستاذُ عوَّامةُ حنفِيُّ المَذهَب، فأدَّاهُ تعصُّبُه ذلك إلى فواقرَ .. * مِنهَا: أنَّهُ أساءَ الأَدبَ مع الإِمام الحافِظِ ابن عَدِيٍّ، وأسبَغَ المَدحَ على البُوصِيرِيِّ - مع ما بَينَهُما من البَون الشَّاسِع -، فقال في شأن البُوصِيرِيِّ: "هو من مُحَدِّثِي السَّادةِ الشَّافعيَّة"، كلّ هذا لأنَّه لم يتعرَّض لذِكرِ تفرُّدِ أبي حَنِيفَة ﵀ بالحديثِ، ونَصَّ على الحَسَن بن عُمارَةَ، بينما ابنُ عَدِيِّ "تورَّطَ"، فذَكَر الإمامَ الأعظمَ، وهذا دليل على "قِلَّة عقلِه"، وتمام عَقلِ البُوصِيرِيِّ، ولذلك مَدَحَ البُوصِيرِيَّ بعد لَمْزِ ابن عَدِيٍّ -، فقال: "فَرَحِمَهُ اللهُ! ما أَعقَلَه! ". فلستُ أدري - والله! - كيفَ يَأمُر بالتَّأدُّب مع العُلماء، ويُسِيءُ الأَدبَ في ذات المَوضِع؟! * ومِنهَا: قولُه: "كلامُهُم في الحَسَن بن عُمارَةَ مُتابَعةٌ لطعن شُعبَة … "،

стр. 1081

وأَحالَ على مُقدِّمَتِه التي كَتَبَها على "المُصنَّف". وهذه عادَةُ المَدرَسة الكَوثَرِيَّة والغُمارِيَّة، أنَّهُم إذا أَرَادُوا أن يتخلَّصُوا من جَرحِ راوٍ زَعَمُوا أن المُتأخِّرين قَلَّدُوا المُتقَدِّمين دُون فَهْمٍ، فَهُمْ كَالبَبَّغاواتِ، يقُولُون ما لا يَفهَمُون. وقد تقدَّم طَرَفٌ من مُناقَشة هذا الخَطَل عند الحديث رقم (٣١). وأرجُو أن يَعذِرَني القارِئُ في نَقلِ كلامه مع طُولِه، ليَظهَر لك فَهمُ الأُستاذ عوَّامَةَ وتدبُّرُه. قال في (١/ ٦٤): "لقد كَثُر الكلامُ في الحسَن بن عُمارَة. والنَّاظِرُ في ترجمَتَه يجِدُ أن المتكَلِّمين فيه قِسمَان: مُعاصِرُون له، ومُتأخِّرُون عنه. ولم يتكلَّم فيه من المُعاصِرِين له إلَّا شُعبَةُ، والثَّورِيُّ، كما قال ابنُ المُبارَك: "جَرَحه عندي شُعبَةُ وسُفيانُ، فبقَولِهما تركتُ حديثَه"، فانظر المُتابَعة (١)! بل يجِدُ النَّاظرُ أن شُعبَة هو المتكلِّم فيه والمؤلِّب عليه، وسُفيانُ مُتابعٌ له مُوافِقٌ. قال عيسى بن يُونُس: "الحسَنُ بن عُمارَةَ شيخٌ صالحٌ. قال فيه شُعبَةُ، وأعانه عليه سُفيانُ"، ولذلك كان الحَسَن بن عُمارَةَ يقُولُ: "النَّاسُ كُلُّهُم مِنِّي في حِلٍّ ما خلا شُعبَةُ". ولكَثرَة مَن تَابَع شُعبَةَ على قَولِه فيه، سَهُل على السَّاجِيِّ قولُه: "أَجمَع أهلُ الحديث على تَركِ حديثِهِ"!! ولكن، يَنبَغِي النَّظَرُ بعين التَّدَبُّرِ والإنصاف. فهذا جريرُ بنُ حازمٍ

стр. 1082

- أحَدُ أَجِلَّاء البَصرَة ورُفَعَائِهم (١) -، وحمَّادُ بنُ زَيدٍ - وكان يُنَظَّر بالثَّورِيِّ والأَوزَاعِيِّ ومالكٍ -، كانا يَعتِبَان على شُعبَة بسبب كلامِهِ في الحَسَن هذا، ومَعَهُما مُعاذُ بنُ مُعاذٍ العَنبَرِيُّ - وهو من الجَلالة بمكانٍ رَفِيعٍ، حتى قال أحمدُ: إليه المُنتَهَى في التَّثبُّتِ بالبَصرة. وهو من الرُّواة عن شُعبَة، وكان له حَظوَةٌ عنده -. وسِياقُ ابن عَدِيٍّ يُفيدُ أن مع الثَّلاثة عبَّادُ بنُ عبَّادٍ. فهؤلاء أربَعةٌ شافَهُوا شُعبَة بالعَتْب والإِنكارِ عليه: لِمَ يَتكلَّمُ في الحَسَن بن عُمارةَ؟ لكن قِصَّةُ إِنكارِ جريرِ بن حازمٍ، وحمَّادِ بن زيدٍ، جاءَت كما يلي، وأنقُلُها من عند ابن عَدِيٍّ: "قال شعبةُ: ألا تَعجَبُون من هذا المَجنُونِ! أتانِي هو وحَّمادُ بنُ زيدٍ، فكَلَّمَاني أن أكُفَّ عن ذِكر الحَسَن بن عُمارَةَ. أنا أكُفُّ عن ذِكرِه؟! لا والله! لا أكُفُّ عن ذِكرِه … ". فالطَّابعُ العامُّ للقصَّة: حِرصُ شُعبَةَ على الذَّبِّ عن السُّنَّة، وشِدَّتُه في الله تعالى، وفي كَشفِه عن الكَذَّابين، وما إلى ذلك، وهذا ما يَجعَلُ الكَاتِبين في هذا الشَّأن يُسارِعُون إلى حكاية هذا الخَبَر ونَحوِه، وإلى إشاعته، ويَغِيبُ بعد ذلك ما وَراءَه! ولكن يَنبَغِي النَّظَرُ بعينٍ أُخرَى، إلى مَوقِف جَريرٍ وحَمَّادٍ، وهُما مَن هُما، أنَّهُما كانا مُوافِقَين لشُعبَة في هذا المَوقِف بعينه. أمَّا مِن حيث الجُملَة، فدِفَاعُ شُعبَة، ونَدبُهُ نَفسَه لخدمة السُّنَّة، والدِّفاع عنها،

стр. 1083

و .... فهذا أمرٌ لا يُنكَر أبدًا. وشُعبَةُ هو الذي كان يأتي جَرِيرَ بنَ حازمٍ ليسألَهُ عن حديث الأَعمَش، وهو الذي كان يدُلُّ بعضَ الرُّواة على جريرٍ نفسِهِ ليأخُذ عنه. فقولُهُ هنا: "هذا المجنون" إنَّما هو من بابَةِ ما كان يُسَمِّيه شيخُنا العلَّامة الأجَلُّ عبدُ الفتاح أبو غُدَّة - رحمه الله تعالى -: غَضْبات المُحَدِّثين لا يُقلَّدون فيها" انتهَى. • قلتُ: وخُلاصةُ هذا الكَلام أن شُعبَةَ تكلَّمَ في الحَسَن بن عُمارَة، وتَبِعَهُ الثَّورِيُّ، وترَكَهُ ابنُ المُبارَك لقَولهِما. وقد رَاجَعَ شُعبةَ جماعةٌ من أهل العِلمِ والجَلالَة، مثلُ حمَّادِ بن زيدٍ، ومُعاذِ بن مُعاذٍ، وجَريرِ بن حازمٍ، في كلامه في الحسَن بن عُمارَةَ. كلُّ هذا، وشُعبةُ مُصِرٌّ على الكَلام فيه، فلماذا يا ترى؟ يرى الأستاذُ عوَّامَةُ أن هذا اندفاع من شعبَةَ، باعثُه الحِرصُ على السُّنَّة والذَّبُّ عنها، وهو باعثٌ محمُودٌ، لكنَّه لم يَكنُ مُحقًّا فيه، فصار شُعبَةُ كما يقال: "كالدُّبِّ الذي قَتَل صاحِبَه"، لمَّا رأَى ذُبابةً على رأسِهِ وهو نائم، فأرَادَ أن يُعاقِبَ الذُّبابَة، فأتى بحَجَرٍ، وألقاه على الذُّبَابة التي هي على رأس صاحبِه، فقَتَل المسكينَ، وهَشَّم رأسَه!! فهل رُؤيَةُ الأستاذ عوَّامة صحيحةٌ وعادلةٌ؟! فأخرَجَ ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٦٩٨)، والعُقَيليُّ في "الضُّعَفاء" (٢/ ١٠ - ١١) عن أبي داوُد الطَّيالِسِيِّ، قال: قال لي شُعبَةُ: ائْتِ جريرَ بنَ حازِمٍ، فقُل له: لا يَحِلُّ لك أن تَروِي عن الحَسَن بن عُمارَة فإنَّه يَكذِبُ. - قال

стр. 1084

أبو داوُد: - قلتُ لشُعبَة: وكيف ذاك؟ قال: حدَّثَنا عن الحَكَم بأشياءَ، لم نَجِد لها أصلًا. قلتُ له: بأيِّ شيءٍ؟ قال: قلتُ للحَكَم: صلَّى النَّبيُّ ﵇ على قَتلَى أُحُدٍ؟ قال: لم يُصَلِّ عليهِم، وقال الحَسَن بن عُمارَةَ، عن الحَسَن، عن مِقسَمٍ، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ صلَّى عليهم ودَفَنَهم. قال شُعبةُ: قلتُ للحَكَم: ما تقُولُ في أولاد الزِّنا؟ فقال: يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ فيه شيءٌ. قلتُ: من يَذكُرُه؟ قال: يُذكَر من حديث الحَسَن البَصرِيِّ. وقال الحَسَن: حدَّثَنا الحَكَمُ، عن يحيى الجَزَّارِ، عن عليٍّ، أنَّه قال: يُعتَقُون". فردَّ الرَّامَهُرمُزِيُّ على استدلال شعبَة في تكذِيبِه الحَسنَ بمِثلِ هذا - كما في "المُحَدِّث الفاصل" (ص ٣٢٥ - ٣٢١) - قائلًا: "وليس يُستدَلُّ على تَكذِيبِ الحَسَن بن عُمارَةَ من الطَّريق الذي استَدلَّ به أبو بِسطامَ - شُعبَةُ -؛ لأنَّهُ استفتَى الحَكَم - ابن عُتَيبَة - في المسأَلتَين، فأفتاه الحَكَمُ بما عِندَهُ، وهو أحَدُ فُقَهاء الكُوفَة زمن حمَّادِ - ابن أبي سُليمان -. فلمَّا قال له أبو بِسطام: عمَّن؟ أَمكَنَ أن يكُون يظُنُّ أنه يقولُ: مَن الذي يقُولُه من فُقهاء الأَمصَار، فقال في إِحداهما: هو قولُ إبراهيمَ. وفي الأُخرى: هو قول الحَسَن. وليس يَلزَمُ المُفتِي أن يُفتِي بجميع ما رَوى، ولا يَلزَمُه أيضًا أن يَترُك روايةَ ما لا يُفتِي به، وعلى هذا مَذهَبُ جميع فُقهاء الأَمصَار". • قلتُ: إنكارُ شُعبَةَ، وإن كان وجِيهًا، لكنَّهُ ليس كافيًا في دَمغِ الحَسَن بن عُمارَةَ بالكَذِب؛ للاحتمال الذي أَبدَاهُ الرَّامَهُرمُزِيُّ، فهذا

стр. 1085

الاحتمالُ يَنفِي عنه صِفَةَ الكَذِب فحسبُ. ونَحنُ نُوافِقُ على هذا، وأنَّ الحَسَنَ أجَلُّ من أن يَكذِب، لكنَّه كان شَدِيدَ الغَفلَة، قبيحَ التَّدليسِ، حتى تَرَكَهُ المُحَدِّثُون. وإنَّما شَفَع فيه بعض أجِلَّة أهل العِلم؛ لأنَّهُ كان من ذَوِي الهَيئات المُوسرين، ومثلُ هؤُلاء يكُونُ لهم وجاهَةٌ عند النَّاس ومكانَةٌ في بَلَدِهم. فقد رَوَى ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٦٩٩) عن روَّاد بن الجَرَّاح، قال: "كان الحَسَنُ بن عُمارَةَ رجُلًا مُوسرًا، وكان الحَكَم بنُ عُتَيبَة مُقِلًّا، فضَمَّه الحسَنُ بن عُمارَةَ إلى نَفسِه، وأَجرَى عليه الرِّزقَ، فصار الحَسَنُ من خاصَّة الحكَمِ، فكان يُحَدِّثُه ولا يَمنَعُهُ شيئًا عِندَه، فحدَّثَه بقريبٍ مِن عَشرَةِ آلاف قَضِيَّةٍ، عن شُريحٍ وغيرِه، وسمِع شعبةُ من الحَكَم شيئًا يسيرًا، فلمَّا تُوفِّي الحَكَمُ، قال شُعبةُ للحَسَن: مِن رأيِك أن تُحدِّث عن الحكَم بكلِّ شيءٍ سمعتَه؟ فقال له الحَسَن: نعم! ما أكتُمُ شيئًا سمعتُهُ. - قال: - قال شُعبةُ: مَن أراد أن يَنظُر إلى أَكذَب النَّاس فليَنظُر إلى الحَسَن بن عُمارة. وقَبِلَ النَّاسُ من شُعبَة وترَكُوا الحسَن. هذا أو نحوه" انتهَى. وهذا الذي جَرَى مع الحَسَن بن عُمارَةَ، حَدَثَ مِثلُهُ مع أبان بن أبي عيَّاشٍ. وأبَانُ مترُوكٌ عند سائر العُلَماء، مع إقرارِهِم بأنَّه كان لا يتعمَّدُ الكَذِبَ، فقد حَكَى الإمامُ أحمدُ، عن عبَّاد بن عبَّادٍ المُهَلَّبِيِّ، قال: أتيتُ شُعبَة، أنا وحمَّادُ بنُ زَيدٍ، فكلَّمناه في أبانَ بن أبي عيَّاشٍ، فقالا له: يا أبَا بِسطَامَ! تُمسِكُ عَنهُ؟ فلَقِيَهُم بعد ذلك، فقال: ما أَرَانِي يَسَعُنِي السُّكوتُ عنه. وتعجَّب الأُستاذُ عوَّامَةُ من شُعبَةَ، إذ ترَك الحَسَن، ثُمَّ رَوَى عنه!

стр. 1086

ولا عَجَب في هذا؛ فإنَّ المُحَدِّثَ قد يُحَدِّثُ عمَّن يرغَبُ عن روايته للاعتِبَار. وهذا مِثلَما كان يُحَدُث مع الثَّورِيِّ، فإنَّه كان يَروِي عن مُحمَّد بن السَّائب الكَلبِيِّ، ويَنهَى عن الرِّوَايَة عنه، فكَلَّموه في ذلك، فقال: أنا أَعرِف صِدقَه مِن كَذِبه. ولرُبَّما يقُولُ قائل: إنَّ سُفيانَ الثَّورِيَّ رَجَعَ عن جَرحِ الحَسَن بن عُمارَةَ، واستَدَلَّ بما رواه أيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: كُنتُ عند سُفيانَ الثَّورِيِّ، فذُكِر الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ، فغَمَزَه، فقلتُ له: يا أبا عبدِ الله! هو عِندِي خيرٌ منك! قال: وكيفَ ذاك؟ قلتُ: جلستُ مَعَهُ غيرَ مَرَّةٍ، فيَجرِي ذِكرُك، فما يَذكُرُك إلا بِخيرٍ. قال أيُّوبُ: فما سمِعتُ سُفيانَ ذَاكِرًا الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ بعد ذلك إلَّا بخيرٍ، حتَّى فارَقتُه. فالجوابُ عن هذا: أن أيُّوبَ بنَ سُويدٍ ضعيفٌ. سلَّمنا أنَّه ثقةٌ، أو أنَّا تَسامَحنا في نقل هذه الحِكاية، فإنَّ تصرُّف سُفيانَ خَرَجَ على مَذهَب أهل الوَرَع. وهذا يُشبِهُ تمامًا مَوقِفَ الثَّورِيِّ من الحَسَن بن صالحِ بن حَيٍّ، فقد كان سُفيانُ شَدِيدَ الحَملِ عليه، مع أن الحَسَن كلمةُ إجماعٍ في ثِقَتِهِ وزُهدِهِ وعِبَادَتِه. فذَكَرُوا أن سُفيانَ كان مُجاوِرًا بمكَّةَ، فلمَّا كان ذات يَومٍ، جاء إِنسانٌ، فقال سُفيَانَ: يا أبا عبد الله! قَدِم اليومَ حَسَنٌ وعليٌّ ابنا صالحٍ. قال: وأين هُمَا؟ قال: في الطَّوَاف. قال: فإذا مَرَّا فأَرِينِهِما. - قال: - فمَرَّ أحدُهُما فقال: هذا عليٌّ. ثُمَّ مرَّ الآخَرُ، فقال: هذا حَسَنٌ فقال سُفيانُ: أمَّا الأوَّلُ فصاحبُ آخِرَةٍ، وأمَّا الآخَرُ - يعني: حَسَنًا - فصاحِبُ سَيفٍ، لا يملأُ جَوفَهُ شيءٌ. - قال: - فتقدَّمَ رجُلٌ ممَّن كان

стр. 1087

مَعَنَا، فذهب إلى عليٍّ، فأخبَرَهُ الخبرَ، فلمَّا كان مِنَ الغَدِ جاء سُفيانُ يُسَلِّمُ على عليِّ بن صالحٍ، فقال له عليٌّ: يا أبا عبد الله! ما حَمَلَكَ على أن ذَكَرتَ أَخِي أمسَ بما ذكرتَه؟ أيشٍ يُؤَمِّنُك أن تَبلُغ هذه الكَلِمَةُ ابن أبي جَعفَرٍ، فيَبعَثُ إليه فيَقتُلُه؟ - فقال: - فنَظَرتُ إلى سُفيانَ، وهو يقُولُ: أَستَغفِرُ الله. وجَادَتَا عيناه. تُرَى: لمَّا بَكَى سُفيانُ رهبةً مِن أن يُقتل الحَسَنُ، هل غيَّر رأيَهُ فيه؟ كلَّا، لكنَّهُ خَشِيَ إن قُتل يُسألُ عن دَمِه يوم القيامة. ولو سلَّمَنا جدَلًا أن شُعبة تجاوَزَ حُدُودَ العَدلِ في الحُكم على الحسَن بن عُمارَةَ، فهل سائِرُ النُّقَّاد تابَعُوا شعبَة في هذا "الجَوْر"؟ فها هو عليُّ بنُ المَدِينِيِّ يقولُ: "ما أَحتَاجُ إلى شُعبَةَ فيه؟ أمرُهُ أبيَنُ مِن ذلك"، قيل له: يَغلَطُ؟ فقال: "أيُّ شيءٍ كان يغلط؟ "، وذهب إلى أنَّه كان يَضَعُ الحديثَ. وابنُ المَدِينِيِّ عَلَمٌ من أَعلَام النُّقَّاد لا يَخفَى مكانُه، وإن كُنَّا لا نُوافِقُه على دعوى الوَضع. لكن اسمَع كلام بقيَّة الأَئِمَّة في الحسَن بن عُمارَةَ. قال ابنُ مَعِينٍ: "ضعيفٌ. ليس حديثُهُ بشيءٍ. لا يُكتَب حديثُهُ". وقال أبو طالبٍ: سمعتُ أحمدَ بن حنبلٍ، يقُولُ: "الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ مترُوكُ الحديث"، قلتُ: كان له هوًى - يعني: أكان مُبتَدِعًا -؟ قال: "لا، ولكن كان مُنكَرَ الحديثِ، وأحاديثُهُ موضُوعَةٌ. لا يُكتَب حديثُهُ". وقال أبو حاتِمٍ ومُسلِمٌ والنَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ: "مترُوكُ الحديث".

стр. 1088

وقال النَّسائِيُّ في موضعٍ آخرَ: "ليس بثِقةٍ، ولا يُكتَب حديثُهُ". وقال زكريَّا بنُ يحيَى السَّاجِيُّ: "ضعيفُ الحديثِ، مترُوكٌ، أجمَعَ أهلُ الحديث على تَركِ حديثِهِ". وقال إبراهيمُ بنُ يَعقُوبَ الجُوْزْجَانِيُّ: "ساقطٌ". وقال صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ البَغدَادِيُّ: "لا يُكتَب حديثُهُ". وقال عَمْرُو بنُ عليٍّ: "رجُلٌ صالحٌ صَدُوقٌ، كثيرُ الخَطَإِ والوَهَم، مترُوكُ الحديث". وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ، بعد أن رَوَى طَوَفًا صالِحًا من حديثه: "ما أقربَ قصَّتَهُ إلى ما قال عَمْرُو بنُ عليٍّ: إنَّه كثيرُ الوَهَمِ والخطإِ. وقد رَوَى عنه الأئِمَّةُ من النَّاس - كما ذكرتُه -: سُفيانُ الثَّورِيُّ، وسُفيانُ بنُ عُيَينَة، وابنُ إسحاقَ، وجَريرُ بنُ حازمٍ - وذَكَر آخَرين، ثُمَّ قال: - وشُعبةُ، مع إِنكارِهِ عليه أحاديثَ الحَكَمِ، قد رَوَى عنه - كما ذكرتُه -. وقد قُمتُ باعتِذَار بعضِ ما أمليتُ أنَّ قَومًا شارَكُوا الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ في بعض هذه الرِّوايَاتِ. وقد قيل إنَّ الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ كان صاحبَ مالٍ، فحَوَّلَ الحَكَمَ إلى مَنزِلِه، فاستَقَاد منه، وخَصَّه بما لم يَخُصَّ غيرَهُ. على أن بعضَ رِواياتِهِ، عن الحكم، وعن غيرِهِ، غيرُ محفوظَاتٍ. وهو إلى الضَّعف أقربُ منه إلى الصِّدق". وأعدلُ الأَقوَالِ، ما قاله ابنُ حِبَّان في ترجَمَتِه من "المَجرُوحين" (١/ ٢٢٩)، وقد أبان عن العِلَّة الخفيَّة التي المُحدِّثين يُسقِطون حديثَه، قال: "كان بلِيَّةُ الحَسَن بن عُمارَةَ أنَّهُ كان يُدَلِّسُ عن الثِّقات ما

стр. 1089

وَضَع عليهم الضُّعَفاءُ. كان يَسمَعُ من مُوسى بن مُطَيرٍ، وأبي العَطُوفِ، وأبانَ بنِ أبي عيَّاشٍ، وأَضرَابِهم، ثُمَّ يُسقِط أسماءَهم، ويَروِيها عن مَشايِخِهم الثِّقات، فلمَّا رَأَى شُعبَةُ تلكَ الأحاديثَ الموضُوعَة، التي يَروِيها عن أقوامٍ ثِقاتٍ، أَنكَرَها عليه، وأَطلَقَ عليه الجَرحَ، ولم يَعلَم أن بَينَهُ وبَينَهُم هؤلاء الكَذَّابين، فكان الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ هو الجاني على نَفسِه بتَدلِيسِه عن هؤُلاء، وإِسقاطِهِم من الأخبار، حتَّى التَزَق الموضُوعاتُ به. وأَرجُو أن الله يَرفَعُ لشُعبَةَ في الجِنان درجاتٍ، لا يَبلُغُها غيرُهُ، إلَّا مَن عَمِلَ عَمَلَهُ بذَبِّهِ الكَذِبَ عمَّن أخبَرَ الله أنَّهُ لا يَنطِقُ عن الهَوَى، إن هُو إلَّا وَحيٌ يُوحَى، ﷺ " انتهَى. • قلتُ: فهل يُمكِنُ للأستاذ عوَّامةَ أن يَدَّعي أن المُحَدِّثين أجمَعين تناوَلُوا الحسَنَ بنَ عُمارةَ، مُتابِعِين شعبَةَ في رأيِهِ، لا يَعصِمُهُم وَرَع، ولا تَرُدُّهُم خَشيَةٌ، كأنَّمَا تحوَّلُوا جميعًا إلى ظَلَمَةٍ وفَجَرَةٍ؟! ثُمَّ خَتَمَ الأُستاذُ بَحثَهُ قائلًا: "وانظُر بعدَ هذا تألُّمَ جَرِيرِ بن عبدِ الحَمِيد الضَّبِّيِّ، إذ يقُولُ: "ما ظَنَنتُ أنِّي أعيشُ إلى دَهرٍ، يُحَدَّثُ فيه عن مُحمَّد بن إسحاقَ، ويُسكَتُ فيه عن الحَسَن بن عُمارَةَ"! يريدُ: لا يُروَى فيه عن الحَسَن بن عُمارَةَ؛ فهو أجلُّ من مُحمَّد بن إسحاقَ بدَرَجَاتٍ، وحالُ ابن إسحاق وما استقرَّ عليه أمرُهُ من حيث القَبُول معلومَةٌ. وما أعدَلَ ما حكاه البُخَارِيُّ في "تاريخه الكبير"، عن عبد الله بن مُحمَّد - وأظنُّهُ أبا بكرٍ بنَ أبي شَيبَة، بل هُوَ هُو - قال: "قيل لابن عُيَينَة: أكان الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ يَحفَظُ؟ فقال: كان له فَضلٌ، وغيرُهُ أحفَظُ مِنهُ".

стр. 1090

• قلتُ: ولا أظُنُّ أحدًا - ولا الأُستاذَ نفسَه، فيما أظنُّ - يَرَى أن الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ أقوَى من مُحمَّد بن إسحاقَ، حتى يُتابعَ جَرِيرَ بنَ عبد الحميد على رَأيِه. فيُرِيدُ الأستاذُ أن يَقُولَ: قد استقرَّ عَمَلُ المُحَدِّثين على تحسين حديثِ ابن إسحَاقَ، وحَسبَ كلامِ جريرِ بن عبد الحميد، فيَكُونُ الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ صحيحَ الحديث، أو حَسَنَهُ على أقلِّ تقديرٍ. فهل تَرَى في قولِ النُّقَّاد وصيارفة الفنِّ ما يُشِيرُ إلى قريبٍ من هذا؟ وهل يَعتَقِدُ الأستاذُ أن جَرِيرَ بن عبد الحميد مِن النُّقَّاد حتَّى يُقبَلَ قولُهُ المُناقِضُ لقول العُلماء جميعًا؟ ثمَّ زاد الأُستاذُ الطِّينَ بِلَّةً عندما خَتَمَ كلامَهُ بقَولِهِ: "وما أعدلَ ما حَكَاهُ البُخارِيُّ … ". فظن الأستاذُ أن كلامَ ابن عيينة فيه تزكيةٌ للحسن بن عُمارةَ، إذ سُئل: أَكانَ الحسَنُ بنُ عُمارةَ يحفظ؟ قال: "كان له فضلٌ. وغيرُهُ أحفَظُ منه". ولو كان ابنُ عُيَينَة يراه كما يظُنُّ الأستَاذُ، وسُئل: أكان يحفَظُ؟ فكان يَنبَغِي أن يكون جوابُ ابن عُيَينَة إن أرادَ تَزكِيتَه أن يقُولَ: "نعم"، أمَّا أن يُسألَ: "هل كان يَحفَظُ؟ "، فيقُولُ: "له فضلٌ" فالحَيدَةُ هنا جَرحٌ، وليست تَزكِيَةً. كما سُئل بعض النُّقَّاد عن رَاوٍ - أظُنُّه: أبا عبد الله الجَدَلِيَّ -، فقال: "كان يُجِيدُ الضَّربَ بالسَّيف"، فعلَّق الشَّافِعِيُّ - على ما أَذكُرُ - قائلًا: "ومن نُسب إلى غيرِ صناعَتِه فقد وُهِصَ" أو كما قال! يُشِيرُ بذلك إلى أن الحُكمَ على الرَّاوِي، الذي رأسُ مالِهِ العَدَالَةُ والضَّبطُ، إلى ذِكرِ شيءٍ لا يتعلَّقُ بهما، فيه دلالةٌ على جَرحِه.
следующие страницы →