Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
على ما في "المراسيل" (ص ٢١٢)، ونَقَل ابن أبي حاتمٍ في "المراسيل" (ص ٢١١) عن أبيه، قال: "سألتُ أبا مُسهِرٍ: هل سَمِع مكحولٌ من أحَدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: ما صحَّ عندنا إلَّا أنَس بن مالكٍ".
كذا قال في هذا المَوضِعَ، وقد سألَهُ أبُو حاتِمٍ - كما في "الجرح والتَّعديل" (٤/ ١/ ٤٠٨) - فقال له: "هل سمِعَ مكحُولٌ من أحدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ؟ فقال: سمع من أنسٍ. قلت له: وسَمِعَ من أبي هندِ الدَّارِيِّ؟ فقال: مَن رواه؟ فقلتُ: حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن أبي صَخرٍ، عن مكحُولٍ، سَمِعَ أبا هندٍ الدَّاريَّ، يقول: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ . فكأنَّه لم يلتفت إلى ذلك. فقلتُ: فَوَاثِلةُ بنُ الأسْقَعِ؟ فقال: مَن رواه؟ فقلتُ: حدَّثَنا أبُو صالحٍ كاتبُ اللَّيث، قال: حدَّثَنا مُعاوِيةُ بنُ صالحٍ، عن العَلاء بنِ الحارث، عن مكحُولٍ، قال: دخلتُ أنا وأبُو الأزهر على واثِلَةَ بنِ الأسقع. فكأنَّهُ أومأ برأسِهِ، كأنَّه قَبِلَ ذلك".
ونقلهُ عنه ابنُ عساكر في "تاريخه" (٦٣/ ١٥٠).
• قلتُ: لكنَّ أبا مُسهِرٍ أنكَرَ سَمَاعَهُ من واثلةَ إنكارًا صريحًا كما في "مراسيل ابنِ أبي حاتمٍ" (ص: ٢١١).
وقال التِّرمِذِيُّ: "سَمِعَ: واثلَةَ، وأنَسًا، وأبا هِندٍ الدَّاريَّ. ويُقال: لم يسمَع من أحدٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ غيرهم".
وكذلك نَقَله ابنُ عساكر في "تاريخه" (٦٣/ ١٥١) عن ابنِ مَعينٍ، وزاد: "وعَمْرَو بنَ أبي خُزاعةَ".
وقال صالحٌ جَزَرَةُ - كما في "تاريخ دمشق" (٦٣/ ١٥١) -: "سمع
стр. 1227
أبا أُمامةَ"، وأنكَرَهُ يحيَى بنُ مَعينٍ وغيرُهُ.
وبالجُملة فلا وجهَ لتحسين هذا الإسناد، كما فعل الحافظُ ﵀.
وقد رأيتَ الوُجوه الأُخرَى التي أشار إليها الحافظُ، وهي ضعيفةٌ جدًّا، لا تصلح للتَّقوية، والبُخاريُّ يَذكُر في مُعلَّقاته الحديث الصَّحيح، والحَسَن، والضَّعيف، كما يَعرِفُه مَن له عنايةٌ بصحِيحِه.
وقد صحَّت الفقرةُ الأولى منه: "إنَّما العلم بالتَّعلُّم"، عن ابن مسعُودٍ ﵁.
أخرَجَهُ أحمدُ في "الزُّهد" (ص ١٦٢ - ١٦٣) ..
وابن أبي شَيبَة (٨/ ٧٣٠)، ومن طريقه ابن عبد البَرِّ في "الجامع" (٦١٥)، قالا: ثنا وكيعٌ - وهذا في "كتاب الزُّهد" (٥١٨) -، قال: حدَّثَنا سُفيان الثَّوْريُّ، ثنا أبو الزَّعْرَاءِ، عن عمِّه أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ، قال: "إنَّ الرَّجُل لا يُولَد عالمًا، إنَّما العلم بالتَّعلُّم".
وأخرَجَهُ أبو خَيثَمة في "كتاب العِلم" (١١٥) عن وكيعٍ به.
وهذا إسنادٌ صحيحٌ.
وأبُو الزَّعراء هو الكوفِيُّ، ابنُ أخي أبي الأحوَص الجُشَمِيِّ. وهو ثقةٌ نبيلٌ. وعمُّهُ اسمُهُ عوفُ بنُ مالكٍ بن نَضْلَةَ الجُشَمِيُّ.
وأخرَجَهُ ابنُ أبي شيبة، ومن طريقه ابن عبد البَرِّ (٦١٦) قال: ثنا أبو داوُد - وهو الحَفْرِيُّ - ..
والبيهقيُّ في "المَدخَل" (٣٧٧) عن يعلى بن عُبيدٍ، قالا: ثنا سُفيان الثَّوريُّ، عن عليِّ بن الأقمر، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعُودٍ.
واللهُ أعلمُ.
стр. 1228
٣٢٢ - سُئلتُ عن حديث: "أَولِيَاءُ عليِّ ين أبي طالبٍ في الجَنَّة، ومُبغِضُوه في النَّار".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
ولم أَقِف عليه بهذا اللَّفظ، ووقفتُ عليه بلفظ: "عليٌّ قسيمُ النَّار، يدخلُ أولياؤُه الجَنَّة، وأعداؤُه النَّار".
أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٢٧٣) قال: حدَّثَنا الشَّافِعِيُّ أبو بكرٍ، قال: ثنا مُحمَّد بن عُمَر القَبَلِيُّ، قال: ثنا مُحمَّد بن هاشم الثَّقَفِيُّ، ثنا عُبيد الله بن مُوسَى، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التَّيمِيِّ، عن أبيه، عن أبي ذَرٍّ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : … فَذَكَره.
قال الدَّارَقُطنِيُّ: "وهذا الحديث باطلٌ بهذا الإسناد، ومَن دُون عُبيد الله ضعفاءُ، والقَبَلِيُّ ضعيفٌ جدًّا، وإنَّما روى هذا الحديثَ: الأعمشُ، عن مُوسَى بن طريفٍ، عن عَبَايَةَ، عن عليٍّ" انتهَى.
والقَبَلِيُّ هذا، ترجَمَهُ الخطيبُ في "تاريخه" (٣/ ٢٤)، وأورَدَ في ترجَمَتِهِ حديثًا مرفُوعًا مُنكَرًا جدًّا: "زوَّجَ اللهُ التَّوانِي بالكَسَلِ، فوُلِدَ بينَهُما الفاقَةُ"، ولذلك أورَدَهُ ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعات" (١٦٢٣).
• قلتُ: وحديثُ الأعمش الذي أشارَ إليه الدَّارَقُطنِيُّ:
أخرَجَه الفَسَوِيُّ في "المعرفة والتَّاريخ" (٢/ ٧٦٤) قال: حدَّثَنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا عليُّ بن مُسهِرٍ، عن الأعمش، عن مُوسَى بن
стр. 1229
طريفٍ، عن عليٍّ، قال: "أنا قسيمُ النَّار، إذا كان يومُ القيامة، قلتُ: هذا لك وهذا لي".
قال الفَسَوِيُّ: سمعتُ الحَسَن بن الرَّبيع، يقول: قال أبو مُعاوية: قُلنا للأعمش: "لا تُحدِّثْ بهذه الأحاديث! "، قال: "يسألُونَنِي، فما أصنع؟ رُبَّما سهوتُ، فإذا سأَلُوني عن شيءٍ من هذا فسهوتُ فذكِّرُوني"، - قال: - فكنتُ عنده يومًا، فجاء رجلٌ فسأله عن حديث: "أنا قسيم النَّار"، قال: فتَنَحنَحتُ، - قال: - فقال الأعمشُ: "هؤُلاء المُرجِئةُ لا يَدَعُون أحدًا يُحدِّث بفضائل عليٍّ، أخرِجُوهُم من المسجد حتَّى أُحدِّثكم".
ورَوَى هذا الأثرَ العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ١٥٨) من طريق سلَّامٍ الخيَّاط، عن مُوسَى بن طريفٍ، بهذا الإسناد.
ونَقَل عن عبد الله بن داوُد الخُرَيْبِيِّ، قال: كُنَّا عند الأعمش، فجاء يومًا وهو مُغضَبٌ، فقال: "أَلَا تعجَبُون من مُوسَى بن طريفٍ، يُحدِّث عن عَبَايَةَ، عن عليٍّ ﵁ قال: أنا قسيم النَّار".
ورَوى أيضًا عن أبي بكرٍ بن عيَّاشٍ، رَوَى عن مُوسَى بن طريفٍ، أنَّه كان يَروِي مثل هذا الكلام يَسخَرُ به ممَّن يَعتَقِدُه.
فهذا يدلُّ على قلَّة مبالاةٍ.
ومُوسَى بنُ طريفٍ أحَد الهلكى، وكذَّبه بعضُ النُّقَّاد، ولا يَثبُت هذا الكلامُ، لا مرفُوعًا، ولا موقُوفًا، وقبَّح اللهُ المُفتَرِين.
стр. 1230
٣٢٣ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ اللهَ فَرَضَ فَرَائِضَ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا، فلا تَعتَدُوها، وحرَّم أشياءَ، فلا تَنتَهِكُوهَا، وسَكَت عن أشياء رحمةً بِكُم من غير نِسيانٍ، فلا تَبحَثُوا عنها".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَه الدَّارَقُطنِيُّ (٤/ ١٨٣ - ١٨٤)، والحاكمُ (٤/ ١١٥)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٥٨٩، ٢٢١، ٢٢٣)، وابن بَطَّة في "الإبانة" (٤٠٠)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٢ - ١٣)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٩/ ١٧)، والخطيب في "الفقيه والمُتفقِّه" (٦٣٠) من طُرُقٍ عن داوُد بن أبي هندٍ، عن مكحولٍ، عن أبي ثَعلبَة الخُشَنِيِّ مرفُوعًا فذَكَرَه.
وهذا الحديثُ حسَّنه النَّوَوِيُّ في "الأربعين" (ص ٤٠)، وفي "رياض الصَّالحين" (ص ٥١٤)، وفي "الأذكار" (ص ٣٥٣)، وسَبَقَه إلى هذا الحُكم أبو بكرٍ السَّمعَانِيُّ في "الأمالي" - كما ذَكَرَه ابن رَجبٍ في "جامع العُلوم" (ص ٢٤٢) -، وصحَّحهُ ابنُ كثيرٍ في "تفسيره" (٣/ ٢٠٢ - طبع الشَّعب). وذكر شيخُنا الألبانيُّ ﵀ في "غاية المرام" (ص ١٨) أنَّ أبا الفُتُوحِ الطَّائِيَّ خرَّجه في "الأربعين" وقال: "حديثٌ كبيرٌ حَسَنٌ، تفرَّد به داوُدُ عن مكحولٍ".
وقال ابنُ حَجَرٍ الهَيتَمِيُّ الفقيهُ في "فتح المُبين بشرح الأربعين" (ص ٢٣٠): "بل صحَّحهُ ابنُ الصَّلَاح. ومِمَّن حسَّنه أيضًا: الحافظُ أبُو بكرٍ بنُ السَّمعانِيِّ
стр. 1231
في "أماليه". وقولُ الذَّهبيِّ: إنّ راويه مكحُولًا لم يُدرِك أبا ثَعلَبَةَ، تَبِعَ فيه إنكار أبي مُسهِرٍ لسماعِهِ منه، ووافقه أبُو زُرعة وأبُو حاتِمٍ، فقالا: دخل عليه، ولم يسمع منه. لكن خالَفَهُم ابنُ مَعينٍ، فقال: إنَّه سمع منه. والقاعِدةُ الأُصوليَّة أنَّ الإثبات مُقدَّمٌ على النَّفي، تُرَجِّحُ ما قالَهُ ابنُ مَعِينٍ، فلذا اعتَمَدَه النَّوَوِيُّ في "أربعينه"، وغيرُهُ. ويُؤيِّدُهُ أنَّهُ مُعاصِرٌ له بالسِّنِّ والبَلَدِ، فاحتِمالُ سماعِهِ منه أقربُ من عَدَمِهِ. وكونُهُ مُدلِّسًا لا يُنافِي حُسنَ حديثِهِ ولا صِحَّتَهُ كما هُو مُقرَّرٌ في محِلِّه، ويُحتَمَلُ أنَّ تحسينَ النَّوَوِيِّ له لكونِهِ رُوي من طُرُقٍ بعضُها ضعيفٌ، وبعضُها مُنْقَطِعٌ، فإذا انضمَّ بعضُها إلى بعضٍ قويت، فيكُونُ حَسَنًا لغيره لا لذاته، وإنَّ تصحيحِ ابنِ الصَّلاح أَخَذَهُ من قول البزَّار في روايته: إسنادُها صالحٌ، والحاكِمِ فيها أنَّها صحيحةُ الإسناد" انتهَى.
• قلتُ: كذا قال! وقد نصَّ المِزِّيُّ في ترجمة "أبي ثَعلَبَةَ" أنَّ مكحُولًا لم يسمع منه، وسبقه إلى ذلك أبُو نُعيمٍ الحافظُ، ووافقهُ إبنُ رجبٍ في "جامع العُلوم"، وذكر التِّرمذِيُّ أنَّه لم يسمع إلَّا من ثلاثةٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، كما مضى في الحديث (٣٢١). وقولُ الهيتَمِيِّ إنَّ ابنَ مَعينٍ أثبتَ سماعَ مكحُولٍ من أبي ثَعلَبَةَ ما أُراهُ إلَّا وَهَمًا منه، ولم أر أحدًا نَسَب هذا إلى ابنِ مَعينٍ ولا إلى غيره. ولو سلَّمنا بصحَّة نقله، فإنَّ القاعدة الأُصُوليَّة التي ذَكَرَها تصحُّ إذا لم يكن ثمَّةَ مانعٌ. والمانعُ هنا أنَّ مكحُولًا كان يُرسِلُ ويُدلِّسُ، والمُعاصَرَةُ تنفعُ إذا انتَفَى هذان، ولذا قال العَلائِيُّ في "جامع التَّحصيل" (ص ٢٨٥ - ٢٨٦): "روى عن أبي ثَعلَبَةَ حديثَ: إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ … وهو مُعاصِرٌ له بالسِّنِّ والبلد فيُحتَمَلُ أن يكُون أرسَلَ كعادته، وهو يُدلِّسُ أيضًا" ا. هـ. فمن قوَّى هذا الإسنادَ فلا شكَّ
стр. 1232
أنَّه مُخطِئٌ؛ للانقطاع، وهذه عِلَّةٌ لا سبيل إلى جَبرها. وأمَّا ظنُّ الهَيتَمِيِّ أنَّ ابنَ الصَّلاح أخَذَ تصحيح الحديث من قول البزَّار: إسنادُهُ صالحٌ، فإنَّ البزَّار قال هذا في حديث أبي الدَّرداء الذي مرَّ برقم (٢٦٢)، وليس في حديث أبي ثَعلَبَةَ. واللهُ أعلمُ. وتقدَّم في الحديث (٣٢٠) أنَّ مَكحُولًا لم يَسمع مِن أحدٍ من الصَّحابَة، إلَّا أنسَ بنَ مالكٍ، كما قال أبُو مُسهِرٍ.
وذَكَر الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٦/ ٣٢٤) أنَّه اختُلف على مكحولٍ في رفعه ووقفه. فرَفَعَهُ إسحاقُ الأزرقُ، ومُحمَّدُ بن فُضيلٍ، وغيرُهما، عن داوُد. ورواه يزيدُ بن هارُون، وحفصُ بن غِياثٍ، عن داوُد، فوقفاه. ورواية حفصٍ عند البَيهَقِيِّ (١٠/ ١٢).
ورواه قَحْذَمُ بن سُليمان، قال: سمعتُ مكحولًا يقول، ولم يتجاوز به. ورجَّح الدَّارَقُطنِيُّ الطَّريق المرفُوع، وقال: "هو أشهر"، وقد مرَّ بك ما أُعِلَّ به.
وله شاهدٌ من حديث أبي الدَّرداء ﵁، أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٤٦١) قال: حدَّثَنا مُحمَّد بن إبراهيم الوَشَّاءُ .. وأيضًا في "الصَّغير" (١١١١) قال: حدَّثَنا نُوحٌ الأُبُلِّيُّ .. قالا: ثنا أبو الأشعث أحمدُ بن المِقدام، نا أصرمُ بنُ حوشبٍ، نا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِمٍ، عن طاوُوسٍ، قال: سمعتُ أبا الدَّرداء مرفُوعًا فذَكَر مثلَه.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن قُرَّة بن خالدٍ إلَّا أصرمُ بنُ حوشبٍ، تفرَّد به أبو الأشعث".
وأصرمُ هذا كذَّابٌ وضَّاعٌ.
стр. 1233
ورواه نَهشلُ الخُرَاسَانِيُّ، عن الضَّحَّاك بن مُزاحِمٍ، أنَّه اجتَمَع هو والحَسَنُ بنُ أبي الحَسَن، ومكحولٌ الشَّامِيُّ، وعَمْرُو بنُ دينارٍ المَكِّيُّ، وطاوُوسٌ اليَمانِيُّ، فاجتَمَعُوا في مَسجِد الخَيْفِ، فارتَفَعت أصواتُهم، وكثُر لغَطُهُم في القَدَر، فقال طاوُوسٌ، وكان فيهم مَرضِيًّا: "أَنصِتُوا، حتَّى أخبِرَكم ما سمعتُ من أبي الدَّرداء ﵁، قال: سمعتُ رسُول الله ﷺ ، يقول: "إنَّ الله افترض عليكم فرائضَ … الحديث"، وفي آخِرِه: نقُول ما قال ربُّنا ونبيُّنا، الأُمُورُ بيد الله، مِن عند الله مصدَرُها، وإليه مَرجِعُها، ليس إلى العِبَاد فيها تفويضٌ، ولا مشيئةٌ"، فقامُوا، وهم راضُون بقول طاوُوسٍ.
أخرَجَهُ الدَّارَقُطنِيُّ (٤/ ٢٩٧ - ٢٩٨) من طريق إسحاقَ الأزرقِ، عن أبي عَمْرٍو البَصرِيِّ، عن نهشلَ الخُرَاسَانِيِّ بهذا.
وسَنَدُهُ مِثلُ سابِقه، ساقطٌ؛ ونهشلُ كَذَّبه ابنُ رَاهَوَيهِ، وتَرَكه النَّسَائِيُّ وأبو حاتمٍ، والكلامُ فيه طويلُ الذَّيل.
وللفقرة الثَّالِثَةِ طريقٌ آخرُ عن أبي الدَّرداء، مرَّ برقم (٢٦٢).
وله شاهدٌ مِن حديثٌ سلمان الفَارِسِيِّ، بسَنَدٍ ضعيفٍ، خرَّجتُهُ فيما مضى برقم (٢٦٢)، وفي "تنبيه الهاجد" (١١٦٢).
стр. 1234
٣٢٤ - سُئلتُ عن حديث: "أَنهَارُ الجَنَّة تَفَجَّرُ مِن تَحتِ جِبَالِ المِسكِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان (٢٦٢٢)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٢/ ٣٢٦)، والحاكمُ - كما في "حادي الأرواح" (ص ١٢٣) -، وأبو نُعيمٍ في "صفة الجَنَّة" (٣١٣)، والبَيهَقِيُّ في "البعث" (٢٦٦) من طُرُقٍ عن أَسَد بن مُوسَى، ثنا عبدُ الرَّحمن بنُ ثابت بن ثَوْبان، عن عطاء بن قُرَّة، عن عبد الله بن ضَمْرة، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "أَنهَارُ الجَنَّة تَفَجَّرُ من تحت تلالٍ - أو: من تحت جبال - المِسك".
ولفظ البَيهَقِيِّ: "مَن سرَّه أَن يَسقِيَهُ اللهُ الخمرَ في الآخرة، ليَترُكها في الدُّنيا. ومن سرَّه أن يَكسُوَه اللهُ الحريرَ في الآخرة، فليترُكْه في الدُّنيا. أَنهارُ الجَنَّة تَفَجَّرُ مِن تحت تلال - أو: من تحت جِبال - المِسكِ، ولو كان أَدنَى أهلِ الجنة حِليةً، عَدَلَت بحِلية أهل الدُّنيا جميعًا، لكان ما يُحلِّيه به اللهُ به في الآخرة أفضلُ مِن حِلية أهل الدُّنيا جميعًا".
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٢٦٦/ ١) قال: حدَّثَنا مِقدامُ، ثنا أَسَدُ بن مُوسَى، ثنا ابنُ ثَوْبان بهذا الإسناد، بالفقرة الأولى والثَّانية.
ثُمَّ قال: "لم يَروِ هذا الحديث عن ابن ثَوْبان إلَّا أسدُ بن مُوسَى".
стр. 1235
وهذا سَنَدٌ حَسَنٌ، كما قال العِرَاقِيُّ في "تخريج الإحياء" (٤/ ٥٢٢).
وقال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٣/ ١٠٠، ٢٦٢): "رواه الطَّبَرانيُّ في "الأوسط"، ورُواته ثقاتٌ، إلَّا شيخَهُ المقدامَ بنَ داوُد، وقد وثَّقه".
وقد رأيتَ أنَّه لم يتفرَّد به المقدامُ، فتابعه الرَّبيعُ بن سُليمان عند البَيهَقِيِّ على محلِّ الشَّاهد.
واللهُ أعلمُ.
стр. 1236
٣٢٥ - سُئلتُ عن حديث: أخرجه أبو داوُد من حديثِ عائشة، قالت: "كان رسُولُ الله ﷺ يُحِبُّ التيمُّن ما استطاع في شأنه كلِّه: في طَهُوره، وتَرجُّله، ونَعْلِه، - وزاد: - وسواكه"، فما صحَّةُ هذه الزِّيادة؟
• قلتُ: أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الوُضوء" (١/ ٢٦٩)، وأبو داوُد (٤١٤٠)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٢١٦) عن حفص بن عُمَر الحَوْضِيِّ ..
والبُخاريُّ في "الصَّلاة" (١/ ٥٢٣)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٦٢٨٠) عن سُليمان بن حربٍ ..
والبُخاريُّ أيضًا في "الأطعمة" (٩/ ٥٢٦)، والنَّسَائِيُّ (١/ ٢٠٥) عن عبد الله بن المُبارَك ..
والبُخاريُّ في "اللِّباس" (١٠/ ٣٠٩، ٣٦٨) عن حجَّاج بن مِنهالٍ، وأبي الوليد الطَّيَالِسِيِّ ..
ومُسلِمٌ في "الطَّهارة" (٢٦٨/ ٦٧)، وأبو داوُد (٤١٤٠) معلَّقًا عن مُعاذ بن مُعاذٍ العَنبريِّ ..
والنَّسَائِيُّ (١/ ٨٧، ٨/ ١٨٥)، وابنُ خُزَيمَة (١٧٩)، وعنه ابن حِبَّان (١٠٩١) عن خالد بن الحارث ..
وأحمدُ (٦/ ٩٤، ١٨٧ - ١٨٨) قال: حدَّثَنا بهزُ بن أَسَد، وعبدُ الرَّحمن بن مَهدِيٍّ ..
стр. 1237
وأحمدُ (٦/ ١٣٠)، وأبو عَوَانة (١/ ٢٢٢) عن عفَّان بن مُسلِمٍ ..
وأحمدُ (٦/ ١٤٧)، والإِسمَاعِيليُّ في "المُستخرَج" - كما في "الفتح"-، عن غُندَرٍ ..
وأحمدُ (٦/ ٢٠٢)، وابن خُزَيمة (٢٤٤) عن يحيى القَطَّانِ ..
وأبو عَوَانة (١/ ٢٢٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٢١٦) عن بِشر بن عُمَر الزَّهرَانِيِّ ..
والطَّيَالِسِيُّ (١٤١٠)، ومن طريقه أبو عَوَانة (١/ ٢٢٢)، وإسحاقُ بن رَاهَوَيهِ في "المُسنَد" (١٤٦٣/ ٩٢٠)، والخطيبُ في "الجامع" (٩١٧) عن النَّضر بن شُميلٍ ..
وابن المُنذِر في "الأوسط" (١/ ٣٨٦)، والبيهقيُّ (١/ ٨٦) عن أبي الوليد الطَّيَالِسِيِّ ..
وابنُ سعد في "الطبقات" (١/ ٣٨٦) قال: أخابرنا يحعى بنُ السَّكَنِ ..
وابن رَاهَوَيهِ في "المُسنَد" (١٤٦٤/ ٩٢١) قال: أخبَرَنا وهبُ بن جَرِيرٍ ..
وأبو الشَّيخ في "أخلاق النَّبيِّ" (ص ٢٨٢)، عن أبي أُسامة حمَّاد بن أُسامة ..
والبَيهَقِيُّ في "المعرفة" (١/ ٣١٦) عن حجَّاج بن مِنهالٍ، قالوا جميعًا - وهم ثمانية عشر راويًا -: ثنا شُعبةُ، عن أشعث بن سُليم، عن أبيه، عن مسرُوقٍ، عن عائشة فذَكَرَته.
قال شُعبة: سمعتُ الأشعثَ بواسطَ يقول: "يُحبُّ التَّيامُن"، فذكر شأنَه كُلَّه، ثُمَّ سمعتُهُ بالكُوفة يقول: "يُحبُّ التَّيامُنَ ما استطاع".
стр. 1238
وتابعَهُم مُسلِمُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثَنا شُعبة بهذا الإسناد، إلَّا أنَّه قال: "وسواكه"، ولم يَذكُر قولَه: "في شأنه كُلِّه".
أخرَجَهُ أبو داوُد (٤١٤٠) قال: حدَّثَنا مُسلِمٌ بهذا.
ورواه جمعٌ تابَعُوا شُعبة عليه، ولم يَذكُروا هذه الزِّيادة.
وسبيل هذه الزِّيادة، عند النَّاظر في هذا التَّخريج، أن تكون شاذَّةً ..
لكنِّي لا أَحكُم بشذُوذِها، لأمرين:
أوَّلهِما: أنَّ مُسلِم بن إبراهيم ثقةٌ مأمونٌ، لم يُختلَف فيه.
الثَّاني: أنَّ زيادة السِّواك داخلةٌ في عُموم قولِه: "في شأنه كُلِّه"، ثُمَّ ذَكَر الطَّهُورَ، والتَّرجُّلَ، والتَّنعُّلَ على سبيل المثال، فلا مَانِع أن يَدخُل فيه السِّواكُ وغيرُه، ولعلَّ أشعثَ بنَ سُليمٍ كان يذكرُها ويترُكها، كما كان يقول في الكوفة: "ما استطاع"، ولا يذكرُها في مرَّةٍ أخرى.
ولستُ ممَّن يرَى قَبُول زيادة الثِّقة بإطلاقٍ، كما يراه جُمهُور الأصوليِّين والفُقهاء، فإن الحُذَّاقَ من أهل الحديث كانوا يُفصِّلون، فتارة يَقبَلُونَها، ويردُّونَها تارةً، ويَدُورُون مع القرائن.
وقد ذكرتُ قرينتين، بل ثلاثةً، تُرَجِّح قَبول زيادةِ مُسلم بن إبراهيم.
والمقامُ يَحتَمِل البسطَ، ولكن الموضعَ هنا لا يسعُهُ.
واللهُ أعلمُ.
стр. 1239
٣٢٦ - سُئلتُ عن حديث: "مَن تَرَكَ شَعرَةً لم يُصِبها الماءُ مِنَ الجنابة فَعَل اللهُ به كذا وكذا".
وذكر السَّائلُ أنَّه سمع بعض النَّاس يُصَحِّحُ رواية حمَّاد بن سَلَمة، عن عطاء بن السَّائب، ويقول: إنَّ حمَّادًا سَمِع من عطاءٍ قبل الاختلاط.
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٢٤٩)، وابنُ جَرِيرٍ في "تهذيب الآثار" (ص ٢٧٦ - ٢٧٧ رقم ٤٢ - مُسنَد عليٍّ) عن أبي سَلَمة مُوسَى بن إسماعيل ..
وابنُ ماجَهْ (٥٩٩) قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ بنُ أبي شيبة - وهذا في "المُصنَّف" (١/ ١٠٠) -، قال: حدَّثَنا أسودُ بنُ عامرٍ ..
وأحمدُ (١/ ٩٤، ١٠١) قال: حدَّثَنا حَسَنُ بنُ مُوسَى، وعفَّان بن مُسلمٍ ..
وعبدُ الله بنُ أحمد في "زوائد المُسنَد" (١/ ١٣٣) قال: حدَّثَنا إبراهيم بن الحجَّاج، ومُحمَّد بن أبان بن عِمرانَ الوَاسِطِيُّ ..
والدَّارِمِيُّ (١/ ١٥٧) قال: أخبَرَنا مُحمَّد بن الفَضل ..
وابنُ جَرِيرٍ في "التَّهذيب" (ص ٢٧٦/ رقم ٤١) عن حجَّاج بن مِنهالٍ ..
وأبو نُعيمٍ (٤/ ٢٠٠) عن يحيى القَطَّان ..
стр. 1240
والبَزَّار (٨١٣ - البحر) عن أبي الوليد الطَّيَالِسِيِّ ..
والبَيهَقِيُّ (١/ ١٧٥) عن عفَّان، وحجَّاجٍ، وعُبيد الله بن عُمَر ..
والطَّيَالسيُّ (١٧٥)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ٢٠٠)، قالوا: ثنا حمَّاد بن سَلَمة، عن عطاء بن السَّائب، عن زَاذَانَ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ مرفُوعًا.
قال عليٌّ: "ولذلك عَادَيتُ شَعرِي - أو قال: رأسي -"، وكان يَجزُّ شَعرَه.
قال أبو نُعيمٍ: "هذا حديثٌ غريبٌ، تفرَّد به حمَّادٌ، عن عطاءٍ".
ولم يتفرَّد به، كما يأتي.
وهذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لأنَّ عطاء بن السَّائب كان اختَلَط، وأجمع النُّقَّاد على أنَّ من سَمِع منه قبل الاختلاط فحديثُهُ صحيحٌ، كما قال أحمدُ وابن مَعِينٍ وأبو حاتمٍ والنَّسَائِيُّ والعِجلِيُّ، في آخَرِين. ومن سَمِع منه بعد الاختلاط فحديثُه ضعيفٌ. ومن لم يُتميَّز أَسَمِع منه قبل الاختلاط أَم بَعدَه فالتَّوقُّف في الاحتجاج بحديثه هو المتعيِّنُ المُناسِب للاحتياط.
وقد نصَّ جماعةٌ مِن أهل العلم، كابن مَعِينٍ وأبي داوُد والطَّحَاوِيِّ، أنَّ حمَّاد بن سَلَمة سَمِع عطاءً قبل الاختلاط، ولكن نَقَل العُقيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٩٩): "عن عليِّ بن المَدِينِيِّ، أنَّه قال ليحيى القطَّان: كان أبو عَوَانة حَمَل عن عطاء بن السَّائب قبل أن يَختَلِط؟ فقال يحيى القَطَّانُ: كان لا يَفصِل هذا من هذا، وكذلك حمَّاد بن سَلَمة".
وقال الحافظُ ابن حَجَرٍ في "التَّهذيب" (٧/ ٢٠٧): "فيَحصُل لنا من
стр. 1241
مجمُوع كلامِهِم أنَّ: "سُفيان الثَّوْريَّ، وشُعبةَ، وزُهيرَ، وزائدَة، وحمَّادَ بن زيدٍ، وأيُّوبَ" عنه: صحيحٌ. ومَن عَدَاهُم فيُتَوقَّف فيه، إلَّا حمَّاد بن سَلَمة، فاختَلَف قولُهم، والظَّاهرُ أنَّه سَمِع منه مرَّتين، مرَّةً مع أيُّوب، كما يُوحِي إليه كلامُ الدَّارَقُطنِيِّ، ومرَّةً بعد ذلك لمَّا دخل إليهم البصرةَ، وسَمِع منه جريرٌ وذَوُوْه" انتهَى.
وهذا التَّحقيق من الحافظ هو الصَّواب، مع أنَّه خالف ذلك في "التَّغليق" (٣/ ٤٧٠)، وكذلك شيخُه العِرَاقِيُّ في "نُكتِه على ابن الصَّلاح" (ص ٤٤٣).
وقد تُوبِع حمَّادُ بنُ سَلَمة ..
تابعه عبد العَزِيز بن أبي روَّادٍ، عن عطاء بن السَّائب بهذا الإسناد.
أخرَجَه الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٧٠٣٤)، وفي "الصَّغير" (٩٨٧) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ الأعجم الصَّنعَانِيُّ، ثنا حَرِيزُ بنُ المُسلِم - بالحاء المُهمَلة، ثُمَّ راءٍ، وآخرِهُ زايٌ مُعجَمةٌ -، ثنا عبدُ المَجِيد بنُ عبد العزيز بن أبي روَّادٍ، عن أبيه بهذا الإسناد.
قال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن عبد العزيز بن أبي رَوَّادٍ إلَّا ابنُه. تفرَّد به حَرِيزُ بن المُسلِم".
ورواهُ أيضًا شُعبةُ بنُ الحجَّاج، عن عطاء بن السَّائب بهذا. أخرَجَهُ ابنُ المُظَفَّر في "غرائب شُعبة" (ق ٢٦/ ١)، كما ذَكَرَه مُحَقِّقُ كتاب "الكواكب النَّيِّرات" (ص ٣٣٠)، ولكنَّهُ لم يَذكُر إسنادَه إلى شُعبة.
стр. 1242
ولكن نَقَل صاحبُ "الكواكب" عن يحيى القَطَّان، أنَّ شُعبة سَمِع من عطاءٍ، عن زَاذَانَ، حدِيثَين في الاختلاط، واستَظهَر المُحَقِّقُ أنَّ هذا أحدُهُما.
والصَّوابُ في هذا الحديث الوقفُ، كما رواه حمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عطاء بنِ السَّائب بهذا الإسناد، على ما ذَكَره الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٣/ ٢٠٨).
وحمَّادُ بنُ زيدٍ كان ممَّن سمِع من عطاء بن السَّائب قَبلَ الاختلاطِ، كما قال يَحيَى القطَّانُ، والبُخاريُّ، وغيرُهُما.
وأغرَبَ الحافظُ، فرجَّح في "التَّلخيص" (١/ ١٤٢) صِحَّةَ إسناد حديث حمَّاد بن سَلَمة، وبناه على أنَّ حمَّاد بن سلَمة سَمِع من عطاءٍ قَبل الاختلاط، وقد قدَّمنا الجَوابَ عن ذلك.
واللهُ أعلمُ.
стр. 1243
٣٢٧ - سُئلتُ عن حديث: المسحِ على العَصَائِب والتَّسَاخِين.
* قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٦٤١)، والحاكم (١/ ١٦٩)، والطَّبَرانيُّ في "مُسنَد الشَّاميِّين" (٤٧٧)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٦٢) عن أحمد بن حنبل، وهو في "مُسنَده" (٥/ ٢٧٧) ..
وأبو عُبيدٍ في "غريب الحديث" (١/ ١٨٧) ..
والطَّبَرانيُّ في "مُسنَد الشَّامِيِّين" (٤٧٧) عن مُسدَّد بن مُسَرهَدٍ، قال ثلاثتهم: ثنا يَحيَى بنُ سعيدٍ القَطَّان، عن ثَوْر بن يزيد، عن راشد بن سعدٍ، عن ثوبان، قال: بَعثَ رسُول الله ﷺ سريَّةً، فأصابَهُم البَرْدُ، فلمَّا قَدِمُوا على النَّبيِّ ﷺ ، شَكَوا إليه ما أصابهم من البَرْد، فأَمَرَهم أن يَمسَحُوا على العَصَائِب والتَّسَاخِين.
وقال الحاكمُ: "صحيحٌ على شرط مُسلِمٍ".
وليس كما قال؛ فإنَّ ثورًا لم يَروِ له مُسلِمٌ. وراشدُ بنُ سعدٍ لم يحتجَّ به الشيخانِ، كما قال الزَّيلَعيُّ في "نصب الرَّاية" (١/ ١٦٥).
وصحَّح النَّوَوِيُّ إسنادَهُ في "المجموع" (١/ ٤٠٨).
ولكن أعلَّه الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "التَّلخيص" بقوله: "هو مُنقَطِعٌ"، ولعلَّه يشيرُ إلى ما نَقَلُوه عن أحمد وأبي حاتمٍ وإبراهيم الحَربِيِّ: "أنَّ راشد بن سعدٍ لم يَسمَع مِن ثوبان".
стр. 1244
وخالَفَهُم في هذا الإمامُ البُخاريُّ، فإنَّه ترجم لراشد بن سعدٍ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ١/ ٢٩٢)، وقال: "سَمِع ثوبان"، والبُخاريُّ حُجَّةٌ في هذا الباب. وروى عن حَيْوَةَ، ثنا بقيَّةُ، عن صفوان بن عَمْرٍو، قال: "ذَهَبَت عينُ راشدٍ يوم صِفِّين"، فهذا يردُّ قولَ أَحمدَ ومَن مَعهُ بالانقطاع؛ فإنَّ ثوبان مات سنة أربعٍ وخمسين، ومات راشدٌ سنة ثمانٍ ومائة، فقد عاصَرَه ما يُقارِب عشرين عامًا، ولا يُعلَم عنه تدليسٌ، ولذلك قوَّى الذَّهَبِيُّ في "السِّير" (٤/ ٤٩١) إسناد هذا الحديث.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 1245
٣٢٨ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ مِن أَحسَن النَّاس صوتًا بالقُرآن مَن إِذَا سَمِعتُمُوه يقرأُ حَسِبتُمُوه يخشى اللهَ".
* قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
وَرَدَ من حديث جابرٍ، وابنِ عُمَر، وابن عبَّاسٍ، وأبي هُريرَة، وعائشةَ. ومن مُرسَل طاوُوسٍ، والزُّهرِيِّ.
* أوَّلًا: حديثُ جابرٍ ﵁.
أخرَجَهُ البُخارِيُّ في "خَلق أفعال العِباد" (٢٨٦) مُعلَّقًا بصيغَة التَّمريض. ووصله: ابنُ ماجَهْ (١٣٣٩)، والآجُرِّيُّ في "أخلاق حَمَلة القُرآن" (٨٣)، وفي "فوائده"، وابنُ أبي داوُد في "كتاب الشَّريعة" - كما في "إتحاف السَّادة" (٤/ ٥٢١) - من طُرُقٍ عن عبد الله بن جعفرٍ المَدِينِيِّ، عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّعٍ، عن أبي الزُّبَير، عن جابرٍ مرفُوعًا فذَكَره.
قال العِرَاقِيُّ في "تخريج أحاديث الإحياء" (١/ ٢٨٦): "سنَدُهُ ضعيفٌ".
وقال البُوصِيرِيُّ في "الزَّوائد" (٤٣٦/ ١): "هذا إسنادٌ ضعيفٌ؛ لضعف إبراهيمَ بنِ إسماعيل بن مُجَمِّعٍ، وعبدِ الله بن جعفرٍ".
* قلتُ: وعنعنةُ أبي الزُّبَير أيضًا.
стр. 1246
فالصَّوابُ أنَّ السَّند ضعيفٌ جدًّا. واللهُ أعلَمُ.
* ثانيًا: حديثُ ابن عُمَر ﵄.
أخرَجَهُ ابنُ حِبَّان في "المجروحين" (١/ ١٥٧) قال: حدَّثَنا أبو بِشرٍ أحمدُ بنُ مُحمَّد بن مُصعَبٍ، قال: ثنا أبي، وعَمِّي، قالا: ثنا أبي، ثنا يحيى بنُ عُثمان، ثنا شُعبةُ، والثَّوْرِيُّ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عُمَر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل: "أيُّ النَّاسِ أحسنُ صوتًا؟ "، قال: "مَن إِذَا قرأ رأيتَ أنَّه يَخشَى الله ".
وهذا سَنَدٌ ساقطٌ؛ وأبُو بِشرٍ هذا قال فيه تلميذُهُ ابنُ حِبَّان: "كان ممَّن يَضَعُ المتون للآثار، ويَقلِب الأسانيد للأخبار … ولعله أَقلَب على الثِّقات أكثرَ مِن عشرة آلاف حديثٍ".
لكن له طريقٌ آخرُ عن عبد الله بن دينارٍ ..
أخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٣/ رقم ٢٣٣٦)، والرُّوْيَانِيُّ في "مُسنَده" (ج ٣١/ ق ٢٤١/ ١)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ١١٤/ ٢ - ٢/ ٨٤/ ١ - ٢)، وتمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٣١٩)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٦٩٣)، والخطيبُ في "تاريخه" (٣/ ٢٠٨)، وفي "تلخيص المُتشابه" (١٢٩/ ١) من طريق مُحمَّد بن مَعمرٍ البَحرَانِيِّ، نا حُميدُ بنُ حمَّاد بن أبي الخُوَار، عن مِسعَرٍ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عُمَر، قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : "مَن أحسنُ صوتًا بالقرآن؟ "، قال: "من إذا سمعتَ قراءَتَهُ رأيتَ أنه يَخشَى الله ".
قال البَزَّارُ: "لم يُتابَع حُميدٌ على روايته هذه، إنَّما يرويه مِسعَرٌ، عن
стр. 1247
عبد الكَريم، عن مُجاهدٍ مُرسَلًا. ومِسعَرٌ لم يُحدِّث عن عبد الله بن دينارٍ بشيءٍ. ولم نَسمَع هذا الحديث إلَّا مِن مُحمَّد بن مَعمَرٍ، أخرَجَه إلينا مِن كتابه".
وقال الطَّبَرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديث عن مِسعَرٍ إلَّا حُميدُ بنُ حمَّادٍ. تفرَّد به مُحمَّدُ بنُ مَعمَرٍ".
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "وهذا عن مِسعَرٍ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عُمَر، لم يَروِه إلَّا حُميدُ بنُ حمَّادٍ هذا، وقد رُوِي هذا الحديثُ: "عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم المُعلِّمِ، عن طاوُوسٍ، قال: سُئِل النَّبيُّ ﷺ ": مُرسَلٌ، ووَصَلَهُ إسماعيلُ بن عَمْرٍو البَجَلِيُّ، عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ".
وقال الخطيبُ: "تفرَّد بروايته ابنُ خُوَارٍ، وخالفه إسماعيلُ بنُ عَمْرٍو، عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ".
• قلتُ: وحُميدُ بنُ حمَّاد بن أبي الخُوَار - بضمِّ الخاء المُعجَمة، وتخفيف الواو، آخرُه راءٌ - ضعَّفه أبو داوُد، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "هو قليلُ الحديث، وبعضُ أحاديثه، على قِلَّتِها، لا يُتابَعُ عليه"، ومن تدبَّر ما أورَدَهُ له ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" عَلِم أنَّه واهٍ.
وخالفه إسماعيلُ بنُ عَمْرٍو البَجَلِيُّ، كما يأتي إن شاء اللهُ.
ورأيتُ له طريقًا آخر عن ابن عُمَر ﵄.
أخرَجَه الخَليليُّ في "الإرشاد" (٣/ ٩٦٩) قال: حدَّثَني أحمدُ بنُ مُحمَّد بن الحُسَين الحافظُ، حدَّثنا أبو مُحمَّدٍ عِصْمَةُ بنُ محمُودٍ البِيْكَندِيُّ، حدَّثَنا
стр. 1248
إسحاقُ بن أحمَد بن خَلَفٍ البُخارِيُّ، حدَّثَنا إسحاقُ بن حمزة، حدَّثنا عيسى بنُ مُوسى، عن عبد الله بن كَيْسَانَ، عن يَحيَى بنِ يَعمَر، عن ابن عُمَر، قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ : "مَن أحسنُ صوتًا بالقُرآن؟ "، قال: "الذي يَخافُ اللهَ ".
قال ابنُ عُمَر: "ولا أعلَمُ إلَّا أنَّ طَلْقَ بنَ حبيبٍ مِن أَخوَفِهِم لله تعالى".
قال الخَلِيليُّ: "لم يَروِهِ إلَّا عبدُ الله بنُ كَيْسانَ، وعنه: عِيسَى غُنْجَارُ".
ثُمَّ رأيتُهُ في "عِلَل الحديث" (١٨٥٠) لابن أبي حاتِمٍ، قال: "سألتُ أبي عن حديثٍ رواه مُحمَّدُ بنُ أميَّة السَّاوِيُّ، عن عِيسَى بن مُوسَى التَّيمِيِّ البُخاريِّ المعروفِ بالغُنْجَارِ، عن عبد الله بن كَيْسانَ، عن يحيى بن يَعمَر، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ سُئل: "مَن أحسَنُ النَّاس صوتًا بالقُرآن؟ "، قال: "أخوَفُهُم لله". وقال ابنُ عُمَر: "ولا أعلَمُ إلَّا أنَّ طَلق بن حبيبٍ مِن أخوَفِهِم لله"؟ فسمِعتُ أبي يقولُ: هذا حديثٌ غريبٌ مُنكَرٌ".
فاعتَرَضهُ أبو الفَيضِ الغُماريُّ في "المُداوِي" (١/ ٢٢٦) قائلًا: "لم يُبيِّن عِلَّته، فهو غيرُ مقبُولٍ؛ إذ الحديثُ كما تَرَى له طُرُقٌ متعدِّدةٌ، لا يَجُوزُ أن يكون مَعَهَا غريبًا منكَرًا".
• قلتُ: وهو مِن أغرَب الاعتِراضَاتِ وأسمَجِها؛ وعِلَّتُهُ ظاهِرَةٌ كالشَّمس، ألَا وهي: عبدُ الله بنُ كَيْسَانَ أبو مُجاهِدٍ. قال البُخارِيُّ: "مُنكَرُ الحَدِيث"، وضعَّفه أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ. وقال النَّسائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ: "ليس بالقَوِيِّ"، وقال العُقَيلي: "في حديثه وَهَمٌ كثيرٌ".
стр. 1249
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "ولعبد الله بن كَيْسَانَ، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ، أحادِيثُ غيرُ ما أَمليتُ غيرُ محفُظَةٍ. وعَن ثابتٍ، عن أنسٍ كذلك".
وقد صرَّح الخَلِيلِيُّ أنَّه تفرَّد به، فكيف يكُونُ حديثُ مَن هذا وَصفُهُ؟ وتَسَاهَل الحافِظُ في أمرِهِ فقال في "تقريبِهِ": "صَدُوقٌ يُخطِئُ كثيرًا" وكان يَنبَغِي أن يَجزم بضعفِهِ.
ولا قِيمَةَ لتَوثيق ابن حِبَّان إيَّاه. والله أعلَم.
* ثالثًا: حديثُ ابن عبَّاسٍ ﵄.
فيرويه إسماعيلُ بنُ عَمْرٍو البَجَلِيُّ، عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ : "مَن أَحسَنُ النَّاس قراءةً؟ "، قال: "مَن إِذَا قرأ رأيتَ أنَّه يَخشَى الله ".
أخرَجَهُ ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٢/ ٦٩٣)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٥/ رقم ١٩٥٨)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ١٩)، وفي "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٠)، وابنُ مَرْدَوَيهِ في "أحادِيث أبي الشَّيخ" (٥)، والخَطيبُ في "المُتَّفِق والمُفتَرِق" (٢٠٢).
قال أبو نُعيمٍ: "غريبٌ من حديث مِسعَرٍ، لم يَروِه عنه مرفُوعًا موصُولًا إلا إسماعيلُ" ا. هـ.
وإسماعيلُ هذا مُنكَر الحديث، لذلك قال ابنُ عَدِيٍّ: "والرِّوايتان جميعًا غيرُ محفوظتين"، يعني حديث ابن أبي الخُوَار، وإسماعيل بن عَمْرٍو، كليهما عن مِسعَرٍ.
وخالفهما وكيعُ بنُ الجرَّاح، وجعفرُ بنُ عونٍ، وأبو أُسامة حمَّادُ بنُ
стр. 1250
أُسامة، فرَوَوْه عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ، قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ عن أحسن النَّاس قراءةً … الحديث.
أخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ (٢/ ٣٣٨)، وابنُ أبي شيبة (٣/ ٥٢٢، و ١٠/ ٤٦٤ - ٤٦٥)، وابنُ نَصرٍ في "كتاب الصَّلاة" - كما في "إتحاف السَّادة" (٤/ ٥٢١) -، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٥/ رقم ١٩٥٩).
قال ابنُ عَدِيٍّ: "الصَّوابُ مُرسَلٌ".
وقال الزَّبِيدِيُّ في "الإتحاف": "هذا مُرسَلٌ حَسَنٌ السَّنَد" كذا!!
وعبدُ الكَريم هو ابنُ أبي المُخَارِق، وهو ضعيفٌ، ومع ضعفه، فإنَّ الإرسالَ هو الصَّوابُ قطعًا.
وقد سُئل الدَّارَقُطنِيُّ - كما في "العِلل" (٢/ ٣٨/ ١) -، عن هذا الحديث، فقال: "المحفوظُ: عن مِسعَرٍ، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ: مُرسَلٌ".
وممَّا يُؤيِّد هذا الحُكمَ، أنَّ سُفيانَ بن عُيَينة رَوَى، عن عبد الكَريم، قال: قال لي طاووسٌ وأنا أَطُوفُ معه: "والله! ما سمِعتُ رجُلًا أحسنَ قراءةً مِن طلق بن حبيبٍ"، ورَفَعَ طاووسٌ يديه إلى السَّماء، وسُئل: "أيُّ النَّاس أحسنُ قراءةً؟ "، قال: "مَن إذا سَمِعتَه يقرأُ رأيتَ أنَّه يَخشَى الله. - قال: - وكان طَلْقٌ كذلك".
أخرَجَهُ الفاكِهِيُّ في "أخبار مكَّةَ" (١٥٨٢) قال حدَّثَنا مُحمَّدُ بن أبي عُمَر - هو العَدَنِيُّ -، قال: ثنا سُفيانُ بهذا.
وأخرَجَهُ عبدُ الله بنُ أحمد في "زوائد الزُّهد" (ص ١٧٤)، ومِن طريقه
стр. 1251
أبُو نُعَيمٍ في "الحِلية" (٣/ ٦٤) قال: حدَّثَنا أبُو مَعمَرٍ، ثنا سُفيانُ، عن عبد الكَريم بن أبي أميَّة، عن طلقٍ، قال: "أحسَنُ النَّاس صوتًا بالقُرآن الذي إذا قرأَ رأيتَ أنَّه يَخشَى الله ".
قال عبدُ الكريم: وكان طلقٌ كذلك.
قال عبدُ الكَريم: قال طَلقٌ: "إنِّي لأشتهِي أن أقوم حتَّى يَشتكِي صُلبي"، وكان طَلقٌ يفتَتِحُ البَقرةَ، فلا يَركَعُ حتَّى يبلُغ العنكبوتَ.
• قلتُ: كذا رواه أبو مَعمَرٍ، عن سُفيان، فجعله من كلام طلقِ بن حبيبٍ.
وروايَةُ مُحمَّد بن أبي عُمر جيِّدةٌ مُفسِّرَةٌ.
وقَولُه: "إنِّي لأَشتَهِي … الخ" ..
أخرَجَه الفاكِهِيُّ (١٥٨٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن أبي عُمَر ..
وأبُو نُعَيمٍ (٣/ ٦٤) عن الحُمَيدِيِّ، قالا: ثنا سُفيانُ بهذا.
ومِمَّا يُقَوِّي روايَةَ الإرسالِ أنَّ ابن جُريجٍ رواه، عن عبد الكَريم، عن طاوُوسٍ مُرسَلًا.
أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٢/ رقم ٤١٨٥).
وأخرجه أبو عُبيدٍ في "الفضائل" (ص ٨٠) قال: حدَّثَنا قَبِيصَةُ، عن سُفيانَ الثَّوريِّ، عن ابن جُريجٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيه، وعن الحَسَن بن مُسلِمٍ، عن طاوُوسٍ مُرسَلًا.
وخُولِف أبو عُبيدٍ ..
خالَفَهُ أحمدُ بنُ عُمَر الوَكِيعِيُّ، قال: حدَّثَنا قَبِيصَةُ، ثنا سُفيانُ، عن
стр. 1252
ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ، عن ابن عبَّاسٍ، قال: سُئل النَّبيُّ ﷺ : "أيُّ النَّاس أحسنُ قراءةً؟ "، قال: "إذا قرأَ رأيتَ أنَّهُ يخشى اللهَ".
أخرجه أبُو سعيدٍ النَّقَّاش في "فوائد العِراقِيِّين" (٥)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٣/ ٣١٧)، وقال: "هذا حديثٌ غريبٌ من حديث الثَّوْريِّ، عن ابن جُريجٍ، عن عطاءٍ. انفرد به أحمدُ بنُ عُمَر، عن قَبِيصَة" ا. هـ.
• قلتُ: والوَكِيعِيُّ وثَّقَه ابنُ مَعِينٍ وغيرُه، ولكن قال ابنُ حِبَّان: "كان يُغرِب"، فرواية أبي عُبيدٍ أرجَحُ من روايته. واللهُ أعلَمُ.
وأخرَجَهُ ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١١٣) من طريق عُمَر بن سعيد بن أبي حُسينٍ، عن رجُلٍ، عن طاوُوسٍ مُرسَلًا.
وأخرَجَهُ أبو عُبيدٍ في "الفضائل" (ص ٨٠)، وفي "الغريب" (٢/ ١٤١)، وعبدُ الله بن أحمدَ في "زوائد الزُّهد" (ص ٢١٣) من طريق ليثِ بنِ أبي سُليم، عن طاوُوسٍ، قال: "أحسَنُ النَّاس صوتًا بالقُرآن أخشاهُم لله ".
وليثٌ ضعيفُ الحديث.
وخالَفَهُم عَمْرُو بنُ دينارٍ، فرواه عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ أحسن النَّاس قراءةً مَن إِذَا قرأ تحزَّن".
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١٠٨٥٢)، ومن طريقه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ١٩) قال: حدَّثَنا يحيى بنُ عُثمان بن صالحٍ، ثنا أبي، ثنا ابنُ لَهِيعة، عن عَمْرو بن دينارٍ فذَكَرَه.
وابنُ لَهِيعة يُضعَّفُ في الحديث.
стр. 1253
ورواه الأحولُ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عُمَر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قيل له: "أيُّ النَّاس أحسنُ قراءةً؟ "، قال: "الذي إذا سمعتَ قِراءَتَهُ رأيتَ أنَّه يخشى الله".
أخرَجَهُ ابنُ نصِرٍ في "قيام اللَّيل" (ص ١٣٨)، من طريق مرزُوقٍ أبي بَكرٍ، عن الأحولِ.
والأحولُ هو: عاصمٌ.
ومرزوقٌ أبو بَكرٍ الباهليُّ مُختلَفٌ فيه، فوثَّقَه أبو زُرعَة، وابنُ حِبَّان، وقال: "يُخطِئ". وقال ابنُ خُزَيمة: "أنا بريءٌ من عُهدَتِه"، وهذه عادَتُه فيمن لا يَحتَجُّ به.
ثُمَّ رأيتُ الحديثَ في "المُنتخَب" (٨٠٢) لعبد بن حُميدٍ، و"أخبار أصبَهَانَ" (١/ ٣٠٣) لأبي نُعيمٍ، لكنَّهُ سمَّى الأحولَ سُليمانَ.
وسُليمانُ بنُ أبي مُسلِمٍ الأحولُ يَروِي عن طاوُوسٍ أيضًا، وإن كان المذكورُ في ترجمة مَرزُوقٍ الباهليِّ، هو عاصمٌ. فاللهُ أعلَمُ.
وهذه الرِّوايةُ أَولَى مِن رواية ابن لَهِيعة، لكن تَبْقَى المُخالَفةُ.
وذَكَر الزَّبِيدِيُّ في "الإتحاف" (٤/ ٥٢٢)، أنَّ السِّجْزِيَّ رواه في "الإبانة"، من طريق طاوُوسٍ، عن أبي هُريرَة.
فهذا اختلافٌ شديدٌ على طاوُوسٍ.
والصَّوابُ عِندِي في هذا الحديث الإرسالُ.
وقد أخرَجَهُ ابنُ المُبارَك في "الزُّهد" (١١٤)، ومِن طريقِهِ الآجُرِّيُّ في "أخلاق حَمَلة القُرآن" (٨٤) من طريق يُونُسَ بنِ يزيد، عن الزُّهرِيِّ،
стр. 1254
قال: بَلَغَنَا أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "إنَّ مِن أحسن النَّاس صوتًا بالقُرآن الذي إذا سمِعتَه يقرأُ أُرِيْت أنَّهُ يَخشَى الله ".
وهذا سَنَدٌ مُعضَلٌ، أو مُرسَلٌ.
* رابعًا: حديثُ عائشةَ ﵂.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٥٨) من طريق ابن أَشْكِيبَ، ثنا يحيى بنُ عُثمان بن صالحٍ المِصرِيُّ، ثنا أبي، ثنا ابنُ لَهِيعة، عن يزيد بن يزيد - وهو ابن جابرٍ -، عن ابن شهابٍ، عن عُروة، عن عائشة مرفُوعًا: "إنَّ أحسَنَ النَّاس قراءةً الذي إذا قَرَأَ رأيتَ أنَّه يخشى الله".
• قلتُ: وهذا مِن وُجوه الاختلاف على ابن لَهِيعة فيه.
وقد خالف الطَّبَرانِيُّ ابنَ أَشكِيبَ، فرواه عن يحيى بن صالحٍ المِصرِيِّ، عن أبيه، عن ابن لَهِيعة، عن عَمْرو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ كما مرَّ ذِكرُه.
وكُلُّ هذه الوُجُوه ضعيفةٌ، لا يُعتَبرُ بها، ولا يَتَقَوَّى بها الحديثُ؛ لأنَّ طُرُقَه تعدَّدَت من أَثَر اضطراب رُوَاتِه.
والصَّواب في الحديث الإرسالُ، كما قدَّمتُ، ولَم يُصِب مَن قوَّاه.
واللهُ تعالى أعلَمُ.
стр. 1255
٣٢٩ - سُئلتُ عن حديث: أنَّ صحابيًّا أَذنَب ذنبًا، فهَرَب في الجبال بسببه، وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أَرسَل في طَلَبِه، وأخبَرَه أنَّ الله غَفَر له، ولمَّا مات هذا الصَّحابيُّ لم يَستَطِع النَّبيُّ ﷺ أن يُشَيِّعه من كثرة مَن حَضَره من الملائكة.
• قلتُ: بحثتُ عن هذه الحِكاية حتَّى ظفرتُ بها، وهي حكايةٌ باطلةٌ، لا يَشُكُّ حديثيٌّ مُبتدِئٌّ في بُطلانها.
فأخرَجَ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٣/ ٢٧٦ - ٢٧٩)، وأبو عَمْرٍو الدَّرَّاجُ عُثمانُ بنُ عُمَر في "جزءٍ من حديثه" (ق ١٧٥/ ٢ - ١٧٦/ ١ - مجموع ٤٥)، وابنُ شاهين، وابنُ مَندَهْ في "الصَّحابة" - كما في "الإصابة" (١/ ٤٠٥) - من طريق مَنصُور بن عمَّارٍ، عن المُنكدِر بن مُحمَّد بن المُنكدِر، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ فتًى من الأنصار، يُقال له ثعلبةُ بنُ عبد الرَّحمن، وكان يَخدُم النَّبيَّ ﷺ ، وأنَّ رسُولَ الله ﷺ بعثه في حاجةٍ، فمرَّ بباب رَجُلٍ من الأنصار، فرأى امرأةَ الأنصاريِّ تغتَسلُ، فكرَّر إليها النَّظرَ، وخاف أن يَنزِل الوحيُ على رسُول الله ﷺ ، فَخَرَجَ هاربًا على وَجهِه، فأتى جِبالًا بين مكَّةَ والمدينةِ، فوَلَجَها، ففقده رسُولُ الله ﷺ أَربَعين يومًا - وهي الأيَّامُ التي قالوا: وَدَّعَهُ ربُّه وقلاه -، ثُمَّ إنَّ جبريل نَزَل على رسُول الله ﷺ ، فقال: "يا مُحمَّدُ! إنَّ ربَّك يَقرَأُ عليك السَّلامَ،
стр. 1256
ويقول لك: إنَّ الهاربَ من أُمَّتك، بين هذه الجِبال، يتعوَّذُ بي من ناري"، فقال رسُولُ الله ﷺ : "يا عُمَرُ! ويا سَلمَانُ! انطلِقا، فأتياني بثعلبةَ بنِ عبد الرَّحمن"، فخرَجَا في أنقاب المدينة، فلَقِيَهُما راعٍ من رِعاءِ المدينة، يُقال له ذُفَافَةُ، فقال له عُمَرُ: "يا ذُفافةُ! هل لك علمٌ بشابٍّ بين هذه الجبال؟ "، فقال له ذُفافةُ: "لعلَّك تُرِيد الهاربَ من جهنَّم؟ "، فقال له عُمَرُ: "وما عِلمُك أنَّه هرب مِن جهنَّمَ؟ "، قال: "لأنَّه إذا كان في جوف اللَّيل، خَرَج علينا من بين هذه الجِبَال، واضعًا يده على أُمِّ رأسِه، وهو يقُول: يا ربِّ! ليت قَبَضتَ رُوحِي في الأرواح، وجَسَدِي في الأجساد، ولا تُجَرِّدْني في فصل القضاء"، قال عُمَرُ: "إيَّاه نُرِيدُ"، - قال: - فانطَلَقَ بهم ذُفَافةُ، فلمَّا كان في جَوْف اللَّيل، خَرَج عليهم مِن بين تلك الجبال، واضعًا يده على أُمِّ رأسه، وهو يقُول: "يا ليت قبضتَ رُوحِي في الأرواح، وجَسَدِي في الأجسادِ، ولم تُجَرِّدني لفصل القضاء"، - قال: - فعدا عليه عُمَرُ، فاحتَضَنه، فقال: "الأمانَ! الأمانَ! الخلاصَ من النَّار! "، فقال له عُمَرُ بنُ الخطَّاب: "أنا عُمَرُ بنُ الخطَّاب"، فقال: "يا عُمَرُ! هل عَلِم رسُول الله ﷺ بِذَنبِي؟ "، قال: "لا عِلم لي، إلَّا أنَّه ذَكَرَك بالأمس، فبَكَى رسُولُ الله ﷺ ، فأَرسَلَني وسَلمانَ في طلبك"، فقال: "يا عُمَرُ! لا تُدخِلني عليه إلَّا وهو يُصَلِّي، أو بلالًا يقولُ: قد قامت الصَّلاة"، قال: "أَفعَلُ"، فأقبَلُوا به إلى المدينة، فوَافَقُوا رسُولَ الله ﷺ وهو في صلاه الغَدَاة، فبَدرَ عُمَرُ وسَلمانُ الصَّفَّ فما سَمِع قراءةَ رسُولِ الله ﷺ حتَّى خرَّ مغشِيًّا عليه، فلمَّا سَلَّم رسُولُ الله ﷺ ، قال:
стр. 1257
"يا عُمَرُ! ويا سَلمانُ! ما فَعَل ثعلبةُ بنُ عبد الرَّحمن؟ "، قالا: "ها هو ذا يا رسُولَ الله! "، فقام رسُولُ الله ﷺ ، فأتاه، فقال: "يا ثعلبةُ! "، قال: "لبَّيك، يا رسُول الله! "، فنَظَر إليه، فقال: "ما غيَّبَك عنِّي؟ "، قال: "ذَنْبِي يا رسُول الله! "، قال: "أَفَلَا أدلُّك على آيةٍ تَمحُو الذُّنوبَ والخطايا؟ "، قال: "بلى، يا رسُول الله! "، قال: "قُل: اللَّهُمَّ! آتِنا في الدُّنيا حسنةً وفي الآخرة حسنَةً وقِنا عذاب النَّار"، قال: "ذَنبِي أَعظمُ، يا رسُول الله! "، فقال رسُولُ الله ﷺ : "بل كلامُ الله أَعظمُ"، ثُمَّ أَمَرَه رسُول الله ﷺ بالانصراف إلى مَنزِله، فمَرِض ثمانيةَ أيَّامٍ، فجاء سَلمانُ إلى رسُول الله ﷺ ، فقال: "يا رسُول الله! هل لك في ثَعلَبةَ؟ فإنه لمًّا به"، فقال رسُولُ الله ﷺ : "قُومُوا بنا إليه"، فلما دَخَل عليه، أَخَذَ رسُولُ الله ﷺ رأسه، فوضعه في حِجرِه، فأزال رأسَه عن حِجرِ رسُول الله ﷺ ، فقال له رسُولُ الله ﷺ : "لِمَ أزلتَ رأسَك عن حِجرِي؟ "، قال: "إنَّه مِنَ الذُّنُوب ملآنٌ"، قال: "ما تَجِدُ؟ "، قال: "أَجِد مثل دَبِيب النَّمل بين جِلدِي وعَظْمِي"، قال: "فما تَشتَهِي؟ "، قال: "مغفِرَةَ ربِّي"، - قال: - فنزل جِبريلُ على رسُول الله ﷺ ، فقال: "إنَّ ربَّك يُقرِئُك السَّلامَ، ويقول: لو أنَّ عبدي هذا لَقِيَنِي بقُراب الأرضِ خطيئةً، لَلَقِيتُهُ بقُرابها مغفرةً"، فقال له رسُولُ الله ﷺ : "أَفَلا أُعلِمُه ذلك؟ "، قال: "بلى"، - قال: - فأعلَمَهُ رسُولُ الله ﷺ ذلك، فصاح صيحةً، فمات، فأمَرَ رسُولُ الله ﷺ بِغَسلِه وكَفْنِه، وصَلَّى عليه، فجَعَل رسُول الله ﷺ يَمشِي على أطراف أنامله، فقالوا: "يا رسُولَ الله! رأيناك تَمشِي على
стр. 1258
أطراف أناملك؟ "، قال: "والذي بَعَثَنِي بالحقِّ! ما قَدَرتُ أن أَضَعَ رِجلِي على الأرض مِن كَثرَة أجنحة من نَزَل ليشيِّعَه من الملائكة".
قال ابنُ مَندَهْ بعد أن رواه: "تفرَّد به منصورٌ".
وقال الحافظُ في "الإصابة" (١/ ٤٠٦): "وفيه ضعفٌ، وشيخُه أضعفُ منه".
* قلتُ: أمَّا منصورٌ، فضعيفٌ جدًّا، قال أبو حاتمٍ: "ليس بالقويِّ".
وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "يَروِي عن ضعفاءَ أحاديثَ لا يُتابَعُ عليها".
وقال ابنُ عَدِيٍّ: "مُنكَر الحديث".
وخَتَم الذَّهَبِيُّ ترجمته في "الميزان" (٤/ ١٨٨) بقوله: "وساق له ابنُ عَدِيٍّ أحاديثَ تَدُلُّ على أنه واهٍ في الحديث".
أَضِف إلى ما تقدَّم قولَ العُقيليِّ: "فيه تَجَهُّمٌ".
وقال ابنُ أبي شيبة: "كُنَّا عند ابن عُيَينة، فجاء منصورُ بنُ عمَّارٍ، فسأله عن القُرآنِ، فزَبَرَهُ، وأشار إليه بعُكَّازِهِ، فقيل: يا أبا مُحمَّدٍ! إنَّه عابدٌ؟ فقال: ما أراه إلَّا شيطانًا".
وأمَّا شيخُه المُنكدِرُ بنُ مُحمَّد بن المُنكدِر، فقال أبو حاتمٍ: "كان رَجلًا صالحًا، لا يَفهَم الحديث، وكان كثير الخَطَإِ، لم يَكُن بالحافظ لحديث أبيه"، وضعَّفه ابنُ عُيَينة، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وأبو زُرْعَة، وأبو داوُد، والجُوْزْجَانِيُّ، ويعقُوبُ بنُ سُفيان، والعِجِليُّ، وآخَرون. ووَثَّقه أحمد، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، ولخَّص ابنُ حِبَّانَ حالَه، فقال في "المجروحين" (٣/ ٤٢): "كان مِن خيار عِبَاد الله، فقطعته العبادةُ عن مُراعَاة الحِفظ،
стр. 1259
فكان يأتي بالشَّيء تَوَهُّمًا، فبَطل الاحتجاجُ بأخباره".
وهناك عِلَّةٌ أخرى تُبطِل هذا الخبرَ ..
فقال ابنُ الأثير في "أُسْد الغابة" (١/ ٢٩٠): "وفيه نَظَرٌ غيرُ إسنادِه، فإنَّ قولَه تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، نَزَلت في أوَّل الإسلامِ والوحيِ، والنَّبيُّ ﷺ بمكَّة، والحديثُ في ذلك صحيحٌ، وهذه القِصَّةُ كانت بعد الهِجرة، فلا يَجتَمِعان".
وقال الحافظ في "الإصابة": "وفي السِّياق ما يَدُلُّ على وَهَن ذلك الخَبَر، لأنَّ نُزُولَ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣]، كان قبل الهِجرَة بلا خلافٍ" انتهى.
стр. 1260
٣٣٠ - سُئلتُ عن حديثٍ: عن عائشة ﵂، قالت: دَخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ وأنا أبكي، فقال: "ما يُبكِيكِ؟ "، فقلتُ: "سَبَّتنِي فاطمةُ"، قال: "يا بُنيَّةُ! أليس تُحِبِّين ما أُحِبُّ، وتُبغِضِين ما أُبغِضُ؟ "، قالت: "بلى"، قال: "فَأَحِبِّي عائشةَ؛ فإنِّي أُحِبُّها"، فقالت فاطمةُ: "ما أقول لعائشة شيئًا تَكرَهُه أبدًا".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ بهذا السِّياق، وقد ورد لبعضه شاهدٌ صحيحٌ، يأتي ذِكرُه إن شاء الله.
فأخرَجَهُ أبو يَعلَى (٤٩٥٥) قال: حدَّثَنا هارُونُ بنُ عبد الله ..
والبَزَّارُ (٢٦٦١) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ سعيدٍ الجَوهَرِيُّ ..
والرُّوياني، ومن طريقه اللَّالَكَائِيُّ في "شرح الأصول" (٢٧٥٢)، وأبو عَرُوبة الحَرَّانِيُّ في "حديثه" (٣٠) قالا: ثنا أبو كُريبٍ مُحمَّدُ بنُ العلاء - زاد أبو عَرُوبة: ومُحمَّدُ بنُ عُثمان بن كرامة -، قالوا: ثنا أبو أُسامة، عن مُجالِدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن مَسرُوقٍ، عن عائشة.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ رواه عن مُجالِدٍ هكذا إلَّا أبو أُسامَة".
• قلتُ: ومجالدٌ ضعيفٌ، وبه ضعَّف البُوصِيرِيُّ الحديث، كما في "مُختصَر الإتحاف" (٩/ ٢٣١).
стр. 1261
وأمَّا قولُه: "أيْ بُنيَّةُ! ألست تُحِبِّين ما أُحبُّ؟ "، قالت: "بلى"، قال: "فأحِبِّي هذه".
فهذا القدر صحيحٌ، لكنَّه قيل في سياقٍ آخرَ.
فأخرج مُسلِمٌ (٢٤٤٢/ ٨٣)، والنَّسَائِيُّ (٧/ ٦٤ - ٦٦)، وفي "الكُبرَى" (٨٨٩٢)، وأحمدُ (٦/ ٨٨)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (٣٠١٧)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٣/ رقم ١٠٥) عن صالح بن كَيْسَانَ ..
ومُسلِمٌ، والبَيهَقِيُّ (٧/ ٢٩٩) عن يُونُس بن يزيد ..
والبُخاريُّ في "الأدب المُفرَد" (٥٥٩)، والنَّسَائِيُّ (٧/ ٦٦ - ٦٧)، وأحمدُ (٦/ ٨٨) عن شُعيب بن أبي حمزة، ثلاثَتُهم عن الزُّهريِّ، عن مُحمَّد بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ، عن عائشة ﵂، قالت: أَرسَلَ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ فاطمةَ بنتَ النَّبيِّ ﷺ ، فاستأذَنَت، والنَّبيُّ ﷺ مع عائشةَ في مِرطِهَا، فأَذِنَ لها، فدَخَلت عليه، فقالت: "يَا رسُول الله! إنَّ أَزوَاجَك أرسَلنَنِي إليك، يَسأَلْنَك العدلَ في ابنةِ أبي قُحَافة"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَي بُنيَّةُ! ألستِ تُحِبِّين ما أحبُّ؟ "، فقالت: "بلى"، فقال: "فأحبِّي هذه" لعائشة، - قالت: - فقامت فاطمةُ، فخرَجَت، فجاءتْ أزواجَ النَّبيِّ ﷺ فحدَّثَتهُن بما قَالَت، وبما قال لها، فقُلن لها: "ما أَغَنيتِ عنَّا مِن شيءٍ، فارجِعِي إلى النَّبيِّ ﷺ "، فقالت فاطمةُ ﵍: "والله لا أُكلِّمُه فيها أبدًا"، فأرسَلَ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ زينَبَ بنتَ جحشٍ، فاستأذَنَت، فأَذِن لها، فدَخَلت، فقالت: "يا رسُول الله! أرسلنني إليك
стр. 1262
أزواجُك، يسألْنَك العدلَ في ابنة أبي قُحافة"، - قالت عائشةُ: - ثُمَّ وَقَعَت بي زينبُ، - قالت عائشةُ: - فطَفِقتُ أَنظُر إلى النَّبيِّ ﷺ مَتَى يأذَنُ لي فِيهَا، فلم أَزَل حتَّى عَرَفتُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يَكرَه أن أَنتَصِر، - قالت: - فوَقَعتُ بزينَب، فلم أَنشَبْهَا أن أَفحمَتُها، فتبسَّم النَّبيُّ ﷺ ، ثُمَّ قال: "إنَّها ابنةُ أبي بكرٍ".
وخالَف هؤلاء الثَّلاثةَ مَعمَرُ بنُ راشدٍ، فرواه عن الزُّهرِيِّ، عن عُروة، عن عائشة بطُولِه.
فجَعَل شيخَ الزُّهرِيِّ: "عُروةَ"، بدل "مُحمَّد بن عبد الرَّحمن".
وأخرَجَهُ أحمدُ (٦/ ١٥٠ - ١٥١)، وإسحاقُ بنُ رَاهَوَيهِ في "المُسنَد" (٨٧١)، والنَّسَائِيُّ (٧/ ٦٧)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (٣٠١٦)، وابنُ حِبَّان (٧١٠٥) عن عبد الرَّزَّاق، وهذا في "مُصنَّفِه" (٢٠٩٢٥) قال: أخبَرَنا معمرٌ بهذا.
وكلاهُما محفوظٌ عِندِي.
ويؤيِّدُ ثُبوتَه عن عُروة أيضًا، أنَّ هشام بن عُروة، رواه عن أبيه، عن عائشة ﵂ أنَّ نساء رسُولِ الله ﷺ كُنَّ حِزبين، فحزبٌ فيه عائشةُ، وحفصةُ، وصفِيَّةُ، وسَوْدةُ، والحِزبُ الآخرُ أمُّ سَلَمة، وسائرُ نساء رسُول الله ﷺ ، وكان المُسلِمُون قد عَلِمُوا حُبَّ رسُول الله ﷺ عائشةَ، فإذا كانت عند أحدِهِم هديَّةٌ يُريد أن يُهدِيها إلى رسُول الله ﷺ ، أَخَّرَها، حتَّى إذا كان رسُولُ الله ﷺ في بيت عائشة، بَعَث صاحبُ الهديَّة إلى رسُول الله ﷺ في بيت عائشة، فكلَّم حِزبُ أُمِّ سَلَمةَ، فقُلن لها: "كَلِّمي
стр. 1263
رسُولَ الله ﷺ ، يُكلِّم النَّاس، فيقول: مَن أراد أن يُهدِي إلى رسُول الله ﷺ هديَّةً فليُهد حيثُ كان مِن نسائه"، فكلَّمته أمُّ سَلَمةَ بما قُلن، فلم يقل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: "ما قال لي شيئًا"، فقُلن لها: "فكلِّمِيه". - قالت: - فكلَّمَتْه حين دار إليها أيضًا، فلم يَقُل لها شيئًا، فسألنها، فقالت: "ما قال لي شيئًا"، فقُلن لها: "كلِّميه، حتى يكلِّمكِ"، فدار إليها فكلَّمَتهُ، فقال لها: "لا تُؤذِينِي في عائشة، فإنَّ الوحي لم يأتِني وأنا في ثوب امرأةٍ إلَّا عائشة"، - قالت: - فقلت: "أَتُوبُ إلى الله مِن أذاك يا رسُول الله! "، ثُمَّ إِنَّهُن دَعَونَ فاطمةَ بنتَ رسُولِ الله ﷺ ، فأرسَلَت إلى رسُول الله ﷺ ، تقولُ: "إنَّ نساءك يَنشُدْنَك اللهَ العدلَ في بنت أبي بَكرٍ"، فكلَّمَتْه، فقال: "يا بُنَيَّةُ! ألا تُحِبِّين ما أُحِبُّ؟ "، قالت: "بلى"، فرَجَعَت، ثُمَّ ذكر الحديث.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "كتاب الهِبة" (٢٥٨١) قال: حدَّثَنا إسماعيلُ، قال: حدَّثَني أخي، عن سُليمان، عن هشام بن عُروة بهذا.
стр. 1264
٣٣١ - سُئلتُ عن حديث: "لَا تُفَتِّشُوا التَّمرَ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ أبو بكرٍ الأَبْهَرِيُّ مُحمَّدُ بنُ عبد الله في "الفوائد والغرائب الحِسَان" (ق ٣٤٠/ ١ - مجموع ٤٦) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عُبيدٍ، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ مَرْوان، عن عُبيد الله، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "لا تُفَتِّشُوا التَّمر".
وهذا إسنادٌ واهٍ جدًّا؛ ومُحمَّدُ بنُ مَرْوان هو المعروف بالسُّدِّيِّ الصَّغيرِ، ساقطٌ مطروحٌ، قال البُخاريُّ، وأبو حاتمٍ: "لا يُكتَبُ حديثُه البتَّةَ"، زاد أبو حاتمٍ: "ذاهبُ الحديث، متروكٌ"، وقال صالحُ بن مُحمَّدٍ جَزَرَةُ: "كان يضع الحديث"، وكذَّبَه ابنُ نُمَيرٍ، وتَرَكه النَّسَائِيُّ وغيرُه.
وقد وقفتُ له على طريقٍ آخرَ.
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "شُعب الإيمان" (٥٨٨٣)، قال: حدَّثَنا أبو عبد الله الحافظُ، أنا أبو بكرٍ بنُ إسحاقَ، أنا مُحمَّدُ بنُ الحُسين الأَنمَاطِيُّ، ثنا مُحمَّدُ بنُ بَكَّارٍ، ثنا إسماعيلُ بنُ زكريَّا، عن قيس بن الرَّبيع، عن جَبَلَةَ بن سُحَيمٍ، عن ابن عُمَر، أنه قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يُشَقَّ التَّمرةُ عمَّا فيها.
وأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الكبير" - كما في "مَجمَع الزَّوائد" (٥/ ٤٢) -،
стр. 1265
وقال: "فيه قيسُ بنُ الرَّبيع، وثَّقَه شُعبةُ، والثَّوريُّ، وضعَّفه يحيى القَطَّانُ، وبقيَّةُ رجاله ثقاتٌ".
وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ أيضًا (٥٨٨٥) من طريق داوُد بن الزِّبْرِقَان، عن عمِّه أبي حفصٍ الكِندِيِّ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ابن عُمَرَ، قال: نَهَانَا رسُولُ الله ﷺ أن نَدَّهِنَ إلَّا غِبًّا، وأن نَقرِن بين التَّمرَتَين، أو نَشُقَّ عما فيهما.
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ وداوُدُ بن الزِّبْرِقَان تالفٌ، تَرَكه أبو زُرعة، ويعقُوبُ بنُ شيبة، وأبو داوُد، وضعَّفه ابنُ المَدِينِيِّ جدًّا، بل كذَّبه الجُوْزْجَانِيُّ، وأظُنُّه بَالَغَ، وقال ابنُ عَدِيٍّ، مع توسُّطه: "عامَّةُ ما يرويه عن كُلِّ مَن رَوَى عنه ممَّا لا يُتابِعُه أحدٌ عليه".
ويُنظَر حالُ عمِّه أبي حفصٍ الكِندِيِّ.
وصحَّح الحاكمُ في "المُستدرَك" (١/ ٢٠٩) سماع حبيب بن أبي ثابتٍ من ابن عُمَر، وكذلك قال العِجلِيُّ، ولكن قال ابنُ خُزَيمة، وابن حِبَّان: "كان مُدلِّسًا".
وقد وَرَد ما يدلُّ على نَكَارَة هذا المتن ..
فقد أخرَجَ أبو داوُد (٣٨٣٢)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (٥٨٨٦) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عَمْرو بن جَبَلَةَ ..
وابنُ ماجَهْ (٣٣٣٣)، وأبو الشَّيخ في "أخلاق النَّبيِّ" (ص ٢٢١) عن أبي بِشرٍ بَكرِ بنِ خَلَفٍ ..
والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (١٤٦٢) عن هِلال بن بِشرٍ، قالوا: ثنا
следующие страницы →