← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

٢٨ - سُئلتُ عن الحديثين: "مَن نَامَ عَن وِترِهِ، فَلْيَقضِهِ إِذَا أَصبَحَ"، و "مَن أَدرَكَ الصُّبحَ فَلَا وِترَ لَهُ"، وكيف الجَمْعُ، مع أنَّ ظاهرَيْهما التَّعارضُ؟ • قلتُ: أمَّا أحاديثُ قضاءِ الوِتر بعد الصُّبح، والنَّهيِ عن ذلك، فيَحتاجُ الأَمرُ إلى الفَصلِ في صِحَّة الحديث قبل تأويله، كما عليه جَمَاعةُ العُلماء. أمَّا حديثُ: "من نام عن وِتره، فليقضه إذأ أصبح"، فإِنَّه حديثٌ صحيحٌ. أخرجه التِّرمذيُّ (٤٦٥)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٤)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، وابنُ شاهين في "النَّاسخ والمنسوخ" (ق ٦٥/ ٢) من طريقِ عبدِ الرَّحمنِ بن زيدِ بن أَسلَم، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به. وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعبد الرَّحمن بنُ زيدٍ واهٍ، وقد خالفه أخُوهُ عبدُ الله، وهو أَوْثَق منه، فرواه عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا. أخرجَهُ التِّرمذيُّ (٤٦٦)، ورجَّحه علَى رواية عبد الرَّحمن. لكن لم يتفرَّد به عبدُ الرَّحمن. فتابعه مُحمَّد بن مُطرِّفٍ، فرواه عن زيد بن أَسلَم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ فذَكَره مرفُوعًا.

стр. 107

أخرجه أبُو داود (١٤٣١)، والدَّارقُطنيُّ (٢/ ٢٢)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٨٠). قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين"، ووافقه الذَّهَبيُّ، وفيه نَظَرٌ؛ فقد رواه عِند الحاكم عُثمانُ بن سعيد بن كثيرٍ، عن مُحمَّد بن مُطرِّفٍ. وعُثمان بن سعيد لم يُخَرِّج له الشَّيخان شيئًا. فالإسناد صحيحٌ. أمَّا الحديث الآخر: "مَن أدرك الصُّبح ولم يُوتِر، فلا وِترَ له". فأخرجه ابنُ خُزَيمة (١٠٩٢)، وابنُ حِبَّانَ (٦٧٤)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨) من طريق قتادة، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به. قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ"، ووافقه الذَّهبيُّ. ولكن أعلَّهُ البيهقيُّ بقوله: "ورِوَاية يحيى بن أبي كثيرٍ كأنَّها أشبَهُ؛ فقد رُوِّيْنا عن أبي سعيدٍ في قضاءِ الوِتر". • قُلتُ: يُشيرُ البَيْهقيُّ، إلى ما أخرجه مُسلِمٌ (٧٥٤)، وأبُو عَوانة (٢/ ٣٠٩)، والنَّسائيُّ (٣/ ٢٣١)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٩)، والدَّارميُّ (١/ ٣٧٢)، وأحمدُ (٣/ ١٣، ٣٥، ٣٧، ٧١)، وابنُ أبي شَيبةَ (٢/ ٢٨٨)، والطَّيالسِيُّ (٢١٦٣)، وابن خُزيمة (١٠٨٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (٤٥٨٩)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، والحاكمُ (١/ ٣٠١)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٦١) من طُرُقٍ عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا: "أَوتِرُوا قَبل أَن تُصبِحُوا".

стр. 108

ولكن، لا مُنافَاة عِندِي بينَ الرِّوايَتَين؛ وهما حديثان مُستَقِلَّان، لا حديثٌ واحدٌ حتَّى يُعِلَّ أحدُهما الآخرَ -وتفصيلُ هذَا في موضعٍ آخر، وفي الباب أحاديثُ أُخرَى كثيرةٌ-، ولا تَعارُض بين الحديثَين؛ لأنَّ الحديثَ الآذِنَ بقضاءِ الوِترِ خاصٌّ بِمَن نَسِيَه، أو نام عنه وكان ينوى أن يُصلِّيَه ففاتَهُ قَصدُه بالعُذر. والحديثُ الآخَرُ المانِعُ من قضاءِ الوِتر خاصٌّ بمَن تَرَكه همَلًا وكسلًا، فهذَا يُعاقَب بأن يُحرَم مِن قضائه، وإِحرازِ فضيلتِهِ وأجرِهِ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 109

٢٩ - سُئلتُ عن صِحَّة ومعنى حديث: "إِنَّ الوَلَاءَ لَيسَ بِمُتَحَوِّلٍ وَلَا بِمُنتَقِلٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه البزَّارُ (ج ٢/ رقم ١٣٢١)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٦٨٤)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٨١ - ١٨٢)، والوزيرُ أبُو القاسم ابنُ الجرَّاح في "الثَّاني من حديثه" (رقم ٨ - بتحقيقي)، ومن طريقه الذَّهبيُّ في "السِّير" (١٤/ ٥٣١) من طريق المُغِيرة بن جَميل الكِنديِّ، قال: حدَّثني سُليمانُ بنُ عليِّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، قال: حدَّثني أبي، عن جَدِّي مرفُوعًا فذكره. قال البزَّارُ: "لا نَعلَمُه يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد، من هذا الوجه. والمُغِيرةُ بنُ جَميلٍ ليس بمعرُوفٍ في الحديثِ". وقال العُقيليُّ في تَرجمةِ المُغِيرة: "كُوفيٌّ، مُنكَر الحديث، ولا يُعرَف -يعني هذا الحديثَ- إلَّا به". وقال عبدُ الحقِّ الأشبيليُّ: "المُغِيرة مجهولٌ"، وأَقرَّه ابنُ القطَّان في "الوهم والإيهام". وترجمه ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ١/ ٢١٩)، ونَقَل عن أبيه: "مجهولٌ".

стр. 110

ولكن، يَشهَدُ له ما أخرجَهُ الشَّافعيُّ (٢/ ٧٢ - ٧٣)، والحاكمُ (٤/ ٣٤١)، والبيهَقيُّ (١٠/ ٢٩٢) عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "الوَلَاءُ لُحمةٌ كلُحمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهَب". وقد أعلَّهُ أبُو بكرٍ مُحمَّد بن زيادٍ النَّيسابُوريُّ، فقال: "هذا خطأٌ؛ لأنَّ الثِّقاتِ لم يَروُوه هكذا، وإنما رواه الحَسَنُ مُرسَلًا". • قلتُ: ورِوايةُ الحَسَن هذه، أخرجها ابنُ أبي شَيبة في "المصنَّف" (٦/ ١٢٣)، والبَيهقِيُّ (١٠/ ٢٩٢). وأخرج عبدُ الرزَّاق (ج ٩/، رقم ١٦١٤٩)، وابنُ أبي شَيبةَ (٦/ ١٢٢)، وسعيدُ بنُ مَنصُورٍ في "سُنَنه" (٢٨٤) من طريق داودَ بن أبي هندٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، قال: "الوَلاءُ كالنَّسَب، لا يُباع ولا يُوهَب"، وكذلك قال ابنُ سِيرينَ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وطاوُوسٌ، والشَّعبيُّ، وآخرون. وانفصل شيخُنا أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ -حفظه الله- على صِحَّة المرفُوع منه، في بحثٍ له في "إرواء الغليل" (٦/ ١٠٩ - ١١٤). ويَشهَدُ له حديثُ ابن عُمَر، قال: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بيع الوَلاء، وعن هِبَته"، أخرجه الشَّيخانِ، وغيرُهما. وقد خرَّجتُهُ في "غوثِ المَكدُود بتخريج مُنتَقى ابن الجارُود" (رقم ٩٧٨). أمًّا المعنى .. فالولاءُ، مأخوذٌ من الولاية، وهي أن يتولَّى المُعتِق تربيتَه والقيامَ بأمره، فمِثلُ هذا قائمٌ مقامَ النَّسَب،، فلا يجوز أن يُباع أو يُوهَب، ونقل ابنُ بطَّالٍ الإجماعَ عليه. واللهُ أعلَمُ.

стр. 111

٣٠ - سُئلتُ عن حديث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعليِّ بن أبي طالبٍ: "أُمِرتُ بِتَزوِيجِكَ مِنَ السَّمَاءِ"، وأنه قال مثلَه لعائشة؟ • قلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ كَذِبٌ. أخرجه ابنُ شاهينَ في "فضائل فاطمةَ" (٣٨) من طريق مُحمَّدِ بن يُونسَ، ثنا أبُو زيدٍ الأنصاريُّ، ثنا قيس بنُ بنُ الرَّبيعِ، عن الأعمشِ، عن عَبَايةَ، عن أبي أيُّوبَ الأَنصَارِيِّ مرفُوعًا به. وهذا سَندٌ ساقطٌ؛ ومُحمَّدُ بنُ يونسَ هو الكُدَيمِيُّ، اتَّهَمَه غيرُ واحدٍ بوضعِ الحديثِ. وأَطلَق فيه الكذبَ: أبُو داود، وموسى بنُ هارون، والقاسمُ المطرِّزُ. قال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٤/ ٧٤): "وأمَّا إسماعيلُ الخَطْبِيُّ، فقال بجهلٍ: كان ثقةً". وقيسُ بن الرَّبيعِ، فيه ضَعفٌ مِن قِبَل حفظِه. والأعمشُ مُدلِّسٌ، وقد عنعنه. وله شاهدٌ من حديث ابنِ مسعُودٍ ﵁ .. أخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠ /رقم ١٠٣٠٥) من طريق إسماعيلَ ابن موسى السُّدِّيِّ،، ثنا بِشرُ بن الوَليد، ثنا عبدُ النُّور بنُ عبد الله المِسْمَعِيُّ، عن شُعبَة، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن إبراهيم، عن مسروقٍ،

стр. 112

عن ابن مسعودٍ مرفُوعًا: "إِنَّ اللّهَ أَمَرني أن أُزَوِّج فاطمةَ مِن عليٍّ ﵄". ومِن طريق عبدِ النُّور بنِ عبد الله هذا: أخرجَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء"-وسَقَط من المطبوعة-، ومن طريقه ابنُ الجَوْزيِّ في "الموضوعات" (١/ ٤١٥) وذكر حديثًا طويلًا. قال ابنُ الجَوزِيِّ: "وَضَعه عبدُ النُّور، وكذا في كتاب العُقيليِّ، فقال العُقيليُّ: وكان يَضَع الحديث". وقال الحافظُ في "اللِّسان": "لَفظُ العُقيليِّ: لا يُقِيمُ الحديثَ، وليس من أَهلِه. والحديثُ موضوعٌ، لا أَصْل له". وذَهَلَ الهَيثميُّ ﵀-عن هذا البَحثِ، فقال في "مجَمَع الزَّوائد" (٩/ ٢٠٤): "رجالُه ثقاتٌ"!!، ولعَلَّ الذي حَمَله على ذلك أنَّهُ رأَى ابنَ حِبَّانَ قد ذكره في "الثِّقات"، فلَم يَنشَط ليُراجِع "ضعفاء العُقيليِّ" أو "ميزان الذَّهبيِّ" على الأقلِّ. أمَّا ذِكرُ ابنِ حِبَّانَ إيَّاه في "الثِّقات"، فقد اعتذر عنه الحافظ، فقال في "اللِّسان": "وكأنَّ ابنَ حِبَّانَ ما اطَّلَع على هذا الحديثِ الذي له عن شُعبة، فإنَّهُ موضوعٌ، ورجالُه مِن شُعبة فصاعدًا رجالُ الصَّحيح، فيُنظَر مَن دُونَ عبدِ النُّور" ا. هـ. فقد حَكَم على الحديثِ بالوضع العُقيليُّ، وابن الجوزيِّ، والذَّهبيُّ، والحافظُ، والسِّيوطيُّ في "اللَّآلئ". ومع اعتراف السِّيوطيِّ بوضعِهِ، فقد ذَكَره في "الجامع الصَّغير"، مع اشتراطه في خُطبتِه أن يصُونَه عمَّا تفرَّد به وضَّاعٌ أو مَتروكٌ!!

стр. 113

وفي الباب أحاديثُ أُخرَى ساقطةٌ، والمقامُ لا يَحتمِل البسطَ. واللهُ أعلَمُ. أمَّا فيما يتعلَّقُ بعائشةَ ﵂، فلعلَّ السَّائل قَرَأ الحديثَ بالمعنَى، فإِنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزوَّج عائشة بأمرٍ مِنَ الله . فأخرج البُخاريُّ (١٢/ ٣٥٢)، ومُسلِمٌ (٢٤٨٣) وغيرُهُما عن عائشةَ مرفُوعًا: "أُرِيتُكِ في المنام مرَّتَين، إذا رجلٌ يحمِلُكِ في سَرَقَةِ حريرٍ، فيقُول: هذه امرأتُكَ. فأكشِفُها، فإذا هي أنتِ، فأقُولُ: إن يَكُن هذَا مِن عندِ اللهِ يُمضِه".

стр. 114

٣١ - سُئلتُ عن: هيئة الخُرور من الرُّكوع إلى السُّجود أتكون بتقديم اليدين أم الرُّكبتين؟ • قلتُ: الصَّوابُ هو أن يَضَع الرَّجُلُ يَدَيه على الأرض قَبلَ رُكبتيه. وعُمدَتُنا في ترجيح ذلك، هو حديث أبي هُرَيرة مرفُوعًا: "إذا سَجَد أحدُكم فلا يَبرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، ولْيَضَع يدَيهِ قَبلَ رُكبتيه". أخرجه البُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٣٩)، وأبو داوُد (٨٤٠)، والنَّسائيُّ (٢/ ٢٠٧)، وأحمدُ (٢/ ٣٨١) وغيرُهُم مِن طُرُقٍ، عن الدَّراوَردِيِّ، ثنا مُحمَّدُ بن عبد الله بن حَسَنٍ، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة. وهذا سندٌ صحيحٌ. وأَعلَّه جماعةٌ من أهل العِلم بما لا يَثبُت علَى النَّقد، وليس ها هنا موضعُ بسطِ حُجَج الفريقَين، والمحاكمةِ بينهما على وجه الإنصاف، لكنَّنِي سأذكُرُ أقوَى علَّةٍ أُعِلَّ بها الحديثُ، وهي قولُ الإمام البُخاريِّ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى-: "مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله بنِ الحسنِ: لا يُتابَع عليه، ولا أدري أَسَمِع من أبي الزِّناد أم لا؟ ". فالجواب: أنَّ الإمام ﵀ لم يَنفِ السَّماع، إنَّما نفَى عِلمَه به، فحينئذٍ نقولُ: إنَّ أبا الزِّنادِ كان عالِمَ المدينة في وقته، وشُهرَةُ ذلك لا تحتاج إلى إثباتٍ،

стр. 115

ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن الحسنِ مدنيٌّ هو الآخر، وقد وثَّقه النَّسائيُّ وابنُ حِبَّانَ، ولا يُعرَفُ بتدليسٍ قطُّ، وكان له من العُمر قُرابةَ الأربعين عامًا يوم مات أبُو الزِّناد سنةَ ١٣٠ هـ. وبهذه القرائن يَقطَع المرءُ بثُبُوت اللِّقاء. وقد أصرَّ بعضُهم في نقاشٍ لي معه، بعد هذا بعدم السَّمَاع، فقُلتُ له: أَفَمَا التَقَيا في المسجد النَّبويِّ قطُّ، حيث كانت حَلَقات العُلماء؟ أَفَمَا التَقَيا في صلاةٍ قطُّ في هذا المسجد المُبارَك، ولا حتَّى في صلاة الجُمعة؟ فَسَكَت، وأظنُّه لوُضوح الإلزام. أمَّا التَّفرُّد، فإنَّ مُطلَقَ التَّفرُّدِ ليس بعلَّةٍ، لا سيَّما إذا لم يَغمِز المُتفرِّدَ أحدٌ بضعفٍ، ومُناقشةُ هذا الأمرِ وحدَه يطولُ جدًّا. وقد ذكرُوا أيضًا، أنَّ الدَّارَقطنيَّ قال: "إنَّ الدَّرَاوَرديَّ -واسمُه: عبدُ العزيز بنُ مُحمَّدٍ- تفرَّد به، عن مُحمَّد بن عبد الله بن الحَسَنِ". والجوابُ: أنَّ هذا ليس بعلَّةٍ. ولم يتفرَّد. الدَّراوَرديُّ إلَّا بالتَّفصيل، وإلَّا.، فقد تابَعَه عبدُ الله بنُ نافع الصَّائغُ، فرَوَاه عن مُحمَّد بن عبدِ الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "يَعمَدُ أحدُكم في صلاتِه، فيبرُكُ كما يَبرُكُ الجملُ". أخرجه أبُو داودُ (٨٤١)، والنَّسائيُّ (٢/ ٢٠٧)، والتِّرمذيُّ (٢٦٩)، والبَيهقِيُّ (٢/ ١٠٠). قال: التِّرمذيُّ: "حديثُ أبي هُريرةَ غَريبٌ، لا نعرفُه من حديث أبي الزِّناد إلَّا مِن هذا الوَجه". • قُلتُ: لعلَّ مقصودَ التِّرمذيِّ أي بهذا اللَّفظ، وإلَّا فحديثُ الصَّائغِ،

стр. 116

يلتقِي إجمالُه مع حديثِ الدَّرَاوَرديِّ. وعبدُ الله بن نافعٍ الصَّائغُ صدوقٌ، في حِفظه بعضُ المقال، وكتابُهُ صحيحٌ. وروايتُهُ، وإن كانت مُجمَلةً، إلَّا أنَّ تفصيلَها يعودُ إلى روايةِ الدَّرَاوَرديِّ كما قلتُ. وعامَّةُ المعارِضِين لهذا الحُكمِ، القائلينَ بتقدِيم الرُّكبتين قَبلَ اليَدين، مَع ضعفِ حديثِ وائلِ بنِ حُجرٍ وجميعِ شواهِدِه، لا يَعرِفون كيفَ يبرُكُ البعيرُ، حتَّى قال بعضُ الباحثين في "جُزءٍ له" حولَ هذا الحديثِ: "وبرُوكُ البعير معروفٌ عند الجميع، وهو أنَّهُ يُقدِّم يديه في البُروك قَبل رِجلَيه، فإذا قَدَّم المُصلِّي يديه على رُكبتيه في السُّجُود فقد شابَهَ البعيرَ في بُروكِهِ شاءَ أم أبَى" كذا قال هذا الفاضلُ! ونتساءلُ: كيف يُقدِّم البعيرُ يَديه قبلَ رُكبتيه؟! ويداه موضُوعَتان علَى الأرضِ دائمًا؛ إذ هو يَمشِي على أربعٍ، فلَو كانَت يداهُ مرفوعَتَان عن الأرضِ مثل الإنسان لَسَاغَ هذا القولُ، وهذا القولُ بَدَهِيٌّ جدًّا، اضطُرِرتُ إلى تسطيرِهِ اضطرارًا، رفعًا للمُغالَطة. وحينئذٍ، فالصَّوابُ أن يُقال: إنَّ أوَّلَ ما يصلُ إلى الأرض منَ البعيرِ إذا أرادَ أن يَبرُك: رُكبتاه وليس يديه. ولأنَّ هذا القولَ مُلزِمٌ، أرادُوا أن يَتخلَّصُوا منه، فقالُوا: "رُكبةُ البعيرِ ليست في يدِهِ"! إِذَنْ، فقد سلَّمُوا أنَّ البعير يَبرُك على ركبتيه، ولكنَّها ليستَ في يده، هكذا قالَ ابنُ القيِّم ﵀، وقال: "وقولُهُم: "رُكبة البَعير في يدِهِ" كلامٌ لا يُعقَلُ، ولا يعرفُهُ أهلُ اللُّغة"، وتَبِعَهُ كلُّ من تكلَّم في هذا الباب.

стр. 117

ونحنُ نُحكِّم بيننا وبينكُم أهلَ اللُّغةِ، ونَذكُرُ من الأحاديثِ الصَّحيحةِ ما يَقنَعُ به كلُّ مُنصِفٍ. * أمَّا أهلُ اللُّغَة .. فقالَ ابنُ سِيْدَهْ في "المُحكَم والمحيطِ الأعظَم" (٧/ ١٦): "وكُلُّ ذي أربعٍ رُكبتاهُ في يديه، وعُرقوبَاه في رِجلَيه". وقال الأزهريُّ في "تهذيب اللُّغة" (١٠/ ٢١٦): "ورُكبةُ البعير في يده. ورُكبَتَا البَعيرِ: المِفصَلَان اللَّذان يَلِيَان البطنَ إذا بَرَكَ، أمَّا المِفصَلَان النَّاتِئَان مِن خَلفٍ فهُما العُرقُوبان". وقال ابنُ مَنظُورٍ في "لسان العرب" (١٤/ ٢٣٦): "ورُكبَةُ البعير في يَدِه". وتتابَعَت كُتبُ "المعاجمِ" علَى ذلكَ، وفيما ذكرتُه كفايةٌ. فمناطُ الأمرِ حينئذٍ هو "الرُّكبةُ"، وليس لـ "اليدِ"-أي: يد البعير- دخلٌ بالبحث أصلًا. * أمَّا الأحاديثُ الصحيحةُ .. فمنها ما: أخرجه البُخاريُّ في "صحيحه" (٧/ ٢٣٩)، وأحمدُ (٤/ ١٧٦) في قصة سُراقةَ بنِ مالكٍ، حين تَبع النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ في الهجرة، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ دعا على سُراقةَ، قال سُراقةُ: " … وَسَاخَت يدا فَرَسِي في الأرض، حتَّى بَلَغَتَا الرُّكبتين". وهذا نصٌّ نفيسٌ في غاية الوُضُوح، أنَّ رُكبَةَ البعير في يده، فإذا أراد المُصلِّي أن يُخالِف البعيرَ فلا ينزلُ على رُكبتَيْه؛ إذ البعيرُ إنَّما ينزلُ على رُكبته.

стр. 118

ومن الأدلَّة على أنَّ النُّزول على الرُّكبة يُسمَّى "بُروكًا"، ما: أخرجه مُسلِمٌ (١٢٥/ ١٩٩) وغيرُهُ من حديث أبي هُريرَة، قال: لمَّا نَزَلت على رسول الله ﷺ : ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، -قال:- فاشتَدَّ ذلك على أصحاب رسُول الله ﷺ ، فأَتَوا النَّبيَّ ﷺ ، ثُمَّ بَرَكُوا على الرُّكَب، فقالُوا: .. الحديث. ومن الأدلَّة أيضًا، ما: أخرجه الشَّيخانِ عن أنسٍ، قال: خرَجَ النَّبيُّ ﷺ حين زَاغَت الشَّمسُ … الحديث، وفيه: ثُمَّ أَكثَر رسولُ الله ﷺ أن يَقُول: "سَلُوني! "، فَبَرَكَ عُمَر على رُكبتَيه، فقال: "رضِينَا بالله ربًّا! " … الحديث. • قلتُ: فقد تبيَّن بحمد الله تعالَى، بما لا يَدَعُ مجالًا للتَّوقُّفِ أو الشَّكِّ أنَّ رُكبَةَ البعير في يده، وأنَّ البُرُوكَ يكونُ على الرُّكبَة. ونحنُ ومخالفُونَا في هذه المسألة مُتَّفِقُون على أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن بُرُوكِ البعيرِ، ثُمَّ اختلَفنَا كيف يَبرُك البعيرُ. فلو تَقَاوَمت الأحاديثُ الواردةُ في هذا الباب وتساقطت لِضَعفِهَا، ولم يبق بأيدينا، نحن ولا مُخالِفِينَا، أدلَّةُ مرفُوعَةٌ، لكان هذا الوجهُ كافيًا في إِثباتِ قَولِنَا، وتَوهِينِ قولِ مُخالِفِينَا. ولله الحمدُ والمِنَّةُ. وقد أَفَضتُ في بيان هذِهِ المسألة في جُزءٍ مُفرَدٍ، سمَّيتُه: "نهي الصُّحبة عن النُّزول بالرُّكبة"، وهو مَطبوعٌ. • قلتُ: وبعد كتابة ما تقدَّم باثنَي عشر عامًا، طُبع حديثًا كتابُ "المُداوِي

стр. 119

لعلل الجامع الصَّغير وشَرحَي المُنَاوِي" لأبي الفيض الغُمارِيِّ، فرأيتُه علَّق على كلامٍ للمُنَاوِيِّ، قال فيه: "وأعلَّه البُخارِيُّ، والتِرمِذِيُّ، والدَّارَقُطنِيًّ بمحمَّدِ بن عبد الله بن حسنٍ، وغيرِه". فعقَّب الغُمَارِيُّ قائلًا: "وأمَّا تعليلُ البُخارِيِّ، والتِّرمذيِّ، والدَّارَقُطنِيِّ للحديث بمحمَّد بن عبد الله بن حسنٍ، فالتِّرمذِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ تابعان ومُقلِّدان للبُخارِيِّ. وما قاله البُخاريُّ مردودٌ عليه، وعِبارتُه في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١٣٩ - رقم ٤١٨): "مُحمَّد بن عبد الله، ويقال ابنُ حسنٍ. حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ عُبيد الله، ثنا عبدُ العزيز بنُ مُحمَّدٍ، عن مُحمَّد بن عبد الله، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة، رفعه: "إذا سَجَد فليَضَع يديه قبل رُكبتَيه". لا يُتابَع عليه، ولا أدري: سَمِع من أبي الزِّناد أم لا". وزاد الدَّارَقُطنِيُّ، فادَّعَى أنَّ عبدَ العزيز الدَّرَاوَردِيَّ تَفرَّد به عنه. وكلُّ ذلك باطلٌ؛ فإنَّ عبدَ الله بنَ نافعٍ قد تابع عبدَ العزيز على رِوايته عن مُحمَّد بن عبد الله بن حسنٍ، كما تقدَّم، عند أبي داوُدَ، والنَّسائِيِّ. ومِن ذلك الطَّريق خرَّجه التِّرمِذِيُّ أيضًا. ومُحمَّدُ ابنُ عبدِ الله بن حسنٍ لم ينفَرِد به، بل تابَعَه عبدُ الله بنُ سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة، كما ذكره التِّرمِذِيُّ. وَهَبْ أنَّه لم يُتابِعه أحدٌ، فماذا يضُرُّه؟! وكم خرَّج البُخارِيُّ في "صحيحه" لأفرادٍ لم يُتابِعهم أحدٌ، وكأنَّه ﵀ لا يَخلُو من رائحة نَصَبٍ ونُفورٍ عن أهل البيت الكِرام، كما يَدُلُّ عليه تجنُّبُه الرِّوايةَ عن أئمَّتِهم في "صحيحه"، مع روايته عن أعدائهم! بل عمَّن تَشهَدُ الآثارُ والنُّصوصُ بانسلاخهم من الإيمان جُملةً

стр. 120

واحدةً، لا سيَّما ومُحمَّدٌ، النَّفسُ الزَّكيَّةُ ﵁، راوي هذا الحديث، قد كان خَرَج على بني العَبَّاس، خُلفاءِ عصرِ البُخارِيِّ وحُكَّامِه، وأُولي الأمر فيه، وهم أعداءُ بني عليٍّ، وذُريَّةِ الزَّهراء -عليهم الصَّلاة والسَّلام-. فللَّه الأمر من قبل ومن بعد. أمَّا زَعمُ أنَّ رُكبتَي البعير في يده، فأوَّل من تولَّى كِبرَ ذلك الباطلِ، على ما أظُنُّ، هو الطَّحاوِيُّ، في "مُشكِل الآثار"، فإنَّه عقد للإشكال الوَارِد في هذا الحديث بابًا منه، فقال: "حدَّثَنا صالحُ بنُ عبد الرَّحمن ابن عمرو بن الحارث الأنصاريُّ، ثنا سعيدُ بن منصُورٍ، ثنا عبدُ العزيز ابنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُّ … -بسنده ومتنه، ثُمَّ قال:- فقال قائلٌ: هذا الكلامُ مستحيلٌ؛ لأنَّه نهاه إذا سجد أن يَبرُكَ كما يَبرُكُ البعيرُ، والبعيرُ إنَّما يبرُك بيديه، ثُمَّ أَتبَع ذلك بأن قال: ولكن ليضع يديه قبل ركبتيه، فكان ما في هذا الحديث، ممَّا نهاه عنه في أوَّله، قد أمَرَه به في آخرِه"، فتأمَّلْنا ما قال، فوجدناه مُحالًا، ووجَدنَا ما رُوي عن رسُول الله ﷺ في هذا الحديث مستقيمًا، لا إحالةَ فيه؛ وذلك أنَّ البعيرَ ركبتاه في يديه، وكذلك كلُّ ذي أربعٍ من الحيوان، وبنو آدم بخلاف ذلك؛ لأنَّ رُكبتَهم في أرجُلِهم، لا في أيديهم" ا. هـ. ولم يَفعَل الطَّحاوِيُّ شيئًا، إلَّا أنَّهُ زادَ في الطِّين بِلَّةً، والإشكالُ في الحديث بحاله؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أن يَفعلَ الرَّجلُ كما يَفعلُ البعيرُ، والبعيرُ يَبرُك فيُقدِّم يديه، سواءٌ كانت فيهما رُكبتاه، أو كانتا في رجليه، فمَن قدَّم يده في السُّجود فقد فعل كفِعلِ البعير، وهو مَنهيٌّ عنه. وآخِرُ الحديث يَأمرُه بتقديم يديه. فالإشكال بعينه موجودٌ، سِوى أنَّه لم يَكُن

стр. 121

مضافًا إليها هذه السَّخَافة، في دعوى أنَّ رُكبة ذَوِي الأربع كلِّها في يدها، لا في رِجلها. والذي يقتضيه النَّظَرُ، ويقبَلُه العقلُ هو أنَّ الحديثَ انقلب على الدَّرَاوَردِيِّ، بتفرُّدِه بتلك الزِّيادة فيه، عن مُحمَّدِ بن عبد الله بن حسنٍ؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ نافعٍ الصَّائغَ رواه عنه بدونها، فثَبَتَ أنَّها من الدَّرَاوَردِيِّ، وهو وإن كان من رجال الصَّحيح، إلَّا أنَّه يَهِمُ إذا حدَّث مِن حفظِه، كما قال أحمدُ بنُ حنبلٍ، وزاد أنَّه: "ليس بشيءٍ، وإذا حدَّث مِن حفظِه جاء بالبواطيل"، قلتُ: وهذا منها. وقال أبو حاتمٍ: "لا يُحتَجُّ به". وقال أبو زُرعة: "سيِّءُ الحِفظ". ولمَّا ذكره الذَّهَبِيُّ في "الميزان"، قال: "هو صدوقٌ، من عُلماء المدينة، وغيرُهُ أقوى منه". وقال أحمد أيضًا: "كان يقرأُ من كُتُبِ النَّاس فيُخطِئ، وربَّما قلَبَ حديثَ عبدِ الله ابن عُمَر فيرويه عن عُبيد الله بن عُمر". وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بالقويِّ". وقال ابنُ سعدٍ: "ثقةٌ كثيرُ الحديث يَغلَطُ"، ولذا لم يُخرِّج له البُخارِيُّ إلَّا مقرُونًا بغيره. وفيه كلامٌ أكثرُ من هذا. فلم يبق شكٌّ، في أنَّ الوهمَ في هذه اللَّفظةِ الباطلةِ منه، لا سيَّما وقد رَوى الحديثَ ثقةٌ آخرُ، عن شيخه، فلم يأتِ بها. وبهذا تَعلَمْ تَحَامُلَ البُخارِيِّ ﵀ على أهل البيتِ؛ فإنَّه أعلَّ الحديث بالنَّفسِ الزَّكيَّة، البريءِ من الحديث، وسَكَت عن تعليلِه بالدَّرَاوَردِيِّ، المُتفرِّدِ عنه بتلك الزِّيادة" انتهى كلامه. • قلتُ: والجوابُ عن هذا "الخَطَلِ" من عَشَرَةِ وُجوهٍ: * الأوَّلُ: أنَّ المُنَاوِيَّ أخطأ عندما قال إنَّ البُخاريَّ، والتِّرمِذِيَّ أعلَّاه بمُحمَّد بن عبد الله بن حَسنٍ؛ لأنَّ هذا يعني أنَّهُما ضعَّفَاه، أو تَكَلَّما فيه.

стр. 122

ومن الغرائب أنَّ الغُمَارِيَّ، مع حِرصِه على تعقُّب المُنَاوِيِّ في الذَّرَّة ومِثقالِ الذَّرة، لم يتعقَّبهُ في هذا؛ حتَّى يتسَنَّى له أن يَغمِز البُخارِيَّ، كما رأيتَ في كلامِه. والأغربُ من هذا، أنَّه نَقَلَ كلامَ البُخَارِيِّ بنصِّه من كتاب "التَّاريخ الكبير"، إذ قال: "لا يُتابَع عليه، ولا أدري: سمع من أبي الزِّناد، أم لا"، فالبُخارِيُّ أعلَّ الحديثَ بعِلَّتين: الأولى: أنَّ مُحمَّدَ ابنَ عبدِ الله بنِ حَسَنٍ لم يُتابَعْ عليه، والثَّانية: توقُّفُه في صِحَّة سماعه من أبي الزِّناد. إذن، فألمسألة مُتعلِّقَةٌ بالرِّواية. أمَّا الرَّاوي، فإنَّ رِوايتَه لا تَخرُج عن ثلاثة أنواعٍ: إمَّا أن يُتابَعَ، وإمَّا أن يُخالَفَ، وإمَّا أن يتفرَّدَ. وكلامُنَا هنا عن النَّوع الثَّالث، وهو التَّفرُّدُ. فحُكْمُ العُلماء أنَّ المتفرِّد إذا كان ضابطًا حافظًا، وتفرَّدَ عن شيخٍ، أنَّ تفرُّدَه مقبولٌ، ما لم يَقُم دليلٌ على وَهَمِهِ. ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن حسنٍ وثَّقَه النَّسائيُّ، وابنُ حِبَّان، ولا نعلم أحدًا جَرَحَه فيما يتعلَّقُ بالرِّواية، ولكنَّه كان مُقِلًّا، ولم يَجرَحهُ البُخاريُّ، ولا التِّرمِذِيُّ، ولا الدَّارَقُطنِيُّ، فما معنى قولِ هذا المُعتَدِي على الأئمَّةِ، الواقفِ على عتبات الرَّفضِ: إنَّ البُخاريَّ متحاملٌ على أهل البيت، ويُرَى منه "رائحةُ نَصَبٍ"؟! * الثَّاني: سلَّمنا أنَّه جَرَحه، فهل يقول عاقلٌ: إنَّ هذا من العداء لأهل البَيت؟! وهل كلُّ من انتسب من المُتأخِّرين، على توالي القرون، لأهل البَيت من الثِّقاتِ العُدولِ، أم فيهم ضعفاءُ ومتروكون، بل وكذَّابُون؟! وعلى هذا، يُرَدُّ على كُلِّ الأئمة أقوالُهم في الرُّواة، فإذا جَرَح أحدٌ النُّقَّادِ راويًا ينتمي إلى مذهبٍ ما، قيل له: أنت مُتحامِلٌ عليه، كما

стр. 123

فعل الحنفيَّة مع المُحدِّثين، لمَّا جَرَحوا أبا حنيفة، ورَمَوهُ بسوء الحِفظ. * الثَّالثُ: أنَّه أساء الأدبَ في خطابِه الأئمَّةَ، فهو يَزعُم أنَّ التِّرمِذِيَّ، والدَّارَقُطنِيَّ قلدا البُخارِيَّ في حُكمه، وهو يُكَرِّر هذا القولَ السَّاقطَ في جميع كُتُبه تقريبًا، وبكثرةٍ ملحوظةٍ في كتابه "المُداوِي" خاصَّةً. والرَّجُل كان يَدَّعي الاجتهادَ -ولا أدري إن كان المُطلَقَ أم لا؟! -، وكان يُحارِب التَّقليدَ حربًا لا هَوَادَةَ فيها، حتَّى أنَّه كان إذا تناول هذه المسألةَ حصل له ما يُشبِه الهَذَيَانِ إذا تكلَّم. وهو معذورٌ في أصل المسألة؛ لأنَّه وجد أنَّ رَانَ التَّقليدِ قد ضَرَبَ بِجِرَانِهِ على أُمَّتِنا من قرونَ طويلةٍ، ووجد عُلماءَ كبارًا كانوا يتجَلَّدُون حقَّ الجَلَادة في اتِّباع الأئمَّة، مع أنَّ دليلَ المُخالِف ظاهرُ الرُّجحان، لكنَّه يتمَحَّلُ في تأويله، ثُمَّ جاء بَعدَهُم عُلماءُ، لكنَّهم ليسوا كبارًا، بل يُشبِهُون أهل زمانهم، فتَعَبَّدُوا بالتَّقليد، وأنَّه لا يجُوزُ لأحدٍ أن يُخالِف إمامَه، وفَرَّعُوا مسائلَ على ذلك، وأنَّ الحَنَفيَّ مَثَلًا، أو غيرَه مِن مُتَّبِعِي المذاهب، إذا خالف مذهَبَهُ في مسألةٍ، إلى خِلَافِها في مذهبٍ آخرَ لرُجحان الدَّليل، هل يَبقَى حَنَفِيًّا أم لا؟ وتَجِدُ هذا الكلامَ في الكُتُب التي تُعنَى بالفتوى وأحكامها، في سلسِلَةٍ طويلةٍ من التَّفريعات، بعضُها مُثيرٌ للغَيظِ حقًّا. وجد الغُماريُّ القِصَّةَ هكذا، فانبَرَى يُحارِبهُا -وهو عَصَبيُّ المِزاج بطبعِهِ-، فتَفَوَّه بكلامٍ جارحٍ جدًّا، مَسَّ به علماءَ كبارًا، لمُجرَّد أنَّه فَهِم من كلامِهم ما يُخالِف فَهمَهُ. وخُذ هذه المسألةَ التي نُناقِشُها الآن مثلًا على ذلك. فهو يَدَّعِي أنَّ التِّرمِذيَّ، والدَّارَقُطنِيَّ قلَّدَا البُخارِيَّ في حُكمِه على مُحمَّد بن عبد الله بن حَسَنٍ، مع أنَّ البُخارِيَّ، ومعه الإمامان، لم يَحكُمَا عليه، إنَّما

стр. 124

حَكَما على رِوايته، كما مرَّ في الوجه الأوَّلِ. وقد اتَّفَق أهلُ العِلم جميعًا على أنَّ هؤلاء الأئمَّةَ من كبار المُجتَهِدِين، وأنَّهم إذا اتَّفَقُوا على كلمةٍ في راوٍ فهذا يعني أنَّ كُلَّ إمامٍ سَبَرَ مَروِيَّاتِ هذا الرَّاوِي، على عادَتِهم في ذلك، ثُمَّ خَرَج بهذا الحُكمِ عليه. ولا يَعنِي هذا أنَّهُم كانوا يَحكُمون على الرُّواة دُون النَّظَرِ إلى ما قاله أهلُ العلم السَّابِقِينَ عليهم فيه، بل كانُوا يَنقُلُون كلامَهم، موافقين لَهُم عليه، لا مُقلِّدين، مثلما يَفعَلُ الغُمارِيُّ وغيرُه إذا تَبَنَّوْا حُكمًا على راوٍ ما، أو حُكمًا فِقهيًّا، فهو مسبوقٌ إلى القول الذي انتَحَلَهُ قَطعًا، فلو قُلتَ له: أنتَ مُقلِّدٌ في هذا الحُكم لأنك مسبوقٌ، لأَنكَرَ عليكَ غايةَ الإنكار، وقال: أنا وافقتُهُم في هذا بعد بحثٍ وتَحَرٍّ، ولا يستطيعُ أن يقول غيرَ ذلك، وإلَّا رَمَى نفسَه بالتَّقليد. وقد تقدَّم ما يَدُلُّ على الذي سيحصُل لك إذا رمَيتَه بهذا! نعم! قد يُقلِّد العالمُ غيرَه من أَهلِ الاجتهادِ إذا لم يَكُن له رأيٌ في المسألةِ، لكنَّهُ يكونُ بصيرًا عادةً بما يختارُهُ من قولِ من سَبَقُوه، وإن لم يكن له رأيٌ خاصٌّ. ولكن، تبقى هذه المسألةُ من النَّادِر الذي لا يُقاسُ عليه. والمسائلُ المتعلِّقة بالاجتهادِ والتَّقليدِ كثيرةٌ مُتشعِّبةٌ، وفيها تفصيلٌ كثيرٌ، والحقُّ وَسَطٌ دائمًا بين طَرَفي نقيضٍ. فهذه الدَّعوى الباطلةُ: أنَّ المُتأخِّرَ لا بُدَّ أن يُقلِّد المتقدِّم إذا وافقه في القول، لا تَنطَبِقُ على الأئمَّة القُدامَى، فهم أهلُ الاجتهادِ حقًّا. فجَرَّهُ عدمُ التزام العدلِ أن يُسَوِّي بين أهل الاجتهاد من المتقدِّمين، وأهلِ التَّقليدِ من المُتأخِّرين.

стр. 125

ثُمَّ ماذا يقولُ هذا المُعتَدِي على الأئمَّة فيما فَعلَهُ الدَّارَقُطنِيُّ مثلًا في كتابَيه "الإلزامات" و "التَّتَبُّع"، من إلزام الشَّيخين، وتعقُّبِهِما في أحاديثَ في "صحيحَيهما". وأنا أخشى لو كان حيًّا أن يَقُولَ: تعقَّبَهُما للشُّهرة، وإلَّا لو صَوَّبَ صَنِيعَهُ لنَقَضَ قولَه: إنَّه مُقَلِّدٌ للبُخاريِّ، أو لغيرِه ممَّن سَبَقُوه. وقد رأيتُهُ رَدَّ كلامًا للنَّسائِيِّ، وأبي حاتمٍ، وأبي زُرعَة وغيرِهم، بعبارَةٍ خَشِنَةٍ؛ لأنَّ ابنَ مَعِينٍ، وأحمدَ سَبَقُوا إلى جرحِ راوٍ، وافَقَهُمَا عليه هؤُلاء الأئمةُ، وقال: هُم مُقَلِّدُون لَهُما. وإنَّما أُتِيَ مِن كَونِهِ لا يَعرِف أقدارَ الأَئِمَّة المُتقَدِّمِين، وليس عِندَهُ خَبرٌ بسِعَةِ عِلمِهم، وهذا رُبَّما يُشِير إلى ما عِندَه مِن بَأْوٍ، وإِنَّما "يَعرِف الفضلَ لأهل الفَضلِ ذَوُو الفَضلِ". فهذا الرَّجُل غريبٌ جدًّا في أطواره، لا يُراعِي لأحدٍ يُخالِفه حُرمةً، ونادرًا ما يَعتَرِفُ لمخالِفِه بالفضلِ في شيءٍ إذا غَضِب عَلَيه. نعوذُ بالله من الخُذلَان. * الرَّابع: قولُه عن تَفَرُّد مُحمَّدِ بنِ عبد الله بن حَسَنٍ: "وهَبْ أنَّه لم يُتابِعه أحدٌ، فماذا يضُرُّه؟! وكم خرَّج البُخارِيُّ في "صحيحه" لأفرادٍ لم يُتابِعهم أحدٌ" ا. هـ. فَهذا القولُ يُنبِيْكَ عن عِلمِ الغُمارِيِّ. فهل يقولُ عالمٌ: إنَّ الرُّواةَ على دَرَجةٍ واحدةٍ من الضَّبط والإِتقانِ، بحيثُ يُقبَلُ تفرُّدُ كلِّ ثِقةٍ، ولو قَبِل تفرُّدَ بعضِ الرُّواة، ورَدَّ البعضَ الآخرَ عُدَّ متناقضًا؟! فالبُخارِيُّ مثلًا إذا قَبِلَ تفرُّدَ راوٍ، وأَدخله في "كتاب الصَّحيح"، فلا بُدَّ أن يكون الحديثُ محفوظًا عنده، وهو محفوظٌ عند سائر العُلماء الذين جاءُوا بعدَه، وقَرَؤُوا "صحيحه"؛ إذْ لم يتعقَّبُوه في هذا. فهل نُسَوِّي بين

стр. 126

تَفرُّدِ الرَّاوي في أحد "الصَّحيحين"، وبين وُجود الحديث في كتابٍ آخرَ لإمامٍ لم يَدَّع الصِّحَّة في كتابه كالشَّيخين، أمثالِ أصحابِ السُّنَن، وغيرِهم؟! وكَم من أحاديثَ رَدَّها البُخاريُّ ومُسلِمٌ وغيرُهما لأئمَّةٍ كبارٍ، كمالكٍ، والسُّفيانَينِ، والحَمَّادَين، ومَعمَرٍ، وغيرِهم من الثِّقات، وقالوا: وَهِمَ فيه فلانٌ، مع أنَّه من جِبال الحِفظ. فهل يعني أنَّ البُخاريَّ إذا خرَّج رواياتٍ لرواةٍ انفَرَدُوا بأحاديثَ، أَن أُلزِمَهُ بأن يَقبَل تفرُّدَ كُلِّ راوٍ ثقةٍ، وإلَّا عُدَّ مُتناقِضًا؟! أمَّا كلامُهُ عن "نَصَب" البُخارِيِّ، وأنَّه يَروِي عن "أعداء" أهل البَيتِ، في الوقت الذي تَجَنَّب الرِّواية عن أكابِرِهم، فلا نُسَوِّدُ وجه القِرطَاسِ بالرَّدِّ عليه، إذ المِدادُ أغلى مِن أَن نُهدِرَهُ في رَدِّ هذا الهَذَيَان، بل الكَذِبِ الصُّرَاحِ على البُخارِيِّ، والأَمرُ كما قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾، وكما قال أبو العَتاهِيةِ: إِلَى دَيَّانِ يَومِ الدِّينِ نَمضِي … وَعِندَ الله تَجتَمِعُ الخُصُومُ * الخامس. أنَّه دفع تعليلَ البُخَارِيَّ بتفرُّد مُحمَّد بن عبد الله، فقال: "لم ينفرد به؛ فتابعه عبدُ الله بن سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن أبيه، عن أبي هُريرَةَ". وأنا مُضطرٌّ هنا أن أَذكُر ما يعرفه صبيان المُتعلِّمين، أنَّ هذه ليست متابعةً. ومُحمَّدُ بنُ عبد الله بن حسنٍ إنَّما يرويه عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة. بينما عبدُ الله بنُ سعيدٍ يرويه عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة. فهذان إسنادان مُختَلِفان عن أبي هُريرَة. فحتَّى يتمَّ ردُّ تعليلِ البُخَارِيِّ، لا بدَّ أن تكون المتابَعةُ لمُحمَّدٍ تامَّةً، فيرويه عبدُ الله بنُ

стр. 127

سعيدٍ -مَثَلًا-، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة، فأين المُتابَعةُ إذن؟! سلَّمنا أنَّه تابعه متابَعةً تامَّةً، فلم يَقُل لنا الغُمارِيُّ ما حالُ عبدِ الله بنِ سعيدٍ المَقبُرِيِّ؟! فاسمع ما قاله الأئمَّة فيه. قال يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ: "جلستُ إلى عبد الله بن سعيد بن أبي سعيدٍ مجلِسًا، فعرَفتُ فيه الكَذِبَ". وقال أحمدُ: "مُنكَر الحديث، متروكُ الحديث"، وكذلك قال عَمرُو بنُ عليٍّ. وقال ابنُ مَعِينٍ: "ضعيفٌ، ليس بشيءٍ، لا يُكتَب حديثُه". وقال البُخاريُّ: "تَرَكوه". وقال النِّسَائِيُّ: "ليس بثقةٍ". وقال أبو زُرعة الرَّازِيُّ: "ضعيفُ الحديث، لا يُوقَفُ منه على شيءٍ". وقال الحاكمُ أبو أحمدَ: "ذاهبُ الحديث". وقال ابنُ عَدِيِّ: "عامَّةُ ما يرويه الضَّعفُ عليه بيِّنٌ". وقال ابنُ حِبَّان: "كان مِمَّن يقلبُ الأخبارَ، ويَهِمُ في الآثارِ، حتَّى يسبقَ إلى قلبِ من يسمَعُها أنَّه كان المُتَعَمِّدَ لها". فلِمَ ذَكَر الغُمارِيُّ هذه المُتابَعة، ولم يُبَيِّن حال راويها: أهو مِمَّن تنفع متابعتُه أم لا؟! * السَّادس: قولُه: "والذي يَقتَضِيهِ النَّظَرُ، ويقبَلُهُ العقلُ هو أنَّ الحديثَ انقَلَبَ على الدَّرَاوَردِيِّ؛ بتفرُّدِهِ بتلك الزِّيادَةِ". فهذا القولُ مِمَّا يُتَفكَّهُ به، وهو مردودٌ بداهةً؛ إذ ليس عليه ثَمَّةَ دليلٌ، وحَسبُك أنَّ أحدًا لم يتفوَّه به، مع كثرة من تَكلَّم في هذه المسألة، وهذا بحقِّ الدَّرَاوَردِيِّ.

стр. 128

والغُمَارِيُّ أخذ هذه الدَّعوَى من ابنِ القَيِّم، لكن ابن القَيِّم احتاط لِنَفسِهِ في العِبارة، وعبارتُهُ في "الزَّاد" (١/ ٢٢٦): "وكان يَقَعُ لي أنَّ حديثَ أبي هُرَيرَةَ كما ذكَرنَا، ممَّا انقَلَبَ على بعض الرُّواةِ متنُه وأصلُه، ولعله: "ولْيَضَع رُكبَتَيهِ قبل يَدَيهِ"، كما انقَلَبَ على بعضهم حديثُ ابنِ عُمَر: "إِنَّ بِلالًا يُؤَذِّنُ بليل، فكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مكتومٍ"، فقال: " … ابنَ أُمِّ مَكتُومٍ يُؤَذِّنُ بليلٍ، فكُلُوا واشرَبُوا حتَّى يُؤذِّنَ بِلالٌ". وكما انقَلَب على بعضِهم حديثُ: "لا يزَال يُلقَى في النَّارِ، فتقُولُ: هَل مِن مَزِيدٍ … -إلى أن قال:- وَأَمَّا الجَنَّةُ فَيُنشِئُ اللهُ لها خَلقًا يُسكِنُهُم إيَّاهَا"، فقال: "وَأَمَّا النَّارُ، فيُنشِئُ اللهُ لها خلقًا يُسكِنُهم إِيَّاها"، حتَّى رأيتُ أبا بكرٍ ابنَ أبي شَيبَة قد رواه كذلك، فقال ابنُ أبي شَيبَة: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن فُضيلٍ، عن عبد الله بن سَعِيدٍ، عن جَدِّه، عن أبي هُريرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: إذا سَجَدَ أحدُكم، فليبدأ برُكبتَيه قَبل يَديه، وَلا يَبرُك كَبُرُوكِ الفَحلِ" انتهَى. • قلتُ: هذا كلامُ ابنِ القَيِّم ﵀، وفيه نَظَرٌ عريضٌ؛ لأنَّ الأحاديثَ التي ذَكَرَهَا قام الدَّليلُ على أنَّها ممَّا انقَلَب على الرَّاوِي -مع أنَّ حديث أذانِ بلالٍ عارَضَ في دَعوَى القَلبِ فيه الحافظُ في "الفتح"، ورَدَّ على ابن عبد البَرِّ وغيرِهِ هذه الدَّعوَى-. ومِثلُهُ ممَّا لَم يَذكُرهُ ابنُ القَيِّم حديثُ مُسلِمٍ: "ورَجُلٌ تَصَدَّقَ بشمالِهِ، حتَّى لا تَعلَمَ يمينُهُ ما أَنفَقَت شمالُهُ"، وهذا مقلوبٌ -كما حرَّرتُهُ في الحديث رقم (١٤٢) من هذا الكتاب-. فليس معنى أنَّ أحاديثَ قُلِبَت على بعض الرُّواةِ أن يكون حديثُنا مِن هذا الضَّرْب. بَيْدَ أنَّ ابنَ القَيِّم استدلَّ على انقلاب الحديثِ

стр. 129

على رَاوِيهِ بما رواه عبدُ الله بنُ سعيدٍ المَقبُرِيُّ، عن جَدِّه، عن أبي هُريرَة، مرفُوعًا: "إذا سَجَدَ أحدُكُم فليبدأ برُكبَتَيهِ قبل يديه، ولا يَبرُك كَبُرُوك الفَحلِ". ولا يَجُوزُ أن يُستَدَلَّ بمِثل هذا؛ لأنَّ عبدَ الله بنَ سعيدٍ سَاقِطُ الحديثِ، متروكٌ -كما مَرَّ ذِكرُه في الوجه السَّابق-. فلا تَثبُت دعوى ابنِ القَيِّم، ولذلك رَدَّ عليه مُلَّا عَلِي القَارِي في "مَرقَاة المفاتيح" (١/ ٥٥٢) بقوله: "ودَعوَى ابنِ القَيِّم أنَّ حديث أبي هُريرَة انقلبَ متنُه على راويه فيه نَظَرٌ؛ إذ لو فُتِح هذا البابُ لم يَبقَ اعتمادٌ على رِوايةِ راوٍ، مع كونِها صحيحةً" انتهى. * السَّابع: قوله: "أمَّا زَعمُ أنَّ رُكبتي البعير في يده، فأوَّلُ من تولَّى كِبرَ ذلك الباطلِ، على ما أظنُّ، هو الطَّحاوِيُّ … " انتهى. فهذا هو الظَّنُّ الباطلُ بعينه، والظَّنُّ أَكذَبُ الحديث. وقد سَرَدتُ لك فيما مضى جملةً من الأحاديث الصَّحيحة، أوَّلُها فيه نصٌّ صريحٌ قاطعٌ من سُراقة بن مالكٍ، لمَّا قال: "وساخت يدا فَرَسِي في الأرض، حتَّى بلغَتَا الرُّكبتين"، فدلَّ على أنَّ رُكبة البعير في يده، وأحاديثَ أُخرى صحيحةً دلَّت على أن البُروكَ إنَّما يكون على الرُّكبة. ولا يجوز، لا شرعًا، ولا لغةً، أن يقول قائلٌ: بَرَك فلانٌ على يديه، إلَّا إذا كان أعجميَّ الفَهم. وقد نصَّ سائرُ علماء اللُّغة في "معاجمهم"، على أنَّ رُكبةَ كلِّ ذي أربعٍ في يديه، وعُرقوباه في رجليه، ولم يُخالِف في هذا أحدٌ نعلمُهُ. ومن الطَّريف قولُ الغُمَارِيِّ: "والبعير يَبرُكُ، فيُقدِّم يديه، سواءٌ كانت فيهما رُكبتاه، أو كانتا في رجليه".

стр. 130

ولم يقُل أحدٌ من بني آدم نعلمُهُ: إنَّ الرُّكبةَ يُمكنُ أن تكون في رِجلَي البعير الخَلفِيَّتَين، إنَّما يُسمِّيها النَّاس "عُرقُوبًا". وإنَّما سُمِّيت الرُّكبةُ رُكبةً لأنَّ صاحبَها يَركَبُها، ويَعتَمِدُ عليها إذا نزل. * الثَّامن: قولُه "هذه السَّخافة، في دَعوَى أنَّ رُكبة ذَوِي الأربع كلِّها في يدها … الخ". أقولُ: قد ذكرتُ لك قَبلَ ذلك من قال بأنَّ رُكبة ذوي الأربع في يديها، وأنَّهم كلُّ علماء اللُّغة، وهم فضلاءُ أجِلَّاءُ، من أصحاب النَّظَر الصَّحيح، بخلاف من يَخبِطُ خَبطَ عشواء، ويَركَبُ في دعواه الظَّلماء، وقد عَرَفنا من هو السَّخيفُ حقًّا!! * التَّاسع: وهو أنَّه ذكر كلامَ العُلماءِ في الدَّرَاوَردِيِّ، ونَقَل القَدْحَ فيه، ثُمَّ قال: "وفيه كلامٌ أكثرُ من هذا. فلم يبق شكٌّ، في أنَّ الوَهَمَ في هذه اللَّفظة الباطلة منه، لا سيَّما وقد رَوى الحديثَ ثقةٌ آخرُ عن شيخِه، فلم يأتِ بها. وبهذا، تَعلَم تَحامُل البُخارِيِّ … الخ". • قلتُ: لقد عدَّ العُلماءُ من ضُروب الخيانة العِلمية أن يَذكُر المرءُ الجرحَ في الرَّاوي دون التَّعديل، وهذا المُعترِض ذَكَر أقوالَ العُلماء الذين جَرَحوا الدَّرَاوَردِيَّ، فنقل قولَ النَّسائِيِّ: "ليس بالقويِّ"، وترك قولَه الآخرَ: "ليس به بأسٌ، وحديثُه عن عُبيد الله بن عُمر مُنكَرٌ". ولم يَنقُل قولَ ابنِ مَعِينٍ رأسًا، وقد قال فيه: "ثقةٌ حُجَّةٌ"، وقال مرَّةً: "ليس به بأسٌ"، وسُئل: فسُليمانُ بنُ بلالٍ أحبُّ إليك، أو الدَّرَاوَردِيُّ؟ فقال: "سُليمانُ. وكلاهما ثقةٌ". ووثَّقَه العِجِليُّ، وابنُ حِبَّان، وقال: "كان

стр. 131

يُخطئ". وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "ثِقةٌ ثَبتٌ". وبدأ الذَّهَبيُّ ترجمَتَهُ في "الميزان" بقوله: "صدوقٌ. غَيرُهُ أقوى منه"، ثُمَّ عَلَّم بما ما يَدُلُّ على أنَّ الرَّاجِح في أمره التَّقوِيَةُ. ثُمَّ قولُهُ: "غيرُهُ أقوى مِنهُ" لا تَدلُّ على الجرح، إلَّا عِندَ من يُعرَف عنه أنَّها جَرحٌ كالبَرْدِيجِيِّ مثلًا. * العاشرُ: قولُ الغُمارِيِّ: "وقد رَوَى الحديثَ ثقةٌ آخرُ، عن شيخه، فلم يأت بها". فهذا الثِّقةُ الآخَرُ هو عبدُ الله بنُ نافعٍ الصَّائغُ، وقد وثَّقَه ابن مَعِينٍ، والنَّسائِيُّ في روايةٍ. وقال أبو زُرعَة، والنَّسائِيُّ: "ليس به بأسٌ". وقال أحمدُ: "لم يَكُن في الحديث بذاك". وقال أبو حاتمٍ: "ليس بالحافظ، وهو ليِّنٌ في حِفظِه، وكتابُهُ أَصحُّ"، وكذلك قال ابنُ حِبَّانَ. وقال البُخارِيُّ: "في حفظه شيءٌ، يُعرَف حفظُه ويُنكَر، وكتابُهُ أصحُّ". فهل مِثلُ هذا يُقال فيه "ثقةٌ"، هكذا بإطلاقٍ، كأن ليس فيه نَوعُ جَرحٍ؟! ولستُ أسعى ببحثي هذا أن لا أعتدَّ بروايته، كلَّا، لكنِّي قصدتُ الرَّدَّ على الغُمارِيِّ في تَجَنِّيهِ على العُلماء، وله مِن أمثال هذا كَثِيرٌ. على أنَّ رواية عبدِ الله بنِ نافعٍ المُجمَلةَ ستُرَدُّ حتمًا إلى روايةِ عبد العزيز الدَّرَاوَردِيِّ المُفصَّلةِ، كما سبق وأشرتُ إليه. ولعلَّ الدَّهشةَ تَعقِد لسانَك، وتَحتَوِي جَنَانَك، عندما تراه يَتكَلَّم عن الدَّرَاوَردِيِّ، فجَعَل يسوقُ قولَ الجَارِحِين، ويُكثِّر عَدَدَهم، ليدلُّك على أنَّ روايتَه مُنكَرةٌ، فهلَّا اكتفَى بواحدٍ مُتقدِّمٍ جَرَحَهُ، إذ -على مذهبه

стр. 132

الذي أَشَرنَا إليه في الوجه الثَّالث- أنَّ المُتأخِّرَ يُقَلِّد المُتقدِّم؟! لكنَّه لمَّا احتاج إلى الطَّعن فيه جَمَعَ جَرَامِيزَهُ، ليُرِي القارئَ أنَّ الرَّجُل لا تُقبَل روايتُه. وهكذا تكون "الأمانة" عند الغُماريِّ. وصَدَق أبو الطَّيِّب، إذ قال: وَمَن جَهِلَت نَفسُهُ قَدرَهَا … رَأَى غَيرُهُ مِنهُ مَا لَا يَرَى ووالله! لو تَفَرَّغتُ لكتابه هذا، وحَاكَمتُهُ إلى القواعد الِعلميَّة التي أَسَّسَها عُلماؤُنا، لكان كِتابُه "فضيحةً"، ولو كان عندي من الوَقتِ سَعَةٌ لوَضَعتُ على كتابه كتابًا يُساوِيه في مُجَلَّداته، وسَمَّيتُه "الكاوي على المُداوِي"، وكما يُقال: آخر الطِّبِّ الكَيُّ! فليَقُم بهذا أحدُ تلاميذنا النَّابهين. والحُكم لله العَليِّ الكبيرِ. وقد فصَّلتُ الكلامَ عن هذه المسألةِ تفصيلًا، ورددتُ على كلِّ مَن كتب فيها، في كتابِي "نهي الصُّحبة عن النُّزول بالرُّكبة"، في طَبعَتِه الجديدة، التي سأدفَعُها إلى المطبعة قريبًا، إن شاء الله تعالى.

стр. 133

٣٢ - سُئلتُ عن حديث: "مَن حَجَّ هَذَا البَيتَ، فَلَم يَرفُثْ، وَلَم يَفسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتهُ أُمُّهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرجه البُخاريُّ (٣/ ٣٠٢، ٣٠٤)، ومُسلمٌ (١٣٥٠)، من حديث أبي هُريرة ﵁.

стр. 134

٣٣ - سُئلتُ عن حديث: صلاة حِفظ القُرآن. • قلتُ: هذا حديث مُنكَرٌ باطلٌ. يرويه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، وعِكرمةَ، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّه قال: بينما نَحنُ عِندَ رسُولِ الله ﷺ ، إذْ جاءَهُ عليُّ بن أبي طالِبٍ، فقال: "بِأَبِي أنتَ وأُمِّي! تَفَلَّت هذا القُرآنُ مِن صَدري، فما أَجِدُنِي أَقدِرُ عَلَيه"، فقال رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا الحَسَن! أَفَلَا أُعلِّمُك كَلِماتٍ، يَنفَعُك اللهُ بِهِنَّ، ويَنفَعُ بهنَّ مَن علَّمْتَه، ويُثبِّتُ ما تَعَلَّمتَ في صَدرِك؟ "، قال: "أَجَل، يا رسُولَ الله! فعلِّمْنِي"، قال: "إذَا كانَ ليلةُ الجُمُعةِ، فإن استطَعتَ أَن تَقُومَ في ثُلُث اللَّيل الآخِرِ؛ فإنَّها سَاعَةٌ مَشهُودةٌ، والدُّعاء فِيهَا مُستَجَابٌ، وقد قال أَخِي يعقُوبُ لبَنِيهِ: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ [يوسف: ٩٨]، يقُولُ: حتَّى تَأتِي لَيلةُ الجُمُعة، فإن لم تَستَطِع فقُم فِي وَسَطِها، فإن لم تَستَطِع فقُم في أوَّلها. فَصَلِّ أربعَ رَكْعاتٍ، تَقرَأُ في الرَّكعة الأُولَى بـ "فاتِحَةِ الكِتابِ" وسُورَةِ "يس"، وفي الرَّكعة الثَّانيَة بـ "فاتِحَةِ الكِتاب" وبـ "حم الدُّخَان"، وفي الرَّكعة الثَّالِثَة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و "آلم * تَنزِيلُ السَّجدة"، وفي الرَّكعَة الرَّابِعةِ بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و "تَبارَكَ المفصَّل". فإذا فَرَغتَ من التَّشهُّد، فاحمَدِ اللهَ، وأَحسِن الثَّنَاءَ على الله، وصَلِّ عليَّ وأَحسِن، وعَلَى سائِرِ النَّبِيِّين، واستَغفِر للمُؤمِنِين والمُؤمِنَات، ولإخَوانِك الذين سَبَقوك بالإِيمانِ، ثُمَّ

стр. 135

قُل في آخِرِ ذلِك: اللَّهُمَّ! ارحَمنِي بِتَركِ المَعَاصِي أبدًا ما أَبقَيتَنِي، وارحَمنِي أن أَتكلَّف ما لا يَعنِينِي، وارزُقنِي حُسنَ النَّظَر فيما يُرضِيك عَنِّي، اللَّهُمَّ! بَدِيعَ السَّمَاوات والأَرضِ، ذَا الجَلال والإِكرام، والعِزَّةِ التي لا تُرَامُ، أَسأَلُكَ يا اللهُ! يا رَحمَنُ! بجَلَالِكَ ونُورِ وَجهِك، أن تُلزِمَ قَلبِي حِفظَ كِتابِك كما عَلَّمتَنِي، وارزُقنِي أن أَتلُوَهُ على النَّحو الذي يُرضِيكَ عَنِّي، اللَّهُمَّ! بدِيعَ السَّمَاوات والأَرضِ، ذَا الجَلالِ والإِكرَام، والعِزَّةِ التي لا تُرَامُ، أسألُكَ يا اللهُ! يا رَحمَنُ! بجَلالِكَ ونُورِ وَجهِك، أن تُنَوِّر بِكِتَابِك بَصَرِي، وأن تُطلِقَ بِهِ لِسَانِي، وأن تُفَرِّج به عن قَلبِي، وأن تَشرَحَ به صَدرِي، وأن تَغسِلَ به بَدَنِي؛ فإِنَّه لا يُعِينُنِي على الحَقِّ غيرُك، ولا يُؤتِيهِ إلَّا أَنتَ، ولا حَولَ ولا قُوَّةَ إِلَّا بالله العِليِّ العَظيمِ. يا أبا الحَسَن! فَافعَل ذلك ثَلَاث جُمَعٍ، أو خَمسًا، أو سَبعًا تُجَبْ بإِذن الله، والذي بَعَثَنِي بالحَقِّ! ما أَخطأَ مُؤمِنًا قَطُّ"، -قال عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ:- فوالله! ما لَبِث عليٌّ إلَّا خَمسًا، أو سَبعًا، حتَّى جَاءَ عليٌّ رسُولَ الله ﷺ في مِثلِ ذلك المَجلِسِ، فقال: "يا رَسُولَ الله! إنِّي كُنتُ فيما خَلَا لا آخُذ إلَّا أربعَ آياتٍ، أو نَحوَهُن، وإذا قَرأتُهُنَّ على نَفسِي تَفَلَّتنَ، وأنا أَتَعَلَّمُ اليومَ أربَعِين آيةً وَنَحوَها، وإذا قَرأتُها على نَفسِي فكأنَّما كِتابُ الله بَين عَينَيَّ، ولقد كُنتُ أَسمَعُ الحديثَ، فإذا رَدَّدتُهُ تَفَلَّت، وأنا اليَومَ أَسمَعُ الأحاديثَ، فإذا تَحَدَّثتُ بها لم أَخرِم مِنهَا حَرفًا"، فقال له رسُولُ الله ﷺ عِند ذلك: "مُؤمِنٌ، ورَبِّ الكَعبةِ! يا أبا الحَسَن! ". أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٣٥٧٠)، قال: حدَّثَنا أَحمَدُ بن الحَسَن .. وابنُ أبي عاصِمٍ في "الدُّعَاء" -كما في "النُّكَت الظِّراف" (٥/ ٩١) -،

стр. 136

ومِن طَرِيقِه الشَّجَرِيِّ في "الأَمَالِي" (١/ ١١٣ - ١١٤) قال: حدَّثَنا مُحمَّد ابن الحُسَين الرَّازِيُّ -وكان صَدُوقًا- .. وعُثمانُ بنُ سَعيدٍ الدَّارِمِيُّ -كما في "النُّكُت" (٥/ ٩١) -، ومِن طَرِيقِهِ الحَاكِمُ (١/ ٣١٦ - ٣١٧)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغِيبِ" (١٢٧٠) عن عُثمانَ بنِ سعيدٍ الدَّارِمِيِّ .. والحاكمُ أيضًا، وابنُ مَردَوَيهِ -كما في "النُّكَت" (٥/ ٩١) -، والبَيهَقِيُّ في "الصِّفات" (٦٧٣) عن أبي عبدِ الله البُوْشنْجِيِّ مُحمَّد بن إبراهيمَ العَبْدِيِّ .. قالوا: ثنا سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن، قال: حدَّثَنا الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، قال: حدَّثَنا ابنُ جُرَيجٍ بهذا. قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ غريبٌ. لا نَعرِفُهُ إلَّا مِن حديث الوليد بن مُسلِمٍ". ووَقَعَ في "أطراف المِزِّيِّ" أنَّهُ قال: "حديثٌ غريبٌ". وهذا هو اللَّائِقُ بحال الحديث. وتُوبع سُليمانُ بنُ عبد الرَّحمن .. تابعه هِشامُ بنُ عَمَّارٍ، ثنا الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، بهذا الإسناد بطُولِهِ. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "الأَفراد"، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعَات" (٢ - ١٣٨ - ١٣٩) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بنُ الحَسَن بنِ مُحمَّدٍ المُقرِئُ، قال: حدَّثَنا الفَضلُ بنُ مُحمَّدٍ العَطَّارُ، قال: حدَّثَنا هِشامُ بنُ عَمَّارٍ بهذا. قال الدَّارَقُطنِيُّ: "تفرَّدَ به هِشامٌ، عن الوليدِ".

стр. 137

كذا قال! ورِوَايَةُ التِّرمِذِيِّ ترُدُّ عليه. • قلتُ: فقد رأيتَ -أَرَاكَ اللهُ الخَيرَ- أنَّهُ رواهُ عن الوَلِيدِ بنِ مُسلِمٍ اثنان: * أوَّلُهما: سُليمانُ بنُ عبدِ الرَّحمن ابنُ بنتِ شُرَحبِيلَ، أحدُ الثِّقَات. والخَلَلُ في روايته يأتي من جِهَتَين: الأُولَى: إذا رَوَى عن الضُّعَفَاء والمَجَاهِيل، وكان مِن أَروَى النَّاس عَنهُم، كما قال أبُو حَاتِمٍ. ومن كَثُر هذا مِنهُ دلَّ على قِلَّة تمَيِيزٍ، كما قال أبو حاتِمٍ: "وهو عِندِي في حدِّ لَو أَنَّ رجُلًا وَضَعَ له حدِيثًا لم يَفهَم، وكان لا يُميِّز". الثَّانِيَةُ: قال يعقُوبُ بن سُفيانَ في "تاريخه" (٢/ ٤٠٦): "كان سُليمانُ صحيحَ الحديثِ، إلَّا أنَّهُ كان يُحوِّل، فإن وَقَعَ فيه شَيءٌ فَمِن التَّنَفُّل" انتهَى. وهذا أيضًا، مع أنَّهُ أَخَفُّ مِن قول أبي حاتِمٍ، إلَّا أنَّهُ يدُلُّ على عَجَلَةٍ، وقِلَّةِ مُبَالاةٍ. ولستُ أسعَى بهذا إلى تَضعِيفِهِ، إنَّما لِأُبيِّن كيف وَقَعَ له الوَهَمُ في هذا الحديثِ. وقد عَلَّق الشَّيخُ العَلَّامةُ عبدُ الرَّحمن بنُ يَحيَى المُعَلِّمِيُّ على قَولِ يعقُوبَ ابنِ سُفيانَ، في حاشِيَتِهِ على "الفوائد المجمُوعَة" (ص ٤٣) للشَّوْكَانِيِّ، فقال: "يَعنِي: أنَّ أُصُولَ كُتُبِهِ كانت صَحِيحةً، ولكنَّهُ كان يَنتَقِي مِنها أحاديثَ يَكتُبُهَا في أَجزاءَ، ثُمَّ يُحدِّث عن تِلكَ الأَجزَاءِ، فقَد يَقَعُ له خَطأٌ عِند التَّحوِيلِ، فيَقَعُ في بعضِ الأَحَادِيث في الجُزءِ خَطَأٌ، فيُحدِّث بِهِ. وَأَحسبُ بَلِيَّةَ هذا الخَبَر مِن ذاك، كأَنَّهُ كان في أَصلِ سُليمانَ خبرًا آخرَ، فيه: "حدَّثَنا الوَلِيدُ، حدَّثنا ابنُ جُرَيجٍ"، وعِندَهُ هذا الخَبَرُ بسَنَدٍ آخرَ إلى ابن جُرَيجٍ،

стр. 138

فانتَقَلَ نظَرُه عِند النَّقلِ مِن سَنَدِ الخَبَر الأَوَّل، إلى سَنَد الخبر الثَّانِي، فتَرَكَّبَ هذا الجُزءُ على ذاك السَّنَدِ، وكأنَّ هذا إنَّما اتَّفِق له أَخِيرًا، فلَم يَسمَع الحفاظُ الأَثبَاتُ كالبُخارِيِّ، وأبي زُرعَةَ، وأبي حاتِمٍ هذا الجُزءَ منه، ولو سَمِعَهُ أحدُهُم لنَبَّهَهُ، ليُراجِع الأصلَ" انتهَى. وهذا الكَلَامُ النَّفِيسُ يؤَيِّدُه قولُ الذَّهَبِيِّ في "الميزان" (٢/ ٢١٤): "فلعَلَّ سُليمانَ شُبِّه له، وأُدخِلَ عليه، كما قال فيه أبو حاتِمٍ: لو أنَّ رجُلًا وَضَعَ لَهُ حديثًا لم يَفهَم" انتهَى. • قلتُ: وكان سُليمانُ مِنَ الحُفَّاظ المَشهُورِين بِسِعَةِ مَروِيَّاتِهم، وقد قال الجُوْزْجَانِيُّ: "كُنَّا عند سُليمانَ بنِ عبدِ الرَّحمن، فلَمْ يَأذَن لنَا أيَّامًا، فلمَّا دَخَلنَا عليه، قال: بَلَغَنِي وُرُودُ هذا الغُلام الرَّازِيِّ -يعني: أبا زُرعَةَ-، فدَرَستُ لِلِقَائِهِ ثَلاثَمِئَةِ ألفَ حديثٍ"، وهذا العَدَدُ مع ضخَامَتِهِ، فليس كُلَّ مُحفُوظِهِ. فإذا كان مُكثِرًا هكذا، وهُو مع ذلك مِن أَروَى النَّاس عن الضُّعَفَاء والمَجَاهِيل، فدُخُولُ الخَلَل في رواياته مُتَحَقِّقٌ، لا مَحَالَةَ. أمَّا خَطَؤُهُ في نفسه فكما يُخطِئُ النَّاسُ، كما قال أبو داوُد. * أمَّا رِوايَةُ هشام بن عمَّارٍ، فقد مَرَّ بنا أنَّ الفَضلَ بن مُحمَّدٍ العَطَّارَ رواها عن هشامٍ، عن الوَلِيدِ بن مُسلِمٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، وعِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ. وخالَفَهُ جماعَةٌ، فرَوَوهُ عن هشامِ بنِ عمَّارٍ، قال: ثنا مُحمَّدُ بنُ إبراهِيمَ القُرَشِيُّ، حدَّثَنِي أبو صالحٍ، وعِكرِمةُ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال عليُّ ابنُ أيي طالبٍ: "يا رسُولَ الله! القُرآنُ يَنفَلِتُ مِن صَدرِي"، فقال النَّبيُّ

стр. 139

- ﷺ : "أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ، يَنفَعُك اللهُ بِهِنَّ، ويَنفَعُ مَن علَّمتَه؟ "، قال: "نَعَم! بأبي أنتَ وأُمِّي! "، قال: "صَلِّ ليلةَ الجُمُعةِ أَربَعَ رَكْعاتٍ، تَقرَأُ في الرَّكعة الأُولَى بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"يس"، وفي الثَّانيَة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و"حمَ الدُّخَان"، وفي الثَّالثة بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و "آلم* تَنزيلُ السَّجدة"، وفي الرَّابعةِ بـ "فاتِحَةِ الكتاب" و "تَبَارَكَ المفصَّل". فإذا فرَغتَ مِن التَّشهُّدِ، فاحمدِ اللهَ، واثنِ عليه، وصَلِّ على النَّبِيِّين، واستَغفِر للمُؤمِنِين، ثُمَّ قُل: اللَّهُمَّ! ارحَمنِي بِتَركِ المَعَاصِي أبَدًا ما أَبقَيتَنِي، وارحَمنِي مِن أَن أَتَكَلَّف ما يَعنِينِي، وارزُقنِي حُسنَ النَّظَر فيما يُرضِيك عَنِّي، اللَّهُمَّ! بَدِيعَ السَّماوات والأرضِ، ذا الجَلالِ والإِكرامِ، والعِزَّة التي لا تُرَامُ، أسأَلُكَ يا اللهُ! يا رحمنُ! بجَلَالِك ونُورِ وَجهِك، أن تُلزِم قَلبِي حُبَّ كِتابِك كما علَّمتَنِي، وارزُقنِي أن أَتلُوَهُ على النَّحو الذي يُرضِيك عَنِّي، وأَسأَلُك أن تُنَوِّر بالكِتابِ بَصَرِي، وتُطلِقَ به لِسَانِي، وتُفَرِّجَ به عن قَلبِي، وتَشرَحَ به صَدرِي، وتَستَعملَ بِهِ بَدَنِي، وتُقَوِّينِي على ذَلِك، وتُعِينَنِي عليه؛ فإنَّهُ لا يُعِينُنِي على الخير غيرُك، ولا يُوفِّقُ له إلَّا أنتَ. فَافعَل ذلك ثلاثَ جُمَعٍ، أو خَمسًا، أو سَبعًا، تَحفَظُهُ بإذن الله، وما أَخطَأَ مُؤمنًا قَطُّ"، فأتَى النَّبيَّ ﷺ بعد ذلك بسَبعِ جُمَعِ، فأخبَرَهُ بِحِفظِهِ القُرآنَ والحديثَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "مُؤمِنٌ، وربًّ الكَعبَةِ! عَلِّم أبا حَسن، عَلِّم أبا حَسنٍ". أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢٠٣٦)، وفي "الدُّعاء" (١٣٣٣) قال: حدَثَنا الحُسَين بن إسحاقَ التُّسْتَرِيُّ ..

стр. 140

وابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٥٧٩) قال: أخبَرَنَا عبدُ الله بن مُحمَّد ابن مُسلِمٍ، ومُحَمَّد بن خُرَيم بن مَروَانَ .. والعُقَيليُّ في "الضُّعَفَاء" (٥١٢٢) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ داوُد القُوْمَسِيُّ .. قالُوا: ثنا هشامُ بن عمَّارٍ بهذا. ورِوايةُ الجَمَاعَةِ عن هِشامٍ أَولَى مِن رِوايَةِ الفَضلِ بن مُحمَّدٍ العَطَّارِ، لا سِيَّمَا وهذا اتَّهَمَهُ الدَّارَقُطنِيُّ بوَضعِ الحديثِ، وهو مِن مَشَايخ ابنِ عَدِيٍّ، وقد عَقَدَ له تَرجَمةً في "الكامل" (٦/ ٢٠٤٣)، قال فيها: "حدَّثَنا بأحَادِيثَ، لم نَكتُبهَا عن غَيرِه. ووَصَل أحاديثَ. وسَرَق أحاديثَ. وزَادَ في المُتُون". فالغريبُ أن يُعَصِّب ابنُ الجَوزِيِّ جِنايَةَ هذا الإسنادِ بشَيخِ الدَّارَقُطنِيِّ وَحدِهِ -وهو الرَّاوِي عن الفَضلِ-، فقال في "الموضُوعَاتِ": "أنا لا أَتِّهِمُ به إلَّا النَّقَّاشَ شيخَ الدَّارَقُطنِيِّ؛ قال طلحةُ بنُ مُحمَّد بن جَعفَرٍ: كان النَّقَّاشُ يَكذِبُ، وقال البَرقَانِيُّ: كُلُّ حديثِهِ مُنكَرٌ، وقال الخطيب: أحاديثُهُ مَنَاكِيرُ بأسانيدَ مشهُورَةٍ" انتهَى. فرَدَّ عليه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ -كما في "اللَّآلئ المصنُوعَةِ" (٢/ ٦٧) - قائلًا: "هذا الكَلَامُ تَهَافُتٌ؛ والنَّقَّاشُ بريءٌ مِن عُهدَتِهِ؛ فإنَّ التِّرمِذِيَّ أخرَجَهُ في "جامِعِهِ"، مِن طريق الوَلِيدِ به" انتهَى. • قلتُ: إنَّمَا تَبرَأُ عُهدَةُ النَّقَّاش إذا تابَعَهُ أحدٌ مُتابَعَةً تامَّةً. والصَّوَابُ في رواية هشَام بنِ عمَّارٍ، أنَّهُ يَروِيهِ عن مُحمَّد بن إبراهيمَ القُرَشِيِّ، عن أبي صَالِحٍ، وعِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ. وهذا الإسنادُ ضعِيفٌ جدًّا؛ ومُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ هذا تَرجَمَهُ العُقَيليُّ في

стр. 141

مَوضِع الحديث، وقال: "مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبي صالحٍ: مَجهُولان جَمِيعًا بالنَّقل. والحديثُ غيرُ محفُوظٍ"، ثُمَّ خَتَمَ التَّرجَمةَ بقوله: "ليس يَرجِعُ مِن هذا الحديثِ إلى صِحَّةٍ، وكِلَا الحديثَينِ ليس لَهُ أصلٌ، ولا يُتابَعُ عَلَيهِ". • قلتُ: كذا ذَهَب العُقَيليُّ إلى أنَّ أبا صالحٍ هذا مجهولٌ، وخالَف في ذلك ابنُ الجَوزِيِّ، فقال في "الموضُوعات" (٢/ ٤٥٨ - الطَّبعة الجديدة) عقب الحديثِ: "وأبُو صالحٍ لا نعلمُهُ إلَّا إسحاقُ بن نَجِيحٍ، وهو مترُوكٌ"، وأقرَّهُ السِّيوطيُّ في "اللّآليء" (٢/ ٦٦)، وهو ليس عندي كما قال ابنُ الجَوزِيِّ ﵀، بل هو عندي أبُو صالحٍ مولَى أُمِّ هانئٍ، واسمهُ: باذَانُ، أو: باذَامُ؛ فقد ذَكَرُوا أنَّه يَروِي عن عِكرمَة، وهو أعلَى طبقَةً من إسحاقَ بنِ نَجِيحٍ المَلطِيِّ. فالصَّحيح عِندي أنَّهُ مولى أُمِّ هانئٍ، وهو ضعيفٌ جدًّا، وقلَّ مَن رَضِيهُ. واللهُ تعالى أعلَمُ. ولمَّا صحَّحَه الحاكمُ على شرطِ الشَّيخينِ، تعقَّبَهُ الذَّهبيُّ بقوله: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ شاذٌّ، أخافُ لا يكون مَوضُوعًا، فقد حيَّرَنِي والله جَودةُ إسنادِهِ! "، ثمَّ ذكر الذَّهبيُّ سند الحاكِم، وقال: "ذَكَره الوليدُ مُصرِّحًا بقوله: "ثنا ابنُ جُريجٍ"، فقد حدَّث به سُليمانُ قطعًا، وهو ثَبتٌ". وقال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، في ترجمة: "سُليمانَ ابنِ عبد الرَّحمن"، وذَكَر هذا الحديثَ، قال: "وهُو مع نظافةِ سَنَدِه، حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا، في نفسِي مِنهُ شيءٌ، فاللهُ أعلَم، فلعلَّ سليمانَ شُبِّهَ له، كما قال فيه أبُو حاتمٍ: لو أنَّ رجُلًا وَضَع له حديثًا لم يَفهَم".

стр. 142

وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٣٦١): "طُرقُ وأسانيدُ هذا الحديث جيِّدةٌ، ومتنُه غريبٌ جدًّا" ا. هـ. ولمَّا نَقَلَ ابنُ كثيرٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٢٩١) تَحسِين التِّرمذيِّ، أردَفَهُ بقولِهِ: "كذا قال" يعني أنَّه يُنكِره عليه. وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "لسان الميزان": "لعلَّ الوليدَ دلَّسَهُ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَر ابنُ أبِي حاتمٍ في ترجمة: "مُحمَّدِ بنِ إبراهيم القُرَشيِّ" أنَّه روى عنه الوَلِيدُ بنُ مُسلمٍ، وهِشامُ بنُ عمَّارٍ" ا. هـ. • قلتُ: وهذا الحديثُ مُنكَرٌ، وليس إسنادُهُ نظيفًا كما قال الذَّهبيُّ، ولا جيِّدًا كما قال المُنذِريُّ؛ فإنَّ الوليدَ بنَ مُسلِم دلَّسه ولم يُصرِّح بالتَّحديث إلَّا في شيخه حسبُ. والمعروفُ أنَّ مُدلِّسَ التَّسويةِ يلزَمُه التَّصريحُ بالتَّحديثِ في كُلِّ طبقات السَّنَد، وقد صرَّح بذلك جماعَةٌ مِن المُحقِّقين، مِنهُم الحافظُ في "الفتح" (٢/ ٣١٨)، في حديثٍ آخرَ رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، فقال: "وقد صَرَّح بالتَّحديث في جميع الإسناد". فقول الذَّهبيِّ: "إنَّ الوليد صَرَّح بالتَّحديث" لا يَخفَى ما فيه؛ فإنَّ الوليدَ لا يُدَلِّسُ تَدلِيسَ الإسنادِ حسب حتَّى يُقال فيه ذلك. وقد رأيتُ أبا حاتِمٍ الرَّازِيَّ سُئل عن حديثٍ -كما في "عِلَل وَلدِه" (١٨٧١، ٢٣٩٤) -، رواه بقيَّةُ بن الوليد، قال: حدَّثَنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ، وساق حديثًا. قال أبو حاتمٍ: "وكان بقيَّةُ يُدَلِّسُ، فظنُّوا هؤُلاء أنَّهُ يقولُ في كلِّ حديثٍ: حدَّثَنا، ولا يفتَقِدُون الخَبَر منه" ا. هـ.

стр. 143

ومَعنَى كلامِ أبي حاتمٍ -عندي- أنَّ علَّةَ الخَبَر هي مِن عَنعَنة بقيَّة بن الوليد؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ، فلا يقُولَنَّ أحدٌ: إنَّه صرَّح بالتَّحديث من ابن جُريجٍ، بل لا بُدَّ أن يُصَرِّح بالتَّحديث من فوق ابن جُريجٍ فصاعدًا، وهذا معنى قولِه: "لا يفتَقِدُون الخبر منه". ونَقَلَ كلامَ أبي حاتمٍ هذا: الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٢٩٨)، في ترجَمة: "هشام بن خالدٍ الأَزرَقِ"، ثُمَّ قال: "مِن ثقات الدَّمَاشقَة، ولكن يَرُوجُ عليه … -ثُمَّ قال، مُعقِّبًا على قول أبي حاتمٍ في تدليس بقيَّة:-هذا القولُ ينقُله إلى حديث حِفظِ القُرآن، فهو باطلٌ، وقد قال فيه: حدَّثَنا" انتهى. • قلتُ: وأنا لم أَفهَم كلامَ الذَّهَبِيِّ. ولا أعلَمُ أنَّ بقيَّةَ روَى حديث حفظِ القرآن الذي نحن بصَدَدِ الكلام عنه، إنَّما رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، كما مَرَّ بك، وهو -أعني الوليدَ- يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ كبقيَّةَ. فهل أراد الذَّهبيُّ أن يقُول: علَّةُ الخبرِ الذي رواه بقيَّةُ عن ابنِ جُريجٍ، مثلُ عِلَّة الخبرِ الذي رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ عن ابنِ جُريجٍ؟ فكلاهما صَرَّح بالتَّحديث من ابنِ جُريجٍ، وهذا لا يَكفِي، حتَّى يُصَرِّح بالتَّحديث في جميع الإسناد. هل أراد الذَّهَبيُّ هذا المعنَى؟! إن كان أرادَهُ فهذا يَرُدُّ قولَه المُتَقَدِّمَ آنفًا: "الوليدُ بنُ مُسلِمٍ صرَّح بالتَّحديث". وإن كان مرادُهُ غيرَ ذلك، فإنِّي لم أفهمه. والله أعلمُ. ثُمَّ ابنُ جُريجٍ مدلِّسٌ أيضًا، وقد عنعنه من جميعِ طُرُقه، وتدليسُهُ قبيحٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ، فقد يكونُ أَسقَطَ مِن الإسناد مُتَّهَمًا أو نحوَه، فتكون البَلِيَّةُ من ذاك السَّاقطِ.

стр. 144

وقد قال الحافظُ في "اللِّسان" (٦/ ٤٧٢): "رواه التِّرمِذِيُّ مِن طريق الوليد، عن ابن جُرَيجٍ، ليس بينَهُمَا واسطَةٌ. فلعلَّ الوليدَ دَلَّسَةَ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَرَ ابنُ أبي حاتمٍ في ترجَمَةِ: "مُحمَّد بن إبراهيم" أنَّهُ رَوَى عنهُ الوليدُ ابنُ مُسلِمٍ، وهشامُ بنُ عمَّارٍ" انتهَى. • قلتُ: وهذا التَّرَجِّي من الحافظِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّهُ ثبَتَ أنَّ الوليدَ بنَ مُسلِمٍ صرَّحَ بالتَّحديث مِن ابن جُرَيجٍ. نعم! يكونُ الكلامُ مقبُولًا لو كان ابنُ جُريجٍ هو الذي يروِيهِ عن مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ، فنقُولُ حينئِذٍ: إنَّ الوليدَ دلَّسَهُ؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسوِيَةِ، ويكُونُ مِن فوقِ شيخِ الوَلِيدِ. وبالجُملَةِ: فالحديثُ باطِلٌ. والحمدُ لله تعالَى. ووجدتُ للحديثِ طرِيقًا أخرَى عن ابن عبَّاسٍ، بسِيَاقٍ آخرَ .. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الدُّعاء" (١٣٣٤) قال: حدَّثَنَا يحيى بنُ أيُّوبَ العَلَّافُ المِصرِيُّ، ثنا أبو الطَّاهِرِ ابنُ السَّرحِ، ثنا أبو مُحمَّدٍ مُوسى بنُ عبدِ الرَّحمنِ الصَّنعَانِيُّ المُفَسِّرُ، حدَّثَنِي ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال. (ح) وحدَّثَنا (١) مُقاتِلُ بن حَيَّانَ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَن سَرَّهُ أن يُوعِيهِ اللهُ حِفظَ القُرآن وحِفظَ أصنافِ العلمِ فَليَكتُب هذا الدُّعَاءَ في إِناءٍ نَظِيفٍ، أو في صَحْفَةِ قَوارِيرَ، بعَسَلٍ، وزَعفَران، وماءِ مطَرٍ،

стр. 145

ويَشرَبه على الرِّيقِ، وليَصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، وليَكُن إفطارُهُ عليه؛ فإنَّهُ يَحفَظُها إن شاء اللهُ ، ويَدعُو به في أَدبَارِ صَلَواتِه المكتُوبَةِ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أسأَلُكَ بأنَّكَ مسؤُولٌ، لم يُسأَلْ مِثلُكَ، ولا يَسأَل، أَسألُكَ بحقِّ مُحمَّدٍ رسُولِك ونبِيِّك، وإبراهيمَ خَلِيلِكَ وصفِيِّك، ومُوسَى كلِيمِكَ ونجِيِّك، وعيسى كلِمَتِك ورُوحِك، وأسألُكَ بصُحُف إبراهيمَ، وتَورَاةِ مُوسَى، وزَبُور داوُدَ، وإنجِيلِ عِيسَى، وفُرقَانِ مُحمَّدٍ، وأسأُلُكَ بكُلِّ وحيٍ أوحَيتَهُ، وبكُلِّ حقٍّ قضَيتَهُ، وبكُلِّ سائلٍ أعطَيتَهُ، وأسأَلُكَ بأسمائِكَ التي دَعَاكَ بها أَنبِيَاؤُكَ فاستُجِيبَ لهم، وأسأَلُكَ باسمِكِ المخزُونِ المكنُونِ الطُّهرِ الطَاهِرِ المُطَهَّرِ المُبارَك المُقَدَّس الحَيِّ القَيُّومِ ذِي الجلال والإِكرَام، وأَسأَلُك باسمِكَ الواحِدِ الأَحَدِ الصَّمَدِ الفَردِ الوِترِ، الذي ملَأَ الأَركانَ كُلَّها، والذي مِن أركَانِكَ كُلِّها، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضعتَهُ على السَّمَاوَاتِ فقامَت، وأسأَلُك باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الأرَضِين فاستَقَرَّت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الجِبَالِ فرَسَت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على اللَّيلِ فأَظلَم، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضَعتَهُ على النَّهَار فَاستَنَارَ، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي يَحيَى به العِظامُ وهي رَمِيمٌ، وأسألُكَ بكتابك المُنزَّلِ بالحَقِّ، ونُورك التَّامِّ: أن تَرزُقَنِي حِفظَ القُرآن، وحِفظَ أصناف العِلمِ، وتُثَبِّتَهَا في قَلبِي، وأن تَستَعمِلَ بها بَدَنِي، في لَيلي ونَهَارِي، أبدًا ما أَبقَيتَنِي، يا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! ". وهذا حديثٌ باطلٌ، مُنكَرٌ جِدًّا؛ وآفتُهُ مُوسَى بنُ عبدِ الرَّحمنِ هذا: أَحَدُ التَّلفَى. قال ابنُ حِبَّان: "دَجَّالٌ. وَضَعَ على ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ،
следующие страницы →