← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

مَوضِع الحديث، وقال: "مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ، عن أبي صالحٍ: مَجهُولان جَمِيعًا بالنَّقل. والحديثُ غيرُ محفُوظٍ"، ثُمَّ خَتَمَ التَّرجَمةَ بقوله: "ليس يَرجِعُ مِن هذا الحديثِ إلى صِحَّةٍ، وكِلَا الحديثَينِ ليس لَهُ أصلٌ، ولا يُتابَعُ عَلَيهِ". • قلتُ: كذا ذَهَب العُقَيليُّ إلى أنَّ أبا صالحٍ هذا مجهولٌ، وخالَف في ذلك ابنُ الجَوزِيِّ، فقال في "الموضُوعات" (٢/ ٤٥٨ - الطَّبعة الجديدة) عقب الحديثِ: "وأبُو صالحٍ لا نعلمُهُ إلَّا إسحاقُ بن نَجِيحٍ، وهو مترُوكٌ"، وأقرَّهُ السِّيوطيُّ في "اللّآليء" (٢/ ٦٦)، وهو ليس عندي كما قال ابنُ الجَوزِيِّ ﵀، بل هو عندي أبُو صالحٍ مولَى أُمِّ هانئٍ، واسمهُ: باذَانُ، أو: باذَامُ؛ فقد ذَكَرُوا أنَّه يَروِي عن عِكرمَة، وهو أعلَى طبقَةً من إسحاقَ بنِ نَجِيحٍ المَلطِيِّ. فالصَّحيح عِندي أنَّهُ مولى أُمِّ هانئٍ، وهو ضعيفٌ جدًّا، وقلَّ مَن رَضِيهُ. واللهُ تعالى أعلَمُ. ولمَّا صحَّحَه الحاكمُ على شرطِ الشَّيخينِ، تعقَّبَهُ الذَّهبيُّ بقوله: "هذا حديثٌ مُنكَرٌ شاذٌّ، أخافُ لا يكون مَوضُوعًا، فقد حيَّرَنِي والله جَودةُ إسنادِهِ! "، ثمَّ ذكر الذَّهبيُّ سند الحاكِم، وقال: "ذَكَره الوليدُ مُصرِّحًا بقوله: "ثنا ابنُ جُريجٍ"، فقد حدَّث به سُليمانُ قطعًا، وهو ثَبتٌ". وقال الذَّهبيُّ في "الميزان" (٢/ ٢١٣ - ٢١٤)، في ترجمة: "سُليمانَ ابنِ عبد الرَّحمن"، وذَكَر هذا الحديثَ، قال: "وهُو مع نظافةِ سَنَدِه، حديثٌ مُنكَرٌ جدًّا، في نفسِي مِنهُ شيءٌ، فاللهُ أعلَم، فلعلَّ سليمانَ شُبِّهَ له، كما قال فيه أبُو حاتمٍ: لو أنَّ رجُلًا وَضَع له حديثًا لم يَفهَم".

стр. 142

وقال المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٣٦١): "طُرقُ وأسانيدُ هذا الحديث جيِّدةٌ، ومتنُه غريبٌ جدًّا" ا. هـ. ولمَّا نَقَلَ ابنُ كثيرٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٢٩١) تَحسِين التِّرمذيِّ، أردَفَهُ بقولِهِ: "كذا قال" يعني أنَّه يُنكِره عليه. وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "لسان الميزان": "لعلَّ الوليدَ دلَّسَهُ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَر ابنُ أبِي حاتمٍ في ترجمة: "مُحمَّدِ بنِ إبراهيم القُرَشيِّ" أنَّه روى عنه الوَلِيدُ بنُ مُسلمٍ، وهِشامُ بنُ عمَّارٍ" ا. هـ. • قلتُ: وهذا الحديثُ مُنكَرٌ، وليس إسنادُهُ نظيفًا كما قال الذَّهبيُّ، ولا جيِّدًا كما قال المُنذِريُّ؛ فإنَّ الوليدَ بنَ مُسلِم دلَّسه ولم يُصرِّح بالتَّحديث إلَّا في شيخه حسبُ. والمعروفُ أنَّ مُدلِّسَ التَّسويةِ يلزَمُه التَّصريحُ بالتَّحديثِ في كُلِّ طبقات السَّنَد، وقد صرَّح بذلك جماعَةٌ مِن المُحقِّقين، مِنهُم الحافظُ في "الفتح" (٢/ ٣١٨)، في حديثٍ آخرَ رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، فقال: "وقد صَرَّح بالتَّحديث في جميع الإسناد". فقول الذَّهبيِّ: "إنَّ الوليد صَرَّح بالتَّحديث" لا يَخفَى ما فيه؛ فإنَّ الوليدَ لا يُدَلِّسُ تَدلِيسَ الإسنادِ حسب حتَّى يُقال فيه ذلك. وقد رأيتُ أبا حاتِمٍ الرَّازِيَّ سُئل عن حديثٍ -كما في "عِلَل وَلدِه" (١٨٧١، ٢٣٩٤) -، رواه بقيَّةُ بن الوليد، قال: حدَّثَنا ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ، وساق حديثًا. قال أبو حاتمٍ: "وكان بقيَّةُ يُدَلِّسُ، فظنُّوا هؤُلاء أنَّهُ يقولُ في كلِّ حديثٍ: حدَّثَنا، ولا يفتَقِدُون الخَبَر منه" ا. هـ.

стр. 143

ومَعنَى كلامِ أبي حاتمٍ -عندي- أنَّ علَّةَ الخَبَر هي مِن عَنعَنة بقيَّة بن الوليد؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ، فلا يقُولَنَّ أحدٌ: إنَّه صرَّح بالتَّحديث من ابن جُريجٍ، بل لا بُدَّ أن يُصَرِّح بالتَّحديث من فوق ابن جُريجٍ فصاعدًا، وهذا معنى قولِه: "لا يفتَقِدُون الخبر منه". ونَقَلَ كلامَ أبي حاتمٍ هذا: الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ٢٩٨)، في ترجَمة: "هشام بن خالدٍ الأَزرَقِ"، ثُمَّ قال: "مِن ثقات الدَّمَاشقَة، ولكن يَرُوجُ عليه … -ثُمَّ قال، مُعقِّبًا على قول أبي حاتمٍ في تدليس بقيَّة:-هذا القولُ ينقُله إلى حديث حِفظِ القُرآن، فهو باطلٌ، وقد قال فيه: حدَّثَنا" انتهى. • قلتُ: وأنا لم أَفهَم كلامَ الذَّهَبِيِّ. ولا أعلَمُ أنَّ بقيَّةَ روَى حديث حفظِ القرآن الذي نحن بصَدَدِ الكلام عنه، إنَّما رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، كما مَرَّ بك، وهو -أعني الوليدَ- يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ كبقيَّةَ. فهل أراد الذَّهبيُّ أن يقُول: علَّةُ الخبرِ الذي رواه بقيَّةُ عن ابنِ جُريجٍ، مثلُ عِلَّة الخبرِ الذي رواه الوليدُ بنُ مُسلِمٍ عن ابنِ جُريجٍ؟ فكلاهما صَرَّح بالتَّحديث من ابنِ جُريجٍ، وهذا لا يَكفِي، حتَّى يُصَرِّح بالتَّحديث في جميع الإسناد. هل أراد الذَّهَبيُّ هذا المعنَى؟! إن كان أرادَهُ فهذا يَرُدُّ قولَه المُتَقَدِّمَ آنفًا: "الوليدُ بنُ مُسلِمٍ صرَّح بالتَّحديث". وإن كان مرادُهُ غيرَ ذلك، فإنِّي لم أفهمه. والله أعلمُ. ثُمَّ ابنُ جُريجٍ مدلِّسٌ أيضًا، وقد عنعنه من جميعِ طُرُقه، وتدليسُهُ قبيحٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ، فقد يكونُ أَسقَطَ مِن الإسناد مُتَّهَمًا أو نحوَه، فتكون البَلِيَّةُ من ذاك السَّاقطِ.

стр. 144

وقد قال الحافظُ في "اللِّسان" (٦/ ٤٧٢): "رواه التِّرمِذِيُّ مِن طريق الوليد، عن ابن جُرَيجٍ، ليس بينَهُمَا واسطَةٌ. فلعلَّ الوليدَ دَلَّسَةَ عن ابن جُرَيجٍ، فقد ذَكَرَ ابنُ أبي حاتمٍ في ترجَمَةِ: "مُحمَّد بن إبراهيم" أنَّهُ رَوَى عنهُ الوليدُ ابنُ مُسلِمٍ، وهشامُ بنُ عمَّارٍ" انتهَى. • قلتُ: وهذا التَّرَجِّي من الحافظِ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّهُ ثبَتَ أنَّ الوليدَ بنَ مُسلِمٍ صرَّحَ بالتَّحديث مِن ابن جُرَيجٍ. نعم! يكونُ الكلامُ مقبُولًا لو كان ابنُ جُريجٍ هو الذي يروِيهِ عن مُحمَّدِ بنِ إبراهيمَ، فنقُولُ حينئِذٍ: إنَّ الوليدَ دلَّسَهُ؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّسُ تدليسَ التَّسوِيَةِ، ويكُونُ مِن فوقِ شيخِ الوَلِيدِ. وبالجُملَةِ: فالحديثُ باطِلٌ. والحمدُ لله تعالَى. ووجدتُ للحديثِ طرِيقًا أخرَى عن ابن عبَّاسٍ، بسِيَاقٍ آخرَ .. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الدُّعاء" (١٣٣٤) قال: حدَّثَنَا يحيى بنُ أيُّوبَ العَلَّافُ المِصرِيُّ، ثنا أبو الطَّاهِرِ ابنُ السَّرحِ، ثنا أبو مُحمَّدٍ مُوسى بنُ عبدِ الرَّحمنِ الصَّنعَانِيُّ المُفَسِّرُ، حدَّثَنِي ابنُ جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال. (ح) وحدَّثَنا (١) مُقاتِلُ بن حَيَّانَ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَن سَرَّهُ أن يُوعِيهِ اللهُ حِفظَ القُرآن وحِفظَ أصنافِ العلمِ فَليَكتُب هذا الدُّعَاءَ في إِناءٍ نَظِيفٍ، أو في صَحْفَةِ قَوارِيرَ، بعَسَلٍ، وزَعفَران، وماءِ مطَرٍ،

стр. 145

ويَشرَبه على الرِّيقِ، وليَصُم ثلاثةَ أيَّامٍ، وليَكُن إفطارُهُ عليه؛ فإنَّهُ يَحفَظُها إن شاء اللهُ ، ويَدعُو به في أَدبَارِ صَلَواتِه المكتُوبَةِ: اللَّهُمَّ! إِنِّي أسأَلُكَ بأنَّكَ مسؤُولٌ، لم يُسأَلْ مِثلُكَ، ولا يَسأَل، أَسألُكَ بحقِّ مُحمَّدٍ رسُولِك ونبِيِّك، وإبراهيمَ خَلِيلِكَ وصفِيِّك، ومُوسَى كلِيمِكَ ونجِيِّك، وعيسى كلِمَتِك ورُوحِك، وأسألُكَ بصُحُف إبراهيمَ، وتَورَاةِ مُوسَى، وزَبُور داوُدَ، وإنجِيلِ عِيسَى، وفُرقَانِ مُحمَّدٍ، وأسأُلُكَ بكُلِّ وحيٍ أوحَيتَهُ، وبكُلِّ حقٍّ قضَيتَهُ، وبكُلِّ سائلٍ أعطَيتَهُ، وأسأَلُكَ بأسمائِكَ التي دَعَاكَ بها أَنبِيَاؤُكَ فاستُجِيبَ لهم، وأسأَلُكَ باسمِكِ المخزُونِ المكنُونِ الطُّهرِ الطَاهِرِ المُطَهَّرِ المُبارَك المُقَدَّس الحَيِّ القَيُّومِ ذِي الجلال والإِكرَام، وأَسأَلُك باسمِكَ الواحِدِ الأَحَدِ الصَّمَدِ الفَردِ الوِترِ، الذي ملَأَ الأَركانَ كُلَّها، والذي مِن أركَانِكَ كُلِّها، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضعتَهُ على السَّمَاوَاتِ فقامَت، وأسأَلُك باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الأرَضِين فاستَقَرَّت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على الجِبَالِ فرَسَت، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وضعتَهُ على اللَّيلِ فأَظلَم، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي وَضَعتَهُ على النَّهَار فَاستَنَارَ، وأسأَلُكَ باسمِكَ الذي يَحيَى به العِظامُ وهي رَمِيمٌ، وأسألُكَ بكتابك المُنزَّلِ بالحَقِّ، ونُورك التَّامِّ: أن تَرزُقَنِي حِفظَ القُرآن، وحِفظَ أصناف العِلمِ، وتُثَبِّتَهَا في قَلبِي، وأن تَستَعمِلَ بها بَدَنِي، في لَيلي ونَهَارِي، أبدًا ما أَبقَيتَنِي، يا أَرحَمَ الرَّاحِمِين! ". وهذا حديثٌ باطلٌ، مُنكَرٌ جِدًّا؛ وآفتُهُ مُوسَى بنُ عبدِ الرَّحمنِ هذا: أَحَدُ التَّلفَى. قال ابنُ حِبَّان: "دَجَّالٌ. وَضَعَ على ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ،

стр. 146

عن ابن عبَّاسٍ كِتابًا في التَّفسِيرِ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "مُنكَرُ الحديث"، وساق له أحاديثَ بَواطِيلَ. (تَنبِيهٌ) ذَكَرَ بعضُ المُعاصِرِينَ في كتابٍ لَهُ سمَّاهُ "هَديَ النَّبِيِّ" (ص ٢٣٩)، هذا الحديثَ -أعني: حديثَ الوَلِيدِ بنِ مُسلِمٍ-، وقال: "فإنَّا نُرجِّحُ القَولَ بِضَعفِ الحديثِ، ونَرفُضُ القَولَ بأنَّهُ موضُوعٌ رَفضًا بَاتًّا. فالحَدِيثُ، وإن كان ضَعِيفًا، فإِنَّنَا نَرَى أنَّهُ لا مَانِع من العَمَل بِهِ". • قلتُ: مُصِيبَةُ هؤُلاء أنَّهُم لم يُمَارِسُوا عِلمَ الحديثِ، ولم يُعَانُوا النَّظَر في كُتُب الأَئِمَّة الماضِينَ. وأَكثَرُ هؤُلاءِ على طرِيقَةِ المُتسَاهِلِين من المُتأَخِّرِين، أَمثَالِ السِّيُوطِيِّ وغَيرِهِ في دَعوَى رَدِّ أنَّ الحَدِيثَ مَكذُوبٌ؛ لأنَّهُ لا يُوجَدُ في إسنادِهِ وَضَّاعٌ، أو كَذَّابٌ. فتَرَى السِّيُوطِيَّ ﵀ في كتابه "اللَّاَلئ المصنُوعَة" يرُدُّ كثِيرًا على ابنِ الجَوزِيِّ في حُكمِهِ على الحديثِ بالوَضعِ، فيقُولُ: "ليس بموضُوعٍ؛ وفُلانٌ رَوَى له ابنُ مَاجَهْ"، فإذا رَجَعتَ إلى ترجمَةِ هذا الرَّاوِي وجَدتَهُ ساقِطًا عن حدِّ الاعتِبَارِ بحدِيثِهِ، وأَجمَعَ العُلماءُ على تَركِهِ. فهُو يُرِيدُ أن يَقُولَ: الحديثُ ضعيفٌ جِدًّا، ولكنَّهُ ليسَ موضُوعًا إِذ أنَّهُ في غالب أمرِهِ، يَستَلزِمُ وُجُودَ كذَّابٍ في الإسناد حتَّى يَحكُمَ عليه بالوَضعِ. وهذا ليسَ بلَازِمٍ؛ فالرَّاوِي المُغَفَّلُ قد يُلَقَّنُ بالحديث المكذُوبِ، ولِغَفلَتِهِ يَروِيهِ. وسأُعطِيكَ نمَاذِجَ من تَصَرُّفِ عالِمٍ من أَكبَرِ عُلَمَاءِ الحديثِ في زَمَانِهِ -أَلَا وهو أبُو حاتِمٍ الرَّازِيُّ- حَكَمَ على الحديثِ بأنَّهُ موضُوعٌ، أو مَكذُوبٌ، أو مُفتَعَلٌ، مع أنَّ رَاوِيهِ مجَهُولٌ،

стр. 147

أو سَيِّءُ الحِفظِ، بَل وَقَد يَكُونُ ثِقةً، أو ما يُقَارِبُهُ، ويَحكُمُ على حديثِهِ بالوَضعُ. فهاك بعضُ أمثِلَةٍ، من كِتابِ "عِلَل الحَدِيث" لابنِ أبي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ ﵀ عَلَيهِمَا- .. ١ - قال (رقم ١٠٤): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ ابنُ لَهيعَةَ، عن عُقَيْلٍ، عن ابنِ شِهابٍ، عن عُروَةَ، عن أُسامَةَ بنِ زيدٍ، عن أبِيهِ، عن النّبِيِّ ﷺ ، أنَّ جِبرِيلَ ﵇ أتَاهُ، فأَرَاهُ الوُضُوءَ، فلمَّا فَرَغَ نَضَحَ فَرجَهُ. قال أبي: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ باطِلٌ". ٢ - وقال (رقم ١٨٠): "وسَأَلتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ بقِيَّةُ، عن أبي سُفيان الأَنمَارِيِّ، عن يَحيَي بنِ سعِيدٍ الأَنصَارِيِّ، عن سعِيدِ بنِ المُسيّبِ، عن عُثمانَ، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ تَوضَّأَ، وخلَّلَ لحِيَتَهُ. فقال: هذا حدِيثٌ موضُوعٌ. وأبُو سُفيانَ الأَنمَارِيُّ مجهُولٌ". ٣ - وقال (رقم ١٩٦): "قال أبُو مُحمَّدٍ: سمِعتُ أبي يقُولُ: كَتبتُ عن ثابِتِ بنِ مُوسى، عن شَرِيكٍ، عن الأَعمَشِ، عن أبي سُفيَانَ، عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "مَن صَلَّى بِاللَّيلِ حَسُن وَجهُهُ بِالنَّهارِ". قال أبي: فذَكَرتُهُ لابنِ نُمَيرٍ، فقال: الشَّيخُ لا بَأسَ بِهِ، والحدِيثُ مُنكَرٌ. قال أبى: الحدِيثُ موضُوعٌ". ٤ - وقال (رقم ٨٩٢): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ بِشرُ بنُ المُنذِرِ الرَّمِليُّ، عن مُحمَّدِ بنِ مُسلِمٍ الطَائِفِيُّ، عن عَمرِو بنِ دِينارٍ، عن جابِرِ بنِ عَبد الله، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "العُمرةُ إِلى العُمرةِ كفَّارةٌ لما بينَهُما،

стр. 148

والحجُّ المَبرُورُ ليس لهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجنَّة"، قيل: "وما بِرُّهُ، يا رسُول الله؟ "، قال: "إِطعامُ الطَّعام، وطِيبُ الكلام". فسمِعتُ أبي يقُولُ: هذا حدِيثٌ مُنكَرٌ، شِبهُ الموضُوعِ. وبِشرُ بنُ المُنذِرِ كان صَدُوقًا". ٥ - وقال (رقم ١١٦٠): "وسمِعتُ أبي وحدَّثَنا: عن هِشامِ بنِ عمَّارٍ، قال: حدَّثَنا إِسماعِيلُ بنُ عَيَّاشٍ، عن سُهيلِ بنِ أبي صَالِحٍ، عن أبيه، عن أبي قَتَادَةَ، عن جابِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَن سَرَّهُ أن يُنْجِيهُ الله مِن كُرَب يومِ القِيامةِ، وأن يُظِلَّهُ تحت ظِلِّ العَرشِ، فليُنظِر مُعسِرًا". قال أبي: هذا حدِيثٌ باطِلٌ كَذِبٌ، قد أُدخِلَ على هِشامٍ". ٦ - وقال (رقم ١١٦٥): "وسألتُ أبي عن حَدِيثٍ رواهُ عبدُ الكَرِيمِ ابنُ عَبدِ الكَرِيمِ النَّاجِيُّ، عن الحسَنِ بنِ مُسلِمٍ، عن الحُسَينِ بنِ واقِدٍ، عن ابنِ بُرَيدَةَ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "مَن حَبَسَ العِنَبَ أيَّام القِطافِ لِيبِيع مِن يَهُودِيٍّ، أو نَصرَانِيٍّ، كان لهُ مِن الله مَقتٌ". قال أبي: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ باطِلٌ. قُلتُ: تعرِفُ عَبدَ الكرِيمِ هذا؟ قال: لا. قُلتُ: فتعرِفُ الحَسَنَ بن مُسلِمٍ؟ قال: لا، ولكِن تدُلُّ رِوايتُهُم على الكَذِب". ٧ - وقال (رقم ١٢٠٥): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ كثِيرُ بنُ هِشامٍ، عن جعفرِ بنِ بُرقَانَ، عن الزُّهرِيِّ، عن سالِمٍ، عن أبِيهِ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، أنَّهُ نَهَى أن يَجلِس الرَّجُلُ على مائِدةٍ يُشرَبُ عليها الخَمرُ، وأن

стр. 149

تُنكَح المرأةُ على عَمَّتِها. قال أبي: هذانِ الحدِيثانِ خطَأٌ، يروِيهِ عن جَعفَرٍ، عن رجُلٍ، عن الزُّهرِيِّ هكذا، وليس هذا مِن صحِيحِ حدِيثِ الزُّهرِيِّ … -ثُمَّ قال:- وأمَّا قِصَّةُ المائِدةِ فهُو مُفتَعَلٌ، ليس مِن حدِيثِ الثِّقَات". ٨ - وقال (رقم ١٢٥٢): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ عُبَيدُ بنُ إِسحاق، عن سِنان بنِ هارُون، عن حُميدٍ، عن أنَس، قال: قالت أُمُّ حبِيبة: "يا رسُول الله! المرأةُ مِنَّا يكُونُ لها زَوجانِ في الدُّنيا، ثُمَّ تمُوتُ، فتدخُلُ الجَنَّة هي وزَوجَاهَا، لأيِّهما تكُونُ: لِلأوَّلِ، أو لِلآخِرِ؟ "، قال: "تَخَيَّرُ أحسنَهُما خُلُقًا كان معها فِي الدُّنيَا، فيكُونُ زوجَها فِي الجنّةِ"، قالت أُمُّ حبِيبةَ: "ذَهَبَ حُسنُ الخُلُقِ بِخيرِ الدُّنيا والآخِرةِ". قال أبي: هذا حدِيثٌ موضُوعٌ، لا أصل لهُ. وسِنانُ عِندنا مستُورٌ". ٩ - وقال (رقم ١٢٩٦): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ مُحمَّدُ بنُ المُصَفَّى، عن الوليدِ بنِ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "إِنَّ الله وَضَعَ عن أُمَّتِي الخطأَ، والنِّسيانَ، وما استُكرِهُوا عليه". ورَوَى ابنُ مُصفَّى عن الولِيدِ بنِ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، مِثلَهُ. وعنِ الولِيدِ، عن مالِكٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، مِثلَهُ. وعنِ الولِيدِ، عن ابنِ لِهيعَةَ، عن مُوسى ابنِ وَردَانَ، عن عُقبة بنِ عامِرٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، مِثلَ ذلِك. قال أبي: هذِهِ أحادِيثُ مُنكَرَةٌ، كأنَّها موضُوعَةٌ.

стр. 150

وقال أبي: لم يَسمَع الأَوزَاعِيُّ هذا الحدِيثَ، من عطاءٍ، إنَّهُ سمِعهُ مِن رجُلٍ لم يُسمِّه، أَتوهَّمُ أنّهُ عَبدُ الله بنُ عامِرٍ، أو إِسماعِيلُ بنُ مُسلِمٍ، ولا يصِحُّ هذا الحدِيثُ، ولا يَثبُتُ إِسنادُهُ". ١٠ - وقال (رقم ١٤٨٤): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ عَبدُ الله بنُ المُطَّلِبِ العِجِليُّ، عن الحَسَنِ بنِ ذَكوَانَ، عن يَحيَى بنِ أبي كثِيرٍ، عن أبي سلَمَة، عن أبي هُريرَة، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ أهلَ البيتِ ليقِلُّ طعامُهُم، فتَستَنِيرُ بُيُوتُهُم". قال أبي: هذا حدِيثٌ كذِبٌ. وعبدُ الله بنُ المُطَّلِبِ مجهُولٌ". ١١ - وقال (رقم ١٥٤٣): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ حدَّثَنا بِهِ عمّارُ ابنُ خالِدٍ الوَاسِطِيُّ، عن شَيخٍ مِن أَهلِ البَصرَةِ يُكْنَّى أبا الفَضلِ الأَشجَّ، عن جعفرِ بنِ مُحمَّدٍ، عن أبِيهِ، قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عن أَكَلِ الطِّينِ، وقال: "مَن أَكَلَ الطِّينَ، فقد أعان على قتلِ نفسِهِ". فسمِعتُهُ يقُولُ: هذا حدِيثٌ كَذِبٌ. والشَّيخُ لا أعرِفُهُ". ١٢ - وقال (رقم ١٦٢٧): "وسألتُ أبي عن حدِيثٍ رواهُ أبُو عَقيلٍ ابنُ حاجِبٍ، عن عَبدِ الرَّزَّاقِ، عن سعِيدِ بنِ قمَاذِينَ، عن عُثمانَ بنِ أبي سُليمانَ، عن سعِيدِ بنِ مُحمَّدِ بنِ جُبَيرِ بنِ مُطعِمٍ، عن عَبدِ الله بنِ حَبَشِيٍّ، قال: سمِعتُ رسُول الله ﷺ ، يقُولُ: "لا تَطرُقُوا الطَّير فِي أَوكَارِها؛ فإِنَّ اللَّيلَ أَمَانٌ لها". قال أبي: يُقالُ: إِنَّ هذا الحدِيثَ مِمَّا أُدخِل على عَبدِ الرَّزَّاقِ. وهُو حدِيثٌ موضُوعٌ".

стр. 151

١٣ - وقال (رقم ١٨٤٦): "وَسَأَلتُ أبي عن حَدِيثٍ رَوَاهُ المُسَيَّبُ ابنُ وَاضِحٍ، عن بَقِيَّةَ، عن سَعِيدِ بنِ بَشِيرٍ، عن قَتَادَةَ، عن مُوَرِّقٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: "لكُلِّ عبدٍ رِزقُهُ مِنَ الدُّنيَا، هو يأتيه لا مَحالةَ، فَمَن رَضِيَهُ بُورِكَ له فيه، وَوَسِعَهُ، ومن لم يَرض به لم يُبَارَك له فيه، ولم يَسَعْهُ". قَالَ أبي: هذا حَدِيثٌ مُنكَرٌ جِدًّا، كأنَّهُ موضُوعٌ. لا نَعرِفُ لموَرِّقٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ حديثًا مُسنَدًا". ١٤ - وقال (رقم ١٨٥٢): "وَسأَلتُ أبي عن حديث مُحَمَّدِ بنِ أُمَيَّةَ السَّاوِيِّ، عن نَوفَلِ بنِ سُليمانَ الهُنَائِيِّ، عن عُبيدِ الله بنِ عُمَر العُمَرِيِّ، عن نَافعٍ، عن ابنَ عُمرَ، قال: وَقَفَ النَّبيُّ ﷺ بِعُسْفَانَ، فَقال: "لَقَد مَرَّ بهذه القَريةِ سبعون نَبِيًّا، ثِيابُهُم العَبَاءُ، وَنِعَالهُمُ الخُوصُ". فسَمِعتُ أبي يَقُولُ: هذا حَدِيثٌ موضُوعٌ بهذا الإسناد، ونَوفَلُ بنُ سُليمانَ هذا ضعيفُ الحدِيث". ١٥ - وقال (رقم ١٨٧١، ٢٣٩٤): "وَسَمِعتُ أبي رَوَى عن هِشَامِ ابنِ خَالِدٍ الأزرقِ، قال: حدَّثَنا بَقِيَّةُ بنُ الوليدِ، قال: حدَّثَنا ابنُ جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ مِن سَقَمٍ، أَو ذَهَابِ مالٍ، فاحتَسَب، ولم يَشْكُ إلى النَّاسِ، كان حَقًّا على الله أَن يَغفِرَ له". قال أبي: هذا حَدِيثٌ موضُوعٌ، لا أَصلَ له. وكان بَقِيَّةُ يُدَلِّسُ، فظَنُّوا هؤلاء أنَّه يقول في كُلِّ حَدِيثٍ: "حدَّثَنا"، ولا يَفتَقِدُون الخَبَرَ منه".

стр. 152

١٦ - وقال (رقم ١٩٤٥): "وسمِعتُ أبي وحدَّثَنا عن يَحيَى بن عُثمان ابن صالحٍ المِصرِيِّ، عن أبيه، عن ابنِ لِهَيعَةَ، عن أبي عُشَّانَةَ حَيِّ بن يُؤمِن، عن عُقبَةَ بن عامِرٍ الجُهَنِيِّ، قال: قال رسُول الله ﷺ : "لو كان فيكم مُوسَى وعصَيتُمُوني دخَلتُم النَّارَ". قال أبي: هذا حَدِيثٌ كَذِبٌ. قال أَبُو مُحمَّدٍ: أَبُو عُشَّانَةَ ثِقَةٌ". ١٧ - وقال (رقم ١٩٦٦): "وسألتُ أبي عن حَدِيثٍ رواهُ ابنُ أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثَني أبي، عن عُمَر بنِ شَيبَةَ بنِ أبي كَثِيرٍ مَولى أَشجَعَ، وَثَورِ بن يزيدَ، وخالِهِ مُوسَى بنِ مَيسَرَةَ الدَّيْلِيَّيْنِ وغيرِهِ، عن نُعَيمٍ المُجْمِرِ، وعن سعيد بن أبي سَعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة، رفَعُوا الحدِيثَ، قال النَّبيُّ ﷺ : "يعودُ الإِسلامُ كما بَدَأَ، -أي: أنَّهُ بدأَ غَرِيبًا وسيَعُودُ غَرِيبًا-، فطُوبَى للغُرَبَاءِ"، فقيل: "يا رسُولَ الله! ومَن الغُربَاءُ؟ "، قال: "الذين يَصلُحُونَ إذا فَسَدَ النَّاسُ". قال أبي: عُمَر بنُ شَيبَةَ مجَهُولٌ. وهذا حَدِيثٌ مَوضُوعٌ". • قلتُ: فهذه نَمَاذِجُ من صنيعِ أبي حَاتِمٍ، وليس في سَنَدِ حديثٍ مِنهَا كذَّابٌ، أو وَضَّاعٌ، بل بعضُهُم ثِقاتٌ، مثلُ عبدِ الرَّزَّاق، وأبي عُشَّانَةَ، ومِنهُم صادِقُونَ سَيِّئُو الحِفظِ، ومِنهُم المَجاهِيلُ. ثُمَّ قولُه: "إنَّهُ حديثٌ ضعيفٌ يُعمَلُ به"، بَنَاهُ على قولِ بعضِ أهلِ العِلمِ: "يُعمَلُ بالضَّعِيف في فضَائِلِ الأَعمَالِ". والعُلماءُ الذين نَصُّوا على ذلك يَشتَرِطُون ألَّا يَشتَدَّ ضَعفُهُ، ولا يَعرِفُ هذا إلَّا أهلُ الحديثِ وَحدهم، فخَرَجَ بهذا القَيدِ سائِرُ أهل الفُنُون الأُخرَى، مِمَّن

стр. 153

لم يَتَعَانَوْا عِلمَ الحَدِيثِ، مِثلُ الفُقهاءِ، وأهلِ التَّفسِيرِ، والعَرَبِيَّةِ، فَضلًا عن غَيرِهِم. والكَلامُ في المسألة طَوِيلُ الذَّيل. وقد تَكَلَّمتُ عنها في عِدَّة مَوَاضِعَ مِن كُتُبِي. والله المُوَفِّقُ. وانظُر ما يأتي برقم (١١٥) إن شاء الله. وبالجُملة، فالحديثُ لا يَصِحُّ سندًا، ولا متنًا. والله أَعلَمُ.

стр. 154

٣٤ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللّهَ وَكَّلَ بِعَبدِهِ المُؤمِنِ مَلَكَينِ يَكتُبَانِ عَمَلَهُ، فَإِذَا مَاتَ قالا: يَا رَبِّ! وَكَّلتَنَا بِعَبدِكَ المُؤمِنِ نكتُبُ عَمَلَهُ، وَقَد قَبَضتَهُ، فَأْذَن لَنَا أَن نَصعَدَ إِلَى السَّمَاءِ. قال: سَمَائِي مَملُوءَةٌ مِن مَلَائِكَتِي يُسَبِّحُونَ. قالا: ائذَن لَنَا أَن نَسكُنَ الأَرضَ. قال: أَرضِي مَملُوءَةٌ مِن خَلقِي يُسَبِّحُونِي، وَلَكِنْ قُوْمَا عَلَى قَبرِ عَبدِي، فَسَبِّحَانِي، وَهَلِّلَانِي، وَكَبِّرَانِي، وَاحمَدَانِي إِلَى يَومِ القِيَامَةِ، وَاكتُبَا ذَلِكَ لِعَبدِي". وذكر السَّائل أنَّه قرأ هذا الحديث في "مُختَصر مِنهاجُ القاصِدين". • قلتُ: هذا الحديثُ باطلٌ، ويُشبِه أن يكون موضُوعًا. أخرجه إِسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ في "مُسنَدِه" -كما في "نصب الرَّاية" (١/ ٤٣٤) -، وأحمدُ بنُ مَنِيعٍ في "مُسنَده" -كما في "المطالب العالية" (ق ٩٨/ ٢) -، وأبُو الشَّيخ في "كتاب العَظَمة" (٥٠٣)، والبَيهقيُّ في "الشُّعَب" -كما في "الدُّرِّ المنثور" (٦/ ١٠٥) -، وابنُ الجوزيِّ في "الموضوعات" (٣/ ٢٢٩) من طريق عُثمانَ بنِ مَطَرٍ، عن ثابتٍ البُنَانِيِّ، عن أنسٍ رَفَعه.

стр. 155

قال ابنُ الجوزيِّ: "هذا حديثٌ لا يَصِحُّ، وقَد اتَّفَقُوا على تضعيف عُثمانَ بنِ مَطَرٍ". قلتُ: وعُثمانُ بنُ مَطرٍ، ضعَّفَهُ ابنُ المَدِينيِّ جِدًّا، وابنُ معِينٍ، وأبو زُرعةَ الرَّازيُّ، وأبو حاتمٍ، وقال: "مُنكَر الحديث"، وأبو داوُد، والنَّسائيُّ، وقال النَّسائيُّ أيضًا: "ليس بثقةٍ"، وقال البُخاريُّ: "عنده غرائبُ"، وهذه الصِّيغة من البُخاريِّ تُفيد الضَّعفَ الشَّديد، وقال مرَّةً أُخرَى: "مُنكَر الحديث"، وكذلك أبُو أحمَدَ الحاكمُ، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان مِمَّن يَروِي الموضُوعاتِ عن الأَثباتِ، لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به". والكلام فيه طويلُ الذَّيل. وتَفَرُّد مثلِه عن ثابتٍ فيه دلالةٌ على سُقوط حديثِهِ. وقد ذَكَر السِّيوطيُّ في "اللَّاَلئ المصنُوعة في الأحاديث الموضُوعة" (٢/ ٤٣٢ - ٤٣٣) شَواهدَ لهذا الحديثِ، عن أبي بكرٍ، وأبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵄ لا يخلو سَنَدُ أحدِها من مُتَّهَمٍ أو كَذَّابٍ. فالحديث لا يَصِحُّ من أيِّ وجهٍ من هذِهِ الوُجوه. واللهُ أَعلمُ.

стр. 156

٣٥ - سُئلتُ عن حديث: "جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُم صُنَّاعَكُم". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ موضوعٌ. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢٦٦)، والخطيبُ في "تلخيص المتشابه" (٣٩٢/ ١) من طريق مُحمَّدِ بنِ مُجيبٍ، عن جعفر بن مُحمَّدٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، عن عليِّ بن أبِي طالبٍ، قال: مَرَرتُ مع أميرِ المؤمنين عثمانَ على مسجدٍ، فرأَي فيه خيَّاطًا، فأمر بإخراجه، فقلتُ: يا أمير المُؤمنين! إنَّه يقُمُّ -أي: يكنُس- المسجدَ أحيانًا، ويَرُشُّه، ويُغلق أبوابَهُ. فقال: يا أبا الحسن! سَمِعتُ رسول الله ﷺ يقول: "جَنِّبوا مساجدكم صُنَّاعكم". ووقع في "التَّلخيص الحبير" للحافظ (٣/ ٦٧): "صبيانكم" بدل: "صُنَّاعكم"، وهو تصحيفٌ. وهذا سندٌ ساقطٌ؛ ومُحمَّد بن مُجيبٍ تالفٌ البتَّةَ، كذَّبه ابنُ مَعِينٍ، وقال أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ: "ذاهبُ الحديث".

стр. 157

٣٦ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ لِلمُقِيمِ بِالإِسكَندَرِيَّةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِن غَيرِ رِيَاءٍ كمَن عَبَدَ اللهَ سبعِينَ أَلفَ سَنَةً، مَا بَينَ الرُّومِ وَالعَرَبِ". • قلتُ: هذا حديثٌ بُطلانه قي غاية الظُّهور. فأخرجه الدَّارقُطنيُّ في "الأفراد"، ومن طريقه ابنُ الجَوزيِّ في "الواهيات" (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦) قال: نا أحمدُ بنُ إسحاقَ بن إبراهيم المَلحَمِيُّ، قال: نا الوليد بن العبَّاس بن مُسافرٍ الخَولانيُّ، قال: نا أبُو صالحٍ عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثَني خالدُ بن حُميدٍ، عن سعيدِ بن أبي عَرُوبَةَ، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن أبي هُريرة، أنَّهُ سألَهُ فقالَ: مِن أين جِئتَ؟ قال: مِن الإسكندريَّة. فقال: إِنِّي سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: … فذَكَره. قال الدَّارَقطنيُّ: "هذا مُنكَرٌ بهذا الإسناد، لم نكتُبه إلَّا عن هذا الشَّيخ". وقال ابنُ الجَوزِيِّ: "الوليدُ قد ضعَّفه الدَّارقُطنيُّ. وأبو صالحٍ، قال فيه أحمد: ليسَ بشيءٍ". • قُلتُ: أمَّا شيخُ الدَّارقطنيِّ -أحمدُ بنُ إسحاقَ-، فترجمَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٤/ ٣٤)، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. والوليدُ، ضعَّفه الدَّارقُطنيُّ، وأبُو عُمَرَ الكِندِيُّ المِصريُّ. وأبُو صالحٍ كاتِبُ اللَّيث، صدوقٌ، في حفظِهِ مقالٌ مَعرُوفٌ.

стр. 158

ولَم أَظفَر بما يُثبِت روايةَ سعيدِ بنِ أبي عَرُوبة، عن سعيدِ بن جُبَيرٍ. فليُحَرَّر. وقد رواه أبُو الشَّيخ مِن وجهٍ آخرَ .. قال الحافظُ -كما في "تنزيه الشَّرِيعة" (٢/ ٥٧) -: "رجالُهُ مشهورُون بالثِّقةِ، إلَّا الوزيرَ بنَ مُحمَّدٍ، وإبراهيمَ بنَ حربٍ، وجابرًا الجُعفيَّ. ولا أَعرِف الوزيرَ بنَ مُحمَّدٍ، ولا أَظُنُّ الآفةَ إلَّا مِنهُ" ا. هـ. والحديثُ جَزَمَ الذَّهبيُّ ببُطلانه في "تلخيص الواهيات"، وهو حقِيقٌ بذلك. واللهُ أعلَمُ.

стр. 159

٣٧ - سُئلتُ عن حديثٍ: قالت عائشةُ: "مَا رَأَيتُ عَورَةَ النَّبِيِّ ﷺ قَطُّ، وَلَا رَآه مِنِّي". • قلتُ: هذا الحديثُ منكَرٌ. أخرجه ابنُ المُقرِي في "المُعجَم" (ق ٦٣/ ١)، وابنُ عديٍّ في "الكامل" (٢/ ٤٧٩) قالا: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ زِياد بن خالد بنِ أبي زِيادٍ .. والطَّبرانيُّ في "الأوسط" (٢١٩٧)، وفي "الصَّغير" (١/ ٥٣)، وعنه أبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٢٤٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ زكريَّا بنُ شَاذانَ البَصرِيُّ .. وابن عَدِيٍّ أيضًا (٢/ ٤٧٩)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ١٠٠) عن عبدِ الله بن مُحمَّد بن يُونُسَ السِّمْنَانِيِّ .. والخطيبُ (٤/ ٢٢٥) عن عبدِ الله بنِ أبي سُفيانَ .. قالُوا: ثنا بَرَكةُ بنُ مُحمَّدٍ الحَلَبيُّ، ثنا يوسفُ بنُ أسباطَ، ثنا الثَّوريُّ، عن مُحمَّدِ بنِ جُحادةَ، عن قتادةَ، عن أَنَسٍ، عن عائشةَ، قالت: "ما رأيتُ عَورة النَّبيِّ ﷺ … الخ". وقال أبو نُعيمٍ: "وهذا من مَفَارِيد يُوسُفَ، عن الثَّورِيِّ، عن مُحمَّدٍ". قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِه عن الثَّوريِّ إلَّا يُوسفُ بنُ أسباطٍ، تفرَّد به بركةُ بنُ مُحمَّدٍ".

стр. 160

• قلتُ: ولا بَرَكَةَ فيهِ، فإنَّهُ كذَّابٌ. قال الدَّارقُطنيُّ في "العلل" (ج ٥/ ق ٢٠/ ١): "يرويه بركةُ بن مُحمَّدٍ الحلبيُّ، وهو متروكٌ، وهذا يَضعُ الحديثَ على الثَّوريِّ، وعلى غيرِهِ. ولا يَصحُّ هذا، لا عن الثَّوريِّ، ولا عن مُحمَّدِ بنِ جُحَادَةَ، ولا عَرَفناه" ا. هـ، وقال في "سُنَنه" (٤٠٩): "وبركةُ يضعُ الحديثَ". وقال ابنُ حِبَّان: "كان يَسرِق الحديثَ، ورُبَّما قَلَبَهُ". وقال الذَّهَبِيُّ: "مُتَّهَمٌ بالكَذب". ولم يتفرَّد به بَرَكَةُ .. فتابَعَهُ عبدُ الله بنُ حَسَنٍ (؟)، قال: ثنا يُوسُفُ بنُ أسباطَ، ثنا الثَّورِيُّ بهذا. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" (ج ٨٣/ ق ٦/ ٢) قال: حدَّثَنا عليُّ ابنُ عبدِ الله، ثنا أبُو طالبٍ عبدُ الله بنُ أحمدَ، ثنا عبدُ الله بنُ حَسَنٍ بهذا. وقال أبو نُعيمٍ: "ورواه غيرُهُ -يعني: غيرَ شَاذَانَ البَصرِيِّ-، عن بَرَكَة، عن يُوسُفَ، عن حمَّادٍ، عن مُحمَّد بن جُحَادةَ". • قلتُ: وهذا الذي أشار إليه أبو نُعيمٍ: أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٤٧٩)، والخطيبُ (٤/ ٢٢٥) عن عبد الله بن عبد الرَّحمن الزُّهرِيِّ، قالا: حدَّثَنا أحمدُ بنُ عبد الله بن سَابُورَ، ثنا بَرَكَة بن مُحمَّدٍ، ثنا يُوسُفُ بنُ أسباطَ، عن حمَّاد بن سَلَمة، عن مُحمَّد بن جُحادة، … فذَكَرَهُ. فقلتُ له -القائل: ابنُ سابورَ-: "إنَّما هو عن الثَّورِيِّ، عن ابن جُحادة. فأبَى، وقال: سَمَاعِي وسَمَاعُ المَعمَرِ من بَرَكة هكذا، وهكذا في أصلي".

стр. 161

قال ابنُ عَدِيّ: "وابنُ سابورَ هذا أخطأ، حيثُ جَعَل مكان الثَّورِيِّ حمَّادَ بن سَلَمة، والصَّوَابُ ما حدَّثَنَاه عبدُ الله بنُ مُحمَّد بن يُونُس، وعبدُ الله ابنُ زياد بنِ خالدٍ. ولم يَروِ هذا الحديثَ بهذا الإسناد غيرُ بَرَكَة" انتهَى. وقال الخطيبُ: "لا أعلم رواه عن بَرَكَة هذا غيرَ ابنِ سابُورَ. والمحفوظُ عن بَرَكَة: … -وساق الإسنادَ إلى الثَّورِيِّ-". • قلتُ: ولستُ أَدرِي مُستَنَد ابنِ عَدِيٍّ في تغليطِ شيخِهِ ابن سَابُورَ، فإنَّه ثِقَةٌ كما قال الدَّارَقُطنِيُّ، ونَقَلَ توثيقَه حمزةُ بنُ يُوسُف السَّهمِيُّ في "سؤالاته" (١٥٥)، وعنه الخطيبُ. وقال الذَّهَبِيُّ في "السِّيَر" (١٤/ ٤٦٢): "الشَّيخُ الإمام الثِّقَةُ المُحَدِّث". وقال في "الميزان" (١/ ٦٢١)، في ترجمة حَنظَلَة بن أبي سفيان: "ساق له ابنُ عَدِيِّ حديثًا مُنكَرًا، ولعلَّهُ وَقَعَ الخللُ فيه من الرُّواة إليه، فقال: حدَّثَنا أحمد بن عبد الله بن سَابُورَ، ثنا الفضل بن الصَّبَّاح، ثنا إسحاقُ الرَّازِيُّ، عن حَنظَلَة، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَر، مرفُوعًا: "اغسِلُوا قتلاكم". رواتُهُ ثقاتٌ، ونَكَارَتُهُ بَيِّنَةٌ". فتعقَّبَهُ الحافظُ في "اللِّسان" (١/ ١٩٨)، قائلًا: "وليس بين ابنِ عَدِيٍّ وحَنظَلَةَ إلَّا أحمدُ والفضلُ. فأمَّا الفضلُ فوَثَّقَهُ يحيى بنُ مَعِينٍ، وغيرُه، وهو من شُيُوخ التِّرمذِيِّ. وأمَّا أحمدُ بنُ عبد الله أبو مَطَرٍ العَسقَلَانِيُّ، قال أبو عبد الله ابنُ مَندَهْ: في أحاديثِهِ مَنَاكيرُ. وكذلك في سؤالات الحاكم للدَّارَقُطنِيِّ" انتهَى. • قلتُ: هكذا وقعت التَّرجَمةُ في "اللِّسان". وآخرُ الكلام عندي مُقحَمٌ،

стр. 162

والصَّواب أنَّ أحمدَ بنَ عبد الله أبو مَطَرٍ تَرجَمَةٌ أُخرَى (١)؛ وأحمدُ بنُ عبد الله ابن سَابُورَ شيخُ ابن عَدِيٍّ لا يُكنَى بأبي مَطَرٍ. وإنَّما نَبَّهتُ على هذا حتَّى لا يَظُن ظانٌّ أن قولَ الدَّارَقُطنِيِّ وابنِ مَندَهْ إنَّما هو في ابن سَابُورَ، وكأنَّه سقَطَ شيءٌ من كلام الحافظِ وهو يَرُدُّ على الذَّهَبِيِّ. وعلى كُلِّ حالٍ، فتَعصِيبُ جناية هذا الوهم يَنبَغِي أن تكون في رَقَبَة بَرَكَة بن مُحمَّدٍ؛ لأنَّ ابن سَابُورَ حَكَى مُراجَعَتَه لبَرَكة في جَعلِ حمادِ بنِ سَلَمةَ مكان الثَّورِيِّ، فَرَفَضَ بَرَكَةُ أن يَرجِع، وقال: "هو هكذا في أَصِلي"، وقد تَقَدَّم أنَّ بَرَكَةَ بنَ مُحمَّدٍ يكذبُ. فإذا كان الأمرُ كذلك، فلِمَ يُلصَق الخطأُ بابن سَابُورَ؟! وله طريقٌ آخرُ .. أخرَجَهُ أبُو الشَّيخ في "الأخلاق" (ص ٢٥١ - ٢٥٢) من طريق مُحمَّد ابن القاسم الأَسَدِيِّ، نا كاملٌ أبُو العَلَاء، عن أبي صالحٍ -أُرَاهُ-، عن ابن عَبَّاسٍ، قال: قالت عائشةُ ﵁: "ما أَتَى رسولُ الله ﷺ أحدًا من نسائه إلَّا مُتَقَنِّعًا، يُرخِي الثَّوبَ على رأسه. وما رأيتُه من رسول الله ﷺ ، وما رآه مِنِّي". وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ ومُحمَّد بن القاسم الأَسَدِيُّ، كذَّبَهُ أحمدُ، وأبو داوُد، وابنُ حِبَّان، والدَّارقُطنِيُّ، ونقل البُخاريُّ، عن أحمدَ، قال: "رَمَينَا حديثَه". أمَّا توثيقُ ابنِ مَعِينٍ له فَغيرُ مُعتَبَرٍ؛ فإنَّ الرُّواة كانُوا يخافون

стр. 163

منه (١)، فقد يَكُون أحدُهم ممَّن يخلِطُ عمدًا، ولكنَّه استَقبَل ابنَ مَعينٍ بأحاديثَ مُستقيمَةٍ، فإذَا وَجَدنَا مِمَّن أدَرَكه ابنُ مَعِينٍ من الرُّواة مَن وثَّقَه ابن مَعِينٍ، وكذَّبه الأَكَثرُون، أو طَعَنُوا فيه طعنًا شديدًا، فالظَّاهِر أنَّه مِن هذا الضَّرْب، فإِنَّما يزيدُهُ توثيقُ ابنِ مَعِينٍ وَهَنًا؛ لدلالتِه علَى أنَّهُ كانَ يَتَعمَّد، كما قال الشَّيخُ العلَّامةُ عبدُ الرَّحمن بن يحيَى المُعلِّمِيُّ ﵀. وله طريق آخر .. أخرجه أحمدُ (٦/ ٦٣)، والتِّرمِذِيُّ في "الشَّمائل" (٣٥٢)، وابنُ ماجَهْ (٦٦٢، ١٩٢٢) من طريق وَكِيعٍ، عن سُفيان الثَّورِيِّ، عن منصُورٍ، عن مُوسَى بن عبد الله بن يزيدَ الخَطْمِيِّ، عن مولًى لعائشة، عن عائشة، قالت: "ما نَظَرتُ -أو: ما رأيتُ -فَرْجَ رسول الله ﷺ قطُّ".

стр. 164

ونَقَلَ ابن ماجَهْ عن شيخه ابنِ أبي شَيبَة، قال: "كان أبو نُعيمٍ يقول: عن مولاةٍ لعائشة". وأبو نُعيمٍ هو الفضل بن دُكَينٍ. وروايته أخرَجَهَا إسحاقُ بنُ رَاهَويهِ في "مُسنَده" (ج ٤/ ق ١٢٠/ ٢) قال: أخبَرَنا المُلَائِيُّ، نا سُفيان به. وأخرجه ابنُ سَعدٍ في "الطَّبَقات" (١/ ٣٨٣ - ٣٨٤) قال: أخبَرَنا وَكِيعُ بنُ الجرَّاح، والفضلُ بنُ دُكَينٍ، عن سُفيانَ به. والمُلَائِيُّ هو أبو نُعيمٍ. ولكنَّه لم يتفرَّد به .. فتابعه عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، فرواه عن سُفيان، مثلَ أبي نُعيمٍ. أخرجه أحمدُ (٦/ ١٩٠). وهذا الوجهُ عن سُفيانَ الثَّورِيِّ أولى من رِوايةِ يُوسُفَ بنِ أسباطَ المُتقدِّمةِ عنه؛ للعِلَّة المُتقَدِّمة. وسَنَدُه ضعيفٌ؛ لجهالة مولاة عائشة. وقد ثَبَت ما يُعارِض هذه الرِّوايةَ، كما يأتِي. وأخرَجَ عبدُ الرَّزَّاق (ج ٦/ رقم ١٠٤٧١)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٨٣١٨) عن يحيى بن العلاء، عن ابن أَنعُمٍ، أنَّ سعدَ بنَ مسعودٍ الكِنْدِيَّ قال: أَتَى عُثمانُ بنُ مظعُون رسولَ الله ﷺ ، فقال: "يا رسُولَ الله! إنِّي لأستحَيِي أن تَرَى أهلي عَورَتِي"، قال: "وقد جَعَلَكَ اللهُ لهم لِباسًا، وجَعَلَهُم لك لِباسًا؟! "، قال: "أَكرَهُ ذلك"، قال: "فإِنَّهم يَرَونَه مِنِّي، وأَرَاه منهم"، قال: "أنتَ يا رسُولَ الله؟! "، قال:

стр. 165

"أنا"، قال: "أنتَ؟! فمَن بَعدَكَ إذًا؟! "، -قال:- فلمَّا أَدبَر عثمانُ قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّ ابنَ مظعُون لَحَيِيٌّ سِتِّيرٌ". قال الهَيثَمِيُّ: "فيه يحيى بنُ العَلَاء، وهو متروكٌ" ا. هـ، وكذَّبَهُ أحمد، وغيرُه. • قلتُ: لم يتفرَّد به .. فتابعه مُحمَّدُ بنُ يزيدَ الوَاسِطِيُّ، ويعلى بنُ عُبَيدٍ الطَّنَافِسِيُّ، قالا: أخبَرَنا الإِفرِيقِيُّ، عن سعدِ بنِ مسعُودٍ، وعُمارةَ بنِ غُرابٍ اليَحصُبِيِّ، أن عُثمانَ بن مظعُون أتى النَّبيَّ ﷺ … فذكره. أخرجه ابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٣٩٤) عنهما. والإِفرِيقِيُّ هو عبدُ الرحمن بنُ زياد بن أَنعُمٍ، مُختلَفٌ فيه، فمِنهُم من مشَّاهُ، والأكثَرُون على تضعيفه. وسعدُ بن مسعُودٍ الكِندِيُّ وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان (٤/ ٢٩٧)، وترجَمَهُ البُخاريُّ في "الكبير" (٢/ ٢/ ٦٤)، وابنُ أبي حَاتِمٍ (٢/ ١/ ٩٤ - ٩٥)، ورَوَى عن ضِمام بن إِسماعيلَ، قال: "كان عُمَرُ بنُ عبد العزيز بَعَث سعدَ بنَ مسعودٍ يُفَقِّهُهُم، ويُعَلِّمُهم دِينَهم"، فهذا يَدُلُّ على تقوية سعدٍ. ولكنه مُنقَطِعٌ، فإنَّهُ لم يُدرِك عُثمانَ بنَ مَظعُونٍ، إذ أنَّه تُوفيِّ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ ومثلُهُ عُمارةُ بنُ غُرابٍ. وعُمارةُ هذا تَرجَمَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "الجرح" (٣/ ١/ ٣٦٨)، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تَعدِيلًا. ولكنَّهُ مُتابَعٌ، كما هو ظَاهِرٌ. وأخرَجَهُ الحارث بنُ أبي أُسامَةَ في "مُسنَده" (٤٩٢ - زوائده)، قال:

стр. 166

حدَّثَنا إسماعيلُ بنُ أبي إِسماعيلَ، ثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن عبد الرَّحمن الإِفرِيقِيِّ، عن سعد بن مَسعُودٍ الكِندِيِّ، أنَّ عُثمانَ بنَ مَظُعون، فذَكَرَه. وشَيخُ الحارِث مُنكَر الحديث. واعلم! أنَّه لا يَصِحُّ حديثٌ في مَنع الرَّجُلِ أن يَرَى عورة امرأتِهِ، ولا العَكس. وكُلُّ ما وَرَدَ في هذا فبَاطِلٌ. بل ثَبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ عَكسُ ذَلكَ، فقَالَ: "احفظ عَورَتك، إلَّا من زَوجَتِك، أو ما مَلكَت يمينُك". أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الغُسل" (١/ ٣٨٥) معلَّقًا، ووَصَلَهُ أبو داوُد (٤٠١٧)، والنَّسَائِيُّ في "عِشرة النِّساء" (٨٩٧٢ - الكبرَى)، والتِّرمِذِيُّ (٢٧٩٤)، وابنُ مَاجَهْ (١٩٢٠)، وأحمدُ (٥/ ٣، ٤)، وابنُ المُنذِر في "الأوسط" (ج ١/ رقم ٢٥٦)، والرُّوْيَانِيُّ في "مُسنَده" (ج ٢٧/ ق ١٦٣/ ٢ - ١٦٦/ ٢)، والمُخلِّصُ في "الفوائد" (ج ١١/ ق ٢٣٧/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢/ ١٥٦)، والحاكمُ (٤/ ١٨٠)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج / ١٩ رقم ٩٨٩ - ٩٩٥)، والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن" (١/ ١٩٩، و ٢/ ٢٢٥، و ٧/ ٩٤)، وفي "الآداب" (رقم ٨٥٥)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ١٢١)، والخطيبُ (٣/ ٢٦١)، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (١١٠٢)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٣/ ٥) من حديث بَهزِ بن حَكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مُعاويةَ بنِ حَيدَةَ، قال: "يا رسُولَ الله! عوراتُنا، ما نأتي منها وما نَذَرُ؟ "، قال: "احفظ عورَتك، إلَّا من زَوجَتِك، أو ما ملكت يمينُك"، -قال:- قُلتُ: "يا رسُولَ الله! إذا كان القومُ بعضُهمُ في بعضٍ؟ "، قال: "إن استطعتَ أن لا يَرَينها أحدٌ فلا يَرَينَّها"، -قال:- قلتُ:

стр. 167

"يا رسُول الله! إذا كان أحدُنا خاليًا؟ "، قال: "اللهُ أحقُّ أن يُستَحيَا منه من النَّاس"، واللَّفظُ لأبي داوُد. واقتَصَر بعضُ المُخَرِّجين على بَعضِه. وأخرَج الشَّيخانِ، واللَّفظُ لمُسلِمٍ، عن عائشةَ، قالَت: "كُنتُ أَغتَسِل أنا ورسولُ الله ﷺ مِن إناءٍ بيني وبينه واحدٍ، تَختَلِفُ أيدينا فيه، فيُبَادِرُنِي، حتَّى أقول: دع لي! دع لي! " قالَت: وَهُما جُنُبان. قال الحافظُ في "الفتح" (١/ ٣٦٤): "استَدَلَّ به الدَّاوُدِيُّ على جوازِ نَظَرِ الرَّجل إلى عورة امرأتِهِ، وعكسِه. ويُؤيِّدُه: ما رَوَاه ابنُ حِبَّانَ من طريق سُليمانَ بنِ مُوسَى، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجل يَنظُر إلى فَرْجِ امرأتِهِ، فقال: سأَلتُ عطاءً، فقال: سَأَلتُ عائشةَ، فذَكَرت هذا الحديثَ بمعناه. وهو نَصٌّ في المَسأَلة. والله أعلم" ا. هـ. قال ابنُ حزمٍ في "المُحلَّى" (١٠/ ٣٣): "وحَلَالٌ للرَّجل أَن يَنظُر إلى فَرجِ امرأتِهِ، زوجتِهِ، أو أَمَتِه التي يَحِلُّ له وَطْؤُها، وكذلك لَهُمُا أن يَنظُرا إلى فرجِهِ، لا كراهية في ذلك أَصلًا؛ بُرهان ذلك، الأخبارُ المشهورَةُ عن عائِشةَ، وأُمِّ سَلَمة، ومَيمُونةَ، أُمهاتِ المُؤمِنِينَ ﵅ كُنَّ يَغتَسِلن مع رسُول الله ﷺ من الجَنابةِ مِم إناءٍ واحدٍ. وفي خَبَر مَيمُونَةَ، بَيَانُ أنَّه ﵊ كان بِغَيرِ مِئزَرٍ، لأنَّ في خبرها أنَّه ﵊ أَدخَل يده في الإناء، ثُمَّ أفرَغَ على فَرجِه، وغَسَل بشِمالِهِ، فَبَطل بعدَ هذَا أَن يُلتَفَت إلى رأيِ أحدٍ. ومن العَجَب أَن يُبِيحَ بَعضُ المُتكلِّفين مِن أهلِ الجهلِ وطءَ الفَرج، وَيمنعَ مِنَ النَّظر إليه!! وَيكفِي مِن هذا، قَولُ الله : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، أَمَر- -

стр. 168

بِحِفظِ الفَرْج، إلَّا على الزَّوجة ومِلكِ اليَمِين، فلا مَلامَةَ في ذلك، وهذا عُمومٌ في رُؤيتِهِ، ولَمسِهِ ومُخالَطَته. وما نَعلَمُ للمُخالِف تعلّقًا إلَّا بأثرٍ سخيفٍ، عن امرأةٍ مَجهولة، عن أُمِّ المُؤمِنين: "ما رَأيتُ فَرْج رسول الله ﷺ "، وآخرَ في غاية السُّقوطِ: عن أبي بَكرٍ بنِ عَيَّاشٍ، وزُهير بنِ مُحمَّدٍ، كلاهما عن عبدِ المَلِك بن أبي سُليمان العَرْزَمِيِّ. وهؤلاء ثَلَاثُ الأَثَافِي، والدِّيارُ البَلَاقِعُ، وأحدُهم كان يَكفِي في سُقوط الحديث" انتهَى. • قلتُ: هوَّل ابنُ حزمٍ على عادته في الجَرح؛ فأبو بَكرٍ بنُ عيَّاشٍ ثقةٌ في نَفسِه، ولكن ساء حِفظُه لما كَبِر. وكتابُه صحيحٌ. وزُهيرُ بنُ مُحمَّدٍ فضُعِّفَ بسبب روايةِ أهل الشَّام عنه، فكَثِيرٌ منها مَنَاكِيرُ. وأمَّا عبدُ المَلِك ابنُ أبي سُليمان فهو أقواهم، وإنَّمَا نَقَم عليه شُعبةُ حديثَ الشُّفعَةِ، وما أحسنَ ما قاله الخطيبُ في "تاريخه" (١٠/ ٣٩٥): "وقد أساء شُعبَةُ في اختياره، حيثُ حدَّثَ عن عُبيد الله العَرْزَمِيِّ، وترك التَّحدِيثَ عن عبد المَلِك بنِ أبي سُليمان؛ لأنَّ مُحمَّدَ بنَ عُبيد الله لم يَختَلِف الأئمَّةُ من أهل الأَثَر في ذَهَاب حديثِه، وسُقوط رِوايَتِه، وأمَّا عبدُ المَلِك فثناؤُهُم عليه مُستَفِيضٌ، وحُسنُ ذِكرِهم له مَشهُورٌ" انتهَى. فهل يَلتَئِمُ هذا مع قَول ابنِ حَزمٍ: إنَّ واحدًا مِنهُم يكفي لسقوط الحديث، وأنَّهم "ثَلَاثُ الأَثَافِي، والدِّيَارُ البَلَاقِع"؟! فالله تعالى يَتَجَاوَزُ عنَّا وعنه. • قلتُ: وعلي النَّقِيضِ تمامًا مِن صنيع ابن حَزمٍ، تَرَى قولَ أبي الفَيضِ الغُمَارِيِّ في "المُداوِي" (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).

стр. 169

فقد ذَكَر السِّيُوطِيُّ في "الجامع الصَّغِير" حديثَ: "إنَّ اللهَ جَعَلَهَا لكَ لِباسًا، وجَعَلَكَ لها لِباسًا، وأَهِلي يَرَونَ عَورَتي، وأنا أَرَى ذلك مِنهُم". فتَعَقَّبَ الغُمَارِيُّ المُنَاوِيَّ من وُجُوهٍ، الذي يعنينا مِن كلامِهِ الوجهُ الأَوَّلُ، فقال: "أنَّ هذا الحديثَ منُكَرٌ باطلٌ؛ لمُخالَفَتِهِ الصَّحيحَ مِن سُنَّة رسول الله ﷺ ، والثَّابِتَ المعرُوفَ مِن هَديِهَ وَأَمرِهِ. والصَّحِيحُ عن عائشة ﵂ قولهُا: "مَا رَأيتُ ذلك منه، ولا رآه مِنِّي". وفي سِياقِ الحديثِ مِن أَصلِهِ نَكَارَةٌ، وهو: سعدُ بنُ مسعُودٍ اللَّيثِيُّ، قال: أَتَى عُثمانُ بنُ مَظعُون رسولَ الله ﷺ ، فقال: "إنِّي أَستَحِي أن يَرَى أهلي عَورَتِي"، قال: "وَلِمَ، وقد جَعَلك اللهُ لُهنَّ لِباسًا، وجَعَلهم لك لِباسًا؟! "، قال: "أَكرَهُ ذلك"، قال: "فإِنَّهم يَرَونه مِنِّي، وأَرَاه منهم"، قال: "أنت رسولُ الله! "، قال: "أنا"، قال: "أنتَ! فمَن بَعدَك إذَنْ؟! "، فلمَّا أَدبَرَ عُثمانُ، قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ ابنَ مَظعُون لحَيِيٌّ سِتِّيرٌ". ففي هذا السِّياقِ، ومُراجَعَةِ ابنِ مَظعُون للنَّبيِّ ﷺ في هذا الأمر، بذلك التعبيرِ الغَرِيبِ، ما يدُلُّ على نَكَارَتِه وبُطلانِهِ، قَبل مخُالَفتِهِ للثَّابِت من سُنَّتِه ﷺ ، فكيف وفي سَنَدِه عند ابنِ سعدٍ عبدُ الرَّحمن بنُ زيادٍ الإِفرِيقِيُّ، رَاوِى الغرائبِ والمُنكَراتِ، والمُدلِّسُ عن الكَذَّابين، والرَّاوِي عن المجهولين. وفي سَنَدِه عند الطَّبَرَانِيِّ يحيى بنُ العَلَاء، وهو كَذَّابٌ، يَضَعُ الحديثَ، كما قال أحمدُ بنُ حَنبَلٍ. فكيف يُقبَل ما رواه مثلُ هؤلاء في مُعارَضَةِ الصَّحيح مِن سُنَّة النَّبيِّ ﷺ وهَديِهِ؟! " انتهَى. هكذا قال! وهو مُحِقٌّ في إنكارِهِ حَدِيثَ عُثمانَ بنِ مَظعُون. ولكنَّه زَعَم

стр. 170

صِحَة إنكارِ عَائشةَ ثلاث مرَّاتٍ، وقد تَبَيَّن لك مِن البَحثِ أنَّهُ لا يَصِحُّ بِجَلَاءٍ. واللهُ أعلَمُ. ثُمَّ قولُهُ: "وفي سَنَدِه عند ابنِ سعدٍ الإِفرِيقِيُّ … وفي سَنَدِه عند الطَّبَرَانِيِّ يحيى بنُ العَلَاء، وهو كَذَّابٌ، يَضَعُ الحديث … الخ". أقولُ: هذا تَكثِيرٌ لِلعِلَلِ، وإلَّا فالحديث يَدُورُ على الإِفرِيقِيِّ، عند ابنِ سعدٍ والطَّبَرَانِيِّ. أمَّا يحيى بنُ العَلَاء، فقد تُوبع، كما مَرَّ ذِكرُهُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 171

٣٨ - سُئلتُ: هل هناك حديثٌ يَنهَى عن إغماض العين في الصَّلاة؟ • قلتُ: نعم هناك حديثٌ يَنهَى، لكنَّه ضعيفٌ. أخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٠٩٥٦)، وفي "الأوسط" (ج ٣/ رقم ٢٢٣٩)، وفي "الصَّغير" (١/ ١٧)، وابنُ عديِّ في "الكامل" (٦/ ٢٣٦٢) مِن طريق أبي خَيثَمَة مُصعَب بن سعيدٍ، قال: ثنا مُوسَى ابنُ أَعْيَنَ، عن ليثٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "إِذَا قام أحدُكم في الصَّلاة، فلَا يُغمِض عَينَيه". قال الطَّبرانيُّ: "لا يُروى هذَا الحديثُ عن رسُول الله ﷺ إلَّا بهذَا الإسنادِ، لم يَروِهِ عن مُوسَى إلَّا مصعبٌ". وكذلك قال ابن عديٍّ. وهذا الإسنادُ معلٌّ بعِلَّتين: الأولى: "ليثُ بن أبي سُليمٍ"، فعامَّةُ النُّقاد على تضعيفِهِ؛ لاختلاطه. الثَّانية: "مُصعب بن سعيدٍ"، قال صالحٌ جزرةُ الحافظُ: "شيخٌ ضريرٌ، لا يَدرِي ما يقولُ". وقال ابن عديٍّ: "يُحدِّثُ عن الثِّقاتِ بالمناكيرَ، ويُصحِّفُ علَيهِم، والضَّعفُ على حديثِهِ بيِّنٌ". أمَّا ابنُ حِبَّانَ، فذَكَرَهُ في "الثِّقات" (٩/ ١٧٥)، وقال: "رُبَّما أَخطَأَ. يُعتَبَرُ حديثُه إذا رَوَى عن الثِّقات، وبَيَّنَ السَّمَاع في خَبرِه؛ لأنَّه كان مُدَلِّسًا. وقد كُفَّ في آخرِ عُمرِه".

стр. 172

وقد قال الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٤/ ١٢٠)، وساق له هذا الحديثَ وغيرَه: "ما هذه إلَّا مَنَاكِيرُ وبلايا". وأعلَّه الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٢/ ٨٣) بِـ "لَيثِ بن أبي سلَيمٍ"، وأنَّه مُدَلِّسٌ، وقد عَنعَنَهُ! كذا قال! ولم أَجِد أحدًا اتَّهَمَهُ بالتَّدليس، فلا أَدرِي مِن أين جاء بها الهَيثَمِيُّ؟! والحقُّ أنَّ الهَيثَمِيَّ مُضطَرِبٌ جدًّا في شأن لَيثٍ، فكثيرًا ما يقُولُ: "ثقةٌ، لكنَّه مُدَلِّسٌ"، والمُطالِع لترجمة ليثٍ يَقطَعُ بأنَّه ضعيفٌ، وأحيانًا يُصَرِّح الهَيثَمِيُّ بهذا أيضًا. وانظُر هذه المَواضِعَ في "مجَمَع الزَّوائد": ١/ ٨٣، ١٣١، و ٢/ ٢٦٤، و ٣/ ٢٢، ٧٥، ٢٢٥، ٢٢٩، ٢٧٣، و ٤/ ٢١٥، و ٥/ ٥٠، و ٦/ ٢٥٤، ٢٧٩، و ١٠/ ٩٤، ١٤٢، ١٨٠، ٢٤٩،٣٦٤. وقال ابنُ القيِّم في "زاد المعاد" (١/ ٢٩٤): "وقد اختَلف الفُقهاء في كراهَتِهِ -يعني: تغميضَ العينين في الصَّلاة-، فكرِهَهُ الإمامُ أحمدُ وغيرُه، وقالُوا: هذا فِعلُ اليهودِ. وأباحه جماعةٌ ولَم يَكرَهُوهُ، وقالوا: قَد يكونُ أقربَ إلي تحصيلِ الخُشوعِ، الَّذي هُو رُوحُ الصَّلاة وسِرُّها، ومقصُودُها. والصَّواب أَن يُقال: إن كانَ تَفتِيحُ العَينَينِ لا يُخِلُّ بالخُشوع فهو أَفضَلُ، وإن كان يَحُول بينه وبين الخُشوعِ لِمَا في قِبلتِهِ مِنَ الزَّخرفَةِ والتَّزويقِ أو غيرِهِ ممَّا يُشوِّش عليه قلبَه، فهُنالك لا يُكرَهُ التَّغميضُ قطعًا، والقَولُ باستحبابِهِ في هذا الحال أقربُ إلى أُصولِ الشَّرع ومقاصدِهِ من القول بالكراهة" ا. هـ.

стр. 173

٣٩ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّهُ سيَكُونُ بَعدِي قَوْمٌ سِفْلَتُهُم مُؤَذِّنُوهُم". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرجَهُ البزَّارُ (ج ١ / رقم ٣٥٧) قال: حَدَّثنا أحمد بن منصور بن سيَّارٍ، ثنا عَتَّاب بن زيادٍ، ثنا أبُو حمزة السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ مرفُوعًا: "الإمام ضامنٌ، والمُؤَذِّن مُؤتَمنٌ. اللَّهُمَّ! أَرشِد الأئمةَ، واغفِر لِلمُؤذِّنين"، قالُوا: "يا رسول الله! لقد تَرَكتَنَا نتنافسُ في الأذان بعدك"، قال: " إِنَّهُ سيكونُ قومٌ … الخ". وأخرجه أبُو عُثمان البَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٥/ ٢) من طريق مُحمَّد بن عمرو بن مَوجَةَ، ثنا عَبدانُ، ثنا أبُو حمزةَ السُّكَّريُّ بسنده سواءٌ. قال البزَّارُ: "وقد رَوَى صدرَه عن الأعمش جماعةٌ، على اضطرابهم فيه وفي إسنادِه، وتفرَّد بآخرِهِ أبُو حمزةَ، ولم يُتابَع عليه". ووافق البزَّارَ على هذا الحكمِ جماعةٌ من العُلماء، مِنهُم ابن عبد البَرِّ، فقال في "التَّمهيد" (٢٢/ ١٥): "وهذا الحديث انفرد به أبُو حمزة هذا، وليس بالقويِّ". وقال الخَلِيليُّ في "الإرشاد" (٣/ ٨٨٤ - ٨٨٥): "وهذه اللَّفظة لا تُروَى إلَّا من رواية أبي حمزة، ورُبَّما هذا مِن قولِ بعض الرُّواة، ولا يَصحُّ هذا عن النَّبيِّ ﷺ ، وجملتُه أنَّه ثقةٌ مأمونٌ -يعني: أبا حمزة-".

стр. 174

وكذلك قال الدَّارقُطنيُّ في "العلل" (ج ٣/ ق ١٧٧/ ١)، وقالَ: "ليس هذا اللَّفظُ محفوظًا". وقال ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٩٧) في ترجمة عيسَى بنِ عبدِ الله العَسقَلانِيِّ؛ قال: "وهذه الزَّيادةُ: "فقال رجلٌ لقد تركتَنَا تنافسُ الأذان بعدك" لا يُعرَفُ إلَّا لأبي حمزَةَ السُّكَّريِّ، عن الأعمش". • قلتُ: كذا، تَتابع العُلماءُ على هذا القول، مع أنَّ أبا حمزةَ لم يَتفرَّد بها، فقد تابَعَه عمرُو بنُ عبد الغفَّار، ومُحمَّدُ بنُ عُبيدٍ، قالا: ثنا الأعمشُ، بسندِهِ سواءٌ بتمامه. أخرجه البَيهقيُّ في "الكُبرَى" (١/ ٤٣٠)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٢٨٠١)، واختصر الزِّيادة في "الشُّعَب". ولكنْ عمرُو بن عبد الغفَّار متروكٌ، تَرَكه أبُو حاتمٍ، واتَّهمه ابن عديٍّ بوضع الحديث، فمتابَعَتُه هي والعدمُ سواءٌ. ومُحمَّد بن عُبيدٍ الطَّنافسيُّ ثقةٌ، لكن قال أحمدُ: "كان يُخطِئُ، ولا يَرجِعُ عن خَطئِه". وأبو حمزة السُّكَريُّ اسمُه مُحمَّدُ بن ميمون، وهو أحدُ الفُحُول، ولكِنَّهُ تغيَّر في آخر عُمرِهِ كما قال النَّسائيُّ. فتَضعِيفُ ابنِ عبد البَرِّ له مُطلَقًا مردُودٌ. والرَّاوي عنه عَتَّابُ بنُ زيادٍ ثقةٌ، ولكن لا أدري سَمِعَ منه في التَّغيُّرِ أم قبلَه؟ وتابعهم يَحيَى ين عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، بسنده سواءٌ مع الزِّيادة.

стр. 175

أخرجَهُ ابنُ عديٍّ (٥/ ١٨٩٧) من طريق عِيسَى بنِ عبد الله بن سُليمان القُرشيِّ العَسقلَانيِّ، قال: ثنا يحيى بن عيسى به. قال ابنُ عديٍّ: "وعيسى بن عبد الله ضعيفٌ، يسرِقُ الحديث، والضَّعفُ على حديثه بيِّنٌ، وهذه الزِّيادةُ لا تُعرَفُ إلَّا لأبي حمزَة السُّكَّريِّ، عن الأعمشِ، وقد جاء بها عيسى بنُ سليمانَ هذا، عن يحيى بن عِيسَى، عن الأعمش" ا. هـ. ويعنِي ابنُ عديِّ أنَّ عيسى سَرَقَهُ. ويحيى بن عيسى ضعيفٌ أيضًا. قال ابن عديٍّ: "عامَّةُ رواياتِهِ ممَّا لا يُتابَعُ عليه". ورجَّح ابنُ القطَّان، والذَّهبيُّ أنَّ هذه الزِّيادةَ وهمٌ من البزَّار، فقد ذَكَرَها الذَّهبيُّ في ترجمةِ البزَّارِ من "الميزان"، وقال: "هذه زيادةٌ مُنكَرةٌ، قال الدَّارقُطنيُّ: ليست بمحفُوظِهِ" ا. هـ. • قلتُ: كذا نقل الذَّهبيُّ إِعلالَ الدَّارقُطنيِّ، مع أنَّ الدَّارقُطنيَّ لمَّا ذَكَرَ هذِهِ الزِّيادة عصَّبَها بأبي حمزة السُّكَّريِّ، وليس بالبزَّار. وهاك كلامُهُ كاملًا في "العلل" (ج ٣/ ق ١٧٧/ ١)، قال ﵀: "ورواهُ أبُو حمزةَ السُّكَّريُّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرةَ، وزاد فِيهِ ألفاظًا لم يأت بها غيرُهُ وهي: "فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! تَركتَنا نتنافسُ في الأذان … "، ولَيسَت هذه الألفاظُ محفوظةً" ا. هـ. وقد ردَّ الحافظ في "اللِّسان" (١/ ٢٣٨) على ابن القَطَّان والذَّهبيِّ معًا، فقال: "لم يَتفَرَّد أبُو بكرٍ البزَّاز بهذه الزِّيادةِ، فقد رَوَاها أبُو الشَّيخِ في "كتاب الأذان" له، عن إسحاق بن أحمد بن مُحمَّد بن عليِّ بن الحَسَن بن

стр. 176

شقيقٍ، سمعتُ أبي، يقولُ: أنا أبُو حمزةَ، فذكره. وأثبت ابنُ عديٍّ هذه الزِّيادة أنَّها من حديثِ أبي حَمزة السُّكَّريِّ، فبَرِئَ البزَّارُ من عُهدَتِها" ا. هـ. • قلتُ: كذا وقع في "اللِّسان": "إسحاق بن أحمد بن مُحمَّد … "، ولعلَّ الصَّواب: "إسحاق بن أحمد، عن مُحمَّد بن عليٍّ … " (١). ومُحمَّد بن عليِّ بن الحسَن بن شقيقٍ وأبُوه من رجال "التَّهذيب". وإسحاق بن أحمد، مِن شُيوخ أبي الشَّيخ الأصبهانيِّ، يَروِي عنه رُسْتَهْ وطَبَقَتُهُ. وأخرجه أبو الشَّيخ في "الطَّبقات" (٤٢٨)، والبيهقيُّ في "سُنَنه"، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وابنُ عساكر (ج ١٤/ ق ٣٦٩/ ١) من طُرُق عن عبد الله بن عُثمان، ثنا أبُو حمزة السُّكَّريُّ، فذكره. ولم تَقَع هذه الزِّيادةُ في رِواية الخطيب، ويبدو لي أنَّهُ اختصرها. فهذا يَدُلُّ على أن البزَّار بريءٌ من هذا الوَهَم. واللهُ أعلَمُ. فالعِلَّةُ عندي هي مُخالَفةُ أبي حمزةَ السُّكَّريِّ ومَن معه للجَمِّ الغفير مِن أصحاب الأَعمَش؛ فقد رَوَوْا هذا الحديثّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة مرفُوعًا بغير هذه الزِّيادة. فمِن هؤُلاء: "شُعبةُ، والثَّوريُّ، وابنُ عُيَيْنةَ، ومَعمَرُ بنُ راشدٍ، وأبو الأحوصِ، وأبو مُعاوية، وزائدةُ بنُ قُدامة، وحفصُ بنُ غِيَاثٍ، وأبُو عَوانةَ الوضَّاحُ اليَشكُرِيُّ، والأوزاعيُّ، وعيسى بنُ يُونُسَ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميد،

стр. 177

وفُضيلُ بنُ عِياضٍ، وسُهيلُ بنُ أبي صالحِ، وشَريكٌ النَّخَعِيُّ، وهُشيمُ ابنُ بَشيرٍ، وصَدَقةُ بنُ أبي عِمران، وأبو الأَشهَب جعفرُ بنُ حَيَّان، وقيسُ ابنُ الرَّبيع، وحمزةُ بنُ حبيبٍ الزَّيَّات، وسلَّامُ بنُ أبي مُطيعٍ، وحَبَّانُ بنُ عليٍّ، وآخَرون". أَخرَجَهُ أبو داوُدَ في "المسائِل" (ص ٢٩٣)، والتِّرمِذِيُّ (٢٠٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٨٤، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢)، والشَّافِعِيُّ في "المُسنَد" (٥٦)، وفي "الأُمِّ" (١/ ١٥٩)، والطَّيَالِسِيُّ (٢٤٠٤)، والحُمَيدِيُّ (٩٩٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (١/ ٤٧٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد ابنِ الجَعْدِ" (ج ٢/ رقم ٢٢٠٩)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٥ - ١٦)، والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢، ٥٣)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٧/ ١ - ١٧٣/ ٢ - ٢٦٤/ ٢، وج ٢/ ق ٢١/ ٢ - ٢٤٣/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ١٠٧، ٢١٤، و ٢/ ١٣)، وأبو الشَّيخ في "ذِكر رِواية الأَقرَان" (ق ٣/ ١)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٨٧، و ٨/ ١١٨)، وفي "أخبار أَصبَهَانَ" (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠، و ٣/ ١٢٧)، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٠١، ٣٨٧، و ٩/ ٤١٣، و ١١/ ٣٠٦)، وابنُ الدُّبَيثِيِّ في "ذيل تاريخ بغداد" (١/ ١٩٥، ١٩٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٢٧٩)، والبَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٥/ ٢ - ٩/ ٢)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٢/ ل ٨٧)، والخَطَّابِيُّ في "الغريب" (١/ ٦٣٦)، والذَّهَبِيُّ في "مُعجَم شُيوخه الكبير" (ق ١٤١/ ١ - ٢) من طُرُقِ عن الأعمش.

стр. 178

وخالَفَ جميعَ من تقدَّمَ ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: حُدِّثتُ عن أبي صالحٍ -ولا أُراني إلَّا قد سَمِعتُه منه-، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا. أخرجه أبو داوُد (٥١٨)، وأحمدُ (٢/ ٣٨٢)، وابنُ خُزَيمَةَ (ج ٣/ رقم ١٥٢٩). قال ابنُ خُزَيمَةَ: "أَفسَد ابنُ نُميرٍ الخَبَرَ"! وأخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو موسى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) من طريق شُجاعِ بنِ الوَلِيد، عن الأعمشِ مِثلَه. وأخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢) من طريق شُجاعٍ، وابنِ نُمَيرٍ معًا، عن الأعمش به. وتابَعَهُمَا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ، قال: حدَّثَنا الأعمشُ، عن رجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا. أخرَجَهُ أبو داوُد (٥١٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠). فأعلَّ جماعةٌ من فُحُول العُلَماء حديثَ الأعمش، عن أبي صالحٍ، بمِثلِ هذه الأسانيد التي وَقَع فيه الواسطةُ بين الأعمش وأبي صالحٍ، وقالُوا: إنَّ الأعمشَ لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ، وإنَّما دَلَّسه. قال الإمام أَحمدُ: "ليس لِحَديث الأعمش أصلٌ"! نقله عنه أبو داوُد في "المسائل" (ص ٢٩٣). وقال ابنُ مَعِينٍ في "التَّاريخ" (ق ٧٦/ ٢): "قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: لم يَسمَع الأعمشُ هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ".

стр. 179

ورَوَى أبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) بسَنَده إلى عليِّ بن المَدِينِيِّ، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: حديثُ "الأعمش عن أبي صالحٍ: الإمام ضامنٌ" لا أُراه سَمِعَهُ من أبي صالحٍ". وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "لم يَسمَعهُ الأعمشُ مِن أبي صالحٍ بيقينٍ! لأنَّه يقول فيه: نُبِّئتُ عن أبي صالح". وكذا أعلَّه البَيهقِيُّ بذات العبارة. • قلتُ: فالجوابُ الصَّحِيحُ أنَّ الأعمشَ لَمَّا رَوَى الحديث بصيغة "نُبِّئتُ" أَردَفَها بقوله: "ولا أُرَانِي إلَّا قد سَمِعتُه منه"، فهذا ترجيحٌ منه للسَّمَاع. وقد رواه عنه، عن أبي صالحٍ: شُعبةُ بن الحَجَّاج، وهو لا يَحمِلُ عن الأعمش ما دَلَّس فيه، كما هو معلومٌ. وهذا القدرُ كافٍ في دَفعِ هذه العِلَّةِ مِن أساسِها. فكيف وقد ثَبَت السَّمَاع "بيقينٍ"!! فقال الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل"، بعد رواية شُجاع بن الوليد الماضيةِ: "لكنَّ هُشَيمًا، وهو فَوقَهُ -أي: فوق شُجاعٍ في الضَّبط-، قد قال فيه: عن الأعمش، قال: ثنا أبُو صالحٍ"، وأَخرَجَ هو هذه الطَّريقَ (٣/ ٥٢). وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٣/ ١٧٧/ ١): "وقال إبراهيمُ بنُ حُميدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عن الأعمش، عن رَجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة. قال الأعمشُ: وقد سمِعتُه من أبي صالحٍ. وقال هُشيمٌ: عن الأعمش، ثنا أبو صالحٍ، عن أبي هُريرَة". وقد تُوبِع الأعمشُ.

стр. 180

تابعه سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَهُ بمثلِه. أخرجه ابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، وابنُ حِبَّان (٣٦٣)، وابنُ أبي شَيبَة (١/ ٢٢٤)، وأحمدُ (٢/ ٤١٩)، والشَافِعِيُّ في "مُسنَده" (ص ٣٣)، والنِّعَالِيُّ في "جُزء من حَدِيثِه" (ق ٦٦/ ٢)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٤/ ١٦١١)، والخطيبُ في "تاريخه" (٦/ ١٦٧)، وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١). وقد رواه عن سُهيلٍ جماعةٌ، منهم: "عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاقَ، ومُحمَّد ابنُ عمَّارٍ، وشُعبةُ، وإبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ أبي يَحيىَ، وعبدُ العَزِيز بنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُّ". وتابَعَهُم رَوحُ بنُ القَاسِم فرواه عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة به. أخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢) قال: ثنا ابنُ أبي دَاوُد، ثنا أُمَيَّةُ بن بِسطامَ، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بنُ القاسم بهذا. وقد خُولِف ابنُ أبي داوُد. خالَفَهُ مُعاذُ بن المُثَنَّى، وعبدُ الله بن أيُّوبَ القِرَبِيُّ، قالا: حدَّثَنا أُمَيَّةُ ابنُ بِسطَامَ، حدَّثَنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بن القاسم، عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة موفُوعًا. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٢٦٤/ ٢، و ٢/ ١٤١/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ٢١٤)، ومِن طريقه الخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ٤١٣)، لكن سقط ذكر "الأعمش" عنده، والصَّوابُ إثباتُهُ.
следующие страницы →