امرأتَك في نِصف الشَّهر، ولا عِند غُرَّة الهلال؛ أَمَا رأيتَ المجانين يُصرَعون فيها كثيرًا. يا عليُّ! إذا رأيتَ الأَسَد، فكبِّر ثلاثًا، تقُول: "اللّهُ أكبر، اللّهُ أكبر، اللّهُ أكبرُ، اللهُ أعزُّ مِن كُلِّ شيءٍ وأكبرُ، أعوذُ باللّه مِن شَرِّ ما أخافُ وأُحاذِرُ"؛ فإنَّك تُكفَى شَرُّه، إن شاء اللّه. وإذا هَرَّ الكلبُ عليك، فقُل: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. يا عليُّ! إذا كُنتَ صائمًا في شهر رمضان، فقُل بعد إفطارِك: "اللَّهُمَّ! لك صُمتُ، وعليك توكَّلتُ، وعلى رِزقِك أفطرتُ"، يُكتَبُ لك مِثلُ مَن كان صائمًا، مِن غَير أن يَنتَقِص من أجورهم شيئًا. يا عليُّ! واقرأ سُورة ﴿يس﴾؛ فإن في ﴿يس﴾ عَشرُ بَرَكَاتٍ: ما قرأها جائعٌ إلَّا شَبع، ولا ظمآنُ إلَّا رَوِي، ولا عارٍ إلَّا كُسِي، ولا عَزَبٌ إلَّا تزوَّج، ولا خائفٌ إلَّا أَمِن، ولا مسجونٌ إلَّا خرَج، ولا مُسافرٌ إلَّا أُعِين على سَفَره، ولا من ضلَّت له ضالَّةٌ إلَّا وجدها، ولا مريضٌ إلَّا بَرِئ، ولا قُرِئت عند ميِّتٍ إلَّا خُفِّف عنه".
وهذا إسنادٌ ساقطٌ؛ مُسلسَلٌ بالمجروحين، فشيخُ الحارث بن أبي أُسامة، قال الخطيبُ في "تاريخه" (١١/ ٨٥): "في حديثه مناكيرُ، لأنَّها عن ضُعفاءَ، ومَجاهِيل"، وقد يُفهَم من هذا القول أن العُهدة على مَن فوقه.
وحمَّادُ بنُ عَمْرٍ والنَّصِيبِيُّ كذَّبه الجُوْزْجَانِيُّ، وقال ابنُ حِبَّانَ: "كان يَضَع الحديثَ وضعًا"، ووهَّاهُ أبو زُرعة، وترَكَه النَّسَائِيُّ.
وقال البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث".
والسُّرِيُّ بنُ خالدٍ، قال الأَزدِيُّ: "لا يُحتَجُّ به".
стр. 1297
وقال الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (٢/ ١١٧): "لا يُعرَف"، وترجمه ابنُ أبي حاتمٍ (٢/ ١/ ٢٨٤)، ولم يَذكُر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
وكأنَّ هذا إسنادُ نُسخَةٍ إلى جعفرٍ الصَّادقِ، فقد رَوَى الحارثُ بنُ أبي أُسامة بهذا الإسناد، عن جعفر بن مُحمَّدٍ، جُملةً من الأحاديث.
وقد أورد ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (٢/ ٢٨٩) من وجهٍ آخرَ، بعض هذا الحديث، ثُمَّ قال: "هذا حديثٌ لا يصحُّ عن رسُول اللّه ﷺ ، والمُتَّهَمُ به عبدُ الله بنُ أحمد بن عامرٍ، أو أبوه، فإنَّهما يرويان نُسخةً عن أهل البيت، كُلُّها موضوعةٌ".
واللهُ أعلمُ.
стр. 1298
٣٤٥ - سُئلتُ عن حديث: "تَمَعدَدُوا، وَاخشَوْشِنُوا، وانتَعِلُوا، وامشُوا حُفَاةً".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا.
أخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦٠٦١)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٤/ ٢٣٦١) عن صفوان بن عيسى ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٨٤)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٥٨٠١)، وأبو الشَّيخ في "كتاب السَّبق"، وابنُ شاهين في "الصَّحابة" عن يحيى بن زكريَّا بن أبي زائدة ..
وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُعجَم الصَّحابة" (١٦٥٥، ١٩٨٧)، ومِن طريقه أبو نُعيمٍ في "المعرفة" (٥٨٠٠) عن إسماعيل بن زكريَّا، ثلاثتهم عن عبد اللّه بن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن أبيه، عن القَعقَاع بن أبي حَدْرَدٍ مرفوعًا به.
ووقع عند البَغَوِيِّ: "ابنُ أبي حَدْرَدٍ" غيرَ مُسمًّى، وسمَّاه البَغَوِيُّ مرَّةً: "عبد الله"، ومرَّةً: "قعقاعَ".
ونقلَ السِّيُوطِيُّ في "الجامع الكبير" (١٢٨٥٠/ ٥٢٦) عن ابن عساكر، قال: "اعتَقَدَ البَغَوِيُّ أن ابن أبي حَدْرَدٍ هو عبدُ الله، فأخرَجَه في ترجمَتِه، وإنَّما هو القعقاعُ بنُ عبد الله بن أبي حَدْرَدٍ، وكذلك رواه صفوانُ بن
стр. 1299
عيسى، ويحيى بنُ زكريَّا بن أبي زائدة، عن عبد الله بن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، فيكون الحديثُ مُرسَلًا؛ لأنَّ القعقاع لا صُحبَة له، وعبدُ الله بنُ سعيدٍ ضعيفٌ بمرَّة" انتهى.
• قلتُ: وقد اختُلِف في إسناده ..
فرواه صفوانُ بن عيسى، ويحيى بنُ زكريَّا، وإسماعيلُ بنُ زكريَّا، ثلاثتهم عن عبد الله بن سعيدٍ، عن أبيه، عن القَعقَاع بن أبي حَدْرَدٍ.
وخالفهم عبدُ الرَّحيم بنُ سُليمانَ، فرواه عن عبد الله بن سعيدٍ، عن أبيه، عن رَجُلٍ من أسلمَ، يُقال له ابنُ الأَدرَعِ مرفُوعًا فذكره.
أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (٢٣٨٦) ..
والرَّامَهُرمُزِيُّ في "الأمثال" (١٣٦) قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ عبد الله الحَضرمِيُّ، قالا: ثنا أبو بَكرٍ بنُ أبي شيبة - وهذا في "المُصنَّف" (٩/ ٢٢)، وفي "المُسنَد" (٥٩٧) -، قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحيم بنُ سُليمان بهذا.
وأخرجه الطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٨٨٥) من طريق سعيد بن سُليمان، عن إسماعيل بن زكريَّا، عن عبد الله بن سعيدٍ، عن أبيه، عن أبي حَدْرَدٍ مرفوعًا.
وهذا اضطرابٌ شديدٌ، وآفتُه عبدُ الله بنُ سعيدٍ، فإنَّه واهٍ متروكُ الحديث.
وقد صحَّ هذا عن عُمَرَ بن الخطَّاب ﵁، قال: "أمَّا بعدُ! فاتَّزِرُوا، وارتَدُوا، وانتَعِلُوا، وارْمُوا بالخِفَاف، واقطعوا السَّرَاويلاتِ، وعَلَيكُم
стр. 1300
بلباس أبيكم إِسماعِيلَ، وإيَّاكم والتَّنَعُّمَ وزيَّ الأَعاجِم، وعَلَيكُم بالشَّمس، فإنَّها حمَّامُ العَرَب، وتمَعدَدُوا، واخشَوْشنُوا، واخلَوْلَقُوا، وارمُوا الأغراضَ، وانزُوا نَزوًا، والنَّبيُّ ﷺ نهانا عن الحريرِ، إلَّا هكذا - أصبعيه السَّبَّابة والوُسطى -"، قال: فما عَلِمنا أنَّه يَعنِي: إلَّا الأعلام.
أخرَجَهُ أبو القاسم البَغَوِيُّ في "الجعديَّات" (١٠٣٠) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ الجعد ..
وابنُ حِبَّان (٥٤٥٤) عن عيسى بن يُونُس، كليهما عن شُعبَةَ، عن قتادة، قال: سمِعتُ أبا عُثمانَ النَّهديَّ، يقول: أتانا كِتابُ عُمَرَ، ونحن بأَذرِبِيجَانَ، مع عُتبة بن فَرْقدٍ: "أمَّا بعدُ! … الخ".
وأخرَجَهُ البَغَوِيُّ أيضًا (١٠٣١) قال: حدَّثَنا عليُّ بنُ الجعد ..
والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٤) عن آدم بن أبي إياسٍ، عن شعبَة، عن عاصمٍ الأحولِ، عن أبي عُثمانَ النَّهدِيِّ، عن عُمَر نحوَه، وزاد: "وتعلَّمُوا العربيَّةَ".
وتُوبع شُعبَةُ على هذا الوجه ..
فأخرَجَهُ البُخاريُّ في "اللِّباس" (١٠/ ٢٨٤)، ومُسلِمٌ (٢٠٦٩/ ١٢)، عن زُهير بن مُعاوِية ..
وأحمدُ (١/ ٤٣) قال: حدَّثَنا يزيدُ بنُ هارُون ..
وأبو يَعلَى (٢١٣) عن حمَّاد بن سَلَمة، ثلاثتهم عن عاصمٍ الأحوَلِ، عن أبي عُثمان النَّهْدِيِّ، عن عُمَر نحوه، مطوَّلًا ومُختصَرًا.
وأخرجه أبو عُبيدٍ في "غريب الحديث" (٣/ ٣٢٥) قال: حدَّثَنا
стр. 1301
أبو بَكرٍ بنُ عيَّاشٍ، عن عاصم بن أبي النُّجُود، عن أبي العَدَبَّسِ الأَسَدِيِّ، عن عُمَر نحوَه.
وأبو العَدَبَّس فيه جهالةٌ.
وأخرَجَهُ البُخاريُّ (١٠/ ٢٨٤) عن سُليمان التَّيمِيِّ، عن أبي عُثمان، قال: كُنَّا مع عُتبةَ - يعني: ابنَ فَرْقَدٍ -، فكتب إليه عُمَرُ، فذَكَرَ بضَعه مرفُوعًا: "لا يُلبَسُ الحَريرُ في الدُّنيا، إلَّا لم يُلبَس منه شيءٌ في الآخرة".
стр. 1302
٣٤٦ - سُئلتُ عن حديث: أن أَخَوين، مات أحدُهُما قبل الآخر بجُمعةٍ، ففضَّل النَّبيُّ ﷺ الذي مات أوَّلًا، وقال: "إنَّه صلَّى بعده أربعينَ صلاةً".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ.
أخرَجَهُ أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بن أبي ثابتٍ في "الأوَّل من الفوائد" (ق ٨٣/ ٢) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ بَكرٍ البَالِسيُّ، ثنا داوُدُ بنُ الحَسَن، ثنا مُبارَكُ بنُ فَضالة، عن الحَسَن البصريِّ، عن أنَس بن مالكٍ فذَكَرَه.
وهذا إسنادٌ مُسلسَلٌ بالعِلل؛ فأحمدُ بنُ بكرٍ البَالِسِيُّ (١) ترجمه ابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (١/ ١٩١)، وقال: "قال لنا عبدُ المَلِك بنُ مُحَمَّدٍ: أحمدُ بنُ بكرٍ البَالِسِيُّ روى أحاديثَ مناكيرَ عن الثِّقات".
стр. 1303
ونسب الذَّهَبِيُّ في "الميزان" (١/ ٨٦) هذا القول لابن عَدِيٍّ، ولم يتعقَّبهُ في "اللِّسان" (١/ ٢٣٧)، وقد رأيتَ أنَّه قولُ شيخِ ابن عَدِيٍّ.
ونَقَلَ في "اللِّسان" أن الدَّارَقُطنِيَّ ضعَّفه، بل قال أبو الفتح الأَزدِيُّ: "كان يضع الحديث"، ولعلَّه بالَغَ كعادته.
وأمَّا ابنُ حِبَّان فقد ذَكَرَه في "الثِّقات" (٨/ ٥١) وقال: "كان يُخطِئ".
وداوُد بنُ الحسَن لم أَجِد له ترجمةً، فليُحَرَّر.
ومُبارَكُ بن فَضالة ضعيفٌ، وكان يُدلِّس.
والحَسَن البصريُّ لم يَسمَع من أنَس بن مالكٍ.
فالإسنادُ ساقطٌ كما رأيتَ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 1304
٣٤٧ - سُئلتُ عن حديث: "حَيَاتِي خيرٌ لَكُم، ومماتي خيرٌ لَكُم، تُعرَضُ عليَّ أعمالُكم، فما وجدتُ مِن خيرٍ، حمدتُ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍّ، استغفرتُ الله لَكُم".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ مُنكَرٌ.
أخرَجَهُ البَزَّار (١٩٢٥ - البحر) قال: حدَّثَنا يُوسُفُ بنُ مُوسى، قال: نا عبدُ المَجِيد بنُ عبد العزيز بن أبي روَّادٍ، عن سُفيان، عن عبد الله بن السَّائب، عن زَاذَانَ، عن ابن مسعُودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إن لله ملائكةً سيَّاحين، يُبَلِّغُونِي عن أمَّتي السَّلامَ".
قال: وقال رسُول الله ﷺ : "حياتي خير لَكُم … الحديث".
قال البزَّارُ: "وهذا الحديثُ آخِرُه لا نَعلَمُه يُروَى عن عبد الله إلَّا مِن هذا الوجه بهذا الإسناد".
فاعلم أيُّها المُستَرشِد! أنَّ جماعةً من ثقاتِ أصحاب سُفيان الثَّوْريِّ، رَوَوْا هذا الحديثَ عنه، عن عبد الله بن السَّائب، عن زاذانَ، عن ابن مسعُودٍ، بأوَّله حسبُ، ولم يَذكُر واحدٌ منهم آخرَه.
فأخرَجَهُ النِّسَائِيُّ (٣/ ٤٣)، وأحمدُ (١/ ٤٥٢) عن مُعاذ بن مُعاذٍ العَنبرِيِّ ..
والنَّسَائِيُّ، وأبو يَعلَى (٥٢١٣)، وابن أُبي شَيبَة (٢/ ٥١٧)، وابنُ حِبَّان (٩١٤) عن وكيع بن الجَرَّاح ..
стр. 1305
والنَّسَائِيُّ (٣/ ٤٣)، والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٢٩) عن عبد الرَّزَّاق، وهذا في "المُصنَّف" (٢/ ٢١٥) ..
والدَّارِمِيُّ (٢/ ٢٢٥) قال: حدَّثَنا محُمَّدُ بنُ يُوسُف الفِريَابِيُّ ..
وأحمد (١/ ٣٨٧) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ نُميرٍ ..
والنَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (٦٦) عن ابن المُبارَك، وهو في "كتاب الزُّهد" (١٠٢٨) ..
وأحمدُ (١/ ٤٤١) قال: حدَّثَنا وكيع، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ ..
والهيثمُ بن كُليبٍ في "المُسنَد" (٨٢٥) عن زيد بن الحُباب ..
والبَزَّارُ (١٩٢٣)، وإسماعيلُ القاضي في "فضل الصَّلاة على النَّبيِّ" (٢١) عن يحيى القَطَّان ..
والهيثمُ بن كُليبٍ (٨٢٦)، والطَّبَرَانِيُّ (١٠٥٣٠) عن فُضيل بن عياضٍ ..
والبَيهَقِيُّ في "الشُّعب" (١٥٨٢)، وفي "الدَّعَوات الكبير" (١٥٩)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٣/ ١٩٧) عن أبي نُعيمٍ الفضلِ بن دُكينٍ ..
وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٤/ ٢٠١) عن محُمَّد بن كَثيرٍ ..
والحاكمُ (٢/ ٤٢١)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٠٥) عن أبي إسحاق الفَزَارِيِّ ..
والبَيهَقِيُّ في "الدَّعوات الكبير" (١٥٩)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٣/ ١٩٧) عن عُبيد الله بن مُوسَى، كُلُّهم عن سُفيان الثَّورِيِّ، عن عبد الله بن السَّائب، عن زاذان، عن ابن مسعُودٍ مرفُوعًا، بالفقرة
стр. 1306
الأولى من الحديث، دُون قولِه: "حياتي خيرٌ لَكُم … الخ".
فقد رأيتَ، أراك اللهُ الخيرَ، أن يحيى القَطَّانَ، وعبدَ الرَّحمن بنَ مَهدِيٍّ، ووكيعَ بن الجرَّاح، وابنَ المُبارَك، وعبدَ الرَّزَّاق بنَ همَّامٍ، ومُعاذَ بن مُعاذٍ العَنبَرِيَّ، ومُحمَّدَ بنَ يُوسف الفِريَابِيَّ، وعبدَ اللّه بنَ نُميرٍ، وزيدَ بنَ حُبابٍ، وعُبيدَ اللّه بنَ مُوسَى، وأبا نُعيمٍ الفَضلَ، وفُضيلَ بنَ عِياضٍ، ومُحمَّدَ بنَ كَثيرٍ، وأبا إسحاق الفَزَارِيَّ، وعُدَّتُهم أربعةَ عشر نفرًا، قد رَوَوْه عن الثَّوْريِّ، فلم يَذكُروا قولَه: "حياتي خيرٌ لَكُم … ".
وخالَفَهُم عبدُ المجيد بنُ عبد العزيز بن أبي رَوَّادٍ، فرواه عن الثَّوْريِّ، بهذا الإسناد، فذَكَرَه.
وقد عَلِمنا مِن قول البَزَّار أنَّهُ تَفَرَّد به عن الثَّوْريِّ.
ولا يَشُكُّ حديثيٌّ - وهو المبتدئُ - أن رِواية عبد المجيد مُنكَرَةٌ، فلو لم يَكُن فيه مغمَزٌ، رُبَّما احتُمل منه، لكن تَكلَّم فيه غيرُ واحدٍ من العُلماء، منهم الحُمَيدِيُّ، وقال أبو حاتمٍ: "ليس بالقويِّ، يُكتَب حديثُه"، وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "لا يُحتَجُّ به، يُعتَبر به"، وضعَّفه أبو زُرعة، وابنُ سعدٍ، وابنُ أبي عُمَر، وغَلَا فيه ابنُ حِبَّان فتَرَكَه، ووثَّقَه آخرُون، ولم يَروِ له مُسلِمٌ إلَّا حديثًا واحدًا، في "كتاب الحجِّ" (١٢٩٩/ ١٧٩) مقرونًا بهشام بن سُليمان المخزوميِّ، ولو سَلَّمنا أن مُسلِمًا رَوَى له محُتجًّا به، فلا بأس بِصَنيعِه؛ لأنَّه رَوَى هذا الحديثَ عن عبد المَجيد بن عبد العزيز، عن ابن جُريجٍ، وكان عبدُ المَجيد من أَثبَت النَّاس في ابن جُريجٍ، كما قال ابنُ مَعِينٍ، والدَّارَقُطنِيُّ، وابنُ عَدِيٍّ، وغيرُهُم، وحديثُهُ هذا ليس عن
стр. 1307
ابن جُريجٍ، مع مُخالَفته لنجوم أصحاب الثَّوْريِّ، فحريٌّ أن لا يُقبَل منه ما زاده عليهم، لا سيَّما وقد رواه الأعمشُ، عن عبد الله بن السَّائب، عن زاذانَ، عن ابن مسعُودٍ مرفوعًا، بالحديث الأوَّل وحده.
أخرَجَهُ الحاكمُ (٢/ ٤٢١) عن عُثمان بن أبي شيبة ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٥٢٨) قال: حدّثَنا هاشمُ بن مَرثَدٍ الطَّبَرانيُّ ..
وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٢٠٥) عن أبي سيَّارٍ محُمَّد بن عبد اللّه البَغدَادِيِّ، قالوا: ثنا أبو صالحٍ محبوبُ بنُ مُوسَى الفرَّاءُ، ثنا أبو إسحاق الفَزَارِيُّ، عن الأعمش بهذا.
ومحبوبُ بنُ مُوسَى وثَّقه أبو داوُد، والعِجليُّ، وقال ابنُ حِبَّان: "مُتقِنٌ فاضلٌ".
وكذلك رواه حُسينٌ الخُلْقَانِيُّ، عن عبد الله بن السَّائب بهذا الإسناد، بالحديث الأوَّل.
أخرَجَهُ البَزَّارُ (١٩٢٤) ..
والخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ١٠٤) من طريق سعيد بن الحسَن بن عليٍّ، قالا: ثنا يُوسُف بنُ مُوسَى القطَّان، ثنا جَريرُ بنُ عبد الحميد، عن حُسينٍ الخُلْقَانِيِّ بسَنَده سواء.
والخُلْقَانيُّ ما عَرَفتُه، فليُحَرَّر.
وبعد هذا التَّحرير، تَعلَمُ خطأ مَن صحَّح إسنادَ هذا الحديث، كالسِّيُوطِيِّ في "الخصائص" (٢/ ٤٩١)، أو من جوَّده، كالوَلِيِّ العِراقِيِّ
стр. 1308
في "طرح التَّثريب" (٣/ ٢٩٧)، وأخفُّ من قولهما، وإن كان مُوهِمًا، قولُ الهَيثَمِيِّ في "المَجمَع" (٦/ ٢٤): "رواه البَزَّارُ، ورِجالُه رجالُ الصَّحيح"، وقولُ شيخِه العِرَاقِيِّ في "تخريج الإحياء" (٤/ ١٢٨): "رجالُه رجال الصَّحيح، إلَّا أن عبد المَجيد بن أبي روَّادٍ، وإن أَخرَج له مُسلِمٌ، ووثَّقه ابنُ مَعِينٍ، والنَّسَائِيُّ، فقد ضعَّفه بعضُهم" انتهَى.
وله شواهدُ لا يُفرَح بها ..
من ذلك حديثُ أنَسٍ ﵁ مرفُوعًا: "حَيَاتِي خيرٌ لكم - ثلاث مرَّاتٍ -، ووفاتِي خيرٌ لكم - ثلاث مرَّاتٍ -"، فسكت القومُ، فقال عُمَرُ بن الخَطَّاب: "بِأبِي أنتَ وأُمِّي! كيف يكُونُ هذا؟! قُلتَ: "حياتِي خيرٌ لكم" ثلاث مرَّاتٍ، ثمَّ قلتَ: "موتي خيرٌ لكُم" ثلاث مرَّاتٍ"، قال: "حياتي خيرٌ لكُم: ينزِلُ عليَّ الوحيُ مِن السَّماء فأُخبِرُكم بما يَحِلُّ لكم وما يَحرُمُ عليكُم. وموتي خيرٌ لكم: تُعرَضُ عليَّ أعمالُكُم كلَّ خميسٍ، فما كان مِن حَسَنٍ حمدتُ الله عليه، وما كان مِن ذنبٍ استوهَبتُ لكم ذُنُوبَكم".
أخرَجَهُ أبُو طاهِرٍ المُخلِّصُ في "الفوائد" (ج ١٠/ ق ٢٥٠/ ١) قال: حدَّثَنا يحيى - هو ابنُ صاعِدٍ -، حدَّثَنا يحيى بنُ خِذامٍ في مَسجِدِ الجامِع بالبَصرة في سنة خمسين ومِئَتَين، حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله بن زيادٍ أبُو سَلَمة الأنصاريُّ، حدَّثنا مالِكُ بنُ دينارٍ، عن أنَس بن مالِكٍ.
قال الغُمارِيُّ في "المُداوِي" (٣/ ٤٢٦)، وهو يَرُدُّ على المُناوِيِّ: "فإنَّ الحديثَ رُوي عن أنسٍ بسندٍ نظيفٍ، مِن غير طريق ابن خِراشٍ … - ثُمَّ ساق إسنادَ المُخلِّص هذا، ثمَّ قال: - وأبُو سَلَمَة الأنصاريُّ ضعيفٌ".
стр. 1309
• قلتُ: كذا قال! ولا يَستَقيم أن يكون الإسنادُ نظيفًا مع ضعف أحد رُواتِهِ. وحتَّى لو التَمَسنا العُذرَ للغُمارِيِّ وقُلنا: "إنَّه حَكَمَ بنَظافَتِه مُقارَنَةً بحديثِ خِراشٍ مولَى أنَسٍ؛ فإنَّه ساقطٌ" فإنَّه لَم تَجرِ عادَةُ العُلماء أن يُصرِّحُوا بنظافَة الإسناد، إنَّما يقُولُون: "هذا إسنادٌ ساقطٌ، والآخر ضعيفٌ" فقط. ولَو تَسامحَنا على إغماضٍ، وسلَّمنا بهذا الاصطلاحِ فإنَّ أبا سلَمَة الأنصاريَّ ليس ضعيفًا فقط، ولكنَّه واهٍ ..
قال ابنُ حِبَّان في "المَجروحِين" (٢/ ٢٦٦): "مُنكَرُ الحديث جدًّا.
يَروِي عن الثِّقات ما ليس مِن حديثِهِم. لا يَجُوزُ الاحتِجاجُ به حالٍ" ..
وقال العُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٥/ ٣٠٩): "مُنكَر الحديث" ..
وقال الحاكِمُ: "يَروِي أحاديثَ موضوعةً" ..
وكذَّبَهُ ابنُ طاهرٍ ..
قال الذَّهبِيُّ في "الميزان": "وله طامَّاتٌ … - ثُمَّ قال: - رَوَى بِقِلَّةِ حياءٍ، عن حُميدٍ الطَّويل، عن أنَسٍ".
والرَّاوِي عنه، يحيى بنُ خِذامٍ. مِن شُيوخ ابن ماجَهْ. ذَكَره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٩/ ٢٦٦)، وليس فيه توثيق آخرُ مُعتَبرٌ.
وَنَقَل المِزِّيُّ في "تَهذيبه" (٣١/ ٢٩١) عن الحاكِم أبي أحمد، أنَّه قال في "الكُنَى" في ترجَمة أبي سَلَمَة الأنصارِيِّ هذا.: "روَى عنه يحيَى بنُ خِذامٍ، عن مالِك بن دينارٍ أحاديثَ مُنكَرَةً. فالله أعلم: الحملُ فيه على أبي سَلَمَة، أو على ابن خِذامٍ" انتهَى.
• قلتُ: وتَعصيبُ الجِنايَة بالأضعَف هو اللَّائقُ، وقد ذَكَرنا لك فيما
стр. 1310
مَضَى حالَ أبي سَلَمَة الأنصاريِّ.
وقد عَرَفتَ على كُلِّ حالٍ أن الإسنادَ ضعيفٌ جدًّا، لا يَجُوزُ أن يُقال فيه "نظيفٌ" ولا ما يُقاربُهُ.
وقد رُوي عن أنسٍ مِن وجه آخر ..
ذَكَرَه ابنُ عَدِيٍّ في "الكامِل" (٣/ ٩٤٥) عن أبي سَعيدٍ الحسن بن صالح بن زكريَّا بن يحيى بن صالح بن زُفَرَ العَدَوِيِّ، قال: مررتُ بالبَصرة بأبي عُثمانَ بن أبي العاص الثَّقَفِيِّ، فإذا النَّاسُ مُجتَمِعون في مَنخَل طحَّانٍ عَلَى رجُلٍ، فمِلتُ إليه كما يَنظُرُ الغِلمان، فإذا أنا بهذا الشَّيخ، فقلتُ: "مَن هذا؟ "، فقالُوا: "خِراشُ بنُ عبد الله، خادِمُ أنَس بن مالكٍ"، قلتُ: "كم له مِن سنةٍ؟ "، قالوا: "ثمانون ومئةٌ"، فزَحَمتُ النَّاسَ، فدَخَلتُ إليه، وبين يديه جماعَةٌ يكتُبُون عنه والباقي نَظَّارةٌ، فأخذتُ قَلَمًا مِن يد رجُلٍ وكَتَبتُ هذه الأربعةَ عشر حديثًا في أسفل نَعِلي، وذلك في سنة اثنين وعِشرين ومئتين، وأنا ابنُ اثنتي عشرة سنةً. قال: ثنا خِراشٌ، ثنا مَولاي أنَسُ بنُ مالكٍ، قال رسول اللّه ﷺ : "حياتي خيرٌ لكُم، وموتي خيرٌ لكم. أمَّا حَياتِي فأُحَدِّثُ لكُم، وأمَّا موتي فتُعرَضُ عليَّ أعمالُكُم عَشِيَّة الاثنَين والخميسٍ، فما كان مِن عملٍ صالحٍ حمدتُ اللّه عليه، وما كان مِن عملٍ سيِّءٍ استغفرتُ لكم".
وعزاه شيخُنا ﵀ في "الضَّعيفة" (٩٧٥) إلى أبي مَنصورٍ الجَربَاذْقَانِيِّ في "الثَّاني من عروس الأجزاء" (ق ٢/ ١٣٩)، وعبدِ القادر بن مُحمَّدٍ القُرشيِّ الحَنَفِيِّ في "جزءٍ له" (٢/ ٢).
стр. 1311
قال ابنُ عَدِيٍّ بعدما رَوَى نُسخةً لخِراشٍ هذا: "قرأتُ هذه الأحاديثَ في المُحرَّم سنة سِتِّين وثلاثمئة. وخِراشٌ هذا مجهُولٌ ليس بمَعرُوفٍ، وما أعلَم حدَّثَ عنه ثقةٌ أو صَدُوقٌ، إلَّا الضُّعَفاء. وهذه الأحاديثُ عن أنسٍ عامَّةُ مُتُونِها صالحِةٌ، قد رُوي مِن غَير هذا الوَجه في بعض هذه المُتون مَنَاكيرُ، فإذا لم يُعرَف الرَّجُلُ وكان مجَهُولًا، كان حديثُهُ مثلَهُ. والعَدَوِيُّ هذا كُنَّا نتَّهِمُهُ بوضع الحديث، وهو ظاهرُ الأمر في الكَذِب".
وقال ابنُ حِبَّان (١/ ٢٤١) في تَرجَمة الحسن بن علي العَدَويِّ هذا: "مِن أهل البَصرة. سَكَن بغدَادَ. يَروِي عَن شُيوخِ لم يَرَهُم، ويَضَعُ على مَن رآهُم الحديثَ. كان ببغدادَ في أحياءِ أيَّامِنا، فأَردتُ السَّماعَ منه للاعتبار، فأخذتُ جُزءًا مِن حديثِهِ، فرأيتُهُ حدَّث عن أبي الرَّبيع الزَّهرانِيِّ، ومحُمَّد بن عبد الأعلَى الصَّنعانيِّ، قالا: ثنا عبدُ الرَّزَّاق، أنبأ معمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن عائِشَة، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيق، قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "النَّظَر إلى وجه عليٍّ ﵇ عبادةٌ"، وهذا شيءٌ لا يشُكُّ عوامُّ أصحاب الحديث أنَّه موضوعٌ، ما رَوَى الصِّدِّيقُ هذا الخَبَر قطُّ، ولا الصِّدِّيقةُ رَوَته، ولا عُروةُ حدَّث به، ولا الزُّهرِيُّ ذَكَره، ولا مَعمَرٌ قالَه. فمَن وَضَع مثل هذا على الزَّهرانِيِّ والصَّنعانِيِّ - وهُما مُتقِنا أهل البَصرة - لَبِالحرِيِّ أن يُهجَر في الرِّوايات. وروَى عن أحمدَ بن عَبدة الضَّبِّيِّ، عن ابن عُيَينة، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: "أَمَرَنا رسُول اللّه ﷺ أن نَفرِض على أولادَنا حُبَّ عليِّ بن أبي طالِبٍ"، وهذا أيضًا باطلٌ، ما أَمرَ رسول اللّه ﷺ بهذا مُطلَقًا، ولا جابِر قالَهُ، ولا
стр. 1312
أبو الزُّبَير رواه، ولا ابنُ عُيَينة حدَّث به، ولا أحمدُ بنُ عَبدَة ذكره بهذا الإسناد، فالمُستمِعُ لا يشُكُّ أنَّه موضوعٌ. فلَم أذهَب لهذا الشَّيخ، ولا سمعتُ منه شيئًا. ثُمَّ تتبَّعتُ عليه ما حدَّث به، فلقيتُهُ قد حدَّث عن الثِّقات بالأشياء المَوضوعات ما تزيدُ على ألف حديثٍ، سوى المَقلوباتِ، أكرَه ذِكرَها كراهية التَّطويل" انتهَى.
• قلتُ: فحديثُ أنسٍ ﵁ ساقطٌ عن حدِّ الاعتبارِ به لشِدَّة ضعفِهِ.
وله شاهِدٌ مُرسَلٌ ..
أخرَجَه ابنُ سعدٍ في "الطَّبقات" (٢/ ١٩٤) قال: أخبَرَنا يُونُسُ بنُ مُحَمَّدٍ المؤدِّبُ ..
وإسماعيلُ القاضي في "فضل الصَّلاة على النَّبيِّ" (٢٥) قال: حدَّثَنا سُلَيمانُ بنُ حربٍ، قالا: ثنا حمَّادُ بنُ زيدٍ، قال: ثنا غالبٌ القطَّانُ، عن بَكر بن عبد اللّه المُزَنِيِّ، قال: قال رسولُ اللّه ﷺ : "حَياتِي خيرٌ لكم؛ تُحدِثُون ويُحدَثُ لكم. فإذا أنا مِتُّ كانت وفاتي خيرًا لكم؛ تُعرَضُ عليَّ أعمالُكُم، فإن رأيتُ خيرًا حمدتُ الله، وإن رأيتُ غير ذلك استغفرتُ الله لكم".
قال شيخُنا: "ورِجالُهُ كُلُّهم ثقاتٌ، رجالُ الشَّيخَين".
• قلتُ: وإسنادُهُ جيِّدٌ. وغالبٌ القطَّانُ قويٌّ مُتماسكٌ، كما بيَّنتُهُ في "تنبيه الهاجِد" (٣٥٥ - مِن الطَّبعة الجَديدة).
وله طريقٌ آخَر ..
أخرَجَه إسماعِيلُ القاضي أيضًا (٢٦) قال: حدَّثَنا الحجَّاجُ بنُ المِنهال،
стр. 1313
قال: حدَّثَنا حمَّادُ بن سَلَمَة، عن كَثيرٍ أبي الفَضل، عن بَكر بن عبد اللّه، أن رسول اللّه ﷺ قال: … فذَكَره.
قال شيخُنا ﵀: "هذه طريقٌ أُخرَى إلى بكرٍ بن عبد الله، وهي جيِّدةٌ، رجالهُا رجالُ مُسلمٍ غيرُ كثيرٍ أبي الفَضل - واسمُ أبيه: يَسَارٌ -، أورَدَه ابنُ أبي حاتِمٍ (٣/ ٢/ ١٥٨)، ولم يَذكُر فيه جَرحًا ولا تَعديلًا، وقال ابنُ القَطَّان: "حالُهُ غيرُ معروفٍ"، وردَّه ابنُ حجرٍ في "اللسان" بقوله: "بل هو معروفٌ"، ثمَّ أطال في بيان ذلك، ومِمَّا قاله إنَّه ذكره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات"، ورَوَى عن عشرة أنفُسٍ" انتَهى.
وله طريقٌ ثالثةٌ عن بَكرٍ مُرسَلًا ..
أخرَجَه الحارِثُ بن أبي أُسامَةَ في "مُسنَده" (٩٥٣ - زوائده) قال: حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ قتَيبة، ثنا جِسرُ بن فَرقَدٍ، عن بكر بنَ عبد اللّه، قال: قال رسول الله ﷺ : … فذكره.
وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ وجِسرٌ هذا تكلَّم فيه ابنُ مَعِينٍ، والبُخاريُّ، وأبو حاتِمٍ، والنَّسائِيُّ، وغَيرُهُم. وهُو مُتابعٌ على كُلِّ حالٍ.
فتبيَّن مِن هذا أنَّه لا يَصِحُّ هذا الحديثُ إلَّا مُرسَلًا.
وقد قال شيخُنا في "الضَّعيفة" (٩٧٥): "فلعلَّ هذا الحديث الذي رواه عبدُ المَجِيد موصُولًا عن ابن مَسعودٍ، أصلُهُ هذا المُرسَلُ عن بَكرٍ، أخطأ فيه عبدُ المَجيد، فوَصَله عن ابن مَسعُود، مُلحِقًا إيَّاه بحديثهِ الأوَّل. والله أعلم".
• قلتُ: وهذا التَّرجِّي من شَيخِنا ﵀ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ أسانيد المُرسَل
стр. 1314
خاليةٌ مِن ذِكر عبد المَجيد، فلو اختَلَف الرُّواةُ عليه لأَمكَنَ ذلك. والله أعلم.
وممَّا يدلُّ على نَكَارة هذا الحديث ..
ما أخرَجَهُ البُخاريُّ في "أحاديث الأنبياء" (٦/ ٣٨٦ - ٣٨٧، ٤٧٨)، وفي "التَّفسير" (٨/ ٢٨٦، ٤٣٧ - ٤٣٨)، وفي "الرِّقاق" (١١/ ٣٧٧)، ومُسلِمٌ (٢٨٦٠/ ٥٨)، والنَّسَائِيُّ (٤/ ١١٧)، والتِّرمِذِيُّ (٢٤٢٣)، وأحمدُ (١/ ٢٢٣، ٢٢٩، ٢٣٥، ٢٥٣)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤)، والطَّيَالِسِيُّ (٢٦٣٨)، وابنُ أبي شيبة في "المُصنَّف" (١١/ ٥٧١، و ١٣/ ٢٤٧، و ١٤/ ١١٧)، وابنُ حِبَّان (٧٣٤٧) وغيرُهم من طريق المُغيرة بن النُّعمان، عن سعيد بن جُبيرٍ، عن ابن عبَّاسٍ، فذكر حديثًا، وفيه: "أَلا وإنَّه سيُجَاءُ برجالٍ من أُمَّتي، فيُؤخَذُ بهم ذاتَ الشِّمال، فأقول: يا ربِّ أصحابي! فيُقال: إنَّك لا تَدرِي ما أَحدَثُوا بعدَك".
فهذا الحديثُ دليلٌ على أن النَّبيَّ ﷺ لا يَعلَمُ أعمال أُمَّتِه بعدَه.
ويدلُّ على ذلك أيضًا، قولُ عيسى ﵇: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧].
واللهُ أعلمُ.
стр. 1315
٣٤٨ - سألني سائلٌ عن: كلام لابن عبد البَرِّ، أعلَّ به حديثَ عِمران بن حُصينٍ ﵁ مرفوعًا: "خَيرُ النَّاس قرني، ثمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ يجيءُ أقوامٌ، يَتَسَمَّنُون ويُحِبُّون السِّمَنَ، يُعطُون الشَّهادة قبل أن يُسأَلُوها"، مع أن هذا الحديث في "الصَّحيحين".
ويقول: هل لابن عبد البَرِّ مُستنَدٌ صحيحٌ في هذا الإعلال؟
• قلتُ: أخرَجَ ابنُ عبد البر في "كتاب التَّمهيد" (١٧/ ٢٩٨ - ٢٩٩) من طريق زُهير بن حربٍ، ثنا وكيع، ثنا الأعمشُ، ثنا هلالُ بنُ يَسَافٍ، عن عِمران بن حُصينٍ، قال: قال رسُول الله ﷺ : "خَيرُ النَّاس قرني، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ يجيء قومٌ يتَسَمَّنُون، ويُحِبُّون السِّمَن، يُعطُون الشَّهادةَ قبل أن يُسألُوها".
ثُمَّ رواه ابنُ عبد البَرِّ، مِن طريق أحمد بن زُهير بن حربٍ، حدَّثنا أبي، حدَّثَنا ابنُ فُضيلٍ، عن الأعمش، عن عليّ بن مُدرِكٍ، عن هلال بن يسافٍ، عن عِمران، عن النَّبيِّ ﷺ بنحوِه.
قال ابنُ عبد البَرِّ: "أدخل ابنُ فُضيلٍ بين الأعمش، وبين هلالٍ، في هذا الحديث: "عليَّ بنَ مُدْرِكٍ"، وتابَعَهُ على ذلك عبدُ الله بنُ إدريسَ، ومنصورُ بنُ أبي الأسود، وهو الصَّواب. وهذا عِندي، واللهُ أعلَمُ، إنَّما
стр. 1316
جاء مِن قِبَل الأعمش؛ لأنَّهُ كان يُدَلِّس أحيانًا. وقد يُمكِن أن يكُون مِن قَبَلِ حِفظِ وكيعٍ لذلك، وإن كان حافظًا، أو من قِبَل أبي خيثمة؛ لأنَّ فيه: "حدَّثَنا هلالُ بنُ يَسَافٍ"، وليس بشيءٍ، وإنَّما الحديث للأعمشِ، عن عليِّ بن مُدرِكٍ، عن هلالٍ، والله أعلم. وقد رَوَى الأعمشُ، عن هلال بن يَسَافٍ، غيرَ ما حديثٍ. وقد رَوَى هذا الحديثَ شعبةُ، عن عليّ بن مُدرِكٍ، عن هلال بن يَسَافٍ، عن رَجلٍ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ ، لم يَقُل: عن عِمران بن حُصين".
قال ابنُ عبد البَرِّ: "هذا الحديثُ في إسناده اضطراب، وليس مثلُه يعارَض به حديثُ مالِكٍ؛ لأنَّه مِن نَقلِ ثقات أهل المدينة، وهذا حديثٌ كُوفيٌّ، لا أصل له، ولو صحَّ، كان معناه كمعنى حديث ابن مسعُودٍ، على ما فَسَّره إبراهيمُ النَّخْعِيُّ، فقيه الكُوفة".
• قلتُ: وفي كلامه نظرٌ من وُجوهٍ ..
الأوَّل: أنَّه رجَّح رواية من رواه عن الأعمش، عن عليّ بن مُدرِكٍ، عن هلال بن يَسَافٍ، عن عِمران.
وهذا الوجه أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٢٢٢١، ٢٣٠٢) قال: حدَّثَنا واصلُ بنُ عبد الأعلى ..
وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (١٤٧١) قال: حدَّثَنا ابن نُميرٍ، قالا: ثنا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ، ثنا الأعمشُ بهذا.
وتابعه منصُورُ بنُ أبي الأسود، عن الأعمش بسَنِده سواء.
أخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ (١٤٧٠) ..
стр. 1317
والطَّبَرانيُّ في الكبير (ج ١٨/ رقم ٥٨٣) قال: حدَّثَنا علي بن عبد العزيز ..
والخطيبُ في "الكفاية" (ص ٤٧) عن محُمَّد بن يُونُس، قالوا: ثنا أبو الرَّبيع الزَّهْرَانيُّ، ثنا منصورُ بنُ أبي الأسود.
وخالفهم جماعةٌ من أصحاب الأعمش، فرَوَوْه عنه عن هِلال بن يَسَافٍ، عن عِمران بن حُصينٍ مرفُوعًا.
فأخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٢٢٢١، ٢٣٠٢) قال: حدَّثَنا الحُسينُ بنُ حُرَيثٍ ..
وأحمدُ (٤/ ٤٢٦)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (١٤٧٢)، وابن حِبَّان (٧٢٢٩)، والطَّبَرانِيُّ (٥٨٥) عن ابن أبي شيبة، وهو في "المُصنَّف" (١٢/ ١٧٦) ..
والطَّبَرانِيُّ (٥٨٥) عن سهل بن عُثمان ..
والآجُرِّيُّ في "الشَّريعة" (١١٥٢) عن يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقِيِّ، قالوا: ثنا وكيع، ثنا الأعمشُ، ثنا هِلالُ بنُ يَسَافٍ، عن عِمران مرفُوعًا.
وأخرَجَهُ الحاكم (٣/ ٤٧١)، والطَّبَرَانِيُّ (٥٨٦) عن يَعلَى بن عُبيدٍ ..
والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢٤٦٥) عن عيسى بن يُونُس ..
والطَّبَرانِيُّ أيضًا (٥٨٤) عن شيبان بن عبد الرَّحمن، كُلُّهم عن الأعمش، عن هِلال بن يَسَافٍ، عن عِمران بن حُصينٍ.
وأفاد ابنُ أبي حاتمٍ (٢٦٠٣) أن الثَّوْريَّ رواه عن الأعمش كذلك.
فمن نظر في هذا التَّخريج لا يَمتَرِي في تقديم رِواية الجماعة عن الأعمشِ، وكلُّهم ثِقاتٌ أثباتٌ، وفيهم المُقدَّم في الأعمش.
وابنُ فُضيلٍ ومنصورٌ، وإن كانا من الثِّقات، فلا يَجرِيَان في مِضمار مَن
стр. 1318
ذَكَرناهم، ولذلك رجَّح التِّرمِذِيُّ هذا الوجهَ، فقال بعد رواية حديث وكيعٍ: "وهذا أصحُّ عِندِي من حديث مُحمَّد بن فُضيلٍ".
وخالَفَهُ أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ - كما في "العِلل" (٢٦٠٣) -، "فرجَّح رواية ابن فُضيلٍ ومنصُورٍ، كما قال ابنُ عبد البَرِّ.
ومُستنَدُ أبي حاتمٍ، فيما أرى، أَفصَحَ عنه ابنُ عبد البَرِّ، كما يأتي في ..
الوجه الثَّاني: أن ابن عبد البَرِّ رجَّح حديثَ الأعمش، عن عليّ بن مُدرِكٍ، قائلًا: "لأنَّ الأعمش كان يُدلِّسُ أحيانًا"، وهو يعني أنَّه يُحتمَل أن يكون الأعمشُ أَسقَط عليَّ بنَ مُدرِكٍ، ورواه عن هلال بن يَسَافٍ مُباشَرةً، وهذا كلامٌ صحيحٌ، ولكن يَدفَعُه أن الأعمش قال: "ثنا هِلالٌ"، فأجاب ابنُ عبد البَرِّ بأنَّ هذا التَّصريح ليس بشيءٍ، والمُخطِئُ فيه إمَّا أن يكون زُهيرُ بنُ حربٍ، أو وكيعٌ.
والجواب: أنَّه لا وجه لتخطَئة واحدٍ مِنهُما ..
فأمَّا زُهير بن حربٍ، فقد تابعه أحمدُ بنُ حنبل، وابنُ أبي شيبة، وأبو عمَّارٍ حُسينُ بنُ حُريثٍ، وسهلُ بنُ عُثمان.
وأمَّا وكيعٌ، فقال ابنُ عبد البَرِّ: "وقد أن يكون مِن قِبَل حفظ وكيعٍ، وإن كان حافظًا".
فهذا كلامٌ غريبٌ، لأنَّنا لا نُنكِر إن الحافظُ الثَّبتُ في بعض ما يَروِيه، ولكن يبقى السُّؤال: ما الدَّليل على وَهَمِه؟ وليس في يد ابن عبد البَرِّ حُجَّةٌ على ما ادَّعاهُ، إلَّا ثبوتُ واسطةٍ بين الأعمش، وبين هلال بن يَسَافٍ، وهذا ليس بكافٍ في التَّخطئة.
стр. 1319
ولو كان الذي ذَكَر تصريح الأعمشِ بالتَّحديث مِمَّن يُخطِئُ، أو صاحبُ أوهامٍ، لكان الكلام مقبولًا، أَمَا وهو وكيعُ بنُ الجرَّاح، العَلَمُ الشَّامِخُ، لا سيَّما في حديث الأعمش، فلا.
الوجه الثَّالث: أنَّ قولَه: "في إسناده اضطرابٌ" فليس كذلك.
وليس كلُّ اختلافٍ مما يضعَّفُ به الحديثُ.
والاختلافُ المُضِرُّ الذي يُسمِّيه العُلماء اضطرابًا، هو الذي تَتَسَاوَى فيه وُجُوهُ الرِّواية، وليس ثمَّ مُرجِّحٌ، فحينئذٍ تتساقطُ كُلُّها، وينتفي هذا الاضطرابُ، بالجمع أو التَّرجيح. والجمعُ هنا أَولَى، بل هو الرَّاجحُ، ولا مانع أن يَروِيه الأعمش على الوجهين.
ولو جاز لنا أن ندَّعِي اضطرابًا في هذا الحديث، لكان في الوجه الذي اختارَه ابنُ عبد البَرِّ ..
فقد أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "كتاب القضاء" (٣/ ٤٩٤/ ٦٠٣٠)، ومِن طريقه ابنُ عبد البَرِّ في "التَّمهيد" (١٧/ ٣٠٠) قال: أخبَرَنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، حدَّثَنا ابنُ أبي عَدِي، عن شُعبة، عن عليّ بن مُدرِكٍ، عن هِلال بن يَسَافٍ، قال: قَدِمتُ البَصرَةَ، فإذا رَجلٌ من أصحاب النَّبيِّ ﷺ - ليس أنسَ بن مالكٍ -، قال: قال رسُول الله ﷺ : … فذَكَرَه.
فها هو شُعبةُ أَبهَم صحابيَّ الحديثِ.
ولكن ليس في الحديث اضطرابٌ بحمد الله تعالى، وانتظر ما يأتي.
الوجه الرَّابع: أن ابنَ عبد البَرِّ خَتَم بحثَهُ قائلًا: "وهذا حديثٌ كُوفيٌّ، لا أصل له"، فهذا أبعدُ عن الصَّواب مِن كُلِّ ما مضى.
стр. 1320
وقد رواه عن عِمران بن حُصينٍ آخرُون، غيرُ هلال بن يَسَافٍ، منهم:
١ - زَهْدَمُ بنُ مُضرِّبٍ.
وهذا يرويه شُعبَةُ بنُ الحجَّاج، قال: سمِعتُ أبا جَمْرَة - وهو نصرُ بن عِمرانَ -، قال: سمعت زَهْدَمَ بنَ مُضرِّبٍ، قال: سمعتُ عِمرانَ بن حُصينٍ يُحدِّثُ، أن رسُول اللّه ﷺ قال: "إِنَّ خيرَكم قَرنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم - قال عِمرانُ: فلا أَدرِي، قال رسُول اللّه ﷺ بعد قرنه مرَّتين أو ثلاثة -، ثُمَّ يكونُ بَعدَهم قومٌ، يَشهَدُون ولا يُستَشهَدون، ويَخُونُون ولا يُتَّمَنُون".
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الرِّقاق" (١١/ ٢٤٤)، ومُسلِمٌ في "فضائل الصَّحابة" (٢٥٣٥/ ٢١٤)، وأحمدُ (٤/ ٤٢٧)، وابنُ أبي عاصمٍ في "السُّنَّة" (١٤٦٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٥٨٢) عن مُحمَّد بن جعفرٍ غُندرٍ ..
والبُخاريُّ في "الأَيْمان والنُّذور" (١١/ ٥٨٠ - ٥٨١)، ومُسلِمٌ، وأحمدُ (٤/ ٤٣٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ٣٩١) عن يحيى بن سعيدٍ القطَّان ..
والبُخاريُّ في "كتاب الشَّهادات" (٥/ ٢٥٨ - ٢٥٩)، وفي "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ١٨٨)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٢٣) عن آدم بن أبي إياسٍ ..
والبُخاريُّ في "فضائل الصَّحابة" (٧/ ٣) عن النَّضر بن شُميلٍ ..
ومُسلِمٌ (٢٥٣٥/ ٢١٤)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد ابن الجعد" (١٣٢٨)، والبَيهَقِيُّ في "السُّنَن الكبير" (١٠/ ٧٤)، وفي "الصَّغير"
стр. 1321
(٤/ ١١٦)، وفي "الدَّلائل" (٦/ ٥٥٢) عن بهز بن أَسَدٍ ..
ومُسلِم، وأبو القاسم البَغَوِيُّ (١٣٣٠) عن شبَابَةَ بن سوَّارٍ ..
وأبو القاسم البَغَوِيُّ (١٣٢٣)، والطَّبَرَانِيُّ (١٨/ رقم ٥٨١)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٦٦) عن عليّ بن الجعد ..
والنَّسَائِيُّ (٧/ ١٧ - ١٨) عن خالد بن الحارث ..
وأحمدُ (٤/ ٤٢٧) عن حجَّاج بن مُحمَّدٍ الأعورِ ..
والطَّيَالِسِيُّ في "مُسنَده" (٨٤١)، ومن طريقه أبو القاسم البَغَوِيُّ (١٣٢٩)، وأبو عَوَانة في "المُستخرَج" (٦٤١٢) عن أبي زيدٍ النَّحْوِيِّ .. والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٤/ ١٥١) عن بِشر بن ثابتٍ البَزَّار .. والطَّبَرانِيُّ (٥٨١) عن عَمْرو بن حكَّامٍ ..
وابنُ النَجَّار في "ذيل تاريخ بغداد" (٣/ ٢٨) عن أسد بن مُوسَى، قالوا جميعًا: ثنا شُعبةُ بهذا.
وتُوبع شعبةُ ..
تابعه أبانُ بن يزيدَ العَطَّار، فرواه عن أبي جَمرَة بهذا الإسناد.
أخرجه البُخاريُّ في "الكبير" (١/ ١/ ١٨٨)، والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١٨/ رقم ٥٨٥) عن مُسلِم بن إبراهيم ..
وابنُ أبي عاصمٍ (١٤٦٨)، وابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٦/ ١)، والطَّبَرانيُّ (١٨/ ٥٨٠) عن إبراهيم بن الحجَّاج السَّامِيُّ ..
والحاكمُ في "علوم الحديث" (ص ٤٦) عن مُوسَى بن إسماعيل، قالوا: ثنا أبانُ بنُ يزيدَ العَطَّارُ بهذا.
стр. 1322
٢ - زُرارةُ بنُ أوفَى.
وهذا يرويه قتادةُ، عن زُرَارَة بن أوفَى، عن عِمران بن حُصينٍ، قال: قال رسُول الله ﷺ : "خيرُ أُمَّتِي القرنُ الذي بُعِثتُ فيه، ثُمَّ الذين يَلُونَهم، ثُمَّ الذين يَلُونَهم - قال: واللّهُ أَعلَمُ، أَذكَر الثَّالث أم لا؟ -، ثُمَّ ينشأُ قومٌ، يَشهَدُون ولا يُستَشهَدُون، ويَنذِرُون ولا يُوفُون، ويَخُونُون ولا يُتَّمَنُون، ويَفشُو فيهم السِّمَنُ".
أخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٥٣٥/ ٢١٥)، وأبو داوُد (٤٦٥٧)، والتِّرمِذِيُّ (٢٢٢٢)، وأحمدُ (٤/ ٤٤٠)، وابنُ حِبَّان (٦٧٢٩)، والبَزَّارُ (٣٥٢١ - البحر)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٤/ ١٥١)، والطَّبَرانِيُّ (ج ١٨/ رقم ٥٢٧) عن أبي عَوَانة ..
ومُسلِم أيضًا، وأحمدُ (٤/ ٤٢٦)، والبَزَّارُ (٣٦٠٣)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢٤٦٤)، والطَيَالِسِيُّ (٨٥٢)، والطَّبَرَانِيُّ (٥٢٩)، والبَيهَقِيُّ (١٠/ ١٦٠)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٢/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٦٧) عن هشامٍ الدَّستوائِيِّ ..
والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٢٤٦٣) عن شُعبة بن الحَجَّاج ..
والطَّبَرانيُّ (٥٢٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٢/ ٧٨) عن همَّام بن يحيى ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (٥٢٨)، وفي "الأوسط" (٥٥٢٦، ٨٨٦٨)، وأبو عَمْرٍو الدَّانِيُّ في "الفِتن" (٣١٦) عن مَطَرٍ الورَّاقِ، كُلُّهم عن قتادة بهذا الإسناد.
стр. 1323
قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ".
• قلتُ: وبعد هذا التَّخريج، ظَهَرَ لك أن الحديث صحيحٌ، وحَسبُك أن صَاحِبَيْ "الصَّحيح" اتَّفَقَا على تخريجِه، فكيف يُقالُ: لا أصل له؟!
الوجهُ الخامسُ: أن ابن عبد البَرِّ طَعَنَ على حديث عِمرانَ هذا، لأنَّه نَصَبَ التَعارُض بينه وبين حديث زيد بن خالدٍ الجُهَنِيِّ، مرفُوعًا: "أَلا أُخبِرُكم بخير الشُّهداء؟ الذي يأتي بالشَّهادة قبل أن يُسألها"، وهو حديثٌ صحيحٌ، أخرَجَهُ مُسلِمٌ في "الأقضية" (١٧١٩/ ١٩).
وقد وقع في إسناده اختلافٌ، ليس هذا موضعُ بيانه.
فقد أجاب أهل العِلمِ بأجوبةٍ، ساقها الحافظُ في "الفتح" (٥/ ٢٥٩ - ٢٦٠)، فقال: "واختَلَف العُلماءُ في ترجيحهما - يعني: حديث عِمران، وزيد بن خالدٍ -، فجَنَحَ ابنُ عبد البَرِّ إلى ترجيح حديث زيدِ بن خالدٍ؛ لكونه مِن رواية أهل المَدِينة، فقَدَّمه على رواية أهل العِراق، وبالَغَ فَزَعَم أن حديث عِمران هذا لا أصل له. وجَنَحَ غيرُه إلى ترجيح حديثِ عِمران؛ لاتِّفاق صاحبي "الصَّحيح" عليه، وانفرادِ مُسلِمٍ بإخراج حديث زيد بن خالدٍ. وذهب آخرون إلى الجمع بينَهما، فأجابوا بأجوبةٍ، أحدِها أن المُرادَ بحديث زيدٍ: "من عنده شهادةٌ لإنسانٍ بحقٍّ، لا يَعلَمُ بها صاحبُها، فيأتي إليه فيخبُرُهُ بها، أو يموتُ صاحبُها العالِمُ بها، ويُخَلِّفُ ورثةً، فيأتي الشَّاهِدُ إليهم، أو إلى من يَتَحَدَّثُ عنهم، فيُعْلِمُهم بذلك"، وهذا أَحسَنُ الأجوبة، وبهذا أجاب يحيى بنُ سعيدٍ شيخُ مالكٍ، ومالكٌ، وغيرُهما. ثانيهما: أنَّ المُراد به "شهادةُ الحِسبة"، وهي ما
стр. 1324
لا يَتَعلَّق بحقوق الآدميِّين، المُختصَّةِ بهم محضًا، ويَدخُلُ في الحِسبة ممَّا يتعلَّق بحق اللّه، أو فيه شائبةٌ منه، كالعتاق، والوقف، والوصيَّة العامة، والعِدَّة، والطَّلاق، والحُدود، ونحو ذلك، وحاصلُه أن المُرادَ بحديث ابن مسعُودٍ: "الشَّهادةُ في حقوق الآدميِّين"، والمُرادَ بحديث زيد بن خالدٍ: "الشَّهادةُ في حقوق اللّه". ثالثها: أنَّه محمولٌ على المُبالَغة في الإجابة إلى الأداء، فيكون لشدَّة استعدادِه لها كالذي أدَّاها قبل أن يُسأَلهَا، كما يقال في وصف الجَوَاد: "إنَّه لَيُعطِي قبل الطَّلَب"، أي يُعطِي سريعًا عَقِب السُّؤال من غير توقُّفٍ. وهذه الأجوبة مبنيَّةٌ على أن الأصل في أداء الشَّهادة عند الحاكم أن لا يَكُون إلَّا بعد الطَّلب مِن صاحب الحقِّ، فيُخَصُّ ذمُّ من يشهدُ قبل أن يُستَشهَد، بمن ذُكِر ممَّن يُخبِرُ بشهادةٍ عنده، لا يَعلُم صاحبُها بها، أو شهادة الحِسبة. وذَهَبَ بعضُهم إلى جواز أداء الشَّهادة قبل السُّؤال، على ظاهر عُمُوم حديث زيد بن خالدٍ، وتأوَّلُوا حديث عِمرانَ بتأويلاتٍ، أحدِها: أنَّه محمولٌ على شهادة الزُّور، أي: "يُؤدُّون شهادةً لم يَسبِق لهم تحمُّلُها"، وهذا حكاهُ التِّرمذيُّ عن بعض أهل العلم. ثانيها: المرادُ بها: "الشَّهادةُ في الحَلِف"، يدلُّ عليه قولُ إبراهيم، في آخر حديث ابن مسعُودٍ: "كانوا يضربونَنَا على الشَّهادة"، أي قول الرَّجل: "أشهدُ باللّه! ما كان إلَّا كذا"، على معنى الحَلِف، فكُرِه ذلك، كما كُرِه الإكثارُ من الحَلِف، واليمينُ قد تُسمَّى شهادةً، كما قال تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ﴾ [النور: ٦]، وهذا جواب الطَّحاويِّ. ثالثها: المرادُ بها: "الشَّهادة على المُغيَّب من أمر النَّاس"، فيشهدُ على قومٍ أنَّهم
стр. 1325
في النَّار، وعلى قومٍ أنَّهم في الجَنَّة، بغير دليلٍ، كما يصنعُ ذلك أهلُ الأهواء، حكاه الخطَّابيُّ. رابعُها: المرادُ به: "من يَنتَصِب شاهدًا، وليس من أهل الشَّهادة". خامسها: المراد به: "التَّسارُع إلى الشَّهادة، وصاحبُها بها عالمٌ، مِن قبل أن يُسألَه". واللّهُ أعلَمُ "انتهَى.
فهذا ما ظَهَرَ لي من الجَوَاب عن إعلال ابن عبد البَرِّ ﵀.
واللّهَ أسألُ أن يَرزُقَنا فَهمًا في كتابه، وفي سُنَّة نبيِّه ﷺ .
واللهُ أعلمُ.
стр. 1326
٣٤٩ - سألني سائلٌ، فقال: سمعتُ أحدَ الشُّيوخ وهو يتكلَّم عن فضل الدُّعاء، يقول: "إنَّ الدُّعاء يُمكِن أن يُخرج العبد من النَّار، وإن وَجبت له"، واستدلَّ بحديثٍ رواه التِّرمِذِيُّ - كما قال -، أن امرأةً كان لها ولا يُقال له حارثةُ بنُ النُّعمان، قُتِل يوم بدرٍ، فقالت أُمُّه للنَّبيِّ ﷺ : "أخبِرنِي عن حارثةَ؛ لئن كان أصاب خيرًا احتَسَبتُ وصبَرتُ، وإن لم يُصِب خيرًا اجتهدتُ في الدُّعاء" … الحديث، فهل الحديثُ صحيحٌ؟
• قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ، لكنَّ هذه اللَّفظةَ التي احتجَّ بها الشيخُ لا تصحُّ، وجزَم الحافظُ ابنُ حَجَرٍ في "الفتح" (٦/ ٢٧) أنَّها خطأٌ، ولو سلَّمنا أن ثَمَّ خطأٌ لم يَقَع، فهي لفظَةٌ شاذَّةٌ.
وإليك البيانُ:
فأخرَجَ التِّرمِذِيُّ (٣١٧٤) قال: حدَّثنا عَبْدُ بنُ حُميدٍ، قال: حدَّثَنا رَوْحُ بنُ عُبَادة، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنَسٍ، أنَّ الرُّبَيِّعَ بنتَ النَّضر أتت النَّبيَّ ﷺ ، وكان ابنُها حارثةُ بنُ سُرَاقة أُصِيب يوم بدرٍ، أصابه سهمٌ غَرْبٌ (١)، فأتَت رسُولَ الله ﷺ ، فقالت: "أَخبِرنِي عن
стр. 1327
حارثةَ؛ لئن كان أَصَابَ خيرًا احتسبتُ وصَبَرتُ، وإن لم يُصِب الخير اجتهدتُ في الدُّعاء"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "يا أُمَّ حارثةَ! إِنَّها جنانٌ في جَنَّةٍ، وإنَّ ابنَكِ أَصَابَ الفردوسَ الأعلى، والفردوسُ رَبوَةُ الجَنَّة، وأوسَطُهَا، وأفضَلُها".
• قلتُ: هكذا رواه عَبْدُ بنُ حُميدٍ، عن رَوْحٍ.
ورواه مُحمَّدُ بنُ مرزُوقٍ، ثنا رَوْحُ بنُ عُبَادة بهذا الإسناد، دون القِصَّة.
أخرَجَهُ ابنُ جَرِيرٍ في "تفسيره" (١٥/ ٤٣٦ - طبع هَجَر).
وقد رواه يزيدُ بنُ زُريع، قال: ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبة بهذا الإسناد، بلفظ: "أَنبِئْنِي عن حارثةَ، أُصِيبَ يوم بدرٍ، فإن كان في الجَنَّة صَبَرتُ واحتسبتٌ، وإن كان غير ذلك اجتهدتُ في البُكاء".
أخرَجَهُ ابنُ خُزَيمة في "التَّوحيد" (٥٩٠/ ٢٤) قال: حدَّثَنا أبو مُوسَى - هو مُحمَّد بن المُثنَّى - ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٤/ رقم ٦٦٥)، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ عبد الله الحَضرَمِيُّ، قالا: ثنا عبَّاسُ بنُ الوليد، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ بهذا.
وأخرَجَهُ ابن حِبَّان (٩٥٨)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٢٣٥)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (١٩٧٠) من طريق مُحمَّد بن المِنهال الضَّرير، ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، ثنا سعيدُ بن أبي عَرُوبة بهذا دون القِصَّة،
стр. 1328
وزاد: "فَإِذَا سألتُمُ الله ، فاسألوه الفِردَوس الأعلى".
وهي زيادةٌ ثابتةٌ، ومحُمَّدُ بنُ المِنهال ثقةٌ ثَبْتٌ، كان أثبتَ النَّاس في يزيد بن زُريعٍ، كما قال أبو يَعلَى المَوْصِليُّ.
وكذلك رواه بلفظ "البُكاء" بدل "الدعاء" أصحابُ قتادة ..
منهم: شيبانُ بنُ عبد الرَّحمن.
أخرَجَهُ البُخاريُّ في "الجهاد" (٦/ ٢٥ - ٢٦)، وأحمدُ (٣/ ٢٦٠)، وابنُ خُزَيمَة (٥٨٨/ ٢٠)، والبَيهَقِيُّ (٩/ ١٦٧).
ورواه أبانُ بنُ يزيدَ العَطَّارُ، عن قتادة بهذا اللَّفظ: البُكاء.
أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٢٨٣) قال: حدَّثَنا عَفَّانُ بنُ مُسلِمٍ ..
وابنُ خُزَيمة (٥٨٨/ ٢١) عن مُسلِم بن إبراهيم، قالا: ثنا أبانُ العَطَّارُ.
ولم يَذكُر ابنُ خُزَيمة لفظَهُ.
ورواه أيضًا أبو هلالٍ الرَّاسِبِيُّ، عن قتادة، عن أنَسٍ بهذا اللَّفظ.
أخرَجَهُ أحمد (٣/ ٢١٠) قال: حدَّثَنا عبدُ الصَّمَد، وحَسَن بن مُوسى .. وابن خُزَيمة في "التَّوحيد" (٥٨٨/ ٢٢) عن سلميان بن حربٍ، قالوا: ثنا أبو هلالٍ. واللَّفظ لأحمد.
والرَّاسِبِيُّ يُضعَّف.
ورواه الحَكَمُ بنُ عبد المَلِك - وهو شبه المتروكٍ -، عن قتادة، عن أنَسٍ مثلَه.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (١٩٧١).
стр. 1329
وأبو هلالٍ والحكم، مُتابَعان كما ترَى.
وكذلك رواه أصحابُ أنَسٍ ﵁ ..
فأخرَجَهُ البُخاريُّ في "المغازي" (٧/ ٣٠٤)، و في "كتاب الرِّقاق" (١١/ ٤١٥) عن أبي إسحاق الفَزَارِيِّ إبراهيم بن مُحَمَّدٍ ..
والبُخاريُّ أيضًا في "الرِّقاق" (١١/ ٤١٨)، والنَّسَائيُّ في "المناقب" (٥/ ٦٤ - ٦٥)، وأحمدُ (٣/ ٢٦٤)، وأبو القَاسِم البَغَوِيُّ في "مُعجَم الصَّحابة" (ق ٥٤/ ٢)، وابنُ حِبَّان (٧٣٩١)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (١٩٧٢) عن إسماعيل بن جعفرٍ ..
وابنُ مَلَّاسٍ (١) في "جزئه" (١٤)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٨)، والبَيهَقِيُّ في "البعث" (٢٢٤) عن مَرْوان بن مُعاويةِ ..
وابنُ أبي شَيبَة (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠)، وعنه أبو يَعلَى (٣٧٣٠) قال: حدَثَنا أبو خالدٍ الأحمرُ ..
وابنُ أبي عاصمٍ في "الأوائل" (١٣٦) مُختَصَرًا عن مُعتمِر بن سُليمان ..
والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٢٣٦)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (١٩٧٢) عن عبد العزيز بن مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُ، كلهم عن حُميدٍ الطَّويل، قال: سمعتُ آنسًا، يقول: أُصِيب حارثةُ يوم بدرٍ، وهو غلامٌ، فجاءت أُمُّه إلى النَّبيِّ ﷺ وفي رواية أبي خالدٍ الأحمر: ولم يكن لها غيرُهُ -،
стр. 1330
فقالت: "يا رسُول اللّه! قد عرفتَ منزلة حارثة مِنِّي، فإن يَكُ في الجَنَّة أَصبِرُ وأَحتَسِبُ، وإن تَكُن الأخرى، تَرَى ما أصنعُ - يعني من البُكاء -، فقال: "ويحك! أَوَهَبِلتِ (١)! أَوَجَنَّةٌ واحدةٌ هي؟! إنَّها جِنانٌ كثيرةٌ، وإنَّه لفي جَنَّة الفِردَوس".
وكذلك رواه ثابتٌ البُنانِيُّ، عن أنَسٍ مثلَه.
أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "المناقب" (٨٢٣٢)، وأحمدُ (٣/ ٢١٥، ٢٨٢ - ٢٨٣)، والطَّيَالِسِيُّ (٢٠٢٩)، وابنُ المُبارَك في "الجهاد" (٨٣)، وابنُ أبي شيبة (١٤/ ٣٨٥ - ٣٨١)، وابنُ حِبَّان (٤٦٦٤)، والحاكمُ (٣/ ٢٠٨) عن سُليمان بن المُغِيرة ..
وأحمدُ (٣/ ١٢٤، ٢٧٢)، وابنُ سعدٍ في "الطَّبَقات" (٣/ ٥١٠ - ٥١١)، وابنُ خُزَيمة في "التَّوحيد" (٢/ ٨٧٣)، وأبو يَعلَى (٣٥٠٠)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الجهاد" (١٥٩)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٣/ رقم ٣٢٣٤)، والبَيهَقِيُّ في "البعث" (٢٢٣)، وأبو نُعيمٍ في "المعرفة" (١٩٦٩) عن حمَّاد بن سَلَمة، كلاهما، عن ثابتٍ البُنَانِيِّ، عن أنَسٍ.
ووقع في رواية الطَّبرَانِيِّ: "أنَّه قُتِل يوم أُحُدٍ"، وهو خطأٌ محضٌ، فقد اتَّفقت كلُّ الروايات أنَّه أتاه سهمٌ، فقتله يوم بدرٍ.
فقد رأيتَ، أراك اللهُ الخيرَ، أن لفظ الحديث، على اختلاف طُرُقه، إنَّما هو "البكاء"، ويدلُّ عليه ما وقع في بعض طُرُقه: "اجتهدتُ عليه
стр. 1331
في الثُّكْل"، وأمَّا لفظةُ "الدُّعاء"، فهي إمَّا خطأٌ وَقَع في نَسخ الكتاب، وإمَّا شاذَّةٌ، وهذا الثَّاني أقربُ، ولا يُحكَم بالأوَّلٍ إلَّا بعد مُراجَعة النُّسَخ العتيقة من كتاب التِّرمِذِيِّ.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 1332
٣٥٠ - سُئلتُ عن حديث: "الزَّهَادَةُ والدُّنيَا تُرِيحُ القلبَ والبَدَنَ".
• قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ.
فأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦١٢٠)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٣٩٤)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٨) عن يحيى بن بِسطَامَ ..
وابنُ عَدِيِّ في "الكامل" (١/ ٣٦٧)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٨)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣١٨) عن يحيى بن مُحمَّدٍ العَبْدِيِّ، قالا: ثنا أَشعَثُ بن بَرَازٍ الهُجَيمِيُّ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
واللَّفظ للعُقيليِّ.
وهذا حديثٌ غيرُ محفُوظٍ، كما قال العُقيليُّ؛ والأشعثُ بنُ بَرَازٍ - بالباء المُوحَّدة، بعدها راءٌ، وآخرُهُ زاي مُعجَمَةٌ - تَرَكَهُ النَّسَائِيُّ وغيره، وضعَّفه عَمْرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ جدًّا، وقال البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث"، وقال ابنُ عَدِي: "عامَّة ما يرويه غيرُ محفُوظٍ، والضَّعف بيِّنٌ على روايته".
أمَّا الهَيثَمِيُّ، فقال في "المَجمَع" (٧/ ١٤٢، و ١٠/ ٢٨٦): "لم أعرفه"، وقد رأيتَ أنَّه معروفٌ، ولكن بالضَّعف الشَّديد، نسأل اللّه العافية.
وقال ابنُ الجوزِيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ عن رسُول الله ﷺ ، قال
стр. 1333
أحمدُ: عليُّ بنُ زيدٍ ليس بشيءٍ، وقال يحيى: عليٌّ وأشعثُ ليسا بشيءٍ".
• قلتُ: لا ذنب لعليِّ بن زيدٍ فيه.
أمَّا المُنذِرِيُّ، فقال في "التَّرغيب" (٤/ ١٥٧): "إسناده مُقارِبٌ".
وهو عَجَبٌ، بعدما رأيتَ عِلَّته.
وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن عَمْرٍو مرفُوعًا: "الزُّهدُ في الدُّنيا يُرِيحُ القلبَ والبَدَنَ، والرَّغبةُ في الدُّنيا تُكثِر الهمَّ والحَزَنَ، والبَطَالَةُ تُقَسِّي القَلبَ".
أخرَجَهُ القُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٢٧٨) من طريق أبي عُتبَة أحمد بن الفَرَج، ثنا بقيَّةُ بنُ الوليد، عن بكر بن خُنَيسٍ، عن مُجاهدٍ، عن عبد اللّه بن عَمْرٍو بهذا.
وإسناده واهٍ؛ وبقيَّةُ يُدلِّسُ التَّسويةَ.
وبكر بن خُنَيسٍ ضعيفٌ، بل تَرَكَهُ غيرُ واحدٍ. والله أعلم.
وأخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "ذمِّ الدُّنيا" (٢٨٩) قال: حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ عليّ بن الحَسَن، ثنا إبراهيمُ بنُ الأشعث، قال: سمعت الفُضَيل بن عِيَاص، يَذكُر عن النَّبيِّ ﷺ ، فذَكَرَ مثل حديث عبد الله بن عَمْرٍو، دون قوله: "والبَطَالَة … ".
وإسنادُه مُعضَلٌ.
وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٦٠٩) من طريق ابن أبي الدُّنيا، ثنا مُحمَّدُ بنُ ناجحٍ، ثنا بقيَّةُ بنُ الوليد، عن مُحمَّد بن مَسَرَّة التُّستَرِيُّ، قال: قال عُمَر بن الخطَّاب: فذَكَر مثل حديث أبي هُريرَة.
стр. 1334
وإسناده ضعيفٌ ومُنقطِعٌ.
وأخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "ذمِّ الدُّنيا" (١٣١)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٦) قال: حدَّثَنا الهَيثَمُ بنُ خالدٍ البَصرِيُّ، ثنا الهيثمُ بنُ جميلٍ، نا مُحمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، عن إبراهيم بن مَيسَرَة، عن طاوُوسٍ، قال: قال رسُول اللّه ﷺ : … فذَكَرَ مثل حديث عبد اللّه بن عَمْرٍو، دُون آخرِه.
قال البَيهَقِيُّ: "مُرسَلٌ".
• قلتُ: ومحُمَّد بن مُسلِمٍ هو الطَّائِفِيُّ، يتكَلَّمُون فيه.
وهذا الوجهُ هو أقوى الوُجُوه كُلِّها.
واللهُ أعلَمُ.
стр. 1335
٣٥١ - سُئلتُ عن حديث: "لا تَنتَهِي البُعُوثُ عن غَزوِ بيت اللّه تعالى، حتَّى يُخسَفَ بجيشٍ مِنهُم".
• قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ.
أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، ومِن طريقه تمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٧٢٥) ..
والفَاكِهِيُّ في "أخبار مَكَّة" (٧٥٣) ..
والحاكمُ (٤/ ٤٣٠) قال: حدَّثَني عبدُ الرَّحمن بنُ الجَلَّاب، قال ثلاثَتُهم: ثنا أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، ثنا عُمَرُ بنُ حفص بن غِيَاثٍ، ثنا أبي، عن مِسعَرٍ، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، عن أبي مُسلِمٍ الأغرِّ، عن أبي هُريرَة مرفوعًا فذَكَرَه.
قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، ولم يُخَرِّجاه. لا أعلم يحدِّث به غيرَ عُمَرَ بن حفص بن غِيَاثٍ، يرويه عنه الإمامُ أبو حاتمٍ".
• قلتُ: وقولُ الحاكم معناه أن أبا حاتمٍ الرَّازِيَّ تفرَّد به عن عُمَر بن حفصٍ، وليس كذلك ..
بل تابعه عُبيدُ بنُ غنَّام بن حفص بن غِيَاثٍ، قال: وجدتُ في كتاب عمِّي عُمَر بن حفصٍ، ثنا أبي بسَنَدِه سواء.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٢٤٤).
وقال: "تفرَّد به حفصٌ، عن مِسعَرٍ. وسَنَدُه صحيحٌ".