← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ولا عَجَب في هذا؛ فإنَّ المُحَدِّثَ قد يُحَدِّثُ عمَّن يرغَبُ عن روايته للاعتِبَار. وهذا مِثلَما كان يُحَدُث مع الثَّورِيِّ، فإنَّه كان يَروِي عن مُحمَّد بن السَّائب الكَلبِيِّ، ويَنهَى عن الرِّوَايَة عنه، فكَلَّموه في ذلك، فقال: أنا أَعرِف صِدقَه مِن كَذِبه. ولرُبَّما يقُولُ قائل: إنَّ سُفيانَ الثَّورِيَّ رَجَعَ عن جَرحِ الحَسَن بن عُمارَةَ، واستَدَلَّ بما رواه أيُّوبُ بنُ سُوَيدٍ، قال: كُنتُ عند سُفيانَ الثَّورِيِّ، فذُكِر الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ، فغَمَزَه، فقلتُ له: يا أبا عبدِ الله! هو عِندِي خيرٌ منك! قال: وكيفَ ذاك؟ قلتُ: جلستُ مَعَهُ غيرَ مَرَّةٍ، فيَجرِي ذِكرُك، فما يَذكُرُك إلا بِخيرٍ. قال أيُّوبُ: فما سمِعتُ سُفيانَ ذَاكِرًا الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ بعد ذلك إلَّا بخيرٍ، حتَّى فارَقتُه. فالجوابُ عن هذا: أن أيُّوبَ بنَ سُويدٍ ضعيفٌ. سلَّمنا أنَّه ثقةٌ، أو أنَّا تَسامَحنا في نقل هذه الحِكاية، فإنَّ تصرُّف سُفيانَ خَرَجَ على مَذهَب أهل الوَرَع. وهذا يُشبِهُ تمامًا مَوقِفَ الثَّورِيِّ من الحَسَن بن صالحِ بن حَيٍّ، فقد كان سُفيانُ شَدِيدَ الحَملِ عليه، مع أن الحَسَن كلمةُ إجماعٍ في ثِقَتِهِ وزُهدِهِ وعِبَادَتِه. فذَكَرُوا أن سُفيانَ كان مُجاوِرًا بمكَّةَ، فلمَّا كان ذات يَومٍ، جاء إِنسانٌ، فقال سُفيَانَ: يا أبا عبد الله! قَدِم اليومَ حَسَنٌ وعليٌّ ابنا صالحٍ. قال: وأين هُمَا؟ قال: في الطَّوَاف. قال: فإذا مَرَّا فأَرِينِهِما. - قال: - فمَرَّ أحدُهُما فقال: هذا عليٌّ. ثُمَّ مرَّ الآخَرُ، فقال: هذا حَسَنٌ فقال سُفيانُ: أمَّا الأوَّلُ فصاحبُ آخِرَةٍ، وأمَّا الآخَرُ - يعني: حَسَنًا - فصاحِبُ سَيفٍ، لا يملأُ جَوفَهُ شيءٌ. - قال: - فتقدَّمَ رجُلٌ ممَّن كان

стр. 1087

مَعَنَا، فذهب إلى عليٍّ، فأخبَرَهُ الخبرَ، فلمَّا كان مِنَ الغَدِ جاء سُفيانُ يُسَلِّمُ على عليِّ بن صالحٍ، فقال له عليٌّ: يا أبا عبد الله! ما حَمَلَكَ على أن ذَكَرتَ أَخِي أمسَ بما ذكرتَه؟ أيشٍ يُؤَمِّنُك أن تَبلُغ هذه الكَلِمَةُ ابن أبي جَعفَرٍ، فيَبعَثُ إليه فيَقتُلُه؟ - فقال: - فنَظَرتُ إلى سُفيانَ، وهو يقُولُ: أَستَغفِرُ الله. وجَادَتَا عيناه. تُرَى: لمَّا بَكَى سُفيانُ رهبةً مِن أن يُقتل الحَسَنُ، هل غيَّر رأيَهُ فيه؟ كلَّا، لكنَّهُ خَشِيَ إن قُتل يُسألُ عن دَمِه يوم القيامة. ولو سلَّمَنا جدَلًا أن شُعبة تجاوَزَ حُدُودَ العَدلِ في الحُكم على الحسَن بن عُمارَةَ، فهل سائِرُ النُّقَّاد تابَعُوا شعبَة في هذا "الجَوْر"؟ فها هو عليُّ بنُ المَدِينِيِّ يقولُ: "ما أَحتَاجُ إلى شُعبَةَ فيه؟ أمرُهُ أبيَنُ مِن ذلك"، قيل له: يَغلَطُ؟ فقال: "أيُّ شيءٍ كان يغلط؟ "، وذهب إلى أنَّه كان يَضَعُ الحديثَ. وابنُ المَدِينِيِّ عَلَمٌ من أَعلَام النُّقَّاد لا يَخفَى مكانُه، وإن كُنَّا لا نُوافِقُه على دعوى الوَضع. لكن اسمَع كلام بقيَّة الأَئِمَّة في الحسَن بن عُمارَةَ. قال ابنُ مَعِينٍ: "ضعيفٌ. ليس حديثُهُ بشيءٍ. لا يُكتَب حديثُهُ". وقال أبو طالبٍ: سمعتُ أحمدَ بن حنبلٍ، يقُولُ: "الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ مترُوكُ الحديث"، قلتُ: كان له هوًى - يعني: أكان مُبتَدِعًا -؟ قال: "لا، ولكن كان مُنكَرَ الحديثِ، وأحاديثُهُ موضُوعَةٌ. لا يُكتَب حديثُهُ". وقال أبو حاتِمٍ ومُسلِمٌ والنَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ: "مترُوكُ الحديث".

стр. 1088

وقال النَّسائِيُّ في موضعٍ آخرَ: "ليس بثِقةٍ، ولا يُكتَب حديثُهُ". وقال زكريَّا بنُ يحيَى السَّاجِيُّ: "ضعيفُ الحديثِ، مترُوكٌ، أجمَعَ أهلُ الحديث على تَركِ حديثِهِ". وقال إبراهيمُ بنُ يَعقُوبَ الجُوْزْجَانِيُّ: "ساقطٌ". وقال صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ البَغدَادِيُّ: "لا يُكتَب حديثُهُ". وقال عَمْرُو بنُ عليٍّ: "رجُلٌ صالحٌ صَدُوقٌ، كثيرُ الخَطَإِ والوَهَم، مترُوكُ الحديث". وقال أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ، بعد أن رَوَى طَوَفًا صالِحًا من حديثه: "ما أقربَ قصَّتَهُ إلى ما قال عَمْرُو بنُ عليٍّ: إنَّه كثيرُ الوَهَمِ والخطإِ. وقد رَوَى عنه الأئِمَّةُ من النَّاس - كما ذكرتُه -: سُفيانُ الثَّورِيُّ، وسُفيانُ بنُ عُيَينَة، وابنُ إسحاقَ، وجَريرُ بنُ حازمٍ - وذَكَر آخَرين، ثُمَّ قال: - وشُعبةُ، مع إِنكارِهِ عليه أحاديثَ الحَكَمِ، قد رَوَى عنه - كما ذكرتُه -. وقد قُمتُ باعتِذَار بعضِ ما أمليتُ أنَّ قَومًا شارَكُوا الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ في بعض هذه الرِّوايَاتِ. وقد قيل إنَّ الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ كان صاحبَ مالٍ، فحَوَّلَ الحَكَمَ إلى مَنزِلِه، فاستَقَاد منه، وخَصَّه بما لم يَخُصَّ غيرَهُ. على أن بعضَ رِواياتِهِ، عن الحكم، وعن غيرِهِ، غيرُ محفوظَاتٍ. وهو إلى الضَّعف أقربُ منه إلى الصِّدق". وأعدلُ الأَقوَالِ، ما قاله ابنُ حِبَّان في ترجَمَتِه من "المَجرُوحين" (١/ ٢٢٩)، وقد أبان عن العِلَّة الخفيَّة التي المُحدِّثين يُسقِطون حديثَه، قال: "كان بلِيَّةُ الحَسَن بن عُمارَةَ أنَّهُ كان يُدَلِّسُ عن الثِّقات ما

стр. 1089

وَضَع عليهم الضُّعَفاءُ. كان يَسمَعُ من مُوسى بن مُطَيرٍ، وأبي العَطُوفِ، وأبانَ بنِ أبي عيَّاشٍ، وأَضرَابِهم، ثُمَّ يُسقِط أسماءَهم، ويَروِيها عن مَشايِخِهم الثِّقات، فلمَّا رَأَى شُعبَةُ تلكَ الأحاديثَ الموضُوعَة، التي يَروِيها عن أقوامٍ ثِقاتٍ، أَنكَرَها عليه، وأَطلَقَ عليه الجَرحَ، ولم يَعلَم أن بَينَهُ وبَينَهُم هؤلاء الكَذَّابين، فكان الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ هو الجاني على نَفسِه بتَدلِيسِه عن هؤُلاء، وإِسقاطِهِم من الأخبار، حتَّى التَزَق الموضُوعاتُ به. وأَرجُو أن الله يَرفَعُ لشُعبَةَ في الجِنان درجاتٍ، لا يَبلُغُها غيرُهُ، إلَّا مَن عَمِلَ عَمَلَهُ بذَبِّهِ الكَذِبَ عمَّن أخبَرَ الله أنَّهُ لا يَنطِقُ عن الهَوَى، إن هُو إلَّا وَحيٌ يُوحَى، ﷺ " انتهَى. • قلتُ: فهل يُمكِنُ للأستاذ عوَّامةَ أن يَدَّعي أن المُحَدِّثين أجمَعين تناوَلُوا الحسَنَ بنَ عُمارةَ، مُتابِعِين شعبَةَ في رأيِهِ، لا يَعصِمُهُم وَرَع، ولا تَرُدُّهُم خَشيَةٌ، كأنَّمَا تحوَّلُوا جميعًا إلى ظَلَمَةٍ وفَجَرَةٍ؟! ثُمَّ خَتَمَ الأُستاذُ بَحثَهُ قائلًا: "وانظُر بعدَ هذا تألُّمَ جَرِيرِ بن عبدِ الحَمِيد الضَّبِّيِّ، إذ يقُولُ: "ما ظَنَنتُ أنِّي أعيشُ إلى دَهرٍ، يُحَدَّثُ فيه عن مُحمَّد بن إسحاقَ، ويُسكَتُ فيه عن الحَسَن بن عُمارَةَ"! يريدُ: لا يُروَى فيه عن الحَسَن بن عُمارَةَ؛ فهو أجلُّ من مُحمَّد بن إسحاقَ بدَرَجَاتٍ، وحالُ ابن إسحاق وما استقرَّ عليه أمرُهُ من حيث القَبُول معلومَةٌ. وما أعدَلَ ما حكاه البُخَارِيُّ في "تاريخه الكبير"، عن عبد الله بن مُحمَّد - وأظنُّهُ أبا بكرٍ بنَ أبي شَيبَة، بل هُوَ هُو - قال: "قيل لابن عُيَينَة: أكان الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ يَحفَظُ؟ فقال: كان له فَضلٌ، وغيرُهُ أحفَظُ مِنهُ".

стр. 1090

• قلتُ: ولا أظُنُّ أحدًا - ولا الأُستاذَ نفسَه، فيما أظنُّ - يَرَى أن الحَسَنَ بنَ عُمارَةَ أقوَى من مُحمَّد بن إسحاقَ، حتى يُتابعَ جَرِيرَ بنَ عبد الحميد على رَأيِه. فيُرِيدُ الأستاذُ أن يَقُولَ: قد استقرَّ عَمَلُ المُحَدِّثين على تحسين حديثِ ابن إسحَاقَ، وحَسبَ كلامِ جريرِ بن عبد الحميد، فيَكُونُ الحَسَنُ بنُ عُمارَةَ صحيحَ الحديث، أو حَسَنَهُ على أقلِّ تقديرٍ. فهل تَرَى في قولِ النُّقَّاد وصيارفة الفنِّ ما يُشِيرُ إلى قريبٍ من هذا؟ وهل يَعتَقِدُ الأستاذُ أن جَرِيرَ بن عبد الحميد مِن النُّقَّاد حتَّى يُقبَلَ قولُهُ المُناقِضُ لقول العُلماء جميعًا؟ ثمَّ زاد الأُستاذُ الطِّينَ بِلَّةً عندما خَتَمَ كلامَهُ بقَولِهِ: "وما أعدلَ ما حَكَاهُ البُخارِيُّ … ". فظن الأستاذُ أن كلامَ ابن عيينة فيه تزكيةٌ للحسن بن عُمارةَ، إذ سُئل: أَكانَ الحسَنُ بنُ عُمارةَ يحفظ؟ قال: "كان له فضلٌ. وغيرُهُ أحفَظُ منه". ولو كان ابنُ عُيَينَة يراه كما يظُنُّ الأستَاذُ، وسُئل: أكان يحفَظُ؟ فكان يَنبَغِي أن يكون جوابُ ابن عُيَينَة إن أرادَ تَزكِيتَه أن يقُولَ: "نعم"، أمَّا أن يُسألَ: "هل كان يَحفَظُ؟ "، فيقُولُ: "له فضلٌ" فالحَيدَةُ هنا جَرحٌ، وليست تَزكِيَةً. كما سُئل بعض النُّقَّاد عن رَاوٍ - أظُنُّه: أبا عبد الله الجَدَلِيَّ -، فقال: "كان يُجِيدُ الضَّربَ بالسَّيف"، فعلَّق الشَّافِعِيُّ - على ما أَذكُرُ - قائلًا: "ومن نُسب إلى غيرِ صناعَتِه فقد وُهِصَ" أو كما قال! يُشِيرُ بذلك إلى أن الحُكمَ على الرَّاوِي، الذي رأسُ مالِهِ العَدَالَةُ والضَّبطُ، إلى ذِكرِ شيءٍ لا يتعلَّقُ بهما، فيه دلالةٌ على جَرحِه.

стр. 1091

• قلتُ: هذا ما يتعلَّقُ بالحَسَن بن عُمارَةَ في كلام الأُستاذ مُحمَّد عوَّامَة. أمَّا الشَّيءُ الآخَر، والذي اتَّهم به عوَّامةُ ابنَ عديٍّ أنَّه "لا يَعقِل ما يقُولُ"، فهو أنَّهُ وَصَفَ أبا حَنِيفَة ﵀ بسُوء الحفظ. وهذه مسأَلةٌ جَرَت بِسَبَبِها خصوماتٌ شديدةٌ بين المُحَدِّثِين والحَنَفِيَّة. ذلك أن الحَنَفِيَّة يأبَون إلَّا أن يَكُون أبو حَنِيفَة من سادة الحُفَّاظ، الذين يَجرُون في مِضمَار الأَعمَش، ومَنصُورٍ، وشُعبَةَ، والثَّورِيِّ، وأَضرَابِهم. ولا يُسَلِّمون للمُحَدِّثين كَلامَهم في رَميِه بسُوءِ الحِفظِ، وكيفَ يكُونُ أئِمَّةُ الذاهِب الثَّلاثة الأُخرَى. مالكٌ، والشَّافِعِيُّ، وأحمدُ، مِن أعيَان الحُفَّاظ والفُقهَاء، ويكونُ أبُو حَنِيفَة من أعيان الفُقهاء، ويَفُوتُه الحفظ؟! هذا ما يأبَاهُ الحنَفِيَّةُ تمامًا. فجَرَّهُم هذا الإِبَاءُ إلى رَميِ المُحَدِّثِين جميعًا بعَدَاوَة مَدرَسَة الرَّأي، بَغيًا وعُدوانًا، وأنَّهُم مُتحَامِلُون على أبي حَنِيفَة وأصحَابِه - رحمهم الله تعالى -. وقد جَرَت بَينَهُم وقائعُ تُشبِهُ الحربَ المُسلَّحةَ. فذَكَرَ الذَّهَبِيُّ في "تَذكِرَة الحُفَّاظ" (٤/ ١٣٧٨)، عن عبدِ الغَنِيِّ المقدِسيِّ، قال: "كُنَّا نَسمعُ بالمَوْصِل" كِتَاب الضُّعفاء" للعُقَيليِّ، فأخَذَنِي أهل الموصل وأَرَادوا قتلي من أجل ذِكر رَجُلٍ فيه … فجَاءَنِي رجلٌ طويلٌ بسيفٍ فقلت لعلَّه يقتُلُني فَأستريحُ!! - قال - فلَم يَصنَع شيئًا، ثُم أُطلقتُ … "، انتهى. وأوضحها الحافظُ ابنُ كثيرٍ في "البِداية والنِّهاية" (١٣/ ٣٩)، " فقال: "لمَّا دَخَل - يعني: عبد الغنيِّ - لموصِل سَمِع كتابَ العُقَيليِّ في الجَرح والتَّعديل، فثار عليه الحنفيَّةُ بسبب أبي حَنِيفة، فخَرَجَ منها خائفًا يترَقَّبُ .... " انتهَى.

стр. 1092

وماذا يَضُرُّ عبدَ الغَنِيِّ المَقدِسِيَّ من ثَورَةِ العَامَّة عليه؟؟ فكَمَا لم يَضُرَّ ابنَ جَريرٍ قيامُ الحَنَابِلَة عليه، ورَدمُهم دَارَهُ بالحِجَارة، ولم يَضُرَّ عبدَ الله بنَ مُحمَّد بن عُثمان السَّقَّاء أن هاج عليه العَامَّةُ وهو يُحَدِّثُ بحديثِ الطَّير، ولم يَضُرَّ الخطيبَ أنَّهم طيَّنُوا عليه بابَ دَارِه ليَحُولُوا بينه وبين شُهُودِ الجَمَاعَة، فإنَّ قِيَام العَامَّة على عبدِ الغَنِيِّ لا يَضرُّه، ولا يَضُرُّ كتاب العُقَيليِّ أيضًا. ثُمَّ هب أنَّ أبا حَنِيفَة كان ثِقَةً في الحديث، فإيراد العُقَيليِّ له في "الضُّعفاء" يتَّفقُ مع ما اشتَرَطُوه من أنَّهُم قد يَذكُرُون الرَّجُل لأدنَى جَرحٍ فيه وإن لم يَضُرَّه، فكيف إذا كان الجَرحُ يَضُرُّه؟ والذي يَنبَغِي أن يُعتَقَد، ولا يَجُوزُ غيرُهُ، أنَّه من المُحال أن يَجتَمِع العُلماء على جَرحِ عَدلٍ، أو تَعدِيلِ مجرُوحٍ. والجائِزُ، بل الوَاقِعُ، أنَّهُم يَختَلِفُون في تَوثِيقِ راوٍ أو جَرحِه. فوَضَعَ العلماءُ لذلك ضَوَابِطَ كُلِّيَّةً، قد يتخلَّف بَعضُها بسَبَب القَرائِن التي تَظهَرُ للنَّاقد. فإذا نَظَرتَ إلى كُتب العُلَماء، كأَصحاب الصِّحاح والسُّنَن والمسانِيد، وجدتَها خاليةً من رِواياتِ أبي حنيفة، إلَّا بقدرٍ ضئيلٍ جدًّا، حتى أنَّنِي لا أذكر أنَّ أحمَد، مع اتِّساع مُسنده، روى لأبي حنيفة حديثًا، إلَّا حدِثيًا واحدًا - ولم يُسمِّه -، بل قال فيه: "أبو فُلان"، فاستفهمه ولَدُهُ: أهو أبو حنيفة؟ قال: "نعم". فعُلماء الجَرح والتَّعديل مُختلِفون في شأن أبي حنيفة ﵀. فهُناك مَن وَثَّقه بإطلاقٍ، وهُناكَ مَن جَرَحَهُ بإطلاقٍ، وهُناك مَن تَوسَّط في أمره.

стр. 1093

فالقَاعِدَةُ قاضِيَةٌ بـ "تقديم الجَرح على التَّعديل إذا كان مُفسَّرًا"، وجَرْحُ العُلماء أبا حَنِيفَة مُفَسَّرٌ بأنَّهُ سيِّءُ الحفظ. ولا نَستَثنِي من هذه القاعدةِ أحدًا، كائنًا مَن كان. ولا يَضُرُّ أبا حَنِيفَة ﵀ ألَّا يَكُونَ حافظًا، فعِندَنا مثلًا حفصُ بن سُليمَان الأَسَدِيُّ، وهو رَاوِي القِراءَةِ الشَّهِيرَة عن عاصِمٍ، فقد حَكَم العُلماءُ بأنَّهُ مترُوكُ الحديثِ، مع إِطبَاقِهِم على إِمَامَتِه في القِراءَة. وكذلك الأَعمَشُ، أَطبَقُوا على أنَّهُ ثقةٌ ثبتٌ في الحديث، وجَعَلُوا قِراءَتَه في عِدادِ الشَّاذِّ. وهكذا، فليَكُن أبو حَنِيفَة من هذا الضَّرب، فشَيخُهُ حمَّادُ بن أبي سُلَيمان تَكَلَّم العُلماء في حِفظِه، مع اعتِرَافِهم بفِقهِهِ. وكذلك ابنُ أبي لَيلَى وشَرِيكٌ، كانا من الفُقَهاء المَشهُورين، مع سُوء حِفظِهم. فلا أَدرِي: لِمَ أقامَ الحَنَفِيَّةُ الدُّنيا ولم يُقعِدُوها لمَّا تَكلَّم المُحَدِّثُون في حفظ أبي حَنِيفَة، وصَيَّرُوهم جميعًا مُتَحامِلِين، لا يَصُدُّهم وَرَعٌ، ولا يَمنَعُهُم خوفٌ من الله أن يَفتَرُوا على الإمام الأَعظَم، ويَنسِبُون إليه ما هُو منه براءٌ؟! نسألُ الله تعالَى أن يَرزُقَنا الإنصافَ والعَدلَ، في الغَضَب والرِّضا، إنَّه وليُّ ذلك ومَولَاه. والله أعلم.

стр. 1094

٢٩٠ - سُئلتُ عن حديث: "مَا أُخِذَ بِسَيفِ الحَيَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ لا أصل له، ومعناه باطلٌ. ويعارضه ما أخرَجَهُ البُخاريُّ في "صحيحه" (١٠/ ٥٢١) وغيرُه، عن ابن عُمَر، قال: مرَّ رسُول الله ﷺ على رجُلٍ، وهو يُعاتِب أخاه في الحياء، يقُول: "إِنَّك لتَستَحِي، - حتَّى كأنَّه يقولُ: - قد أَضَرَّ بك! "، فقال رسولُ الله ﷺ : "دَعهُ؛ فإنَّ الحياء من الإيمان". ففي هذا الحديث أنَّ الرَّجُلَ قال لأخيه: إنَّه قد وَقَع عليك ضَرَرٌ بسبب حيائك، فقد يُطلَبُ منه الشَّيءُ، وهو في شِدَّة الحاجة إليه، فلا يَسألُهُ سائلٌ إلَّا أعطَاهُ، مع شِدَّة حاجته، ومع ذلك فقد قال النَّبيُّ ﷺ كلامًا معناه: لا تُعاتِبهُ على ما فَاتَه بسبب حيائه؛ فإنَّ الحياء من الإيمان، فهذا مَدحٌ لصنيعه. واللهُ أعلَمُ. • قلتُ: ثمَّ استدركتُ، فقلتُ: يُحتَمَل أن يكُون لمعناه محملٌ مقبولٌ، مع تسليمِنا أنَّه لا يصحُّ بلفظِه عن النَّبيِّ ﷺ ، ويُنتَزَعُ هذا المَعنَى مِن قوله ﷺ : "لا يحِلُّ لامرئٍ مِن مالِ أخيه إلَّا ما أعطاهُ مِن طيب نفسٍ". وهو حديثٌ صحيحٌ، رواه جماعةٌ من الصَّحابَة، وهذا يَشمل الحياء وغيره. وانظُر "الإرواء" (١٤٥٩) لشيخنا الألبانيِّ ﵀.

стр. 1095

٢٩١ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ مِن شَرِّ النَّاسِ عِندَ اللهِ مَنزِلَةً يَومَ القِيَامَةِ الرَّجُلُ يُفضِي إِلَى المَرأَةِ، وَتُفضِي إِلَيهِ، ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّهَا". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "النِّكاح" (١٤٣٧/ ١٢٣)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١٠/ ٢٣٦ - ٢٣٧) عن ابن أبي شَيبة، وهذا في "المُصنَّف" (٤/ ٣٩١) قال: حدَّثَنا مَرْوانُ بنُ مُعاوِية، عن عُمَرَ بنِ حمزة العُمَرِيِّ، حدَّثَنا عبدُ الله بنُ سعدٍ، قال: سَمِعتُ أبا سعيدٍ الخُدرِيَّ، يقولُ: قال رسُول الله ﷺ : "إِنَّ مِن أشرِّ النَّاس عند الله منزلةً يوم القيامة، الرَّجلُ يُفضِي إلى امرأته، وتُفضِي إليه، ثم يَنشُر سِرَّها". لفظُ مُسلِمٍ. ووقع عند ابن أبي شيبة: "إِنَّ مِن شَرِّ النَّاس". وفي "الحِلية": "إِنَّ مِن شِرار النَّاس". كذا رواه ابنُ أبي شَيبَة، عن مَرْوان بن مُعاوِية. وأخرجه أحمد (٣/ ٦٩) قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ مُحمَّدٍ أبو إبراهيم المُعَقِّبُ .. وابنُ السُّنِّيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٦١٤) عن يحيى بن مَعِينٍ .. والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن" (٧/ ١٩٣ - ١٩٤)، وفي "الشُّعب" (٥٢٣١) عن الحَسَن بن مُحمَّد بن الصَّبَّاح الزَّعفَرَانِيِّ، قال ثَلَاثَتُهُم: ثنا مَرْوانُ بنُ

стр. 1096

مُعاوية بهذا الإسناد، بلفط: "إِنَّ مِن أعظم الأَمَانَة عِند الله يوم القِيامَة، الرَّجلُ يُفضِي إلى امرأته. . ." والباقي مثله. ووافق مَرْوانَ بنَ معاوية على ما هذا اللَّفظ: أبو أُسامة، فرواه عن عُمَرَ بن حمزة بسَنَده سواء. أخرَجَهُ مُسلِمٌ (١٤٣٧/ ١٢٤) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله بن نُميرٍ، وأبو كُريبٍ .. وأبو داوُد (٤٨٧٠) قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ العلاء، وإبراهيمُ بنُ مُوسَى الرَّازِيُّ .. وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١٠/ ٢٣٦) عن أبي عمران مُوسَى بن حِزَامٍ التِّرمذيِّ، قالوا: ثنا أبو أُسامة حمَّادُ بنُ أُسامَة بهذا الإسناد. وذَكَرَ الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٣/ ١٩٢) أنَّ هذا الحديث ممَّا استُنكِر على عُمَرَ بنِ حمزَة، فقد ضعَّفَه أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ. ولا أَدرِي وَجهَ النَّكارَة التي عَناهَا الذَّهَبيُّ، فمِن المَعلُوم أنَّ صَاحِبَي "الصَّحِيحَين" إذا رَوَوْا عن راوٍ مُتكَلَّمٌ فيه، فإِنَّهُم يَنتَقُون مِن حديثِه ما لم يُستَنكَر عليه، وهذا هو اللَّائِق بهما، وبمكانِهِما في العلم. واللهُ الموفِّق.

стр. 1097

٢٩٢ - سُئلتُ عن حديث: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَينِ، مَا لَم يَخُن أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٣٣٨٣) .. والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣١٦) عن أبي القاسم البَغَوِيِّ، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ سُليمان المِصِّيصِيُّ، المعروفُ بـ "لُوَينٍ"، قال: ثنا أبو همَّامٍ الأَهوَازِيُّ مُحمَّدُ بنُ الزِّبْرِقَان، عن أبي حَيَّان التَّيْمِيِّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَه، وزاد: "فَإِذَا خانَهُ، خرجتُ مِن بينِهِما". ونَقَل الخطيبُ عن لُوينٍ، أنَّهُ قال: "لَم يُسنِده أحدٌ إلَّا أبو همَّامٍ، وهو ثبتٌ". • قلتُ: وثَّقَهُ ابنُ المَدِينِيِّ والدَّارَقُطنِيُّ. وقال ابنُ مَعِينٍ والنَّسائِيُّ: "لا بأس به". وذَكَرَهُ ابن حِبَّان في "الثِّقات" (٧/ ٤٤١)، وقال: "رُبَّما أخطأ". وقال أبو زُرعة: "صالحٌ وَسَطٌ"، فهذا يدلُّ على أنَّهُ ليس من أهل الإِتقان. وقد خالَفَهُ جَريرُ بنُ عبد الحَمِيد وغيرُهُ، فرَوَوْهُ عن أبي حَيَّان، عن أبيه، مُرسَلًا. ذَكَرَه الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلَل (١١/ ٧)، وقال: "وهو الصَّواب".

стр. 1098

٢٩٣ - سُئلتُ عن حديث: دَخَلَ رسُول الله ﷺ المسجد، فمرَّ بمَجلِسَين، أحدُهُما يقرؤُون القُرآن، ويدعُون اللهَ، والأُخرى يتَعَلَّمُون، ويُعلِّمون، فقال النَّبيُّ ﷺ : "كُلٌّ على خيرٍ، هؤُلَاء يَقرَؤُون القُرآن، ويدعُون الله، فإن شاء أَعطَاهُم، وإن شاء مَنَعَهُم، وهؤُلاء يَتَعلَّمُون، ويُعلِّمُون، وإِنَّما بُعِثتُ مُعلِّمًا"، فجلس مَعَهُم. • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه ابنُ ماجَهْ (٢٢٩) قال: حدَّثَنا بِشرُ بن هلالٍ الصَّوَّافُ، ثنا داوُد بن الزِّبْرِقَان، عن بَكر بن خُنَيسٍ، عن عبد الرَّحمن بن زيادٍ، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عَمْرٍو فذكره. وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وداوُدُ بن الزِّبْرِقَان متروكٌ. وبَكر بن خُنَيسٍ ضعيفٌ. ولكن تابعه أبو يُوسُف القاضي، فرواه عن عبد الرَّحمن بن زيادٍ بهذا الإسناد. أخرجه الخطيبُ في "الفقيه والمتفقِّه" (٣٤). • قلتُ: هكذا رواه بَكرُ بن خُنَيسٍ، وأبو يُوسُف القاضي، عن عبد الرحمن بن زيادٍ.

стр. 1099

وخالَفَهُما جماعةٌ من الثِّقات، فرَوَوهُ عن عبد الرَّحمن بن زيادٍ، عن عبد الرَّحمن بن رافعٍ، عن عبد الله بن عَمْرٍو فذَكَرَه. أخرَجَهُ الدَّارِميُّ (٣٦١)، والطَّبَرانيُّ في "مُعجَمه"، ومن طريقه الشَّجَرِيُّ في "الأمالي" (١/ ٤٣) عن عبد الله بن يزيد المُقرِئِ .. والطَّيَالِسِيُّ في "مُسنَده" (٢٢٥١)، والخطيبُ في "الفقيه والمُتفقِّه" (٣١، ٣٢، ٣٣) عن ابن المُبارَك، وهو في "الزُّهد" (١٣٨٨) .. وابنُ عبد البَرِّ في "جامع العِلم" (٢٤٢) عن ابن وهبٍ .. والطَّبَرانيُّ، ومِن طريقه الشَّجَرِيُّ (١/ ٤٣) عن زُهير بن مُعاوية، قال أربَعَتُهُم: ثنا عبد الرَّحمن بن زيادٍ بهذا. وذكر الخطيب في "الفقيه" (١/ ٩٠) أنَّ جعفر بن عَوْن رواه أيضًا عن عبد الرَّحمن بن زيادٍ الأَفرِيقِيِّ. فهؤلاء خمسةٌ من الثِّقات، خالَفُوا بَكرَ بن خُنَيسٍ، وأبا يُوسُف القاضي. ورِوَايَتُهُم أولى. ولكنَّ الإسنادَ ضعيفٌ على أيِّ حالٍ؛ لضعف الأَفرِيقِيِّ، وعبدِ الرَّحمن بن رافع. وضعَّفَهُ العِراقي في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ١١). والله أعلم.

стр. 1100

٢٩٤ - سُئلتُ عن حديث: "الأَروَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، مَا تَعَارَفَ مِنهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنهَا اختَلَفَ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "البِرِّ والصِّلة" (٢٦٣٨/ ١٥٩) عن عبد العزيز بن مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيِّ .. والبُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٩٠١) عن سُليمان بن بلالٍ .. وأحمدُ (٢/ ٢٩٥، ٥٢٧)، وابنُ حِبَّان (٦١٦٨) عن حمَّاد بن سَلَمة .. وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (١٠٢)، وابنُ جُميعٍ في "المُعجَم" (ص ٣٤٧)، والخطيبُ (٣/ ٣٢٩) عن شُعبَة .. وابنُ نُجيدٍ في "أحاديثه" (ق ٥/ ١)، وابنُ المُقرِئ في "مُعجَمه" (٦٦٣) عن رَوْح بن القاسم .. وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٤) عن مُحمَّد بن جعفر، وسُليمان بن بلالٍ، كُلُّهُم عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا. وتابَعَهُم مُوسَى بنُ يعقوب الزَّمْعِيُّ، فرواه عن سُهيل بن أبي صالحٍ بهذا الإسناد، بلفظ: "الأرواح جُنُودٌ مُجَنَّدةٌ، تطوفُ باللَّيل". . . الحديث. أخرَجَهُ أبو الشَّيخ في "الأمثال" (١٠٩)، والخطيبُ (٤/ ٣٥٢). وهو حديث مُنكَرٌ بزيادة: "تطُوف باللَّيل"؛ والزَّمْعِيُّ ضعيفٌ.

стр. 1101

وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٦٣٨/ ١٦٠)، وأبو داوُد (٤٨٣٤)، وأحمدُ (٢/ ٥٣٩)، والحُميدِيُّ (١٠٤٦) من طريق يزيد بن الأصمِّ، عن أبي هُريرَة، مع زيادةٍ في متنه. وأخرَجَهُ ابنُ حِبَّان في "المجرُوحين" (٢/ ٩٧) بسندٍ واهٍ، عن ابن سِيرِين، عن أبي هُريرَة مرفوعًا. وفي الباب عن عائشة مرفُوعًا مثله. أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الأنبياء" (٦/ ٣٦٩) معلقًا، وَوَصَلَهُ في "الأدب المُفرَد" (٩٠٠)، وابنُ الأعرابيِّ في "المُعجَم" (٢٢٩)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٩٠٣٩) عن عبد الله بن صالحٍ كاتبِ اللَّيث، عن اللَّيث بن سعدٍ، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ، عن عَمرة بنتِ عبد الرَّحمن، عن عائشة مرفُوعًا. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "الأنبياء" (٦/ ٣٦٩) معلقًا، وَوَصَلَهُ في "الأدب المُفرَد" (٩٠٠) .. وأبو يَعلَى (٤٣٨١)، وعنه أبو الشَّيخ في "الأمثال" (١٠٠)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٦٧١) قال: حدَّثَنا يحيى بنُ مَعِينٍ، قالا: ثنا سعيدُ بنُ الحَكَم بن أبي مريمَ، ثنا يحيى بن أيُّوب، عن يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ بهذا الإسناد. وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٩٠٣٧) عن إبراهيم بن الحُسَين، قال: نا سعيد بن أبي مريمَ بهذا الإسناد. وله طريقٌ آخرُ عن عائشة ..

стр. 1102

أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢٩٩) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن أحمد بن عيسى أبو الطَّيِّب، ثنا ابنُ أخي ابن وهبٍ، ثنا عَمِّي، عن يُونُس بن يزيد، عن الزُّهريِّ، عن أبيه، عن عائشة مرفُوعًا مثلَه. وشيخُ ابن عَدِيٍّ كان يَضَعُ الحديثَ، وقد سَرَقَ هذا الحديثَ، وأَلزَقَهُ على ابن أخي ابن وهبٍ، قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا حديثُ عبد الله بن هلالٍ الأزديِّ المِصرِيِّ، عن ابن وهبٍ"، ثم رواه من وجهين عنه، عن ابن وهبٍ. وقد رواه أيضًا ابنُ المُقرِئِ في "المُعجَم" (٤١٢) قال: حدَّثَنا أحمد بن مُحمَّد بن هلالٍ أبو جعفرٍ المُقرِئُ بمصرَ، حدَّثَني أبي، حدَّثَنا ابن وهبٍ بسَنَده سواء. قال ابنُ المُقرِئِ: "هذا حديث مُحمَّدِ بنِ هلالٍ، وهو أحد ثقات المِصرِيِّين". وفي الباب عن جماعةٍ من الصَّحابة، كابن مَسعُودٍ، وابن عُمَر، وسَلمان الفارسيِّ، وابن عبَّاسٍ، تَجِدُها عند أبي الشَّيخ في "الأمثال" (١٠١، ١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٦، ١٠٧، ١٠٨)، وابنِ عَدِيٍّ (٢/ ٤٤٧، و ٦/ ٢١٨٨)، وأبي نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٢٠٣)، والطَّبَرانيِّ في "الكبير" (٦١٦٩)، وفي "الأوسط" (١٥٧٧)، والبيهقيِّ في "الشُّعب" (٩٠٣٨)، وابنِ عساكر في "تاريخ دمشق" (٥/ ٤١٦، و ١٣/ ١٠٠، و ٢١/ ٤٣٧، و ٥٠/ ١٧٧، و ٥٣/ ٣٧٤).

стр. 1103

٢٩٥ - سُئلتُ عن حديثٍ: رواه أحمد عن طارق بن عبد الله المُحارِبِيِّ مرفُوعًا: "إذا صَلَّيتَ فَلَا تَبصُق عن يمينك، ولا بين يديك، وابصُق خَلفَك، وعن شِمالِك، إِنَّ كان فارغًا، وإلَّا فهكذا - ودَلك تحت قدميه -". قال أحمد: ولم يَقُل وكيعٌ ولا عبدُ الرَّزَّاق: "وابصُق خلفك". فما تفسير قولِه، وما فِقهُ هذه الزِّيادة؟ • قلتُ: اعلم أيُّها المُستَرشِد! أنَّ يحيى بنَ سعيدٍ القَطَّانَ رَوَى هذا الحديثَ عن سُفيان الثَّوْريِّ، عن منصورٍ، عن رِبعيِّ بن حِراشٍ، عن طارق بن عبد الله المُحَارِبِيِّ، باللَّفظ السَّابق، وفيه زيادة: "وابصُق خلفك". أخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ٣٩٦) .. والنَّسائيُّ في "الكُبرَى" (٨٠٥)، وفي "المُجتبَى" (٢/ ٥٢) قال: حدَّثَنا عُبيدُ الله بن سعيدٍ .. والتِّرمذيُّ (٥٧١) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن بَشَّارٍ .. وابنُ خُزَيمة (٨٧٦) قال: حدَّثَنا بُندارٌ، وأبو مُوسَى هو مُحمَّد بن المُثنَّى .. والحاكمُ (١/ ٢٥٦)، وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (٢/ ٤٤)،

стр. 1104

عن مُسدَّد بن مُسَرهَدٍ، قال خمستُهُم: ثنا يحيى بن سعيدٍ القَطَّان بهذا الإسناد. ولم تَقَع هذه الزِّيادةُ في رواية مُسدَّدٍ عند الحاكم. أمَّا ابنُ قانعٍ، فإنَّهُ أحال على سِياق حديث شُعبَة. ولم يَذكُر التِّرمذيُّ قولَه: "ولا بين يديك". وقد تفرَّد يحيى القَطَّان بهذه الزِّيادة، عن سُفيان. وقد رواه أصحاب الثَّوْريِّ، فلم يَذكُرُوها، كما نَبَّه على ذلك الإمام أحمدُ، عَقِب الحديث، فقال: "إنَّ وكيعًا، وعبد الرَّزَّاق لم يَروِيَاهَا". أمَّا رواية وكيعٍ .. فأخرَجَهَا ابنُ ماجَهْ (١٠٢١) قال: حدَّثنا أبو بكرٍ بنُ أبي شَيبَة، وهذا في "المُصنَّف" (٢/ ٣٦٤) .. وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (١٣٢٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ فُضيل أبو جعفرٍ البَزَّازُ - ثقةٌ -، قالا: ثنا وكيعُ بنُ الجَرَّاح، ثنا يحيى القَطَّانُ بهذا الإسناد، دون الزِّيادة. وكذلك رواه عبد الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (١٦٨٨)، ومِن طريقِهِ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٨١٦٥) عن سُفيان الثَّوْريِّ، دُون الزِّيادة. وأخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ٢٥٦) عن عُبيد الله الأَشجَعِيِّ .. والبَيهَقِيُّ (٢/ ٢٩٢) عن الحُسين بن حفصٍ، كلاهُما عن سُفيان الثَّوْريِّ بهذا الإسناد، دُون الزِّيادة.

стр. 1105

فهؤلاء أربعةٌ من أصحاب سُفيان الثَّوريِّ، وعلى رأسهم وكيع بن الجَرَّاح، يَرْوُون الحديث دُون الزِّيادة. وقد رواه أصحابُ مَنصُور بن المُعتَمِر، فلم يَذكُرُوها .. فأخرَجَهُ أبو داوُد (٢٧٨)، والطَّبَرانيُّ (٨١٦٨)، والطَّيَالِسِيُّ (١٢٧٥)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٣/ ١٥٥٥) عن أبي الأَحْوَص سلَّام بن سُليمٍ .. وأحمد (٦/ ٣٩٦)، والطَّيَالِسِيُّ (١٢٧٥)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ (٣/ ١٥٥٥)، وابنُ قانعٍ في "مُعجَمه" (٢/ ٤٤)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (٨١٦٦) عن شُعبة بن الحَجَّاج .. وأحمد أيضًا (٦/ ٣٩٦) قال: حدثنا عَبِيدَةُ بن حُميدٍ .. وابنُ خُزَيمَةَ (٨٧٧) عن جَريرِ بن عبد الحميد .. والطَّيَالِسِيُّ (١٢٧٥)، وأبو نُعيمٍ (٣/ ١٥٥٥)، وابن قَانعٍ (٢/ ٤٤) عن وَرقَاء بن عُمر .. والطَّيَالِسِيُّ أيضًا (١٢٧٥)، وأبو نُعيمٍ (٣/ ١٥٥٥)، والطَّبَرانيُّ (٨١٦٨) عن قيس بن الرَّبيع .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٣٣٠٧)، وفي "الكبير" (٨١٧٠) عن غيلان بن جريرٍ .. والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (٨١٦٧، ٨١٦٩، ٨١٧١، ٨١٧٢) عن زائدة بن قُدامة، والأعمش، ومُفَضَّل بن مُهَلهَل، وجعفر بن الحارث .. وفي "المُعجَم الصَّغير" (٢٢٢) عن مالك بن مِغْوَلٍ، كُلُّهُم، وهم اثنا

стр. 1106

عشر راويًا، عن مَنصُور بن المُعتَمِر بهذا الإسناد، دُون الزيادة. وقد ذَكَرَ أبو نُعيمٍ أنَّ عبد المَلِك بن عُميرٍ رواه عن رِبْعِيِّ بن حِراشٍ، عن طارق بن عبد الله المُحَارِبِيِّ. فقد يُقال: "إنَّ يحيى القَطَّانَ رئيسُ أصحاب الثَّوْريِّ، وهو من الثِّقات الأثبات، فلا مَانِع من قَبُول زِيادَتِه"، ولكن يَلُوح لي شُذُوذ هذه الزِّيادة؛ للأدلَّة التي ذَكَرتُها، مع اعتِرافنا بمكان يحيى القَطَّان من الحِفظ، وخُصُوصًا في سُفيان الثَّوْرِيِّ. والعلمُ عِند الله تعالَى.

стр. 1107

٢٩٦ - سُئلتُ عن حديث: "أَسوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً، الذي يَسرِقُ مِن صَلَاتِه"، قالوا: "كيف يَسرِقُ مِن صلاته؟ "، قال: "لا يُتِمُّ رُكُوعَهَا، وَلَا سُجُودَهَا". • قلتُ: هذا حديثٌ حسنٌ. قد ورد هذا الحديثُ من حديث أبي قتادة، وأبي هُريرَة، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ، وعبدِ الله بن المُغَفَّل ﵃ جَمِيعًا -. ١ - أمَّا حديثُ أبي قتادة. فأخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ (١/ ٢٤٧)، وأحمدُ (٥/ ٣١٠)، وابنُ خُزَيمَة (١/ ٣٣١ - ٣٣٢)، ومن طريقه ابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (١٥/ ٥٣)، وابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (٤٨٧)، والبَغَوِيُّ في "معجم الصحابة" (٤٣١)، والحاكمُ (١/ ٢٢٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٢٨٣)، وفي "الأوسط" (٨١٧٩)، والدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغَرائب" (٤٨٦٨) -، وفي "العِلل" (٨/ ١٥)، وابنُ المُنذِر في "الأوسَط" (٣/ ١٧٤)، والبَيهَقِيُّ (٢/ ٣٨٥ - ٣٨٦)، وفي "الشُّعَب" (٣١١٧)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٢/ ٧٥١)، والخطيبُ (٨/ ٢٢٧)، وابنُ عساكِر في "تاريخ دمشق" (١٧/ ٣٩) من طريق الحَكَم بن مُوسَى، ثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عبد الله

стр. 1108

ابن أبي قتادة، عن أبيه فذَكَرَه. قال البَغَوِيُّ: "لا أعلم حَدَّث بهذا الحديث، عن الأَوزَاعِيِّ، بهذا الإسناد، غيرَ الوليد". وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد": "غريبٌ مِن حديث يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عبد الله، عن أبيه. وغريبٌ مِن حديث الأوزاعِيِّ عنه. تفرَّد به: الحَكَمُ بنُ موسى، عن الوليد". وهذا إسنادٌ ظاهرُهُ الجَودَة، وليس كذلك؛ فإنَّهُ مُعَلٌّ بعنعنة الوليد بن مُسلِمٍ، فقد كان يُدَلِّسُ أقبحَ أنواع التَّدليس، وهو تدليسُ التَّسوِية، والذي يُلزِمُ المُدلِّسَ أن يُصَرِّح بالتَّحديث في كُلِّ طَبَقات السَّنَد. وقد صرَّح أبو حاتمٍ، وعليُّ بنُ المَدِينِيِّ، والدَّارَقُطنِيُّ، بتفرُّد الحَكَم بن مُوسَى، به .. فرَوَى الخطيبُ (٨/ ٢٢٧) عن عُثمانَ بن سَعِيدٍ الدَّارِمِيِّ، قال: قَدِم عليُّ بنُ المَدِينِيُّ بغدادَ، فحَدَّثَهُ الحَكَمُ بنُ مُوسَى بحديث أبي قَتَادَةَ: "إنَّ أَسوَأَ النَّاس سَرِقَةً. . ."، فقال له عَلِيٌّ: "لو غَيرُك حدَّثَ به كُنَّا نَصنَعُ به - يعني: لأنَّك ثِقةٌ -"، ولا يرويه غيرُ الحَكَم. انتهَى. وليس كما قالُوا .. فقد تابعه أبو جعفرٍ السُّوَيدِيُّ مُحمَّدُ بنُ النُّوْشَجَان .. أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٣١٠)، ومن طريقه ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (٤٨٧). وتابعه أيضًا سليمانُ بنُ أحمد الوَاسِطِيُّ، كما قال الطَّبرَانيُّ في "الأوسط".

стр. 1109

وقد خُولِف الوليدُ بنُ مُسلِمٍ في إسناده .. خالَفَهُ عبدُ الحميد بنُ أبي العِشرين، فرواه عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُريرَة فذَكَرَ مثلَه. أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (٤٨٧) .. وابنُ حِبَّان (١٨٨٨) قال: أخبرنا القطَّانُ بالرَّقَّة .. والحاكِمُ (١/ ٢٢٩)، وعنه البَيهَقِيُّ (٣/ ٣٨٦) عن عُبيد بن عبد الواحد .. وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢٣/ ٤١٠) عن إسحاق بن أبي حسَّان الأَنمَاطِيِّ .. والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٣١١٦) عن أبي عُثمان الأنبارِيِّ .. وابنُ عساكر في "تاريخ دِمَشقَ" (١٥/ ٥٤) عن مُحمَّد بن مُحمَّد بن سُليمان، قالوا: ثنا هِشَامُ بنُ عمَّارٍ، نا عبدُ الحميد بنُ أبي العِشرين بهذا. وهشامُ بنُ عمارٍ يضعف. ثُمَّ وَجدتُ له مُتابِعًا .. تابَعَهُ أبو الجَمَاهِرِ مُحمَّدُ بنُ عُثمانَ، قال: نا عبدُ الحَمِيد بنُ حَبِيب بن أبي العِشرِين بهذا الإسناد. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٤٦٦٥) قال: حدَّثَنا عبدُ الرحمن بنُ عَمرٍو أبو زُرعَةَ، قال: نا أبو الجَمَاهِرِ بهذا. وقال: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرَة، إلَّا ابنُ أبي العِشرِين". • قلتُ: وأبو زُرعَةَ الدِّمَشقِيُّ ثِقَةٌ ثَبتٌ.

стр. 1110

وأبو الجَمَاهِر من الثِّقاتِ الرُّفَعَاءِ. وابنُ أبي العِشرِين قال أبو زُرعَةَ الرَّازِيُّ: "ثِقَةٌ. حديثُهُ مُستقِيمٌ. وهو من المعدودين في أصحاب الأَوزَاعِيِّ". وكذلك وثَّقَهُ أحمدُ، وقال: "كان أبُو مُسْهِرٍ يَرضَاهُ"، وأبو حاتِمٍ، وقال ابنُ مَعِينٍ، والعِجلِيُّ: "لا بأس به". وقال هشامُ بنُ عَمَّارٍ: "أَوثَقُ أصحاب الأَوزَاعِيِّ كاتبُهُ عبدُ الحميد". ولَيَّنَهُ أبو حاتمٍ في روايةٍ، والنَّسَائِيُّ. وقال البُخَارِيُّ: "رُبَّمَا يُخالِفُ في حديثِهِ". وقال دُحَيمٌ - إمامُ أَهلِ الشَّام -: "عُمَرُ بنُ عبد الواحد ثِقَةٌ، أَصَحُّ حديثًا من ابنِ أبي العِشرِين بِكَثِيرٍ. وابنُ أبي العِشرِينَ ضعِيفٌ"، يعني: إذا قُورِنَ بعُمَرَ بنِ عَبدِ الواحد، لا أنَّهُ ضعيفٌ بإطلاقٍ؛ فإنَّهُ كان مُختَصًّا بالأَوزَاعِيِّ، حتَّى أنَّهُ لم يَروِ كَبِيرَ شيءٍ عن غيرِهِ، وكان كاتِبًا له، مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن كلام أبي زُرعَةَ، وهشام بن عَمَّارٍ، مِن أَنَّه مِن أَوثقِ النَّاس في الأَوزَاعِيِّ. فعِندِي أنَّ هَذَا الإسنادَ هو أَمثَلُ أسانيدِ هذا الحديثِ. أمَّا الحَاكِمُ، فصَحَّحَ الإِسنَادَينِ جميعًا، وفي كَلَامِهِ نَظَرٌ؛ كيفَ وقد اختُلِفَ على الأَوزَاعِيِّ عَنهُ؟ أمَّا أبو حاتِمٍ الرَّازِي، فعلَى النَّقِيضِ تمَامًا، إِذ قَالَ: "إنَّ الطَّرِيقَين جميعًا مُنكَران، ليس لواحدٍ منهما معنًى"، قال له ابنه: "لِمَ؟ "، قال: "لأنَّ حديثَ ابنِ أبي العِشرين لَم يَروِه أحدٌ سواه. وكان الوَليدُ صنَّف "كتاب الصَّلاة" وليس فيه هذا الحديث". وإعلالُ الحديث بأنَّه لا يُوجَد في كُتُب الرَّاوِي وقع في كلام الأئمَّة

стр. 1111

القُدامَى، كأحمد، وابن مَعِينٍ، وأبي حاتمٍ، وأبي زُرعَةَ، في مواضع من كُتُب العلل، ولكن لا ينبغي أن نجعَلَها جادَّةً مطرُوقَةً؛ لأنَّ الرَّاوِي إذا صنَّف كتابًا يضعُ فيه أحاديثَه، فلا يذكُرُها كُلَّها بداهةً، فانظُر إلى كُتب وَكِيعٍ، وابنِ المُبارَك، وابن وَهبٍ، وأَضْرَابِهِم، تجِدُها خلت من جُلِّ الأحاديث المَروِيَّة عنهم في الصِّحاح والسُّنَن والمسانيد والمَعَاجِم، وغيرِها. وقد قال ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (٣٧٨): سمعتُ أبي، يقول: "سألتُ يحيى بن مَعِينٍ، وقلتُ له: حدَّثَنا أحمدُ بنُ حَنبلٍ بحديث إسحاقَ الأزرقِ، عن شَريكٍ، عن بيانَ، عن قيسٍ، عن المُغِيرَة بن شُعبة، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "أَبرِدُوا بالظُّهر". وذكرتُهُ للحَسَنِ بنِ شاذَانَ الوَاسِطِيِّ، فحدَّثَنا به. وحدَّثَنا أيضًا عن إسحاق، عن شَريكٍ، عن عُمَارةَ بن القَعقَاع، عن أبي زُرعَة، عن أبي هُريرَة، عن النَّبيِّ ﷺ بمثله. قال يحيى: ليس له أصلٌ؛ إنَّما نَظَرتُ في كتاب إسحاق، فليس فيه هذا"، قلتُ لأبي: "فما قولُك في حديث عُمارة بن القَعقَاع، عن أبي زُرعَة، عن أبي هُريرَة، عن النَّبيِّ ﷺ ، الذي أَنْكره يحيى؟ "، قال: "هو عِندي صحيحٌ، وحدَّثَنا أحمدُ بنُ حنبلٍ ﵀ بالحديثين جميعًا، عن إسحاق الأزرق"، قلتُ لأبي: "فما بالُ يحيى، نَظَر في كتاب إسحاق، فلم يجده؟ "، قال: "كيف؟! نَظَر في كُتُبِه كُلِّها؟! إنَّما نظر في بعضٍ، ورُبَّما كان موضعٌ آخرُ" ا. هـ. ٢ - أمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ. فأخرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ في "مُسنَده" (٢٢١٩)، ومِن طريقه ابنُ عبد البَرِّ

стр. 1112

في "التَّمهيد" (٢٣/ ٤٠٩)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٣١١٨) .. وأحمدُ (٣/ ٥٦)، وابنُ أبي شيبة (١/ ٢٨٨)، وأبو يَعلَى (١٣١١) عن عفَّانَ بن مُسلِمٍ .. وعَبدُ بن حُميدٍ في "المُنتخَب" (٩٩٠) قال: حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ مُوسَى .. والبَزَّارُ (٥٣٦) عن يزيد بن هارون .. وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٤٣) عن إبراهيم بن الحَجَّاج .. وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٣٠٢) عن بِشر بن السَّرِيِّ، قالُوا: ثنا حمَّادُ بنُ سَلَمة، أخبَرَنا عليُّ بنُ زيدِ بنِ جُدعَان، عن سعيد بن المُسَيَّب، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ فذَكَرَ مثله. قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُه عن أبي سعيدٍ إلَّا مِن هذا الوجه". وقال أبو نُعيمٍ: "تفرَّد به عليُّ بنُ زيدٍ - وهو ابن جُدعان -، عن سعيدٍ، وعنه حمَّادٌ". وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ وسائرُ النُّقَّاد يُضَعِّفون عليَّ بنَ زيد بن جُدعان، والقليلُ مِنهُم يُمَشِّي حالَه، ولم يَروِ له مُسلِمٌ إلَّا حديثًا واحدًا في "الجهاد" (١٧٨٩/ ١٠٠) مقرُونًا بثابتٍ البُنَانِيِّ، ولا يُحتَمَل تفرُّد عليِّ بنِ زيدٍ بهذا الحديث عن مِثل سعيد بن المُسيَّب. وعلى كُلِّ حالٍ، فرِواية حمَّاد بن سَلَمة، عن عليِّ بن زيدٍ، أَمثَلُ مِن غيرها. ٣ - أمَّا حديثُ أبي هُريرَة. فقد تقدَّم طريقٌ له في حديث أبي قتادة.

стр. 1113

وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "مُسنَد الشَّامِيِّين" (٢٣٤٧) من طريق إسحاق بن رَاهَوَيْهِ - وهذا في "مُسنَده" (٣٩١) أنا كُلثُومُ بنُ مُحمَّد بن أبي سِدرَة، ثنا عطاءٌ الخُرَاسانِيُّ، عن أبي هُريرَة مثله. وهذا إسنادٌ واهٍ؛ وكُلثومُ ضعيفٌ، قال أبو حاتمٍ: "يَتكلَّمون فيه"، وترجَمَه ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٠٩)، وقال: "يُحدِّث عن عطاءٍ الخُرَاسانِيِّ بمراسيلَ وغيرِه، بما لا يُتابَع عليه". وعطاءٌ الخُرَاسَانِيُّ لم يَسمَع من أبي هُريرَة، وسُئل ابنُ مَعِينٍ - كما في "مراسيل ابن أبي حاتمٍ" (ص ١٥٧) -: "لقي عطاءٌ الخُرَاسانِيُّ أحدًا مِن أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؟ "، قال: "لا أعلمُهُ". وله طريقٌ آخَرُ. أخرَجَه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٣١١٥) عن زائدة بن قُدامَة .. والأصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (١٨٨٩) عن هُشيم بن بَشيرٍ، كلاهُما عن يحيَى بن عُبيد الله، قال: سمعتُ أبي، يقول: سمعتُ أبا هُريرَة ﵁، يقول: ذُكِرَت السَّرِقة عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أيَّ السَّرِقة تَعُدُّون أقبَحَ؟ "، قالوا: "الرَّجُلُ يَسرِقُ مِن أخيه"، فقال: "إنَّ أقبَحَ السَّرِقة الذي يَسرِقُ صلاتَهُ"، قالوا: "كَيف يَسرقُ أحَدُنا صلاتَهُ؟! "، قال: "لا يُتِمُّ رُكُوعَها، ولا سُجُودَها، ولا خُشُوعَهَا". وسَنَدُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ ويَحيَى بنُ عُبيد الله مُنكَرُ الحديث. وقال أحمدُ والجُوْزْجانِيُّ: "أبُوهُ لا يُعرَف". وخالَفَهُما ابنُ حِبَّان، فقال في يحيى: "يَروِي عن أبيه مالا أصل له.

стр. 1114

وأبوه ثقةٌ"، وقال الحاكمُ: "رَوَى عن أبيه عن أبي هُريرَة بِنُسخَةٍ أكثَرُها مَنَاكيرُ". ٤ - وأمَّا حديثُ عبد الله بن المُغَفَّل. فأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٢٣٩٢)، وفي "الصَّغير" (٣٣٥) قال: حدَّثَنا جعفرُ بنُ مَعدانَ الأَهوَازِيُّ، ثنا زَيدُ بنُ الحَرِيشِ، ثنا عُثمانُ بن الهيثم، ثنا عوفٌ، عن الحَسَن، عن عبد الله بن المُغَفَّل مرفُوعًا: "إنَّ أَسرَق النَّاسِ مَن سَرَقَ صلاتَه … - الحديث، وفيه: - … وأبخلُ النَّاسِ مَن بَخِلَ بالسَّلام". قال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن عبد الله إلَّا الحَسَنُ، ولا عن الحَسَن إلَّا عوفٌ، ولا عن عوفٍ إلَّا عُثمانُ. تفرَّد به زيدٌ". وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ وشيخُ الطَّبَرانيِّ لم أَجِد له ترجمةً، وأَقَلَّ عنه الطَّبَرَانِيُّ جِدًّا. وزيدُ بن الحَرِيش ذَكَرَه ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٢٥١)، وقال: "رُبَّما أخطأ"، وقال ابنُ القَطَّان: "مجهولُ الحال"، وقد عَلِمتَ أنَّه تفرَّد بالحديث. ثُمَّ الحَسَنُ البصريُّ لم يُصَرِّح بتحديثٍ. والله أعلمُ. وأَولَى مِنهُ ما: أَخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَة (١/ ٢٨٩) قال: حدَّثَنَا هُشَيمٌ، قال: أنا يُونُسُ، عن الحَسَن، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أَسوَأَ النَّاس سَرِقَةً … الحديث".

стр. 1115

وهذا مُرسَلٌ صحيحُ الإسناد، وهو أولَى مِن رِوايَةِ الحَسَن، عن عبدِ الله بن المُغَفَّلِ ﵁؛ غيرَ أنَّ مَرَاسِيلَ الحَسَن شِبهُ الرِّيح. أمَّا المُنذِرِيُّ فجوَّد إسنادَ حديثِ ابنِ مُغَفَّلٍ، كما في "التَّرغيب" (١/ ٣٣٥)، وليس بجيِّدٍ. وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَعِ" (٢/ ١٢٠): "رجالُه ثقاتٌ"، وليس فيه تَقويَةٌ للإسناد، كما هو مَعلُومٌ. وقد رَوَى مالكٌ في "المُوطَّإِ" (١/ ١٦٧/ ٧٢)، ومِن طريقِهِ الشَّافِعِيُّ في "المُسنَد" (٢٩٢)، والبَيهَقِيُّ (٨/ ٢٠٩ - ٢١٠)، وابنُ عبد البَرِّ في "جامع العِلم" (٧٦٥) عن يحيى بن سعيدٍ، عن النُّعمان بن مُرَّة، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ما تَرَونَ في الشَّارِب، والسَّارِق، والزَّانِي؟ "، وذلك قبل أن يُنزَل فيهم، قالوا: "اللهُ ورسولُهُ أعلمُ"، قال: "هُنَّ فواحشُ، وفيهن عُقُوبةٌ، وأسوأُ السَّرقة الذي يَسرِق صلاتَه"، قالوا: "وكيف يَسرِق صلاتَه يا رسُول الله؟ "، قال: "لا يُتِمُّ ركُوعَها، ولا سُجُودَها". وتابَعَهُ سُفيانُ بن عُيَينة، فرواه عن يحيى بن سعيدٍ الأَنصَارِيِّ بهذا الإسناد مِثلَه. أخرجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٢/ ٣٧١/ ٣٧٤٠). وهذا مُرسَلٌ صحيحُ الإسناد، فإذا انضَمَّ إلى حَدِيثِ أبي هُرَيرَة، صَحَّ به الحديثُ. والحمدُ لله. وحديثُ أبي سعيدٍ قرِيبُ الضَّعفِ، ولذلك قال ابنُ عبدِ البَرِّ في

стр. 1116

"التَّمهيد" (٢٣/ ٤٠٩): "هو حديثٌ صحيحٌ، يَستَنِدُ من وُجُوهٍ، من حديث أبي هُريرَة، وأبي سَعِيدٍ" ا. هـ. وكنتُ ضعَّفتُ الحديثَ عندما كتبتُ هذا البحثَ في "مَجَلَّةِ التَّوحيد"، فليُضرَب على ما هُنَالك. والحمدُ لله تعَالَى.

стр. 1117

٢٩٧ - سُئلتُ عن حديث: "مَثَلُ المُؤمِنِ كَمَثَلِ خَامَةِ الزَّرعِ، تُمِيلُهَا الرِّيحُ. وَلَا يَزَالُ المُؤمِنُ يُصِيبُهُ البَلَاءُ. وَمَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ شَجَرَةِ الأَرْزِ، لَا تَهتَزُ حَتَّى تُستَحصَدَ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ (١٠/ ١٠٣، و ١٣/ ٤٤٦)، ومُسلِمٌ (٢٨٠٩/ ٥٨)، والتِّرمِذِيُّ (٢٨٦٦)، وأحمدُ (٢/ ٢٣٤، ٢٨٣ - ٢٨٤، ٥٢٣)، وابنُ حِبَّان (ج ٧/ رقم ٢٩١٥)، وعبدُ الرَّزَّاق (ج ١١/ رقم ٢٠٣٠٧)، وابنُ أبي شَيبَة (١١/ ٢٠، ٢١، و ١٣/ ٢٥٢)، وفي "الإيمان" (٨٦)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٧/ رقم ٩٧٧٨)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٥/ ٢٤٧) مِن طُرُقٍ عن أبي هُريرَة ﵁. وله شاهدٌ مِن حديث كعب بن مالكٍ مرفُوعًا: "المُؤمِنُ كَمَثَلِ خامة الزَّرع، تُفِيئُها الرِّيح، تَصرَعُها مرَّةً، وتَعدِلُها أُخرَى حتى تَهِيج. ومَثَلُ الكافر كمثل الأَرْزَةِ المُجدِبَةِ على أُصولها، لا يُفِيئُها شيءٌ، حتَّى يكونَ انجِعَافُها مرَّةً واحدةً". أخرَجَهُ البُخاريُّ (١٠/ ١٠٣)، ومُسلِمٌ (٢٨١٠/ ٥٩ - ٦٢)، وأحمدُ (٣/ ٤٥٤، ٦/ ٣٨٦)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٣١٠)، وابنُ أبي شَيبَة (١١/ ٢١، و ١٣/ ٢٥٢)، وفي "الإيمان" (٨٧)، والرُّويَانِيُّ في "مُسنَده"

стр. 1118

(ج ٣٢/ ق ٢٤٥/ ١)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ١٨٣، ١٨٤، ١٨٥)، والرَّامَهُرمُزِيُّ في "الأمثال" (٣٧)، وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (٣١٥) وغيرُهم. وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٣٤٩، ٣٨٧، ٣٩٤)، والبَزَّار (٤٦، ٤٧)، وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (٣٤٠) من طُرُقٍ عن جابر بن عبد الله ﵄ نحوَه. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٣/ ٢/ ٤)، وأبو يَعلَى (٣٠٨٠، ٣٢٨٦)، والبَزَّارُ (٤٨)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ١٠٧١، و ٦/ ٢٤٣٢)، وأبو الشَّيخ (٣٤١)، والرَّامَهُرمُزِيُّ (٣٨)، كِلاهما في "الأمثال"، مِن حديث أنَسٍ ﵁ بنحوِه. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1119

٢٩٨ - سُئلتُ عن حديث: "أَبخَلُ النَّاسِ مَن بَخِلَ بِالسَّلَامِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ، مُعلٌّ بالوقف. أخرَجَهُ ابنُ نُجيدٍ في "أحاديثه" (ق ٤/ ١)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٦/ ٤٢٩/ ٨٧٦٧) عن أحمد بن داود السِّمْنَانِيِّ .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٥٩١)، وفي "الدُّعاء" (٦٠)، وعبد الغَنِيِّ المَقدِسِيُّ في "الدُّعاء" (٢٠) عن مُحمَّد بن عبد الله الحَضرَمِيِّ .. وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (٢٤٧) قال: حدَّثَنا عبدانُ، قال ثلاثتهم: ثنا مَسرُوقُ بنُ المَرزُبَان، ثنا حفصُ بنُ غِيَاثٍ، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عُثمان النَّهدِيِّ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "أَعجَزُ النَّاس مَن عَجَز في الدُّعاء، وأبخلُ النَّاس من بَخِل بالسَّلام". قال الطَّبَرانيُّ: "لَم يَروِ هذا الحديثَ عن عاصمٍ إلَّا حفصٌ، تفرَّد به مسروقٌ، ولا يُروَى عن رسول الله ﷺ إلَّا بهذا الإسناد". وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ ومسروقُ بنُ المَرزُبَان، قال أبو حاتمٍ: "ليس بقويٍّ. يُكتَبُ حديثُه"، يعني في المُتابَعات، وقد عَلِمتَ أنَّهُ تفرَّد به، فلا يَنفَعُه توثيقُ ابنِ حِبَّان، ولا قولُ الذَّهبيِّ: "صدوقٌ"، وقد صرَّح الذَّهبيُّ في "الميزان" أنَّ تفرُّد الصَّدُوق يُعَدُّ مُنكَرًا. فقولُ المُنذِرِيِّ في "التَّرغيب" (٣/ ٤٢٠): "إسنادٌ جيِّدٌ قويٌّ"، ليس بجيِّدٍ ولا قويٍّ.

стр. 1120

وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ البُخاريَّ رواه في "الأدب المُفرَد" (١٠٤٢) عن عليِّ بن مُسهِر .. وأبو يَعلَى (٦٦٤٩ مكرر)، وعنه ابنُ حِبَّان (١٩٣٩ - موارد) عن إسماعيل بن زكريَّا، كلاهُما، عن عاصمٍ الأحول، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن أبي هُريرَة، قال: … فذَكَرَه موقُوفًا. وهذا أولى بالصَّواب، قال الحافظ في "الفتح" (٩/ ٥٦٥): "هذا موقوفٌ صحيحٌ عن أبي هُريرَة". (تنبيهٌ) قال الشَّيخ فضلُ الله الجِيلَانِيُّ في "فضل الله الصَّمَد" (٢/ ٤٨٨): "أبو عُثمان الرَّاوِي عن أبي هُريرَة اثنان، الأوَّل: مُسلِمٌ الطُّنْبُذِيُّ، والآخرُ: عبدُ الرَّحمن بنُ مَلٍّ النَّهْدِيُّ، والأقرَبُ مِنهُما هو الطُّنْبُذِيُّ". كذا قال! وليس بغريبٍ مِنهُ، والصَّوابُ أنَّهُ النَّهْدِيُّ بلا تَرَدُّدٍ.

стр. 1121

٢٩٩ - سُئلتُ عن حديث: "يَكُونُ عَلَيكُم أُمَرَاءُ مِن بَعدِي، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، فَهِيَ لَكُم وَهِي عَلَيهِم، فَصَلُّوا مَعَهُم مَا صَلَّوْا إِلَى القِبلَةِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٤٣٤)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٧/ ٥٦) .. وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (٢/ ٣٤٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عيسى بن السَّكَن .. وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (ص ٢٣٣٤) عن أبي مُسلِمٍ الكَشِّيِّ، ويحيى بن مُطَرِّفٍ، قال خمستهُم: ثنا أبو الوليد الطَّيَالِسِيُّ، ثنا أبو هاشمٍ الزَّعفَرَانِيُّ، ثنا صالحُ بنُ عُبيدٍ، عن قَبيصةَ بن وقَّاصٍ مرفوعًا. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٤/ ١/ ١٧٣) قال: قال أبو الوليد هشامُ بنُ عبد الملك - هو الطَّيَالِسيُّ - بهذا الإسناد. ثُمَّ أخرَجَهُ عن رَوْح بن عُبادة، قال: نا عمَّارٌ بهذا الإسناد. قلتُ: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ وصالحُ بنُ عُبيدٍ وثَّقَه ابنُ حِبَّان، ولكن قال ابنُ القَطَّان: "لا نَعرِف حالَه أصلًا" ولم يُتابِعه أحدٌ وقفتُ عليه. وأبو هاشمٍ الزَّعفَرَانيُّ، هو عمَّارُ بنُ عُمارة، وثَّقه ابنُ مَعِينٍ، وابنُ حِبَّان، ونَقَل الفَسَوِيُّ توثيقَه في "المعرفة" (٢/ ٦٦٩)، وقال أبو حاتمٍ: "صالحٌ، ما أرَى بحديثه بأسًا"، وقال البُخاريُّ: "فيه نَظَرٌ". واللهُ أعلمُ.

стр. 1122

٣٠٠ - سُئلتُ عن حديث: "مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إِلَى بَكرِ بنِ وَائِلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا". • قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ. أخرَجَهُ أبو يَعلَى (٢٩٤٧)، والبَزَّارُ (١٦٧٠) .. وابنُ حِبَّان (ج ١٤/ رقم ٦٥٥٨)، والطَّبَرانيُّ في "الصَّغير" (٣٠٧) قالا: حدَّثَنا بَكرُ بنُ أحمد بن سعيدٍ الطَّاحِيُّ .. وأبو الفضل الزُّهريُّ في "حديثِهِ" (ج ٣/ ق ٦٤/ ١) قال: حدَّثَنا أبو عُمَر عُبيدُ الله بنُ عُثمان بن عبد الله العُثمَانِيُّ .. وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (١٦٢٩)، قالوا: ثنا نَصرُ بنُ عليٍّ، ثنا نُوحُ بنُ قيسٍ، عن أخيه خالد بن قيسٍ، عن قتادة، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى بكر بن وائلٍ: "مِن مُحمَّدٍ رسُولِ الله إلى بكر بن وائلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا"، - قال: - فما وَجَدُوا مَن يقرؤُهُ لَهُم إلَّا رجلًا من بني ضُبَيعَة، فهم يُسَمَّون بني الكاتب. قال البزَّارُ: "لا نَعلَمُه بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد". وقال الطَّبَرانِيُّ: "لَم يَروِه عن قتادة إلَّا خالد بن قيسٍ". وخالدٌ ونوحٌ كِلاهما صَدُوقٌ. وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٥/ ٣٠٥): "رواه أبو يَعلَى، والبَزَّارُ،

стр. 1123

والطَّبَرانيُّ في الصَّغير". قلتُ: وخالدُ بنُ قيسٍ وثَّقه ابنُ مَعِينٍ، والعِجِليُّ، وابنُ حِبَّان، وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "ليس به بأسٌ"، لكن قال الأَزدِيُّ: "روى عن قتادة مناكيرَ"، وهذا مِن روايَتِه عَنهُ. وقد خالَفَهُ شيبانُ بنُ عبد الرَّحمن، وهو أَوثَقُ مِنه، فرواه عن قتادة، عن مُضَارِب بن حَزْنٍ العِجليِّ، عن مَرثَدِ بنِ ظُبيَان، قال: جاءَنَا كتابٌ مِن رسُول الله ﷺ ، فما وجدنا له كاتبًا يقرؤُه، حتَّى قرأهُ رجلٌ من بني ضُبيعة: "مِن رسُول الله ﷺ ، إلى بكر بن وائلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا". أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٦٨)، ومِن طريقه ابنُ الأثير في "أُسد الغابة" (٥/ ١٣٦) قال: حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحمَّدٍ المُؤدِّبُ، وحُسينُ بنُ مُحمَّد بن بَهرامَ، قالا: ثنا شَيبانُ بهذا. ورواه سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن رجُلٍ من بني سُدُوسٍ، قال: كَتَب رسُول الله ﷺ إلى بكر بن وائل، قال قتادةُ: فما وَجَدُوا رجُلًا يقرؤُه … الخ. أخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (١/ ٢٨١) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ مُحمَّدٍ القُرَشِيُّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة به. وابن أبي عَرُوبة مِن الأثبات في قتادة، لكن الرَّاوِي عنه عليُّ بنُ مُحمَّد بن أبي الخَصِيبِ القُرَشِيُّ، أحدُ شُيوخ ابنِ ماجَهْ، ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٤٧٥)، وقال: "رُبَّما أخطأ"، وقال ابنُ أبي حاتمٍ: "محلُّه الصِّدقُ".

стр. 1124

وسعيد بن أبي عَرُوبة كان اختَلَط، والقُرَشِيُّ لَيسَ مِن قُدماء أصحابِه. نعم! وَجَدتُ له مُتابِعًا. فرواه عبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، قال: لقد حدَّث مَرثَدُ بنُ ظُبيَان أحدُ بني سُدُوس ﵁ فذَكَرَه كُلَّه، ولَم يَجعَل شيئًا من المتن مِن قول قتادة. أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (١٦٥٨) قال: حدَّثَنا يُوسُفُ بنُ حمَّادٍ، ثنا عبدُ الأعلى بهذا. وعبد الأعلى مِن قُدَماء أصحاب سعيدٍ، ولكن أرجَحُ الأقوال عِندي هو قول شَيبَانَ بنِ عبد الرَّحمن. وإسنادُهُ صالحٌ، ومُضَارِبُ بنُ حَزْنٍ وثَّقَه ابنُ حِبَّان، والعِجليُّ، ورَوَى عنه جماعةٌ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1125

٣٠١ - سُئلتُ عن حديث: "مَن كَذَّبَ بِالقَدَرِ، أَو خَاصَمَ فِيهِ، فَقَد كَفَرَ بِمَا جِئتُ بِهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ٤٥٥)، وأبو الفضل الزُّهرِيُّ في "حديثِهِ" (ج ٣/ ق ٦٥/ ٢) قالا: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن عبد العزيز هو أبو القاسم البَغَوِيُّ، قال: حدَّثَني أبو الجَهمِ العلاءُ بنُ مُوسى - وهذا في "جُزئه" (٨٩) -، قال: حدَّثَنا سوَّارُ بنُ مُصعَبٍ، عن كُليب بن وائلٍ، قال: سمعتُ ابنَ عُمَر، يقولُ: قال رسُول الله ﷺ فذَكَره. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وسوَّارُ بنُ مُصعبٍ واهٍ، لاسيَّما وقد قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا عن كُليبٍ، يرويه سوَّارُ بنُ مُصعَبٍ"، وهذا يعني أنَّهُ تفرَّد به. وقد تابعه سوَّارُ بنُ عبد الله بن قُدامة العَنبَرِيُّ قاضي البَصرَةِ، فرواه عن كُليبٍ بهذا. أخرَجَهُ العُقيليُّ (٢/ ١٧٠)، وقال: "قد رُوي في الإيمان بالقَدَر أَحادِيثُ صحاحٌ، وأمَّا هذا اللَّفظُ، فلا يُحفَظ إلَّا عن هذا الشَّيخ". وقد قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ في "لسان الميزان" (٣/ ١٢٧)، مُعَلِّقًا على رواية العُقيليِّ: "لعلَّه وَقَع في الرِّواية غيرَ منسوبٍ، ونَسَبَهُ بعضُهم،
следующие страницы →