قالت مِن خَيرٍ فَلَن تَكذِبَ" ثُمَّ احتُمِلَ، فَوُضعَ في قبرِه، فتَغيَّرَ لونُ النَّبيِّ ﷺ ، فقال المُسلِمُونَ: يا رسُولَ الله! إن كِدتَ لتَقطَعُنا - يعنونَ: في السُّرعةِ -! قال: "خَشِيتُ أن تَسبِقَنا الملائكةُ إلى غَسلِه كما سَبَقَتنَا إلى غَسلِ حَنظَلةَ بن أبي عامرٍ"، قالوا: يا رسُول الله! رأينَا لَونَكَ قد تغيَّر حينَ قَعَدتَ على القَبرِ. قال: "ضُّمَّ سَعدٌ في القَبر ضَمَّةً، ولو أُعفِيَ منها أَحَدٌ، أُعفيَ منها سَعدٌ"، وقال النَّبيُّ ﷺ : "نَزَلَ الأرضَ سَبعُونَ ألفَ مَلَكٍ لِشُهودِ سعدٍ، ما نَزَلُوها قطُّ، واستَبشَرَ به جميعُ أهلِ السَّماء، واهتزَّ له العَرشُ".
قال صالحٌ - يعني ابنَ مُحَمَّدٍ -، قال أبي: قال رجُلٌ لسعدِ بن إبراهيم: إنَّ العَرشَ تدعُوهُ العربُ السَّريرَ، وإنَّما يعنِي سَريرَ سَعدِ بن مُعاذٍ. قال سعدٌ: ما بَلَغَ سريرُ سَعدِ بن مُعاذٍ أن يَذكُرَهُ رسُولُ الله ﷺ (١).
وأخرَجَهُ ابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٤٢٩) قال: أخبَرَنا مُحمَّدُ بنُ عُمرَ، قال: حدَّثَني مُحمَّدُ بن صالحٍ بهذا الإسناد، وفيه: قال: فانتَهَى رسُولُ الله ﷺ وأمُّ سعدٍ تَبكِي، وهي تقُولُ:
ويلُ أمِّ سَعدٍ سَعدَا
جَلَادَةً وجِدَّا
فقال عُمرُ: … والباقي نحوَه إلى قوله: " … فلن تكذبَ".
وشيخُ ابن سَعدٍ هو الوَاقِدِيُّ، وهو مترُوكٌ. لكنَّه مُتَابَعٌ كما رأيتَ.
قال البزَّارُ: "وهذا الحديثُ لا نَعلَمُه يُروَى عن سعدٍ إلَّا مِن هذا الوجهِ بهذا الإسناد".
стр. 72
وأخرَجَهُ الدَّارَقُطنيُّ في "الأَفراد" (ق ٥٥/ ٢) وقال: "تفرَّد به مُحمَّد بنُ صالحٍ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، عن عامرٍ".
وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ٣٠٩): "رواهُ البَزَّارُ. وفيه يعقُوبُ بنُ مُحَمَّدٍ الزُّهرِيُّ، وقد ضعَّفَهُ الجُمهُور، ووُثِّق على ضعفِهِ. وصالحُ بنُ مُحمَّد بن صالحٍ التَّمَّارُ لم أَعرِفهُ. وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ".
• قلتُ: أمَّا صالحُ بنُ مُحَمَّدٍ فقد ترجَمَهُ البُخاريُّ في "الكبير" (٢/ ٢/ ٢٩)، ولم يَذكُر فيه جَرحًا ولا تعديلًا، ولكنَّهُ أشارَ إلى هذه الرِّواية، وأعلَّها بالمُخالَفة. فيَظهَرُ أن الهَيثميَّ ﵀ لم يُفَتِّش في "تاريخ البُخارِيِّ".
ولحديثِ مُحمَّد بن صالحٍ الفائتِ شاهدٌ مِن حديثِ محمُودِ بن لَبِيدٍ، قال: لمَّا أُصِيب أَكحَلُ سعدٍ يومَ الخَندَقِ فثَقُلَ، حوَّلُوهُ عندَ امرأةٍ يُقالُ لها رُفَيدَةُ، وكانت تُداوِي الجَرحَى، فكان النَّبيُّ ﷺ ، إذا مرَّ به يقولُ: "كيفَ أَمسَيتَ؟ "، وإذا أَصبَحَ قال: "كيفَ أصبَحتَ" فيُخبِرُهُ، حتَّى كانت اللَّيلةُ التي نقلَهُ قَومُهُ فيها، فثَقُل، فاحتَمَلُوه إلى بني عبدِ الأَشهَل إلى منازِلهِم، وجاء رسُولُ الله ﷺ كما كان يَسأل عَنهُ، وقالُوا: قد انطَلَقُوا به. فخَرَج رسُولُ الله ﷺ وخَرَجنَا مَعَهُ، فأَسرَعَ المَشيَ حتَّى تَقَطَّعَت شُسُوعُ نِعَالِنا، وسَقَطَت أَردِيَتُنا عن أَعنَاقِنا، فشَكَا ذلك إليه أصحابُهُ: يا رسُولَ الله! أَتعَبتَنَا في المَشي! فقال: "إنِّي أخافُ أَن تَسبِقَنا الملائِكَة إليه، فتغَسِّلَهَ كما غَسَّلَت حَنظَلَةَ"، فانتهَى رسُولُ الله ﷺ إلى البَيتِ وهو يُغَسَّل، وأُمُّهُ تبكيه وهي تقُولُ:
стр. 73
ويلُ أمِّ سعدٍ سعدَا
حَزَامَةً وَجِدَّا
فقال رسُولُ الله ﷺ : "كُلُّ نائحةٍ تَكذِبُ إلَّا أمَّ سَعدٍ"، ثُمَّ خَرَج به، - قال: - يقول له القومُ أو مَن شاء اللهُ منهم: يا رسُولَ الله! ما حَمَلْنَا ميِّتًا أخفَّ علينا مِن سَعدٍ! فقال: "ما يَمنَعُكُم مِن أن يَخِفَّ عَلَيكُم وَقَد هَبَطَ مِنَ الملائكَةِ كَذَا وَكَذَا - قَد سَمَّى عِدَّة كثيرةً لَم أَحفَظهَا - لم يَهبِطُوا قطُّ قبلَ يومِهِم، قد حملوهُ معكُم".
أخرَجَهُ ابنُ سَعدٍ (٣/ ٤٢٧) قال: أخبَرَنا الفضلُ بنُ دُكينٍ، قال: أخبَرَنا عبدُ الرَّحمن بنُ سليمانَ بن الغَسِيل، عن عاصمِ بن عُمرَ بن قتادةَ، عن مَحمُودِ بن لَبيدٍ بهذا.
وأخرَجهُ البُخارِيُّ في "التَّاريخ الكبير" (٤/ ١/ ٤٠٢) قال: قال لنا أبو نُعَيمٍ - وهو الفَضلُ بنُ دُكَينٍ - بهذا الإسناد مختصَرًا جدًّا.
وهذا إسنادٌ جيِّدٌ. ومحمُودُ بنُ لَبيدٍ اختلَفَ أهلُ العِلمِ في صُحبَتهِ، فذهبَ أكثرُهُم إلى أنَّه صحابيٌّ، كأحمدَ والبُخارِيِّ والتِّرمِذِيِّ وغيرِهِم، وعارَضَ في ذلكَ أبو حاتِمٍ ومُسلِمٌ.
قال ابنُ عبد البَرِّ في "الاستيعاب" (٣/ ٤٣٥): "قولُ البُخارِيِّ أولَى، وقد ذَكَرنَا من الأحاديثِ ما يَشهدُ لهُ، وهُو أولى بأن يُذكَرَ في الصَّحابةِ من محمُودِ بن الرَّبيع؛ فإنَّه أَسَنُّ منهُ. وذَكَره مُسلم في الطَّبقةِ الثَّانية منهم فلم يَصنَع شيئًا، ولا عَلِمَ مِنهُ ما عَلِمَ غيرُهُ. وكان محمُودُ بن لَبيدٍ أحدَ العُلماء".
وقال الحافظُ في "التَّهذيب": "على مُقتَضَى قولِ الوَاقِدِيِّ في سِنِّهِ
стр. 74
يكونُ له يومَ ماتَ النَّبيُّ ﷺ ثلاثَ عشرَةَ سَنَةً، وهذا يُقَوِّي قولَ من أثبَتَ الصُّحبَةَ".
ومن الغَرائبِ أن يقُولَ البَزَّارُ (٣٨٤ - البحر الزَّخَّار): "لا نَعلَمُ سمِعَ محمُودُ بنُ لَبيدٍ من عُثمانَ، وإن كان قدِيمًا" كذا قال!
وأخرَجَهُ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٤٢٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ زكريَّا، حدَّثَنا شيبانُ - يعني ابنَ فَرُّوخٍ -، حدَّثَنا يحيَى بنُ كثيرٍ أبو النَّضر، أخبَرَنِي يحيَي بنُ أبي كَثيرٍ، عن أبي حَمزَة، عن إبراهيمَ، عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "اهتزَّ العَرشُ لموتِ سَعدِ بن مُعَاذٍ، حتَّى تَخَلَّعَت أَعوَادُهُ". قال سعدٌ: وذاك أوَّلُ ما سَمِعنَا أن للعَرشِ أعوادًا.
• قلتُ: وفي إسنادِهِ يحيَى بنُ كَثيرٍ، وهو مُنكَرُ الحديث.
* حادي عَشَر: حديثُ مُجَمِّعِ بن جَارِيَةَ ﵁.
أخرَجَهُ أبو الحَسَن الحَمَّامِيُّ في "الأربَعينَ من الفوائد" (ق ١٦٨/ ٢ - تخريجُ ابن أبي الفَوَارِس) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ كامِلٍ القاضِي، قال: حدَّثَنا أبو قِلابةَ عبدُ المَلِكِ بنُ مُحَمَّدٍ، قال: حدَّثَنا عُمرُ بنُ أيُّوبَ الغِفارِيُّ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ - بنُ مَعْنٍ الغِفَاريُّ، قال: حدَّثني مُجَمِّعُ بنُ يعقُوبَ، عن أبيه، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ، عن عَمِّه مُجَمِّعِ بن جَارِيةَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ يومَ ماتَ سعدُ بنُ مُعاذٍ: "اهتزَّ لهُ عَرشُ الرَّحمَن. - قال: - وَنَزَلَت سَبعُونَ ألفًا من الملاِئكَةِ. - قال رسُولُ الله ﷺ -: كما وَجَدتُ مَقعَدًا في البَقيعِ حتَّى قبَضَ جِبرِيلُ جَنَاحَهُ، فَأَقعَدَنِي".
стр. 75
قال ابنُ أبي الفَوارِس: "غريبٌ من حديثِ عبدِ الرَّحمنِ بن يزيدَ بن جَارِيَةَ، عن عمِّه مُجَمِّعٍ. لا أعلَمُ حدَّثَ به إلَّا مُجمِّعُ بنُ يعقُوبَ عن أبيه".
• قلتُ: وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا بهذا السِّياقِ؛ وعُمرُ بن أيُّوبَ الغِفاريُّ أحدُ الهَلكَى، كان ممَّن يَضَعُ الحديثَ، كما قال الدَّارَقُطنيُّ والحاكمُ وغيرُهما.
• ثاني عشر: حديثُ أبي هُريرَة ﵁.
أخرَجَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٤٢٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن زكريَّا، حدَّثَنا شَيبانُ - يعني ابنَ فَرُّوخٍ -، حدَّثَنا يحيَي بنُ كَثيرٍ أبو النَّضرِ، عن مُحمَّدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "اهتزَّ العَرشُ لموتِ سَعدِ بن مُعَاذٍ".
وهذا حديثٌ مُنكَرٌ؛ وعلَّتُهُ أبو النَّضر. وقد مرَّ ذِكرُ حالِهِ قريبًا.
وهناك مراسِيلُ أيضًا في الباب:
كمُرسَل الحَسَنِ عند: سعيد بن مَنصُورٍ (٢٩٦٢)، والحَكِيمِ التِّرمِذِيِّ في "نوادر الأُصول" (ج ١/ ق ١٦/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الطَّبَقات" (٢/ ٣١٣)، وابنُ سعدٍ (٣/ ٤٣٤) ..
ومُرسَلِ يزيدَ بن الأَصَمِّ عند: ابن سعدٍ (٣/ ٤٣٥) ..
ومُرسَلِ أُميَّةَ بن عبدِ الله عند: مُحمَّدِ بن عُثمانَ بن أبي شيبَة في "العرش" (٥٢).
وبالجُملَة فالحديثُ، كما قال الذَّهَبِيُّ في "العُلُوِّ": "فهذا مُتواتِرٌ أَشهَدُ بأنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَهُ" ا. هـ.
• قلتُ: وأنا أَشهَدُ بذلك أيضًا ..
ورَضِي اللهُ عن سعدٍ.
стр. 76
١٨ - سُئلتُ عن حديث: "مَن كَتَمَ عِلمًا مِمَّا يَنفَعُ اللهُ بِهِ فِي أَمرِ النَّاسِ، أَمرِ الدِّينِ، أَلجَمَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نَارٍ".
• قُلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ، دُون قوله: "ممَّا ينفَع الله به في أمر النَّاس، أمرِ الدِّين".
أخرجه ابنُ ماجهْ (٢٦٥)، وأبُو نُعيمٍ في "المُستخرَج" (ج ١/ ق ٢/ ٢ - ٣/ ١)، من طريق عبد الله بن عاصمٍ، ثنا مُحمَّد بن دابٍ، عن صفوان بن سلَيمٍ، عن عبد الرَّحمن بن أبِي سعيدٍ الخُدريِّ، عن أبيه، مرفوعًا، فذكره.
وهذا سندٌ ساقطٌ؛ ومُحمَّد بن دابٍ كذَّبه ابن حِبَّانَ، وخلفٌ الأحمرُ، وقال: "يَضَعُ الحديث"، وبه أعلَّه أبُو زُرعةَ الرَّازيُّ، كما في "علل الحديث" (٢٨١٨) لابن أبِي حاتم.
ثُمَّ اعلَم! أن الحديث ثابتٌ بلفظ: "مَن كتَم علمًا أَلجمه الله بلجامٍ مِن نارٍ"، رواه عن النَّبيِّ ﷺ جماعةٌ من الصَّحابة، وأَمثَلُهَا حديثُ أبِي هُريرة، وحديثُ عبد الله بن عمرٍو، ﵃. وقد ذَكَرتُ أحاديثَهم كلَّها مع تخريجِهَا في "سدِّ الحاجة بتقريب سُنَن ابن ماجَهْ"، وسيُطبَع الجزءُ الأوَّل قريبًا، إن شاء الله تعالى.
стр. 77
١٩ - سُئلتُ عن حديث: قِيلَ: "يَا رَسُولَ الله! مَتَى نَترُكُ الأَمرَ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيَ عَنِ المُنكَرِ؟ "، قَالَ: "إِذَا ظَهَرَ فِيكُم مَا ظَهَرَ فِي الأُمَمِ قَبلَكُم"، قلنَا: "يَا رَسُولَ الله! وَمَا ظَهَرَ فِي الأُمَمِ قَبلَنَا؟ "، قَالَ: "المُلكُ فِي صِغَارِكُم، وَالفَاحِشَةَ فِي كِبَارِكُم، وَالعِلمَ فِي رَذَالَتِكُم".
وقد قرأ لبعض طلبة العلم أن أبا حاتمٍ الرَّازيَّ أعلَّ هذا الحديثَ، ولكنَّه إِعلالٌ مردودٌ. وخُلاصةُ بحثه أن مكحولًا، وهو أحدُ رواة الحديث، رواه على وجهين، وهذا لا يضرُّ.
• قُلتُ: هذا حديثٌ حسَنٌ.
أخرجه الطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (٤/ ٣١٤)، والطَّبرانيُّ في "مُسنَد الشَّاميِّين" (١٥٤٧)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٥/ ١٨٥)، وابن عساكرَ في "تاريخ دمشق" (ج ٤/ ل ١٨٤)، من طريق الهيثم بن حُميدٍ، عن حفص بن غَيلانَ، عن مكحولٍ، عن أنسٍ، فذكره.
قال أبُو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديث مكحولٍ، لم نَكتُبه إلَّا مِن هذا الوجه".
• قُلتُ: رواه عن الهيثم بن حُميدٍ اثنان من أصحابه: الحكمُ بن مُوسى، ومُحمَّدُ بنُ عائذٍ.
стр. 78
وتابعهما زيدُ بن يحيى بن عبيدٍ الخُزاعيُّ، فرواه عن الهَيثم، عن حفصٍ، عن مكحولٍ، عن أنسٍ به.
أخرجه ابنُ ماجَهْ (٤٠١٥) قال: حدَّثنا العبَّاسُ بن الوليدِ الدِّمشقيُّ، ثنا زَيد بن يحيى، فذكره.
وقد خُولِف العباس ..
خالفهُ أحمدُ بن حَنْبلٍ، فأخرجه في "مُسنَده" (٣/ ١٨٧)، ومن طريقه ابنُ عساكرَ في "تاريخ دمشق" (ج ٦/ ل ٦٨٤) قال: حدَّثنا زَيد بن يحيى، قال: نا أبُو سعيدٍ، نا مكحولٌ، عن أنسٍ، فذكره.
وأبو سعيدٍ هذا هو الشَّاميُّ، صاحبُ مكحولٍ. وقد رَوَى عن مكحولٍ، عن وَاثِلة بن الأسقع حديثين - وهما عند ابن ماجَهْ (٧٥٠، ١٥٢٥) -.
وهو مجهولٌ، كذا قال الدَّارقُطنيُّ في "السُّنن" (٢/ ٥٧)، والذَّهبيُّ، والعَسْقلانيُّ.
وقد اختُلِف في إسناده على وجهٍ آخرَ ..
فرواه ابن أبِي حاتمٍ في "العلل" (ج ٢/ رقم ٢٧٤٥)، عن أبيه، قال: حدَّثني العبَّاسُ بن الوليد، قال: حدَّثنِي أبِي، قال: حدَّثنا أبُو مُطيعٍ مُعاويةُ بن يحيى، عن زَيد بن واقدٍ، عن مكحولٍ، عن كَثِير بن مُرَّة، عن رجُلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ … فذكر الحديث.
قال أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ: "فكان هذا أشبَهَ من ذاك".
وهذا الاختلافُ لا يَضُرُّ بصحَّة الحديث، إن شاء الله تعالى.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 79
٢٠ - سُئلتُ: هل صحَّ شيءٌ في أمر ماشطة فِرعَوْن، فإنَّنا نسمع الخُطباء يذكرون في ذلك قصةً؟
• قُلتُ: أمَّا ماشطةُ فِرعَوْنَ، فلا أعلم فيها شيئًا صحيحًا يدخلُ في المرفوع.
فقد أخرج أحمدُ في "مُسنَده" (١/ ٣٠٩ - ٣١٠)، وأبو يعلَى (ج ٤/ رقم ٢٥١٧)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٢٢٧٩، ١٢٢٨٠)، وفي "الأوسط" - كما في "المَجمَع" (١/ ٦٥) -، والبزَّارُ (ج ١/ رقم ٥٤)، والحاكم (٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧)، والبَيْهقيُّ في "الدَّلائل" (٢/ ٣٦٣) من طرقٍ عن حمَّاد بن سلَمة، عن عطاءِ بن السَّائب، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: قال رسول الله ﷺ : "لمَّا كانت اللَّيلةُ الَّتي أُسِري بي فيها، أَتَتْ عليَّ رائحةٌ طيِّبةٌ، فقُلت: يا جِبريلُ! ما هذه الرَّائحةُ؟ فقالَ: هذه رائِحةُ ماشطةِ ابنةِ فِرعَوْن وأولادِها. - قال: - قُلتُ: وما شأنُها؟ قال: بينما هي تُمشِّطُ ابنة فِرعَوْنَ ذات يومٍ، إِذ سقطت المِدْرَى من يديها، فقالت: بسم الله!. فقالت لها ابنةُ فِرعَوْن: أبِي؟ قالت: لا، ولكن ربِّي وربُّ أبيك اللهُ. قالت: أُخبرُهُ بذلك؟ قالت: نعم. فأخبَرَته، فدعاهَا، فقال: يا فُلانةُ! وإنَّ لكِ ربًّا غيري؟! قالت: نعم! ربِّي وربُّك اللهُ. فأَمَرَ ببقرةٍ من نُحاسٍ فأُحمِيَت،
стр. 80
ثم أَمَرَ بها أن تُلقَى هي وأولادُها، قالت: إنَّ لي إليك حاجةٌ. قال: وما حاجَتُك؟ قالت: أُحبُّ أن تجمع عظامِي وعِظامَ وَلَدِي في ثَوبٍ واحدٍ، وتَدفِنَنَا. قال: ذلك لك عَلَينا مِنَ الحقِّ. - قال: - فأمر بأولادها، فأُلقُوا بين يَدَيها واحدًا واحدًا، إلى أنْ انتَهَى ذلك إلى صبيٍّ لها مُرضَعٍ، وكأنَّها تَقَاعَسَت من أجلِهِ، قال: يا أُمَّهُ! اقتحمي! فإنَّ عذابَ الدنيا أهونُ مِن عذاب الآخرةِ. فاقتحمت". - قال: - قال ابنُ عبَّاسٍ: "تكلَّم أربعةٌ صغارٌ: عيسى ابنُ مريم ﵍، وصاحبُ جُرَيْجٍ، وشاهدُ يُوسُف، وابنُ ماشطةِ امرأةِ فِرعَوْن".
قال الحاكم: "صحيحُ الإسنادِ"، ووافقه الذَّهبيُّ!
وعَزَاه السِّيُوطيُّ في "الدُّرِّ المنثُورِ" (٤/ ١٥٠) للنَّسائيِّ، وابنِ مَردَوَيهِ، وقال: "بسندٍ صحيحٍ" كذا قال!
وقال ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٣/ ١٥): "إسنادٌ لا بأس به"!
• قلتُ: وفي كلِّ ذلك نظرٌ؛ لأنَّ عطاء بن السَّائب كانَ اختَلَطَ، وحمَّاد بن سَلَمة كان ممَّن سمِع منه قبل الاختلاط وبعده، فَلَم يتميَّز حديثُهُ، فوَجَبَ التَّوقُّف فيه.
وقد رَوَى العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٩٩) بسندٍ صحيحٍ عن وُهيبٍ، قال: "قَدِم علينا عطاءُ بن السَّائب، فقُلتُ: كم حَمَلت عن عُبيدة؟ قال: أربعين حديثًا. قال عليٌّ: وليس يَروِى عن عُبيدةَ حرفًا واحدًا. فقُلتُ: فَعَلام يُحملُ هذا؟! قال: علَى الاختلاط، إِنَّهُ اختَلَط. قال عليُّ بن المدينيِّ: قُلت ليحيَى - يعني القطَّان -، وكان أبُو عَوَانة حَمَل
стр. 81
عن عطاء بن السَّائب قبل أن يختلطَ، فقالَ: كان لا يَفصِل هذا من هذا، وكذلك حمَّاد بن سَلَمة" ا. هـ.
• قُلتُ: ونَقَل الحافظُ ابن حَجَرٍ في "التَّهذيب" (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧) هذه الفَقرة عن العُقيليِّ، ثُمَّ قال: "فاستَفَدنا من هذ القصَّةِ أن رِوَاية وُهيبٍ، وحمَّادٍ، وأبي عَوَانة عنه في جُملةِ ما يَدخُلُ في الاختلاط" ا. هـ. فهذا هُو التَّحقيقُ في المسألة، فلا يَنبغِي ردُّه إلَّا ببُرهانٍ.
وله شاهدٌ من حديثِ أُبَيِّ بن كعبٍ مرفوعًا بنحوِهِ، وفي سياقِهِ زيادةٌ.
أخرجَهُ ابنُ ماجَهْ (٤٠٣٠)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٥/ ل ٦٤١ - ٦٤٢) من طريقَيْن عن الوليد بن مُسلِمٍ، ثنا سعيدُ بنُ بُشيرٍ، عن قتادة، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن رسول الله ﷺ أنَّه ليلَةَ أُسرِي به، وجَدَ ريحًا طيِّبة، فقال: "يا جبريلُ! ما هذه الرِّيحُ الطَّيِّبةُ؟ "، قال: "هذه ريحُ قبر الماشِطةِ وابنَيها وزَوجِها. - قال: - وأنَّ الخَضِرَ كان مِن أشرافِ بني إسرائِيلَ، وكان ممرُّهُ براهِبٍ في صَومَعَتِهِ، فيطَّلِعُ عليه الرَّاهبُ، فيُعلِّمُهُ الإسلامَ، فلمَّا بلغَ الخضرُ زوَّجَهُ أبُوه امرأةً، فعلَّمَها الخضِرُ، وأخذَ عليها أن لا تُعلِمَهُ أحدًا، وكان لا يَقرَبُ النِّساءَ، فطلَّقَها، ثُمَّ زوَّجه أبوه أُخرَى، فعلَّمَها، وأخذَ عليها أن لا تُعلِمَهُ أحدًا، فكَتَمَت إحداهُما وأفشَت عليه الأُخرَى، فانطَلَق هاربًا حتَّى أتى جزيرةً في البَحر، فأقبَلَ رجُلان يَحتَطِبانِ، فرأياهُ، فكَتَمَ أحدُهُما وأفشَى الآخَرُ، وقال: قد رأيتُ الخَضِرَ. فقيل: ومَن رآهُ معكَ؟ قال: فلان. فسُئِل، فكَتَمَ، وكان في دينِهِم أن مَن كَذَبَ قُتِلَ. - قال: - فتزوَّجَ
стр. 82
المَرأةَ الكاتمةَ، فبينما هي تمَشُطُ ابنةَ فرعونَ، إذ سقط المُشطُ. فقالت: تَعِس فرعونُ! فأخبرَت أباها، وكان للمرأةِ ابنان وزوجٌ، فأرسلَ إليهِم، فراوَدَ المرَأةَ وزَوجَها أن يرجِعا عن دينهما، فأبَيَا. فقال: إنِّي قاتِلُكُما. فقالا: إحسانًا منك إلينا، إن قَتَلتنا أن تَجعَلَنا في بيتٍ، ففعل". فلمَّا أُسري بالنَّبيِّ ﷺ وَجَدَ ريحًا طيِّبةً، فسأل جبريلَ، فأخبَرَهُ.
• قُلتُ: وهذا سياقٌ مُنكَرٌ؛ والوليدُ بن مُسلِمٍ كان يُدلِّس تَدليسَ التَّسويَةِ، ولم يُصرِّح في جميع الإسنادِ. وسعيدُ بن بُشيرٍ ضعيفٌ، خصوصًا في قَتادة، وهذه الرِّوايةُ من هذا القَبِيلِ.
وخُلاصةُ القولِ أن الحديثَ لا يَصحُّ مرفوعًا إلى النَّبي ﷺ .
واللهُ أعلمُ.
стр. 83
٢١ - سُئلتُ عن حديث: "اتَّقُوا بَيتًا يُقَالُ لَهُ الحَمَّامُ"، فَقَالُوا: "يَا رَسُولَ الله! إِنَّهُ يَذهَبُ بِالدَّرَنِ، وَيَنفَعُ المَرِيضَ؟ "، قال: "فَمَن دَخَلَهُ فَليَستَتِر".
وقال سائلُه: إن كان صحيحًا، فهل لا يجوز أن أَدخُل حمَّامَ بيتِي؟!
• قُلتُ: هذا حديثٌ منكَرٌ، والصَّواب فيه الإرسال.
فأخرَجَه البزَّارُ (ج ١/ رقم ٣١٩)، والبيهقيُّ (٧/ ٣٠٩) من طريق يُوسُفَ بن موسَى، ثنا يَعلَى بن عُبيدٍ، ثنا سُفيان، عن ابن طاوُوسَ، عن أبيه، عن ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: "احذَروا بيتًا … الخ".
قال البزَّار: "وهذا رواه النَّاسُ عن طاوُوسٍ مُرسَلًا، ولا نَعلَمُ أحدًا وصله إلا يُوسفُ، عن يَعلَى، عن الثَّوريِّ".
ويَعلَى بنُ عُبيدٍ مُتكلَّمٌ في خُصوص روايته عن الثَّوريِّ.
وقد خالَفَهُ أبُو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، وهو ثقةٌ ثَبتٌ، فرواه عن سُفيان، عن ابن طاوُوس، عن أبِيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، مُرسَلًا.
قال البَيْهقيُّ: "رواهُ الجُمهُور، عن الثَّوريِّ، علَى الإرسال. وكذلك رَواهُ أيُّوبُ السَّختِيَانيُّ، وسُفيانُ بنُ عُيينةَ، ورَوحُ بنُ القاسم، وغيرُهُم، عن ابن طاوُوسٍ، مُرسلًا".
وكذلك رجَّح أبُو حاتمٍ الإرسالَ - كما في "عللِ وَلدِه" (٢٢٠٩) -.
стр. 84
وأخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٠٩٣٢)، والحاكمُ (٤/ ٢٨٨) من طريق عبد العزيز بن يحيَى الحرَّانيِّ، ثنا مُحمَّد بن سَلَمة، عن مُحمَّد بن إسحاقَ، عن ابن طاووسٍ. وعن أيوبَ السَّختِيانيِّ، عن طَاوُوسَ، عن ابن عبَّاسٍ، مرفُوعًا: "اتَّقُوا بيتًا … الخ".
وقال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ"، ووافقه الذَّهبيُّ! وليس كما قالا؛ ومُحمَّدُ بنُ إسحاق لم يَحتجَّ به مُسلمٌ، ثُمَّ هو مُدلِّسٌ، وقد عنعنه، وقد خالَفَهُ الفُحُولُ، فأَرسلُوه كما تقدَّم.
وعبدُ العزيزِ بنُ يحيى الحرَّانيُّ، وإن كان ثقةً، فهو لَيسَ مِن رجالِ مُسلِمٍ. واللهُ أعلَمُ.
أمَّا توهُّم السَّائل أن الحمَّام في الحديثِ هو الحمَّاماتُ الَّتي في الدُّور الآنَ، فليس كذلك؛ فإنَّ الحمَّامات لَم تكُن آنذاك في البُيوت، بل كانَت فيما يُشبِه الآن الميادينَ العامَّةَ.
واللهُ أعلمُ.
стр. 85
٢٢ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَتَلَ عُصفُورًا بِعيرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللهُ عَنهُ يَومَ القِيَامَةِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجه أحمدُ (٢/ ١٦٦، ١٩٧)، وأَسَدُ السُّنَّة في "الزُّهد" (١٠٤ - بتحقيقي)، ويعقوبُ بنُ سُفيان في "تاريخه" (٢/ ٢٠٨) من طريق حمَّاد بن سَلَمة، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن صُهيبٍ الحَذَّاءِ، عن عبد الله بن عمرو بن العاصِ مرفُوعًا به.
وقد تُوبِع حمَّادُ بن سلَمة ..
تابعه سُفيان بنُ عُيَينة فرَوَاه عن عمرِو بن دِينارٍ، لكنَّه قال: "صُهيبٌ مولَى عبدِ الله بن عَامرٍ".
أخرجه النَّسَائيُّ (٧/ ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢٣٩)، والشَّافعيُّ في "مُسنَده" (١٧٦٦)، والحُمَيديُّ في "المُسنَد" (٥٨٧)، والطَّيالسِيُّ (٢٢٧٩)، وعبدُ الرَّزَّاق في "المصنَّف" (رقم ٨٤١٤)، والفَسَوِيُّ في "تاريخه" (٢/ ٢٠٨، ٧٠٣)، والطَّحاوِيُّ في "المشكل" (١/ ٣٧٢)، والحاكِم (٤/ ٢٣٣)، والبَغَويُّ في "شرح السُّنَّة" (١١/ ٢٢٥).
قال الحاكمُ: "صحيحُ الإسناد"، ووافقه الذَّهبيُّ. وليسَ كما قالَا؛ لِمَا يأتي.
стр. 86
زاد الحُميدِيُّ في روايته: "فقيل لسُفيَانَ: فإنَّ حمَّاد بن زَيدٍ يقولُ فيه: أخبرنَا عمرٌو، عن صُهيبٍ الحَذَّاء؟ فقال سُفيانُ: ما سمعتُ عَمرًا قال قطُّ: صُهيبٌ الحَذَّاء، ما قال إلَّا: صُهيبٌ مولَى عبد الله بن عَامِرٍ". ووقَعَت هذه المراجَعة أيضًا عند الفَسَوِيِّ في "تاريخه"، لكنَّه قال: "حمَّاد"، ولم يَنسِبْهُ. ولم أَقِف على هذه الرِّواية لحمَّاد بن زَيدٍ. لكنَّ الذي وَقَفتُ عليه من روايتِهِ عند الفَسَوِيِّ (٢/ ٢٠٨)، قال: حدَّثنا سُليمان بن حربٍ، ثنا حمَّاد بن زَيدٍ، عن عمرِو بن دِينارٍ، عن عبد الله بن عمرٍو، فذكره، فلم يَذكُر "صُهيبًا". فلا أَدرِى، أَسقَطَ من الإسناد أم لا؟
ولَو ثَبَتَ أنَّ حمَّاد بن زَيدٍ يروِيهِ مثلَ روايةِ حمَّادِ بن سلَمة لكانَ مُرجِّحًا قويًّا لروايتِهِ.
وقَد وجدتُ لسُفيانَ بن عُيَينة مُتابِعًا.
تابعه شُعبةُ بن الحجَّاجِ فرواه عن عمرِو بن دينارٍ بسندِهِ سواءٌ.
أخرجه أحمدُ (٢/ ١٦٦، ٢١٠)، والطَّيالسِيُّ (٢٢٧٩).
ويُمكنُ الجمعُ بينَ رِوَايتِهِما وروايةِ حمَّادٍ، بأنَّ صُهيبًا الحَذَّاء هو مولى ابن عامرٍ، كما ذكر ابنُ حِبَّانَ وغيرُه.
وخالفَهُم أَبَانُ بن صالحٍ، فرواه عن عمرِو بن دِينارٍ، عن عمرِو بن الشَّريدِ، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ : "يا لَهَا مِن قتلِ عُصفُورةٍ! ".
فصار من مُسنَد الشَّريد بن سُويدٍ الثَّقفيِّ.
أخرجَهُ الطَّحاويُّ في "المُشكِل" (١/ ٣٧٢) قال: حدَّثنا أبُو أُمَيَّةَ، حدَّثنا خالدُ بن يزيدَ الكاهليُّ، حدَّثنا أبُو بكرٍ بنُ عيَّاشٍ، عن أَبَان بن صالحٍ بهذا.
стр. 87
وفي آخِرِهِ: قال أبُو بكرٍ - يعني: ابنَ عيَّاشٍ -: فما فوقَهُ، فما دونَهُ، إلَّا عجَّ إلى الله يوم القِيامَةِ: يا ربِّ! فُلان قتلني! فلا هو انتَفَعَ بي، ولا هو تَرَكَنِي أعيشُ.
ولكن أخرجَهُ الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٧٢٤٦) مِن طريق يَعقُوب بن سُفيان، ثنا خالدُ بن يزيدَ الكاهليُّ، ثنا أبُو بكرٍ بن عيَّاشٍ، عن أَبَان بن صالحٍ، عن ابن دِينارٍ، عن عمرو بن الشَّرِيد، عن أبيه، مرفُوعًا به.
كذا وقع في رواية الطَّبرانيِّ: "ابنُ دينارٍ"، بغيرِ تعيينٍ. والمَحفُوظُ في حديث الشَّريد بن سُويدٍ أن الَّذي يروِيهِ هو: صالحُ بنُ دِينارٍ، عن عمرِو بن الشَّريدِ، كما يأتي إن شاء اللهُ.
فلَستُ أدرِي: مَن الواهمُ في رواية الطَّحاويِّ؟ فلَعَلَّه - إن سلِمَ من التَّصحِيف - أَن يكُونَ مِن شيخِ الطَّحاوِيِّ، وهُو أبُو أُمَيَّةَ الطَّرسُوسِيُّ؛ ففي حفظِهِ مقالٌ.
وروايةُ ابن عُيينةَ ومَن مَعَهُ أَرجَحُ مِن غيرِ شكٍّ، ولكنِّي أُرَجِّح أنَّه وقع خطأٌ من النَّاسخِ أو الطَّابع، والكِتابُ مَلآنٌ بالأخطَاء الفاحشَةِ.
غَيرَ أن سَنَدَ هذا الحديث ضعيفٌ؛ وعلَّتُهُ: صهيبٌ مولَى ابن عامرٍ، فلَم يروِ عنهُ إلَّا عمرُو بنُ دينارٍ.
قال الحافظُ في "التَّلخيص" (٤/ ١٥٤): "وَأَعَلَّهُ ابنُ القطَّان بصهيبٍ مولى ابن عامرٍ الرَّاوِي عن عبدِ الله، فقالَ: لَا يُعرَف حالُه".
وترجمَهُ البُخاريُّ في "التَّاريخ" (٢/ ٢/ ٣١٦)، ولم يَذكُرْه إلَّا برواية عمرٍو.
стр. 88
وقال الذهبيُّ في "الضُّعفاءِ": "لا يُعرَف".
ولكنَّهُ قال في "الميزان" (٢/ ٣٢١): "وعنه عمرُو بنُ دينارٍ فقَط، وبَعضُهم قوَّاهُ"، ولعلَّهُ يقصِد ابنَ حِبَّانَ، فقَد ذكرَهُ في "الثِّقات" (٤/ ٣٨١).
أمَّا حديثُ الشَّريد بن سُوَيدٍ ..
فأخرجه النَّسَائي (٧/ ٢٣٩)، والبُخاريُّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٨)، وأحمدُ (٤/ ٣٨٩)، وابنُ حِبَّانَ (١٠٧١)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ٧/ رقم ٧٢٤٥)، والدُّولابيُّ في "الكنَى" (١/ ١٧٥)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٧٣٧) من طريق عامرٍ الأحولِ، عن صالح بن دينارٍ، عن عمرِو بن الشَّريد، عن أبيه، فذكره.
وسنَدُه ضعيفٌ أيضًا؛ وصالحُ بن دينارٍ: ذكرُوا أنَّه لم يَروِ عنه إلَّا عامر الأحولُ، وقالَ الحافظُ: "مقبولٌ"، يعني عند المُتابَعة.
وعامرُ بن عبد الوَاحِدِ الأحول: فيه مقالٌ مِن قِبَلِ حفظه.
وأخرجه عبدُ الرَّزَّاق (ج ٤/ رقم ٨٤١٣) عن معمرٍ، عن قتادة، مُرسَلًا، أو مُعضَلًا.
وله شاهدٌ من حديث أنسٍ ﵁.
أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٣/ ١٠٤٧)، من طريق عيسى بن عبد الوَاحِدِ السُّلَميِّ، عن زيادِ بن المُنذِر، عن الحسَن، عن أنسٍ، مرفُوعًا: "مَن قَتَلَ غصفُورًا عَبَثًا جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ وَلَهُ صُرَاخٌ عِندَ العَرشِ".
وأخرجَهُ القُضَاعيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٥٢٤) عن السَّرِيِّ بن عبد الله السُّلميِّ، عن أبي الجَارُود - وهو زيادُ بن المُنذِر - بِهِ.
стр. 89
ولعلَّه "عيسى" أو "السَّريُّ"، أحدُهُما مُصحَّفٌ عن الآخرِ. وقد أَلمحَ لذلك شيخُنا الألبانيُّ - حفظه الله - في "غاية المرام" (ص ٤٨).
والسَّند ضعيفٌ جدًّا؛ وزيادُ بن المُنذِر كذَّبهُ ابنُ مَعِينٍ.
والسَّريُّ: قال الذَّهبيُّ: "لا يُعرَف، وأخبارُهُ نكِرَةٌ".
واللهُ أعلمُ.
стр. 90
٢٣ - سُئلتُ عن حديث: "يُؤتَى بِالصِّرَاطِ، حَدُّهُ كَحَدِّ المُوسَى،
فَتَقُولُ الملاِئكَةُ: يَا رَبَّنَا! مَن يُجِيزُ عَلَى هَذَا؟! فَيَقُولُ: مَن شِئتُ مِن خَلقِي. - قَالَ: - فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا! مَا عَبَدنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ! ".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرجه الحاكمُ (٤/ ٥٨٦) من طريق هُدْبَةَ بن خالدٍ، ثنا حمَّادُ بنُ سلَمة، عن ثابتٍ البُنَانيِّ، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن سَلمان الفارسيِّ، مرفُوعًا فذكره.
قال الحاكِمُ: "صحيحٌ على شرطِ مُسلمٍ"، ووافقه الذَّهبيُّ، وهو كما قالَا.
ولكن خُولِف هُدْبَةُ في رفعه ..
خالفه أَسَدُ بن مُوسَى، والحسنُ بن مُوسَى، ومعاذُ بن مَهديٍّ، فروَوْه عن حمَّاد بن سَلَمة بسنده سواءٌ موقُوفًا على سَلمانَ.
أخرجَهَ أَسَدُ السُّنَّة في "الزُّهد" (٤٣، ٦٦)، وابنُ أبِي شَيبَة (١٣/ ١٧٨)، والآجُرِّيُّ في "الشَّريعة" (٣٨٢).
فإِن كان لابُدَّ مِن التَّرجيحِ، فرِوايَةُ الجماعةِ أقوَى، ولَكِن لا مُنافَاةَ عِندِي بَينَ رِوايَةِ الوَقفِ والرَّفعِ؛ فإنَّ هذَا كثيرٌ في الرِّواياتِ،
стр. 91
لاسِيَّما ورِوَايةُ الوَقفِ لهَا حُكمُ الرَّفع، كما لا يَخفَى؛ إِذ لَا مجالَ لِلاجتِهادِ في مِثلِ هذ الأُمورِ، الَّتِي لا تُعرَف إلَّا عن طريقِ الرُّسلِ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 92
٢٤ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي جَعَلتُ نَسَبًا، وَجَعَلتُم نَسَبًا، فَقُلتُ: "أَكرَمُكُم أَتقَاكُم"، وَأَنتُم تَقُولُونَ: "فُلَانُ بنُ فُلَانٍ أَكرَمُ مِن فُلَانٍ"، وَأَنَا اليَومَ أَرفَعُ نسَبِي، وَأَضَعُ نَسَبَكُم، أَينَ المُتَّقُونَ؟ ".
• قُلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
أخرجَهُ الحاكمُ (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، والبَيهقِيُّ في "شُعَب الإيمان" (٤٧٧٥) من طريق مُحمَّد بن الحسَن بن زَبَالةَ، حدَّثَتنِي أُمُّ سَلَمة بنت العلاء بن عبد الرَّحمن بن يَعقُوب، عن أبِيهَا، عن جَدِّها، عن أبِي هُريرَة، مرفُوعًا فذكره.
قالَ الحاكِمُ: "هذا حديثٌ عالٍ، غَويبُ الإسناد والمَتنِ، ولَم يُخَرِّجاه"، فقال الذَّهبيُّ: "المخزُومِيُّ ابنُ زَبَالَةَ ساقطٌ".
وقال البَيهقِيُّ: "المحفوظُ الموقُوفُ".
وهذا الموقُوفُ الَّذي أَشارَ إِليه البَيهقِيُّ:
أخرجَهُ أَسَدُ السُّنَّة في "الزُّهد" (٧٩)، والحارثُ بنُ أبي أُسَامة في "مُسنَده" - كما في "المطالب العالية" (٢٦٧٣) -، والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ٢٧٥/ ١)، وفي "الصَّغير" (٦٤٢)، والحاكِمُ (٢/ ٤٦٤)، والبَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٩/ رقم ٤٧٧٦)، وفي "الزُّهد" (٧٥٩) من طريق طَلحَة بن عمرٍو، عن عطاءِ بن أبِي رباحٍ، عن أبِي هُريرَة موقُوفًا عليه.
стр. 93
وسنَدُه واهٍ؛ وطلحةُ بنُ عمرٍو متروكُ الحديثِ.
وبه أعلَّهُ الهَيثمِيُّ في "المَجمَع" (٨/ ٨٤).
وأمَّا قولُ البَيهقيِّ: "المحفُوظُ هو المَوقُوفُ"، فَلَرُبَّما أرَادَ أن الأَشبَه هُو الموقُوفُ، لا أنَّهُ محفوظٌ اصطلاحًا، إلَّا أَن يكُون لَهُ طريقٌ آخرُ غيرُ هذَا. واللهُ أعلَمُ.
وجُملَةُ القولِ أنَّهُ لا يصحُّ مرفُوعًا، ولا موقُوفًا.
واللهُ المُوَفِّقُ، سبحانَهُ.
стр. 94
٢٥ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لم يَكُن يَمسَحُ وَجهَهُ بِالمِندِيلِ بَعدَ الوُضُوءِ، وَلَا أَبُو بَكرٍ، وَلَا عُمَرُ.
وعلى ذلك: هل تنشيفُ ماءِ الوُضوءِ حرامٌ؟
• قلتُ: أخرجه ابنُ شاهين في "النَّاسخ والمنسوخ" (ق ٣٥/ ٢) من طريق يونس بن بُكَير، عن سعيد بن مَيْسرة، عن أنسٍ أن رسول الله ﷺ لم يَكُن يَمسَح وجهه بالمنديلِ بعد الوُضوء، ولا أبُو بَكرٍ، ولا عُمَرُ، ولا عليٌّ، ولا ابنُ مَسعُودٍ.
• قُلتُ: وهذا سندٌ ساقطٌ؛ وسعيد بن مَيْسرة كذَّبَهُ يحيى القطَّان، وقال الحاكم: "رَوَى عن أنسٍ موضوعاتٍ"، وكذا قال ابن حِبَّانَ.
لكن في معناه ما أخرجه الشَّيخان وغيرُهما، من حديث مَيمُونة ﵂، في صِفَة غُسل الجنابة، قالت: "ثُمَّ أتيتُهُ بالمِنديل، فَرَدَّه"، وهذا لفظ مُسلِمٍ.
وفي لفظٍ للبخاريِّ: "فناولتُهُ ثوبًا، فلم يَأخُذه".
وليس في هذا دليلٌ على كراهة التَّنشيف؛ لأنَّها واقعة حالٍ، يتطرَّقُ إليها الاحتمالُ، فيجوزُ أن يكون عَدَمُ الأخذِ يتعلَّقُ بأمرٍ آخرَ، لا يتعلَّق بكراهة التَّنشيف، بل لأمرٍ يتعلَّقُ بالخِرقةِ، أو لكونه كان مُستعجِلًا، أو لغير ذلك، قاله الحافظ في "الفتح" (١/ ٣٦٣).
стр. 95
وأخرج أبُو داود (٢٤٥)، وأحمد (٦/ ٣٣٦)، والإسماعيليُّ، وأبو عَوَانة في "المُستخرَج" عن الأعمشِ، أنَّهُ سأل إبراهيم النَّخَعيَّ عن ردِّ المِنديلِ، فقال: "كانوا لا يَرَوْن بالمنديل بأسًا، ولكن كانُوا يَكرَهُون العادة".
وقال التَّيمِيُّ: "في هذا الحديث دليلٌ على أنَّهُ كان يتَنَشَّف، ولولا ذلك لم تأته بالمنديل"، وهو فهمٌ حسنٌ.
وهناك جوابٌ آخرُ، وهو: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال فيما رواه مُسلِمٌ (٢٤٤/ ٣٢) وغيرُهُ من حديث أبي هُريرة ﵁: "إذا توضَّأَ العبدُ المُسلِمُ - أو: المؤمنُ -، فغَسَل وجهَه، خرج من وجهه كلُّ خطيئةٍ نظر إليها بعينيه مع الماء - أو: مع آخرِ قَطْرِ الماءِ - … الحديث"، فلعل تركُه التَّنشيفَ لمُراعاة ذلك. وإذا كان النَّبيُّ ﷺ المُبرَّأُ من الدَّنَس، المَغفُورُ ذنبُه كلُّه، يفعلُ ذلك، فمن باب أولى نفعلُه نحنُ، وهو إنَّما فعله لنتَأَسَّى به.
وتُعُقِّب هذا الجَوابُ، بأنَّ ميمونة ﵂ لمَّا أعطته المنديل، لم يأخذه وجعل ينفض يده بالماء، وهذا داخلٌ في باب الإزالة، فهو يَستَوِي معَ التَّنشيفِ.
وهذا التَّعقُّب لا يَخفَى ضعفُه؛ لأن نفضَ اليدِ لا يَمنَع قَطْرَ الماء وانفصالَه عن العُضو.
وفي المسألة بسطٌ.
وحاصل الجواب، أنَّ التَّنشيف جائزٌ.
وأخرج ابن المُنذِر في "الأوسط" (١/ ٤١٥)، والأثرمُ في "سُنَنِه"
стр. 96
(ق ٥/ ٢) بسندٍ صحيحٍ عن أنس بن مالكٍ أنَّهُ كان يَمسَحُ وجهَهُ بالمنديل بعد الوُضوء.
ورَوَى ابنُ المُنذِر نحوَه عن عُثمان بن عَفَّان، والحسينِ بن عليٍّ، وبشير بن أبي مَسعُودٍ.
ورَخَّص فيه الحسنُ، وابنُ سيرينَ، وعَلقَمَةُ، والأسودُ، ومسروقٌ.
وهو قولُ الثَّوريِّ، ومالكٍ، وأحمدَ، وأهلِ الرَّأي.
أمَّا حديثُ ميمونة السَّابقُ ذِكرُه:
فقال ابنُ المُنذِر (١/ ٤١٩): "وهذا الخَبَرُ لا يُوجِب حظرَ ذلك، ولا المَنعَ منه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنْهَ عنه، مع أن النَّبيَّ ﷺ قد كان يَدَعُ الشَّيء لئَلَّا يَشُقَّ على أُمَّته" ا. هـ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 97
٢٦ - سُئلتُ عن: لفظةِ "وأبِيهِ" في الحديث الذي يرويه مُسلمٌ وفيه: "أَفلَحَ وَأَبِيهِ! إِن صَدَقَ": هل هي شاذَّةٌ؛ لأنَّه حلِفٌ بغير الله؟
• قلتُ: أمَّا لفظةُ "وأبيه" فليست شاذَّةً.
وبيانُ ذلك:
أنَّ حديثَ طلحةَ بنِ عُبيد الله هذا، رواه أبُو سُهيلٍ نافعُ بنُ مالكٍ، عن أبيه، عن طلحةَ بنِ عُبيد الله، ورواه عن أبي سُهيلٍ اثنان:
الأوَّلُ: هو الإمام مالكٌ. واتَّفق كلُّ أصحاب مالكٍ في روايةِ هذا الحديث عنه بلفظ: "أفلح، إن صدق"، فلم يَذكُر "وأبيه".
الثَّاني: هو إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، وهو ثقةٌ ثبتٌ حافظٌ، وهو الذي وقعت في روايته لفظة "وأبيه". وقد رواها عنه، بإثباتها:
يحيى بنُ أيُّوب، وقُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، عند مُسلمٍ في "صحيحه" ..
ويحيى بنُ حسَّانَ، عند الدَّارميِّ في "سُنَنه" (١/ ٣٠٩) ..
وعليُّ بنُ حُجْر، عند ابن خُزَيمة (١/ ١٥٨) ..
وسُليمانُ بنُ داوُدَ العَتَكيُّ، عند أبي داود في "سُنَنه" (٣٩٢، ٣٢٥٢) ..
وداوُدُ بنُ رُشيدٍ، عند الهيثم بن كُلَيْبٍ في "مُسنَده" (ق / ٣٨/ ١)، والبَيهقيِّ (٢/ ٤٦٦، و ٤/ ٢٠١) ..
стр. 98
وعاصمُ بن عليٍّ، عِند ابن بِشرَانَ في "الأمَالِي" (ق ١١٩/ ١ - ٢)، والبَيهقِيِّ، وأبي نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (رقم ٣٩٠).
وفي رواية دَاوُدَ بنِ رُشيدٍ، عند البَيهَقِيِّ، قال: "أَفلَحَ وأبيه! إن صَدَقَ. دَخَل الجَنَّة، والله! إن صَدَق"، ولم يَذكُر الهَيثَمُ لفظَهُ، بل أحال على حديث مالكٍ.
وروايةُ عاصم بن عليٍّ عِند ابنِ بِشرَانَ، وفي الموضِعِ الثَّاني عند البَيهَقِيِّ مِثلُ روايةِ دَاوُد بن رُشيدٍ.
ورواها عن إسماعيلَ بنِ جعفرٍ، بدونها: عليُّ بن حُجْرٍ، عند النَّسائيِّ (٤/ ١٢٠ - ١٢١). وقُتيبةُ بنُ سَعِيدٍ، عند البُخاريِّ (٤/ ١٠٢ - ١٢/ ٣٣٠ فتح). وقد سَبَق أنْ ذَكرنا أنَّ قُتيبة وعليَّ بن حُجرٍ قد رَوَياها، فيُشبِهُ أن تَكُون الرِّوايةُ بدون هذا الحرف مُختصرَةً، فتُرَدُّ هذه الرِّواية إلى الرِّواية التي فيها الزِّيادَةُ.
وإسماعيلُ بنُ جَعفرٍ من أَوْثق النَّاس وأثبتِهِم، فلا يتهيَّأ الحُكم علَى روايتِه بالشُّذُوذ، لا سِيَّما وهذَا الحرفُ ليس فِيه مُخالَفةٌ من جهةِ أنَّه حَلِفٌ بغير الله؛ لأنَّ العُلماء حَمَلوا ذلك علَى أنَّها كلمةٌ جَرَت بها العادَةُ، ولم يَقصِد بها النَّبيُّ ﷺ الحَلِفَ، وحاشَاهُ.
ومِثلُه ما: أخرجه البُخاريُّ (٧/ ٩٥)، وأحمدُ (١/ ٨) وغيرُهما عن عُقبة بنِ الحارِثِ، قال: إنِّي لَمَعَ أبي بكرٍ، حين مرَّ هو وعليُّ بن أبي طالبٍ علَى الحَسَنِ وَهُو يَلعَبُ مع الصِّبيانِ، فحمله أبُو بكرٍ على عاتقِهِ، وهو يقولُ: "بأبِي! شَبِيهٌ بالنَّبيِّ، ليس شبيهًا بعليٍّ! ".
стр. 99
فالباء في قوله "بأبي" هي باءُ القَسَم (١)، فهل كان أبُو بكرٍ ﵁ يَحلِف بأبيه حين حَمَل الحسنَ؟
وأخرج أحمدُ (٦/ ٢٨٣)، وابنُ عساكرَ في "تاريخه" (٣٩ - ترجمة الحسن) عن ابن أبي مُلَيكة، قال: كانت فَاطِمة تُنَقِّزُ [أي: تُرَقِّص] الحَسنَ بنَ عليٍّ، وتقولُ: "بأبي! شبيهٌ بالنَّبيِّ، ليس شبيهًا بعليٍّ".
ولكن في سندِهِ زَمعةُ بنُ صالحٍ، وعندي أنَّه وَهِمَ في روايته هكذا، والصَّوابُ ما رَوَاه الثِّقاتُ عن ابنِ أبي مُلَيكة، عن عُقبَة بن الحارث، بالسَّندِ السَّابق، الذي أخرجه البُخاريُّ وغيره.
وخُلاصَةُ البحثِ ..
أنَّ الشُّذوذ مُنتَفٍ، ولا أعلَمُ أنَّ أحدًا من السَّالِفين ادَّعى هذه الدَّعوَى. واللهُ أعلَمُ.
• قلتُ: وبَعدَ كِتابةِ ما تَقَدَّم بسنَوَاتٍ طويلةٍ، تُقارِبُ سبعَ عَشرَةَ سنةً، وَقفتُ على كلامٍ لابنِ عبدِ البَرِّ، يُنكِرُ هذه اللَّفظَةَ، فقال في "التَّمهيد" (١٢/ ٦٥٣ - شُرُوح المُوطَّإِ): "والحَلِفُ بالمخلُوقاتِ كُلِّهَا في حُكمِ الحَلِف بالآباءِ، لا يَجُوزُ شيءٌ مِن ذلكَ. فإن احتَجَّ مُحتَجٌّ بحديثٍ يُروَى عن إسماعيلَ بنِ جَعفَرٍ، عن أبي سُهيلٍ نافعِ بنِ مالك بن أبي عامِرٍ، عن أبيه، عن طَلحَة بنِ عُبيد الله، في قِصَّة الأَعرَابِيِّ النَّجْدِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَفلَحَ وأبيه! إِن صَدَقَ". قيل له: هذه لفظةٌ غيرُ مَحفُوظَةٍ في هذا الحديثِ، مِن حديث من يُحتَجُّ به. وقد رَوَى هذا الحديثَ مالكٌ وغيرُهُ،
стр. 100
عن أبي سُهيلٍ، لم يَقُولُوا ذلك فيه. وقد رُوِي عن إسماعيلَ بنِ جَعفرٍ هذا الحديثَ، وفيه: "أَفلَحَ والله! إِن صَدَقَ"، أو: "دَخَلَ الجَنَّة، والله! إن صَدَقَ"، وهذا أَولَى مِن رِوايةِ مَن رَوَى "وأبيه"؛ لأنَّهَا لفظةٌ مُنكَرَةٌ، تَرُدُّهَا الآثارُ الصِّحاحُ. وبالله التَّوفِيقُ" انتهَى.
وقال في موضعٍ آخرَ (٦/ ٢٤٤): "هذا حديثٌ صَحِيحٌ، لم يُختَلَف في إِسنادِهِ، ولا في مَتنِهِ. إلَّا أنَّ إسماعيلَ بنَ جَعفرٍ رواه عن أبي سُهيلٍ نافعِ بنِ مالكِ بنِ أبي عَامِرٍ، عن أبيه، عن طَلحَة بنِ عُبيد الله، أنَّ أعرابِيًّا جاء إلى رسُول الله ﷺ فذَكَرَ معناه سَوَاءً، وقال في آخرِهِ: "أفلح وأبيه! إِن صَدَقَ"، أو: "دَخَلَ الجَنَّة، وأبيه! إن صَدَقَ"، وهذِهِ لَفظَةٌ، إن صَحَّت، فهي مَنسُوخَةٌ؛ لِنَهيِ رسُولِ الله ﷺ عن الحَلِفْ بالآباءِ، وبِغَيرِ الله" انتهَى.
• قلتُ: دَعوَى النَّسخ هذه ذَكَرَهَا بعضُ العُلماء، وذلك أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُؤمَرُ بالشَّيءِ المأذُونِ فيه من قِبَلِ الله تعالى، ثُمَّ يُؤمَرُ بخلافِهِ. وقد يَكُونُ الحُكمُ مسكُوتًا عنه، ثُمَّ يَرِدُ تحرِيمٌ أو إباحَةٌ. فلَعَلَّ الحَلِفَ بالآباءِ -وكان مُنتَشِرًا في الجاهليَّةِ بحُكمِ نَعرَةِ العَصَبِيَّةِ-كان مسكُوتًا عنه، حتَّى صَارَت كَلِمَةً دارِجَةً على اللِّسانِ، ثُمَّ جاء التَّحرِيمُ بعدُ؛ لأنَّ الحَلِفَ معناه تَعظِيمُ المحلُوفِ بِهِ، وهذا لا يَكُونُ إلَّا لله تعالَى. وهذا مِثلُ تَحرِيمِ الخَمرِ، وأمرُهُ معرُوفٌ. وكان مِن شَأنِ النَّبيِّ ﷺ أن تَنزِلَ عليه الأحكامُ تِبَاعًا، كما في حديث عِياضِ بنِ حِمَارٍ المُجَاشِعِيِّ ﵁، والذي أخرجه مُسلِمٌ (٢٨٦٥/ ٦٣)، قال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ قال ذاتَ يومٍ في خُطبَتِه:
стр. 101
"أَلا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أن أُعَلِّمَكم ما جَهِلتُم، ممَّا عَلَّمَنِي يومي هذا: كُلُّ مالٍ نَحَلتُهُ عبدًا حَلَالٌ. وإِنِّي خَلَقتُ عبادي حُنَفَاءَ كُلَّهم. وإنَّهم أَتَتهُم الشَّيَاطِينُ، فَاجتَالَتهُم عن دِينِهم، وحرَّمَت عَلَيهِم ما أَحلَلتُ لهم، وَأَمَرَتهم أن يُشرِكُوا بي ما لم أُنزِل به سُلطانًا … الحديث".
فهو يَقُولُ هنا: "ممَّا عَلَّمَنِي في يومي هذا"، أي: ممَّا لَا تَعلَمُونَهُ، كُلَّه، أو بَعضَهُ، أو حقِيقَتَهُ.
ومِن هذا البَابِ ما: رَوَاهُ طُفَيلُ بنُ سَخبَرَةَ، أخُو عائشة لِأُمِّهَا، أنَّه رَأَى فيما يَرَى النَّائِمُ كأنَّهُ مَرَّ على رَهطٍ من اليَهُودِ، فقال: "مَن أَنتُم؟ "، قالوا: "نَحنُ اليَهُودُ"، قال: "إِنَّكُم أنتم القومُ، لَولَا أنَّكُم تَزعُمُون أنَّ عُزيرًا ابنُ الله"، فقالت اليهودُ: "وأَنتُم القومُ، لولا أنَّكُم تقُولُون: ما شاء الله وشاء مُحمَّدٌ". ثُمَّ مَرَّ برَهطٍ من النَّصارَى، فقال: "من أنتُم؟ "، قالوا: "نحن النَّصَارَى"، فقال: "إنكُم أَنتُم القومُ، لولا أنَّكم تقُولُون: المسيحُ ابنُ الله"، قالوا: "وأنتُمُ القَومُ، لولا أنَّكُم تقُولُون: ما شاء اللهُ وما شاء مُحمَّدٌ". فلمَّا أصبَحَ، أخبَرَ بها مَن أخبَرَ، ثُمَّ أتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فأخبَرَه، فقال: "هل أَخبَرتَ بها أَحَدًا؟ "، قال: "نعم". فلمَّا صَلَّوا، خَطَبَهُم، فحَمِد الله، وأَثنَى عليه، ثُمَّ قال: "إنَّ طُفَيلًا رأَى رُؤيَا، فأخبَرَ بها مَن أَخبَرَ مِنكُم، وإنَّكُم كُنتُم تقولُونَ كلمةً كان يَمنَعُنِي الحياءُ مِنكُم أن أَنهَاكُم عنها.-قال:- لا تَقُولُوا: ما شاء اللّهُ وما شاء مُحمَّدٌ".
وهذا حديثٌ وقَعَ في إسناده اختلافٌ، بيَّنتُهُ في "تَسلِيَةِ الكَظِيمِ بتَخرِيج أحاديثِ تفسير القُرآنِ العَظِيمِ".
стр. 102
وقد سلَكَ العُلماءُ مَسلَكًا آخرَ في الجَمعِ بَينَ هذا الحَدِيثِ والأحاديثِ المانِعَةِ من الحَلِفِ بغير الله. فقالُوا: لَيسَ المقصُودُ بهذه اللَّفظةِ حَقِيقةُ الحَلِف، وَإِن خَرَجت بصُورَتِه، بل كانَت كَلمةً دارِجَةً على اللِّسان، مثلُ كَلمةِ: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ"، والتي كان النَّبيُّ ﷺ يقُولُها لبعض الصَّحَابة، ولا يَقصِدُ بها حَقِيقَةَ الدُّعاء بالثُّكْلِ، ولم يَكُن معهُودًا مِن النَّبيِّ ﷺ ، وهُو أَحسَنُ النَّاس خُلُقًا على الإطلاق، أَن يُوَاجِهَ أحدًا بِما يَكرَهُ، قولًا أو فِعلًا، إلَّا لمُقتَضًى شَرعِيٍّ، فكيف يسألُهُ مُعاذُ بن جَبَلٍ سُؤالًا استفهامِيًّا، لِيَعلَم الحُكمَ الشَّرعِيَّ، فيقُولُ له: "ثَكِلَتكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ! "؟
وهذا الجوابُ عن لَفظَةِ "وأبيه" في الحديث هي عِندِي أَجوَدُ مِن دعوَى النَّسخ؛ لأنَّ هذه الدَّعوَى لا تَثبُتُ إلَّا بِبَيَانِ التَّاريخ، وهو مَعدُومٌ هُنا.
فالصَّحِيحُ: إِن كَانَ هُناكَ سبِيلٌ للجَمعِ بينَ الآثارِ التي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ دُون رُكُوبِ مَركَبِ التَّكَلُّفِ والتَّعَسُّفِ، وَجَب أن نَفعلَ ذلك؛ صيانةً للنُّصُوص الصَّحيحَةِ من الإِهمَالِ. وقد كان ابنُ عبد البَرِّ مِن أَبرَز العُلماء في هذا الباب، وكم مِن حَدِيثٍ ردَّ فيه دَعَوى الشُّذوذ، أو النَّكَارَة، بوجهٍ مِن وُجُوه الجَمع المعرُوفَةِ.
ومثال ذلك …
ما رواه حَمَّادُ بنُ زَيدٍ، عن ثابتٍ، عن أَنَسٍ، قال: دَعَاء النَّبيُّ ﷺ بماءٍ، فأُتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ، فجَعَلَ القومُ يَتوضَّئُون، فحَزَرْتُ ما بين السِّتِّين إلى الثَّمانِين، -قال:- فجَعَلتُ أَنظُرُ إلى الماء، يَنبُعُ مِن بين أَصابِعِه.
стр. 103
أخرَجَهُ البُخارِيُّ (١/ ٣٠٤ - فتح)، ومُسلِمٌ (١٥/ ٣٨ - نَوَوِيٌّ)، وأحمدُ (٣/ ١٤٧)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (١/ ١٧٨)، وابن خُزَيمَة (ج ١/ رقم ١٢٤)، والفِريَابِيُّ في "الدَّلائل" (ق ٦/ ٢)، وأبو يَعلَى (ج ٦/ رقم ٣٣٢٩)، وابنُ حِبَّان (ج ٨/ رقم ٦٥١٢)، والدِّينَوْرِيُّ في "المُجالَسَة" (٣٠٨٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٣٠)، وفي "الدَّلَائل" (٤/ ١٢٢، ١٢٣)، وفي "الاعتقاد" (٢٧٣، ٢٧٤)، والبَغَوِيُّ (٢/ ٢٥) من طُرُقٍ عن حمَّاد بنِ زيدٍ، عن ثابتٍ بهذا.
وقد رواه عن حَمَّادٍ جماعةٌ مِن أصحابه، مِنهُم: مُسَدَّدُ بنُ مُسَرهَدٍ، وأبو الرَّبيعْ الزَّهرَانِيُّ سُليمانُ بنُ داوُدَ، وسُليمانُ بنُ حَربٍ، ويُونُس بنُ مُحمَّدٍ المُؤدِّبُ، وعَفَّان بنُ مُسلِمٍ، ومُحمَّد بنُ عُبيد بن حِسَابٍ، كُلُّهم قالُوا في رِوايَتِهم: "بقَدَحٍ رَحْرَاحٍ".
وتَابَعَهُم أحمدُ بنُ عَبدَةَ، عند ابن خُزَيمَةَ …
لكنَّه خالَفَهم في هذا الحرف، فقال: "بَقَدَحِ زُجَاجٍ".
وبَوَّبَ عليه ابنُ خُزَيمَةَ بقوله: "بابُ إباحة الوُضُوءِ مِن أواني الزُّجَاجِ، ضِدَّ قَولِ بعضِ المُتَصَوِّفَةِ، الذي يَتَوَهَّمُ أنَّ اتِّخاذَ أواني الزُّجاجِ مِنَ الإِسرَافِ؛ إذ الخَزَفُ أَصلَبُ، وأَبقَى من الزُّجَاج". ثُمَّ ذَكَر ابنُ خُزيمَةَ أنَّ غيرَ واحدٍ رَوَاهُ عن حمَّاد بن زَيدٍ بلفظِ: "رَحْرَاحٍ"، ثُمَّ قال: "والرَّحْرَاحُ إنَّما يكونُ الوَاسِعَ من أَوانِي الزُّجاج، لا العَمِيقَ مِنهُ". فوَفَّقَ بين الرِّوَايَتَين.
لكن قال الحافظُ في "الفَتح" (١/ ٣٠٤): "وصَرَّح جَمعٌ من الحُذَّاق
стр. 104
بأنَّ أحمدَ بنَ عَبدَةَ صَحَّفَهَا. ويُقَوِّي ذلك أَنَّهُ أَتَى في روايتِه بقَولِهِ: "أَحسِبُهُ"، فدَلَّ على أنَّهُ لم يُتقِنهُ. فإِن كان ضَبَطَهَا فلا مُنافَاةَ بين رِوَايتِه ورِواية الجَمَاعة؛ لاحتمال أَن يَكُونُوا وَصَفُوا هيَئَتَهُ، وذَكَرَ هو جِنسَه" ا. هـ. وهذا ما صَنَعَهُ ابنُ خُزَيمَةَ ﵀.
• قلتُ: فحاصِلُ البَحثِ، أنَّهُ يُمكِنُ حملُ رواية إِسماعِيلَ بنِ جَعفرٍ على وجهٍ مَقبُولٍ، وهذا أَولَى مِن تَغلِيطِهِ. والله أعلَمُ.
ورُبَّما قال بعضُ النَّاس: إِنَّ البُخارِيَّ حَذَفَ هذه اللَّفظَةَ عَمدًا من رِواية قُتَيبَةَ، كما هي عادَتُهُ في مِثلِ ذلك؟
والجَوَابُ: أنَّنِي لَم أَرَ أحدًا تَعَرَّض لذلك. فلا يُقبَلُ هذا القولُ حَتَّى يَقُومَ دليلٌ على أنَّ هذا الحرفَ حَذَفَهُ البُخارِيُّ عَمدًا. وسأُبَيِّنُ هذا في كتابي "كُسوَةُ العَارِي بِبَيَانِ عِلَّةِ الحَذفِ عِند البُخارِيِّ"، إن شاء الله تعالَى. وكُنتُ جَمَعتُ مادَّتَهُ مُنذُ زَمَنٍ بعيدٍ، وبدأتُ الآن في تَرتِيبِهَا، وبيانِ عِلَّةِ الحَذفِ. وأسألُ اللهَ الإِعانَةَ على إِتمامِهِ، إنَّه وليُّ ذلك ومولاه.
стр. 105
٢٧ - سُئلتُ عن حديث: "مَن صَلَّى رَكعَتَينِ في لَيلَةِ الجُمُعَةِ، وَقَرَأَ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ، وَإِذَا زُلزِلَت خَمسِينَ مَرَّةً، أَمَّنَهُ اللهُ مِن عَذَابِ القَبرِ، وَمِن أَهوَالِ يَومِ القِيَامَةِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ.
أخرجه الوزير أبُو القاسم عيسى بنُ عليِّ بن الجَرَّاح، في "الثَّاني من حديثه" (ق ٨/ ٢ - ٩/ ١) من طريق ثابتِ بن حَمَّادٍ، عن المُختار بن فُلفُلٍ، عن أنسٍ مرفُوعًا به.
وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وثابتُ بنُ حمَّادٍ تركه الأَزدِيُّ، وضعَّفَهُ الدَّارَقُطنِيُّ جدًّا، وأحاديثُهُ التي ساقها ابن عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٩٨) تدُلُّ على أنَّهُ واهٍ.
وقد رواه عن ثابت بن حمَّادٍ: عبدُ الله بن داود الواسطيُّ وهو مِثلُه، أو دُونه بقليلٍ، فالحَملُ على أحدِهِما.
وَأَمَّا معنى الحديثِ فباطلٌ، يُعلَم ذلك بأدنى تدبُّرٍ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 106
٢٨ - سُئلتُ عن الحديثين: "مَن نَامَ عَن وِترِهِ، فَلْيَقضِهِ إِذَا أَصبَحَ"، و "مَن أَدرَكَ الصُّبحَ فَلَا وِترَ لَهُ"، وكيف الجَمْعُ، مع أنَّ ظاهرَيْهما التَّعارضُ؟
• قلتُ: أمَّا أحاديثُ قضاءِ الوِتر بعد الصُّبح، والنَّهيِ عن ذلك، فيَحتاجُ الأَمرُ إلى الفَصلِ في صِحَّة الحديث قبل تأويله، كما عليه جَمَاعةُ العُلماء.
أمَّا حديثُ: "من نام عن وِتره، فليقضه إذأ أصبح"، فإِنَّه حديثٌ صحيحٌ.
أخرجه التِّرمذيُّ (٤٦٥)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٨)، وأحمد (٣/ ٤٤)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، وابنُ شاهين في "النَّاسخ والمنسوخ" (ق ٦٥/ ٢) من طريقِ عبدِ الرَّحمنِ بن زيدِ بن أَسلَم، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به.
وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعبد الرَّحمن بنُ زيدٍ واهٍ، وقد خالفه أخُوهُ عبدُ الله، وهو أَوْثَق منه، فرواه عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا.
أخرجَهُ التِّرمذيُّ (٤٦٦)، ورجَّحه علَى رواية عبد الرَّحمن.
لكن لم يتفرَّد به عبدُ الرَّحمن.
فتابعه مُحمَّد بن مُطرِّفٍ، فرواه عن زيد بن أَسلَم، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ فذَكَره مرفُوعًا.
стр. 107
أخرجه أبُو داود (١٤٣١)، والدَّارقُطنيُّ (٢/ ٢٢)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٨٠).
قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين"، ووافقه الذَّهَبيُّ، وفيه نَظَرٌ؛ فقد رواه عِند الحاكم عُثمانُ بن سعيد بن كثيرٍ، عن مُحمَّد بن مُطرِّفٍ.
وعُثمان بن سعيد لم يُخَرِّج له الشَّيخان شيئًا. فالإسناد صحيحٌ.
أمَّا الحديث الآخر: "مَن أدرك الصُّبح ولم يُوتِر، فلا وِترَ له".
فأخرجه ابنُ خُزَيمة (١٠٩٢)، وابنُ حِبَّانَ (٦٧٤)، والحاكمُ (١/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨) من طريق قتادة، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ مرفُوعًا به.
قال الحاكم: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ"، ووافقه الذَّهبيُّ.
ولكن أعلَّهُ البيهقيُّ بقوله: "ورِوَاية يحيى بن أبي كثيرٍ كأنَّها أشبَهُ؛ فقد رُوِّيْنا عن أبي سعيدٍ في قضاءِ الوِتر".
• قُلتُ: يُشيرُ البَيْهقيُّ، إلى ما أخرجه مُسلِمٌ (٧٥٤)، وأبُو عَوانة (٢/ ٣٠٩)، والنَّسائيُّ (٣/ ٢٣١)، وابنُ ماجَهْ (١١٨٩)، والدَّارميُّ (١/ ٣٧٢)، وأحمدُ (٣/ ١٣، ٣٥، ٣٧، ٧١)، وابنُ أبي شَيبةَ (٢/ ٢٨٨)، والطَّيالسِيُّ (٢١٦٣)، وابن خُزيمة (١٠٨٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (٤٥٨٩)، وابنُ نصرٍ في "قيام اللَّيل" (١٣٨)، والحاكمُ (١/ ٣٠١)، والبيهقيُّ (٢/ ٤٧٨)، وأبو نُعيم في "الحلية" (٩/ ٦١) من طُرُقٍ عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا: "أَوتِرُوا قَبل أَن تُصبِحُوا".
стр. 108
ولكن، لا مُنافَاة عِندِي بينَ الرِّوايَتَين؛ وهما حديثان مُستَقِلَّان، لا حديثٌ واحدٌ حتَّى يُعِلَّ أحدُهما الآخرَ -وتفصيلُ هذَا في موضعٍ آخر، وفي الباب أحاديثُ أُخرَى كثيرةٌ-، ولا تَعارُض بين الحديثَين؛ لأنَّ الحديثَ الآذِنَ بقضاءِ الوِترِ خاصٌّ بِمَن نَسِيَه، أو نام عنه وكان ينوى أن يُصلِّيَه ففاتَهُ قَصدُه بالعُذر. والحديثُ الآخَرُ المانِعُ من قضاءِ الوِتر خاصٌّ بمَن تَرَكه همَلًا وكسلًا، فهذَا يُعاقَب بأن يُحرَم مِن قضائه، وإِحرازِ فضيلتِهِ وأجرِهِ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 109
٢٩ - سُئلتُ عن صِحَّة ومعنى حديث: "إِنَّ الوَلَاءَ لَيسَ بِمُتَحَوِّلٍ وَلَا بِمُنتَقِلٍ".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجه البزَّارُ (ج ٢/ رقم ١٣٢١)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٦٨٤)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٨١ - ١٨٢)، والوزيرُ أبُو القاسم ابنُ الجرَّاح في "الثَّاني من حديثه" (رقم ٨ - بتحقيقي)، ومن طريقه الذَّهبيُّ في "السِّير" (١٤/ ٥٣١) من طريق المُغِيرة بن جَميل الكِنديِّ، قال: حدَّثني سُليمانُ بنُ عليِّ بن عبد الله بن عبَّاسٍ، قال: حدَّثني أبي، عن جَدِّي مرفُوعًا فذكره.
قال البزَّارُ: "لا نَعلَمُه يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسناد، من هذا الوجه. والمُغِيرةُ بنُ جَميلٍ ليس بمعرُوفٍ في الحديثِ".
وقال العُقيليُّ في تَرجمةِ المُغِيرة: "كُوفيٌّ، مُنكَر الحديث، ولا يُعرَف -يعني هذا الحديثَ- إلَّا به".
وقال عبدُ الحقِّ الأشبيليُّ: "المُغِيرة مجهولٌ"، وأَقرَّه ابنُ القطَّان في "الوهم والإيهام".
وترجمه ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ١/ ٢١٩)، ونَقَل عن أبيه: "مجهولٌ".
стр. 110
ولكن، يَشهَدُ له ما أخرجَهُ الشَّافعيُّ (٢/ ٧٢ - ٧٣)، والحاكمُ (٤/ ٣٤١)، والبيهَقيُّ (١٠/ ٢٩٢) عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "الوَلَاءُ لُحمةٌ كلُحمة النَّسَب، لا يُباع ولا يُوهَب".
وقد أعلَّهُ أبُو بكرٍ مُحمَّد بن زيادٍ النَّيسابُوريُّ، فقال: "هذا خطأٌ؛ لأنَّ الثِّقاتِ لم يَروُوه هكذا، وإنما رواه الحَسَنُ مُرسَلًا".
• قلتُ: ورِوايةُ الحَسَن هذه، أخرجها ابنُ أبي شَيبة في "المصنَّف" (٦/ ١٢٣)، والبَيهقِيُّ (١٠/ ٢٩٢).
وأخرج عبدُ الرزَّاق (ج ٩/، رقم ١٦١٤٩)، وابنُ أبي شَيبةَ (٦/ ١٢٢)، وسعيدُ بنُ مَنصُورٍ في "سُنَنه" (٢٨٤) من طريق داودَ بن أبي هندٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، قال: "الوَلاءُ كالنَّسَب، لا يُباع ولا يُوهَب"، وكذلك قال ابنُ سِيرينَ، وإبراهيمُ النَّخَعيُّ، وطاوُوسٌ، والشَّعبيُّ، وآخرون. وانفصل شيخُنا أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ -حفظه الله- على صِحَّة المرفُوع منه، في بحثٍ له في "إرواء الغليل" (٦/ ١٠٩ - ١١٤).
ويَشهَدُ له حديثُ ابن عُمَر، قال: "نَهَى رسولُ الله ﷺ عن بيع الوَلاء، وعن هِبَته"، أخرجه الشَّيخانِ، وغيرُهما.
وقد خرَّجتُهُ في "غوثِ المَكدُود بتخريج مُنتَقى ابن الجارُود" (رقم ٩٧٨).
أمًّا المعنى ..
فالولاءُ، مأخوذٌ من الولاية، وهي أن يتولَّى المُعتِق تربيتَه والقيامَ بأمره، فمِثلُ هذا قائمٌ مقامَ النَّسَب،، فلا يجوز أن يُباع أو يُوهَب، ونقل ابنُ بطَّالٍ الإجماعَ عليه. واللهُ أعلَمُ.