Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.
стр. 1156
يُستَتَابُ، فإن تاب، وإلَّا ضُرِبَت عُنقُه، وجُعِل مالُه فَيْئًا بين المُسلِمين، ولم يُدفَن في مقابِرِهم. ومن وَقَف، فقال: "لا أقول مخلوقٌ، ولا غيرُ مخلُوقٍ"، فقد ضَاهَى الكُفرَ. ومن زَعَم أنَّ "لفظي بالقرآن مخلُوقٌ"، فهذا مُبتَدِعٌ، لا يُجالَس، ولا يُكلَّم. ومن ذَهَب بعد هذا إلى مُحمَّد بن إسماعيل البُخارِيِّ فاتَّهِمُوهُ، فإنَّه لا يَحضُر مجلِسَهُ إلَّا مَن كان على مِثل مذهَبِه".
وذَكَر بعضُ أهل العِلم أنَّ هذا كان حَسَدًا من الذُّهلِيِّ على البُخاريِّ، وأنا أَستَبعِدُ ذلك؛ فقد كان الذُّهْليُّ مِن أفاضل أهل العِلم وخِيارِهم، ولكن ما يُعابُ عليه أنَّهُ لم يَتَثَبَّت مِن مقالة البُخاريِّ، فإنَّ البُخاريَّ ما قال: "لفظي بالقُرآن مخلوقٌ"، إنَّما قال: "أفعالُنا مخلوقةٌ".
ثُمَّ امتدَّت المِحنَةُ، حتَّى خَرَج البُخارِيُّ من نيسابُور، فاستَقبَلَتهُ مِحنَةٌ أُخرَى عِندَما نَزَل بُخارَى، فقد قال بَكرُ بنُ منير بن خُليد بن عسكرٍ: بَعَثَ الأميرُ خالدُ بن أحمد الذُّهلِيُّ وَالِي بُخارَى، إلى مُحمَّد بن إسماعيلَ: "أن احمِلْ إليَّ كتابَ "الجامع" و"التَّاريخ" وغيرَهُما، لأسمع مِنك"، فقال لرسُولِه: "أنا لا أُذِلُّ العلمَ، ولا أَحْمِلُه إلى أبوابِ النَّاس، فإن كانت لكَ إلى شيءٍ منه حاجةٌ، فاحضر في مسجدي، أو في دارِي، وإن لم يُعجبْك هذا فإنَّك سلطانٌ، فامنَعنِي من المَجلِس، ليكون لي عُذرٌ عِند الله يومَ القِيامة، لأنّي لا أَكتُم العلم، لقول النَّبيِّ ﷺ : مَن سُئِل عَن عِلمٍ فكَتَمَهُ أُلجِمَ بِلِجامٍ مِن نارٍ"، فكان سببَ الوَحشَة بينَهما هذا.
فلمَّا وقع هذا للإمام خَشِي على دِينِه، قال ابنُ عَدِيٍّ: سمعتُ عبد القُدُّوس
стр. 1157
ابن عبد الجبَّار السَّمَرقَندِيَّ، يقولُ: جاء مُحمَّدُ بن إسماعيل إلى خَرْتَنْكَ - وهي قريةٌ على فَرسَخين من سمرقند -، وكان له جها أقرِباءُ، فنَزَل عِندَهم، فسمعتُهُ ليلةً يدعُو، وقد فَرَغ من صلاة اللَّيل: "اللَّهمَّ! إنَّه ضاقت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَت، فاقبِضنِي إليك"، فما تمَّ الشَّهرُ حتَّى مات.
وقد جَعَل جماعةُ العُلماء حديثَ النَّهي عن تمنِّي الموت خاصًّا بالمصائب التي يُبتَلى العبدُ بها في الدُّنيا، أمَّا إذا خَشِي ذَهَاب دينِه، فيُشرَع له أن يَدعُو بالموت.
وقد عَقَد البُخاريُّ في "كتاب الفِتَن" (١٣/ ٧٤ - ٧٥) بابًا لذلك، فقال: "باب: لا تَقُوم السَّاعة حتى يُغبَط أهلُ القُبُور"، ثُمَّ رَوَى فيه حديث أبي هُريرَة مرفُوعًا: "لا تَقُوم السَّاعة حتَّى يمُرَّ الرَّجلُ بقبر الرَّجل، فيقول: يا لَيتَنِي مكانَك"، وهذا الحديث أَخرَجَه مُسلِمٌ أيضًا.
وقال ابنُ عبد البَرِّ: "ظنَّ بعضُهم أنَّ حديث أبي هُريرَة مُعارِضٌ للنَّهي عن تَمَنِّي الموت، وليس كذلك، إنَّما في حديث أبي هُريرَة أنَّ هذا سَيكُون لشدَّةٍ تَنزِلُ بالنَّاس، من فساد الحال في الدِّين، أو ضعفِه، أو خَوف ذهابه، لا لضَرَرٍ يَنزِل بالجسم، كما قال الحافظُ"، وكذلك أجاب القُرطُبِيُّ وغيرُهُ.
وقد أُثِر عن جماعةٍ من السَّلَف أنَّهُم تَمَنَّوا الموتَ خوفَ الفِتنَة في الدِّين، وأنا أَذكُر ما يَحضُرُني من ذلك.
وقد وَرَد هذا المعنى في حديث ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: ". . . وإذا أردتَ بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غيرَ مفتُونٍ".
أخرَجَهُ أحمدُ (١/ ٣٦٨)، والتِّرمِذيُّ (٣٢٣٣)، وعبدُ الرَّزَّاق في
стр. 1158
"تفسيره" (٢/ ١٦٩)، وعَبْدُ بنُ حُميدٍ في "المنتخَب" (٦٨٢)، وابنُ خُزَيمة في "التَّوحيد" (ص ٢١٧ - ٢١٨)، والدَّارَقُطنِيُّ في "الرُّؤية" (٢٧١، ٢٧٢، ٢٧٣)، وابنُ عساكِر (٣٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهِيات" (١٤) مِن طريق مَعمَرٍ، عن أيُّوب، عن أبي قِلابة، عن ابن عبَّاسٍ.
ولكنَّه لا يَصِحُّ؛ لاضطرابه، ولانقطاعٍ في سَنَدِه.
وروايةُ مَعمَرٍ عن البَصرِيِّين ضعيفةٌ.
وقد أشبعتُ المَقامَ تحريرًا في "جُنَّة المُستَغيث بشرح عِلل الحديث" (٢٦)، لابن أبي حاتمٍ.
وإنما نبَّهتُ على ذلك لأنَّ بعض العُلماء، كابن كَثيرٍ ﵀، احتجَّ به على هذا المَعنَى، وهو رائقٌ لو صحَّ الحديثُ.
أمَّا الآثار عن السَّلَف ﵏، فمنها:
١ - ما أخرَجَهُ الحاكمُ في "المُستدرَك" (٤/ ٥١٨) من طريق بِشر بن بَكرٍ، حدَّثَني الأَوزَاعِيُّ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، حدَّثَني أبو سَلَمة، قال: عُدتُ أبا هُريرَة، فسَنَدتُهُ إلى صَدرِي، ثُمَّ قلتُ: "اللَّهُمَّ! اشفِ أبا هُريرَة"، فقال: "اللَّهُمَّ! لا تُرجِعها"، ثُمَّ قال: "إن استطعتَ يا أبا سَلَمة أن تَمُوت فمُتْ"، فقلتُ: "يا أبا هُريرَة! إنَّا لَنُحِبُّ الحياة! "، فقال: "والذي نَفسُ أبي هُريرَة بيده! ليَأتِيَنَّ على العُلماء زمانٌ، الموتُ أحبُّ إلى أَحَدِهم من الذَّهَب الأحمر، ليَأتِيَنَّ أحدُكم قَبرَ أخيه، فيقول: لَيتَنِي مكانَه".
وأخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (١/ ٣٨٤) من طريق عبيد الله بن عُمَر،
стр. 1159
ثنا حمَّادُ بن زيدٍ، ثنا أيُّوبُ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ بهذا باختصارٍ.
قال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولم يُخَرِّجاه"، والصَّوابُ أنَّه على شرط البُخاريِّ، وبِشرُ بنُ بكرٍ لم يُخَرِّج له مُسلِمٌ شيئًا.
٢ - وأخرَجَ أبو العبَّاس الأصمُّ في "الثَّاني من حديثه" (ق ١٦٩/ ٢ - ١٧٠/ ١) قال: أخبَرَنا العبَّاسُ بن الوليد بن مَزْيَدٍ، أخبَرَني أبي، حدَّثَني ابنُ جابرٍ، عن عُمير بن هانئٍ، أنَّه حدَّثه، قال: كان أبو هُريرَة يَمشِي في سُوق المدينة، وهو يقول: "اللَّهُمَّ! لا تُدرِكني سَنَةُ السِّتِّين. اللَّهُمَّ! لا تُدرِكني إِمارَة الصِّبيان".
وأخرَجَهُ أبو زُرعَة الدِّمَشقِيُّ في "تاريخه" (٢٣٤) قال: أخبَرَنا أبو مُسهِرٍ، قال: حدَّثَني صَدَقةُ بنُ خالدٍ، عن ابن جابرٍ، عن عُمير بن هانئٍ، قال: كان أبو هُريرَة، يقول: "تشبَّثُوا بصُدغَيْ مُعاوِية! اللَّهمَّ! لا تُدرِكني سنة سِتِّين! ".
ثُم أخرَجَه أبو زُرعَة (٢٣٥) من طريق الوليد بن مُسلِمٍ، عن ابنُ جابرٍ بهذا الإسناد، ثُمَّ زاد: "فتُوُفِّي أبو هُريرَة فيها أو قبلها بسنةٍ".
وأخرَجَ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (١٣٩٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ - هو: ابن مُحمَّد بن صدقةٍ -، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن معمرٍ البَحْرانيُّ، قال: حدَّثَنا رَوْحُ بن عُبَادَةَ، قال: حدَّثَنا حمَّادُ بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرَة، أنَّه قال: "في كيسي هذا حديثٌ، لو حَدَّثْتُكُمُوْهُ لَرَجَمْتُمُوْني"، ثُمَّ قال: "اللَّهُمَّ! لا أَبْلُغَنَّ رأسَ السِّتِّيْنَ"،
стр. 1160
قالوا: "وما رأسُ السِّتِّينَ؟ "، قال: "إِمارةُ الصِّبيان، وبيعُ الحُكم، وكثرةُ الشُّرَط، والشَّهادةُ بالمعرفةِ، ويَتَّخِذُونَ الأمانةَ غنيمةً، والصَّدَقةَ مَغرَمًا، ونَشْوٌ يتَّخذونَ القُرآنَ مَزَامِير"، قال حمَّادٌ: وأظُنَّهُ قال: "والتَّهاونُ بالدَّمِ".
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن عليِّ بن زيدٍ، إلَّا حمَّادٌ. تفرَّد به رَوْح بنُ عُبادة".
وسَنَدُهُ حَسَنٌ في المُتابَعات؛ وعليُّ بنُ زيدٍ ضعيفٌ، ولكن روايةُ حمَّاد بن سَلَمة عنه أَمثَلُ مِن رِواية غيرِه عَنه، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازيُّ.
قال الحافظُ في "الفتح" (١/ ٢١٦): "يُشيرُ - يعني: أبا هُريرَة - إلى خِلافة يزيد بن مُعاوِية، لأنَّها كانت سنة سِتِّين من الهِجرة"، وكأنَّه لأجل هذا ومثلِه كان أبُو هُريرَة ﵁ يقول: "حفِظتُ من رسُول الله ﷺ وعاءين: فأمَّا أحدُهُمَا فبَثَثتُه، وأمَّا الآخرُ، فلو بَثَثتُهُ قُطِع هذا البُلعُوم".
أخرَجَهُ البُخاريُّ (١/ ٢١٦) من طريق عبد الحميد بن أبي أُوَيسٍ ..
والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ١٧٧/ ٢) من طريق بُهْلُولَ بن مُوَرِّق ..
وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (١/ ٣٣) من طريق ابن أبي فُدَيكٍ، قالوا: ثنا ابن أبي ذئبٍ، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرَة.
وأخرَجَهُ البَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢٢٩/ ٢) قال: حدَّثَنا الوليد بن عَمْرو بن سُكين، نا كَثيرُ بن هاشمٍ، حدَّثَنا جَعفَرُ بن بُرقَانَ، عن يزيد الأَصَمِّ، عن أبي هُريرَة، قال: "عِندِي عن رسُول الله ﷺ جِرَابَان، قد حَدَّثتُكُم بأحدِهِما، ولو حَدَّثتُكُم بالآخر لَفَعلتُم بي وفَعلتُم".
стр. 1161
وهناك آثارٌ أخرى عن جَمْع مِن الصَّحابة، فيها الحَسَنُ الثَّابت، والضَّعيفُ، ذَكَرَها نُعيمُ بن حمَّادٍ في "الفِتن" (١/ ٧١ - ٧٧)، وأبو عَمْرٍو الدَّانِيُّ في "السُّنَن الواردة في الفِتن" (١٧٨ - ١٨١)، والحاكِم (٤/ ٤٨٦)، رأيتُ أن لا أُطِيل الأمرَ بذِكرِها.
واللهَ نَسألُ أن يَقبِضَنَا على التَّوحيد الخالِص، إنَّه جَوَادٌ كريمٌ.
стр. 1162
٣٠٧ - سُئلتُ عن حديث: "نِعمَ صَومَعَةُ الرَّجُلِ بَيتُهُ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ - كما في "كشف الخفاء" (٢/ ٣٢٢) -، ومِن طريقه الشَّجَرِيُّ في "الأَمَالي" (٢/ ١٥٧) قال: حدَّثَنا أبو زيدٍ الحَوْطِيُّ - يعني: أحمدَ بنَ عبد الرَّحيم بن يزيد -، قال: حدَّثَنا أبو اليَمَان - يعني: الحكم بن نافعٍ -، قال: حدَّثَنا عُفَيرُ بنُ مَعدَان، عن سُليم بنُ عامرٍ، عن أبي أُمَامة مرفُوعًا: "نِعم صَوْمعةُ الرَّجلِ بيتُهُ".
وأخرَجَهُ الشَّجَرِيُّ أيضًا (٢/ ١٥٦ - ١٥٧) عن يحيى بن صالحٍ، قال: ثنا عُفيرُ بنُ مَعدان بسَنَده سواء، وزاد: "الرَّجلِ المُسلِم".
• قلتُ: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعُفيرُ بنُ مَعدان، قال فيه أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ: "ضعيف الحديث، يُكثِر الرِّواية عن سُليم بن عامرٍ، عن أبي أُمامَة، عن النَّبيِّ ﷺ ما لا أصل له. لا يُشتغَل بروايته".
وقال أحمدُ والبُخاريُّ وأبو زُرعة: "مُنكَر الحديث"، زاد أبو زُرعة: "جدًّا".
وقال ابنُ مَعِينٍ: "لا شيء"، وقال النَّسَائِيُّ، وابن مَعِينٍ: "ليس بثقةٍ"، زاد النَّسَائِيُّ: "ولا يُكتَب حديثُه".
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "عامَّةُ روايَاتِه غيرُ محفُوظَةٍ" ا. هـ.
ومع هذا الضَّعف الشَّديد، فقد خالَفه ثَوْرُ بن يزيد الرَّحْبِيُّ، فرواه
стр. 1163
عن سُليم بن عامرٍ، عن أبي الدَّرداء، قال: "نِعم صومعةُ المُسلِم بيتُهُ؛ يَكُفُّ بَصَرَه وفرْجَه، وإيَّاكُم والأسواقَ؛ فإنها تُلغِي وتُلهِي".
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٧/ ٣٧٩) من طريق مُحمَّد بن يوسُف الفِريَابِيِّ، قال: ذَكَرَ سُفيان - يعني: الثَّوْريَّ -، عن ثور بن يزيد فذَكَرَه.
وهذا سندٌ جيِّدٌ موقُوفٌ، وثَورُ بنُ يزيد وثَّقَه أكثرُ النُّقَّاد، ومن تَكلَّم فيه، فلبِدِعَتِه.
فالصَّوابُ في هذا الحديث الوقفُ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 1164
٣٠٨ - سألني سائلٌ، فقال: سَمِعنَا بعضَ الخُطباء، ينقُل عن عُمَر بن الخطَّاب ﵁، أنَّه سأل سؤالًا لبعض جُلَسائه، فقال: "الله ورسُوله أعلم"، فأَنكَر عليه ذلك، مع أنَّنا نعلَم أنَّ المرء إذا سُئِل عن شيءٍ لا يَعرِفُ جوابَه، فليَقُل اللهُ أَعلَم، ومِن ثَمَّ أنكرتُ صِحَّة ذلك، واستبعدتُ أن يَصدُر هذا مِن مِثلِ عُمَر بن الخطَّاب، فما مدى صحَّةِ ذلك؟ وما توجيهُه، إن صحَّ؟
• قلتُ: أنَّ ما نَسَبه السَّائلُ إلى أمير المُؤمنين عُمَر بن الخطَّاب ﵁ صحيحٌ إليه.
فقد أخرجه البُخاريُّ في "كتاب التَّفسير" (٨/ ٢٠١ - ٢٠٢) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ مُوسَى، نا هشامٌ، عن ابن جُريجٍ، سمعتُ عبد الله بن أبي مُليكة يُحدِّثُ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: وسمعتُ أخاهُ أبا بَكرٍ بن أبي مُليكة يحدِّثُ، عن عُبيد بن عُميرٍ، قال: قال عُمَرُ ﵁ يومًا لأصحاب النَّبيِّ ﷺ : "فيمَ تَرَوْن هذه الآيةَ نزلت: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦]؟ "، قالوا: "اللهُ أعلم"، فَغَضِب عُمَر، فقال: "قولوا نعلمُ أو لا نعلم"، فقال ابنُ عبَّاسٍ: "في نفسي منه شيءٌ يا أمير المؤمنين"، قال عُمَرُ: "يا ابن أخي! قُل، ولا تُحَقِّر نفسَك"،
стр. 1165
قال ابنُ عبَّاسٍ: "ضُرِبت مثلًا لعمَلٍ! "، قال عُمَر: "أيُّ عَمَلٍ؟ "، قال ابنُ عبَّاسٍ: "لعمَلٍ"، قال عُمَرُ: "لرجُلٍ غنيٍّ يَعمَل بطاعة الله ، ثُمَّ بَعثَ اللهُ له شيطانًا، فعَمِلَ بالمعاصي، حتى أَغرَقَ أَعمَالَه".
وأخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره" (٢٧٧٣) قال: حدَّثَنا أبي، ثنا إبراهيمُ بن مُوسَى، أنا هشامُ بن يُوسُف بهذا الإسناد.
وأخرَجَهُ ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١٥٦٨)، ومن طريقه ابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (٦٠٩٦) عن ابن جُريجٍ، بالإسنادين جميعًا.
وأخرَجَهُ الحاكمُ في "المُستدرَك" (٢/ ٢٨٣) من طريق حَجَّاج بن مُحمَّدٍ، عن ابن جُريجٍ، قال: سمعتُ ابن أبي مُليكة يُخبِر، عن عُبيد بن عميرٍ، أنَّه سَمِعه يقولُ: سأل عُمَرُ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ فذَكَرَه.
وابنُ أبي مُلَيكَة في إسناد الحَاكِم هو أبو بَكرٍ، وليس أخاه عبدُ الله؛ لأنَّ أبا بَكرٍ هو رَاوِي حديثِ عُبيد بن عميرٍ، ولا أَعلَمُ اختلافًا على ابن جُريجٍ في هذا. والله أعلمُ.
وقد وَهِم الحاكمُ في استدراك هذا على البُخاريِّ، كما ترى.
وأخرَجَهُ الحاكمُ أيضًا في "معرفة الصَّحابة" (٣/ ٥٤٢ - المستدرك) من طريق حمَّاد بن زيد، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، عن ابنِ أبي مُلَيكَة، أنَّ عُمَر بن الخطَّاب ﵁ تلا هذه الآية … وذكر الحديث.
• قلتُ: كذا وَقَعَت الرِّواية في "المُستدرَك": "ابن أبي مُلَيكَة، أنَّ عُمَر بن الخطَّاب"، والإسنادُ على هذا الرَّسم مُنقَطِعٌ، ولعلَّ ذِكْرَ ابنِ عبَّاسٍ سَقَطَ من الإسناد.
стр. 1166
وقد راجعتُ "إتحاف المَهَرة" للحافظ ابن حَجَرٍ، فلم يَذكُر رواية ابن عبَّاسٍ، وعُبيد بن عُميرٍ كليهما، عن عُمَر بن الخطَّاب، فليُستَدرَكْ عليه.
وأمَّا ما ذَكَرَه السَّائلُ أنَّ جليس عُمَرَ قال: "اللهُ ورسولُهُ أعلمُ"، فقد وقَعَ هذا اللَّفظُ في رواية أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، عن ابن أبي مُلَيكَة.
أمَّا في سائر الرِّوايات فلم يَذكُرُوا: "ورسوله".
هذا فيما يتعلق بهذه الرِّواية.
أمَّا قولُ القَائِل إذا سُئِل عن شيءٍ من الأحكام الشَّرعِيَّة: "اللهُ ورسولُهُ أعلمُ"، فهذا لا شيء فيه؛ لأنَّ معنى العِبارة أنَّ النَّبيَّ ﷺ لو سُئِل عن هذا الحُكم لَكَان أعلمَ بجوابه.
وقد وَقَع هذا في جُملَةٍ من الأحاديث ..
منها ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "التَّوحيد" (١٣/ ٣٤٧)، ومُسلِمٌ في "الإيمان" (٣٠/ ٤٨) عن مُعاذ بن جَبَلٍ، قال: كُنتُ رِدفَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "يا مُعاذَ بنَ جَبَلٍ! هل تَدرِي ما حقُّ الله على العِباد؟ "، - قال: - قلتُ: "اللهُ ورسُولُه أعلمُ". . . الحديث.
ومنها ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الإيمان" (١/ ١٢٩)، وفي "العِلم" (١/ ١٨٣)، وفي "أخبار الآحاد" (١٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣)، ومُسلِمٌ في "الإيمان" (١٧/ ٢٤) من حديث ابن عبَّاسٍ، فذَكَرَ حديث وفد عبد القَيس، وفي هذا الحديث، قال لَهُم رسُولُ الله ﷺ : "هل تَدرُون ما الإيمان بالله؟ "، قالوا: "اللهُ ورسُولُهُ أعلمُ". . . الحديث.
стр. 1167
ومنها ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الصَّلاة" (١/ ٥١٩)، وفي "التَّهَجُّد" (٣/ ٦٠ - ٦١)، ومُسلِمٌ في "الإيمان" (٣٣/ ٥٤) من حديث عِتبان بن مالكٍ، أنَّهُ قال للنَّبيِّ ﷺ : "إنِّي أُحِبُّ أن تأتِيَنِي، فتُصَلِّي في منزِلي؛ فأتَّخِذُه مُصلًّى". وفي الحديث أنَّ الصَّحابة الذين حضروا، تَكَلَّمُوا في أمر مالك بن الدُّخشُن - أو: الدُّخشُم -، وَوَدُّوا لو أنَّه هَلَك، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ألا ترَاه قد قال لا إله إلا اللهُ، يُرِيدُ بذلك وجهَ الله؟ "، قالوا: "اللهُ ورسولُهُ أعلمُ". . . الحديث. وهذا لفظ البُخارِيُّ.
ومنها ما: أخرجه البُخاريُّ في "الأذان" (٢/ ٣٣٣)، وفي "الاستسقاء" (٢/ ٥٢٢) ومُسلِمٌ في "الإيمان" (٧١/ ١٢٥) من حديث زيد بن خالدٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "هل تَدرُون ماذا قال رَبُّكُم؟ "، قالوا: "اللهُ ورسولُه أعلم"، قال: "قال: أَصبَح مِن عِبادِي مُؤمِنٌ بي، وكافرٌ. . ." الحديث.
ومنها ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الفِتَن" (١٣/ ٢٦)، وفي "التَّوحيد" (١٣/ ٤٢٤)، وفي مواضعَ أخرَى، ومُسلِمٌ في "القَسَامة" (١٦٧٩/ ٢٩) من حديث أبي بَكْرَةَ الثَّقَفِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال للصَّحابة: "أيُّ شهرٍ هذا؟ "، قالوا: "اللهُ ورسولُهُ أعلم". . . وذكر الحديث.
ومنها ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ (٣١٩٩، ٧٤٢٤، ٤٨٠٢)، ومُسلِمٌ (١٥٩/ ٢٥٠) من حديث أبي ذرٍّ الغِفَارِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أَتَدرُون أين تَذهَبُ هذه الشَّمسُ؟ "، قالوا: "اللهُ ورسُولُهُ أعلم". . . الحديث.
وهُناك أحاديثُ كثيرةٌ قال فيها الصَّحابةُ هذه اللَّفظة.
стр. 1168
ولا إِشكال أن يَقُولَها من جاء بعد الصَّحابة، إذا تعلَّقَت بالأحكام الشَّرعية، لكن يُنكَر على من يقولُها إذا لم يكن لها محلٌّ، مثلُ أن يقول رجلٌ لآخر: "أين أخوك؟ "، فلا يقل له: "اللهُ ورسوله أعلم"، ولكن ليَقُل: "الله أعلمُ".
стр. 1169
٣٠٩ - سُئلتُ عن حديث: أنَّ بَنِي سَلَمة أرادوا أن يتحَوَّلُوا مِن ديارِهم؛ فيكونُوا قريبًا من مسجد النَّبيِّ ﷺ فقال لهم: "يا بَنِي سَلَمة! دِيَارَكُم؛ فإنها تُكتَبُ آثارُكم".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
فقد أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "كتاب المساجد" (٦٦٥/ ٢٨٠) مِن طريق الجُرَيرِيِّ، عن أبي نَضرة، عن جابر بن عبد الله، قال: خَلَت البقاعُ حول المسجد، فأراد بنو سَلَمة أن ينتَقِلُوا إلى قُرب المسجد، فبَلَغ ذلك رسُولَ الله ﷺ ، فقال لهم: "إِنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكُم تُرِيدُون أن تَنتَقِلُوا قُرب المَسجِد"، قالوا: "نعم، يا رسول الله! قد أردنا ذلك"، فقال: "يا بني سَلَمة! ديارَكُم، تُكتَبُ آثارُكُم"، ثلاث مرَّاتٍ.
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ أيضًا (٦٦٥/ ٢٨١) قال: حدَّثَنا عاصمُ بن النَّضر التَّيمِيُّ ..
والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٤٣٧٩) عن مُحمَّد بن أبي السَّرِيِّ ..
والبَيهَقِيُّ (٣/ ٦٤) عن مُحمَّد بن عبد الأعلى، قال ثلاثتهم: ثنا مُعتَمِرُ بن سُليمان، قال: نا كَهمَسُ بن الحَسَن، عن أبي نَضرَة بهذا نحوه.
وقد ذكر الطَّبَرانيُّ أنَّهُ لم يَروِه عن مُعتَمر بن سُليمان إلَّا ابنُ أبي السَّرِيِّ، وهو مُتَعقَّبٌ كما رأيتَ. وقد أَخرَجَهُ أبو عَوَانة (١/ ٣٨٨) من طريق ابن أبي السَّرِيِّ أيضًا، واسمُهُ: مُحمَّد بن المُتوكِّل بن أبي السَّرِيِّ.
стр. 1170
٣١٠ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللهَ يتجَلَّى لعبادِهِ المُؤمِنِين عامَّةً، ويتَجَلَّى لأبي بَكرٍ خاصَّةً".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٥/ ١١ - ١٢)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (٢/ ٤١ - ٤٢) قال: حدَّثَنا أبو عليٍّ مُحمَّد بن أحمد بن الحَسَن، ومُحمَّدُ بنُ عُمَر بن سَلْمٍ، قالا: ثنا يُوسُفُ بنُ الحَكَم، ثنا مُحمَّدُ بن خالدٍ الخُتُلِّيُّ، ثنا كَثيرُ بنُ هشامٍ، ثنا جعفرُ بنُ بُرقانَ، عن مُحمَّد بن سُوْقَةَ، عن مُحمَّد بن المُنكَدِر، عن جابرٍ، قال: جاءَ وفدُ عبد القَيس إلى رسُول الله ﷺ ، فَكَلَّمَهُ بعضُهم بكلامٍ وأَلْغَزَ فيه، فالتَفَت النَّبيُّ ﷺ إلى أبي بكرٍ، فقال: "يا أبا بكرٍ! سَمِعتَ ما قالوا؟ "، قال: "نعم، يا رسُول الله! وفهمتُه"، قال: "فَأَجِبْهُم، يا أبا بكرٍ! "، فأَجَابَهُم بجوابٍ، وأجادَ في الجواب، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "يا أبا بكرٍ! أعطاك اللهُ الرِّضوانَ الأكبرَ"، فقال له بعضُ القوم: "يا رسول الله! وما الرِّضوانُ الأكبرُ؟ "، قال: "يتجلَّى اللهُ في الآخرة لعباده المُؤمِنِين عامَّةً، ويتجَلَّى لأبي بكرٍ خاصَّةً".
قال أبو نُعيمٍ: "هذا حديثٌ ثابتٌ، رواتُهُ أعلامٌ، تفرَّد به الخُتُلِّيُّ، عن كَثيرٍ"!!
стр. 1171
• قلتُ: كذا قال أبو نُعيمٍ! فهذا الحديثُ ليس بثابتٍ، بل هو باطلٌ؛ ومُحمَّدُ بنُ خالدٍ الخُتُلِّيُّ ليس بثِقةٍ أصلًا.
وأخرَجَه الحاكمُ (٣/ ٧٨) قال: أخبَرَنا أحمدُ بن كاملٍ القاضي، ثنا يُوسُفُ بن مُحمَّد رئيسُ الخيَّاط، ثنا مُحمَّدُ بن خالدٍ الخُتُلَّيَّ بهذا الإسناد.
سكتَ عنه الحاكمُ، فتعقَّبَهُ الذَّهَبيُّ في "تلخيص المُستدرَك"، فقال: "تفرَّد به مُحمَّدُ بن خالدٍ الخُتُلِّيُّ، عن كثير بن هشامٍ، عن جعفر بن بُرقان، عن ابن سُوقَة، واحسَبُ مُحمَّدًا وضعَهُ".
وقال ابنُ الجَوزِيِّ: "تفرَّد به مُحمَّدُ بن خالدٍ، وقال بعضُهم: مُحمَّدُ بن مَخلدٍ، وكِلاهُما مكذَّبٌ".
وذَكَرَه الذَّهَبيُّ في "تلخيص الموضوعات" (ص ١٣٣)، وقال: "مُحمَّدُ الخُتُلِّيُّ أظُنُّ البلاءَ منه".
ونَقَلَ الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٣/ ٥٣٤) عن ابن مَندَهْ، قال: "صاحبُ مناكير".
ولهُ طُرُقٌ أخرى عن جابرٍ، كُلُّها ساقطةٌ.
فمنها ما: أخرجه ابنُ حِبَّان في "المجروحين" (٢/ ١١٥)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٨٥٨)، والخطيبُ (١٢/ ١٩)، وابنُ الجَوزِيِّ (٢/ ٤٢ - ٤٣)، وأبو طاهرٍ المُخلِّص (٢٩٣١)، ومن طريقه الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٣/ ١٢٠) من طريق عليِّ بن الحسَن المُكتِب - وهو عَليُّ بنُ عَبدةَ -، قال: ثنا يحيى بن سعيدٍ القَطَّانُ، عن ابن أبي ذئبٍ، عن ابنِ المُنكَدِر، عن جابرٍ، مرفُوعًا: "إنَّ الله ليَتَجَلَّي للنَّاس عامَّةً، ويتجلَّى
стр. 1172
لأبي بَكرٍ خاصَّةً".
قال ابنُ حِبَّان: "عليُّ بنُ عبدة شيخٌ كان ببغداد، يَسرِق الحديثَ، ويَعمد إلى كُلِّ حديثٍ رواه ثقةٌ، يرويه عن شيخِ ذلك الشَّيخ، ويَروِي عن الأثبات ما ليس من حديث الثقات، لا يَحِلُّ الاحتجاجُ به".
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا حديثٌ باطلٌ بهذا الإسناد، وعليُّ بن عَبدَة هذا مِقدَارُ مَا لَهُ: إمَّا حديثٌ مُنكَرٌ، أو حديثٌ سَرَقَهُ من ثِقَةٍ فرواه".
وقال الخطيبُ: "هو باطلٌ، لا أَعلَمُ رواه عن جابرٍ، ولا عن ابن المُنكَدِر، ولا عن ابن أبي ذئبٍ، ولا عن يحيى بن سعيدٍ، غيرَ عليِّ بن عبدة".
وقال الذَّهَبيُّ: "فهذا أَقطَعُ أنَّهُ مِن وَضعِ هذا الشُّوَيخ على القَطَّان".
ورواه يحيَى بنُ أبي بُكيرٍ، عن ابن أبي ذئبٍ بسَنَده سواء.
أخرَجَهُ الخطيبُ (١٢/ ١٩ - ٢٠)، ومِن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" (٢/ ٤٣) من طريق أبي حامدٍ أحمد بن عليِّ بن حَسنَوَيْهِ المُقرِئِ، عن الحَسَن بن عليِّ بن عفَّان، ثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ بهذا.
قال الخطيب: "باطلٌ، والحَملُ فيه على أبي حامدٍ ابن حَسنَوَيهِ؛ فإنَّه لم يَكُن ثقةً، ونَرَى أنَّ أبا حامدٍ وَقَع إليه حديثُ عليِّ بن عبدة، فركَّبَهُ على هذا الإسناد، مع أنَّا لا نعلم أنَّ الحَسَن بن عليِّ بن عفَّان سمع من يحيى بن أبي بُكيرٍ شيئًا".
وله طريقٌ آخر عن جابر ﵁.
أخرَجَهُ الخطيبُ (١١/ ٢٥٤ - ٢٥٥) من طريق أبي القاسم عُمَر بن مُحمَّد بن عبد الله التِّرمِذِيِّ، حدَّثَنا عبَّاسٌ الشِّكْلِيُّ، حدَّثَنا الحَسَن بن
стр. 1173
عَرَفَة، حدَّثَنا أبو مُعاوِية، عن الأعمش، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ، قال: قال رسُول الله ﷺ لأبي بَكرٍ: "يا أبا بَكرٍ! أَلا أُبشِّرُك؟ "، قال: "بلى، يا رسُول الله! "، قال: "إنَّ الله يتجَلَّى للخلائقِ عامَّةً، ولك خاصَّةً".
ثُمَّ رواه من طريق أبي القاسم هذا، عن خاله أحمد بن مُحمَّد بن عبيد الله، ثنا الحَسَن بن عَرَفة بهذا.
قال الخطيبُ عن ابن أبي الفوارس: "أبو القَاسِم التِّرمذِيُّ فيه نَظَرٌ"، واتَّهَمه ابنُ الجَوزِيِّ بوضع الحديثِ.
• قلتُ: فهذا كما ترى، ساقطٌ عن حدِّ الاعتبار، فَضلًا عن الاحتجاج به.
وله شواهدُ عن أنَسٍ، وأبي هُريرَة، والحَسَن بن عليٍّ، وعائشة ﵃، وكُلُّ طُرُقِها لا تَخلُو من كذَّابٍ، أو مُتَّهَمٍ، أو مَتروكٍ، فلا نُسَوِّد وَجه القِرطَاسِ بذكرِها.
(تنبيهٌ)
حاوَلَ الشَّيخُ المُعلِّمِيُّ ﵀ أن يَجِدَ مَخرَجًا لكَلِمة أبي نُعيمٍ هذه، فقال في تعليقه على "الفوائد المَجمُوعة" (ص ٣٣٠) للشَّوكانيِّ: "أراد - يعني: أبا نُعيمٍ - أنه ثابتٌ في كِتابِه، ونَحو ذلك، فأمَّا الثُّبُوت عن النَّبيِّ ﷺ ، فلا" انتهى.
فهذا تأويلٌ مُستَكرَهٌ لكلام أبي نُعيمٍ، والصَّواب أنَّ أبا نُعيمٍ قَصَد تقويةَ الحديث بذلك، بدليل قوله: "رُواتُهُ أعلامٌ"، وهذه عِبارةٌ دارجةٌ على ألسنة العُلماء، يَقصِدُون بها تصحيحَ الحديث. وقد أَطلَق أبو نُعيمٍ هذا الحُكمَ على أحاديثَ صحيحةٍ، رواها الشَّيخان، وغيرُهما. والله أعلم.
стр. 1174
٣١١ - سألني سائلٌ، فقال: قرأتُ في تفسير "مفاتيح الغيب" للفخر الرَّازِيِّ، في أثناء تفسيره لسُورة يُوسُف، قولَه: "واعلم! أنَّ بعض الحَشْويَّة رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "ما كَذَبَ إبراهيمُ ﵇ إلَّا ثلاثَ كِذباتٍ"، فقلتُ: "الأَوْلَى أن لا نَقبَل مِثل هذه الأخبار"، فقال على طريق الاستنكار: "فإن لم تَقبلْهُ، لَزِمَنَا تكذيبُ الرُّوَاة؟ "، فقلتُ له: "يا مسكينُ! إن قَبِلنَاه لَزِمَنا الحُكمُ بتكذيب إبراهيم ﵇، وإن رَدَدنَاه لزمنا الحُكمُ بتكذيب الرُّواة، ولا شكَّ أن صون إبراهيمَ ﵇ عن الكَذِب أَولَى من صَونِ طائفةٍ من المجاهيل عن الكَذِب" انتهى كلامُ الفخر الرَّازيِّ.
وسؤالي: هل ما قاله الفخرُ صحيحٌ؟ مع أنَّني أعلمُ أنَّ الحديث صحيحٌ، وهو في البُخاريِّ على ما أذكر.
• قلتُ: اعلم أيُّها السَّائل، أيَّدك الله، أنَّ الجواب من وُجُوهٍ:
* * الوجهُ الأوَّل ..
أنَّهُ من المُتَّفَق عليه عند سائر العُقَلاء، أنَّه يُرجَع في كُلِّ علمٍ إلى أهله، ويُقضَى لَهُم على غيرِهم، فيُقضَى للمُحدِّثين في الكلام على الأحاديثِ،
стр. 1175
تصحيحًا وتضعيفًا، ويُقضَى للفُقهاء في الفقه، وللنُّحاة في النَّحو، وهكذا. فإذا علمنا ذلك، فيَنبَغِي أن لا يُقبَل كلامُ الفخر الرَّازِيِّ في الحُكمِ على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا، لأنَّهُ مُزْجَى البِضاعة في الحديث، تامُّ الفقر في هذا الباب. وقد قضَى الرَّجلُ حياتَه في مُحارَبة السُّنَنَ، ووضعِ الأُصول الفاسِدَة لردِّها، وقد اعتَرَف في آخر حياتِه بنَدَمِه على عُمرِه الذي أنفقه في هذا الخَطَل.
قال الذَّهَبيُّ في "سير النُّبلاء" (٢١/ ٥٠١): "وقد بَدَت مِنهُ في تواليفه بلايا، وعظائمُ، وسحرٌ، وانحرافاتٌ عن السُّنَّة، واللهُ يعفو عنه، فإنَّهُ تُوُفِّي على طريقةٍ حميدةٍ، والله يتولَّى السَّرائر".
* * الوجه الثَّاني ..
أنَّ الحديثَ صحيحٌ، لا ريب فيه.
وقد وَرَد عن أبي هُريرَة، وأنَس بن مالكٍ، وأبي سعيدٍ الخُدْريِّ، وغيرِهِم.
* أمَّا حديث أبي هُريرَة ..
فيرويه عنه اثنان:
أوَّلهما: الأعرج عنه مرفُوعًا: "لَم يَكذِب إبراهيمُ إلَّا ثلاث كِذباتٍ: قولُه حين دُعِي إلى آلهتهم: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقولُه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقولُه لسارَّة: إنَّها أُختِي، - قال: - ودَخَل إبراهيمُ قريةً فيها مَلِكٌ من الملوك - أو: جبَّارٌ من الجبابرة -، فقيل: دخل إبراهيمُ اللَّيلة بامرأةٍ مِن أحسن النَّاس. - قال: - فأرسَلَ إليه المَلِك - أو:
стр. 1176
الجبَّارُ -: من هذه مَعَك؟ قال: أُختِي. قال: أَرسِل بها. - قال: - فأرسَلَ بها إليه، وقال لها: لا تُكَذِّبي قولي؛ فإنِّي قد أخبرتُهُ أنَّك أُختِي؛ إِنْ على الأرض مؤمنٌ غيري وغيرك. - قال: - فلما دَخَلَت إليه، قام إليها، - قال: - فأَقبَلَت توضَّأ وتُصلِّي، وتقولُ: اللَّهُمَّ! إِنْ كُنتَ تعلمُ أَنِّي آمنتُ بك وبرسُولِك، وأحصنتُ فرجي إلَّا على زوجي، فلا تُسَلِّط عليَّ الكافرَ. - قال: - فغُطَّ، حتَّى ركض برجلِه، - قال أبو الزِّناد: قال أبو سَلَمة بن عبد الرَّحمن، عن أبي هُريرَة، أنَّها قالت: اللَّهُمَّ! إنَّه إن يَمُت، يُقَل: هي قَتَلَتهُ، قال: - فأُرسِلَ، ثُمَّ قام إليها، فقامت توضَّأُ، وتُصَلِّي، - ثُمَّ حدث هذا ثلاث مرَّاتٍ -، فقال في الثَّالِثة أو الرَّابعة: ما أَرسَلتُم إليَّ إلَّا شيطانًا! أَرجِعُوها إلى إبراهيم، وأعطُوهَا هاجرَ. - قال: - فرَجَعَت، فقالت لإبراهيم: أَشَعَرتَ أنَّ الله تعالى ردَّ كيد الكَافِر، وأَخدَمَ وليدةً".
أخرَجَهُ أحمد (٩٣٤١) قال: حدَّثَنا عليُّ بن حفصٍ، عن وَرْقَاء، عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
وأخرَجَهُ البُخاريُّ في "البيوع" (٤/ ٤١٠ - ٤١١)، وفي "الهِبَة" (٥/ ٢٤٦)، وفي "الإكراه" (١٢/ ٣٢١) قال: حدَّثَنا أبو اليَمان، أخبَرَنا شُعيب بن أبي حمزة، ثنا أبو الزِّناد بهذا الإسناد.
وهو مُختصَرٌ في الموضع الثَّاني والثَّالث، واقتَصَر في الموضع الأوَّل على قِصَّة سارَّة.
وأخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "المناقب" (٥/ ٩٨ - الكُبرَى) عن عليِّ بن عيَّاشٍ، نا شُعيب بن أبي حمزة بهذا الإسناد.
стр. 1177
وأخرجه التِّرمِذِيُّ (٣١٦٦)، عن مُحمَّد بن إسحاق، عن أبي الزِّناد بهذا، دُون قِصَّة سارَّة.
ثانيهما: مُحمَّدُ بن سيرين، عن أبي هريرة.
ويرويه عن ابن سيرين ثلاثةٌ:
١ - أيُّوب السَّختِيَانِيُّ، عن ابن سِيرِين، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "لَم يَكذِب إبراهيمُ النَّبيُّ ﵇ قطُّ إلَّا ثلاث كِذبات، ثِنتَين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]، وقولُه: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وواحدةٌ في شأن سارَّة، فإنَّه قَدِم أرضَ جبَّارٍ، ومعه سارَّةُ، وكانت أحسَن النَّاس. . ."، وساق الحديث، بنحو حديث الأعرج.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "النِّكاح" (٩/ ١٢٦) قال: حدَّثَنا سعيدُ بنُ تَلِيدٍ ..
ومُسلِمٌ في "الفضائل" (٢٣٧١/ ١٥٤) قال: حدَّثَني أبو الطَّاهر، قالا: ثنا عبدُ الله بن وهبٍ، قال: أخبَرَني جريرُ بن حازمٍ، عن أيُّوب السَّختِيَانِيِّ، عن ابن سِيرِين بهذا.
واللَّفظ لمُسلِمٍ، وأورده البُخاريُّ مختصَرًا، وأحال على حديث حمَّاد بن زيدٍ الآتي.
ورواه حمَّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوب السَّختِيَانِيِّ بسَنَده سواء، لكنه أوقَفَهُ على أبي هُريرة ولم يَذكُر فيه رسُولَ الله ﷺ .
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "النِّكاح" (٩/ ١٢٦)، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٣٦٦) عن سُليمان بن حربٍ ..
والبُخاريُّ أيضًا في "أحاديث الأنبياء" (٦/ ٣٨٨) قال: حدَّثَنا مُحمَّد
стр. 1178
ابن محبوبٍ، كلاهما عن حمَّاد بن زيدٍ، عن أيُّوب بهذا الإسناد.
وحمَّادُ بنُ زيدٍ من أثبت النَّاس في أيُّوب، ورواية جَرِير بن حازمٍ المرفُوعةُ صحيحةٌ أيضًا؛ لأنَّ مُحمَّد بن سيرين كان يُوقِف كثيرًا مِن حديثِه، مع كونه مرفُوعًا، وهذا معرُوفٌ عنه، فكأنَّ ابن سيرين كان يَرفَعُه، ثم لا يَنشَطُ، فيوقِفُه، فتلقَّاه عنه أيُّوب على الوَجهَين.
فإن قُلتَ: "فإنَّ جرير بن حازمٍ قد تَكَلَّم فيه ابنُ حِبَّان، وقال: "كان يُخطِئ؛ لأنَّه كان يُحدِّث من حِفظِه"، فلعلَّه أخطأ في هذا الحديث ورَفَعه، وقد خالَفَهُ حمَّاد بن زيدٍ، وهو أثبت منه، فأوقفَه؟ ".
• قلتُ: أمَّا جرير بن حازمٍ فقد وثَّقَه ابن مَعِينٍ، والعَجلِيُّ، وقال أبو حاتمٍ: "صدوقٌ"، وقال النَّسَائِيُّ: "لا بأس به"، وقال أبو حاتمٍ: "تغيَّر قبل موته بسَنَةٍ"، ولكنَّ هذا التَّغيُّرَ لا يضرُّه، فقد قال عبدُ الرَّحمن بن مَهدِيٍّ: "اختَلَط، وكان له أولادٌ أصحابُ حديثٍ، فلمَّا أحسُّوا ذلك منه، حَجَبُوه، فلم يَسمَع منه أحدٌ شيئًا حال اختلاطه"، وما ذَكَرَه ابن حِبَّان فمُلازِمٌ لكثيرٍ من الثِّقات الأثبات، وأنَّهُم كانوا يُخطِئون في بعض ما رَوَوْه، ولا يَضُرُّهم مثلُ هذا، ولذلك قال الذَّهَبيُّ: "اغتُفِرَت أوهامُه في سِعَة ما رَوَى"، واختيارُ الشَّيخين لحديثٍ من روايتِه دالٌّ على أنَّه لم يَهِم فيه.
وممَّا يدلُّ على أنَّ الحديث مرفوعٌ مِن رواية ابن سِيرِين، عن أبي هُريرة، أنَّ:
٢ - هشام بن حسَّان، وهو من أثبت النَّاس في ابن سيرين، قد رواه
стр. 1179
عنه، عن أبي هُريرة مرفوعًا.
فأخرَجَهُ أبو داوُد (٢٢١٢) عن عبد الوهَّاب الثَّقَفيِّ ..
والنَّسَائِيُّ (٥/ ٩٨ - الكُبرَى) عن أبي أُسامة حمَّاد بن أُسامَة ..
وابنُ حِبَّان (٥٧٣٧) عن النَّضر بن شُميلٍ، ثلاثتهم عن هشام بن حسَّان، عن ابن سِيرِين، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "إن إبراهيم لم يَكذِب إلَّا في ثلاثٍ: ثِنتَين في ذات الله. . ."، وساق الحديث.
وخالَف هؤلاء الثَّلاثةَ: مَخلَدُ بن الحُسَين، فرواه عن هشام بن حسَّان بهذا الإسناد، إلَّا أنَّه قال: "كُلُّهنَّ في الله"، يعني: الكِذبات الثَّلاثة.
أخرَجَه أبو يَعلَى (٦٠٣٩) قال: حدَّثَنا مُسلِمُ بنُ أبي مُسلِمٍ الجَرمِيُّ، ثنا مَخلَد بن الحُسين بهذا.
وهذه روايةٌ شاذَّةٌ، أو مُنكَرَةٌ، والصَّواب ما اتَّفَق عليه الثِّقاتُ أنَّ ثنتين من هذه الثَّلاث كُنَّ في الله .
ولَيسَت عُهدةُ الوَهَم على مَخلَد بن الحُسين، فإنَّه ثقةٌ عاقلٌ كَيِّسٌ، وكان هشامُ بن حسَّان زوجَ أُمِّه، ولكنْ الشأنُ في الرَّاوي عنه، وهو شيخ أبي يَعلَى، فقد قال ابنُ حِبَّان: "رُبَّما أخطأ"، وقال الأزديُّ: "حدَّث بأحاديث يُتابَعُ عليها"، وقال البَيهَقِيُّ: "غيرُ قويٍّ"، وقد وثَّقه الخطيبُ، ولو وَجَدنَا له مُتابِعًا لأَمكَن حملُ روايتِه على معنًى مقبولٍ.
ذكرتُهُ في "تنبيه الهاجد إلى ما وقع من النَّظَر في كُتب الأماجد" (٢٠٠٣)، لا يتَّسِع المجالُ هنا لذِكرِه.
٣ - أمَّا الرَّاوي الثَّالث الذي رواه عن ابن سيرين، فهو عبد الله بن عَونٍ ..
стр. 1180
فأخرَجَ هذه الرواية النَّسَائِيُّ (٥/ ٩٨) من طريق النَّضر بن شُمَيلٍ، عن عبد الله بن عَونٍ، عن ابن سِيرِين، عن أبي هُريرَة فذَكَرَه موقُوفًا.
ولا تَخَالُفَ بين رِوايته ورِواية الرَّفع، لما قدَّمنا أنَّ ابن سِيرِين كان يَرفَعُه ويُوقِفُه، وليست هذه علَّةٌ تَقدَحُ في الرِّواية.
فهذا ما يتَعَلَّق بحديث أبي هُريرة، وهو صحيحٌ لا ريب في ذلك، وقد اتَّفق عليه الشَّيخان، من رِواية ابن سيرين عنه.
* أمَّا حديثُ أنَسٍ ﵁ ..
فأخرَجَهُ النَّسَائيُّ في "التَّفسير" (١١٤٣٣ - الكُبرَى) قال: "أخبَرَنا الرَّبيع بن مُحمَّد بن عيسى، ثنا آدمُ - هو ابنُ أبي إِياسٍ -، ثنا شَيبانُ بن عبد الرَّحمن أبو مُعاوِية، ثنا قتادة، عن أنَسٍ مرفُوعًا: "يَجمَع الله المُؤمِنِين يوم القيامة، - فذَكَر حديث الشَّفاعة، وفيه: - فيأتُون إبراهيم، فيَقُول: إنِّي لست هُنَاكُم. ويَذكُرُ كِذباتِهِ الثَّلاث: قولَهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] وقولَه: ﴿فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، وقولَه لسارَّة حين أتَى على الجبَّار: أَخبِرِي أنِّي أخوك، فإِنِّي سأُخبرُ أنا أنَّكِ أُختِي؛ فإنَّا أَخَوَان في كتاب الله، ليس في الأرض مُؤمِنٌ ولا مُؤمِنَةٌ غيرُنا. . ." الحديث.
وإسنادُهُ قويٌّ، والرَّبيع بنُ مُحمَّد، قال تلميذُه النَّسَائِيُّ: "لا بأس به"، وبقيَّةُ رجال الإسناد ثقاتٌ معروفُون.
* وأمَّا حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ مرفوعًا، فذَكَرَ حديث الشَّفاعة، وفيه: "فيأتون إبراهيم. . ."، فيذكره بنحو حديث أنَسٍ الفائت.
стр. 1181
أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٣١٤٨) قال: حدَّثَنا ابنُ أبي عُمَر ..
وأبو يَعلَى (١٠٤٠) قال: حدَّثَنا عبدُ الأعلى بن حمَّادٍ النَّرْسِيُّ، قالا: ثنا سُفيان بن عُيَينة، عن عليِّ بن زيد بن جُدعَان، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا.
وقد اختُلِف في إسناده ..
فرواه حمَّادُ بن سَلَمة، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي نضرة، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا، فساق حديث الشفاعة بطوله.
أخرَجَه أحمد (١/ ٢٨١ - ٢٨٢) قال: حدَّثَنا عفَّان بن مُسلِمٍ ..
وأيضًا (١/ ٢٩٥ - ٢٩٦) قال: حدَّثَنا حَسَن بن مُوسَى ..
وأبو يَعلَى (٢٣٢٨)، والبَيهَقِيُّ في "الدلائل" (٥/ ٤٨١ - ٤٨٣) عن هُدبَة بن خالدٍ ..
والبَيهَقِيُّ أيضًا، عن أبي داوُد الطَّيَالِسِيِّ، قال أربعتهم: ثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عليِّ بن زيدٍ بهذا الإسناد.
فجعله من: "مُسنَد ابن عبَّاسٍ".
وعليُّ بن زيد بن جُدعان ضعيفُ الحديث.
والحديث عندي من مُسنَد ابن عبَّاسٍ أشبَه.
ورِواية حمَّاد بن سَلَمة عن عليِّ بن زيدٍ مُتماسِكةٌ، كما يُشِير إلى ذلك قولُ أبي حاتمٍ الرَّازيِّ، أنَّ حمَّاد بن سَلَمة كان أعرَفَ بحديث عليِّ بن زيدٍ مِن غيرِه، وهذا لا يَعنِي تصحيحَ حدييه كما لا يَخفَى. واللهُ أعلَمُ.
• قلتُ: فقد ظَهَر لك أيُّها المُسترشِدُ أنَّ الحديث صحيحٌ، على طريقة
стр. 1182
أهل الحديث، الذين هم فُرسان هذا المَيْدان، وإليهم فيه المَرجِع والشَّأن.
* * الوجه الثالث ..
أن العُلماء الذين مرَّ عليهم هذا الحديثُ، قبل أن يُخلَق الفخرُ الرَّازيُّ، فسَّرُوه تفسيرًا مُستَقِيمًا، ولم يَنصِبُوا التَّعارُضَ فيه بين صِدق إبراهيم ﵇ وصِدقِ الرُّواة.
فقال الحافظُ في "الفتح" (٦/ ٣٩٢): "قال ابنُ عَقِيلٍ: دِلالَةُ العقل تَصرِفُ ظاهرَ إطلاق الكَذِب على إبراهيم، وذلك أنَّ العقل قَطَع بأنَّ الرَّسُول ينبغي أن يكُون موثُوقًا به، ليُعلَم صدقُ ما جاء به عن الله ، ولا ثقةٌ مع تجويز الكَذِب عليه، فكيف مع وُجُود الكَذِب منه، وإنَّما أُطلِق ذلك عليه لكَونِه بصورة الكَذِب عند السَّامع. وعلى تقديره، فلم يَصدُر من إبراهيم ﵇ إلَّا في حال شِدَّة الخوف، لعُلُوِّ مقامه، وإلَّا فالكَذِبُ المحضُ في مِثل تلك المقاماتِ يجوزُ، وقد يَجِب تحمُّل أخفِّ الضَّرَرين دفعًا لأعظمِهِمَا، وأمَّا تسميتُهُ إيَّاها كِذباتٍ، فلا يُرِيد أنَّها تُذَمُّ، فإنَّ الكَذِب وإن كان قبيحًا مُخِلًّا، لكنَّهُ قد يَحسُنُ في مواضع، وهذا منها" انتهى، وهذا ما يُسمَّى عند العلماء بـ "المعاريض"، وهي مُباحَةٌ.
وقد حاول الفَخرُ الرَّازِيُّ عِند تفسيره لقوله تعالى: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]، أن يتخلَّص من دِلالة الآية على معنى التَّعريض، بوجُوهٍ ضعيفةٍ، وقد قال في (٢٢/ ١٨٦)، وهو يَذكُر هذه الكِذبات: "وإذا أمكن حملُ الكلام على ظَاهِره، من غير نسبة الكَذِب إلى الأنبياء ﵈، فحينئذٍ لا يَحكُم بنِسبة الكَذِب إليهم إلَّا زِندِيقٌ"
стр. 1183
انتهَى، ونحن نقولُ له: المَسأَلَةُ لفظيةٌ، لا حُكميَّةٌ، ولا يُوجَد مُسلِمٌ، بحمد الله، يَجرُؤُ على تكذيب نبيٍّ، ولم يَقُل بهذا واحدٌ قطُّ، فإذا كانت المسألةُ لفظيةً، فما الذي حَمَل الفخرَ الرَّازيَّ على ردِّ الحديث بمثل هذه الشَّقَاشِق؟!
* * الوجهُ الرابع ..
قولُهُ: ". . . أولى من صَوْن طائفةٍ من المجاهيل. . ."، والمجهولُ عند أهل الحديث أقسامٌ منها: مجهولُ العين، وهو من لم يَروِ عنه إلَّا واحدٌ، ومنها: مجهولُ الحال، وهو من لم يَأتِ فيه توثيقٌ مُعتَبَر. فإذا عَلِمتَ ذلك؛ فقد رَوَى هذا الحديثَ: أبو هُريرَة، ومُحمَّد بن سيرين، والأعرج، وأبو الزِّناد، وشُعيب بن أبي حمزة، ومُحمَّد بن إسحاق، ووَرْقَاءُ بن عُمَر، وأيُّوب السَّختِيَانِيُّ، وهشام بن حسَّان، وعبدُ الله بنُ عَوْنٍ، وحمَّاد بن زيدٍ، وجرير بن حازمٍ، وغيرُهم ممَّن ذَكَرنا، فمَن مِن هؤلاء يُمكِن إِطلاق اسم الجهالة عليه، وهم أئمةٌ ثقاتٌ معرُوفُون؟! فاللَّهُمَّ! غَفْرًا.
وللفخر الرَّازيِّ مواضعُ في "تفسيره"، أَنكَر فيها أحاديثَ صحيحةً، تعرَّضنا لبعضِها في "قوادِمِ البازِيِّ المُنقَضِّ على تفسير الفَخر الرَّازِيِّ".
والحمدُ لله تعالى.
стр. 1184
٣١٢ - سُئلتُ عن حديث: "مَن استعمَل رَجُلًا على عَشَرَةٍ، وهو يَعلَم أنَّ فيهم مَن هو أفضل منه، فقد غشَّ اللهَ، ورسُولَه، وجماعةَ المُسلِمين".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
وقد وَرَد من حديثٌ حُذيفةَ بن اليَمَان ﵁.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى في "المُسنَد" - كما في "المَطالب العالية" (٢١٥٣) - قال: حدَّثَنا خالد بن مُحمَّدٍ، ثنا عبد الله بن بكرٍ، ثنا خَلَف بن خالدٍ، عن إبراهيم بن سالمٍ، عن عَمْرو بن ضِرارٍ، عن حُذيفة مرفُوعًا.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، أو واهٍ؛ وخالد بن مُحمَّدٍ أبو وائلٍ ذَكَرَه ابن حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٢٢٦)، وقال: "حدَّثَنا عنه أحمد بنُ عليِّ بن المُثَنَّى. يُغرِبُ".
وعبد الله بن بكرٍ السَّهْمِيُّ ثقةٌ حافظٌ.
وخَلَف بن خالدٍ أظنُّه المُترجَم في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٣٧٢)، ويَروِي عن اللَّيث بن سعدٍ وطَبَقَته، قال أبو حاتمٍ: "شيخٌ".
ومن فوقه لم أعرِفهُ.
وله شاهدٌ مِن حديث ابن عبَّاسٍ ﵄ مرفُوعًا: "من استَعمَل رَجُلًا على عِصابةٍ، وفيهم من هو أرضَى لله مِنهُ، فقد خان الله ورسوله والمُؤمنين".
стр. 1185
أخرَجَهُ ابن أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (١٤٦٢)، ومُسَدَّدٌ في "مُسنَده" - كما في "المطالب العالية" (٢١٥٦) -، والحاكم (٤/ ٩٢ - ٩٣)، وابن عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٦٣)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (١/ ٢٤٨)، ووكيعٌ في "أخبار القُضاة" (١/ ٦٨) من طريق حُسين بن قيسٍ، عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا.
قال الحاكم: "صحيح الإسناد"!
وقال البُوْصِيرِيُّ في "الإتحاف": "إسنادُهُ حَسَنٌ"!
وليس كما قالا، بل الإسناد ضعيفٌ جدًّا؛ وحُسين بن قيسٍ الرَّحْبِيُّ تَرَكَهُ أحمد والنَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ. وضعَّفه ابنُ مَعِينٍ. وقال البُخَارِيُّ: "لا يُكتَب حديثُه". وقال الجُوْزْجَانِيُّ: "أحاديثُه مُنكَرةٌ جدًّا".
ونَقَل الزَّيلَعِيُّ في "نصب الرَّاية" (٤/ ٦٢) أنَّ الذَّهَبِيَّ تعقَّب الحاكمَ في هذا الحُكم، وقال: "حُسينُ بن قيسٍ ضعيفٌ"!
والصَّواب أنَّه ضعيفٌ جدًّا، لكنَّه لم يتفرَّد به.
فتابَعَهُ يزيد بن أبي حبيبٍ، فرواه عن عِكرمة، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "من استَعمَل عاملًا مِن المُسلمين، وهو يَعلَم أنَّ فيهم أولى بذلك منه، وأعلمَ بكتاب الله وسُنَّة نبيِّه، فقد خان الله ورسوله وجميع المُسلِمين".
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ (١٠/ ١١٨) عن الحاكم، قال: ثنا أبو جَعفَرٍ مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبد الله البَغدَادِيُّ، ثنا يحيى بن عُثمان بن صالحٍ، ثنا أبي، ثنا ابن لَهِيعَة، ثنا يزيد بن أبي حبيبٍ بهذا الإسناد.
وشيخ الحاكم تَرجَمَه الخطيب (٣/ ٢١٧)، وقال: "كان ثَبْتًا، صحيح
стр. 1186
السَّمَاع، حَسَن الأصول"، وقال الذَّهَبِيُّ في "السِّير" (١٥/ ٥٤٧): "الشَّيخ، المُسنِد، الثِّقة، مُحَدِّث سَمَرْقَندَ"، ثُمَّ نَقَل عن الحاكم، قال: "هو مُحَدِّث عصره بخُرَاسَانَ، وأكثرُ مشايخنا رِحلَةً، وأثبتُهم أُصولًا".
وبقيَّة الإسناد ثقاتٌ معروفون، إلَّا ابنَ لهيعة؛ فقد كان سيِّء الحفظ، وليس عُثمانُ بن صالحٍ مِن قُدَماء أصحابه.
وقد رواه خُصَيفُ بن عبد الرَّحمن، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا مُطوَّلًا، وفيه محَلُّ الشَّاهد.
أخرَجَهُ الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٧٦) من طريق إبراهيم بن زيادٍ القُرَشِيِّ، عن خُصَيفٍ، عن عِكرمة بهذا.
وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وإبراهيمُ بنُ زيادٍ لا يُعرَف، كما قال ابن مَعِينٍ، وقال الخطيب: "في حديثه نُكرةٌ"، ومَن كان مجهولًا، ومع ذلك يَروِي المناكير فهو تالفٌ.
وخُصَيف بن عبد الرَّحمن اختَلَط بآخِرةٍ.
وله طريقٌ آخر عن ابن عبَّاس مرفُوعًا، وفيه: "ومن تولَّى مِن أُمراء المسلمين شيئًا، فاستَعمَل عليهم رَجُلًا، وهو يَعلَمُ أنَّ فيهم مَن هو أولى بذلك، وأعلمُ منه بكتاب الله وسُنَّة رسوله، فقد خان الله، ورسوله، وجميعَ المُؤمِنين. . ."، وساق كلامًا آخر.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٢١٦) قال: حدَّثَنا ابن حنبلٍ - هو عبدُ الله بنُ أحمد -، ثنا مُحمَّد بن أبانَ الوَاسِطِيُّ، ثنا أبو شهابٍ، عن أبي مُحمَّدٍ الجَزَرِيِّ - وهو حمزةُ النَّصِيبِيُّ -، عن عَمْرو بن
стр. 1187
دينارٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا.
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٥/ ٢١٢): "فيه أبو مُحمَّدٍ الجَزَرِيُّ حمزةُ ولم أعرفه، وبقيَّة رجاله رجال الصَّحيح".
كذا قال! وحمزة النَّصِيبِيُّ هذا أَحَد الهلكى؛ قال ابن عَدِيٍّ: "عامَّة ما يرويه موضوعٌ"، وقال ابن مَعِينٍ: "لا يُساوِي فَلسًا"، وقال البُخَارِيُّ: "مُنكَر الحديث"، وهذا يَعنِي أنَّه شديد الضَّعف، وتَرَكه الدَّارَقُطنِيُّ.
فالسَّنَد ساقطٌ.
فحاصل البَحثِ، أنَّ عامَّة أسانيده واهيةٌ، إلَّا طريقَ ابنِ لَهِيعَة، فهو ضعيفٌ، كما مرَّ بك.
واللهُ أعلمُ.
стр. 1188
٣١٣ - سألني سائلٌ، فقال: سمعتُ بعض الخُطَباء يوم الجُمُعة، يقول: إنَّ الذِّئب أتى راعيًا، فأخبره ببِعثَة رسُول الله ﷺ ، فهل ذلك صحيحٌ؟
• قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ.
أخرَجَه أحمد (٣/ ٨٣ - ٨٤) قال: حدَّثَنا يزيد بن هارُون ..
وعَبْد بن حُميدٍ في "المُنتخَب" (٨٧٧)، والبزَّار (٢٤٣١)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (١٥/ ٤٨٠ - ٤٨١)، والعُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨) عن مُسلِم بن إبراهيم ..
والحاكم (٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨) عن وكيع بن الجرَّاح ..
والبَيهَقِيُّ في "دلائل النُّبُوَّة" (٦/ ٤١ - ٤٢) عن عُبيد الله بن مُوسَى ..
وأبو نُعيمٍ في "الدَّلائل" (٢٧٠) عن أبي الوليد الطَّيَالِسِيِّ، وهُدبة بن خالدٍ، وأبي عُمَر الحَوْضِيِّ، وهُرَيمَ بنِ عُثمان، قالوا: ثنا القاسم بن الفَضل، عن أبي نَضرَة، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، قال: عدا الذِّئبُ على شاةٍ، فأخَذَهَا، فطَلَبَه الرَّاعي، فانتزَعَها منه، فأَقعَى الذِّئبُ على ذَنَبِه، وقال: "ألا تَتَّقِي الله! تَنزِع مِنِّي رزقًا ساقَهُ الله إليَّ؟ "، فقال: "يا عَجَبًا! ذئبٌ مُقْعٍ على ذَنَبه، يُكَلِّمُني بكلام الإِنس؟! "، فقال الذِّئبُ: "أَلَا أُخبِرُك بأعجب من ذلك؟ مُحمَّدٌ ﷺ بيثرب يُخبِر النَّاس بأنباء ما قد
стр. 1189
سَبَق"، - قال: - فأَقبَل الرَّاعي، يسوقُ غَنمَهُ، حتَّى دخل المدينة، فزَوَاها إلى زاويةٍ مِن زواياها، ثُمَّ أتَى رسُولَ الله ﷺ فأخبَرَه، فأمر رسُول الله ﷺ فنُودِي: "الصَّلاة جامعةٌ"، ثُمَّ خَرَج، فقال للرَّاعي: "أَخبِرهم"، فأخبَرَهم، فقال رسُول الله ﷺ : "صَدَق! والذي نفسي بيَدِه! لا تَقُوم السَّاعة حتَّى تُكلِّم السِّباعُ الإنسَ، ويُكَلِّم الرَّجلَ عَذَبَةُ سَوْطِه، وشِراكُ نَعلِه، ويُخبِره فخذُهُ بما أحدث أهلُه بعده".
وأخرَجَه التِّرمِذِيُّ (٢١٨١) قال: حدَّثَنا سُفيان بن وكيعٍ ..
وابن أبي شَيبَة (١٥/ ١٦٧)، والحاكمُ (٤/ ٤٦٧) عن أحمد بن حنبل ..
وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٣٧٧ - ٣٧٨) عن أبي شُعيبٍ الواسطيِّ مُحمَّد بن يزيد، قالوا: ثنا وكيعٌ، ثنا القاسم بن الفضل بهذا الإسناد، بآخِرِه.
ثُمَّ رأيتُهُ عند ابن حِبَّان (٦٤٦٠) فرواه عن أبي يَعلَى، قال: حدَّثَنا هُدبة بن خالدٍ، نا القاسم بن الفَضل، ثنا الجُرَيرِيُّ، قال: حدَّثَنا أبو نَضرة، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا.
فجعَل: "الجُرَيرِيَّ" واسطةً بين "القاسم" و"أبي نضرة".
وهذه روايةٌ شاذَّةٌ؛ وقد رواه سائرُ أصحاب القاسم، فلَم يَذكُروا الجُرَيرِيَّ في إسناده، وتقدَّم أنَّ هُدبة بن خالدٍ يرويه مثلَ رواية الجماعة.
ورواها عنهُ هِشامُ بن عليٍّ السِّيرَافِيُّ، وقد ترجمه ابن حِبَّان (٩/ ٢٣٤)، وقال: "مُستَقِيم الحديث"، فإمَّا أن يَكُون وَهِمَ فيها أبو يَعلَى، أو هُدبة بن خالدٍ؛ وهُدبة مع ثِقَتِه، فقد ضعَّفه النَّسَائيُّ. واللهُ أعلَمُ ..
стр. 1190
وقال التِّرمِذِيُّ بعد تخريجه للحديث: "وهذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نَعرِفُه إلَّا مِن حديث القاسمِ بنِ الفضل. والقاسمُ بنُ الفضل ثقةٌ مأمونٌ عند أهل الحديث، وثَّقَهُ يحيَى بن سعيدٍ القَطَّان، وعبدُ الرَّحمن بن مَهديٍّ" انتهَى.
وقال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ".
وقال البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل": "هذا إسنادٌ صحيحٌ".
وهذا هو الصَّوَاب، وليس الحديثُ على شرط مُسلِمٍ، كما قال الحاكم، أو عَلَى شرط الصَّحيح، كما قال ابنُ كَثيرٍ في "البِداية والنِّهاية" (٦/ ١٤٣)؛ لأنَّ مُسلِمًا ﵀ لم يَروِ في "صحيحه" للقاسم بن الفضل، إلَّا عن شيخه شيبان بن فَرُّوخٍ، عن القَاسِم، فالصَّواب أنَّ الإسناد صحيحٌ بإطلاقٍ، وليس مُقيَّدًا بشرط مُسلِمٍ. واللهُ أعلَمُ.
ولا أَدرِي ما الذي حَمَل العُقَيليَّ على إيرادِه هذا الحديث في "الضُّعفاء"، فإنَّ الحِكاية التي أَورَدَها تُثبِت الحديثَ، ولا تُعلُّهُ.
فقد رَوَى مِن طريق مُسلِم بن إبراهيم، قال: "كُنتُ عند القاسم بن الفضل الحُدَّانِيِّ، فأتاه شُعبةُ، فسَأَلَه عن حديث أبي نَضرة، عن أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ : "بينا راعٍ يسوقُ غَنَمَهُ، عدا الذِّئبُ عليه. . ."، فقال له شُعبةُ: "لعلَّك سمعتَه من شهر بن حَوْشَبٍ؟ "، قال: "بلى! حدَّثَنا أبو نَضرَة، عن أبي سعيدٍ"، فما سَكَت حتَّى سكت شُعبة" انتهى.
فكأنَّ شُعبة جَادَله هذا، ولم يُسَلِّم له القاسمُ، حتَّى انقَطَعت حُجَّةُ شُعبة، أو مسألتُه، فحينئذٍ سَكَت القاسمُ.
стр. 1191
فهذا يدلُّ على أنَّ شُعبة كان مُستَفهِمًا، لا مُعِلًّا، وقد أجابه القاسمُ بأنَّه سمعه من أبي نَضرة، فلا وَجهَ لإيراد الحديثِ، ولا روايته في "كتاب الضُّعفاء".
أمَّا رواية شهر بن حَوْشَبٍ ..
فقد أخرَجَها أحمدُ (٣/ ٨٨ - ٨٩) قال: حدَّثَنا أبو اليَمَان، أخبَرَنا شُعيب بن أبي حمزة، حدَّثَني عبدُ الله بن أبي حُسَين، حدَّثَني شَهرٌ، أنَّ أبا سعيدٍ حدَّثَه مَرفُوعًا فذَكَر مثلَه.
ورَوَاهُ عبد الحَمِيد بن بَهرَامَ، قال: حدَّثَني شَهرُ بن حَوْشَبٍ، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا.
أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٨٩) قال: حدَّثنا أبو النَّضر هاشِمُ بن القاسِم ..
والبَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٦/ ٤٣) عن يُونُس بن بُكيرٍ، كلاهما عن عبد الحَمِيد بهذا.
ورواه البَيهَقِيُّ أيضًا (٦/ ٤٢ - ٤٣) من طريق مَعقِل بن عبد الله، عن شهرٍ بهذا.
وشهرُ بن حَوْشَبٍ مُتكلَّمٌ فيه بكلامٍ كثيرٍ، وخُلاصَة الرَّأي عندي فيه أنَّهُ حَسَنُ الحديث، إلَّا إذا خالَفَه مَن هو أمكنُ منه، وهو هنا مُتابَعٌ مِن قِبَل أبي نَضرة، فهذا يدُلُّ على أنَّهُ حَفِظ.
والعلمُ عِند الله تعالَى.
стр. 1192
٣١٤ - سُئلتُ عن حديث: "إذا مُدِحَ المُؤمِن في وَجهِه، رَبَا الإيمانُ في قلبِه".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ الحاكم (٣/ ٥٩٧) قال: أخبَرَنا أبو جعفرٍ مُحمَّد بن عبد الله البَغدادِيُّ ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٤٢٤)، قالا: ثنا مُحمَّد بن عَمْرو بن خالدٍ الحَرَّانِيُّ، حدَّثَني أبي، ثنا ابن لَهِيعَة، عن صالح بن أبي عَرِيبٍ، عن خلَّاد بن السَّائِب، قال: دَخَلتُ على أُسامة بن زيدٍ، فمَدَحَني في وَجهِي، فقال: إنَّه حَمَلني أن أَمدَحك في وجهِك أَنِّي سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقول: "إذا مُدح المُؤمنُ. . ." الحديث.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، كما قال العِراقيُّ في "تخريج الإحياء"، وتَبِعَه العَجلُونِيُّ في "كشف الخفاء" (١/ ٩٩).
وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٨/ ١١٩): "فيه ابن لَهِيعة، وبقيَّة رجاله وُثِّقُوا"، وهو يُشِير بقوله: "وُثِّقُوا" إلى ضعف التَّوثيق الوارد في صالح بن أبي عَرِيبٍ، فلم يُوثِّقه إلَّا ابن حِبَّان، ولذلك قال ابن القَطَّان: "لا يُعرَفُ له حالٌ".
أما ابن لهيعة فالكلام فيه كَثيرٌ، خُلاصَتُه أنَّ مَن سَمِع قبل احتراق
стр. 1193
كُتُبه، فروايته أمثلُ من رواية من سَمِع منه بعد احتراق كُتُبه، وعَمْرُو بن خالدٍ الحَرَّانِيُّ ليس من قُدَماء أصحابه.
ثُمَّ هذا المتنُ يُخالِف بعض الأحاديث الصَّحيحة، والتي نَهَى فيها رسُولُ الله ﷺ عن مدح الرَّجل أخاه في وجهه.
فمن ذلك ما:
أخرَجَه البُخاريُّ في "صحيحه" (٥/ ٢٠٢، و ١٠/ ٤٧٦)، وفي "الأدب المُفرَد" (٣٣٣)، ومُسلِمٌ (٣٠٠/ ٣٥ - ٣٦)، وأبو عَوَانة في "المُستخرَج" - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٣/ ٥٦٨) -، وأبو داوُد (٤٨٠٥)، والنَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٢٣٩)، وابن ماجَهْ (٣٧٤٤)، وأحمد (٥/ ٤١، ٤٦، ٤٧) وغيرُهم من طريق عبد الرَّحمن بن أبي بكْرَةَ، عن أبيه، أنَّهُم ذَكَرُوا رجُلًا عند النَّبيِّ ﷺ ، فقال رجُلٌ: "يا رسُول الله! ما مِن رجُلٍ بعد رسُول الله أفضلُ منه في كذا"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ويحك! قَطَعتَ عُنق أخيك"، مِرارًا يقول ذلك، قال رسُول الله ﷺ : "إِن كان أحدُكم مادحًا أخاه لا محالةَ، فليَقُل: أحسَبُ فُلانًا - إِن كان يَرَى أنَّه كذلك -، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، وحسِيبُه الله، أحسَبُه كذا وكذا".
وأخرَجَهُ البُخاريُّ (٢٦٦٣، ٦٠٦٠)، وفي "الأَدَب المُفرَد" (٣٣٤)، ومُسلِمٌ (٣٠٠١)، وأبو عَوَانة - كما في "الإتحاف" (١٠/ ٨٦)، وأحمدُ (٤/ ٤١٢) من حديث أبي مُوسَى الأشعريِّ، قال: سَمِع النَّبيُّ ﷺ رجُلًا يُثنِي على رجلٍ، ويُطرِيه في المِدْحَةِ، فقال: "لقد أهلَكتُم - أو: قطعتم - ظَهرَ الرَّجل".
стр. 1194
وأخرَجَ مُسلِمٌ (٣٠٠٢/ ٦٩)، والبُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٣٣٩)، وأبو داوُد (٤٨٠٤)، والتِّرمِذِيُّ (٢٣٩٣)، وابن ماجَهْ (٣٧٤٢)، وأحمدُ (٦/ ٥)، والطَّيَالِسِيُّ (١١٥٨، ١١٥٩)، وابن أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥٩٤) وغيرُهم من حديث المِقداد بن الأَسوَد، قال: "أَمَرَنا رسُول الله ﷺ إذا رَأَينَا المدَّاحين أن نَحثُو في وُجُوهِهم التُّراب".
وقد رَوَى هذا المَعنَى جماعةٌ من الصَّحابة، مِنهُم ابن عُمَر، وأبو هُريرَة، وأنَسٌ، وعبد الرَّحمن بن أزهرَ، ومِحجَنٌ الأَدرَعُ ﵃.
ولو صحَّ هذا الحديثُ، لكان محمُولًا على من يُوثَق به، وأنَّ المَدحَ لا يُضِيرُه ولا يَغُرُّه، بل يُرجَى خيرُه ببيان فضله وتقدُّمه، كما حدث ذلك من مدح النَّبيِّ ﷺ لأبي بكرٍ، وعُمَر، وعُثمان، وعليٍّ وغيرِهِم ﵃.
والله المُوفِّق، لا ربَّ سواه.
стр. 1195
٣١٥ - سُئلتُ عن حديث: "مَن بَاتَ طاهرًا، بَاتَ في شِعَارِه مَلَكٌ، فلا يَستَيقِظُ من اللَّيل إلَّا قال المَلَك: اللَّهُمَّ! اغفِر لعبدِك، كمَا باتَ طاهِرًا".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَهُ البَزَّار (٢٨٨ - زوائد) قال: حدَّثَنا وهب بن يَحيَى بن زِمَامَ القَيسِيُّ، ثنا مَيمُون بن زيدٍ، ثنا الحَسَن بن ذكوان، عن سُليمان الأحولِ، عن عطاءٍ، عن ابن عُمَر مرفوعًا فذَكَره.
ومَيمُون بن زيدٍ ليَّنَه أبو حاتمٍ.
ولكن تابَعَهُ ابنُ المُبارَك، فرواه عن الحَسَن بن ذكوان بهذا الإسناد.
أخرَجَه ابنُ حِبَّان (١٠٥١) من طريق أبي عاصمٍ أحمد بن جَوَّاسٍ الحنَفِيِّ، حدَّثَنا ابن المُبارَك بهذا.
وأحمدُ بنُ جوَّاسٍ أحَدُ شُيوخ مُسلِمٍ وأبي داوُد. وثَّقَهُ مُطَيَّنٌ وابن حِبَّان وأبو عليٍّ الغَسَّانِيُّ ومَسلَمَةُ بن قاسمٍ. وروى عنه مُحمَّد بن مُسلِمٍ بن وَارَة، وأحسن الثَّنَاء عليه.
وقد خالفه الحُسين بن الحسن المَرْوَزِيُّ - أَحَدُ الثِّقات، ومن أصحاب ابن المُبارَك -، فرَوَى هذا الحديث في "كتاب زُهد ابن المُبارَك" (١٢٤٤) قال: أخبَرَنا ابن المُبارَك، أخبَرَنا الحَسَن بن ذَكوَان، عن سُليمان الأحول، عن عطاءٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
следующие страницы →