← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

٢٩٩ - سُئلتُ عن حديث: "يَكُونُ عَلَيكُم أُمَرَاءُ مِن بَعدِي، يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ، فَهِيَ لَكُم وَهِي عَلَيهِم، فَصَلُّوا مَعَهُم مَا صَلَّوْا إِلَى القِبلَةِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو داوُد (٤٣٤)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٧/ ٥٦) .. وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (٢/ ٣٤٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عيسى بن السَّكَن .. وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (ص ٢٣٣٤) عن أبي مُسلِمٍ الكَشِّيِّ، ويحيى بن مُطَرِّفٍ، قال خمستهُم: ثنا أبو الوليد الطَّيَالِسِيُّ، ثنا أبو هاشمٍ الزَّعفَرَانِيُّ، ثنا صالحُ بنُ عُبيدٍ، عن قَبيصةَ بن وقَّاصٍ مرفوعًا. وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٤/ ١/ ١٧٣) قال: قال أبو الوليد هشامُ بنُ عبد الملك - هو الطَّيَالِسيُّ - بهذا الإسناد. ثُمَّ أخرَجَهُ عن رَوْح بن عُبادة، قال: نا عمَّارٌ بهذا الإسناد. قلتُ: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ وصالحُ بنُ عُبيدٍ وثَّقَه ابنُ حِبَّان، ولكن قال ابنُ القَطَّان: "لا نَعرِف حالَه أصلًا" ولم يُتابِعه أحدٌ وقفتُ عليه. وأبو هاشمٍ الزَّعفَرَانيُّ، هو عمَّارُ بنُ عُمارة، وثَّقه ابنُ مَعِينٍ، وابنُ حِبَّان، ونَقَل الفَسَوِيُّ توثيقَه في "المعرفة" (٢/ ٦٦٩)، وقال أبو حاتمٍ: "صالحٌ، ما أرَى بحديثه بأسًا"، وقال البُخاريُّ: "فيه نَظَرٌ". واللهُ أعلمُ.

стр. 1122

٣٠٠ - سُئلتُ عن حديث: "مِن مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللهِ، إِلَى بَكرِ بنِ وَائِلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا". • قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ. أخرَجَهُ أبو يَعلَى (٢٩٤٧)، والبَزَّارُ (١٦٧٠) .. وابنُ حِبَّان (ج ١٤/ رقم ٦٥٥٨)، والطَّبَرانيُّ في "الصَّغير" (٣٠٧) قالا: حدَّثَنا بَكرُ بنُ أحمد بن سعيدٍ الطَّاحِيُّ .. وأبو الفضل الزُّهريُّ في "حديثِهِ" (ج ٣/ ق ٦٤/ ١) قال: حدَّثَنا أبو عُمَر عُبيدُ الله بنُ عُثمان بن عبد الله العُثمَانِيُّ .. وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (١٦٢٩)، قالوا: ثنا نَصرُ بنُ عليٍّ، ثنا نُوحُ بنُ قيسٍ، عن أخيه خالد بن قيسٍ، عن قتادة، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَتَبَ إلى بكر بن وائلٍ: "مِن مُحمَّدٍ رسُولِ الله إلى بكر بن وائلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا"، - قال: - فما وَجَدُوا مَن يقرؤُهُ لَهُم إلَّا رجلًا من بني ضُبَيعَة، فهم يُسَمَّون بني الكاتب. قال البزَّارُ: "لا نَعلَمُه بهذا اللَّفظ إلَّا بهذا الإسناد". وقال الطَّبَرانِيُّ: "لَم يَروِه عن قتادة إلَّا خالد بن قيسٍ". وخالدٌ ونوحٌ كِلاهما صَدُوقٌ. وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٥/ ٣٠٥): "رواه أبو يَعلَى، والبَزَّارُ،

стр. 1123

والطَّبَرانيُّ في الصَّغير". قلتُ: وخالدُ بنُ قيسٍ وثَّقه ابنُ مَعِينٍ، والعِجِليُّ، وابنُ حِبَّان، وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "ليس به بأسٌ"، لكن قال الأَزدِيُّ: "روى عن قتادة مناكيرَ"، وهذا مِن روايَتِه عَنهُ. وقد خالَفَهُ شيبانُ بنُ عبد الرَّحمن، وهو أَوثَقُ مِنه، فرواه عن قتادة، عن مُضَارِب بن حَزْنٍ العِجليِّ، عن مَرثَدِ بنِ ظُبيَان، قال: جاءَنَا كتابٌ مِن رسُول الله ﷺ ، فما وجدنا له كاتبًا يقرؤُه، حتَّى قرأهُ رجلٌ من بني ضُبيعة: "مِن رسُول الله ﷺ ، إلى بكر بن وائلٍ: أَسلِمُوا تَسلَمُوا". أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٦٨)، ومِن طريقه ابنُ الأثير في "أُسد الغابة" (٥/ ١٣٦) قال: حدَّثنا يُونُسُ بنُ مُحمَّدٍ المُؤدِّبُ، وحُسينُ بنُ مُحمَّد بن بَهرامَ، قالا: ثنا شَيبانُ بهذا. ورواه سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن رجُلٍ من بني سُدُوسٍ، قال: كَتَب رسُول الله ﷺ إلى بكر بن وائل، قال قتادةُ: فما وَجَدُوا رجُلًا يقرؤُه … الخ. أخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (١/ ٢٨١) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ مُحمَّدٍ القُرَشِيُّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة به. وابن أبي عَرُوبة مِن الأثبات في قتادة، لكن الرَّاوِي عنه عليُّ بنُ مُحمَّد بن أبي الخَصِيبِ القُرَشِيُّ، أحدُ شُيوخ ابنِ ماجَهْ، ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٤٧٥)، وقال: "رُبَّما أخطأ"، وقال ابنُ أبي حاتمٍ: "محلُّه الصِّدقُ".

стр. 1124

وسعيد بن أبي عَرُوبة كان اختَلَط، والقُرَشِيُّ لَيسَ مِن قُدماء أصحابِه. نعم! وَجَدتُ له مُتابِعًا. فرواه عبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، قال: لقد حدَّث مَرثَدُ بنُ ظُبيَان أحدُ بني سُدُوس ﵁ فذَكَرَه كُلَّه، ولَم يَجعَل شيئًا من المتن مِن قول قتادة. أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (١٦٥٨) قال: حدَّثَنا يُوسُفُ بنُ حمَّادٍ، ثنا عبدُ الأعلى بهذا. وعبد الأعلى مِن قُدَماء أصحاب سعيدٍ، ولكن أرجَحُ الأقوال عِندي هو قول شَيبَانَ بنِ عبد الرَّحمن. وإسنادُهُ صالحٌ، ومُضَارِبُ بنُ حَزْنٍ وثَّقَه ابنُ حِبَّان، والعِجليُّ، ورَوَى عنه جماعةٌ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1125

٣٠١ - سُئلتُ عن حديث: "مَن كَذَّبَ بِالقَدَرِ، أَو خَاصَمَ فِيهِ، فَقَد كَفَرَ بِمَا جِئتُ بِهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ٤٥٥)، وأبو الفضل الزُّهرِيُّ في "حديثِهِ" (ج ٣/ ق ٦٥/ ٢) قالا: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن عبد العزيز هو أبو القاسم البَغَوِيُّ، قال: حدَّثَني أبو الجَهمِ العلاءُ بنُ مُوسى - وهذا في "جُزئه" (٨٩) -، قال: حدَّثَنا سوَّارُ بنُ مُصعَبٍ، عن كُليب بن وائلٍ، قال: سمعتُ ابنَ عُمَر، يقولُ: قال رسُول الله ﷺ فذَكَره. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وسوَّارُ بنُ مُصعبٍ واهٍ، لاسيَّما وقد قال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا عن كُليبٍ، يرويه سوَّارُ بنُ مُصعَبٍ"، وهذا يعني أنَّهُ تفرَّد به. وقد تابعه سوَّارُ بنُ عبد الله بن قُدامة العَنبَرِيُّ قاضي البَصرَةِ، فرواه عن كُليبٍ بهذا. أخرَجَهُ العُقيليُّ (٢/ ١٧٠)، وقال: "قد رُوي في الإيمان بالقَدَر أَحادِيثُ صحاحٌ، وأمَّا هذا اللَّفظُ، فلا يُحفَظ إلَّا عن هذا الشَّيخ". وقد قال الحافظ ابنُ حَجَرٍ في "لسان الميزان" (٣/ ١٢٧)، مُعَلِّقًا على رواية العُقيليِّ: "لعلَّه وَقَع في الرِّواية غيرَ منسوبٍ، ونَسَبَهُ بعضُهم،

стр. 1126

فأخطَأَ، وإلَّا فهذا الحديث رُوِّينَاه في جُزء أبي الجهم، عن سوَّار بن مُصعَب، عن كُليبٍ" انتهَى. وعِندي، أنَّ هذا ليس بكافٍ في دعوى التَّخطِئَة، مع سُقوط الحديث. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1127

٣٠٢ - سُئلتُ عن صِحَّة ومعنى حديث: "مَن صَامَ الدَّهرَ، ضُيِّقَت عَلَيهِ جَهَنَّمُ هَكَذَا - وعَقَد تِسعين -". • قلتُ: هذا حديثٌ مُعلٌّ بالوقف. فأخرَجَهُ النَّسَائيُّ في "المُحارَبة" - كما في "أطراف المِزِّيِّ" (٦/ ١٨١) -، وابنُ خُزَيمَة (٢١٥٤، ٢١٥٥)، وابنُ جَريرٍ في "تهذيب الآثار" (٤٨٥ - مُسنَد عُمَر)، والبَزَّارُ (٣٠٦٢ - البحر) من طُرُقٍ عن مُحمَّد بن أبي عَدِيٍّ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أبي تَمِيمة وهو طريفُ بنُ مُجالدٍ، عن أبي مُوسَى الأَشعَرِيِّ مرفُوعًا به. قال ابنُ خُزَيمَة: "لم يُسنِد هذا الخبرَ عن قتادة غيرُ ابن أبي عَدِيٍّ، عن سعيدٍ". وقال البَزَّار: "وهذا الحديثُ قد رواه غيرُ واحدٍ، عن قتادة، عن أبي تَمِيمة، عن أبي مُوسَى موقُوفًا، وأسنَدَهُ ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن ابن أبي عَرُوبَة". • قلتُ: وابنُ أبي عَدِيٍّ كان ممَّن سمع من سعيد بن أبي عَرُوبَة في الاختِلاط، كما قال العِجلِيُّ وغيرُه، ولكنَّه لم يتفرَّد بوصلِه .. فتابعه عبدُ الأعلى بنُ عبد الأعلى، قال: نا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة بهذا الإسناد سواء.

стр. 1128

أخرجه الرُّوْيَانِيُّ في "مُسنَده" (٥٦١) قال: أخبَرَنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، نا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وعبدُ الأعلى، قالا: نا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة بهذا. وعبدُ الأعلَى من قُدماء أصحابِ ابن أبي عَرُوبَة. وقد تُوبِع ابنُ أبي عَرُوبة على رفعه .. تابَعَهُ شُعبةُ بنُ الحَجَّاج، فرواه عن قتادة بهذا الإسناد. أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ في "تهذيب الآثار" (٤٨٦ - مُسنَد عُمَر) قال: حدَّثَنا ابنُ بَشَّارٍ، وابنُ المُثنَّى، قالا: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، حدَّثَنا شُعبةُ. وقد رَوَى ابنُ جريرٍ قبلَه حديثَ سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة بهذا مرفُوعًا، ثم أَردَفَهُ بحديث شُعبَة، ثم قال: "بنحوه"، وهذا يقتضي أنَّ حديث شُعبةَ مرفُوعٌ. وقد رواه غيرُ مُحمَّد بن جعفرٍ، عن شُعبة موقُوفًا. فأخرَجَهُ أحمدُ (٤/ ٤١٤)، وابنُ أبي شَيبَة (٣/ ٧٨) قالا: حدَّثَنا وكيعٌ .. والطَّيَالِسِيُّ (٥١٣)، ومِن طريقه ابنُ جريرٍ (٤٨٨)، والبَيهَقِيُّ (٤/ ٣٠٠) قالا: ثنا شُعبةُ، عن قتادة به موقُوفًا. وفي "مُسنَد الطَّيَالِسِيِّ": "لَم يَرفَعْه شُعبةُ، ورَفَعَه سعيدٌ". وَوَقْفُهُ عن شُعبةَ أَشهَرُ، وهو أصحُّ في حديث قتادة. فقد رواه أيضًا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادة بهذا الإسناد موقُوفًا. أخرَجَهُ عَبدُ بن حُميدٍ في "المُنتخَب" (٥٦٣) قال: حدَّثَني مُسلِمُ بنُ إبراهيم، ثنا همَّامٌ بهذا.

стр. 1129

وتابَعَه أيضًا هِشامُ بنُ أبي عبد الله الدَّستُوَائِيُّ، عن قتادة مثلَه موقُوفًا. أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ في "التَّهذيب" (٤٨٧، ٤٨٩) من طريق مُعاذ بن هشامٍ، وعبدِ الأعلى بن عبد الأعلى، قالا: ثنا هشامٌ الدَّستُوَائِيُّ به. فقد رأيتَ، أراك اللهُ الخيرَ، أنَّ شُعبةَ، على اختلافٍ عنه، وهشامًا الدَّستُوَائِيَّ، وهمَّامَ بنَ يحيى، رَوَوْا هذا الحديث، عن قَتَادة موقُوفًا. وتَأَيَّدَت رِوايةُ قتادةَ الموقُوفةُ، بمُتابَعة سُفيان الثَّوْريِّ .. فقد رواه عن أبي تَمِيمة، عن أبي مُوسَى ﵁ موقُوفًا. أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٤/ رقم ٧٨٦٦). ورواه عُقبةُ بنُ عبد الله الأصمُّ - وهو ضعيفٌ -، عن أبي تَمِيمة، عن أبي مُوسَى موقُوفًا. أخرَجَهُ عبدُ الله بنُ أحمد في "زوائد الزُّهد" (ص ١٩٧) قال: حدَّثَني حَوثَرَةُ بنُ أشرسَ بنِ عونٍ العَدَوِيُّ، قال: أخبَرَني عُقبةُ بنُ عبد الله بهذا. أمَّا رِوايةُ الرَّفع. فتابع ابنَ أبي عَرُوبة عليها أبانُ بنُ أبي عيَّاشٍ. أخرَجَهُ عَبدُ بنُ حُميدٍ في "المُنتخَب" (٥٦٤) قال: حدَّثَني مُسلِمُ بن إبراهيم، قال: ثنا أبانُ بنُ أبي عَيَّاشٍ، عن أبي تَمِيمة، عن أبي مُوسَى مرفُوعًا. قال همامٌ: فقُلتُ له: "فإنَّ قتادة لم يَرفَعْه؟ "، فقال أبانُ: "أخبَرَني في بيتي مرفُوعًا". وإسنادهُ ساقطٌ؛ وأبانُ تالفٌ. ولكن تَابَعه الضَّحَّاكُ بنُ يسارٍ أبو العلاء البَصرِيُّ، أنَّهُ سَمِع أبا تَمِيمَة

стр. 1130

يُحدِّثُ به، عن أبي مُوسَى مرفُوعًا. أخرَجَهُ أحمدُ (٤/ ٤١٤) قال: حدَّثَنا وكيعٌ .. والبَزَّارُ (٣٠٦٣ - البحر)، والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (٤/ ٣٠٠)، وفي "السُّنَن الصَّغير" (١٤١٥)، عن الطَّيَالِسِيِّ، وهذا في "مُسنَده" (٥١٤) .. وابنُ حِبَّان (٣٥٨٤)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٢٥٦٢) عن حفص بن عُمَر .. والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ٢١٩)، والبَيهَقِيُّ في "الكبير" (٤/ ٣٠٠)، وفي "الشُّعَب" (٣٨٩١) عن أبي الوليد الطَّيَالِسِيِّ، قالوا: ثنا الضَّحَّاكُ بن يَسارٍ بهذا الإسناد. وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ والضَّحَّاكُ ضعَّفه ابنُ مَعِينٍ، وأبو داوُد، والسَّاجِيُّ، والعُقَيليُّ، وابن الجارُود. ومع تضعيف هؤلاء النُّقَّاد له، قال ابنُ عَدِيٍّ: "لا أَعرِفُ له إلَّا الشَّيءَ اليسيرَ"، فهذا مِمَّا يُقَوِّي ضعفَه، خلافًا لأبي حاتمٍ، فإنَّه قال: "لا بأس به"، وهذا قَلَّما يَقَعُ لمثل أبي حاتمٍ. والله أعلم. وقد قال العُقَيليُّ في ترجمة الضَّحَّاك: "وقد رُوِي هذا عن أبي مُوسَى موقُوفًا، ولا يصحُّ مرفُوعًا". أمَّا معنى الحديث على فرض صِحَّتِه: فقال ابنُ خُزَيمَة (٣/ ٣١٣ - ٣١٤): "سألتُ المُزَنِيَّ عن معنى هذا الحديث، فقال: "يُشبِه أن يكون معناه، أي: ضُيِّقت عَنهُ جَهنَّمُ، فلا يَدخُلُ جهنَّمَ، ولا يُشبهُ أن يكون معناه غيرَ هذا؛ لأنَّ من ازداد لله عملًا

стр. 1131

وطاعةً، ازداد عند الله رِفعةً، وعليه كرامةً، وإليه قُرْبةً"، هذا معنى جواب المُزَنِيِّ" انتهَى. وقال البَزَّارُ: "يُحتمَل معناه عندي، واللهُ أعلَمُ، أن تُضَيَّق عليه، فلا يدخُلُها، جزاءً لصومِه. ويُحتمَل أيضًا، إذا صام الأيَّام التي نهى النَّبيُّ ﷺ عن صومها، فتعمَّد مُخالَفةَ الرَّسُول ﷺ ، أن يَكُون ذلك عقوبةً، لمُخالَفة رسُول الله ﷺ " انتهَى. ونَقَل الحافظُ في "الفتح" (٤/ ٢٢٣) كلام ابنِ خُزَيمة، ثُمَّ قال: "ورَجَّح هذا التَّأويلَ جماعةٌ، منهم الغَزَالِيُّ، فقالوا: له مناسبةٌ، مِن جِهة أنَّ الصَّائم لمَّا ضَيَّق على نفسه مَسَالِكَ الشَّهَوات بالصَّوم، ضَيَّق الله عليه النَّار، فلا يَبقَى لَهُ فيها مكانٌ؛ لأنَّهُ ضَيَّق طُرُقَها بالعبادة. وتُعُقِّب: ليس كُلُّ عملٍ صالحٍ، إذا ازداد العبدُ منه، ازداد من الله تَقَرُّبًا، بل رُبَّ عَمَلٍ صالحٍ، إذا ازداد منه، ازداد بُعدًا، كالصَّلاة في الأوقات المكروهة. والأَوْلَى إِجرَاءُ الحديث على ظاهرِه، وحَملُه على من فوَّت حقًّا واجبًا بذلك، فإنَّهُ يتوجَّه إليه الوعيدُ، ولا، يُخالِفُ القاعدةَ التي أشار إليها المُزَنِيُّ" ا. هـ. • قلتُ: وهذا جوابٌ بديعٌ من الحافظ ﵀، وما أمرُ الخوارج عنك ببعيدٍ، فقد اتَّفَق كُلُّ من نَقَل أخبارَهم على أنَّهُم كانوا مِن أعبد النَّاس، حتَّى كُنتَ ترى سِيمَا الصَّلاة في وجه الواحد مِنهُم كرُكبة العَنزِ، مع فرط تألُّهِهِم، وتجافيهم عن الدُّنيا، ومع ذلك قال فيهم رسُولُ الله ﷺ : "يَقرَؤُون القُرآن، لا يُجاوِز تراقِيهِم، يَخرُجون من الدِّيْن كما يَخرُج السَّهمُ من الرَّمِيَّةِ،

стр. 1132

يَقتُلُون أهلَ الإسلام، ويَدَعُون أهلَ الأوثان، لَئِن أَدرَكتُهم، لأُقَتِّلَنَّهُم قتلَ عادٍ"، فقومٌ يقولُ عنهم رسُولُ الله ﷺ مثل هذا القول الشَّديد، لا يَزدَادُون بِعِبَادَتِهم إلا بُعدًا. وصَدَقَ ابنُ مَسعُودٍ ﵁، إذ قال: "اقتصادٌ في سُنَّةٍ، خيرٌ من عملٍ كثيرٍ في بِدعةٍ"، أو كما قال. وما أَحسَنَ ما رواه البَيهَقِيُّ في "سُنَنه" (٢/ ٤٦٦) من طريق أبي زُرعَة الرَّازِيِّ، ثنا أبو نُعيمٍ، ثنا سُفيانُ، عن أبي رَبَاحٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، أنَّهُ رأى رَجُلًا يُصَلِّي بعد طُلُوع الفجر أكثرَ من ركعتين، يُكثِر فيها الرُّكُوع والسُّجُود، فنهاهُ، فقال: "يا أبا مُحمَّدٍ! يُعذِّبُني اللهُ على الصلاة؟! "، قال: "لا، ولكن يُعَذِّبُك على خِلاف السُّنَّة". وصحَّح إسناده شيخُنا أبو عبد الرَّحمن الأَلبَانِيُّ ﵀ في "إِرواء الغليل" (٢/ ٢٣٦). • قلتُ: ورجالُهُ ثقاتٌ أئمةٌ، لولا أنَّ أبا رباحٍ شيخَ الثَّوريِّ ما عَرَفتُه، ويُحتَمل أن يَكُون هو أبو رَبَاحٍ ابنُ أبي الحَكَمِ بن حبيبٍ الثَّقَفِيُّ، ترجمَهُ ابنُ أبي حاتمٍ (٤/ ٢/ ٣٧١)، وابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٥/ ٥٧٣)، وقالا: "رَوَى عنه عُمَرُ بنُ ذرٍّ"، ويُحتَمل أن يكون هو رباحُ بنُ أبي معرُوفٍ المَكِّيُّ، وتَكُونُ أداةُ الكُنيَة مُقحَمَةً؛ فإنَّ الثَّوْريَّ يروِي عنه، وهو قد رَوَى عن جماعةٍ من التَّابِعين، مِنهُم عبدُ الله بنُ أبي مُلَيكة وغيره، فرِوايتُهُ عن سعيدٍ مُحتَمَلة، ثُمَّ هو مُختلَفٌ فيه، وهو وَسَطٌ. فإن يَكُنْه، فالإسناد صالحٌ، ومثلُ هذه الحكايات يَتَسَامَحُ فيها أهلُ العلمُ. وحملُ الحديث على من فوَّت حقًّا واجبًا، فإنَّهُ يتَوَجَّه إليه الوعيدُ،

стр. 1133

كمَن يَترُك التَّدَاوِي لما في الصَّبر على المَرَض من الأَجر، لكنه يُضَيِّعُ الصَّلاة مثلًا لعدم قُدرَتِه على احتمال الأَلم، فإنَّ تَركَ التَّدَاوِي، وإِن كان جائزًا لمن له قُدرَةٌ على الصَّبر، لَكِنَّه لا يجوزُ إذا فوَّت المرءُ به ما أوجبَهُ الله عليه. واللهُ أعلمُ.

стр. 1134

٣٠٣ - سألني سائل، فقال: سمعتُ بعض مشايخ الحديث، يقول عن حديث: أنَّ رجُلًا لُدغ، فشكا ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "أَمَا لَو قُلتَ حِينَ أَمسَيتَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ، لَم يَضُرَّك"، فقال هذا الشَّيخُ: "إنَّ هذا الحديث ضعيفٌ لاضطرابه"، مع أنَّني بحثتُ عنه، فوجدتُهُ في "صحيحٌ مُسلِمٍ"، فما قولُكم في ذلك؟ • قلتُ: هذا الحديث صحيحٌ لا شكَّ فيه. ولكن وَقَع في إسناده اختلافٌ، فلَرُبَّما رآه ذلك الشَّيخُ مؤثِّرًا، وقَصَد وجهًا واحدًا من الاختلاف، ومع ذلك: فلا يُحكَم على الحديث بالاضطراب إلَّا إذا تعذَّر التَّرجيحُ، وتساقطت كلُّ الوجوه جميعًا، أمَّا إذا رجَّحنا وجهًا على آخرَ، فينتفي الاضطرابُ، ويُحكَم للوجه الرَّاجح على ما سواه. فهذه هي القاعدةُ الكُلِّيَّة للحديث المُضطرِب. أمَّا الحديثُ: فأخرَجَهُ النَّسَائيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٥٩٦)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢٨) عن أَسَد بن مُوسَى .. وأحمدُ في "المُسنَد" (٣/ ٤٤٨، و ٥/ ٤٣٠)، والطَّحاويُّ في "المُشكِل" (٢٥) عن وهب بن جريرٍ ..

стр. 1135

وأبو يَعلَى الخَلِيليُّ في "الفوائد" (ق ١٢٨/ ١ - ٢)، ومن طريقه الرَّافِعِيُّ في "أخبار قَزوِين" (٢/ ١٩٢) عن سلْم بن سلَّامٍ، ثلاثتهم عن شُعبة بن الحجَّاج، عن سُهيل بن أبي صالحٍ، وأخيه - هو صالح بن أبي صالح -، عن أبيهما، عن رجلٍ من أَسلَمَ، أنَّه لُدِغَ، فشكا ذلك … الحديث. وقد تُوبع شعبةُ .. فأخرَجَه أبو داوُد (٣٨٩٨)، والنَّسائيُّ (٥٩٤)، والطَّحاويُّ (٢٦) عن زُهير بن مُعاوِية .. والنَّسَائيُّ أيضًا (٥٩٣، ٥٩٦)، والطَّحَاوِيُّ (٢٤، ٢٩) عن وُهيب بن خالدٍ، وسُفيان بن عُيَينة .. والطَّحَاوِيُّ أيضًا (٢٧) عن أبي عَوَانة .. وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (١٩٨٣٤) عن مَعمَر بن راشدٍ .. والنَّسَائِيُّ (٥٩٢)، والطَّحَاوِيُّ (٣٣)، والبَيهَقِيُّ في "الدَّعَوات الكبير" (٣٦) عن سُفيان الثَّوْريِّ، كُلُّهم عن سُهيل بن أبي صالحٍ بهذا الإسناد. وقد اختُلِف على سُهيلٍ في إسناده .. فرواه الثَّوْريُّ، وشُعبةُ، ومَعمَرُ بن راشدٍ، وأبو عَوَانة، وسُفيانُ بن عُيَينة، ووُهَيبُ بن خالدٍ، وزُهيرُ بن مُعاوية - وكُلُّهم من الثِّقات الأثبات -، عن سُهيلٍ، فجَعَلُوه من مُسنَد رجلٍ من أَسلَم. وخالَفَهُم مالكٌ فرواه عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن

стр. 1136

أبي هُريرَة، أنَّ رجُلًا من أَسلَم، قال: "ما نِمتُ هذه اللَّيلةَ؛ لَدَغَتنِي عقربٌ"، فقال رسُولُ الله ﷺ : "أَمَا لو قُلتَ حين أمسيتَ: أعوذُ بكلمات الله التَّامَّات من شرِّ ما خَلَق، لم يَضُرَّك، إن شاء اللهُ". فجَعَلَه من: "مُسنَد أبي هُريرَة". أخرَجَهُ أحمدُ (٢/ ٣٧٥) قال: حدَّثَنا إسحاقُ - هو ابن عيسى - .. والبُخاريُّ في "خلق أفعال العباد" (٤٤٥) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بن يُوسُف، وعبدُ الله بن مَسلَمَة القَعْنَبِيُّ .. والنَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٥٨٩) قال: أخبَرَنا قُتيبةُ بن سعيدٍ .. والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (١٦) عن عبد الله بن وهبٍ .. وابنُ حِبَّان (١٠٢١) عن أحمد بن أبي بَكرٍ .. والبَيهَقِيُّ في "الأسماء" (٣٦٥) عن يحيى بن بُكيرٍ، قالوا: ثنا مالكٌ - وهو في "المُوطَّإِ" (٢/ ٩٥١/ ١١) -، عن سُهيل بن أبي صالحٍ بهذا. ولم يَقَع لفظُ المشيئة عند أحمد. وزاد النَّسَائِيُّ بعدها: "شيءٌ". وأفاد ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢١/ ٢٤١) أنَّ ابن وهبٍ رواه عن مالكٍ بإسناده، إلَّا أنَّه لم يَذكُر المشيئةَ في آخرِه. وقد رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ، عن ابن وهبٍ فذَكَرَها. والحمد لله. وأخرَجَهُ أبو داوُد (٣٨٩٨) عن زُهير بن مُعاوية .. وابنُ ماجَهْ (٣٥١٨)، والبُخَارِيُّ في "خلق الأفعال" (٤٤٦)، والنَّسَائِيُّ في "العمل" (٥٩١)، وأبو يَعلَى (٦٦٨٨)، وابنُ حِبَّان

стр. 1137

(١٠٣٦)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢٢) عن عُبيد الله بن عُمَر .. والبُخاريُّ أيضًا (٤٤٧)، والطَّحَاوِيُّ (٢١)، وابنُ حِبَّان (١٠٢٢) عن جرير بن حازمٍ .. والنَّسَائِيُّ (٥٩٠)، وأحمدُ (٢/ ٢٩٠)، والطَّحَاوِيُّ (٢٠) عن هشام بن حسَّان .. والبُخَارِيُّ (٤٤٨، ٤٤٩)، وابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (٢١/ ٢٤١) عن سعيد بن عبد الرَّحمَن الجُمَحِيِّ .. والنَّسائيُّ (٥٨٨)، والطَّحَاوِيُّ (١٩) عن حمَّاد بن زيدٍ .. والطَّحاوِيُّ أيضًا عن الثَّوْريِّ، ورَوْح بن القاسم .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٢٣) عن إبراهيم بن أبي بَكرٍ بن المُنكَدِر، كُلُّهم عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة فذَكَرَه. • قلتُ: فقد رأيتَ، أراك اللهُ الخيرَ، أنَّ جَمْعًا من الثِّقات رَوَوْه عن سُهيلٍ، فجَعَلُوه من مُسنَد أبي هُريرَة. فيُحتمَل أن يكون الوجهان جميعًا صحيحين. ويقعُ لي أنَّ الحديث من مُسنَد أبي هُريرَة أَشبَهُ؛ لأنَّا وَجَدنَا القعقاع بن حكيمٍ تَابَع سُهيل بن أبي صالحٍ على جَعلِه من: "مُسنَد أبي هُريرَة"، وهذا أَولَى أن يَكُون محفوظًا؛ لأن سُهيلًا كانت قد أصابته عِلَّةٌ، فنَسِي بعضَ حديثه، فلعلَّه اضطرب في إسناد هذا الحديث، ولم يُحْكِمْهُ. وقد رجَّح الطَّحَاوِيُّ ذلك، فقال في "المُشكِل": "ولمَّا وَجَدنَا من رواية القَعقَاع، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة، لا عن رجلٍ من أسلم،

стр. 1138

قَوِيَ في قُلُوبِنا أنَّ أصل الحديث عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة" انتهَى. وحديثُ القعقاع بن حكيمٍ هذا .. أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "الذِّكر والدُّعاء" (٤/ ٢٠٨١) قال: حدَّثَنا هارونُ بن معروفٍ، وأبو الطَّاهر .. وابنُ خُزَيمةَ في "التَّوحيد" (١/ ٣٩٩، ٤٠١)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣١) قالا: ثنا بحرُ بن نصرٍ الخَوْلَانِيُّ .. والطَّحَاوِيُّ أيضًا (٣٠) قال: حدَّثَنا يُونُسُ بن عبد الأعلى .. وابنُ حِبَّان (١٠٢٠) عن حَرمَلة بن يحيى، قالوا: ثنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرَنا عمرُو بنُ الحارث، أن يزيد بن أبي حبيبٍ، والحارثَ بن يعقوبٍ حدَّثاه، عن يعقوب بن عبد الله الأَشجِّ، قال: قال القَعقَاعُ بن حكيمٍ، عن ذكوانَ أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة فذَكَر مثلَه. وقد رواه اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ، على وجه آخر، ذكرتُهُ في "تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النَّظر في كتب الأماجد" (رقم ١٩٧١)، والحمد لله. • قلتُ: فهذا هو قولي في هذا الحديث. وقد تبيَّن بحمد الله تعالى، أنَّ الاضطرابَ مُنتَفٍ عنه، بالتَّرجيح الذي ذكرناه، وليس ببعيدٍ تصحيحُ الوجهين جميعًا، كما تقدَّم، لاسيما وقد رواه الثَّوْريُّ، وزُهيرُ بن مُعاوية، عن سُهيلٍ بالإسنادين جميعًا. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1139

٣٠٤ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يُتْمَ بَعدَ احتِلَامٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ، وقد صَحَّ موقُوفًا. وقد وَرَدَ من حديث عليِّ بن أبي طالبٍ، وجابر بن عبد الله، وأنَسٍ، وحنظلةَ بن حُذَيمٍ ﵃. * أوَّلًا: حديثُ عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁. وله عنه طُرُقٌ .. ١ - عبدُ الله بنُ أبي أحمد، عنه. أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٨٧٣) .. والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (١/ ٢٨٠) قال: حدَّثَنا عُمَرُ بن عبد العزيز بن عمران بن أيُّوب بن مِقْلَاصٍ الخُزَاعِيُّ .. والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٢٩٠) قال: حدَّثَنا أحمدُ بن رِشدِينَ .. وفي "الصَّغير" (٢٦٦) قال: حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ الحَسَن الخفَّافُ المِصرِيُّ، قالوا: حدَّثَنا أحمدُ بن صالحٍ، حدَّثنا يحيى بنُ مُحمَّدٍ المَدِينِيُّ، حدَّثَنا عبدُ الله بن خالد بن سعيد بن أبي مَريمَ، عن أبيه، عن سعيد بن عبد الرَّحمن بن يزيد بن رُقَيْشٍ، أنَّهُ سمع شُيوخًا من بني عَمْرو بن عوفٍ، ومِن خاله عبدِ الله بن أبي أحمد، قال: قال عليُّ بن أبي طالبٍ: حَفِظتُ عن رسُول الله ﷺ ، قال: "لَا يُتْمَ بعد احتِلَامٍ، ولا صُمَاتَ يَومٍ إِلَى

стр. 1140

اللَّيل". لفظُ أبي داوُد. وزاد الآخَران: "ولا طلاق إلَّا مِن بعد نكاحٍ، ولا عِتاقَ إلَّا مِن بعد مِلكٍ، ولا وفاء لنذرٍ في معصيةٍ، ولا وِصَالَ في الصِّيام". ووقع عند الطَّحَاوِيِّ: "ابنُ رُقَيشٍ، عن عُمُومةٍ له مِن بني عَمْرو بن عوفٍ"، وهذا القدرُ من الإسناد لم يَقَع عند الطَّبَرانيِّ. قال الطَّبَرانيُّ في "الأوسط": "لا يُروَى هذا الحديثُ عن عبد الله بن أبي أحمد إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به أحمدُ بن صالحٍ". وقال في "الصَّغير": "لا نَحفَظُ لعبد الله بن أبي أحمد حديثًا مُسنَدًا غيرَ هذا" انتهَى. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ ويحيى بنُ مُحمَّدٍ هو ابنُ عبد الله الجَارِيُّ، وثَّقَه يحيى الزِّمِّيُّ والعِجلِيُّ، وابن حِبَّان في "الثِّقات" (٩/ ٢٥٥)، وقال: "يُغرِبُ". وقال ابن عَدِيٍّ: "ليس به بأسٌ". لكن قال البُخاريُّ: "يتكلَّمُون فيه". وذكره ابنُ حِبَّان في "المجروحين" (٣/ ١٣٠)، وقال: "كان مِمَّن ينفَرِد بأشياء لا يُتابَع عليها على قِلَّة روايته، كأنَّه كان يَهِمُ كثيرًا، فمِن هُنا وَقَع المناكيرُ في روايتِه. يجبُ التَّنَكُّبُ عما انفرد به من الرِّوايات، وإن احتَجَّ به مُحتَجٌّ فيما وافق الثِّقاتِ، لم أَرَ به بأسًا" انتهَى. ولا أعلمُ أحدًا تابعه على هذه الرِّواية. وعبد الله بن خالدٍ وأبوه كلاهُما من رجال "التَّهذيب". فعبدُ الله بنُ خالدٍ وثَّقَهُ أحمدُ بنُ صالحٍ، وابنُ شاهين، وقال الأزدِيُّ: "لا يُكتَبُ

стр. 1141

حديثُهُ"، وقال ابنُ القطَّان: "مجهُولُ الحال". وأمَّا أبُوه خالدُ بنُ سعيد بن أبي مريَمَ، فجهَّله ابنُ المَدِينيِّ وابنُ القطَّان، وذَكَرَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء". أمَّا ابنُ حِبَّان فترجَمَ له "الثِّقات"!! ٢ - النَّزَّالُ بنُ سَبْرةَ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ مرفوعًا: "لا رَضَاع بعد الفِصَال. ولا وِصَالَ. ولا يُتم بعد الحُلمِ. ولا صَمتَ يومٍ إلى اللَّيل. ولا طلاق قبل النِّكاح". أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٥٤٥)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٤٦١)، عن عبد الرَّزَّاق - وهذا في "المُصنَّف" (٦/ ٤١٦/ ١١٤٥٠) - عن مَعمَر بن راشدٍ، عن جُوَيبِرِ بن سعيدٍ، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِمٍ، عن النَّزَّال بن سَبْرَة، عن عليٍّ بهذا. وعند عبد الرَّزَّاق: "فقال له الثَّوْريُّ: يا أبا عُروة - هي كُنيةُ مَعمَرٍ -! إنَّما هو عن عليٍّ موقُوفٌ. فأبَى عليه مَعمَرٌ، إلَّا عن النَّبيِّ ﷺ ". وعند البَيهَقِيِّ: "قال سُفيانُ لمَعمَرٍ: إنَّ جُوَيبِرًا حدَّثَنا بهذا الحديث، ولم يَرفَعه. قال مَعمَرٌ: وحدَّثَنا به مِرارًا ورَفَعه". وقد تُوبِع مَعمَرٌ على رفعِه .. تابعه سُفيانُ الثَّوريُّ، فرواه عن جُوَيبِرٍ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٤/ ١٤٢)، والثَّقَفِيُّ في "الثَّقفِيَّات" (٣/ ٩/ ٢) من طريق أَيُّوب بن سُويدٍ، عن الثَّوْريِّ بهذا. وهذا مُنكَرٌ عن الثَّوْريِّ لأمرَين: الأوَّل: أنَّ الثَّوْريَّ أنكر على مَعمَر بن راشدٍ رفَعه كما تقدَّم، وقال:

стр. 1142

إنَّه موقُوفٌ. الثَّاني: أنَّ أيُّوب بن سُويدٍ ضعيفٌ، وقد خالفه مُحمَّد بن كَثيرٍ، وهو أوثَقُ منه بطَبَقاتٍ فرواه عن الثَّوْريِّ فوقَفَه. ورجَّح الدَّارَقُطنِيُّ وقفَه، وقال: "هو المحفوظُ". وممَّا يُؤيِّد وقفَه أنَّ هُشيم بن بَشيرٍ رواه عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاك، قال: أخبَرَني النَّزَّالُ بنُ سَبْرةَ، قال: سمِعتُ عليًّا، يقول: … فذَكَرَه موقُوفًا. أخرَجَهُ سعيدُ بنُ منصُورٍ في "سُنَنه" (١٠٣٠) قال: نا هُشيمٌ. وكذلك رواه حمَّادُ بن زيدٍ، وإسحاقُ بن الرَّبيع، عن جُوَيبرٍ بهذا موقُوفًا. ذكر ذلك الدَّارَقُطنِيُّ أيضًا. وترجيحُ المَوقُوف على المرفُوعِ نظريٌّ، بمعنى أنه لا يُقَوِّي الحديث؛ لأنَّ جُوَيبِرَ بن سعيدٍ متروكُ الحديث، وقد رَوَى الوجهين جميعًا. ثُمَّ رأيتُ مُتابِعًا لجُوَيبرٍ .. تابَعَهُ عبدُ الكَريم بن أبي المُخَارِق، فرواه عن الضحَّاك بهذا مرفُوعًا بتمامه. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" من طريق مُطَرِّف بنِ مازنٍ، عن مَعمَر بن راشدٍ، عن عبد الكَريم بهذا. قال الطَّبَرَانِيُّ: "هكذا رَوَى هذا الحديثَ مُطَرِّفُ بن مازنٍ، عن مَعمَرٍ، عن عبد الكَريم بن أبي المُخارِق، ورواه عبدُ الرَّزَّاق، عن مَعمَرٍ، عن

стр. 1143

جُويبرٍ، عن الضَّحَّاك". وهذا الوجهُ ساقطٌ أيضًا؛ ومُطَرِّفٌ ضعيفٌ، ولا يُقاوم عبدَ الرَّزَّاق في حفظه. وابنُ أبي المُخارِق متروكٌ. ٣ - عَلقَمَةُ بن قَيسٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ مرفُوعًا: "لا رَضَاع بعد فِطامٍ، ولا يُتم بعد حُلمٍ". أخرجه الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٦٥٦٤)، وفي "الصَّغير" (٩٥٢)، ومِن طريقه الخطيبُ في "تاريخه" (٥/ ٢٩٩) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن سُليمان بن هارُون البَغدَادِيُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ عُبيد التِّبَّانُ المَدِينِيُّ، ثنا أبي، نا مُحمَّدُ بن جعفر بن أبي كَثيرٍ، عن مُوسى بن عُقبة، عن أَبَانَ بن تَغْلِبَ، عن إبراهيم، عن عَلقَمة، عن عليٍّ مرفُوعا. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن علقمة إلَّا إبراهيمُ، ولا رواه عن إبراهيم إلَّا أَبَانُ بنُ تَغْلِبَ، ولا رواه عن أَبَان إلَّا مُوسى بنُ عُقبَة، ولا عن مُوسى إلَّا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ، تفرَّد به مُحمَّدُ بنُ التَّبَّان عن أبيه، ولا كتبناه إلَّا عن هذا الشَّيخ". وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ وشيخُ الطَّبَرَانِيِّ ترجَمَه الخطيبُ في موضع الحديث، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وعُبيدُ بنُ مَيمُونَ التِّبَّانُ مجهولٌ، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، وإن ذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" فتساهُلُه معروفٌ. * أمَّا حديثُ جابرٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا رضاعَ بعد فِصالٍ.

стр. 1144

ولا يُتْمَ بعد احتلامٍ. ولا عِتقَ إلَّا بعد مِلكٍ. ولا طلاقَ إلَّا بعد النِّكاحِ. ولا يمينَ في قطيعةٍ. ولا تَعَرُّبَ بعد هِجرةٍ. ولا هِجرةَ بعد الفتح. ولا يمينَ لولَدٍ مع وَالِدٍ. ولا يمينَ لامرَأَةٍ مع زوجٍ. ولا يمينَ لعبدٍ مع سيِّده. ولا نذرَ في معصية الله. ولو أنَّ أعرابيًّا حجَّ عَشرَ حِجَجٍ، ثُمَّ هاجَر، كانت عليه حِجَّةٌ إن استطاع إليه سبيلًا. ولو أنَّ صبيًّا حجَّ عشرَ حِجَجٍ، ثُمَّ احتَلَم، كانت عليه حِجَّةٌ إن استطاع إليه سبيلًا. ولو أنَّ عبدًا حجَّ عشر حِجَجٍ، ثُمَّ عُتِقَ، كانت عليه حِجَّةٌ إن استطاع إليه سبيلًا". أخرجه الطَّيَالِسِيُّ (١٧٦٧)، ومن طريق البَيهَقِيُّ (٧/ ٣١٩ - ٣٢٠) قال: حدَّثَنا اليَمَانُ أبو حُذيفة، وخارِجَةُ بنُ مُصعَبٍ. فأمَّا خَارِجَة، فحدَّثَنا عن حَرام بن عُثمان، عن أبي عَتِيقٍ، عن جابرٍ. وأمَّا اليَمَانُ، فحدَّثَنا عن أبي عَبْسٍ، عن جابرٍ مرفُوعًا. وأخرجه الحارثُ بن أبي أُسامة في "مُسنَده" (٣٥٧ - زوائده) عن إِسماعيل بن عيَّاشٍ .. وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٤٤٧) عن مُطَرِّفٍ البَكرِيِّ، كلاهما عن حَرَام بن عُثمان، عن أبي عَتِيقٍ، عن جابرٍ. والوَجهَانِ جميعًا ضعيفان؛ واليَمَانُ ضعيفٌ. والوجه الثَّاني أشدُّ ضعفًا؛ وحَرَامُ بن عُثمان تالفٌ. قال الشَّافِعِيُّ: "الرِّواية عن حَرَامٍ حَرَامٌ". ورواه أبو بَكرٍ بنُ عيَّاشٍ، وحفصُ بن مَيسَرَة، كِلاهما عن حَرَام بن عُثمان، عن عبد الرَّحمن، ومُحمَّدٍ ابنَيْ جابرٍ، عن أبيهما - زاد البَيهَقِيُّ:

стр. 1145

وأبي عَتِيقٍ، عن جابرٍ - مرفُوعًا. أخرجه ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٤٤٧)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٣١٩). وهذا الوجهُ ساقطٌ أيضًا؛ لحال حرام بن عُثمان. فحديثُ جابرٍ ضعيفٌ جدًّا. * وأمَّا حديث أَنَسٍ ﵁. فأخرجه البَزَّارُ (١٣٠٢ - كشف) .. وأبو الفَضْل الزُّهْريُّ في "حديثه" (ج ٥/ ق ٩٢/ ٢)، قال: حدَّثَنا يحيى بنُ مُحمَّد بن صاعدٍ، قالا: ثنا إبراهيمُ بن سعيدٍ الجَوْهَرِيُّ، نا يحيى بن يزيد بن عبد المَلِك النَّوْفَلِيُّ، عن أبيه، عن مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن أَنَسٍ مرفُوعًا: "لا يُتْم بعد حُلمٍ". قال البَزَّارُ: "لا يُروَى عن أَنَسٍ إلَّا بهذا الإسناد، ويزيدُ لَيِّنُ الحديث، وقد رَوَى عنه جماعةٌ من أهل العِلم". وأخرجه ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٧/ ٢٦١) من طريق دُحَيْمٍ، ثنا يزيدُ بن عبد المَلِك بسَنَدِه سواء. وقال: "وهذا الحديث عن مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن أَنَسٍ، لا يَروِيه غيرُ يزيدَ بنِ عبد المَلِك". وسنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ ويزيدُ هذا ضعَّفَه أكثرُ النُّقَّاد، أحمدُ بنُ حنبلٍ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وأبو حاتمٍ وزاد: "مُنكَرُ الحديث جدًّا"، وأبو زُرعَة، وقال: "واهي الحديث"، وغلَّظ فيه القولَ جدًّا. وتَرَكه النَّسَائِيُّ، وضعَّفَه البُخارِيُّ جدًّا، وقال: "ذاهبُ الحديث، أحاديثه

стр. 1146

شِبهُ لا شيء". * وأمَّا حديث حَنظَلَة بن حُذَيمٍ ﵁. فأخرجه ابنُ قَانِعٍ في "مُعجَم الصَّحابة" (١/ ٢٠٤) عن إبراهيم بن عَرعَرَة .. والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ٤/ رقم ٣٥٠٢)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٢/ ٨٥٧) عن مُحمَّد بن أبي بكرٍ المُقَدَّمِيِّ .. وأبو نُعيمٍ أيضًا، عن محمد بن عقبة السُّدُوسِيِّ، قالوا: ثنا سَلْمُ بن قُتَيبة، ثنا الذَّيَّالُ بنُ عُبيد بن حَنظَلَة، قال: سمِعتُ جَدِّي حَنظَلَةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "لا يُتْم بعد احتلامٍ، ولا يُتْم على جاريةٍ إذا هي حاضَت". • قلتُ: وهذا أَمثَلُ إسنادٍ وقفتُ عليه لهذا الحديث. وسَلْمُ بنُ قُتَيبة وثَّقَه أبو داوُد وأبو زُرعَة والدَّارَقُطنِيُّ وابن حِبَّان، وقال ابنُ مَعِينٍ وأبو حاتمٍ: "ليس به بأسٌ"، زاد أبو حاتمٍ: "كثير الوَهَمِ، يُكتَب حديثُه". وضعَّفَه يحيى القَطَّان بقوله: "ليس أبو قُتَيبة مِن الجِمَالِ التي تحمل المحامل". وذَيَّالُ بنُ عُبيدٍ وثَّقَه ابنُ مَعِينٍ، كما ذكره ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٤٥٢)، وسأل أباه عنه، فقال: "تابعيٌّ"، فقال له: "يُحتَجُّ به؟ "، فقال أبو حاتمٍ: "شيخٌ أَعرَابِيٌّ". فهذا الإسناد حَسَنٌ، لا بأس به. وقد حَسَّن النَّوَوِيُّ هدا الحديثَ في "المجموع" (٦/ ٣٧٦)، وفي

стр. 1147

"رياض الصَّالحين" (ص ٥٠٤)، وفي "الأذكار" (ص ٣٤٩)، فقال: "رواه أبو داوُد بإسنادٍ حَسَنٍ". كذا قال! وسَنَد أبي داوُد لا يَحتَمِل مِثلَ هذا التَّحسين، كما تقدَّم شرحُه. وصحَّح شيخُنا الألبانيُّ ﵀ هذا الحديث في "الإرواء" (١٢٤٤)، ولا يَرقَى الحديثُ إلى هذا، كما تقدَّم شرحُه. والحمدُ لله. وقد صحَّ موقُوفًا على ابن عبَّاسٍ ﵄ .. فأخرجه أحمدُ (١/ ٢٢٤) عن الحجَّاج بن أَرطاة .. وأبو يَعلَى (٢٦٣٠) عن إسماعيل بن أُمَيَّة، كلاهما عن عطاء بن أبي رباحٍ، أنَّ نَجدَةَ الحَرُورِيَّ بَعَثَ يسألُ ابن عبَّاسٍ عن مسائل، مِنهَا: "وعن الصَّبيِّ متى يَنقَطِعُ عنه اليُتمُ؟ "، فقال له: "وأمَّا الصَّبيُّ، فينقطع عنه اليُتم إذا احتَلَم". لَفْظُ أحمد. والحجَّاجُ بنُ أرطاة فيه مَقَالٌ. والرَّاوي عن إسماعيل بن أُميَّة هو: مُحمَّدُ بن إسحاق، وهو مُدَلِّسٌ، وقد عنعنه. غير أنَّ أبا يَعلَى أخرجه أيضًا (٢٦٣١) مِن طريق مُحمَّد بن إسحاق، عن أبي جَعفَرٍ، والزُّهرِيِّ، وإسماعيل بن أُميَّة، عن يزيد بن هُرمُزٍ، قال: أنا كتَبتُ كتاب ابن عبَّاسٍ إلى نَجدَةَ، وفيه قولُ ابن عبَّاسٍ. وقد أخرجه مُسلِمٌ في "الجهاد" (١٨١٢/ ١٣٧) وغيره، من طريق جعفر بن مُحمَّدٍ، عن أبيه، عن يزيدَ بن هُرمُزٍ، عن ابن عبَّاسٍ،

стр. 1148

بسُؤالاتِ نجدةَ، وفيه: "وكَتَبتَ تسألُنِي: "متى ينقضي يُتْمُ اليَتِيم؟ "، فلَعَمْرِي! إنَّ الرَّجُل لتَنبُت لحيتُهُ وإنَّه لَضَعِيفُ الأخذ لنفسه، ضعيفُ العَطَاء مِنهَا فإِذَا أَخَذَ لنفسِه مِن صالح ما يأخُذُ النَّاسُ، فقد ذَهَبَ عنه اليُتْمُ". وهذا الكلام أَوسَعُ في معناه من اللَّفظ الأَوَّل؛ لأنَّ ابن عبَّاسٍ أنَاطَهُ بالتَّمييز، فكأنَّه قال رُبَّ رجلٍ بَلَغَ البُلوغ الشَّرعِيَّ بظُهور الشَّعر، ولم يَزُل عنه معنى اليُتْم؛ لأنَّ اليتيم لضَعفِهِ، يحتاج من يُدَبِّر له حاله، وليس في هذا اللَّفظ ما يَنفِي أنَّ اليُتْم يَنقَضِي بالاحتلام، ولو بدلالة الإيماء. والله تعالى أعلم. ولكتاب ابن عبَّاسٍ هذا طُرُقٌ وألفاظٌ، استوفيتُها في "تَعِلَّة المَفؤود شرح مُنتَقَى ابن الجَارُود" (رقم ١٢٢٦). والحمدُ لله تعالى.

стр. 1149

٣٠٥ - سألني سائل، فقال: رَوَى أبو داوُد في "سُنَنه" حديثَ أبي أُمامة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الأُذُنَان من الرَّأس"، وقال كلامًا عَقِب الحديث، لم أَفهَم مُرادَه منه، فما هو مرادُه؟ • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. فأخرَجَ أبو داوُد (١٣٤) قال: "حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، حدَّثَنا حمَّادٌ. (ح) وحدَّثَنا مُسدَّدٌ، وقُتيبةُ، عن حمَّاد بن زيدٍ. عن سِنان بن ربيعة، عن شهر بن حَوْشَبٍ، عن أبي أُمامة، وذَكَر وَضُوءَ النَّبيِّ ﷺ ، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يمسح المَأْقَينِ، - قال: - وقال: "الأُذُنان من الرَّأس". قال سُليمانُ بنُ حربٍ: يقولُها أبو أُمَامة. قال قتيبةُ: قال حمَّادٌ. لا أَدرِي، هو مِن قول النَّبيِّ ﷺ ، أو من أبي أُمَامة، يعني: قِصَّة الأُذُنين. قال قُتَيبةُ: عن سنانٍ أَبِي ربيعة. قال أبو داوُد: هو ابنُ ربيعة، كُنيتُهُ: "أبو رَبِيعة" انتهى. • قلتُ: وأخرَجَهُ التِّرمِذيُّ (٣٧) قال: حدَّثَنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ .. وابنُ ماجَهْ (٤٤٤)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ١٠٣) عن مُحمَّد بن زيادٍ الزِّيَادِيِّ .. وأحمدُ في "مُسنَده"، وأبو عُبيدٍ في "كتاب الطَّهُور" (٨٨، ٣٥٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٨/ رقم ٧٥٥٤) عن عفَّان بن مُسلِمٍ ..

стр. 1150

وأحمدُ أيضًا (٥/ ٢٦٤، ٢٦٨) قال: حدَّثَنا يُونُس بن مُحمَّدٍ المؤدِّبُ، ويحيى بنُ إسحاق .. والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ١٠٣)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٦٦ - ٦٧) عن سُليمان بن حربٍ .. والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (١/ ٣٣) عن يحيى بن حسَّان .. وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ١٢٧٧) عن أحمد بن عَبْدة .. وابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (١١٣٨١ - شاكر) عن حمَّاد بن أُسامة .. والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ١٠٣) عن الهيثم بن جَمِيلٍ، وأبي عُمَر الضَّرير، ومُحمَّد بن أبي بكرٍ .. والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (٧٥٥٤) عن عارمٍ، وخالد بن خِدَاشٍ، وأبي عُمَر الضَّرير .. والبَيهَقِيُّ (١/ ٦٦) عن مُسدَّد بن مُسَرهَد، وأبي الرَّبيع الزَّهراني، قالُوا جميعًا: حدَّثَنا حمَّادُ بن زيدٍ، عن سِنان بن ربيعة. ورواه مُحمَّدُ بن عبد الله بن بَزِيعٍ، قال: ثنا حمَّادُ بن زيدٍ بإسناده، لكنَّه قال: "عن أبي أُمَامة، أو عن أبي هُريرَة" هكذا على الشَّكِّ في صحابيِّ الحديث. أخرَجَه ابنُ جَرِيرٍ (١١٣٧٩). وكذلك شَكَّ مُعَلَّى بن منصورٍ، فرَوَى هذا الحديث عن حمَّاد بن زيدٍ بسَنَده، فقال: "عن أبي أُمَامة، عن النَّبيِّ ﷺ . أو عن أبي أُمَامة، قال: الأُذُنان من الرَّأس".

стр. 1151

أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (١/ ١٠٣) عن مُحمَّد بن شاذان، نا مُعَلَّى بن منصورٍ. ولكنِّي وجدتُ أبا كُريبٍ، وهو مُحمَّدُ بن العلاء، رواه عن مُعَلَّى بن منصُورٍ، عن حمَّاد بن زيدٍ، كما رواه الجماعة. أخرَجَهُ ابنُ جريرٍ (١١٣٨٠). • قلتُ: فقد رأيتَ، أراك اللهُ الخيرَ، أنَّ خمسة عشر راويًا، فِيهِم جمعٌ من الحُفَّاظ الأثبات، رَوَوْا هذا الحديث عن حمَّاد بن زيدٍ بسَنَده، فجَزَمُوا أن الحديث من مُسنَد أبي أُمَامة، وأنه مرفُوعٌ إلما النَّبيِّ ﷺ . وخالَفَهُم سُليمانُ بن حربٍ، فجزم بأنَّ قوله: "الأُذُنان من الرَّأس" مِن كلام أبي أُمامَة ﵁. فنَظَرَ الدَّارَقُطنِيُّ في هذا الاختلاف، فقال عَقِب تخريجِه الحديثَ: "أَسنَد هؤلاء عن حمَّادٍ، وخالَفَهُم سُليمانُ بن حربٍ، وهو ثِقَةٌ حافظٌ". فهذا يدُلُّ على أنَّ الدَّارَقُطنيَّ يُرَجِّح رواية سُليمان بن حربٍ على رواية هؤلاء النَّفَر، وفِيهِم من ذكرتُ من الحُفَّاظ، وهذا يُخالِفُ القاعدةَ الكُلِّيَّةَ التي وضعها عُلماءُ الحديث في تعريف الشَّاذِّ، ولكنَّ هذه القاعدةَ قد تتخلف أحيانًا لقرائنَ تَكُونُ عند النَّاقد، ولعلَّ من القرائن التي اعتمد عليها الدَّارَقُطنِيُّ في ترجيح رِواية سُليمان وحده أنَّه كان ذا خُصُوصيَّةٍ في حمَّاد بن زيدٍ، فقد ذَكَر يعقوبُ بن سُفيان في "المعرفة والتَّاريخ" (١/ ١٧٠) عن سُليمان بن حربٍ، قال: "اختلَفتُ إلى شُعبة، فلمَّا مات جالَستُ حمَّاد بن زيدٍ، ولَزِمتُه حتَّى مات، جالستْهُ تِسعَ عشرة سنة".

стр. 1152

ومِن القرائن أيضًا الأخذُ بالأقلِّ عِند الاختلافِ، والأقلُّ أن يَكُون موقُوفًا، لا مرفُوعًا. إنَّما أقولُ هذا تخريجًا لصنيع الدَّارَقُطنِيِّ ﵀، وإلَّا فالصَّوابُ عِندي هو تقديمُ رِواية الجماعة على رِوايتِه وحده، لاسيَّما وقد نَقَل التِّرمِذِيُّ عن شيخه قُتَيبة بن سعيدٍ، أنَّه قال: قال حمَّادٌ: "لا أَدرِي: هذا مِن قول النَّبيِّ ﷺ ، أو مِن قول أبي أُمَامة؟ "، فدَلَّنا ذلك على أنَّ الذي شكَّ في رفعه أو في وَقفِه إنَّما هو حمَّادُ بن زيدٍ، فتلقَّاهُ عنه الجَمَاعَةُ مرفُوعًا، وسُليمانُ بنُ حربٍ موقُوفًا، وإذْ الأمرُ كذلك فلا داعي لنَصبِ الخلاف بين الرُّواة عن حمَّادٍ، ولا داعي أيضًا لقول سُليمان بن حربٍ فيما ذَكَرَهُ البَيهَقِيُّ، إذ قال: "الأُذُنان من الرَّأس، إنَّما هو مِن قول أبي أُمامَة، فَمَن قال غير هذا، فقد بدَّل، أو كلمةٌ قالها سُليمانُ، أي: أخطأ" انتهى؛ لأنَّه من العَسِير أن يَهِمَ أو يُخطِئَ هذا الجمعُ الغفيرُ من الثِّقات، ويتواطَؤُوا على التَّبديل. فهذا هُو مُرادُ أبي داوُد من التَّعليق على هذا الحديث. واللهُ أعلَمُ. أما الحُكمُ على الحديث، فهو الضَّعفُ. وقد قال التِّرمِذِيُّ عَقِبهُ: "ليس إسنادُهُ بذاك القائم"؛ وسِنانُ بن ربيعة، وشَهرُ بن حَوْشَبٍ مُتَكلَّمٌّ فيهما. ولا يَصِحُّ في مَسحِ المَأقَينِ حديثٌ مرفُوعٌ. و"المَأْقُ"، ويُقال أيضًا: "الماق" بلا همزٍ، و"المُوْقُ": طرفُ العين، الذي يلي الأنفَ.

стр. 1153

وكذلك: "الأُذُنان من الرَّأس"، قد رُوي مرفُوعًا عن جماعةٍ من الصَّحابة، ولا يصحُّ منها شيءٌ، كما جَزَم بذلك جماعةٌ من النُّقَّاد، والصَّوابُ أنَّهُ موقوفٌ. وقد استَوفَى شيخُنا الأَلبَانِيُّ ﵀ أحاديث هؤُلاء الصَّحابة في "سِلسِلة الأحاديث الصَّحيحة" (رقم ٣٦)، ورَجَّح الرَّفع؛ لإسنادٍ وَجَدَه في "المُعجَم الكبير" للطَّبَرانيِّ، وقال: "وهذا سَنَدٌ صحيحٌ، رِجالُهُ كُلُّهم ثقاتٌ، ولا أَعلَمُ له علَّةً. . ."، ولكنِّي وقفتُ على عِلَّته، فإذا هي المُخالَفةُ، كما ذكرتُهُ في "نوح الهَدِيل بكشف ما في سُنَن أبي داوُد من التَّذيِيل". والحمدُ لله.

стр. 1154

٣٠٦ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُم المَوتَ لِضُرِّ أَصَابَهُ، أَو نَزَلَ بِهِ". وقال السَّائل: وإذا صحَّ، فكيف دعا الإمامُ البُخاريُّ على نفسه بالموت؟ • قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ. وقد ثَبَت من حديث أنَسٍ، وأبي هُريرَة، وخبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵃. وله شواهدُ عن آخَرِين من الصَّحابة في أسانِيدِها مقالٌ. أمَّا كيف دعا الإمامُ البُخارِيُّ على نفسه، فلا بُدَّ من مَعرِفة القِصَّة على وَجهِها. فاعلم أيُّها المُستَرشِدُ! أنَّهُ ثَارَت في أيَّام الإمام أحمد بن حنبل ﵀ فتنةٌ عمياءُ، وداهيةٌ دهياءُ، وفِكرةٌ صلعاءُ، أَلَا وهي فتنةُ خلق القُرآن، ووَقَف لها جَمْعٌ من العُلماء الرَّبَّانِيِّين، وعلى رأسِهم الإمامُ أحمدُ، حتَّى كَسَر اللهُ بِهِم شَوكَة الجَهمِيَّة، فحوَّرُوا مُرَادَهم بطريقةٍ أُخرَى، وهو أنَّهُم قالوا: "لفظي بالقُرآن مخلوقٌ"، و"اللَّفظ" كلمةٌ مُجمَلةٌ، فقد يُقصَد بها الملفوظُ، وهو القُرآنُ، وقد يُقصَدُ بها حرَكَةُ اللِّسان، فوَقَف الإمامُ أحمدُ، ومُحمَّدُ بن يحيى الذُّهليُّ، مع جَمَاعةٍ مِن أهل العِلم لهذه البِدعة الجديدة بالمِرصَاد.

стр. 1155

فلما أراد البُخارِيُّ ﵀ أن يَدخُل نيسابورَ، قال عالمُها وفاضلُها مُحمَّدُ بنُ يحيى الذُّهلِيُّ، أحدُ مشايخ البُخاريِّ: "إنَّ العبد الصَّالحَ مُحمَّد بن إسماعيل سَيَأتِينَا غدًا، فمَن أراد أن يَستَقبِله، فإنِّي مستَقبِلُهُ"، فاستقبَلَه النَّاسُ على ثلاثة فراسخ، ونَثَرُوا الحَلوَى على رُؤُوس النَّاس، ابتهاجًا بمَقدِم هذا العبد الصَّالح، ونَزَل في دار البُخَارِيِّين في نيسابُورَ، ثُمَّ بدأ يَعقِد مجالسَ الإِملاء. وقال أبو أحمد ابنُ عَديٍّ: ذَكَر لي جماعةٌ من المشايخ، أنَّ مُحمَّد بن إسماعيل لمَّا وَرَد نيسابُور، اجتَمَع النَّاسُ عليه، حَسَدَهُ بعضُ مَن كان في ذلك الوقتِ من مشايخِ نيسابور؛ لمَّا رَأَوْا إِقبالَ النَّاسِ إليه، واجتِمَاعَهم عليه، فقال لأصحاب الحديث: إنَّ مُحمَّد بن إسماعيل يقول: "اللَّفظ بالقرآن مخلوقٌ، فامتَحِنُوه في المجلس"، فلما حَضَر النَّاسُ مجلسَ البُخاريِّ، قام إليه رجلٌ، فقال: "يا أبا عبدِ الله! ما تقول في اللَّفظِ بالقُرآن، مخلوقٌ هو أم غيرُ مخلوقٍ؟ "، فأعرَضَ عنه البُخارِيُّ ولم يُجِبْه، فقال الرَّجُل: "يا أبا عبد الله! " فأعاد عليه القولَ، فأعرضَ عنه، ثم قال في الثَّالثة، فالتفَتَ إليه البُخاريُّ، وقال: "القرآنُ كلامُ الله، غيرُ مخَلُوقٍ، وأفعالُ العباد مخلُوقةٌ، والامتحانُ بدعةٌ"، فشغَّب الرَّجُلُ، وشغَّب النَّاسُ، وقعد البخاريُّ في منزله. وقال أبُو حامدٍ ابنُ الشَّرقِيِّ: سمعتُ مُحمَّدَ بنَ يحيَى الذُّهليَّ يقولُ: "القُرآنُ كلامُ الله، غيرُ مخلُوقٍ من جميع جِهاته، وحيث تُصُرِّفَ، فمن لَزِم هذا استغنَى عن اللَّفظ، وعمَّا سِواه من الكلام في القُرآن. ومن زَعَم أنَّ "القُرآن مخلوقٌ"، فقد كَفَرَ، وخرج عن الإيمان، وبانت منه امرأَتُه،

стр. 1156

يُستَتَابُ، فإن تاب، وإلَّا ضُرِبَت عُنقُه، وجُعِل مالُه فَيْئًا بين المُسلِمين، ولم يُدفَن في مقابِرِهم. ومن وَقَف، فقال: "لا أقول مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلُوقٍ"، فقد ضَاهَى الكُفرَ. ومن زَعَم أنَّ "لفظي بالقرآن مخلُوقٌ"، فهذا مُبتَدِعٌ، لا يُجالَس، ولا يُكلَّم. ومن ذَهَب بعد هذا إلى مُحمَّد بن إسماعيل البُخارِيِّ فاتَّهِمُوهُ، فإنَّه لا يَحضُر مجلِسَهُ إلَّا مَن كان على مِثل مذهَبِه". وذَكَر بعضُ أهل العِلم أنَّ هذا كان حَسَدًا من الذُّهلِيِّ على البُخاريِّ، وأنا أَستَبعِدُ ذلك؛ فقد كان الذُّهْليُّ مِن أفاضل أهل العِلم وخِيارِهم، ولكن ما يُعابُ عليه أنَّهُ لم يَتَثَبَّت مِن مقالة البُخاريِّ، فإنَّ البُخاريَّ ما قال: "لفظي بالقُرآن مخلوقٌ"، إنَّما قال: "أفعالُنا مخلوقةٌ". ثُمَّ امتدَّت المِحنَةُ، حتَّى خَرَج البُخارِيُّ من نيسابُور، فاستَقبَلَتهُ مِحنَةٌ أُخرَى عِندَما نَزَل بُخارَى، فقد قال بَكرُ بنُ منير بن خُليد بن عسكرٍ: بَعَثَ الأميرُ خالدُ بن أحمد الذُّهلِيُّ وَالِي بُخارَى، إلى مُحمَّد بن إسماعيلَ: "أن احمِلْ إليَّ كتابَ "الجامع" و"التَّاريخ" وغيرَهُما، لأسمع مِنك"، فقال لرسُولِه: "أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا أَحْمِلُه إلى أبوابِ النَّاس، فإن كانت لكَ إلى شيءٍ منه حاجةٌ، فاحضر في مسجدي، أو في دارِي، وإن لم يُعجبْك هذا فإنَّك سلطانٌ، فامنَعنِي من المَجلِس، ليكون لي عُذرٌ عِند الله يومَ القِيامة، لأنّي لا أَكتُم العلم، لقول النَّبيِّ ﷺ : مَن سُئِل عَن عِلمٍ فكَتَمَهُ أُلجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ"، فكان سببَ الوَحشَة بينَهما هذا. فلمَّا وقع هذا للإمام خَشِي على دِينِه، قال ابنُ عَدِيٍّ: سمعتُ عبد القُدُّوس

стр. 1157

ابن عبد الجبَّار السَّمَرقَندِيَّ، يقولُ: جاء مُحمَّدُ بن إسماعيل إلى خَرْتَنْكَ - وهي قريةٌ على فَرسَخين من سمرقند -، وكان له جها أقرِباءُ، فنَزَل عِندَهم، فسمعتُهُ ليلةً يدعُو، وقد فَرَغ من صلاة اللَّيل: "اللَّهمَّ! إنَّه ضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، فاقبِضنِي إليك"، فما تمَّ الشَّهرُ حتَّى مات. وقد جَعَل جماعةُ العُلماء حديثَ النَّهي عن تمنِّي الموت خاصًّا بالمصائب التي يُبتَلى العبدُ بها في الدُّنيا، أمَّا إذا خَشِي ذَهَاب دينِه، فيُشرَع له أن يَدعُو بالموت. وقد عَقَد البُخاريُّ في "كتاب الفِتَن" (١٣/ ٧٤ - ٧٥) بابًا لذلك، فقال: "باب: لا تَقُوم السَّاعة حتى يُغبَط أهلُ القُبُور"، ثُمَّ رَوَى فيه حديث أبي هُريرَة مرفُوعًا: "لا تَقُوم السَّاعة حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ بقبر الرَّجل، فيقول: يا لَيتَنِي مكانَك"، وهذا الحديث أَخرَجَه مُسلِمٌ أيضًا. وقال ابنُ عبد البَرِّ: "ظنَّ بعضُهم أنَّ حديث أبي هُريرَة مُعارِضٌ للنَّهي عن تَمَنِّي الموت، وليس كذلك، إنَّما في حديث أبي هُريرَة أنَّ هذا سَيكُون لشدَّةٍ تَنزِلُ بالنَّاس، من فساد الحال في الدِّين، أو ضعفِه، أو خَوف ذهابه، لا لضَرَرٍ يَنزِل بالجسم، كما قال الحافظُ"، وكذلك أجاب القُرطُبِيُّ وغيرُهُ. وقد أُثِر عن جماعةٍ من السَّلَف أنَّهُم تَمَنَّوا الموتَ خوفَ الفِتنَة في الدِّين، وأنا أَذكُر ما يَحضُرُني من ذلك. وقد وَرَد هذا المعنى في حديث ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: ". . . وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتُونٍ". أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٣٦٨)، والتِّرمِذيُّ (٣٢٣٣)، وعبدُ الرَّزَّاق في

стр. 1158

"تفسيره" (٢/ ١٦٩)، وعَبْدُ بنُ حُميدٍ في "المنتخَب" (٦٨٢)، وابنُ خُزَيمة في "التَّوحيد" (ص ٢١٧ - ٢١٨)، والدَّارَقُطنِيُّ في "الرُّؤية" (٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣)، وابنُ عساكِر (٣٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهِيات" (١٤) مِن طريق مَعمَرٍ، عن أيُّوب، عن أبي قِلابة، عن ابن عبَّاسٍ. ولكنَّه لا يَصِحُّ؛ لاضطرابه، ولانقطاعٍ في سَنَدِه. وروايةُ مَعمَرٍ عن البَصرِيِّين ضعيفةٌ. وقد أشبعتُ المَقامَ تحريرًا في "جُنَّة المُستَغيث بشرح عِلل الحديث" (٢٦)، لابن أبي حاتمٍ. وإنما نبَّهتُ على ذلك لأنَّ بعض العُلماء، كابن كَثيرٍ ﵀، احتجَّ به على هذا المَعنَى، وهو رائقٌ لو صحَّ الحديثُ. أمَّا الآثار عن السَّلَف ﵏، فمنها: ١ - ما أخرَجَهُ الحاكمُ في "المُستدرَك" (٤/ ٥١٨) من طريق بِشر بن بَكرٍ، حدَّثَني الأَوزَاعِيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، حدَّثَني أبو سَلَمة، قال: عُدتُ أبا هُريرَة، فسَنَدتُهُ إلى صَدرِي، ثُمَّ قلتُ: "اللَّهُمَّ! اشفِ أبا هُريرَة"، فقال: "اللَّهُمَّ! لا تُرجِعها"، ثُمَّ قال: "إن استطعتَ يا أبا سَلَمة أن تَمُوت فمُتْ"، فقلتُ: "يا أبا هُريرَة! إنَّا لَنُحِبُّ الحياة! "، فقال: "والذي نَفسُ أبي هُريرَة بيده! ليَأتِيَنَّ على العُلماء زمانٌ، الموتُ أحبُّ إلى أَحَدِهم من الذَّهَب الأحمر، ليَأتِيَنَّ أحدُكم قَبرَ أخيه، فيقول: لَيتَنِي مكانَه". وأخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١/ ٣٨٤) من طريق عبيد الله بن عُمَر،

стр. 1159

ثنا حمَّادُ بن زيدٍ، ثنا أيُّوبُ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ بهذا باختصارٍ. قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يُخَرِّجاه"، والصَّوابُ أنَّه على شرط البُخاريِّ، وبِشرُ بنُ بكرٍ لم يُخَرِّج له مُسلِمٌ شيئًا. ٢ - وأخرَجَ أبو العبَّاس الأصمُّ في "الثَّاني من حديثه" (ق ١٦٩/ ٢ - ١٧٠/ ١) قال: أخبَرَنا العبَّاسُ بن الوليد بن مَزْيَدٍ، أخبَرَني أبي، حدَّثَني ابنُ جابرٍ، عن عُمير بن هانئٍ، أنَّه حدَّثه، قال: كان أبو هُريرَة يَمشِي في سُوق المدينة، وهو يقول: "اللَّهُمَّ! لا تُدرِكني سَنَةُ السِّتِّين. اللَّهُمَّ! لا تُدرِكني إِمارَة الصِّبيان". وأخرَجَهُ أبو زُرعَة الدِّمَشقِيُّ في "تاريخه" (٢٣٤) قال: أخبَرَنا أبو مُسهِرٍ، قال: حدَّثَني صَدَقةُ بنُ خالدٍ، عن ابن جابرٍ، عن عُمير بن هانئٍ، قال: كان أبو هُريرَة، يقول: "تشبَّثُوا بصُدغَيْ مُعاوِية! اللَّهمَّ! لا تُدرِكني سنة سِتِّين! ". ثُم أخرَجَه أبو زُرعَة (٢٣٥) من طريق الوليد بن مُسلِمٍ، عن ابنُ جابرٍ بهذا الإسناد، ثُمَّ زاد: "فتُوُفِّي أبو هُريرَة فيها أو قبلها بسنةٍ". وأخرَجَ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (١٣٩٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ - هو: ابن مُحمَّد بن صدقةٍ -، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن معمرٍ البَحْرانيُّ، قال: حدَّثَنا رَوْحُ بن عُبَادَةَ، قال: حدَّثَنا حمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة، أنَّه قال: "في كيسي هذا حديثٌ، لو حَدَّثْتُكُمُوْهُ لَرَجَمْتُمُوْني"، ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ! لا أَبْلُغَنَّ رأسَ السِّتِّيْنَ"،

стр. 1160

قالوا: "وما رأسُ السِّتِّينَ؟ "، قال: "إِمارةُ الصِّبيان، وبيعُ الحُكم، وكثرةُ الشُّرَط، والشَّهادةُ بالمعرفةِ، ويَتَّخِذُونَ الأمانةَ غنيمةً، والصَّدَقةَ مَغرَمًا، ونَشْوٌ يتَّخذونَ القُرآنَ مَزَامِير"، قال حمَّادٌ: وأظُنَّهُ قال: "والتَّهاونُ بالدَّمِ". قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن عليِّ بن زيدٍ، إلَّا حمَّادٌ. تفرَّد به رَوْح بنُ عُبادة". وسَنَدُهُ حَسَنٌ في المُتابَعات؛ وعليُّ بنُ زيدٍ ضعيفٌ، ولكن روايةُ حمَّاد بن سَلَمة عنه أَمثَلُ مِن رِواية غيرِه عَنه، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ. قال الحافظُ في "الفتح" (١/ ٢١٦): "يُشيرُ - يعني: أبا هُريرَة - إلى خِلافة يزيد بن مُعاوِية، لأنَّها كانت سنة سِتِّين من الهِجرة"، وكأنَّه لأجل هذا ومثلِه كان أبُو هُريرَة ﵁ يقول: "حفِظتُ من رسُول الله ﷺ وعاءين: فأمَّا أحدُهُمَا فبَثَثتُه، وأمَّا الآخرُ، فلو بَثَثتُهُ قُطِع هذا البُلعُوم". أخرَجَهُ البُخاريُّ (١/ ٢١٦) من طريق عبد الحميد بن أبي أُوَيسٍ .. والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ١٧٧/ ٢) من طريق بُهْلُولَ بن مُوَرِّق .. وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (١/ ٣٣) من طريق ابن أبي فُدَيكٍ، قالوا: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة. وأخرَجَهُ البَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢٢٩/ ٢) قال: حدَّثَنا الوليد بن عَمْرو بن سُكين، نا كَثيرُ بن هاشمٍ، حدَّثَنا جَعفَرُ بن بُرقَانَ، عن يزيد الأَصَمِّ، عن أبي هُريرَة، قال: "عِندِي عن رسُول الله ﷺ جِرَابَان، قد حَدَّثتُكُم بأحدِهِما، ولو حَدَّثتُكُم بالآخر لَفَعلتُم بي وفَعلتُم".
следующие страницы →