← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

فهذا يدلُّ على أنَّ شُعبة كان مُستَفهِمًا، لا مُعِلًّا، وقد أجابه القاسمُ بأنَّه سمعه من أبي نَضرة، فلا وَجهَ لإيراد الحديثِ، ولا روايته في "كتاب الضُّعفاء". أمَّا رواية شهر بن حَوْشَبٍ .. فقد أخرَجَها أحمدُ (٣/ ٨٨ - ٨٩) قال: حدَّثَنا أبو اليَمَان، أخبَرَنا شُعيب بن أبي حمزة، حدَّثَني عبدُ الله بن أبي حُسَين، حدَّثَني شَهرٌ، أنَّ أبا سعيدٍ حدَّثَه مَرفُوعًا فذَكَر مثلَه. ورَوَاهُ عبد الحَمِيد بن بَهرَامَ، قال: حدَّثَني شَهرُ بن حَوْشَبٍ، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا. أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٨٩) قال: حدَّثنا أبو النَّضر هاشِمُ بن القاسِم .. والبَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٦/ ٤٣) عن يُونُس بن بُكيرٍ، كلاهما عن عبد الحَمِيد بهذا. ورواه البَيهَقِيُّ أيضًا (٦/ ٤٢ - ٤٣) من طريق مَعقِل بن عبد الله، عن شهرٍ بهذا. وشهرُ بن حَوْشَبٍ مُتكلَّمٌ فيه بكلامٍ كثيرٍ، وخُلاصَة الرَّأي عندي فيه أنَّهُ حَسَنُ الحديث، إلَّا إذا خالَفَه مَن هو أمكنُ منه، وهو هنا مُتابَعٌ مِن قِبَل أبي نَضرة، فهذا يدُلُّ على أنَّهُ حَفِظ. والعلمُ عِند الله تعالَى.

стр. 1192

٣١٤ - سُئلتُ عن حديث: "إذا مُدِحَ المُؤمِن في وَجهِه، رَبَا الإيمانُ في قلبِه". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ الحاكم (٣/ ٥٩٧) قال: أخبَرَنا أبو جعفرٍ مُحمَّد بن عبد الله البَغدادِيُّ .. والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٤٢٤)، قالا: ثنا مُحمَّد بن عَمْرو بن خالدٍ الحَرَّانِيُّ، حدَّثَني أبي، ثنا ابن لَهِيعَة، عن صالح بن أبي عَرِيبٍ، عن خلَّاد بن السَّائِب، قال: دَخَلتُ على أُسامة بن زيدٍ، فمَدَحَني في وَجهِي، فقال: إنَّه حَمَلني أن أَمدَحك في وجهِك أَنِّي سَمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقول: "إذا مُدح المُؤمنُ. . ." الحديث. وهذا إسنادٌ ضعيفٌ، كما قال العِراقيُّ في "تخريج الإحياء"، وتَبِعَه العَجلُونِيُّ في "كشف الخفاء" (١/ ٩٩). وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٨/ ١١٩): "فيه ابن لَهِيعة، وبقيَّة رجاله وُثِّقُوا"، وهو يُشِير بقوله: "وُثِّقُوا" إلى ضعف التَّوثيق الوارد في صالح بن أبي عَرِيبٍ، فلم يُوثِّقه إلَّا ابن حِبَّان، ولذلك قال ابن القَطَّان: "لا يُعرَفُ له حالٌ". أما ابن لهيعة فالكلام فيه كَثيرٌ، خُلاصَتُه أنَّ مَن سَمِع قبل احتراق

стр. 1193

كُتُبه، فروايته أمثلُ من رواية من سَمِع منه بعد احتراق كُتُبه، وعَمْرُو بن خالدٍ الحَرَّانِيُّ ليس من قُدَماء أصحابه. ثُمَّ هذا المتنُ يُخالِف بعض الأحاديث الصَّحيحة، والتي نَهَى فيها رسُولُ الله ﷺ عن مدح الرَّجل أخاه في وجهه. فمن ذلك ما: أخرَجَه البُخاريُّ في "صحيحه" (٥/ ٢٠٢، و ١٠/ ٤٧٦)، وفي "الأدب المُفرَد" (٣٣٣)، ومُسلِمٌ (٣٠٠/ ٣٥ - ٣٦)، وأبو عَوَانة في "المُستخرَج" - كما في "إتحاف المَهَرة" (١٣/ ٥٦٨) -، وأبو داوُد (٤٨٠٥)، والنَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٢٣٩)، وابن ماجَهْ (٣٧٤٤)، وأحمد (٥/ ٤١، ٤٦، ٤٧) وغيرُهم من طريق عبد الرَّحمن بن أبي بكْرَةَ، عن أبيه، أنَّهُم ذَكَرُوا رجُلًا عند النَّبيِّ ﷺ ، فقال رجُلٌ: "يا رسُول الله! ما مِن رجُلٍ بعد رسُول الله أفضلُ منه في كذا"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "ويحك! قَطَعتَ عُنق أخيك"، مِرارًا يقول ذلك، قال رسُول الله ﷺ : "إِن كان أحدُكم مادحًا أخاه لا محالةَ، فليَقُل: أحسَبُ فُلانًا - إِن كان يَرَى أنَّه كذلك -، ولا أُزَكِّي على الله أحدًا، وحسِيبُه الله، أحسَبُه كذا وكذا". وأخرَجَهُ البُخاريُّ (٢٦٦٣، ٦٠٦٠)، وفي "الأَدَب المُفرَد" (٣٣٤)، ومُسلِمٌ (٣٠٠١)، وأبو عَوَانة - كما في "الإتحاف" (١٠/ ٨٦)، وأحمدُ (٤/ ٤١٢) من حديث أبي مُوسَى الأشعريِّ، قال: سَمِع النَّبيُّ ﷺ رجُلًا يُثنِي على رجلٍ، ويُطرِيه في المِدْحَةِ، فقال: "لقد أهلَكتُم - أو: قطعتم - ظَهرَ الرَّجل".

стр. 1194

وأخرَجَ مُسلِمٌ (٣٠٠٢/ ٦٩)، والبُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٣٣٩)، وأبو داوُد (٤٨٠٤)، والتِّرمِذِيُّ (٢٣٩٣)، وابن ماجَهْ (٣٧٤٢)، وأحمدُ (٦/ ٥)، والطَّيَالِسِيُّ (١١٥٨، ١١٥٩)، وابن أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥٩٤) وغيرُهم من حديث المِقداد بن الأَسوَد، قال: "أَمَرَنا رسُول الله ﷺ إذا رَأَينَا المدَّاحين أن نَحثُو في وُجُوهِهم التُّراب". وقد رَوَى هذا المَعنَى جماعةٌ من الصَّحابة، مِنهُم ابن عُمَر، وأبو هُريرَة، وأنَسٌ، وعبد الرَّحمن بن أزهرَ، ومِحجَنٌ الأَدرَعُ ﵃. ولو صحَّ هذا الحديثُ، لكان محمُولًا على من يُوثَق به، وأنَّ المَدحَ لا يُضِيرُه ولا يَغُرُّه، بل يُرجَى خيرُه ببيان فضله وتقدُّمه، كما حدث ذلك من مدح النَّبيِّ ﷺ لأبي بكرٍ، وعُمَر، وعُثمان، وعليٍّ وغيرِهِم ﵃. والله المُوفِّق، لا ربَّ سواه.

стр. 1195

٣١٥ - سُئلتُ عن حديث: "مَن بَاتَ طاهرًا، بَاتَ في شِعَارِه مَلَكٌ، فلا يَستَيقِظُ من اللَّيل إلَّا قال المَلَك: اللَّهُمَّ! اغفِر لعبدِك، كمَا باتَ طاهِرًا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ البَزَّار (٢٨٨ - زوائد) قال: حدَّثَنا وهب بن يَحيَى بن زِمَامَ القَيسِيُّ، ثنا مَيمُون بن زيدٍ، ثنا الحَسَن بن ذكوان، عن سُليمان الأحولِ، عن عطاءٍ، عن ابن عُمَر مرفوعًا فذَكَره. ومَيمُون بن زيدٍ ليَّنَه أبو حاتمٍ. ولكن تابَعَهُ ابنُ المُبارَك، فرواه عن الحَسَن بن ذكوان بهذا الإسناد. أخرَجَه ابنُ حِبَّان (١٠٥١) من طريق أبي عاصمٍ أحمد بن جَوَّاسٍ الحنَفِيِّ، حدَّثَنا ابن المُبارَك بهذا. وأحمدُ بنُ جوَّاسٍ أحَدُ شُيوخ مُسلِمٍ وأبي داوُد. وثَّقَهُ مُطَيَّنٌ وابن حِبَّان وأبو عليٍّ الغَسَّانِيُّ ومَسلَمَةُ بن قاسمٍ. وروى عنه مُحمَّد بن مُسلِمٍ بن وَارَة، وأحسن الثَّنَاء عليه. وقد خالفه الحُسين بن الحسن المَرْوَزِيُّ - أَحَدُ الثِّقات، ومن أصحاب ابن المُبارَك -، فرَوَى هذا الحديث في "كتاب زُهد ابن المُبارَك" (١٢٤٤) قال: أخبَرَنا ابن المُبارَك، أخبَرَنا الحَسَن بن ذَكوَان، عن سُليمان الأحول، عن عطاءٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.

стр. 1196

وأخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٣٠) من طريق سُويد بن نصرٍ، والحَسَن بن عيسى بن مَاسَرجَسَ، قالا: ثنا ابن المُبارَك بهذا الإسناد. وكذلك أخرَجَه الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" - كما في "أطراف الغرائب" (٥/ ٢٣٤) -، عن ابن المُبارَك بمثله. فجعله هؤُلاء عن ابن المُبارَك، من مُسنَد أبي هُريرَة، بدل ابن عُمَر، وليس على واحدٍ من الرُّواة عن ابن المُبارَك عُهدةُ هذا الخلاف، ويدلُّ على ذلك أنَّ أحمد بن الجوَّاسِ رواه عن ابن المُبارَك، فجعله من مُسنَد أبي هُريرَة أيضًا، كما عند ابن عَدِيٍّ. وقد قال الدَّارَقُطنِيُّ: "غريبٌ من حديث سُليمانَ الأحول، خالِ ابن أبي نَجِيحٍ عنه، تفرَّد به الحَسَن بن ذكوان، وعنه عبد الله بن المُبارَك". وإنَّما تقع عُهدةُ هذا الاختلاف على الحَسَن بن ذكوان؛ فقد ضعَّفه أكثرُ النُّقَّاد: أحمدُ، وابن مَعِينٍ، وأبو حاتمٍ، والنَّسَائِيُّ، وابن المَدِينِيِّ، والدَّارَقُطنِيُّ، ومشَّاهُ ابنُ عَدِيٍّ. وكان يُدَلِّس، ولم يُصرِّح بتحديثٍ، ولذلك لم يُصِب الهَيثَمِيُّ، إذْ قال في "مَجمَع الزَّوائد" (١/ ٢٢٦): "أرجو أنَّه حَسَن الإسناد"، وقد رأيتَ ما فيه، لاسيَّما وقد وقَعَ اختلافٌ فيه على عطاء بن أبي رباحٍ. فقد رواه سُليمانُ الأحولُ عنه مرَّةً عن ابن عُمَر، ومرَّةً عن أبي هُريرَة .. ورواه العبَّاسُ بن عُتبَة، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "طَهِّرُوا هذه الأجسادَ، طهَّرَكُم اللهُ! فإنَّه ليس من عبدٍ يَبِيت طاهرًا، إلَّا بات معه في شِعاره ملَكٌ، لا يَنقَلِبُ ساعةً من اللَّيل إلَّا قال:

стр. 1197

اللَّهُم اغفر لعبدك، فإنَّه بات طاهرًا". أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٠٨٧) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن العبَّاس المُؤدِّب، قال: نا عاصم بن عليٍّ، قال: نا إسماعيل بن عيَّاشٍ، عن العبَّاس بن عُتبة، عن عطاء بن أبي رباحٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا. وقال: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عطاء بن أبي رباحٍ إلَّا العبَّاس بن عُتبة، تفرَّد به إسماعيل بن عيَّاشٍ". وجوَّد إسنادَه المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٨٦٨)، والحافظ في "الفتح" (١١/ ١٠٩)، وحسَّنَه الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ١٢٨)! كذا قالوا، وقد علِمتَ ممَّا مضى من التَّخريج أنَّ هذا أحدُ أوجه الاختلاف في الحديث. والعبَّاس بن عُتبة ذَكَرَه الذَّهبِيُّ في "الميزان" (٢/ ٣٨٤)، وقال: "عن عطاءٍ، لا يصحُّ حديثُه، وعنه إسماعيل بن عيَّاشٍ"، وذَكَر هذا الحديثَ، فظاهرٌ من هذه التَّرجمة أنَّه مجهولٌ، فكيف يُجوَّد إسنادُ حديثِه، مع ما فيه من الاختلاف؟! والصَّوابُ أنَّه حديثٌ ضعيفٌ كما قدَّمتُ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1198

٣١٦ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ حافَّتَي نهر الكَوثَر من قِبابِ اللُّؤْلُؤِ المُجوَّف". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ البُخاريُّ في "كتاب الرِّقاق" (١١/ ٤٦٤) قال: حدَّثنا أبو الوليد، حدَّثَنا همَّامٌ، عن قتادة، عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ . ثُمَّ قال البُخاريُّ: وحدَّثَنا هُدبةُ بن خالدٍ، حدَّثَنا همَّامٌ، حدَّثنا قتادة، حدَّثَنا أنَسُ بن مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "بَينَما أنا أسيرُ في الجنَّة، إذ أنا بنهرٍ، حافَّتاه الدُّرُّ المُجوَّفُ، قلتُ: ما هذا يا جبريلُ؟ قال: هذا الكَوثَر الذي أعطاك ربُّك. فإذا طيبُهُ - أو: طينُهُ - مِسكٌ أَذفَرُ"، شكَّ هُدْبةُ. • قلتُ: وشكُّهُ: هل هو بالباء المُوحَّدة من "الطِّيْبِ"، أو هو بالنُّون من "الطِّين"؟ والصَّوابُ الرَّاجح أنَّه بالنُّون. يدلُّ على ذلك أنَّ بقيَّة بن مَخلَدٍ رواه في "جُزء ما رُوِي في الحَوْض والكوثر" (٣٦) قال: حدَّثَنا هُدْبةُ بن خالدٍ، نا همَّام بسَنَده سواء، وفيه: "فضَرَب الملَكُ بيده، فإذا طينتُهُ مسكٌ أذفرُ". وأخرَجَهُ أبو يَعلَى (٢٨٧٦) .. والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١١٧) من طريق الحَسَن بن الطَّيِّب اللَّخمِيِّ، قالا: ثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ بهذا الإسناد، بالنُّون.

стр. 1199

فهذا يدلُّ على أن هُدبةَ كان يشكُّ أحيانًا. وقد رواه البُخاريُّ عن شيخه أبي الوليد، عن همَّامٍ، فلم يشكَّ. وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ١٩١، ٢٨٩) قال: حدَّثَنا بهز بن أَسَد، وعفَّان بن مُسلمٍ، قالا: ثنا همَّامٌ بهذا الإسناد، فقالا: "طينُهُ" بالنون. وأخرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ (١٩٩٢) قال: حدَّثَنا همَّامٌ، عن قتادة بهذا، وفيه: "فأدخلتُ يدي، فإذا ترابُهُ مسكٌ أذفرُ"، وهذا يؤكِّد أنَّه بالنُّون. وأخرجه الخِلَعِيُّ في "الخِلَعِيَّات" (ق ١٣٨/ ١) من طريق عفَّان، ثنا همَّامٌ مثلَه. وأخرَجَه ابن أبي الدُّنيا في "صِفَة الجَنَّة" (٧٦)، عن عبد الصَّمَد بن عبد الوارث، ثنا همَّامٌ بهذا، وعنده: "فَضَرَبَ جِبريلُ بيده، فإذا طينُهُ مِسكٌ أذفَر". وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٢٣١ - ٢٣٢)، وأبو مُحمَّدٍ بنُ فارسٍ في "جزءٍ من حديثه" (ق ٣٥٣/ ١)، وابن بِشرَانَ في "الأمالي" (ج ١٠/ ق ٢١٩/ ٢) عن عبد الوهَّاب بن عطاءٍ الخفَّاف .. وابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (٣٠/ ٣٢٣)، وابن حِبَّان (٦٤٧٤)، والآجُرِّيُّ في "الشَّريعة" (ص ٣٩٥ - ٣٩٦) عن يزيد بن زُريعٍ .. والبزَّارُ (ج ٢/ ق ٨٧/ ٢) عن رَوح بن عُبادَةَ، كلهم، عن سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن أنَسٍ مرفُوعًا، وفيه: "وضرب - يعني: الملَك - بيده، فأخرَج من طينِه المسكَ". وسنده صحيحٌ، ويزيد بن زُريعٍ، وعبد الوهَّاب، من قُدماء أصحاب

стр. 1200

سعيد بن أبي عَرُوبة. وأخرَجَهُ البُخاريُّ (٨/ ٧٣١)، وأبو داوُد (٤٧٤٨)، والنَّسائِيُّ في "التَّفسير" (١١٥٣٣ - الكُبرى)، والتِّرمذِيُّ (٣٣٥٩، ٣٣٦٠)، وعَبدُ بن حُميدٍ (١١٨٩)، وأحمدُ (٣/ ١٦٤، ٢٠٧)، وأبُو يَعلَى (٣١٨٦)، وعبد الرَّزَّاق في "تفسيرِه" (٢/ ٤٠١)، وابن جَريرٍ (٣٠/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، والطَّبَرانِيُّ في "مُسنَد الشَّامِيِّين" (٢٥٧٩)، وفي "الأوسَط" (٢٨٨٥)، والبزَّار (ج ٢/ ق ٨٧/ ٢)، والبَيهَقِيُّ في "البَعث" (١١٥، ١١٨) من طُرُقٍ عن قتادة، عن أنَسٍ، قال: لمَّا عُرِج بالنَّبيِّ ﷺ إلى السَّماء قال: "أَتيتُ على حافَّة نهرٍ حافَّتاه قِبابُ اللؤلُؤ مُجوَّفٌ، فقلتُ: ما هذا يا جِبريلُ؟ قال: هذا الكَوثَرُ". لفظُ البُخارِيِّ. ورواه عن قتادةَ: "مَعمَرُ بن راشدٍ، وشيبانُ بن عبد الرَّحمن، وسُليمان التَّيمِيُّ، والحَكَم بن عبد المَلِك، وسعيدُ بن بَشيرٍ". وقال التِّرمِذِيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ". وأخرَجَه أحمدُ (٣/ ١٥٢، ٢٤٧)، وابنُ حِبَّان (٦٤٧١)، وأبُو يَعلَى (٣٢٩٠)، والبزَّار (٦٨١٢ - البَحر)، وابنُ أبي الدُّنيا في "صفة الجنَّة" (٧٥) مِن طُرُقٍ عن حمَّاد بن سلَمَة، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "أُعطِيتُ الكَوثَرَ، فإذا هُو نَهرٌ يجرِي كذا وَجهَ الأرض، حافَّتاه قِبابُ اللُّؤلُؤ، ليس مشقُوقًا، فَضَربتُ يدي إلى تُربَتِه، فإذا مِسكُهُ ذَفِرَةٌ، وإذا حَصاه اللُّؤلُؤ". وإسنادُهُ صحيحٌ على شَرط مُسلمٍ.

стр. 1201

وأخرَجَه النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (١١٧٠٦)، وأحمد (٣/ ١٠٣، ١١٥ - ١١٦، ٢٦٣)، وابنُ أبي شَيبة (١١/ ٤٣٧، و ١٣/ ١٤٧)، وهنَّاد بن السَّرِيِّ في "الزُّهد" (١٣٤)، والحُسَين المَروَزِيُّ في "زوائده على زُهد ابن المُبارَك" (١٦١٢)، وأبُو يَعلَى (٣٧٢٦، ٣٨٢٣، ٣٢٩٠)، وابن جَريرٍ في "تَفسيرِه" (٣٠/ ٣٢٣ - ٣٢٤)، والبزَّار (٦٦٠٨، ٦٦٠٩ - البَحر)، وابنُ حِبَّان (٦٤٧٢، ٦٤٧٣)، والحاكِم (١/ ٧٩ - ٨٠)، والآجُرِّيُّ في "الشَّريعة" (ص ٣٩٦)، وتمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (٢٣٣)، وأبُو نُعيمٍ في "صفة الجنَّة" (٣٢٧)، واللَّالَكَائِيُّ في "أصول الاعتقاد" (٢٢٥١)، والخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٤٥) مِن طُرُقٍ عن حُمَيد بن أبي حُميدٍ الطَّويل، عن أنسٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "دَخَلتُ الجنَّة، فإذا أنا بِنَهرٍ حافَّتاه خِيامُ اللُّؤلُؤ، فضَربتُ بيدي إلى ما يَجري فيه الماءُ، فإذا هو مِسكٌ أَذْفَرُ، قلتُ: ما هذا يا جِبريلُ؟ قال: هذا الكَوثَر الذي أعطاكَهُ اللهُ". ورَواه عن حُميدٍ الطَّويل خلقٌ، منهُم: "يحيى القطَّانُ، وعبدُ الله بن بكرٍ السَّهميُّ، ومُحمَّدُ بن إبراهيمَ بن أبي عَدِيٍّ، وأبُو بَكرٍ بنُ عيَّاشٍ، وعبيدةُ بن حميدٍ، وخالدُ بن عبد الله، ويَزِيدُ بن زُريعٍ، وإسماعيلُ بن جَعفَرٍ، ومُحمَّدُ بن عبد الله الأنصاريُّ، ومُحمَّدُ بن طلحة، وعبدُ الأعلَى بن عبد الأعلَى، وعبدُ الوهَّاب بن عبد المَجيد الثَّقَفِيُّ … في آخَرين". وله طُرُقٌ عن أنَسٍ وعن جَماعَةٍ من الصَّحابَة ﵃ جميعًا -.

стр. 1202

٣١٧ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ أنهارَ الجنَّة تَجرِي في غير أُخدُودٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ مرفوعًا. أخرَجَه ابن مَردَوَيهِ في "تفسيره" - كما في ابن كَثيرٍ (٧/ ٢٩٧) -، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ٢٠٥)، وفي "صِفة الجنَّة" (٣١٦) من طريق مَهديِّ بن حكيمٍ، ثنا يزيد بن هارُون، أنبأنا الجُرَيرِيُّ، عن مُعاوية بن قُرَّة، عن أنَسٍ مرفوعًا: "لعلَّكُم تَظُنُّون أنَّ أنهار الجنَّة أُخدودٌ؟! لا والله! إنَّها لسائمةٌ على وجه الأَرض، حافَّتاها خيامُ اللُّؤلُؤ، وطينُها المِسك الأذفرُ"، قُلتُ: "يا رسُول الله! وما الأذفرُ؟ "، قال: "الذي لا خَلطَ فيه". وعزاه السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المنثور" (١/ ٣٨) للضِّياء المقدسيِّ في "صِفة الجَنَّة". • قلتُ: وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ والجُرَيرِيُّ اسمه سعيد بن إياسٍ الجُرَيرِيُّ، كان اختلطَ، وسماعُ يزيد بن هارُون مِنه في الاختلاط. وقد اضطرَب فيه: فرواه يعقوبُ بن عُبيدٍ، وبِشر بن مُعاذٍ، كلاهُما عن يزيد بن هارُون، بهذا الإسناد موقُوفًا. أخرَجَهُ ابن أبي الدُّنيا (٦٩)، وأبو نُعيمٍ (٣١٦)، كلاهما في "صفة الجَنَّة".

стр. 1203

ورَجَّح المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٤/ ٥١٨) وقفَه، وقال: "هو أشبه بالصَّواب". وطريق المرفُوع والموقُوف واحدٌ، فلعلَّ قائلًا يقول: "لا يَصِحُّ المرفُوع، ولا الموقُوف". فالجوابُ: إنَّ طريقةَ العُلماء في مِثل هذا أنْ يأخُذُوا بالأقلِّ؛ لأنَّه المُوافِق للاحتياط. واللهُ أعلَمُ. وللمَوقُوف شاهدٌ عن ابن عبَّاسٍ ﵄ .. أخرَجَه ابنُ أبي الدُّنيا في "صفة الجَنَّة" (١٤٠، ١٦٢) قال: حدَّثَنا سُويدُ بنُ سعيدٍ، ثنا عبدُ رَبِّه بنُ بارِقٍ الحَنَفِيُّ، حدَّثَني خالي زُمَيلُ بنُ سِماكٍ، أنَّه سَمِعَ أباهُ يُحدِّثُ، أنَّهُ لَقِيَ عبدَ الله بنَ عبَّاسٍ بالمدينة بعدما كُفَّ بَصَرُهُ، فقال: "يا ابنَ عبَّاسٍ! ما أرضُ الجَنَّة؟ "، قال: "مَرمَرَةٌ بيضاءُ مِن فِضَّةٍ، كأنَّها مرآةٌ"، قلتُ: "ما نُورُها؟ "، قال: "ما رأيتَ السَّاعة التي يكُون فيها طلوعُ الشَّمس؟ فذلك نورُها، إلَّا أنَّها ليس فيها شمسٌ ولا زمهريرُ"، - قال: - قلتُ: "فما أنهارُها؟ أفي أخدودُ؟ "، قال: "لا، لكنَّها تَجرِي في أرض الجَنَّة، مُستَكِفَّةً، لا تفيض ها هنا ولا ها هنا، قال الله لها: كُونِي. فكانت"، قلتُ: "فما حُلَل الجَنَّة؟ "، قال: "فيها شجرةٌ، فيها ثمرٌ كأنَّه الرُّمَّان، فإذا أراد وليُّ الله منها كسوةً، انحدَرَت إليه من غُصنِها، فانفَلَقَت له عن سَبعِين حُلَّة، ألوانًا بعد ألوان، ثُمَّ تَنطَبِق، فتَرجِع كما كانت". وتابَعَهُ زيادُ بن يحيَى، قال: ثنا عبدُ ربِّه بنُ بارِقٍ بهذا الإسناد.

стр. 1204

أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "صفة الجَنَّة" (٣١٧) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ محمَّد بن جعفرٍ، ثنا مُحمَّدُ بنُ العبَّاس، ثنا زيادُ بنُ يحيَى بهذا. وابنُ بارقٍ لا بأس به. وقد تكلَّم فيه ابنُ مَعينٍ وأبُو زُرعة. وزُمَيلٌ هذا ترجَمَه ابنُ أبي حاتمٍ (١/ ٢/ ٦٢٠)، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا. وسماكُ بنُ حربٍ كان تغيَّر في آخر حياتِهِ. وحسَّن إسناده المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٤/ ٥١٨)! وفيه نَظَرٌ. والله أعلمُ. ويُعَضِّد هذا الموقُوفَ بعضُ الشَّواهد المقطوعة .. منها ما: أخرَجَهُ ابن أبي شَيبَة (١٣/ ٩٧)، وهَنَّاد بن السَّرِيِّ في "الزُّهد" (٩٥، ١٠٣)، والمَرْوَزِيُّ (١٤٨٩)، وابنُ صاعدٍ (١٤٩٠)، كلاهما في "الزَّوائد على الزُّهد" لابن المُبارَك، وابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (٥٠٩، ٥١٠، ٥١١)، وابن قُتَيبة في "غريب الحديث" (٢/ ٥٢٢)، والبَيهَقِيُّ في "البَعث" (٢٩٢)، وأبو نُعيمٍ في "صفة الجَنَّة" (٣١٥) من طُرُقٍ عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي عُبيدةَ، عن مسرُوقٍ، قال: "أنهار الجَنَّة تَجرِي في غير أُخدُودٍ، وثَمَرُها كالقِلال، كُلَّما أَخَذَ ثمرةً عادت مكانَها أُخرَى، والعُنقودُ اثنا عشر ذراعًا"، قال عَمْرُو بن مُرَّة: فقلتُ لأبي عُبيدة: من حدَّثك؟. فغَضِب، وقال: مسروقٌ! وسَنَده صحيحٌ. وأخرَجَ أبو نعيمٍ (٣١٨) من طريق إبراهيم بن مُحمَّد بن الحَسَن، ثنا

стр. 1205

عبد الجَبَّار بن العلاء، ثنا سُفيان بن عُيَينة، عن عَمْرو بن دِينَار، قال: سَمِعتُ عُبيد بن عُمير، يقول: "أرضُ الجَنَّة مُستَوِيةٌ، لا تُكْلَمُ - يعني: لا تُشقُّ، ولا تُخَدُّ - أنهارُها". وسندُهُ جيِّدٌ، وإبراهيم بن مُحمَّدٍ ترجمه أبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ١٨٩)، وأثنَى عليه. واللهُ أعلمُ.

стр. 1206

٣١٨ - سألني سائلٌ، فقال: سمعتُ بعض الخُطباء يقول أنَّ بعض أهل الجَنَّة يمارس مهنة الفِلاحةِ في الأرض، فهل هذا صحيحٌ؟ • قلتُ: لعلَّ هذا الخطيبَ يقصدُ ما: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الحرث والمُزارَعة" (٥/ ٢٧)، وفي "التَّوحيد" (١٣/ ٤٨٧) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن سِنان، حدَّثَنا فُلَيحٌ، حدَّثَنا هلالٌ، عن عطاء بن يسارٍ، عن أبي هُريرَة، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يومًا يُحدِّث، وعنده رجلٌ من أهل البادية: "أنَّ رجُلًا من أهل الجَنَّة، استأذن ربَّه في الزَّرع، فقال له: أَوَلَستَ فيما شئتَ؟ قال: بلى، ولكنِّي أُحِبُّ أن أزرع. فأسرع، وبَذَر، فتبادرَ الطَّرْفَ نباتُهُ واستواؤُهُ، واستحصادُهُ، وتكويرُهُ أمثالَ الجِبال، فيقول الله تعالى: دُونك يا ابن آدم! فإنَّه لا يُشبِعُك شيءٌ! "، فقال الأعرابيُّ: "يا رسُول الله! لا تَجِد هذا إلَّا قُرَشيًّا أو أنصاريًّا؛ فإنَّهم أصحابُ زرعٍ، فأما نحنُ فلسنا بأصحاب زرعٍ"، فضَحِك رسُول الله ﷺ . وأخرجَه البُخاريُّ في "الحَرْث" (٥/ ٢٧) قال: حدَّثَني عبد الله بن مُحمَّدٍ .. وأحمد في "المُسنَد" (٢/ ٥١١ - ٥١٢)، قالا: ثنا عبدُ الملك بن عَمْرٍو أبو عامرٍ العَقَدِيُّ، قال: ثنا فُليحُ بن سليمان بهذا الإسناد سواء.

стр. 1207

٣١٩ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يَدخُل الجَنَّة جسدٌ غُذِّي بالحرام". • قلتُ: هذا حديثٌ جيِّدٌ. أخرَجَهُ عَبدُ بن حُميدٍ في "المنتخَب" (٣)، وأبو بكرٍ المَرْوَزِيُّ في "مُسنَد أبي بَكرٍ الصِّدِّيق" (٥١)، وأبو يَعلَى (٨٤) عن أبي داوُد الطيالسي .. والحاكم (٤/ ١٢٧)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٥٩٦١)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٥٧٦٠) عن قُرَّة بن حبيبٍ .. والمَرْوَزِيُّ (٥٠)، وابن حِبَّان في "المجروحين" (٢/ ١٥٥)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٩٣٦)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٥٧٥٩)، عن أبي عُبيدة الحدَّادِ عبد الواحد بن واصلٍ .. والبَزَّار (٤٣ - البحر) عن أبي عبيدة إسماعيلَ بنِ سِنانَ البَصريِّ، كُلُّهم عن عبد الواحد بن زيدٍ البصريِّ، عن أَسلَمَ الكُوفيِّ، عن مُرَّة الطَّيِّبِ، عن زيد بن أَرقَم، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق مرفُوعًا. ووقع عند البَيهَقِيُّ سَببُ ذكر هذا الحديثِ، فعنده … عن زَيد بن أرقم، قال: كنتُ عند أبي بكرٍ، فأتاه غلامٌ له بطعامٍ، فأهوَى إلى لقمةٍ فأكَلَهَا، ثم سألَه مِن أين اكتسَبَه؟ قال: "كنتُ قِسًّا للقومِ في الجاهليَّة، فأوعَدُونِي، فأطعَمُونِي هذا - يعني: اليوم -"، فقال: "لا أَراك إلَّا

стр. 1208

أطعمتني ما حرَّم اللهُ ورسولُهُ"، ثُمَّ أدخَلَ أصبعيه فتقيَّأ، ثم قال: "سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يقول: أيُّما لحمٍ نبَتَ مِن حرامٍ فالنَّارُ أولَى به". • قلتُ: ورَبْطُ سببِ الحديثِ به مُنكَرٌ عندي مِن هذا الوَجه، أمَّا الذي ثَبَتَ هو فِعلُ أبي بكرٍ ﵁ ذلك مِن وجهٍ آخَر .. أخرجَهُ البُخاريُّ في "مَنَاقب الأنصار" (٧/ ١٤٩) مِن حديثِ يحيَى بن سعيدٍ، عن عبد الرَّحمَن بن القاسِم، عن القاسِم بن مُحمَّدٍ، عن عائِشةَ ﵂، قالت: كان لأبِي بكرٍ غلامٌ يُخرِج له الخَراجَ، وكان أبو بكرٍ يأكُلُ مِن خَراجِه، فجاء يومًا بشيءٍ، فأكل مِنه أبو بكرٍ، فقال له الغُلامُ: "تَدرِي ما هذا؟ "، فقال أبو بكرٍ: "وما هو؟ "، قال: "كُنتُ، تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليَّة، ومَا أُحسِن الكَهانَةَ، إلَّا أنِّي خدعتُهُ، فلَقِيَنِي فأعطاني بذلك، فهذا الذي أكلتَ منه"، فأدخل أبُو بكرٍ يده، فقاء كلَّ شيءٍ في بطنِه (١).

стр. 1209

وقد اختُلِف على عبد الواحد بن زيدٍ في إسناده .. فرواه أبو عبيدة الحدَّادُ أيضًا، عن عبد الواحد بن زيدٍ، عن فَرقدٍ السَّبَخِيِّ، عن مُرَّة الطَّيِّبِ، عن زيد بن أرقم، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق مرفُوعًا مثله. فصار شيخَ عبدِ الواحد "فرقدٌ"، لا "أَسلَمَ". أخرَجَهُ أبو يعلى (٨٣)، وعنه ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٥/ ١٩٣٦) قال: حدَّثَنا يحيى بن مَعِينٍ، ثنا أبو عبيدة الحدَّادُ بهذا. قال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن أبي بكرٍ إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به عبد الواحد بن زيدٍ". • قلتُ: وهو ضعيفٌ جدًّا، قال ابن مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ"، وقال البُخاريُّ: "تركوه"، وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بثقةٍ"، وقال السَّعدِيُّ: "سيِّءُ المذهب، ليس من معادن الصِّدق"، وكان عبدُ الواحد صاحبَ مواعظَ، ولكنَّه غَفَل عن ضبط الحديث، فاستحقَّ التَّركَ، وقد اضطربَ في إسناده، كما قدَّمتُ. وأسلمُ الكوفيُّ مجهولٌ. وفرقدٌ السَّبَخِيُّ ضعيفٌ. ولا يصحُّ الحديث من هذا الوجه بحالٍ. والله أعلَمُ. وله شاهِدٌ مِن حديثِ جابر بن عبد الله ﵄، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لكَعب

стр. 1210

ابن عُجرَةَ: "أَعَاذك اللهُ مِن إمارة السُّفَهَاء"، قال: "وما إمارَة السُّفَهَاء؟ "، قال: "أُمَرَاءُ يكُونُون بعدِي، لا يَقتَدُون بِهَديي، ولا يَستَنُّون بسُنَّتي، فَمَن صدَّقَهُم بِكَذِبِهِم وأعانَهُم على ظُلمِهِم، فأولئك لَيسُوا مِنِّي، ولستُ مِنهُم، ولا يَرِدُوا عَليَّ حَوضي، ومَن لم يُصدِّقهُم بكَذِبِهِم، ولم يُعِنهُم على ظُلمِهِم، فأُولئك مِنِّي، وأنا مِنهُم، وسَيَرِدُوا علَيَّ حَوضِي. يا كعبَ بنَ عُجرة! الصَّومُ جُنَّةٌ، والصَّدَقةُ تُطفِئُ الخَطيئةَ، والصَّلاةُ قُربانٌ - أو قال: بُرهانٌ -. يا كَعبَ بن عُجرةَ! إنَّه لا يَدخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نَبَتَ مِن سُحتٍ، النَّارُ أولَى به. يا كعبَ بن عُجرة! النَّاسُ غادِيان، فمُبتاعٌ نفسَه فمُعتِقُها، وبائعٌ نفسَه فمُوبِقُها". أخرَجَه أحمدُ (٣/ ٣٢١)، ومِن طريقِه البَيهَقِيُّ في "الدَّلائل" (٦/ ٥٢٢)، وابنُ حِبَّان (٤٥١٤)، والحاكِمُ في "الفِتَن" (٤/ ٤٢٢ - المُستدرَك)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٩٣٩٩)، وفي "الدَّلائِل" (٦/ ٥٢٢)، وفي "الآداب" (٤٠٤) عن إسحاق بن إبراهيم الدَّبَرِيِّ، قال: ثنا عبد الرَّزَّاق - وهذا في "مُصنَّفِه" (٢٠٧١٩) -، قال: أخبَرَنا مَعمَرٌ، عن عبد الله بن عُثمان بن خُثَيمٍ، عن عبد الرَّحمَن بن سابطٍ، عن جابر بن عبد الله فذَكَرَه بِتمامِه. قال الحاكِمُ: "صحيحُ الإسناد". • قلتُ: إسنادُهُ جَيِّدٌ، وابنُ خُثيمٍ صدوقٌ. ولكن قال ابن مَعِينٍ: "عبد الرَّحمَن بن سابطٍ لَم يَسمع مِن جابِرٍ". وخالَفَهُ أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ - كما في "الجرح والتَّعديل" (٢/ ٢/ ٢٤٠)

стр. 1211

لولدِهِ -، قال: "عبدُ الرَّحمن بن سابطٍ، عن جابر بن عبد الله: مُتَّصِلٌ"، وقد وَقَعَ تصريحُه مِن جابرٍ بالسَّمَاع عند: أبي يَعلَى، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب"، والخطيب في "تلخيص المُتَشابِه"، والبَغَوِيُّ في "شَرح السُّنَّة". وأخرَجَه الدَّارِمِيُّ (٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦)، والطَّحاوِيُّ في "المُشكِل" (١٣٤٥)، وابن حِبَّان (١٧٢٣) عن حمَّاد بن سَلَمَة .. وابن زنجَوَيه في "الأموال" (١٣١٦)، والأصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢٠٧٩) عن داوُد بن عبد الرَّحمن .. والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٥٧٦١)، والخَطيب في "تلخِيص المُتشابه" (٢/ ٨٢٥) عن عليِّ بن عاصمٍ .. والبزَّارُ (١٦٠٩ - كشف)، والحاكم في "معرِفَة الصَّحابَة" (٣/ ٤٧٩ - ٤٨٠) عن وُهَيبٍ بن خالِدٍ .. وأبُو يَعلَى (١٩٩٩) عن يحيى بن سُلَيمٍ .. وأبُو نُعَيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٢٤٧) عن زائدة بن قُدامَة .. والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٨/ ٨ - ٩) عن زهير بن مُعاوِية، كلُّهُم عن أبي خُثيمٍ بهذا الإسناد، مُطوَّلًا ومُختَصَرًا. وهو بِتمامِه عند البَيهَقِيِّ (٥٧٦١)، والبزَّار، والأصبَهَانيِّ، والبَغَوِيِّ، وأبي نُعَيمٍ، وابن حِبَّان (١٧٢٣). وببعضِه عند الباقين. ومحلُّ الشَّاهِد منه عند الدَّارِمِيِّ. وقد وَرَدَ هذا الحديثُ مِن حديثِ كعب بن عُجرةَ نفسِه، وصحَّحه

стр. 1212

التِّرمِذيُّ (٢٢٥٩)، وابن حِبَّان (٢٧٩، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٥)، والحاكم (١/ ٧٨ - ٧٩)، وأخرجَه آخَرُون معهم مِن أوَّله حتى قوله: "وَسَيردوا عليَّ الحوض". ولِحَديث البابِ شاهدٌ عن حُذيفة بن اليَمان ﵁ .. أخرَجَه الطَّبرانِيُّ في "الأوسَط" (٦٦٧٥) قال: حدَّثنا مُحمَّد بن الحسن بن قُتيبَة، ثنا إبراهيمُ بن خَلَف الرَّمليُّ، ثنا أيُّوب بن سُويدٍ، عن سُفيان الثَّوريِّ، عن عبد المَلِك بن عُمَيرٍ، عن رِبعِيِّ بن حِراشٍ، عن حُذَيفة مرفوعًا: "لا يَدخُل الجَنَّة لحمٌ نبت مِن سُحتٍ". قال الطَّبَرانِيُّ: "لا يَروِي هذا الحديثَ عن سُفيانَ إلَّا أيُّوب بن سُوَيدٍ. تفرَّد به: إبراهيمُ بن خَلَفٍ". • قلتُ: وإبراهيمُ هذا قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ٢٩٣): "لم أعرفه"، ولم أجِد له تَرجَمةً، وراجَعتُ ترجَمَة أيُّوب بن سُوَيدٍ فرأيتُ في الرُّواة عنه ثلاثةً ممَّن يُسمَّون إبراهيم، فنَظَرتُ في تَراجِمِهم، فرأيتُ في ترجَمَة الثَّاني مِنهم، وهو إبراهيم بن مُحمَّد بن يُوسُف الفِريابِيُّ - وليس ابنًا لصاحِبِ الثَّورِيِّ -، فرأيتُهُ يَروِي عن أيُّوب بن سُوَيدٍ، وعنه: مُحمَّد بن الحَسَن بن قُتَيبَة، فوَقَع في قَلبي أن يَكون هو، ووقَعَ تحريفٌ في اسم أبيه، ولستُ أجزِمُ بذلك. فإن يَكُنهُ فقد قال أبو حاتِمٍ: "صَدُوقٌ"، وَجَرَحه الأزدِيُّ، ورَدَّه الذَّهَبِيُّ. وآفَةُ هذا الإسناد أيُّوبُ بن سُوَيد؛ اتَّهَمَه ابن مَعِينٍ بِسَرِقة الأحاديث، وقال النَّسائِيُّ: "ليس بِثِقَةٍ"، وضعَّفَهُ أكثرُ النُّقَّاد.

стр. 1213

أمَّا الهَيثَمِيُّ فقال (١٠/ ٢٩٣): "وهُو مِن روايَة أيُّوب بن سُوَيدٍ، عن الثَّورِيِّ، وهي مُستَقيمَةٌ"!! كذا قال! ولا أدري وَجهَ استِقامَتِها؟ بل هذا مُنكَرٌ عن الثَّورِيِّ؛ ومِن علامَة المُنكَر أن يَنفَرد ضعيفٌ عن شيخٍ ثِقةٍ له أصحابٌ مُتوافِرُون، مثل الثَّوريِّ. وقد صرَّح الطَّبَرانِيُّ بتفرُّدِه. وهذا مِثالٌ مِن أمثلةٍ كثيرةٍ تدُلُّ على تساهُل الهَيثَمِيِّ ﵀. ثُمَّ علمتُ مُستندَ الهَيثمِيِّ في ذلك. قال ابن حِبَّان في ترجَمة أيُّوب بن سُوَيدٍ: "كان رديءَ الحِفظِ، يُخطِئُ. يُتَّقَى حديثُه مِن روايةِ ابنِهِ مُحمَّد بن أيُّوب عنه؛ لأنَّ أخبارَه إذا سُبِرَت مِن غير رِوايَة ابنِهِ عنه وُجِد أكثَرُها مُستَقِيمةً". فنَظَر الهَيثَمِيُّ في الإسناد، فإذا هو ليس مِن رِوايَة مُحمَّد بن أيُّوب، عن أبيه، فظنَّ أنَّها مُستَقيمةٌ!! وكلامُ ابنِ حِبَّان لا يدُلُّ على أنَّه إذا رَوى عن أيُّوب بن سُوَيدٍ غيرُ ولده مُحمَّدٍ أنَّ الرِّوايَةَ مُستَقيمةٌ، بل قال: "وُجِد أكثرُها مُستقيمةً"، وقد أورَدَ ابن عَدِيٍّ في ترجَمة أيُّوب هذا جُملَةً مِن مناكِيرِه مِن غيرِ رِوايَة وَلَدِه عنه، وخَتَمَ تَرجَمَتَه بقولِهِ: "له حديثٌ صالحٌ، عن شُيُوخٍ معروفين … - وذَكَر منهم: الثَّوريَّ. ثُمَّ قال: - ويَقَعُ في حديثِه ما يُوافِقُه الثِّقاتُ عليه، ويَقَعُ فيه ما لا يُوافِقُونَه عليه، ويُكتَب حديثُهُ في جُملة الضُّعَفاء" انتهَى. يعني: للاعتبار. وله شاهدٌ مِن حديث عُقبةَ بن عامرٍ الجُهَنِيِّ ﵁ ..

стр. 1214

أخرَجَهُ البَيهَقيُّ في "الشُّعَب" (٥٧٥٧) مِن طريق أبي حاتمٍ الرَّازِيِّ، ثنا عبد الله بن جعفرٍ، ثنا عُبيد الله بن عمرٍو، عن مُحمَّد بن إسحاق، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عبد الرَّحمن بن شُمَاسَةَ، عن عُقبَةَ بنِ عامِرٍ مرفوعًا: "لا يَدخُلُ الجنَّةَ لحمٌ ودمٌ نَبَتَ مِن نجسٍ". كذلك وَقَعَ في مطبُوعة "الشُّعَب". وراجَعتُ مطبوعة الهند (١٠/ ٣٣٠/ ٥٣٧٣)، فرأيتُهُ كذلك، وأظُنُّ صوابَه: "سُحت". والله أعلم. وهذا سَنَدٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ليس فيه عِلَّةٌ إلَّا عنعنةُ ابن إسحاق. والله أعلم. وله شاهدٌ مِن حديثِ ابن عبَّاسٍ ﵁ .. أخرَجَهُ الطَّبرانيُّ في "الأوسَط" (٦٤٩٥) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن عيسى بن شيبَةَ، قال: حدَّثَنا الحَسَن بن عليٍّ الاحتياطِيُّ، قال: حدَّثَنا أبو عبد الله الجُوْزْجانِيُّ رفيقُ إبراهيمَ بنِ أدهَمَ، قال: حدَّثَنَا ابن جُرَيجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاس، قال: تُلِيَت هذه الآيَةُ عند رسول الله ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨]، فقام سعدُ بن أبي وقَّاصٍ، فقال: "يا رسُولَ الله! ادعُ الله أن يَجعَلَنِي مُستَجابَ الدَّعوة"، فقال له النَّبيُّ ﷺ : "يا سَعدُ! أَطِب مَطعَمَك تَكُن مُستَجَابَ الدَّعوةِ. والذي نفسُ مُحمَّدٍ بيده! إنَّ العبد لَيَقذِفُ اللُّقمَة الحَرام في جَوفِهِ، ما يُتقبَّلُ مِنهُ عملُ أربَعين يومًا. وأيُّما عبدٍ نَبَتَ لحمُهُ من السُّحت والرِّبا فالنَّار أولَى به". ومِن طريق الطَّبرانِيِّ أخرَجَه عنه ابنُ مَردويه في "تفسيره" - كما في "ابن كثيرٍ" (١/ ٢٩٢ - طبع الشَّعب) -.

стр. 1215

وَعَزَاه المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢/ ٥٤٨) لـ "الصَّغير"، وَتَبِعَه الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١٠/ ٢٩١)، وهو وَهَمٌ. وتخلَّص الدِّمياطِيُّ مِن هذا، وعَزاه في "المَتجَر الرَّابح" (١٤٩٠) للطَّبَرانِيِّ، هكذا دون تعيين الكتاب. قال الطَّبَرانِيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن ابن جُريجٍ إلَّا بهذا الإسناد. تفرَّد به: الاحتِياطِيُّ". • قلتُ: وهذا حديثٌ مُنكَرٌ جِدًّا؛ والحَسَنُ بن عليٍّ الاحتِياطيُّ - هكذا وَقَع نَسَبُهُ في هذه الرِّواية، وصوابُ اسمِهِ: الحَسَن بن عبد الرَّحمن بن عبَّادٍ بن الهَيثم بن الحَسَن بن عبد الرَّحمن الفَزَارِيُّ المعروف بالاحتياطِيِّ -، قال ابن عَدي في "الكامل" (٢/ ٧٤٦): "نَسَبَهُ لي مُحمَّدُ بن العبَّاس الدِّمَشقِيُّ. يَسرِقُ الحديثَ. مُنكَرٌ عن الثِّقات"، وساق له أحاديثَ مناكِيرَ عنِ شُيُوخٍ ثقاتٍ، ثُمَّ خَتَمَ تَرجَمَتَه بقولِهِ: "ولا يُشبِهُ حديثُهُ حديثَ أهلِ الصِّدق". وكذلك تَرجَمَه الخطيبُ في "تاريخه" (٧/ ٣٣٧)، والسَّمعانيُّ في "الأنساب" (١/ ١٤٠)، وأورَدَ له الخطيبُ حديثًا باطلًا، وقال: "رَوَى عنهُ غيرُ واحدٍ، فسمَّاه الحُسَين"، ثُمَّ أعاد الخطيبُ ذِكرَه (٨/ ٥٧)، ونَقَل عن أبي بكرٍ المَروَزِيِّ أنَّه سأل الإمامَ أحمدَ عن الاحتياطِيِّ: "أتَعرِفُهُ؟ "، قال: "يُقال له: حُسَينٌ. أَعرِفُه بالتَّخليط، وذَكَرَ أنَّه دَخَل مع إنسانٍ في أمر السُّلطان". وجَرَى الذَّهَبِيُّ على هذا التَّفريقِ في "ميزانه"، وتَبِعه الحافظُ في "لسانه"،

стр. 1216

ونَقَل الأوَّلُ منهما في ترجَمَة "الحَسَن" أنَّ الأزدِيَّ قال: "لو قُلتُ: كان كذَّابًا، لَجَازَ"، قال الذَّهَبِيُّ: "هو مُقرِئٌ له مَنَاكيرُ"، ثُمَّ أعاده الذَّهبيُّ فيمن اسمه حُسَين، وقال: "لعلَّه الاحتياطِيَّ؛ فإنَّه غيرُ مُعتَمَدٍ. قال ابن المَدِينِيِّ: تَرَكُوا حديثَه"، ولعلَّ الذي عَناه ابنُ المَدِينِيِّ آخَرَ غير الاحتياطِيِّ، ولم أَرَ أحَدًا نقل كلام ابن المَدِينِيِّ فيه. والله أعلم. وبالجُملَة، فهذا الاحتياطيُّ ساقطٌ. وخَفِيَ أمرُهُ على ابن حِبَّان، فَذَكَره في "الثِّقات" (٨/ ١٧٩ - ١٨٠)!! وأبو عبد الله الجُوزْجانِيُّ شيخُ الاحتياطيِّ لم أعرِفه، وله ذِكرٌ في "تاريخ دمشق" (٦/ ٣٠٢) في قصَّة وفاة إبراهيمَ بن أدهم، وذكرها المِزِّيُّ في "التَّهذيب" في ترجمة إبراهيم. أمَّا شيخُ الطَّبَرانِيِّ فهُو مِن رجال "التَّهذيب". رَوَى عنه النَّسائِيُّ في "حديث مالكٍ"، ولا أعلَم مِن حالِه شيئًا. والله أعلَم. ووجدتُ لبعضِه طريقًا آخَر عن سعد بن أبي وقَّاصٍ .. أخرَجَه ابن عساكر في "تاريخِهِ" (٢٢/ ٢٣١ - ٢٣٢) مِن طريق مُحمَّد بن إدريسَ، ثنا مُحمَّد بن عائذٍ الدِّمَشقِيُّ، حدَّثَني الهَيثَم بن حُمَيدٍ، ثنا مُطْعِمٌ - يعني: ابن المِقدام الصَّنعانيَّ -، أنَّ سعد بن أبي وقَّاصٍ قال: "يا رسُول الله! ادعُ الله أن يستَجيبَ دُعائي"، قال: "يا سَعدُ! إنَّ الله لا يَستَجيبُ دُعاء عبدٍ حتَّى تَطِيبَ طُعمَتُهُ"، قال: "يا رسُول الله! ادعُ الله أن يُطيِّب طُعمَتِي؛ فإنِّي لا أقوَى إلَّا بدُعائك"، فقال: "اللهُمَّ! أَطِب طُعمَةَ سعدٍ"، فإن كان سعدٌ لَيَرَى السُّنبُلَةَ مِن القمحِ في حَشيش دوابِّه

стр. 1217

حين أُتي به عليه، فيقُول لهم: "رُدُّوها مِن حيثُ حصدتموها". وهذا سندٌ رجالُهُ ثقاتٌ، لكنَّه منقطِعٌ؛ والمُطعِمُ بن المِقدام لم يُدرك أحدًا من الصَّحابة. ومُحمَّدُ بن إدريس هو أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، الإمامُ مُنقَطِع القَرين. ومُحمَّد بن عائذٍ ثقةٌ، استَغربتُ حُكم الحافظ عليه في "التَّقريب"، فقال: "صَدُوقٌ"، ولَيسَ فيه ثَمَّةَ مَغمَزٍ سوى قول أبي داوُد: "وَلِيَ خَراجًا"، وهذا ليس بجَرحٍ كما لا يَخفَى. والهَيثَمُ بنُ حُميدٍ وثَّقه النُّقَّاد، ولم يُضَعِّفه إلا أبو مُسهِرٍ، ولم يُبدِ حُجَّةً في تَضعيفه سوى أن قال: "كان صاحبَ كُتُبٍ، ولم يكُن مِن الأثبات ولا مِن أهل الحِفظ، وقد كنتُ أمسكتُ عن الحديثِ عنه؛ استضعفتُهُ"، فكأنَّه استَضعَفَه لأنَّه لم يَكُن يحفظ، وهذا لا شيء فيه إذا كان يُحدِّثُ مِن كتابِهِ، فلو قال: "كان يُحدِّثُ مِن حِفظه، ولم يَكُن جيِّدَ الحِفظ" لَكَان مُحِقًّا في تضعيفِهِ. وقد وثَّقَهُ دُحَيمٌ، وهو أَحَدُ أئمَّة الشَّامِيِّين، وأثنَى عليه أبُو زُرعة الدِّمَشقِيُّ. والله أعلم. والمَحفُوظ في هذا الحديث ما: أخرَجَه مُسلمٌ (١٠١٥)، والبَيهَقِيُّ (٣/ ٣٤٦) عن حمَّاد أسامة .. والتِّرمِذِيُّ (٢٩٨٩)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٢١٠ - ٢١١)، والبُخَاريُّ في "رفع اليَدَين" (٩٤)، والبَيهَقِيُّ (٣/ ٣٤٦) عن الفَضل بن دُكَين .. وأحمدُ (٢/ ٣٢٨) قال: حدَّثنا أبُو النَّضر - هو: هاشم بن القاسم - .. والبزَّار (ج ٢/ ق ٢٥٧/ ٢) عن أبي أحمد الزُّبَيريِّ، قالُوا: ثَنا فضيلُ بن

стр. 1218

مرزوقٍ، عن عَدِيِّ بن ثابتٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هُريرة ﵁، قال: قال رسُول الله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ! إنَّ الله طيِّبٌ لا يَقبَل إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله أَمَر المُؤمِنين بما أمَرَ به المُرسَلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]- ثمَّ ذَكَر الرَّجُلَ يُطيل السَّفَرَ، أشعَثَ أغبَرَ، ثُمَّ يمدُّ يده إلى السَّماء: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعمُهُ حرامٌ، ومشرَبُهُ حرامٌ، ومَلبَسُهُ حرامٌ، وغُذِّي بالحَرام، فأنَّى يُستَجابُ لذلك؟! -". قال البزَّارُ: "لا نَعلَم رواه عن عَدِيِّ ين ثابتٍ إلَّا فُضَيلُ بنُ مرزوقٍ". ولحديث التَّرجة شاهدٌ خامسٌ عن عبد الرَّحمن سمرة ﵁ .. أخرَجَه الحاكمُ في "الأطعمة" (٤/ ١٢٦ - ١٢٧) قال: أخبَرَنا أبُو جعفرٍ مُحمَّد بن مُحمَّدٍ البَغداديُّ، ثنا أبو زُرعَة عبد الرَّحمن بن عمرٍو الدِّمَشقِيُّ، ثنا سعيدُ بنُ بَشيرٍ، عن قَتادَة، عن الحَسَن، عن عبد الرَّحمن بن سَمُرة ﵁، قال: قال رسُول الله ﷺ : "أعاذَكَ اللهُ مِن أُمَراء يُكُونُون بعدي"، قال: "ومن هُم يا رسُول الله؟ "، قال: "مَن دَخَل عَليهم فصدَّقَهُم وأعانَهُم في جَورِهِم، فليس مِنِّي، ولا يَرِدُ عليَّ الحَوضَ. اعلم يا عبدَ الرَّحمن! أنَّ الصِّيام جُنَّةٌ، والصلاةَ بُرهانٌ. يا عبدَ الرَّحمَن! إنَّ الله أَبَى عليَّ أن يُدخِل الجَنَّةَ لحمًا نَبَتَ من سُحتٍ؛ فالنَّار أولَى به". ورواه زيدُ بن يحيى بن عُبيدٍ الدِّمَشقِيُّ، قال: ثنا سعيدُ بن بَشيرٍ بهذا الإسناد، بلفظ: "يا عبدَ الرَّحمن! أعاذَكَ اللهُ … الخ".

стр. 1219

أخرَجَه الخطيبُ في "تاريخه" (١٢/ ١١٠) مِن طريق عليِّ بن نوح بن مَعبَدٍ البَغدادِيِّ، ثنا زيدُ بن يَحيَى بهذا. قال الحاكِم: "هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد"! كذا قال! وسعيد بن بشيرٍ مُنكَرُ الحديثِ في قَتادَةَ. والحَسَن البَصريُّ مُدلِّسٌ، وتوقَّف بعض الحُفَّاظ في سماعِهِ مِن عبدِ الرَّحمن بن سَمُرة، وعِندِي أنَّه سمع. والله أعلم. وشاهدٌ سادسٌ من حديث ابنِ عبَّاسٍ ﵄ .. أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان في "المَجروحين" (١/ ٢٤٣)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "المَوضُوعات" (١٢٢٦) قال: أنبأنا الحُسين بن عبد الله القطَّانُ بالرَّقَّة، ثنا الوليد بن عُتبة، ثنا مُحمَّد بن حِمْيَرٍ، ثنا إسماعيلُ بنُ عيَّاشٍ، عن حَنَشٍ، عن عكرمة، عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا: "مَن أكل درهمًا من ربًا فهو مثل ستَّةٍ وثلاثين زنيةً، ومَن نَبَت لحمُهُ من السُّحتِ فالنَّار أولَى به". وسنَدُهُ ساقطٌ؛ لحال حنشٍ هذا. وقد فصَّلتُ حالَهُ في هذا الكتاب برقم (٣٦٤). وانظُر "تنبيه الهاجد" (١٨٩٢). والحمدُ لله تعالى. وخُلاصة الكَلام .. أنَّه لم يصحَّ مِن هذه الأحاديث إلَّا حديثُ جابرٍ. والله أعلمُ.

стр. 1220

٣٢٠ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ الله تعالى يقولُ: أنا اللهُ، لا إله إلَّا أنا، مالِكُ المُلوك، ومَلِك المُلوك، قلوبُ المُلوك في يَدِي، وإنَّ العباد إذا أطاعُونِي، حوَّلتُ قلوب مُلُوكِهم عليهم بالرَّأفة والرَّحمة، وإنَّ العباد إذا عَصَونِي، حوَّلتُ قلوبهم عليهم بالسَّخْطَة والنِّقمة، فسامُوهُم سوء العذاب، فلا تَشغَلُوا أَنفُسَكم بالدُّعاء على المُلوك، ولكن اشتَغِلوا بالذِّكر والتَّضَرُّع إليَّ، أَكْفِكُم مُلُوكَكُم". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرَجَهُ ابن حِبَّان في "المجروحين" (٣/ ٧٦) عن أحمد بن عبد المُؤمِن المَرْوَزِيِّ .. والطَّبَرانِيُّ في "الأوسط" (٨٩٦٢)، وعنه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٢/ ٣٨٨) قال: حدَّثَنا مِقدام بن داوُد، قالا: ثنا عليُّ بن مَعْبدٍ الرَّقِّيُّ، ثنا وَهْبُ بنُ راشدٍ، ثنا مالكُ بنُ دينارٍ، عن خِلَاسِ بن عَمْرٍو، عن أبي الدَّرداء، عن رسُول الله ﷺ ، قال: … فذَكَرَه. قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن مالك بن دينارٍ إلَّا وهب بن راشدٍ". وقال أبو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديث مالكٍ مرفُوعًا، تفرَّد به عليُّ بن

стр. 1221

مَعْبدٍ، عن وهب بن راشدٍ". • قلتُ: وسَنَده ضعيفٌ جدًّا؛ وآفته وهبُ بنُ راشدٍ. قال ابن حِبَّان: "شيخٌ يَروِي عن مالك بن دينارٍ العجائبَ، لا تحلُّ الرِّواية عنه، ولا الاحتجاجُ به"، وذكرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٢٠٦)، وقال: "يرويه وهب بن راشدٍ، وهو ضعيفُ جدًّا، متروكٌ، ولا يصحُّ هذا الحديث مرفُوعًا، ورواه جعفر بن سُليمان، عن مالك بن دينارٍ، أنَّه قرأ في بعض الكُتُب هذا الكلام، وهو أشبه بالصَّواب" انتهى.

стр. 1222

٣٢١ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّما العلم، بالتَّعلُّم، وإنما الحِلم بالتَّحلُّم، من يتحرَّ الخيرَ يُعطَه، ومن يتوقَّ الشَّرَّ يُوقَه، ثلاثٌ من كُنَّ فيه لم يَسكُن الدَّرجات العُلا، ولا أقول لكم الجَنَّة: من تكهَّن، أو استَقْسَم، أو رَدَّه من سفرٍ تطيُّرٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. وقد وَرَد من حديث أبي هُريرَة، وأبي الدَّرداء، ومُعاوية بن أبي سُفيان ﵃. * أوَّلًا: حديث أبي هُريرَة ﵁. أخرَجَهُ الخطيب في "تاريخه" (٩/ ١٢٧) من طريق سعد بن زُنبُورَ، حدَّثَنا إسماعيل بن مُجالِدٍ، عن عبد المَلِك بن عُمير، عن رجاء بن حيوة، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَه دون قوله: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه … الخ". وإسماعيلُ بنُ مُجالِدٍ مُختلَفٌ فيه، قال أحمد والبُخاريُّ: "صدوقٌ"، ووثَّقَهُ ابن مَعِينٍ في روايةٍ، وضعَّفه النَّسَائِيُّ والعُقيليُّ، وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "لا شكَّ أنه ضعيفٌ"، وذَكَرَه ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" وقال: "يُخطِئ". وقد خُولِف في إسناد هذا الحديث .. خالفه رقبةُ بنُ مَصقَلَة، فرواه عن عبد المَلِك بن عُمير، عن رجاء بن حَيْوَةَ، عن أبي الدَّرداء مرفُوعًا فذَكَرَه بتمامه. أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "الأفراد" (ق ٢٦٦/ ١) من طريق يحيى بن داوُد الواسطيِّ، ثنا إبراهيم بن يزيد بن مَرْدَانْبَةَ، عن رقبة بن مَصْقَلَةَ بهذا.

стр. 1223

وهذا لا يَثبُت عن رقبة بن مَصْقَلَةَ؛ وابن مَرْدَانْبَةَ قال البُخاريُّ في "التَّاريخ الأوسط": "لا يَحتَجُّون بحديثه"، وقال أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ: "يُكتَب حديثُه، ولا يُحتجُّ به"، وقال الأَزدِيُّ: "عنده مناكيرُ". ورواه سُفيان الثَّوْريُّ، عن عبد المَلِك بن عُمير، عن رجاء بن حَيوَة، عن أبي الدَّرداء مرفُوعًا بتمامه. أخرَجَه الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٢٦٦٣)، والدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٢١٩ - ٢٢٠)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٥/ ١٧٤)، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٦/ ق ٢٣١)، والعسكريُّ في "الأمثال" - كما في "المقاصد الحَسَنة" (ص ١٠٧) للسَّخَاوِيِّ -، وابن شاهين في "التَّرغيب" (٢٤٢)، والخطيب في "تاريخه" (٥/ ٢٠١) من طريق مُحمَّد بن الحَسَن الهَمْدَانِيِّ، قال: ثنا سُفيان الثَّورِيُّ بهذا. قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن سفيان إلَّا مُحمَّد بن الحَسَن". وقال أبو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديث الثَّوْريِّ، عن عبد المَلِك، تفرَّد به: مُحمَّد بن الحَسَن". • قلتُ: وإسناده ساقطٌ؛ ومُحمَّد بن الحَسَن هو ابنُ أبي يزيد الهَمْدَانِيُّ؛ اتَّهَمه يحيى بن مَعِينٍ بالكَذِب، وقال النَّسَائِيُّ: "متروكٌ"، وقال الذَّهَبيُّ في "تلخيص العِلل المتناهية" (٧٠٦): "واهٍ". والحديث مع ضعفه مُنقَطِعٌ. وقد رواه ابن وهبٍ، قال: ثنا سفيان الثَّوريُّ بهذا الإسناد موقُوفًا. أخرَجَه ابنُ عبد البَرِّ في "جامع العلم" (٩٠٣).

стр. 1224

وهذا هو المحفوظُ في رواية الثَّوْريِّ. ويُؤيِّدُه أن جماعةً من الثِّقات رَوَوْا هذا الحديث عن عبد المَلِك بن عُمير، عن رجاء بن حَيْوة، عن أبي الدَّرداء موقُوفًا. فأخرَجَهُ هناد بن السَّرِيِّ في "كتاب الزُّهد" (١٢٩٤) عن وكيع بن الجرَّاح .. وأبو خَيثَمة في "كِتاب العلم" (١١٤)، وابن عبد البَرِّ في "الجامع" (٦١٧) عن جرير بن عبد الحميد .. وابنُ حِبانُ في "روضة العُقلاء" (ص ٢١٠) عن أبي عَوَانة وضَّاحٍ اليَشكُرِيِّ .. والبَيهَقِيُّ في "المَدخَل" (٣٨٥) عن عُبيد الله بن عَمْرٍو الرَّقِّيِّ، كُلُّهم عن عبد الملك بن عُميرٍ بهذا الإسناد موقُوفًا. ورَوَى ابن أبي شَيبَة في "المُصنَّف" (٩/ ٤٣) عن شريكٍ النَّخْعِيِّ، عن عبد المَلِك بن عُميرٍ بسنده: آخِرَه: "ثلاثٌ من كُنَّ فيه. . .". قال الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٢١٩): "الموقوف هو المحفوظ"، وهذا لا يَعنِي أنَّه صحيحٌ، كما فَهِم من صحَّح إسناد الموقوف، فإنَّه لا يصحُّ؛ لأنَّ رواية رجاء بن حَيْوَةَ، عن أبي الدَّرداء، مُنقَطِعةٌ، كما صرَّح الذَّهَبِيُّ بذلك، وهذا يُسمَّى عند عُلماء الحديث بـ "التَّرجيح النَّظَريِّ"، وهو لا يُفيد الحديثَ قوَّةً، ومُرادُهم أنَّه إذا تعارض الرَّفعُ والوقفُ، فلَأَن يكون موقُوفًا أشبهُ، لا أنَّه تصحيحٌ للموقوف. وقد ألمحَ البُخاريُّ إلى الحديث المرفُوع .. فعلَّق الفقرةَ الأولى منه: "إِنَّما العلم بالتَّعَلُّم" بصيغة الجزم، في "كتاب العِلم" من "صحيحه" (١/ ١٦٠)، فقال: "وقال النَّبيُّ ﷺ : من يُرِد اللهُ

стр. 1225

به خيرًا يُفَقِّههُ في الدِّين، وإنَّما العِلمُ بالتَّعَلُّم". فعلَّق الحافظُ في "الفتح" (١/ ١٦١) قائلًا: "قولُه: "وإنَّما العلم بالتَّعلُّم"، وهو حديثٌ مرفوعٌ، أورده ابن أبي عاصمٍ، والطَّبَرانيُّ، من حديث مُعاوية، بلفظ: "يا أيُّها النَّاس! تعلَّمُوا، إنَّما العلم بالتَّعلُّم، والفقه بالتَّفقُّه، ومن يُرِد الله به خيرًا يُفَقِّهه في الدِّين"، إسنادُه حَسَنٌ، إلَّا أن فيه مُبهَمًا، اعتَضَد بمجيئه من وجهٍ آخر" انتهَى. * ثانيًا: حديثُ أبي الدَّرداء ﵁: مرَّ الكلامُ عنه في حديث أبي هُريرة. * ثالثًا: حديثُ مُعاوية ﵁: أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٩٢٩) قال: حدَّثَنا أحمد بن المُعلَّى الدِّمَشقِيُّ، ثنا هشام بن عمَّارٍ، ثنا صدقة بن خالدٍ، ثنا عُتبة بن أبي حَكِيمٍ، عمَّن حدَّثَه، عن مُعاوية مرفُوعًا: "يا أيُّها النَّاس. . ."، وساقه كما ذَكَر الحافظُ قريبًا. وإسنادُه ظاهر الضَّعف؛ وهشام بن عمَّارٍ ساء حفظُه، لاسيما في آخر عُمره. وعُتبة بن أبي حَكيمٍ مخُتلَفٌ فيه. ومن حدَّثَهُ مجهولٌ. وذكر البدرُ العَيْنِيُّ في "عُمدة القاري" (٢/ ٤٣)، أنَّ الخطيب البَغداديَّ رواه في "الفقيه والمتفقِّه"، عن مكحُولٍ، عن مُعاوية. ويُشبهُ أن يكون المُبهَمُ في إسناد الطَّبَرانيِّ هو مكحولٌ الشَّامِيُّ، فإن عُتبة بن أبي حَكِيمٍ يَروِي عنه. ومكحولٌ لم يَسمَع من مُعاوِية، كما صرَّح بذلك أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ،

стр. 1226

على ما في "المراسيل" (ص ٢١٢)، ونَقَل ابن أبي حاتمٍ في "المراسيل" (ص ٢١١) عن أبيه، قال: "سألتُ أبا مُسهِرٍ: هل سَمِع مكحولٌ من أحَدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: ما صحَّ عندنا إلَّا أنَس بن مالكٍ". كذا قال في هذا المَوضِعَ، وقد سألَهُ أبُو حاتِمٍ - كما في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ١/ ٤٠٨) - فقال له: "هل سمِعَ مكحُولٌ من أحدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؟ فقال: سمع من أنسٍ. قلت له: وسَمِعَ من أبي هندِ الدَّارِيِّ؟ فقال: مَن رواه؟ فقلتُ: حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن أبي صَخرٍ، عن مكحُولٍ، سَمِعَ أبا هندٍ الدَّاريَّ، يقول: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ . فكأنَّه لم يلتفت إلى ذلك. فقلتُ: فَوَاثِلةُ بنُ الأسْقَعِ؟ فقال: مَن رواه؟ فقلتُ: حدَّثَنا أبُو صالحٍ كاتبُ اللَّيث، قال: حدَّثَنا مُعاوِيةُ بنُ صالحٍ، عن العَلاء بنِ الحارث، عن مكحُولٍ، قال: دخلتُ أنا وأبُو الأزهر على واثِلَةَ بنِ الأسقع. فكأنَّهُ أومأ برأسِهِ، كأنَّه قَبِلَ ذلك". ونقلهُ عنه ابنُ عساكر في "تاريخه" (٦٣/ ١٥٠). • قلتُ: لكنَّ أبا مُسهِرٍ أنكَرَ سَمَاعَهُ من واثلةَ إنكارًا صريحًا كما في "مراسيل ابنِ أبي حاتمٍ" (ص: ٢١١). وقال التِّرمِذِيُّ: "سَمِعَ: واثلَةَ، وأنَسًا، وأبا هِندٍ الدَّاريَّ. ويُقال: لم يسمَع من أحدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ غيرهم". وكذلك نَقَله ابنُ عساكر في "تاريخه" (٦٣/ ١٥١) عن ابنِ مَعينٍ، وزاد: "وعَمْرَو بنَ أبي خُزاعةَ". وقال صالحٌ جَزَرَةُ - كما في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ١٥١) -: "سمع

стр. 1227

أبا أُمامةَ"، وأنكَرَهُ يحيَى بنُ مَعينٍ وغيرُهُ. وبالجُملة فلا وجهَ لتحسين هذا الإسناد، كما فعل الحافظُ ﵀. وقد رأيتَ الوُجوه الأُخرَى التي أشار إليها الحافظُ، وهي ضعيفةٌ جدًّا، لا تصلح للتَّقوية، والبُخاريُّ يَذكُر في مُعلَّقاته الحديث الصَّحيح، والحَسَن، والضَّعيف، كما يَعرِفُه مَن له عنايةٌ بصحِيحِه. وقد صحَّت الفقرةُ الأولى منه: "إنَّما العلم بالتَّعلُّم"، عن ابن مسعُودٍ ﵁. أخرَجَهُ أحمدُ في "الزُّهد" (ص ١٦٢ - ١٦٣) .. وابن أبي شَيبَة (٨/ ٧٣٠)، ومن طريقه ابن عبد البَرِّ في "الجامع" (٦١٥)، قالا: ثنا وكيعٌ - وهذا في "كتاب الزُّهد" (٥١٨) -، قال: حدَّثَنا سُفيان الثَّوْريُّ، ثنا أبو الزَّعْرَاءِ، عن عمِّه أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ، قال: "إنَّ الرَّجُل لا يُولَد عالمًا، إنَّما العلم بالتَّعلُّم". وأخرَجَهُ أبو خَيثَمة في "كتاب العِلم" (١١٥) عن وكيعٍ به. وهذا إسنادٌ صحيحٌ. وأبُو الزَّعراء هو الكوفِيُّ، ابنُ أخي أبي الأحوَص الجُشَمِيِّ. وهو ثقةٌ نبيلٌ. وعمُّهُ اسمُهُ عوفُ بنُ مالكٍ بن نَضْلَةَ الجُشَمِيُّ. وأخرَجَهُ ابنُ أبي شيبة، ومن طريقه ابن عبد البَرِّ (٦١٦) قال: ثنا أبو داوُد - وهو الحَفْرِيُّ - .. والبيهقيُّ في "المَدخَل" (٣٧٧) عن يعلى بن عُبيدٍ، قالا: ثنا سُفيان الثَّوريُّ، عن عليِّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1228

٣٢٢ - سُئلتُ عن حديث: "أَولِيَاءُ عليِّ ين أبي طالبٍ في الجَنَّة، ومُبغِضُوه في النَّار". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. ولم أَقِف عليه بهذا اللَّفظ، ووقفتُ عليه بلفظ: "عليٌّ قسيمُ النَّار، يدخلُ أولياؤُه الجَنَّة، وأعداؤُه النَّار". أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٢٧٣) قال: حدَّثَنا الشَّافِعِيُّ أبو بكرٍ، قال: ثنا مُحمَّد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: ثنا مُحمَّد بن هاشم الثَّقَفِيُّ، ثنا عُبيد الله بن مُوسَى، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التَّيمِيِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : … فَذَكَره. قال الدَّارَقُطنِيُّ: "وهذا الحديث باطلٌ بهذا الإسناد، ومَن دُون عُبيد الله ضعفاءُ، والقَبَلِيُّ ضعيفٌ جدًّا، وإنَّما روى هذا الحديثَ: الأعمشُ، عن مُوسَى بن طريفٍ، عن عَبَايَةَ، عن عليٍّ" انتهَى. والقَبَلِيُّ هذا، ترجَمَهُ الخطيبُ في "تاريخه" (٣/ ٢٤)، وأورَدَ في ترجَمَتِهِ حديثًا مرفُوعًا مُنكَرًا جدًّا: "زوَّجَ اللهُ التَّوانِي بالكَسَلِ، فوُلِدَ بينَهُما الفاقَةُ"، ولذلك أورَدَهُ ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" (١٦٢٣). • قلتُ: وحديثُ الأعمش الذي أشارَ إليه الدَّارَقُطنِيُّ: أخرَجَه الفَسَوِيُّ في "المعرفة والتَّاريخ" (٢/ ٧٦٤) قال: حدَّثَنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن الأعمش، عن مُوسَى بن

стр. 1229

طريفٍ، عن عليٍّ، قال: "أنا قسيمُ النَّار، إذا كان يومُ القيامة، قلتُ: هذا لك وهذا لي". قال الفَسَوِيُّ: سمعتُ الحَسَن بن الرَّبيع، يقول: قال أبو مُعاوية: قُلنا للأعمش: "لا تُحدِّثْ بهذه الأحاديث! "، قال: "يسألُونَنِي، فما أصنع؟ رُبَّما سهوتُ، فإذا سأَلُوني عن شيءٍ من هذا فسهوتُ فذكِّرُوني"، - قال: - فكنتُ عنده يومًا، فجاء رجلٌ فسأله عن حديث: "أنا قسيم النَّار"، قال: فتَنَحنَحتُ، - قال: - فقال الأعمشُ: "هؤُلاء المُرجِئةُ لا يَدَعُون أحدًا يُحدِّث بفضائل عليٍّ، أخرِجُوهُم من المسجد حتَّى أُحدِّثكم". ورَوَى هذا الأثرَ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٥٨) من طريق سلَّامٍ الخيَّاط، عن مُوسَى بن طريفٍ، بهذا الإسناد. ونَقَل عن عبد الله بن داوُد الخُرَيْبِيِّ، قال: كُنَّا عند الأعمش، فجاء يومًا وهو مُغضَبٌ، فقال: "أَلَا تعجَبُون من مُوسَى بن طريفٍ، يُحدِّث عن عَبَايَةَ، عن عليٍّ ﵁ قال: أنا قسيم النَّار". ورَوى أيضًا عن أبي بكرٍ بن عيَّاشٍ، رَوَى عن مُوسَى بن طريفٍ، أنَّه كان يَروِي مثل هذا الكلام يَسخَرُ به ممَّن يَعتَقِدُه. فهذا يدلُّ على قلَّة مبالاةٍ. ومُوسَى بنُ طريفٍ أحَد الهلكى، وكذَّبه بعضُ النُّقَّاد، ولا يَثبُت هذا الكلامُ، لا مرفُوعًا، ولا موقُوفًا، وقبَّح اللهُ المُفتَرِين.

стр. 1230

٣٢٣ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا، فلا تَعتَدُوها، وحرَّم أشياءَ، فلا تَنتَهِكُوهَا، وسَكَت عن أشياء رحمةً بِكُم من غير نِسيانٍ، فلا تَبحَثُوا عنها". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَه الدَّارَقُطنِيُّ (٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، والحاكمُ (٤/ ١١٥)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٥٨٩، ٢٢١، ٢٢٣)، وابن بَطَّة في "الإبانة" (٤٠٠)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٢ - ١٣)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٩/ ١٧)، والخطيب في "الفقيه والمُتفقِّه" (٦٣٠) من طُرُقٍ عن داوُد بن أبي هندٍ، عن مكحولٍ، عن أبي ثَعلبَة الخُشَنِيِّ مرفُوعًا فذَكَرَه. وهذا الحديثُ حسَّنه النَّوَوِيُّ في "الأربعين" (ص ٤٠)، وفي "رياض الصَّالحين" (ص ٥١٤)، وفي "الأذكار" (ص ٣٥٣)، وسَبَقَه إلى هذا الحُكم أبو بكرٍ السَّمعَانِيُّ في "الأمالي" - كما ذَكَرَه ابن رَجبٍ في "جامع العُلوم" (ص ٢٤٢) -، وصحَّحهُ ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٣/ ٢٠٢ - طبع الشَّعب). وذكر شيخُنا الألبانيُّ ﵀ في "غاية المرام" (ص ١٨) أنَّ أبا الفُتُوحِ الطَّائِيَّ خرَّجه في "الأربعين" وقال: "حديثٌ كبيرٌ حَسَنٌ، تفرَّد به داوُدُ عن مكحولٍ". وقال ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الفقيهُ في "فتح المُبين بشرح الأربعين" (ص ٢٣٠): "بل صحَّحهُ ابنُ الصَّلَاح. ومِمَّن حسَّنه أيضًا: الحافظُ أبُو بكرٍ بنُ السَّمعانِيِّ
следующие страницы →