← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

في الثُّكْل"، وأمَّا لفظةُ "الدُّعاء"، فهي إمَّا خطأٌ وَقَع في نَسخ الكتاب، وإمَّا شاذَّةٌ، وهذا الثَّاني أقربُ، ولا يُحكَم بالأوَّلٍ إلَّا بعد مُراجَعة النُّسَخ العتيقة من كتاب التِّرمِذِيِّ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1332

٣٥٠ - سُئلتُ عن حديث: "الزَّهَادَةُ والدُّنيَا تُرِيحُ القلبَ والبَدَنَ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. فأخرَجَهُ الطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (٦١٢٠)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٤/ ٣٩٤)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٨) عن يحيى بن بِسطَامَ .. وابنُ عَدِيِّ في "الكامل" (١/ ٣٦٧)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٨)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٢/ ٣١٨) عن يحيى بن مُحمَّدٍ العَبْدِيِّ، قالا: ثنا أَشعَثُ بن بَرَازٍ الهُجَيمِيُّ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن سعيد بن المُسيَّب، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا. واللَّفظ للعُقيليِّ. وهذا حديثٌ غيرُ محفُوظٍ، كما قال العُقيليُّ؛ والأشعثُ بنُ بَرَازٍ - بالباء المُوحَّدة، بعدها راءٌ، وآخرُهُ زاي مُعجَمَةٌ - تَرَكَهُ النَّسَائِيُّ وغيره، وضعَّفه عَمْرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ جدًّا، وقال البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث"، وقال ابنُ عَدِي: "عامَّة ما يرويه غيرُ محفُوظٍ، والضَّعف بيِّنٌ على روايته". أمَّا الهَيثَمِيُّ، فقال في "المَجمَع" (٧/ ١٤٢، و ١٠/ ٢٨٦): "لم أعرفه"، وقد رأيتَ أنَّه معروفٌ، ولكن بالضَّعف الشَّديد، نسأل اللّه العافية. وقال ابنُ الجوزِيِّ: "هذا حديثٌ لا يصحُّ عن رسُول الله ﷺ ، قال

стр. 1333

أحمدُ: عليُّ بنُ زيدٍ ليس بشيءٍ، وقال يحيى: عليٌّ وأشعثُ ليسا بشيءٍ". • قلتُ: لا ذنب لعليِّ بن زيدٍ فيه. أمَّا المُنذِرِيُّ، فقال في "التَّرغيب" (٤/ ١٥٧): "إسناده مُقارِبٌ". وهو عَجَبٌ، بعدما رأيتَ عِلَّته. وله شاهدٌ من حديث عبد الله بن عَمْرٍو مرفُوعًا: "الزُّهدُ في الدُّنيا يُرِيحُ القلبَ والبَدَنَ، والرَّغبةُ في الدُّنيا تُكثِر الهمَّ والحَزَنَ، والبَطَالَةُ تُقَسِّي القَلبَ". أخرَجَهُ القُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٢٧٨) من طريق أبي عُتبَة أحمد بن الفَرَج، ثنا بقيَّةُ بنُ الوليد، عن بكر بن خُنَيسٍ، عن مُجاهدٍ، عن عبد اللّه بن عَمْرٍو بهذا. وإسناده واهٍ؛ وبقيَّةُ يُدلِّسُ التَّسويةَ. وبكر بن خُنَيسٍ ضعيفٌ، بل تَرَكَهُ غيرُ واحدٍ. والله أعلم. وأخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "ذمِّ الدُّنيا" (٢٨٩) قال: حدَّثَني مُحمَّدُ بنُ عليّ بن الحَسَن، ثنا إبراهيمُ بنُ الأشعث، قال: سمعت الفُضَيل بن عِيَاص، يَذكُر عن النَّبيِّ ﷺ ، فذَكَرَ مثل حديث عبد الله بن عَمْرٍو، دون قوله: "والبَطَالَة … ". وإسنادُه مُعضَلٌ. وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٦٠٩) من طريق ابن أبي الدُّنيا، ثنا مُحمَّدُ بنُ ناجحٍ، ثنا بقيَّةُ بنُ الوليد، عن مُحمَّد بن مَسَرَّة التُّستَرِيُّ، قال: قال عُمَر بن الخطَّاب: فذَكَر مثل حديث أبي هُريرَة.

стр. 1334

وإسناده ضعيفٌ ومُنقطِعٌ. وأخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "ذمِّ الدُّنيا" (١٣١)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٠٥٣٦) قال: حدَّثَنا الهَيثَمُ بنُ خالدٍ البَصرِيُّ، ثنا الهيثمُ بنُ جميلٍ، نا مُحمَّدُ بنُ مُسلِمٍ، عن إبراهيم بن مَيسَرَة، عن طاوُوسٍ، قال: قال رسُول اللّه ﷺ : … فذَكَرَ مثل حديث عبد اللّه بن عَمْرٍو، دُون آخرِه. قال البَيهَقِيُّ: "مُرسَلٌ". • قلتُ: ومحُمَّد بن مُسلِمٍ هو الطَّائِفِيُّ، يتكَلَّمُون فيه. وهذا الوجهُ هو أقوى الوُجُوه كُلِّها. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1335

٣٥١ - سُئلتُ عن حديث: "لا تَنتَهِي البُعُوثُ عن غَزوِ بيت اللّه تعالى، حتَّى يُخسَفَ بجيشٍ مِنهُم". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ (٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧)، ومِن طريقه تمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٧٢٥) .. والفَاكِهِيُّ في "أخبار مَكَّة" (٧٥٣) .. والحاكمُ (٤/ ٤٣٠) قال: حدَّثَني عبدُ الرَّحمن بنُ الجَلَّاب، قال ثلاثَتُهم: ثنا أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، ثنا عُمَرُ بنُ حفص بن غِيَاثٍ، ثنا أبي، عن مِسعَرٍ، عن طلحة بن مُصَرِّفٍ، عن أبي مُسلِمٍ الأغرِّ، عن أبي هُريرَة مرفوعًا فذَكَرَه. قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ غريبٌ صحيحٌ، ولم يُخَرِّجاه. لا أعلم يحدِّث به غيرَ عُمَرَ بن حفص بن غِيَاثٍ، يرويه عنه الإمامُ أبو حاتمٍ". • قلتُ: وقولُ الحاكم معناه أن أبا حاتمٍ الرَّازِيَّ تفرَّد به عن عُمَر بن حفصٍ، وليس كذلك .. بل تابعه عُبيدُ بنُ غنَّام بن حفص بن غِيَاثٍ، قال: وجدتُ في كتاب عمِّي عُمَر بن حفصٍ، ثنا أبي بسَنَدِه سواء. أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٢٤٤). وقال: "تفرَّد به حفصٌ، عن مِسعَرٍ. وسَنَدُه صحيحٌ".

стр. 1336

٣٥٢ - سألني سائلٌ، فقال: قد أُشكل عليَّ حديثٌ في الرُّقية من احتباس البَوْل: هل الاختلافُ الواقعُ فيه يضرُّه من جِهة صِحَّته أم لا؟ • قلتُ: هذا الحديثُ لا يَثبُتُ. فهذا الحديثُ أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (١٠٣٨)، والحاكمُ (٤/ ٢١٨ - ٢١٩) عن سعيد بن الحَكَم بن أبي مريم .. وأبو داوُد (٣٨٩٢)، ومن طريقه اللَّالَكَائِيُّ في "شرح الاعتقاد" (٦٤٨)، وابنُ حِبَّان في "المجروحين" (١/ ٣٠٨)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٣/ ١٠٥٤) عن مُحمَّد بن الحَسَن بن قتيبة، قالا: ثنا يزيدُ بنُ خالد بن مَوْهَب .. والحاكمُ (١/ ٣٤٣ - ٣٤٤) عن يحيى بن بُكير .. وابنُ عَدِيٍّ (٣/ ١٠٥٤) عن خالد بن قاسمٍ .. والطَّبَرانِيُّ في "الأوسط" (٨٦٣٦) عن عبد الله بن صالح، قالوا: ثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثَني زِيَادَةُ بنُ مُحَمَّدٍ الأنصاريُّ، عن مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن فَضَالةَ بن عُبيدٍ، عن أبي الدَّرداء، أنَّه أتاه رجلٌ فذَكَر له أنَّه احتبَسَ بَوْلُه، فأصابته حصاةُ البَوْل، فعلَّمَهُ رُقيةً سَمِعَها من النَّبيِّ ﷺ : "ربَّنا الله الذي في السَّماء، تَقَدَّس اسمُك، أَمرُك في السَّماء والأرض، كما رحمتُك في السَّماء، فاجعل رحمتَك في الأرض، واغفر لنا

стр. 1337

حَوْبَنَا وخطايانا، أنت ربُّ الطيِّبين، فأَنزِل شفاءً مِن شفائِك، ورحمةً من رحمتك على هذا الوَجَعِ فيبرأُ"، وأَمَرَه أن يرقيه بها، فرقاه فبرِئ. وقال الطَّبَرانيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن أبي الدَّرداء إلا بهذا الإسناد، تفرَّد به اللَّيثُ بنُ سعدٍ". فقد رواه عن اللَّيث بن سعدٍ جماعةٌ، منهم: يزيدُ بنُ خالدٍ، ويحيى بن بُكيرٍ، وعبدُ اللّه بنُ صالحٍ، وخالدُ بنُ قاسمٍ. وخالفهم ابنُ وهبٍ، فرواه عن اللَّيث بن سعدٍ، وابنِ لِهيعَة، كِلَيهِما عن زيادة بن مُحَمَّدٍ، عن مُحمَّد بن كعبٍ القُرَظِيِّ، عن أبي الدَّرداء فذَكَرَه. فسَقَطَ ذِكرُ: "فَضَالة بن عُبيدٍ". أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (١٠٣٧) قال: أخبَرَنَا يُونُسُ بن عبد الأعلى .. وابنُ عَدِيٍّ (٣/ ١٠٥٤) عن أحمد بن عَمْرٍو، وأحمد بن سعيدٍ، قالوا: ثنا ابنُ وهب بهذا. وأبهم النَّسَائِيُّ ذِكرَ ابن لهيعة، كعادته في ترك تسميتِه لضَعفِهِ الشَّديد عِندَه. وصحَّح الحاكمُ إسنادَهُ! وليس كما قال؛ فقد صرَّح أنَّ زِيادَةَ بنَ مُحمَّدٍ قليلُ الحديث، ومع قِلَّة حديثِه، فقد طَعَن العُلماءُ عليه. قال البُخاريُّ: "مُنكَرُ الحديث". وقال ابنُ حِبَّان: "مُنكَرُ الحديث جدًّا، يَروِي المناكيرَ عن المشاهير، فاستحقَ التَّركَ".

стр. 1338

وقال ابنُ عَدِيٍّ: "لا أَعرِف له إلَّا مقدارَ حديثين أو ثلاثة، ومقدارُ مَا لَهُ لا يُتابَع عليه". والرَّجل إذا كان قليلَ الحديث، ومع ذلك لا يُتابَعُ على رواياته فهو مَتروكٌ، وبهذا حَكَم البُخاريُّ وغيرُهُ. وله إسنادٌ آخرُ. أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ في "اليوم واللَّيلة" (١٠٣٥) قال: أخبَرَنا عبدُ الحميد بنُ مُحَمَّدٍ، قال: ثنا مخَلدٌ، قال: حدَّثَنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن طَلْقٍ، عن أبيه، أنَّه كان به الأسرُ فانطلق إلى المدينة والشَّام يَطلُب من يُدَاوِيه، فلقي رجلًا، فقال: ألا أُعَلِّمُك كلماتٍ، سَمِعتهنَّ من رسول اللّه ﷺ : "ربَّنا اللّهَ الذي في السَّماء، تقدَّس اسمُك، أَمَرُك في السَّماء والأرض. كما رحمتُك في السَّماء، اجعل رحمتَك في الأرض. اغفر لنا حَوْبَنَا وخطايانا. أنت ربُّ الطَّيِّبِين، أَنزِل رحمةً من رحمتك، وشفاءً من شفائك على هذا الوجع فيبرأ". والأَسْرُ، هو احتباس البَوْل. ووالد طَلْق بن حبيبٍ لا صُحبة له. وقد رواه شعبةُ بنُ الحَجَّاج، قال: أخبَرَني يُونُسُ بن خبَّابٍ، قال: سمعتُ طلقَ بنَ حبيبِ، عن رَجُلٍ من أهل الشَّام، عن أبيه، أن رجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ كان به الأسرُ … الحديث. أخرَجَهُ النَّسَائِيُّ أيضًا (١٠٣٦). وصحَّح الحافظُ في "الإصابة" (١/ ٣١٠) هذه الرواية، وَوَهَاؤُها

стр. 1339

ظاهرٌ؛ فيُونُس بنُ خبَّابٍ، فيه مقالٌ مشهور. وفي الإسناد مجهُولَان. وليس المقصُودُ من تصحيح الحافظ لهذا الوجه أنَّه صحيحٌ، فإنَّ ضعف السَّنَد أو وهاءَه، لا يَخفَى على صِغار الطَّلَبة، فضلًا عن الحافظ وهو العَلَمُ المُفرَدُ، وإنَّما معناه أنَّه أولى بالتَّصويب من الوجه الآخر، لا أنَّه صحيحٌ، وهذه جادَّةٌ مطروقةٌ عند عُلماء الحديث، فيَذكُرُون حديثًا ما وقع فيه اختلافٌ، وكلُّ أسانيدِه لا تَثبُت، فيقولون عن وجهٍ منها: "هذا أصحُّ شيءٍ"، ويَعنُون أقلَّه ضعفًا، فهو بالنِّسبة لما هو أضعفُ منه يُعدُّ صحيحًا، لا أنه صحيحٌ في نفسه، كما تقول أنت إذا مدحت رجُلًا: "أعورُ بين عِميانَ"، فلا شكَّ أن الأعورَ أصحُّ من الأعمى، وإن كان الأعورُ مَعِيبًا بذلك في نَفسِه إذا قيس بالصَّحيح. وبالجُملة فلا يَثبُت هذا الحديث. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1340

٣٥٣ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ الغَيرَى لا تُبصِرُ أسفلَ الوادي مِن أعلاه". • قلتُ: هذا حديثٌ مُنكَرٌ. أخرَجَهُ أبو يَعلَى في "المُسنَد" (٤٦٧٠)، قال: حدَّثَنا الحَسَنُ بنُ عُمَر بن شقيقِ بن أسماءَ الجَرمِيُّ البَصرِيُّ، حدَّثَنا سَلَمَةُ بنُ الفَضل، عن مُحمَّد بن إِسحاق، عن يَحيَى بن عبَّاد بن عَبد الله بن الزُّبير، عن أبيه، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان مَتَاعي فيه خِفٌّ، وكان على جَمَلٍ ناجٍ، وكان مَتَاعُ صَفِيَّةَ فيه ثِقَلٌ، وكان على جَمَلٍ ثقالٍ بطيءٍ يتبطَّأُ بالرَّكب، فقال رسولُ اللّه ﷺ : "حَوِّلُوا متاع عائشة على جَمَلِ صَفِيَّة، وحَوِّلُوا متاع صَفِيَّة على جَمَلِ عائشة، حتَّى يمضيَ الرَّكبُ"، - قالت عائشةُ: - فلَّما رأيتُ ذلك قُلتُ: "يَالَعِبَادِ اللّه! غَلَبَتنَا هذه اليَهُودِيَّةُ على رسولِ الله! "، - قالت: - فقال رسولُ اللّه ﷺ : "يا أُمَّ عبد اللّه! إنَّ متاعَكِ كان فيه خِفٌّ، وكان متاعُ صَفِيَّة فيه ثقلٌ، فأبطأَ بالرَّكب، فحَوَّلنَا متاعَهَا على بعيرِك، وحَوَّلْنَا متاعكِ على بعيرها"، - قالت: - فقلتُ: "أَلستَ تَزعُم أنَّك رسول اللّه؟! "، - قالت: - فتبسَّم، وقال: "أَوَفِى شكٍّ أنتِ، يا أُمَّ عبد اللّه؟! " - قالت: - قُلتُ: أَلستَ تَزعُم أنَّك رسول الله؟! أَفَهَلَّا عَدَلتَ؟! "، وسمِعَني أبو بكرٍ، وكان فيه غَربٌ - أي: حِدَّةٌ -، فأقبل عليَّ، فلَطَم وَجهِي، فقال رسول اللّه ﷺ : "مَهلًا يا أبا بكرٍ! "، فقال:

стр. 1341

"يا رسُولَ اللّه! أَمَا سَمِعتَ ما قالت؟! "، فقال رسُولُ اللّه ﷺ : "إنَّ الغَيرى … " الحديث. وأخرَجَهُ أبو الشَّيخ الأَصبَهَانِيُّ في "الأمثال" (٥٦) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بن الحارث، حدَّثَنا حَسَنُ بنُ عُمَر بن شَقِيقٍ بهذا الإسناد بطُولِه. وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ، وسَلَمةُ بنُ الفَضْل ضعَّفه النَّسَائِيُّ وغيرُه، وقال البُخَارِيُّ: "في حديثه بعضُ المناكير"، ومشَّاه غيرُهم. وابنُ إسحاق مُدَلِّسٌ، وقد عنعنه. وفى المَتنِ نَكَارَةٌ ظاهرةٌ، مِن جهة قول عائشة: "أَلستَ تَزعُم أنَّك رسُول اللّه؟! ". والحديثُ ضَعَّفه البُوصِيرِيُّ. أمَّا الحافظ ابنُ حَجَرٍ، فقال في "الفتح" (٩/ ٣٢٥): "إسنادُهُ لا بأس به"، وقد عرَّفناك ما فيه من البأْس!

стр. 1342

٣٥٤ - سُئلتُ: هل وَرَد في الأخبار الصَّحيحة أن ذِئبًا تكلَّم؟ • قلتُ: قد صحَّ في ذلك أحاديثُ. منها ما: أخرَجَهُ البُخَارِيُّ في غيرِ ما موضعٍ من "صحيحه"، مِنها ما في "كتاب الأنبياء" (٦/ ٥١٢)، ومُسلِمٌ في "كتاب فضائل الصَّحابة" (٢٣٨٨/ ١٣) مِن حديث أبي هُريرة ﵁، قال: صلَّى رسُولُ اللّه ﷺ صلاة الصُّبح، ثُمَّ أَقبَل على النَّاس فقال: "بينَا رَجَلٌ يسوقُ بقرةً، إذ رَكبَها، فضَرَبَها، فقالت: إنَّا لم نُخلَق لهذا، إنَّما خُلِقنَا للحَرثِ"، فقال النَّاس: "سبحان الله! بَقَرَةٌ تتكلَّمُ؟! "، قال: "فإنِّي أُومِنُ بهذا، أنا، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ - وما هما ثَمَّ -. وبَينَما رَجُلٌ في غَنَمِه، إذ عدا الذِّئبُ، فذَهَب منها بشاةٍ، فطلِبَ، حتَّى كأنَّه استَنقَذَها منه، فقال له الذِّئبُ: هذا استنقَذَهَا مِنِّي، فمَن لها يوم السَّبُع، يوم لا راعي لها غَيرِي؟ "، فقال النَّاسُ: "سُبحان الله! ذئبٌ يتكلَّم؟! "، قال "فإني أُومِنُ بهذا، أنا، وأبو بكرٍ، وعُمَرُ - وما هما ثَمَّ - ".

стр. 1343

٣٥٥ - سُئلتُ عن حديث: "اتَّخِذُوا تَقوَى اللّه تِجارةً، يأتِكُم الرِّبحُ بلا بِضاعةٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ٢٠/ رقم ١٩٥)، وأبو الشَّيخ في "الأمثال" (٥٥)، وعنه أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ٩٦) من طريق إسماعيل بن عَمْرٍو، ثنا سلَّام الطَّويلُ، عن ثَوْر بن يزيدَ، عن خالد بن مَعدان، عن مُعاذ بن جَبَلٍ، أن رسول اللّه ﷺ قال: "يا أيُّها النَّاسُ! اتَّخِذُوا تقوى اللّه تجارةً، يأتِكُم الرِّبحُ بلا بِضاعةٍ، ولا تِجارَةٍ، - ثُمَّ قرأ: - ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ". وسَنَدُهُ ضعيفٌ جدًّا؛ وسلَّامٌ الطَّويلُ تَرَكَه النَّسَائِيُّ وغيرُه، وقال ابنُ مَعِينٍ، وأبو زُرعةَ: "ضعيفٌ"، زاد ابنُ مَعِينٍ: "لا يُكتَب حديثُه"، وقال أحمد: "مُنكَرُ الحديث"، والكلامُ فيه طويل. وخالد بن مَعدَان وإن كان ثقةً، لكن قيل إنَّه لم يَسمَع من مُعاذٍ. والحديثُ ضعَّفَه الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٧/ ١٢٥).

стр. 1344

٣٥٦ - سُئلتُ عن حديث: "أَبغِنِي حَبيبًا هو أحبُّ إليَّ مِن نَفسِي". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. وهو جُزءٌ من حديثٍ طويلٍ رائعٍ، أخرَجَهُ مُسلِم في "كتاب الجهاد" (١٨٠٧/ ١٣٢) من طريق إياس بن سَلَمَة بن الأَكْوَعِ، عن أبيه، قال: قَدِمْنا الحُدَيبِيَةَ مع رسول اللّه ﷺ ، ونَحنُ أربعَ عشرةَ مِئةً، … - وفى الحديث، قال سَلَمَةُ: - ثُمَّ إنَّ رسولَ اللّه ﷺ دعانا للبيعة في أصل الشَّجَرة، - قال: - فبايَعتُهُ أوَّلَ النَّاس، ثُمَّ بَايَع وبَايَع، حتَّى إذا كان في وَسَطٍ من النَّاس، قال: "بَايع يا سَلَمةُ! "، - قال: - قُلتُ: "قد بَايَعتُك يا رسول الله في أوَّل النَّاس! "، قال: "وأيضًا"، - قال: - ورآني رسُول الله ﷺ عَزِلًا - يعني: ليس معه سِلاحٌ، قال: - فأعطاني رسول اللّه ﷺ حَجَفَةً أو دَرَقَةً. ثُمَّ بَايَع، حتَّى إذا كان في آخر النَّاس، قال: "ألا تُبَايِعُني يا سَلَمةُ؟ "، - قال: - قُلتُ: "قد بَايَعتُك يا رسول الله في أوَّل النَّاس، وفى أوسط النَّاس! "، قال: "وأيضًا"، - قال: - فبَايَعتُه الثَّالثة، ثُمَّ قال لي: "يا سَلَمةُ! أين حَجَفَتُك أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك؟ "، - قال: - قُلتُ: "يا رسول اللّه! لقِيتُ عَمِّي عامرًا عَزِلًا، فأعطيتُه إيَّاها"، فضَحِك رسول اللّه ﷺ ، وقال: "إنَّك كالذي قال الأوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبغِنِي حبيبًا، هو أحبُّ إليَّ مِن نفسي". وساق الحديثَ. وهو جديرٌ بالمُراجَعَة.

стр. 1345

وأخرَجَهُ مُطَوَّلًا ومُختصَرًا أبو عَوَانة (٤/ ١٢٧ - ١٢٩، ١٣٠)، والنَّسَائِيُّ في "السُّنَن الكُبرى" (٨٦٦٥)، وابنُ ماجَة (٢٨٤٦)، وأحمدُ (٤/ ٤٩، ٥٤)، وابنُ حِبَّان (٤٨٦٠)، والحاكمُ (٣/ ٣٦)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (٣/ ٢٠٩، ٢٦٠)، وفى "المُشكِل" (٣٩١٦، ٣٩١٧)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (٦٢٣٧، ٦٢٣٨)، والبَيهَقِيُّ (٩/ ١٢٩) مِن طُرُقٍ عن عِكرمة بن عَمَّارٍ، ثنا إياسُ بنُ سَلَمَة به.

стр. 1346

٣٥٧ - سُئلتُ عن حديث: "إنَّ تَركَ الخطيئةِ أَهوَنُ مِن طَلَب التَّوْبة". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرَجَهُ أبو الشَّيخ في "الأمثال" (١٨٩) قال: حدَّثَنا عبدُ الرَّحمن بنُ الحَسَن، ثنا عبدُ الرَّحيم بنُ سلَّامٍ الوَاسِطِيُّ، ثنا قرةُ بنُ عيسى، حدَّثَنا الرُّكَينُ بنُ عبد الله بن سعدٍ الدِّمَشقِيُّ، عن مكحُولٍ، عن عليِّ بن أبي طالبٍ مرفُوعًا: "تَركُ الخطيئة … الحديث". وسَنَدُهُ واهٍ جدًّا؛ ورُكَينُ - ويُقال: رُكْنُ - ابنُ عبد اللّه ترَكَه النَّسَائِيُّ، والدَّارَقُطنِيُّ وغيرُهُما، وقال أبو أحمد الحاكمُ: "يَروِي عن مكحُولٍ أحاديثَ موضُوعَةً"، وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ". والرَّاوِي عنه قُرَّةُ بنُ عيسى لم أَجِد له ترجمةً، إلَّا في "تاريخ واسطَ" (ص ١٧٢) قال: "قُرَّةُ بنُ عِيسَى بن إسماعيل العَبْديُّ"، ولم يَذكُر فيه جرحًا، ولا تعدِيلًا، وهو من شُيُوخ شُيوخ بحشلَ، صاحبِ "تاريخ واسطَ". ووجدته يَروِي عن: الأعمش، وأبي بكرٍ الهُذَلِيِّ، وسَلَمةَ بن نُبَيْطٍ، ويُوسُفَ بن إبراهيم، وأبي العلاء الخَفَّاف، والرَّبيع بن أبي صالحٍ. ورَوَى عنه من شُيُوخ بحشلَ: عليُّ بن مَطَرٍ، ومُحمَّدُ بنُ عبادة، ويحيى بنُ رُزَيق، وأحمدُ بنْ سهلٍ، وعُمَرُ بنُ سَلْمٍ. وكذلك عبدُ الرَّحيم بن سلَّامٍ الواسطيُّ، تَرجَمَهُ بحشلُ في "تاريخ

стр. 1347

واسطَ" (ص ٢٣١)، قال: "أبو عليٍّ عبدُ الرَّحيم بنُ سلَّام بن المُبارَك بن بَنَان، كان يُخَضِّبُ"، ولم يَزِد على ذلك، فكِلَاهُمَا مجهولٌ. فإذا أضفتَ إلى ذلك أن مكحُولًا الشَّاميَّ لم يَسمَع من عليّ بن أبي طالبٍ، عَلِمتَ أن السَّنَد ظُلُمَاتٌ بعضُها فوق بعضٍ. وقد أخرَجَهُ ابنُ المُبارَك في "كتاب الزُّهد" (٨٥٠) قال: أخبَرَنا أبو جنابٍ الكَلبِيُّ، قال: قال حُذيفةُ بنُ اليمَان: "إنَّ الحقَّ ثقيلٌ، وهو مع ثِقَلِهِ مَرِيءٌ، وإنَّ الباطل خفيفٌ، وهو مع خِفَّتِهِ وَبيءٌ، وتَركُ الخَطِيئَةِ أَيسَرُ - أو قال: خيرٌ - مِن طَلَب التَّوبة، ورُبَّ شَهوَةِ ساعةٍ أَورَثَت حُزنًا طويلًا". وسَنَدُه ضعيفٌ؛ وأبو جنابٍ الكَلبِيُّ اسمُه يحيى بنُ أبي حيَّةَ، مُتكلَّمٌ فيه، ثُمَّ هو لم يَسمَع مِن أحدٍ من الصَّحابة. واللهُ أعلَمُ. ووجدتُهُ في "حِلية الأولياء" (٥/ ١٦٧) لأبي نُعيمٍ الأصبَهَانيِّ، رواه مِن طريق ابن وهبٍ، قال: أخبَرَنِي إبرإهيمُ بنُ نُشَيطٍ، عن عمَّار بن سعدٍ، عن شُفَيِّ بن ماتعٍ الأصبَحِيِّ، قال: "تَركُ الخطِيئَةِ أيسَرُ من طَلَب التَّوبة". وهذا إسنادٌ لا بأس به، وإبراهيمُ بنُ نُشَيطٍ ثِقَةٌ. وعمَّار بن سعدٍ هو السَّلْهَمِيُّ المُرَادِيُّ المِصرِيُّ، ذَكَرَهُ ابنُ يُونُس في "تاريخ مِصر"، وقال: "كان فاضلًا" وذكره ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٧/ ٢٨٤). فالصَّوابُ أن هذا القولَ من كلام شُفَيِّ بن مَاتِعٍ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1348

٣٥٨ - سُئلتُ عن حديث: "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يَختَصِم النَّاسُ في رَبِّهم". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو الشَّيخ الأصبَهَانِيُّ في "الطَّبَقات" (٢/ ٦١) مُعلَّقًا، ووَصَله ابنُ عبد البَرِّ في "جامِع العِلْم" (٢/ ٩٣٥)، وأبو إسماعيل الهَرَوِيُّ في "ذمِّ الكلام" (ق ٤٦/ ١) من طريق أبي قِلابةَ الرَّقَاشِيِّ، ثنا حُسينُ بن حَفصٍ، ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ، عن سهيل بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا: "لا تَقُوم السَّاعةُ حتَّى تَكُون خُصُومَاتُهم في ربِّهم". وهذا الحديثُ أخطأ فيه أبو قِلابة الرَّقَاشِيُّ، واسمُه عبدُ المَلِك بنُ مُحمَّد بن عبد الله بن مُحمَّد الرَّقَاشِيُّ، قال الدَّارَقُطنِيُّ: "لا يُحتَجُّ بما يَنفَرِد به"، ونَقَل عن أبي القاسم البَغَوِيِّ أنَّه قال: "كان يُحَدِّث مِن حِفظِه، فكَثُرت الأوهامُ فيه". وقد صَرَّح أبو الشَّيخ في ترجمة: "حُسين بن حفصٍ" بِخَطَإِ أبي قِلابة، فقال: "كان الحُسينُ بنُ حَفصٍ صاحبَ كتابِ قليلٍ، يُخطِئُ عليه الغُرَباءُ، ومن ذلك حديثٌ رواه أبو قِلابة، في إسناده - ثُمَّ ذَكَر هذا الحديثَ - ". وصَرَّح الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (١٠/ ١٦٧) أن أبا قِلابة وَهِمَ فيه. والصَّوَابَ أنَّه مِن قول مُحمَّد بن الحَنَفِيَّة.

стр. 1349

وسَبَقَ الدَّارَقُطنِيَّ إلى ذلك عليُّ بن المَدِينِيِّ، كما نقله عنه أبو إسماعيل الهَرَوِيُّ في "ذمِّ الكَلَام". واللهُ أعلمُ.

стр. 1350

٣٥٩ - سألني سائلٌ يُدَرِّس الحديثَ، فقال: تباحثتُ مع بعض أساتذة الحديث من إخواننا في اختلافٍ على سُفيان الثَّوْرِيِّ، في حديث بُرَيدَة بن الحَصِيب ﵁، أن النَّبيَّ ﷺ توضَّأ يوم الفَتحِ، ومَسَحَ على خُفَّيه، وصلَّى الصَّلَواتِ بَوُضوءٍ واحدٍ، فقال له عُمَرُ بن الخطَّاب ﵁: "يا رسُول اللّه! إنَّك فعلتَ شيئًا لم تَكُن تفعلُه؟ "، فقال: "إنِّي عَمدًا فَعَلتُه يَا عُمَرُ"، فقد اختَلَف الرُّواةُ على الثَّوْرِيِّ، كما فَهِمنَا مِن كلام التِّرمِذِيِّ، لكنَّنَا لم نَستِطع فَهْم الخِلاف على وجهه لقِلَّة المَرَاجِع، فنَرجُو تَبِيينَ هذا البَحثِ. • قلتُ: هذا الحديثُ صحيحٌ. أخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٧٧/ ٨٦)، وأبو داوُد (١٧٢)، والنَّسَائِيُّ (١٣٣)، ومن طريقه الحَازِمِيُّ، في "الاعتبار" (١٧١)، وأحمدُ (٥/ ٣٥٠)، وابنُ خُزَيمَة في "صحيحه" (رقم ١٢)، وابنُ الجارُود في "المُنتقَى" (١)، وابنُ جَريرٍ في "تفسيره" (٦/ ٧٢ - ٧٣)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٢٧١)، وابنُ عبد البَرِّ في "التمهيد" (١٨/ ٢٣٩) مِن طريق يحيى بن سعيدٍ القَطَانِ .. وأخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٦١) وقال: حَسَنٌ صحيحٌ -، وأحمدُ (٥/ ٣٥٨)،

стр. 1351

وأبو عُبيدٍ في "كتاب الطَّهُور" (ق ٦/ ٢)، وابنُ خُزيمة (١٢)، وابنُ الجارُود (١)، وابنُ جَريرٍ الطَّبَرِيُّ في "تفسيره" (٦/ ٧٢ - ٧٣)، وابنُ عبد البَرِّ (١٨/ ٢٤٠) من طريق عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ، كلاهما عن سُفيان الثَّورِيِّ بسَنَدِه سواء. وذكر ابنُ الجارُود بعد الحديث أن عبدَ الله بنَ هاشمٍ - وهو شيخُهُ في هذا الحديث - لم يَذكُر: "ومسَحَ على خُفَّيه". وهذا يعني أن شيخَهُ عبدَ الله بنَ هاشمٍ لم يذكُر المسحَ عن يحيَى القطَّانِ. وقد وافَقَهُ على عدم ذِكر المَسح: عُبيدُ الله بنُ سعيدٍ، عند "النَّسائِيِّ". وأحمدُ في "المُسنَد". ورواهُ مُحمَّدُ بنُ حاتِمٍ عند "مسلم"، ومُسَدَّد بن مُسَرهدٍ، عند "أبي داوُد"، كلاهما عن يحيى القَطَّان، فذَكَرَا: "ومَسَح على خُفَّيه". فكأنَّ يحيى القَطَّان كان يَذكُرها مرَّةً، ويدَعُهَا أُخرى. وأَخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٧٧/ ٨٦)، وأبو عَوَانَة (١/ ٢٣٧)، والدَّارِمِيُّ (١/ ١٣٤)، وأحمدُ (٥/ ٣٥١)، وعبدُ الرَّزَّاق (ج ١/ رقم ١٥٨)، وابنُ أبي شَيبة في "المُصنَّف" (١/ ١٧٧)، وابنُ حِبَّان (١٧٠٦، ١٨٠٨)، والسَّرَّاجُ في "مُسنَده" (ج ١٠/ ق ١٨٨/ ٢)، وابنُ جريرٍ في "تفسيره" (٦/ ٧٣)، وأبو بَكرٍ القَطِيعِيُّ في "جُزء الألف دينارٍ" (٢٢٦)، وابنُ المُنذِر في "الأوسط" (١/ ١٠٨ - ١٠٩)، والطَّحَاوِيُّ في "شرح المعاني" (١/ ٤١)، وأبو جعفرٍ النَّحَّاسُ في "النَّاسخ والمنسوخ" (٤٢٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ١١٨، ١٦٢، ٢٧١)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١/ ٤٤٨)

стр. 1352

من طُرُقٍ عن سفيان الثَّوْرِيِّ، عن علقمة بن مَرثَدٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن أبيه فذَكَرَهُ، مُطَوَّلًا ومُختصَرًا. ورواه عن الثَّوْرِيِّ هكذا جماعةٌ، مِنهُم: "عبدُ اللّه بن نُمَيرٍ، ووكيعٌ، ويحيى بنُ آدم، وقَبِيصَةُ بن عُقبة، ومُحمَّدُ بن يُوسُف الفِريَابِيُّ، وعبدُ الرَّازَّق، وعُبيدُ الله بن مُوسَى، ومُعاويةُ بنُ هشامٍ، وعبدُ الله بنُ الوليد العَدَنِيُّ، وأبو عامرٍ العَقَدِيُّ، وأبو عاصمٍ النَّبيلُ، والضَّحَّاكُ بن مَخلَدٍ، وأبو حُذَيفة النَّهْدِيُّ مُوسَى بنُ مَسعُودٍ، وابنُ وهبٍ، وابنُ المُبارَك، وإسحاقُ الأزرقُ، وأبو بَكرٍ الحَنَفِيُّ، والقاسمُ بن يزيدَ الجَرْمِيُّ، وأبو داوُد الطَّيَالِسِيُّ". وتَابَعَهُم عليُّ بنُ قادمٍ، قال: ثنا سُفيانُ بسَنَدِه سواء نحوه، وزاد: أن النَّبيَّ ﷺ توضَّأ مرَّةً مرَّةً. أخرَجَهُ الرُّوْيَانِيُّ في "مُسنَده" (ج / ١٦ ق ٣/ ١)، وتمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (١٧١، ١٧٢)، وابنُ المُقرِئ في "المُعجَم" (ج ٢/ و ٣٣/ ١)، وأبو الحَسَن النِّعَالِيُّ في "جزءٍ من حديثه" (ق ٦٣/ ٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٢٧١) مِن طُرُقٍ عن عليّ بن قادمٍ. وقد نبَّه التِّرمِذِيُّ على هذه الزِّيادة. ولم يتفرَّد بها عليٌّ، بل تابعه الفِريَابيُّ، عن الثَّوْرِيِّ بهذه الزِّيادة. أخرَجَهُ ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢٣٦). وخالَفَهُم مُعاويةُ بنُ هشامٍ، فرواه عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن أبيه نحوه.

стр. 1353

أخرجه ابنُ جريرٍ (٦/ ٧٣) قال: حدَّثَنا أبو كُريبٍ، ثنا أبو مُعاوِية بهذا. ومُعاويةُ تَكَلَّم فيه ابنُ مَعِينٍ، وأحمدُ، وابنُ حِبَّان، وقال ابنُ عَديٍّ في "الكامل": "أَغرَبَ عن الثَّوْرِيِّ بأشياءَ، وأرجو أنَّه لا بأس به". ولكنَّه لم يَتَفرَّد به .. فتابعه مُعتَمِرُ بنُ سُليمان، فرواه عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارب بن دِثارٍ، عن ابن بُريدة، عن أبيه مُختصَرًا. أخرَجَهُ ابنُ خُزَيمَة (١٣)، والبَزَّارُ (ج ٣/ ق ١٣٨) قالا: حدَّثَنا عليُّ بن الحُسين الدَّرَاهِمِيُّ - زاد ابنُ خُزيمة: بخَبَرٍ غريبٍ غَريبٍ - .. والرُّويانِيُّ في "مُسنَده" (٦٨) قال: أخبَرَنا عَمْرُو بن عليٍّ، قالا: ثنا مُعتَمرُ بن سُليمان بهذا. ولفظُ الرُّويانِيِّ: "كان النَّبيُّ ﷺ يتوضَّأُ عِند كُلِّ صلاةٍ، إلَّا أنَّه يوم الفتح شُغِل، فجَمَع بين الأُولَى والعصر بوُضُوءٍ واحدٍ". وتابعه أيضًا وكيعُ بنُ الجرَّاح، فرواه عن الثَّوْرِيِّ، مثلَ رواية مُعتَمِرٍ. أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٥١٠).، وابنُ أبي شَيبة (١/ ٢٩)، وابنُ خُزَيمَة (١٤)، وابنُ حِبَّان (١٧٠٧)، وابنُ شاهِين في "النَّاسخ والمنسوخ" (٨٨). ورواه عن وكيعٍ هكذا: "ابنُ أبي شيبة، وعليُّ بن مُحَمَّدٍ الطُّنَافِسِيُّ، وأبو كُريبٍ مُحمَّدُ بن العلاء، ومُحمَّدُ بن إسماعيل بن سَمُرةَ الأحمَسِيُّ". • قلتُ: فنَظَر أهلُ العِلم في هذا الاختلاف .. فقال التِّرْمِذِيُّ: "وروى سُفيانُ الثَّوْرِيُّ هذا الحديثَ أيضًا، عن

стр. 1354

مُحارِب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُريدة، أن النَّبيَّ ﷺ كان يَتَوَضَّأُ لكُلِّ صلاةٍ. ورواه وكيع، عن سُفيانَ، عن مُحارِب، عن سُليمان بن بُريدَة، عن أبيه، -قال:- ورواه عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ وغَيرُهُ، عن سُفيان، عن مُحارب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُريدَة، عن النبي ﷺ مُرسلًا، وهذا أصحُّ مِن حديث وكيعٍ" ا. هـ. وقال ابنُ أبي حاتمٍ في "العِلل" (١/ ٥٨ - ٥٩/ ١٥٢): "سُئل أبو زُرعة عن حديثٍ رواه أبو نُعيمٍ، عن سُفيان، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُريدة، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه صلَّى خمس صَلَوَاتٍ بوُضوءٍ واحدٍ. ورواه وكيعٌ، عن سُفيان، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن ابن بُريدَة، عن أبيه، عن النبي ﷺ ؟ فقال أبو زُرعَة: حديث أبي نعيمٍ أصحُّ" ا. هـ. وقال ابنُ خُزَيمة: "لم يُسنِد هذا الخبرَ عن الثَّورِيِّ أحدٌ نَعلَمه، غيرُ المُعتَمِر، ووكيعٌ. ورواه أصحاب الثَّوْرِيِّ وغيرُهما، عن سُفيان، عن مُحارِبٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن النَّبيِّ ﷺ . فإن كان المُعتَمِر، ووكيعٌ، مع جَلَالَتِهِمَا حَفِظا هذا الإسناد، واتِّصالَه، فهو خبرٌ غريبٌ غَريبٌ" ا. هـ. وحاصلُ الكلام: أن الثَّوْرِيَّ رَوَى هذا الحديثَ عن شيخين له، وهما عَلقَمَة بن مَرثَدٍ، ومُحارِبُ بن دِثارٍ. فقد رواه عامَّةُ أصحاب سُفيانَ، وفيهم وكيعٌ عنه، عن عَلقَمَة بن مَرثَدٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن أبيه مرفُوعًا.

стр. 1355

ورواه وكيعٌ مرَّةً أُخرى، ومُعتَمِرُ بنُ سُليمان، عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُريدة مثلَه. ولا شكَّ أنَّ القاعدة العامَّة تَقضِي بترجيح رِواية الأكثرين، إلَّا إذا قامت قرينةٌ مع رِواية الأقلِّ، فنَسلُك سبيل الجَمع. وقد وَرَدت القرينةُ هنا، وهي أن وكيعًا رواه عن سُفيان على الوجهين معًا، ورواه عن وكيعٍ على الوجهين ثِقَاتُ أصحابِه وحُفَّاظُهم. ووكيعٌ كان من الأثبات في الثَّوْرِيِّ. ثُمَّ الثَّوْرِيُّ واسعُ الرِّواية، ولا مانع أن يَكُون الخَبَرُ الواحدُ عنده عن شيخين وأكثر. فإذا أَضَفتَ إلى ذلك أن مُعتَمِر بن سُليمان، وهو من الحُفَّاظ، وافق وكيعًا على جَعلِ شيخِ الثَّوريِّ مُحارِبَ بنَ دِثارٍ، عَلِمتَ أن هذا من اختلاف التَّنَوُّع، الذي يَزِيد الحديثَ قُوَّةً، وليس هو من اختلاف التَّضَادِّ بسبيل. ولكن وقع في رواية الثَّوْرِيِّ عن مُحارِب بن دِثارٍ اختلافٌ، يَقدَحُ في كونها محفوظةً، كما رأيتَ في كلام الحُفَّاظ. وبيانُ ذلك: أنَّ وكيعًا، ومُعتَمِرَ بنَ سُليمان، ومُعاويةَ بنَ هشامٍ، رَوَوْا الحديثَ عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن ابن بُرَيدة، عن أبيه مرفُوعًا. وخالَفَهُم عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، فرَوَاهُ عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِب بن دِثارٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا .. أخرَجَهُ أبو عُبيدَ في "كتاب الطَّهُور" (ق ٦/ ٢ - ٧/ ١) .. وابنُ جَريرٍ (٦/ ٧٣) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ بَشَّارٍ، قالا: ثنا عبد الرَّحمن

стр. 1356

ابن مَهدِيٍّ به. وأخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (١٥٧) عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِبٍ، عن سليمان بن بُرَيدة، لكن زاد المُحَقِّقُ في الإسناد: "عن أبيه"، ووَضَع الزِّيادة بين مَعقُوفَتينِ، إشارةً منه إلى أن هذه الزِّيادة لم تَقع في "الأصل"، ولم يُحسِن بصنيعه هذا، والصَّواب أن رواية عبد الرَّزَّاق مُرسَلَةٌ، لا مَوصُولَةٌ. ويُضافُ إليهما: أبُو نُعيمٍ الفضلُ بنُ دُكينٍ، فإنَّه رواه عن الثَّوْرِيِّ بسَنَدِه مُرسَلًا، كما وَقَع في "علل الحديث" لابن أبي حاتمٍ. فرَجَّح التِّرْمِذِيُّ وأبو زُرعَة، وكأنَّ ابن خُزيمة يَمِيلُ إليه، أن الرِّواية المُرسَلةَ أقوى. بينما اعتَرَض أبو الأشبال أحمدُ شاكر ﵀ على هذا التَّرجِيح، فقال في "شرح التِّرْمِذِيِّ" (١/ ٩٠) مُتَعَقِّبًا التِّرْمِذِيَّ: "وهذه الرِّوايةُ - يعني: رواية وكيعٍ - جَعَلَها التِّرْمِذِيُّ مرجُوحةً، ورأى أن رواية من رواه عن الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِبٍ، عن سليمان مُرسَلًا: أَصَحُّ. ولسنا نُوافِقُه على ذلك؛ لأنَّ الحديث معرُوفٌ عن سُليمان، عن أبيه. ووكيعٌ ثِقَةٌ حافظٌ، فالظَّاهر أن الثَّوْرِيَّ كان تارةً يروى الحديث عن مُحارِبٍ موصُولًا، كما رواه وكيعٌ عنه، وتارةً مُرسَلًا، كما رواه عنه غيرُه" ا. هـ. والأشبهُ ما رجَّحه التِّرْمذِيُّ وأبو زُرعَة، لاتِّفاق ثلاثةٍ من الحُفَّاظ عليه، وليس ببعيدٍ ما ذَكَرَهُ الشَّيخُ أبو الأشبال. والله أعلم. وهذا التَّرجيح في خُصوص رواية الثَّوْرِيِّ، عن مُحارِب بن دِثارٍ، وإلَّا

стр. 1357

فرِواية الثَّوْرِيِّ، عن عَلقَمَة، سالمةٌ منه، لا سِيَّما وقد تُوبِع الثَّوْرِيُّ على هذا الوجه .. تابَعَهُ قيسُ بنُ الرَّبيع، عن علقمة، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن أبيه، أن النَّبيَّ ﷺ صَلَّى يوم فَتح مَكَّة خمسَ صَلَواتٍ، بوُضُوءٍ واحدٍ. أخرَجَهُ الطَّيَالِسِيُّ (٨٠٥)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "الجعديَّات" (٢١٧٢)، وعنه ابنُ شاهينَ في "النَّاسخ والمنسوخ" (٨٩) قالا: حدَّثَنا يحيى بنُ عبد الحَمِيد الحِمَّانِيُّ، ثنا قيسٌ. ويحيى وقيسٌ، ضعيفان. ويحيى أضعفُ الرَّجُلين. وتابعه -أعني: الثَّوْرِيَّ- أيضًا: عَمْرُو بنُ قيسٍ، فرواه عن عَلقَمَة بن مَرثَدٍ، عن سُليمان بن بُرَيدة، عن أبيه، أن رَسُول اللّه ﷺ توضَّأ، ومَسَح على الخُفَّين، وصَلَّى الصَّلَوات بوُضُوءٍ واحدٍ، فقال له عُمَرُ: "لقد صنعتَ شيئًا لم تَكُن تصنَعُهُ؟ "، قال: "عمدًا صنعتُه في عُمَرُ". أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (٤٠٣٢) قال: حدَّثَنا عليُّ بن سعيدٍ، قال: نا إسماعيلُ بن بهرَامَ بالرَّيِّ، قال: وجدتُ في كتاب أبي: عن عَمْرَو بن قيسٍ. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ عن عَمْرٍو إلَّا بهذا الإسناد، تفرَّد به إسماعيلُ بن بهرَامٍ". • قلتُ: وإسماعيلُ صَدُوق، متماسكٌ. لكني لم أَعرِف أباه بَهرَامَ بنَ يَحيى. وبقيَّةُ رجال الإسناد مشاهيرُ. والله أعلم. يبقى قولُ البُخَارِيِّ في "التَّاريخ الكبير" (٢/ ٢/ ٤): "سُليمانُ بنُ

стр. 1358

بُريدة لم يَذكُر سماعًا من أبيه". فالجواب: أن البُخَارِيَّ ﵀ إذا لم يَقِف على سَنَدٍ فيه سماعُ الرَّاوي مِن شيخه، فإنَّه يَحكُم بالانقطاع، أو يتوقَّف في الحُكم بالاتِّصال. ولكنَّ هناك صُوَرًا لا يَسَعُنا إلا قَبُولُهَا، وإن لم نَقِف في سَنَدٍ من الأسانيد على سماع الرَّاوي مِن شيخه؛ لوُجود القرينة القويَّة التي تدلُّ على السَّماع، مثل رواية أصحاب البَلَد الواحد عن بعضهم، مع الضَّبط والعدالة والبراءة من التَّدليس، ومثل رواية الوَلَد عن أبيه، إذا عاشَرَهُ طويلًا. وقد احتجَّ البُخَارِيُّ في "صحيحه" برواية عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، في مَوضِعين من "كتاب المَغازي" .. الموضع الأوَّل: "باب بَعثِ النَّبيِّ ﷺ عليَّ بنَ أبي طالبٍ، وخالدَ بنَ الوليد، إلى اليَمَن، قبل حَجَّة الوَدَاع" (٨/ ٦٥ - فتح). الموضع الثَّاني: في آخر "كتاب المَغَازِي" (٨/ ١٣٥): "بابُ كم غزا النَّبيُّ ﷺ ". ومن المَعلُوم أن عبد الله بن بُريدَة وسُليمان، وُلِدَا في بطنٍ واحدٍ، لثلاث سِنِين خَلَونَ مِن خلافة عُمَرَ، وأَكثَرُ العُلماء على أن سُليمان أوثقُ مِن عبد اللّه، وأصحُّ حديثًا، وقد صاحَبَ سُليمانُ أباه أكثرَ مِن أربعين سنةً، فكيف يُقالُ: لم يَسمَع منه؟! وقد أكثَر مُسلِمٌ في "صحيحه" مِن التَّخريج لسُليمَان بن بُرَيدة، عن أبيه. والحمدُ لله. فهذا ما بدَا لي من النَّظَر في هذا الاختلافِ، على وجه الاختصار، وإلَّا فالمقام يَحتَمِلُ البَسطَ، كما لا يَخفي. والعِلمُ عند الله تعالَى.

стр. 1359

٣٦٠ - سُئلتُ عن حديث: "لَا يَخرُجُ الرَّجُلَانِ، كَاشِفَينِ عَن عَورَتَيهِمَا، يَتَحَدَّثَانِ، فَإِنَّ الله يَمقُتُ على ذَلِكَ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو داوُدَ (١٥)، والنَّسَائِيُّ في "الكُبرَى" (١/ ٧٠)، وابنُ ماجَهْ (٣٤٢)، وأحمدُ (٣/ ٣٦)، وابنُ خُزَيمَةَ (ج ١/ رقم ٧١)، وابُن حِبَّان (١٤٢٢)، وابنُ المُنذِر في "الأوسط" (١/ ٣٢٣، ٣٤٠)، والدُّولَابِيُّ - كما في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٥٩) -، والحاكمُ (١/ ١٥٧)، وأبو نُعَيمٍ في "الحِلية" (٩/ ٤٦)، والخطيبُ في "المُوضِح" (٢/ ٣١٠)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٩٩ - ١٠٠)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١/ ٣٨١) من طُرُقٍ عن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عيَاضٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا فذَكَرَهُ. وفي لفظٍ: "نَهَى المُتغَوِّطَيْنِ أن يَتَحَدَّثَا؛ فإنَّ الله يمقُتُ ذلك". ورواه عن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ هكذا: "سُفيانُ الثَّورِيُّ، وأبو حُذَيفَةَ، وعبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ، وعبدُ الله بنُ رَجاءٍ، وإسماعيلُ بنُ سِنان". وتَابَعَهُم عبدُ المَلِك بنُ الصَبَّاح، عن عِكرِمَةَ بسَنَدِه سواء، بلفظ: "إِذَا تَغَوَّطَ الرَّجُلان فليَتَوَارَ أحدُهُما عن صاحبه، ولا يَتَحَدَّثان عَلَى طَوْفِهِما (١)؛

стр. 1360

فإن الله يَمقُتُ ذلكَ". أخرَجَهُ الخطيبُ (١٢/ ١٢٢). وخالَفَهُم في إسناده سَلْمُ (١) بنُ إبراهيمَ الوَرَّاقُ، قال: ثنا عِكرِمَةُ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عِياض بن هِلالٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ به. فصارَ شيخُ يحيَى هو "عِياضُ بنُ هلالٍ"، وليس "هِلالَ بنَ عِياضٍ". أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٣٤٢/ ٢)، وابن خُزَيمَةَ (١/ ٣٩)، والحاكمُ (١/ ١٥٧ - ١٥٨)، والبَيهَقِيُّ (١/ ١٠٠)، والمِزِّيُّ في "التَّهذيب" (١١/ ٢١٣) من طُرُقٍ عن سلْمٍ به. ونقل ابنُ ماجَهْ، عن شيخِهِ مُحمَّد بن يحيى الذُّهليِّ، قال: "وهو الصَّوابُ"، يعني أن صوابَ الاسمِ: عِياضُ بنُ هلالٍ، وليس هلالَ بنَ عياضٍ. وكذلك، رجَّحَهُ البُخارِيُّ، وابنُ خُزَيمَةَ، وقال الأخير: "وأَحسِبُ الوهمَ من عِكرِمة بن عمَّارٍ"! كذا! وليس كما قال لما يأتي إن شاء الله. وقال أبو داوُد: "هذا لم يُسنِدهُ إلَّا عكرمةُ بنُ عمَّارٍ". وليس كما قال لما يأتي. وقال الحاكم: "هذا حديثٌ صحيحٌ، مِن حديث يَحيَى بن أبي كثيرٍ، عن عِياض بن هِلالٍ الأَنصَارِيِّ. وإنَّما أَهمَلَاه؛ لخلافٍ بَينَ أصحاب

стр. 1361

يَحيَى بن أبي كَثيرٍ فيه، فقال بعضُهُم: "هلالُ بنُ عياضٍ". وقد حَكَم أبو عبد اللّه مُحمَّدُ بنُ إسماعيل في "التَّاريخ" أنَّه عِياضُ بن هِلالٍ الأَنصَارِيُّ. سَمِعَ أبا سعيدٍ. سَمِعَ منه يحيى بنُ أبي كثيرٍ. قاله: هِشامٌ، ومَعْمَرٌ، وعليُّ بنُ المُبارَكِ، وحَربُ بنُ شَدَّادٍ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ. وسمعتُ عليَّ بنَ حَمْشَاذٍ، يقولُ: سَمِعتُ موسى بنَ هارُونَ، يقولُ: "رواه الأَوزَاعِيُّ مَرَّتَين، فقال مرَّةً: عن يَحيَى، عن هِلالِ بن عِياضٍ". وقد حَدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ الصَّبَّاح، ثنا الوليدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ، عن رسُول اللّه ﷺ مُرسَلًا. وقد كان عبدُ الرَّحمن بن مَهْدِيٍّ يُحدِّثُ به، عن عِياضِ بن هلالٍ، ثُمَّ شكَّ فيه، فقال: "أو هِلالِ بن عِياضٍ". رواه عن عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ: عليُّ بنُ المَدِينِيِّ، وعُبيدُ الله بنُ عُمَر القَوَارِيرِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى. فاتَّفَقُوا على عِياضِ بن هلالٍ، وهو الصَّوَاب. - قال الحاكمُ: - وقد حَكَمَ به إمامان مِن أَئِمَّتِنا، مثلُ البُخارِيِّ، ومُوسَى بن هارُونَ، بِالصِّحَّةِ؛ لقول مَن أقام هذا الإسنادَ: عن عِياضِ بن هلالٍ الأَنصارِيِّ. وذَكَرَ البُخارِيُّ فيه شَوَاهِدَ، فصَحَّ به الحديثُ. وقد خرَّج مُسلِمٌ مَعنَى هذا الحديثِ، عن أبي كُرَيبٍ، وأبي بكرٍ بن أبي شَيبَةَ، عن زَيدِ بن الحُبَابِ، عن الضَّحَّاك بن عُثمانَ، عن زَيد بن أَسلَمَ، عن عبدِ الرَّحمن بن أبي سَعِيدٍ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "لا يَنظُرُ الرَّجُلُ إلى عَورَةِ الرَّجُلِ، ولا تَنظُر المرأةُ إلى عَورَةِ المرأة … الحديث" انتهَى. هكذا قال الحاكمُ: إِنَّهُ صحيحٌ.

стр. 1362

والحديثُ ضعيفٌ لِأُمُورٍ، منها: * الأوَّلُ: أن في رواية عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، خَلَلًا واضطِرَابًا كثيرًا، كما نَصَّ على ذلك أحمدُ، وابنُ مَعِينٍ، وابنُ المَدِينِيِّ، والبُخارِيُّ، وأبو داوُد، وأبو حاتِمٍ، والنَّسَائِيُّ، وغيرُهُم. وذَكَرَ ابنُ القَطَّانِ الفَاسِيُّ في "بيان الوهم والإيهام" (٣/ ١٤٣ - ١٤٤) كلامَ عبدِ الحَقِّ الإِشبِيليِّ في "الأحكام": "لم يُسنِدهُ غيرُ عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، وقد اضطُرِبَ فِيهِ"، فرَدَّ عليه ابنُ القَطَّان، قائلًا: "لم يَزِد عَلَى هذا! وبَقِي عليه أَن يَذكُر عِلَّتَه العُظمَى، وهي مَن رَوَاهُ عَنه يَحيَى بنُ أبي كَثيرٍ، وهو مَحَلُّ الاضطراب الذي أشار إليه. وذَلِكَ أنَّهُ حديثٌ يرويه عِكرِمَةُ بن عمَّارٍ، عن يحيَى بن أبي كَثِيرٍ، في روايةٍ عنه: عن عِياضِ بن هلالٍ، وفي رِوايةٍ عنه: عن هِلالِ بن عِياضٍ، وفي روايةٍ عَنهُ: عن عِياضِ بن أبي زُهَيرٍ، وهو مع ذلك كُلِّه مَجهُولٌ، لا يُعرَف، ولا يُعرَف بغير هذا، فأمَّا لَو كَانَ هذا الرَّجُلُ معرُوفًا، ما كانَ عِكرِمَةُ بنُ عمَّارٍ له بِعِلَّةٍ؛ فإنَّهُ صَدُوقٌ حافظٌ، إلَّا أنَّهُ يَهِمُ كثيرًا في حديث يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ، فأمَّا عن غَيرِه فلا بأس به، وأَمرُهُ مبسوطٌ في كُتُب الرِّجال" انتهَى. • قلتُ: وهذا الحديثُ رواه عِكرِمَةُ بنُ عمَّارٍ، عن يحيَى بن أبي كَثِيرٍ. فأيُّ معنًى لِقَولِهِ: "صدوقٌ حافظٌ، إلَّا أنَّهُ يَهِمُ كثيرًا فِي حديثِ يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ"؟ وزَعَمَ أبو مُحَمَّدٍ بنُ حَزمٍ أن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ كذَّاب!! فأَنكَرَهُ عليه ابنُ الصَّلَاح، وقال: "وهذا من جَسَارَته".

стр. 1363

• قلتُ: إنَّمَا كَذَّبَهُ ابنُ حَزمٍ - ولم يُصِب - للحديث الذي رَوَاهُ مُسلِمٌ (٢٥٠١/ ١٦٨)، وأبو الشَّيخ في "الأخلاق" (رقم ٩٤) مِن طريق عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، حدَّثَنِي أبو زمَيْلٍ الحَنَفِيُّ، حدَّثَنِي ابنُ عبَّاسٍ، قال: كان المُسلِمُونَ لا يَنظُرُون إلى أبي سُفيانَ، ولا يُقَاعِدُونَهُ، فقال: "يا رسُولَ الله! ثلاثٌ أَعطِنِيهِنَّ"، قال: "نَعَم"، قال: "عِندِي أَحسَنُ العَرَبِ، وأجَمَلُه، أمُّ حَبِيبَةَ، أُزَوِّجُكَها"، قال: "نعم" … الحديث. فأَنكَرَ ابنُ حَزمٍ هذا الحديثَ، وذلك لأنَّ أهلَ التَّارِيخِ أَجمَعُوا على أن أُمَّ حَبِيبَةَ كانت تحت عَبدِ اللّه بن جَحشٍ، وَوَلَدَت له، وهَاجَرَ بها، وهُمَا مُسلِمَان، إلى أَرضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ تَنَصَّرَ هناك، وبَقِيَت أُمُّ حَبِيبَةَ على دِينِها، فبَعَث رسُولُ اللّه ﷺ إلى النَّجَاشِيِّ يَخطِبُهَا عليه، فزَوَّجَهُ إِيَّاهَا، وكان ذلك في سَنَةِ سَبعٍ من الهِجرَةِ. وجاء أبُو سُفيَانَ في زَمَن الهُدنَةِ، في صُلح الحُدَيبِيَةِ، فدَخَلَ على أُمِّ حَبِيبَةَ، فثَنَت البِساطَ حتَّى لا يَجلِسَ عليه. ولا خِلَافَ أن أبا سُفيانَ، ومُعَاوِيةَ أَسلَمَا في فَتحِ مَكَّةَ، سنةَ ثَمَانٍ. ولا يُعرَفُ أن النَّبِيَّ ﷺ أمَّرَ أَبَا سُفيانَ. ولذلك، قال الذَّهَبِيُّ في "السِّيَر" (٧/ ١٣٧): "مُنكَرٌ". وقد أَجَابَ العُلماءُ بأجوِبَةٍ، ذَكَرتُها في تعليقي على "الدِّيبَاج على صَحِيح مُسلِمِ بن الحجَّاج" للسِّيُوطِيِّ، فانظُرهُ. * الأَمرُ الثَّاني: أن هِلالَ بنَ عِياضٍ - أو عِياضَ بنَ هلالٍ - لا يُعرَفُ، كما قال الذَّهَبِيُّ. وقال الحافظ في "التَّقرِيب": "مَجهُولٌ".

стр. 1364

وقال ابن القَطَّان في "الوهم والإيهام" (٣/ ١٤٤): "مجَهُولٌ، لا يُعرَفُ، ولا يُعرَفُ بغير هذا". وقال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٣٧): "وعِيَاضٌ هذا رَوَى له أصحابُ السُّنَن. ولا أَعرِفُه بِجَرحٍ، ولا عَدَالَةٍ؛ وهو في عِدادِ المجهولين". وقد وَقَعَ في اسمه خِلافٌ. والرَّاجِحُ فيه: عِياضُ بنُ هلالٍ. نَصَّ على ذلك الذُّهْلِيُّ، والبُخَارِيُّ، وابنُ خُزَيمَةَ، وأبو حاتمٍ الرَّازِيُّ، وابنُ حِبَّان، والخطيبُ في "المُوضِح"، وسَبَقَهُ إلى ذلك مُسلِمٌ في "الوُحدَانِ"، والدَّارَقُطنِيُّ أيضًا، والحَاكِمُ. قال الحاكمُ: "وقد كان عبدُ الرَّحمن بنُ مَهدِيٍّ يُحَدِّثُ به، عن عِياض بن هلالٍ، ثُمَّ شَكَّ فيه، فقال: "أو هلال بن عياضٍ". رواه عن عبد الرَّحمن بن مَهدِيٍّ: عليُّ بن المَدِينِيِّ، وعُبيد الله بن عُمَر القَوَارِيرِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ المُثَنَّى. فاتَّفَقُوا على عياض بن هلالٍ، وهو الصَّوَابُ" ا. هـ. وقال ابنُ خُزَيمَةَ: "أَحسِبُ الوهمَ مِن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ". ونَقَلَهُ عنه البَيهَقِيُّ في "السُّنَن". وفي هذا القَولِ نَظَرٌ؛ فقد ذَكَرَ الخطيبُ في "المُوضِح" (٢/ ٣١٠) أن أَبَانَ بنَ يَزِيدَ العَطَّارَ رواه عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، مثلَ رواية عِكرِمَةَ .. وأخرَجَهُ الخطيبُ أيضًا في "تاريخِهِ" (١٢/ ١٢٢) من طريق الأَوزَاعِيِّ، عن يحيَى، مِثلَ رواية عِكرِمَةَ .. كُلُّهم يقولُ: هلالُ بن عِياضٍ. وخَالَفَهُم حربُ بنُ شَدَّادٍ، وعليُّ بنُ المُبارَك، وهِشامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ،

стр. 1365

والثَّورِيُّ - على اختلافٍ فيه -، فَرَووهُ جميعًا عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن عِياضِ بن هلالٍ، عن أبي سعيدٍ مرفُوعًا. فالأَشبَهُ أن يُقالَ إنَّ الوَهمَ مِن يحيى بن أبي كَثيرٍ. ونصَّ على ذلك ابنُ القَطَّان، فقال في "الوهم والإيهام" (٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨): "أن عبدَ الحَقِّ ذَكَرَ عِكرِمةَ على أنَّه عِلَّتَهُ، - قال: - وهو صَدُوقٌ، ليس به بأسٌ. قاله ابنُ مَعِينٍ. وقال البُخَارِيُّ: "لم يَكُن عندَهُ كتابٌ". ولم يَضُرَّهُ ذلك؛ فإنَّهُ كان يَحفَظُ، إلَّا أنَّهُ غَلَطَ فيما يَروِي عن يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ، وكان أيضًا مُدلِّسًا. وبالجُملَةِ، فلو لم يَكُن بالحديثِ إلَّا هذا لم يَكُن مَعلُولًا، وإنَّما عِلَّتُه الكُبرَى أَنَّ رَاوِيهِ عن أبي سعيدٍ لا يُعرَف مَن هُوَ، وذلك أنَّهُ يَروِيهِ عِكرِمَةُ بن عمَّارٍ، عن يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ. وكذا رواه عن يَحيَى بن أبي كَثِيرٍ أبانُ بنُ يزيدٍ، قالا جميعًا: عَنهُ، عن هلال بن عِياضٍ. ورَواهُ جماعةٌ عن يحيَى بن أبي كَثِيرٍ، فقالوا: عِياض بن هلالٍ. كذا رواه عنهُ: هِشَامٌ الدَّستُوَائِيُّ، وعليُّ بنُ المُبارَك، وحَرْبُ بن شَدَّادٍ، كُلُّهم عَكسَ ما قال عِكرِمَةُ بن عمَّارٍ، وأبانُ بن يَزِيدَ، فقالُوا: عن عِياض بن هلالٍ. ورواه عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، فقال: حدَّثَنِي عياضُ بن أبي زُهيرٍ. وهذا كُلُّهُ اضطرابٌ، لكنَّهُ على يحيى بن أبي كَثِيرٍ، لا على عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ. فيُحتَمَلُ أن يَكُونَ ذلك مِن يحيى بن أبي كَثِيرٍ نَفسِه، ويُحتَمَلُ أن يَكُونَ مِن أصحَابِهِ المختَلِفين عليه. فقول أبي مُحَمَّدٍ: "لم يُسنِد هذا الحديثَ غيرُ عِكرِمَةَ بن

стр. 1366

عمَّارٍ، وقد اضطرب فيه" يَنبَغِي أن يَكُون ضبطُه "اضطُرِبَ" مَبنِيًّا لما لم يُسَمَّ فَاعِلُه؛ فإنَّهُ إِن أَسَنَد الفِعلَ إلى عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ كان خطا. ويَحيَى بن أبي كَثِيرٍ أحد الأَئِمَّة، ولكنَّ هذا الرجلَ الذي أَخَذَ عنه هذا الحديثَ هو من لا يُعرَفُ، ولا يَحصُلُ مِن أمرِهِ شيءٌ. وهكذا هو عند مُصَنِّفِي الرُّواةِ، لم يَعرِفُوا منه بِزِيَادَةٍ على هذا" انتهى. • قلتُ: وهو تحقيقٌ نَفِيسٌ، بعد أَن ذَكَرَ اضطرابَ رِواية عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، وأنَّ يَحيَى هذا كان مُدلِّسًا، قال: "لو لم يَكُن بالحديثِ إلَّا هذا لم يَكُن معلُولًا"، وهذا عجيبٌ؛ فالعِلَّتَان اللَّتان ذَكَرَهُمَا لا شكَّ أنهما يُسقِطان أيَّ خَبَرٍ. واللّه أعلم. ومَالَ الحافظُ في "التَّهذيب" إلى ما قاله ابنُ القَطَّان، مِن أن هذا الاضطرابَ يُحتَمَلُ أن يَكُونَ من يحيى بن أبي كَثِيرٍ، فقال في "التَّهذيب": "وقَولُ ابن خُزَيمَةَ: أن الوهمَ فيه مِن عِكرِمَةَ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الأَوزَاعِيَّ سمَّاهُ أيضًا فِي رِوَايَتِهِ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ: عياضَ بنَ هلالٍ مرَّةً، وهِلالَ بنَ عِياضٍ مرَّةً. وكذا اختَلَفَ فيه بقِيَّةُ أصحاب يحيى بن أبي كَثِيرٍ، فقال حَربٌ وهِشامٌ وغيرُهُمَا: عِياضٌ، وقال ابنُ العَطَّار: هِلالٌ. فالظَّاهرُ أن الاضطرابَ فيه مِن يحيى بن أبي كَثِيرٍ" ا. هـ. ورَجَّحَ ذلك أيضًا ابنُ التركُمَانِيِّ في "الجَوهَرِ النَّقِيِّ" (١/ ١٠٠). ومِن أَوجُهِ الاضطِرَابِ فيه: ما أخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ١٥٨)، والبَيهَقِي (١/ ١٠٠) مِن طريق محُمَّد بن الصَّبَّاح، ثنا الوليدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن

стр. 1367

رسُول اللّه ﷺ مُرسَلًا. هَكَذَا رواه الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ. وخالَفَهُ مِسكِينُ بنُ بُكَيرٍ، فنَقَلَهُ إلى مُسنَدِ جابرٍ. أخرَجَهُ ابنُ السَّكَنِ في "صحيحه" - كما في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٦٠) - قال: "حدَّثَنا يحيى بنُ مُحمَّد بن صالحِدٍ، حدَّثَنا الحَسَنُ بن أحمدَ بن أبي شُعَيبٍ الحَرَّانِيُّ، حدَّثَنا مِسكِينُ بن بُكَيرٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن مُحمَّد بن عبد الرَّحمن، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذَا تغوَّط الرَّجُلَان فَليَتَوارَ كُلُّ واحدٍ مِنهُما عن صاحِبِه، ولا يَتَحَدَّثَان على طَوفِهِمَا؛ فإنَّ اللّهَ يَمقُتُ على ذلك". - قال ابنُ السَّكَن: - رواه عِكرِمَةُ بنُ عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ، عن أبي سَعِيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وأَرجُو أن يَكُونَا صحيحين" انتهَى كلامُه. وانفَصَلَ ابنُ القَطَّان على أن إِسنادَ هذا الحديثِ جَيِّدٌ، ورَدَّ على مَن يَتَوَهَّمُ أن ابنَ السَّكَن صَحَّحَ الإسنادين جَمِيعًا، فقال: "وليس فيه تَصحِيحُ حديث أبي سعيدٍ الذي فَرَغنَا مِن تَعلِيلِهِ، وإنَّمَا يَعنِي أن القَولَين عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ صَحِيحان، وصَدَق في ذلك؛ صَحَّ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ أنَّهُ قال: عن مُحمَّد بن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، أنَّهُ قال: عن عِياضٍ، أو هِلال بن عِياضٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ. ولا يُمكِن أن يُصَحِّحَ ابنُ السَّكَنِ حديثَ أبي سعيدٍ أصلًا، ولو فَعَلَ، كان ذلك خَطَأً من القَولِ، وإنَّما يَصِحُّ مِن حديث جابرٍ. ومُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن بن

стр. 1368

ثَوبانَ ثِقَةٌ، وقد صَحَّ سماعُهُ من جابرٍ. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما تَقَّدَمَ. ومسكِينُ بنُ بُكَيرٍ، أبو عبد الرَّحمن الحَذَّاءُ، لا بأس به. قاله ابنُ مَعِينٍ. وهذا اللَّفظُ هو مِنهُ مُؤنِسٌ، بيَّنَ ذلك بِنَفسِهِ، وأخبَرَ أنَّهُ إذ قال في رَجُلٍ: لا بأس به، فهُو عِندَهُ ثِقَةٌ. وكذا أيضًا قال فيه أبو حَاتِمٍ. والحَسَنُ بن أَحمَد بن أبي شُعيبٍ، أبو مُسلمٍ، صَدُوقٌ، لا بأسَ بِهِ. وسَائِرُ مَن في الإسناد لا يُسأَلُ عنه. وعن يحيى بن أبي كَثِيرٍ في هذا المعنى غيرُ هذا، ممَّا قد ذَكَرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ عنه في "عِلَلِهِ"، إلَّا أنَّهُ لم يُوصِل به إليه الأسانيدَ. ولا حاجَة بنا أيضًا إلى شيءٍ منه، فلذلك لم نَعرِض له" انتهَى. • قلتُ: كذا قال ابنُ القَطَّان. ومِسكِينُ بنُ بُكيرٍ لم يَنقُل فيه إلَّا قولَ ابن مَعِينٍ، وقد قال أحمدُ في روايةٍ: "لا بأس به، ولَكِن في حديثِهِ خَطَأٌ". وقال الحاكمُ أبو أحمدَ: "كان كَثِيرَ الوَهَمِ وَالخَطإِ". وذَكَرَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء". وقد وَثَّقَه آخَرُون. ولكن في باب المُخالَفَةِ لا يُمكِنُ إغفالُ الجرحِ، حتَّى وَلَو كان مجُمَلًا. إذا تَقَرَّر هذا، فالوليد بن مُسلِمٍ أَقوَى مِنهُ، وكان كَثِيرَ الرِّوايةِ عن الأَوزَاعِيِّ، وقد أَرسَلَ الحديثَ، وصَحَّحَ أبو حاتِمٍ المُرسَلَ، كما في "علل وَلَدِه" (٨٨). ورواه عبدُ المَلِك بنُ الصَّبَّاح، قال: ثنا الأَوزَاعِيُّ، عن يحيى، وعِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا: "إذا تَغَوَّطَ الرَّجُلان فليتَوَارَ أحدُهُمَا عن صاحِبِهِ، ولا يَتَحَدَّثَان على طَوفِهِمَا؛ فإنَّ الله يَمقُتُ عليه".

стр. 1369

أخرَجَهُ الخَطِيبُ (١٢/ ١٢٢) مِن طريق أبي الحَسَنِ عليّ بن يحيى بن الخَلِيل بن زَكَرِيَّا، ثنا أبو العَبَّاس الفَضلُ بن مُوسى البَصرِيُّ، ثنا عبدُ المَلِكِ بن الصَّبَّاح بهذا الإسناد. وعبدُ المَلِك بن الصَّبَّاح وثَّقَهُ أكثرُ العُلَماء. والفَضلُ بنُ مُوسَى هو ابنُ عِيسَى بن سُفيَان، أبو العَبَّاس. ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٩/ ٧)، والخطيبُ في "تاريخه" (١٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وقال: "مَا عَلِمتُ مِن حالِهِ إلَّا خَيرًا". وأمَّا عليُّ بنُ يحيى بن الخليلِ فتَرجَمَهُ الخطيبُ في مَوضِعِ الحديثِ، ولم يَذكُر فيه جَرحًا ولا تَعدِيلًا. • قلتُ: فقد رأيتَ أنَّهُ اختُلِف عَلَى الأَوزَاعِيِّ فِيهِ. ولا يَصِحُّ عنه إلَّا المُرسَلُ، كما قال أبو حاتِمٍ. فأنَّى لإِسنَادِهِ الجَودَةُ، كما قال ابنُ القَطَّان؟! ووَجهٌ آخرُ من الاختلافِ. فرَوَاهُ عليُّ بنُ أبي بَكرٍ، عن الثَّورِيِّ، عن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عِياض بن عبد اللّه، عن أبي سَعِيدٍ نحوَهُ. فجَعَلَ شيخَ يحيى "عياضَ بنَ عبدِ اللّه"، بَدَلَ "عِياض بن هلالٍ". أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٣/ ٣٤٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ حُمَيدٍ، ثنا عليُّ بن بَكرٍ. وشيخُ ابن ماجَهْ واهٍ. وهذه الرِّوايَةُ وَهَمٌ. وخالَفَ كُلَّ من تَقَدَّم: عُبيدُ بنُ عَقِيلٍ، قال: حَدَّثنا عِكرِمَةُ بن عَمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرَة مرفُوعًا: "لا يَخرُج

стр. 1370

اثنان إلى الغَائِطِ، يجلسان، يتَحَدَّثَان، كاشفان عَورَتَهُما؛ فإنَّ اللّه يَمقُت على ذلك". أخرَجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (١/ ٧٠)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ رقم ١٢٨٦) من طريق مُحمَّد بن عبد اللّه بن عُبَيد بن عَقِيلٍ المُقرِئِ، قال: حدَّثَنَا جَدِّي عُبَيدُ بن عَقِيلٍ بسَنَدِه سواء. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عِكرِمَةَ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرَة، إلَا عُبيدٌ". قال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٣٧): "إِسنادُهُ لَيِّنٌ". وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١/ ٢٠٧): "رجالُهُ مُوَثَّقُونَ". • قلتُ: ومُحمَّدُ بنُ عبد اللّه بن عُبَيدٍ وثَّقَهُ مَسلَمَةُ بنُ قاسمٍ. وقال النَّسَائيُّ: "لا بأس به". وجَدُّهُ عُبيدُ بن عَقِيلٍ وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان. وقال أبو حَاتِمٍ: "صَدُوقٌ". وقال أبو داوُد: "لا بأس به". ووَجهٌ آخرُ من الاختلاف. أخرَجَهُ الدُّولَابِيُّ في "الكُنَى" (١/ ٧٥ - ٧٦/ ١٦٨) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بن هَانئٍ أبُو إِسحاقَ النَّيسَابُورِيُّ ببغدادَ، قال: ثنا مُحمَّدُ بن يزيدَ بن سِنانَ، قال: أنا يزيدُ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، قال: أخبَرَنِي خَلَّادٌ، أنَّهُ سَمِع أباه يقولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا خَرَجَ أحدُكُم يتغَوَّطُ، أو يَبُولُ، فلا يَستَقبِل القِبلَة، ولا يَستَدبِرهَا، ولا يَستَقبِل الرِّيحَ، وليتَمَسَّح ثلاثَ مِرَارٍ، وإذا خَرَج الرَّجُلان جميعًا فليَتَفَرَّقا، ولا يَجلِس أحدُهُما
следующие страницы →