← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

عمَّارٍ، وقد اضطرب فيه" يَنبَغِي أن يَكُون ضبطُه "اضطُرِبَ" مَبنِيًّا لما لم يُسَمَّ فَاعِلُه؛ فإنَّهُ إِن أَسَنَد الفِعلَ إلى عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ كان خطا. ويَحيَى بن أبي كَثِيرٍ أحد الأَئِمَّة، ولكنَّ هذا الرجلَ الذي أَخَذَ عنه هذا الحديثَ هو من لا يُعرَفُ، ولا يَحصُلُ مِن أمرِهِ شيءٌ. وهكذا هو عند مُصَنِّفِي الرُّواةِ، لم يَعرِفُوا منه بِزِيَادَةٍ على هذا" انتهى. • قلتُ: وهو تحقيقٌ نَفِيسٌ، بعد أَن ذَكَرَ اضطرابَ رِواية عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، وأنَّ يَحيَى هذا كان مُدلِّسًا، قال: "لو لم يَكُن بالحديثِ إلَّا هذا لم يَكُن معلُولًا"، وهذا عجيبٌ؛ فالعِلَّتَان اللَّتان ذَكَرَهُمَا لا شكَّ أنهما يُسقِطان أيَّ خَبَرٍ. واللّه أعلم. ومَالَ الحافظُ في "التَّهذيب" إلى ما قاله ابنُ القَطَّان، مِن أن هذا الاضطرابَ يُحتَمَلُ أن يَكُونَ من يحيى بن أبي كَثِيرٍ، فقال في "التَّهذيب": "وقَولُ ابن خُزَيمَةَ: أن الوهمَ فيه مِن عِكرِمَةَ فيه نَظَرٌ؛ لأنَّ الأَوزَاعِيَّ سمَّاهُ أيضًا فِي رِوَايَتِهِ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ: عياضَ بنَ هلالٍ مرَّةً، وهِلالَ بنَ عِياضٍ مرَّةً. وكذا اختَلَفَ فيه بقِيَّةُ أصحاب يحيى بن أبي كَثِيرٍ، فقال حَربٌ وهِشامٌ وغيرُهُمَا: عِياضٌ، وقال ابنُ العَطَّار: هِلالٌ. فالظَّاهرُ أن الاضطرابَ فيه مِن يحيى بن أبي كَثِيرٍ" ا. هـ. ورَجَّحَ ذلك أيضًا ابنُ التركُمَانِيِّ في "الجَوهَرِ النَّقِيِّ" (١/ ١٠٠). ومِن أَوجُهِ الاضطِرَابِ فيه: ما أخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ١٥٨)، والبَيهَقِي (١/ ١٠٠) مِن طريق محُمَّد بن الصَّبَّاح، ثنا الوليدُ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن

стр. 1367

رسُول اللّه ﷺ مُرسَلًا. هَكَذَا رواه الوَلِيدُ بنُ مُسلِمٍ، عن الأَوزَاعِيِّ. وخالَفَهُ مِسكِينُ بنُ بُكَيرٍ، فنَقَلَهُ إلى مُسنَدِ جابرٍ. أخرَجَهُ ابنُ السَّكَنِ في "صحيحه" - كما في "بيان الوهم والإيهام" (٥/ ٢٦٠) - قال: "حدَّثَنا يحيى بنُ مُحمَّد بن صالحِدٍ، حدَّثَنا الحَسَنُ بن أحمدَ بن أبي شُعَيبٍ الحَرَّانِيُّ، حدَّثَنا مِسكِينُ بن بُكَيرٍ، عن الأَوزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن مُحمَّد بن عبد الرَّحمن، عن جابر بن عبد اللّه، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إذَا تغوَّط الرَّجُلَان فَليَتَوارَ كُلُّ واحدٍ مِنهُما عن صاحِبِه، ولا يَتَحَدَّثَان على طَوفِهِمَا؛ فإنَّ اللّهَ يَمقُتُ على ذلك". - قال ابنُ السَّكَن: - رواه عِكرِمَةُ بنُ عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ، عن أبي سَعِيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وأَرجُو أن يَكُونَا صحيحين" انتهَى كلامُه. وانفَصَلَ ابنُ القَطَّان على أن إِسنادَ هذا الحديثِ جَيِّدٌ، ورَدَّ على مَن يَتَوَهَّمُ أن ابنَ السَّكَن صَحَّحَ الإسنادين جَمِيعًا، فقال: "وليس فيه تَصحِيحُ حديث أبي سعيدٍ الذي فَرَغنَا مِن تَعلِيلِهِ، وإنَّمَا يَعنِي أن القَولَين عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ صَحِيحان، وصَدَق في ذلك؛ صَحَّ عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ أنَّهُ قال: عن مُحمَّد بن عبد الرَّحمن، عن جابرٍ، أنَّهُ قال: عن عِياضٍ، أو هِلال بن عِياضٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ. ولا يُمكِن أن يُصَحِّحَ ابنُ السَّكَنِ حديثَ أبي سعيدٍ أصلًا، ولو فَعَلَ، كان ذلك خَطَأً من القَولِ، وإنَّما يَصِحُّ مِن حديث جابرٍ. ومُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن بن

стр. 1368

ثَوبانَ ثِقَةٌ، وقد صَحَّ سماعُهُ من جابرٍ. وقد بَيَّنَّا ذلك فيما تَقَّدَمَ. ومسكِينُ بنُ بُكَيرٍ، أبو عبد الرَّحمن الحَذَّاءُ، لا بأس به. قاله ابنُ مَعِينٍ. وهذا اللَّفظُ هو مِنهُ مُؤنِسٌ، بيَّنَ ذلك بِنَفسِهِ، وأخبَرَ أنَّهُ إذ قال في رَجُلٍ: لا بأس به، فهُو عِندَهُ ثِقَةٌ. وكذا أيضًا قال فيه أبو حَاتِمٍ. والحَسَنُ بن أَحمَد بن أبي شُعيبٍ، أبو مُسلمٍ، صَدُوقٌ، لا بأسَ بِهِ. وسَائِرُ مَن في الإسناد لا يُسأَلُ عنه. وعن يحيى بن أبي كَثِيرٍ في هذا المعنى غيرُ هذا، ممَّا قد ذَكَرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ عنه في "عِلَلِهِ"، إلَّا أنَّهُ لم يُوصِل به إليه الأسانيدَ. ولا حاجَة بنا أيضًا إلى شيءٍ منه، فلذلك لم نَعرِض له" انتهَى. • قلتُ: كذا قال ابنُ القَطَّان. ومِسكِينُ بنُ بُكيرٍ لم يَنقُل فيه إلَّا قولَ ابن مَعِينٍ، وقد قال أحمدُ في روايةٍ: "لا بأس به، ولَكِن في حديثِهِ خَطَأٌ". وقال الحاكمُ أبو أحمدَ: "كان كَثِيرَ الوَهَمِ وَالخَطإِ". وذَكَرَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء". وقد وَثَّقَه آخَرُون. ولكن في باب المُخالَفَةِ لا يُمكِنُ إغفالُ الجرحِ، حتَّى وَلَو كان مجُمَلًا. إذا تَقَرَّر هذا، فالوليد بن مُسلِمٍ أَقوَى مِنهُ، وكان كَثِيرَ الرِّوايةِ عن الأَوزَاعِيِّ، وقد أَرسَلَ الحديثَ، وصَحَّحَ أبو حاتِمٍ المُرسَلَ، كما في "علل وَلَدِه" (٨٨). ورواه عبدُ المَلِك بنُ الصَّبَّاح، قال: ثنا الأَوزَاعِيُّ، عن يحيى، وعِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ مرفُوعًا: "إذا تَغَوَّطَ الرَّجُلان فليتَوَارَ أحدُهُمَا عن صاحِبِهِ، ولا يَتَحَدَّثَان على طَوفِهِمَا؛ فإنَّ الله يَمقُتُ عليه".

стр. 1369

أخرَجَهُ الخَطِيبُ (١٢/ ١٢٢) مِن طريق أبي الحَسَنِ عليّ بن يحيى بن الخَلِيل بن زَكَرِيَّا، ثنا أبو العَبَّاس الفَضلُ بن مُوسى البَصرِيُّ، ثنا عبدُ المَلِكِ بن الصَّبَّاح بهذا الإسناد. وعبدُ المَلِك بن الصَّبَّاح وثَّقَهُ أكثرُ العُلَماء. والفَضلُ بنُ مُوسَى هو ابنُ عِيسَى بن سُفيَان، أبو العَبَّاس. ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٩/ ٧)، والخطيبُ في "تاريخه" (١٢/ ٣٦٦ - ٣٦٧)، وقال: "مَا عَلِمتُ مِن حالِهِ إلَّا خَيرًا". وأمَّا عليُّ بنُ يحيى بن الخليلِ فتَرجَمَهُ الخطيبُ في مَوضِعِ الحديثِ، ولم يَذكُر فيه جَرحًا ولا تَعدِيلًا. • قلتُ: فقد رأيتَ أنَّهُ اختُلِف عَلَى الأَوزَاعِيِّ فِيهِ. ولا يَصِحُّ عنه إلَّا المُرسَلُ، كما قال أبو حاتِمٍ. فأنَّى لإِسنَادِهِ الجَودَةُ، كما قال ابنُ القَطَّان؟! ووَجهٌ آخرُ من الاختلافِ. فرَوَاهُ عليُّ بنُ أبي بَكرٍ، عن الثَّورِيِّ، عن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عِياض بن عبد اللّه، عن أبي سَعِيدٍ نحوَهُ. فجَعَلَ شيخَ يحيى "عياضَ بنَ عبدِ اللّه"، بَدَلَ "عِياض بن هلالٍ". أخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٣/ ٣٤٢) قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بنُ حُمَيدٍ، ثنا عليُّ بن بَكرٍ. وشيخُ ابن ماجَهْ واهٍ. وهذه الرِّوايَةُ وَهَمٌ. وخالَفَ كُلَّ من تَقَدَّم: عُبيدُ بنُ عَقِيلٍ، قال: حَدَّثنا عِكرِمَةُ بن عَمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرَة مرفُوعًا: "لا يَخرُج

стр. 1370

اثنان إلى الغَائِطِ، يجلسان، يتَحَدَّثَان، كاشفان عَورَتَهُما؛ فإنَّ اللّه يَمقُت على ذلك". أخرَجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (١/ ٧٠)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ رقم ١٢٨٦) من طريق مُحمَّد بن عبد اللّه بن عُبَيد بن عَقِيلٍ المُقرِئِ، قال: حدَّثَنَا جَدِّي عُبَيدُ بن عَقِيلٍ بسَنَدِه سواء. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن عِكرِمَةَ، عن يحيى، عن أبي سَلَمة، عن أبي هُرَيرَة، إلَا عُبيدٌ". قال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٣٧): "إِسنادُهُ لَيِّنٌ". وقال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (١/ ٢٠٧): "رجالُهُ مُوَثَّقُونَ". • قلتُ: ومُحمَّدُ بنُ عبد اللّه بن عُبَيدٍ وثَّقَهُ مَسلَمَةُ بنُ قاسمٍ. وقال النَّسَائيُّ: "لا بأس به". وجَدُّهُ عُبيدُ بن عَقِيلٍ وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان. وقال أبو حَاتِمٍ: "صَدُوقٌ". وقال أبو داوُد: "لا بأس به". ووَجهٌ آخرُ من الاختلاف. أخرَجَهُ الدُّولَابِيُّ في "الكُنَى" (١/ ٧٥ - ٧٦/ ١٦٨) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بن هَانئٍ أبُو إِسحاقَ النَّيسَابُورِيُّ ببغدادَ، قال: ثنا مُحمَّدُ بن يزيدَ بن سِنانَ، قال: أنا يزيدُ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، قال: أخبَرَنِي خَلَّادٌ، أنَّهُ سَمِع أباه يقولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "إذا خَرَجَ أحدُكُم يتغَوَّطُ، أو يَبُولُ، فلا يَستَقبِل القِبلَة، ولا يَستَدبِرهَا، ولا يَستَقبِل الرِّيحَ، وليتَمَسَّح ثلاثَ مِرَارٍ، وإذا خَرَج الرَّجُلان جميعًا فليَتَفَرَّقا، ولا يَجلِس أحدُهُما

стр. 1371

قريبًا مِن صَاحِبِه، ولا يتَحَدَّثان؛ فإنَّ اللّه يَمقُتُ على ذلك". وهذا إسنادٌ ضعيفٌ جِدًّا، ومُحمَّدُ بنُ يزيدَ واهٍ. وشَيخُهُ يزيدُ أَظُنُّهُ أباه، فإن يَكُنهُ فهو ضعيفٌ. وهو خيرٌ مِن ابنِهِ. ورواه أبانُ بنُ يزيدَ العَطَّارُ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عبدِ اللّه بن أبي قَتَادَةَ، عن أبيه. ذَكَرَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلَل" (١١/ ٢٩٨). فالصَّحِيحُ في هذَا: ما رواه الجَمَاعةُ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عِياض بن هلالٍ، عن أبي سَعِيدٍ مرفُوعًا. ورَجَّحَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلَل" (١١/ ٢٩٨)، فقال: "وَأَشبَهُهَا بالصَّوَابِ حَدِيثُ عِياض بن هلالٍ، عن أبي سَعِيدٍ" انتهَى. ثُمَّ بَعدَ كُلِّ ما تقدَّمَ، فيحيى بنُ أبي كَثيرٍ مُدَلِّسٌ، ولم أَرَهُ صَرَّح بالتَّحدِيثِ في شيءٍ مِن الطُّرُق التي وَقَفتُ عليها. فالحديثُ إذن مُعَلٌّ بِعِدَّةِ عِلَلٍ: الأُولَى: ضَعفُ رواية عِكرِمة بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ. الثَّانية: جَهَالَةُ هلال بن عِياضٍ. الثَّالثَةُ: اضطرابُ سَنَدِه. الرَّابِعَةُ: تدليس يحيى بن أبي كَتِيرٍ. والخَامِسَةُ: اضطرابُ مَتنِهِ. قال ابن القَطَّان: "وللحديث مع ذلك عِلَّةٌ أُخرَى، وهي اضطرابُ مَتنِهِ. وبيانُ ذلك، هو أن ابنَ مَهدِيٍّ رواه، عن عِكرِمَةَ بن عمَّارٍ، فقال

стр. 1372

في لفظِهِ: جَعلَ المَقتِ على التَّكَشُّفِ والتَّحَدُّثِ في حال قضاء الحَاجَةِ. - ثُمَّ ذَكَرَ الحديثَ مِن طَرِيقِ - أبي حُذَيفَةَ، ثنا عِكرِمَةُ بن عمَّارٍ، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن هلال بن عِياضٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: "نَهَى رسولُ اللّه ﷺ الرَّجُلَينِ أن يَقعُدَا جميعًا يتَبَرَّزَان، يَنظُر أحدُهُمَا إلى عَورَةِ صاحِبِهِ؛ فإنَّ اللّهَ ﵎ يَمقُت على هذا". - قال: - هذ رِوايَةُ أبي حُذَيفَةَ، عن عِكرِمَةَ، جَعَل التَّوَعُّدَ فيها على التَّكَشُّفِ والنَّظَر، ولم يَذكُر التَّحَدُّث. - ثُمَّ ذَكَر الحديث، عن الدُّولَابِيِّ، بإسنادِهِ إلَى - أبي سعيدٍ، قال: "نَهَى رسُولُ اللّه ﷺ المُتَغَوِّطَينِ أن يَتحَدَّثا؛ إنَّ اللّهَ يَمقُتُ على ذلك". فالتَّوَعُّدُ في هذا الحديث على التَّحَدُّثِ فحسب. واضطرابُهُ دليلُ سُوءِ حال رَاوِيهِ، وقِلَّةِ تحصِيلِه، فكيفَ وهُو مَن لا يُعرَف؟! " انتَهَى. فاستِدلَالُ الشَّوكَانِيِّ به في "السَّيل الجَرَّار" (١/ ٦٨) على تَحرِيمِ التَّحَدُّثِ حالَ قضاء الحَاجَةِ فيه نَظَرٌ. وقد دَفَعَ التَّضعِيفَ بقولِهِ: "وكَون في إسناده هِلالُ بنُ عِياضٍ، أو عِياضُ بنُ هلالٍ - وقد ضَعَّفَهُ بعضُهُم - لا يَقدَحُ في الاستدلال بِهِ على التَّحرِيمِ؛ فإنَّهُ قد ذَكَرَهُ ابن حِبَّان في "الثِّقاتِ"". ا. هـ. كذا قال! وَهُوَ دَفعٌ ضعيفٌ مُتَهَافِتٌ؛ وذِكرُ ابن حِبَّان لَهُ في "الثِّقَات" لا يُخرِجُهُ عن حدِّ الجَهَالة، كما ذَكَرَ الشَّوكَانِيُّ غيرَ مَرَّةٍ في مُصَنَّفَاتِه. والحديثُ حَسَّنَهُ النَّوَوِيُّ أيضًا في "المَجمُوعِ" (٢/ ٨٨)! وما تَقَدَّمَ من التَّحقِيقِ يَرُدُّهُ. واللّه أعلَمُ.

стр. 1373

٣٦١ - سُئلتُ عن حديث: "مَا آمَنَ بِالقُرآنِ مَنِ استَحَلَّ مَحَارِمَهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ". أخرَجَهُ التِّرمذِيُّ (٢٩١٨)، وابنُ أبي شَيبَةَ (١٠/ ٥٣٧) مِن طريق وَكيعٍ، حدَّثَنَا أبو فَروَةَ يزيدُ بنُ سِنانَ، عن أبي المُبارَكِ، عن صُهيبٍ به. قال التِّرمذِيُّ: "هذا حديثٌ ليس إسنادُهُ بِالقَوِيِّ. وقد خُولِف وكيعٌ في روايتِهِ". ونَقَلَ المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢١١) عن التِّرمذِيِّ قولَهُ: "هذا حديثٌ غريبٌ"، ولم يَذكُر: "وقد خُولِف." … • قلتُ: خَالفَهُ أبو خالدٍ الأَحَمرُ، فرواه عن يزيدَ بن سِنانَ، عن أبي المُبارَك، عن عطاءٍ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ فذَكَرَهُ. فجَعَلَ شيخَ أبِي المُبارَك "عطاءً"، ونَقَلَهُ إلى مُسنَد أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ. أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَةَ (١٠/ ٥٣٧)، وعبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتَخَب" (١٠٠٣)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشهاب" (٧٧٧). وخالَفَهُمَا مُحمَّدُ بنُ يزيدَ بن سِنانَ، قال: سَمِعتُ أبي، يقولُ: سَمِعتُ عطاءً، يقُولُ: سَمِعتُ مُجاهِدًا، يقولُ: سَمِعتُ سعيدَ بنَ المُسَيِّبَ، يقولُ: سَمعتُ صُهيبًا، يقولُ: … فذَكَرَهُ. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكَبير" (ج ٨/ رقم ٧٢٩٥)، وفي "الأَوسَط" (ج ١/ ق ٢٦٥/ ١)، وأبو الشَّيخ في "الطَّبَقَات" (٤/ ٣٠٢)، وابنُ عَدِيٍّ

стр. 1374

في "الكامِل" (٧/ ٢٧٢٤)، والخَطِيبُ في "التَّاريخ" (٦/ ١٢٧)، وفي "التَّلخِيص" (٣٥٧/ ١)، والقُضَاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (٧٧٥، ٧٧٦، ٧٧٨)، والرَّافِعِيُّ في "أخبار قَزوِينَ" (٢/ ٣٦٨)، والشَّجَرِيُّ في "الأَمَالِي" (١/ ١١٤ - ١١٥). قال الطَّبَرَانِيُّ: "لا يُروَى هذا الحديثُ إلَّا بهذا الإِسنَادِ. تَفَرَّدَ به مُحمَّدُ بنُ يزيدَ بن سِنانَ". قال التِّرمِذِيُّ، بعد أن أَشارَ إلى هذه الرِّواية: "ولا يُتابَعُ مُحمَّدُ بنُ يزيدَ على روايته. وهو ضَعِيفٌ … - قال: - وقال مُحُمَّدٌ - يعني: البُخَارِيَّ -: أبو فَروَةَ يزيدُ بنُ سِنانَ الرُّهَاوِيُّ ليس بحديثِهِ بأسٌ، إلَّا روايةُ ابنِهِ مُحَمَّدٍ، عنه؛ فإنَّه يَروِي عنه مَناكِيرَ" ا. هـ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "هذه الرِّوايةُ غيرُ محفُوظَةٍ". ولكن له طريق آخرُ أَصلَحُ من هذا .. فأخرَجَهُ الدُّولَابِيُّ في "الكُنَى" (٢/ ٦٩) من طريق النَّسَائِيِّ، قال: أخبَرَنِي أحمدُ بنُ سَعِيدٍ، قال: حدَّثَنَا صَدَقَةُ بنُ سابِقٍ، قال: حدَّثَنا مُفَضَّلٌ أبو عبد الرَّحمن، عن مُجاهِدٍ، عن سعيد بن المُسَيَّبِ، قال: سمعتُ صُهَيبًا … فذَكَرَ مرفُوعًا. • قلتُ: وهذا سَنَدٌ رجالُهُ ثقاتٌ، غيرُ صدَقَةَ بن سابِقٍ الكُوفِيِّ، فتَرجَمَهُ البُخَارِيُّ (٢/ ٢/ ٢٩٨)، وابنُ حاتِمٍ (٢/ ١/ ٤٣٤)، ولم يَذكُرَا فيه جُرحًا ولا تعدِيلًا. وذَكَرَ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٣٢٠). أمَّا رواية أبي خالدٍ الأَحمرِ فغَيرُ محفُوظَةٍ أيضًا، كما قال ابنُ عَدِيٍّ.

стр. 1375

ولعلَّ هذا الاضطرابَ مِن يَزيدَ بن سِنانَ، فقد ضَعَّفَهُ أحمدُ، وابنُ المَدِينِيِّ، وأبو داوُد، والدَّارَقُطنِيُّ. وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس حديثُهُ بشيءٍ". وقال أبو حاتِمٍ: "مَحِلُّهُ الصِّدقُ، وكان الغالبُ عليه الغَفلَةَ". وأمَّا رِوايَةُ وكيعٍ فلا تَصِحُّ أيضًا؛ وأبو المُبارَك رجُلٌ مجهُولٌ، كما قال التِّرمِذِيُّ. فلا يَصِحُّ هذا الحديثُ بوجهٍ من الوُجُوه. واللهُ أَعلَمُ.

стр. 1376

٣٦٢ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ نَاسًا مِن أَهلِ الجَنَّةِ يَنطَلِقُونَ إِلَى أُنَاسٍ مِن أَهلِ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: بِمَ دَخَلتُمُ النَّارَ؟ فَوَاللّه! مَا دَخَلنَا الجَنَّةَ إِلَّا بِمَا تَعَلَّمنَا مِنكُم! فَيَقُولُونَ: إِنَّا كنَّا نَقُولُ، وَلَا نَفعَلُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفُ جِدًّا. أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٤٠٥)، وفي "الأوسط" (ج ١/ ق ٨/ ٢)، والخطيبُ في "الاقتضاء" (٧٣) من طريق زُهَير بن عبَّادٍ، ثنا أبو بكرٍ الدَّاهِرِيُّ عبدُ اللّه بنُ حَكِيمٍ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن الوليد بن عُقبَةَ فذَكَرَهُ. قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن إِسماعِيلَ، إلَّا أبو بكرٍ. تفرَّدَ به زُهيرٌ". • قلتُ: أمَّا زُهيرُ بن عبَّادٍ فوَثَّقَهُ أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ - كما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ ٥٩١) لوَلَدِه عبدِ الرَّحمن -، وجهَّلَهُ الدَّارَقُطنِيُّ، ورَجَّح الذَّهَبِيُّ توثيقَهُ. ولكن آفةُ هذا الإسناد أبو بكرٍ الدَّاهِرِيُّ، فإنَّهُ تالفٌ، وضعَّفَهُ الهَيثَمِيُّ جِدًّا، كما في "المَجمَع" (١/ ١٨٥، و ٧/ ٢٧٦). والحديثُ ضعَّفَهُ السِّيُوطِيُّ - كما في "الدُّرِّ المنثُورِ" (١/ ٦٥) -.

стр. 1377

وله شاهدٌ مِن حديث جابرٍ مرفُوعًا: "اطَّلَعَ قومٌ من أهل الجَنَّة على قومٍ مِن أهل النَّارِ، فقالُوا: بم دخلتُم النَّارَ وإنَّما دَخَلْنَا الجَنَّة بتعلِيمِكُم؟! قالوا: إنَّما كُنَّا نأمُرُكم، ولا نَفعَلُ". أخرَجَهُ الخطيبُ في "الاقتضاء" (٧٢)، وأبو عليٍّ بنُ شاذَانَ - كما في "إتحاف السَّادة" (١/ ٣٧١) للزَّبِيدِيِّ -، ومن طريقه ابنُ عساكر في "المجلس الرَّابع عشر" (ق ٣/ ٢)، وابنُ النَّجَّار في "ذيل تاريخ بغدادَ" - كما في "الدُّرِّ المنثُور" (١/ ٦٥) - من طريق أبي العَينَاءِ (١)، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن ابن جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ. قال أبو عليٍّ بنُ شَاذَانَ: "غريبٌ. تفرَّدَ به أبو العَينَاءِ، عن أبي عاصمٍ". • قلتُ: وأبو العَينَاءِ هو مُحمَّدُ بنُ القاسم بن خَلَّادٍ. ضعَّفَهُ الدَّارَقُطنِيُّ. وقد اعتَرَفَ أنَّهُ وَضَعَ حديثًا، هو والجاحِظُ. فإذا تَفَرَّد مِثلُهُ بحديثٍ، عن مِثلِ أبي عاصمٍ النَّبِيلِ، دَلَّ يقينًا على أنَّهُ غيرُ محفُوظٍ. وانظُر الحديثَ رقم (٤٦).

стр. 1378

٣٦٣ - سُئلتُ عن حديث: "مَا مِن عَبدٍ يَخطُبُ خُطبَةً إِلَّا اللّهُ سَائِلُهُ عَنهَا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أحمدُ في "الزُّهد" (٣٢٣)، ومِن طريقِهِ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (١٧٨٧) .. وابنُ أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥١٠ - بتحقيقي) قال: حدَّثَنِي هارُون بنُ عبد الله، قَالَا: ثنا سَيَّارٌ، قال: ثنا جَعفَر - هو ابن سُليمان -، عن مالكِ بن دينارٍ، عن الحَسَن البَصِريِّ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : … فذَكَرَهُ. قال جَعفَرٌ: فكان مالكٌ إذا حدَّثَنِي بهذا بَكَى، ثُمَّ يقولُ: "أتَحسبُون أن عَينِي تَقَرُّ بكلامي عليكُم، وأنا أعلمُ أن الله سَائِلي عنه يوم القِيامة: ما أردتَ به؟ ". زاد ابنُ أبي الدُّنيا: "أنتَ الشَّهِيدُ على قَلبِي! لو أَعلَمُ أنَّهُ أحبُّ إليك لم أَقرَأْ على اثنين أبَدًا". وهذا إسنادٌ مُرسَلٌ؛ فإنَّ الحَسَنَ من التَّابِعين. وذَكَرَهُ المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (٢١٥)، وقال: "مُرسَلٌ. إسنادُهُ جَيِّدٌ"، يعني: إلى مَن أَرسَلَهُ.

стр. 1379

٣٦٤ - سُئِلتُ عن حديث: "مَن جَمَع بَينَ صَلَاتَينِ مِن غَيرِ عُذرٍ فَقَد أَتَى بَابًا مِن أَبوَابِ الكَبائِرِ". • قلتُ: هذا حديث مُنكَرٌ. أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (١٨٨) قال: حدَّثَنا أبو سَلَمَة يحيى بنُ خَلَفٍ البَصريُّ .. وأبُو يَعلَى (٢٧١٥) قال: حدَّثَنا عُبيدُ الله بنُ عُمرَ .. والبزَّارُ (١٣٥٦ - كشف) قالا: حدَّثَنا عمرُو بنُ عليٍّ .. والبَيهَقِيُّ (٣/ ١٦٩)، والدَّارَقُطنِيُّ (١/ ٣٩٥) عن يعقوبَ بن إبراهيمَ .. والحاكمُ (١/ ٢٧٥) عن بَكرِ بن خَلَفٍ، وسُوَيدِ بن سعيدٍ .. وابنُ أبي حاتِمٍ في "تفسيره" - كما في "ابن كَثيرٍ" (٢/ ٢٤٢ - طبع الشَّعب) -، والبَيهَقِيُّ (٣/ ١٦٩)، والخطيبُ في "المُوضِح" (٢/ ٣٤) عن نُعَيم بن حمَّادٍ .. والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٥٤٠) عن عارمٍ أبي النُّعمان .. وابنُ حِبَّانَ في "المَجروحِينَ" (١/ ٢٤٣) عن ابن أبي السَّرِيِّ، قالُوا: ثنا مُعتَمِرُ بن سُليمان، عن أبيه، عن حنش - هو: حُسَينُ بنُ قيسٍ الرَّحْبِيَّ -، عن عِكرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا فذَكَرَه.

стр. 1380

وفي لفظٍ: "جَمعٌ بين صَلاتين … الخ". ورواه عبدُ الحكِيم بنُ منصُورٍ، عن حُسَين بن قيسٍ بهذا الإسناد. أخرَجَهُ ابنُ الجَوزِيِّ في "الموضوعات" (٢/ ١٠١) مِن طريق ابن شاهين، قال: حدَّثَنا مُحمَّدُ بن عليِّ بن مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ، قال: حدَّثَنا عمَّارُ بن خالدٍ التَّمَّارُ، قال: حدَّثنا عبدُ الحكيمِ بنُ منصُورٍ بهذا. زاد أبُو يَعلَى: "وَمَن كتَمَ الشَّهادَةَ اجتاح بها مالَ امرئٍ مُسلمٍ، أو سَفَكَ بها دَمَهُ، فقد أوجَبَ النَّار". وهذه الزِّيادةُ عند الطَّبرانِيِّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٥٤١). وزاد البزَّارُ على هذا: "وَمَن شَرِبَ شَرابًا حتَّى يَذهَب عقلُهُ الذي رزقه اللهُ، فقد أتَى بابًا من أبواب الكبائر". قال التِّرمذِيُّ: "وحَنَشٌ هذا هو أبو عليٍّ الرَّحْبِيُّ، وهو حُسَينُ بنُ قيسٍ، وهو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ضعَّفَهُ أحمدُ وغيرُهُ. والعَمَلُ على هذا عند أهل العِلم، أنَّهُ لا يُجمَعُ بين الصَّلاتَين إلَّا في السَّفر أو بعَرفَةَ". وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "وحَنَشٌ هذا أبو عليٍّ الرَّحْبيُّ: متروكٌ". وقال البزَّارُ: "لا نَعلَمُهُ عن النَّبيِّ ﷺ إلَّا بهذا الإسنادِ. وحنشٌ هو ابنُ قيسٍ الرَّحبيُّ. رَوَى عنه التَّيمِيُّ، وخالدُ بنُ عبد اللّه وغيرُهُما. وليس بالقَوِيِّ". وقال ابنُ عبدِ البَرِّ في "التَّمهيد" (٥/ ٧٧): "هذا حديثٌ، وإن كان فيه مَن لا يُحتَجُّ بمِثلِه من أجل حنشٍ هذا، فإنَّ معناه صحيحٌ من وُجوهٍ".

стр. 1381

وقال البَيهَقِيُّ: "تفرَّد به حُسَينُ بنُ قيسٍ أبو عليٍّ الرَّحْبِيُّ، المعروفُ بـ "حَنَشٍ"، وهو ضعيفٌ عند أهل النَّقل، لا يُحتَجُّ بخَبَرِه". وقال ابنُ الجوزِيِّ: "أمَّا حُسَينُ بنُ قَيسٍ فقد كذَّبَهُ أَحمَدُ بنُ حنبلٍ، وقال مرَّةً: متروكُ الحديث. وكذلك قال النَّسائِيُّ. وقال يحيى: ليس بشيءٍ. وقال العُقَيليُّ: وهذا الحديثُ لا أصلَ له". أمَّا الحاكِمُ فهو في وادٍ آخرَ، حيث قال عَقِبَ الحديث: "حنشُ بنُ قيسٍ الرَّحْبِيُّ، يقال له: أبُو عَليٍّ، مِن أهل اليَمَن، سكَن الكُوفَةَ. ثقةٌ". فردَّه الذَّهَبِيُّ بقوله: "بل ضَعَّفُوهُ". وذَكَر العُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (١/ ٢٤٨) هذا الحديث، قال: "رواه عِكرِمةُ، عن ابن عبَّاسٍ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: "جمع بين صلاتَين من الكَبائر". - قال: - حُسينُ بنُ قيسٍ الرَّحْبيُّ لا يُتابَعُ عليه، ولا يُعرَفُ إلَّا به. - قال: - ولا أصلَ له. وقد رُوي عن ابن عبَّاسٍ بإسنادٍ جيِّدٍ، أن النَّبيَّ ﷺ جَمَع بين الظُّهر والعَصر، والمَغرِب والعشاء". وتعقَّب السِّيوطِيُّ في "اللَّالئ" (٢/ ٢٣) ابنَ الجَوزِيِّ في دَعوَى وضع هذا الحديثِ. ولخَّص كلامَه المُناوِيُّ في "فيض القدير" (١/ ١٩٠ - ١٩١)، وخَتَمَ كلامَه بقوله: "وَحَكَمَ ابنُ الجَوزِيِّ بوضعه، ونُوزِع بما هو تَعَسُّفٌ للمُصنِّفِ - يعني: السِّيوطِيَّ -. فإن سُلِّم عدمُ وضعِهِ، فهو واهٍ جدًّا". ونَقَل كلامَ المُناوِيِّ أبُو الفَيض الغُمارِيُّ في "المُداوِي" (٦/ ٢٤٩)، ورَدَّ عليه قائلًا:

стр. 1382

"قلتُ: حَنَشٌ قد وَثَّقَهُ غيرُ الحاكِم، فقال أبُو محِصَنٍ حُصَينُ بنُ نُميرٍ: "حدَّثَنا حُسينُ بنُ قيسٍ أبُو عليٍّ الرَّحبيُّ، وهو شيخٌ صَدُوقٌ"، فَوَصَفَهُ بالصِّدق، وهو قد عاشَرَهُ ورَوَى عنه، فقولُهُ مُقدَّمٌ على مَن ضعَّفُوهُ لمُجرَّد خِلافِهِ في الأحاديث، فإنَّهُم يفعلُون ذلك بنِاءً على أن حديثَهُ مُنكَرٌ لكونِهِم لم يَعرِفُوا مَعناه ولا الجَمعَ بينه وبين الأحاديث الصَّحيحة كهذا الحديثِ، فإنَّ أوَّلَ مَن صرَّح بأنَّه لا أصل له ذاك العُقَيليُّ، الذي لا يَعرِفُ إلَّا الحديثَ والرِّجال، ولا قَدَمَ له في العِلم، فإنَّه استَدَلَّ على كونِهِ لا أصلَ له بقولِهِ: "وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ أنَّه جَمَع بين الصَّلاتَين"، فبهذا استَدَلَّ على بُطلانِهِ، ولم يُتابِعهُ على ذلك إلَّا ابنُ الجَوزِيِّ، الذي هو مِثلُهُ، بعيدٌ عن النَّظَر والفَهم في الجَمع بين الأحاديث المُتعارِضة ظاهِرًا. ولا تَعَارُضَ؛ لِحَملِ هذا على جَمع الصَّلاتَين التي لم يأت الشَّرعُ بجواز الجَمع بينهما، كالصُّبح والظُّهر، والعصر والمَغرب، والعشاء والصُّبح. وحديثُ ابن عبَّاسٍ في الجَمع على العُذر، ولو كان ضعيفًا، كما فصَّلنا في "إزالَة الخَطَر في الجَمع بين الصَّلاتَين في الحَضَر". وبذلك يندفع التَّعارُضُ. والمُصنِّف لم يتعسَّف، ولا صرَّح بصِحَّتِهِ أو حُسنِه، بل ذَكَر في تعقُّبه على ابن الجَوزِيِّ - الذي أتَى به من عند ابن شاهينَ - أن الحديثَ خرَّجَهُ التِّرمِذِيُّ وضعَّفَهُ، ثُمَّ قال: "والعَمَلُ على هذا عند أهل العِلم"، وأخرَجَهُ وقال: "حُسينٌ أبو عليٍّ الرَّحْبِيُّ، من أهل اليَمَن، سَكَن الكُوفة. ثقةٌ"، وإنَّ الدَّارَقُطنِيَّ والبَيهَقِيَّ خرَّجاه أيضًا في سُنَنَيهما وضعَّفاه، فهو حُكمٌ مِن كبار الحُفَّاظ، إمَّا بصِحَّتِهِ أو بضَعفِهِ، لا بِوَضعِهِ الذي انفَرَد به العُقَيليُّ وتَبِعَهُ ابنُ الجَوزِيِّ" انتهَى.

стр. 1383

والجَوابُ على هذا الخَطَل من وُجُوهٍ: * الأوَّلُ: أنَّه رجَّح تَوثيقَ الحاكِمِ لحنشٍ، وعضَّدَه بقول حُصَينُ بن نُمَيرٍ: "هو شيخُ صدقٍ"، ثُمَّ علَّل ذلك بقوله: "وهو قد عاشَرَهُ ورَوَى عنه، فقولُهُ مُقدَّمٌ على مَن ضعَّفوه". وهذا قولٌ لا يَقُولُه عالِمٌ أبدًا؛ لأنَّ الحاكِمَ مُتساهِلٌ في التَّوثيق والتَّصحيح، وشُهرَةُ ذلك لا تَحتاجُ إلى إثباتٍ - والمُعتَرِضُ كثيرُ الدَّندنة حول هذا المعنى في كُتُبه -، وإن كان هو في باب التَّوثيق أكثرَ تماسُكًا منه في باب التَّصحيح. وحُصَينُ بن نمَيرٍ هو مُجرَّدُ راوٍ، ولا يُعرَفُ وزنُهُ في النَّقد، ووَصفُهُ لحنشٍ بأنه شيخُ صدقٍ ليس فيه أكثرُ من نفي الكذب عنه، دون إثبات الضَّبط له، هذا لو سَلَّمنا أن حُصَينًا هذا له قدمٌ في النَّقد، كيف وهو ليس كذلك، بل قولهما مُعارِضٌ لكلام أساطين النُّقَّاد الذين فسَّرُوا جَرحَهُم له؟ فاسمَع ما قال الأئمَّةُ في هذا "الحنش"!! قال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "ليس حديثُهُ بشيءٍ. لا أروِي عنه" .. وقال البُخارِيُّ في "تاريخه": "ترك أحمدُ حديثَهُ" .. وقال عبدُ الله بنُ أحمد بن حنبلٍ، عن أبيه: "مترُوكُ الحديث. ضعيفُ الحديث. وله حديثٌ واحدٌ حَسَنٌ. رَوَى عنه التَّيمِيُّ في قصَّة الشُّؤم". قال عبدُ اللّه: "واستَحسَنَهُ أبي" .. وقال عبَّاسٌ الدُّورِيُّ، عن يحيى بن مَعِينٍ، وأبُو زُرعة: "ضعيفٌ" .. وقال مُعاوِيةُ بن صالحٍ، عن يحيَى: "ليس بشيءٍ" ..

стр. 1384

وقال عبدُ الرَّحمن بن أبي حاتِمٍ، عن أبيه: "ضعيفُ الحديث. مُنكَر الحديث"، قيل له: "أكان يَكذِبُ؟ "، قال: "أسألُ اللّهَ السَّلامَةَ. هو ويحيَى بنُ عُبيد الله مُتقارِبَان"، قيل: "هو مِثلُ الحُسين بن عبد الله بن ضُمَيرَةَ؟ "، قال: "شبيهٌ به" .. وقال البُخارِيُّ: "أحاديثُهُ مُنكَرَةٌ جدًّا، ولا يُكتَبُ حديثُهُ" .. وقال النَّسائِيُّ: "مترُوكُ الحديث" .. وقال في مَوضِعٍ آخر: "ليس بثقةٍ" .. وقال العُقَيليُّ: "له غيرُ حديثٍ لا يُتابَعُ عليه ولا يُعرَفُ" .. وقال أبُو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: "هو إلى الضَّعف أقربُ منه إلى الصِّدق" .. وقال أبو يَعلَى المَوصِليُّ: "حدَّثَنا مُحمَّدُ بن عُقبة، قال: حدَّثَنا أبُو محِصنٍ حُصَينُ بن نُمَيرٍ، قال: حدَّثَنا حُسَينُ بن قيسٍ أبُو عليٍّ الرَّحْبِيُّ. قال: وزَعَمَ أبُو محِصَنٍ أنَّه شيخُ صِدقٍ، فذَكَر عنه حديثًا" .. وقال الجُوزْجانِيُّ في "أحوال الرِّجال": "أحادِيثُهُ مُنكَرَةٌ جدًّا، فلا تُكتَبُ" .. وقال التِّرمِذِيُّ في "جامعه": "هو ضعيفٌ عند أهل الحديث، ضعَّفه أحمدُ وغيرُهُ". وقال في موضعٍ آخر منه: "يُضعَّف في الحديث مِن قِبَل حفظه" .. وقال مُسلِمٌ في "الكُنَى": "مُنكَرُ الحديث" .. وتركَهُ السَّاجِيُّ، والدَّارَقُطنِيُّ .. وقال عبدُ الله بن عليِّ بن المَدِينِيِّ، عن أبيه: "ليس هو عِندِي بالقويِّ"،

стр. 1385

وكذلك قال أبُو أحمدَ الحاكِمُ .. وقال ابنُ حِبَّان في "المَجروحين": "كان يَقلِبُ الأخبارَ ويلزقُ روايَةَ الضُّعَفاء. كذَّبَهُ أحمدُ بن حنبلٍ. وتَرَكَهُ يحيَى بنُ مَعِينٍ". • قلتُ: فهل هُناك عالِمٌ ومُنصِفٌ يَعلَمُ أنَّه موقُوفٌ بين يدي الله غدًا، يَرُدُّ قول كُلِّ هؤلاء العُلماء، لقول اثنين: أحدُهما مُتساهلٌ، والآخرُ مُجرَّدُ راوٍ؟! * الثَّانِي: أن شهوَةَ المُعارَضة جَعَلَته يصفُ العُقَيليَّ وابنَ الجَوزِيِّ بأنَّهما لا فِقهَ عندَهُما ولا بَصَرَ إلَّا بالرِّجال فحسبُ، أمَّا الفِقهُ فلهُ وحده ومَن على شاكِلَتِهِ. وسَأُبَيِّنُ لك الآن قدرَ فِقهِهِ!! أمَّا كلامُ العُقَيليِّ فصحيحٌ تمامًا حديثِيًّا وفِقهِيًّا .. أمَّا حديثِيًّا فالأمرُ ظاهرٌ من حال حُسين بن قيسٍ، وقد مَضَى ذِكرُ أقوال العُلماء فيه. والثَّابتُ عن ابن عبَّاسٍ، قال: "صلَّى رسولُ اللّه ﷺ الظُّهر والعصر جميعًا، والمَغربَ والعِشاءَ جميعًا، في غير خَوفٍ ولا سَفَرٍ". قال أبُو الزُّبير: فسألتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ: لم فَعَل ذلك؟ فقال: سألتُ ابنَ عبَّاسٍ كما سألتَنِي، فقال: "أرادَ أن لا يُحرِجَ أحدًا من أُمَّتِهِ". وهذا ثابتٌ عن ابن عبَّاسٍ، ومُعاذ بن جَبَلٍ، وأبي هُريرَةَ، في "صحيح مُسلمٍ" وغيرِهِ. فالحديثُ من مُسنَد ابن عبَّاسٍ، وكلاهُمَا يُعارِضُ الآخرَ بظاهِرِه، فأبان العُقيليُّ عن هذه المُعارَضةِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ جَمَع بين الصَّلوات، وسَنَدُهُ

стр. 1386

أقوَى وأمتَنُ من الحديث الذي يَنهَى عن ذلك. فأين الخطأُ الذي ارتَكَبَهُ العُقيليُّ حتَّى يقول فيه هذا الجَرِيءُ المُعتَدِي على الأئِمَّة "ذاك العُقَيليَّ" احتقارًا له واستِخفَافًا بعلمه؟! أمَّا فِقهيًّا فقد رأيتَ أنَّ مُطلَقَ الجَمع جائزٌ للحاجة، كما وَقَعَ في تعليل ابن عبَّاسٍ: "أراد أن لا يُحرِجَ أحدًا من أُمَّتِهِ". والجَمعُ لغير الحاجَة معصيةٌ كبيرةٌ؛ لأنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، وقد ثَبَتَ في عِدَّة أحاديثَ أن جبريل ﵇ وَقَّتَ للنَّبيِّ ﷺ أوقاتًا للصَّلَوات، مَن جَاوَزَها بغير عُذرٍ فقد ضيَّعَها بلا شكٍّ. والذي جَعَل العُقيليَّ يقول ما قال، أن اللَّفظ الذي وَقَع له ليس فيه ذِكرُ العُذر وهو: "جَمع بين الصَّلاتَين من الكَبائِر"، فَخَشِي العُقيليُّ أن يَتَوَهَّم مُتَوهِّمٌ أن هذا الحديثَ يُعارِضُ الحديثَ الصَّحيح في الجَمع، فقال: "لا أصل له"، يعني: من الصِّحَّة. وذَكَر التِّرمِذِيُّ في "سُننِه" أن الجَمع إمَّا يكونُ في السَّفر أو في عرفة. ورَدَّ عليه النَّوَوِيُّ في "شرح مُسلمٍ" (٥/ ٢١٨ - ٢١٩) قائلًا: "وقد قال التِّرمذِيُّ في آخِر كتابِه: "ليس في كتابي حديثٌ أجمَعَت الأمَّةُ على ترك العَمَل به إلَّا حديثُ ابن عبَّاسٍ في الجَمع بالمَدينة مِن غير خوفٍ ولا مَطَرٍ، وحديثُ قتلِ شاربِ الخَمر في المَرَّة الرَّابعة". وهذا الذي قالَه التِّرمِذِيُّ في حديث شارِب الخَمر هو كما قاله، فهُو حديث منسُوخٌ، دلَّ الإجماعُ على نَسخِهِ. وأمَّا حديثُ ابن عبَّاسٍ فَلَم يُجمِعُوا على ترك العَمَل به، بل لهُم أقوالٌ. مِنهُم مَن تأوَّلَهُ على أنَّهُ جَمَعَ بعُذر المَطَر، وهذا مشهُورٌ

стр. 1387

عن جماعَةٍ مِن الكبار المُتقدِّمين، وهو ضعيفٌ بالرِّوايَة الأخرَى: "مِن غير خوفٍ ولا مَطَرٍ". ومِنهُم مَن تأوَّلَهُ على أنَّه كان في غَيمٍ، فصلَّى الظُّهر، ثُمَّ انكَشَفَ الغَيمُ وبَانَ أن وقت العَصر دخل فصلَّاها، وهذا أيضًا باطلٌ؛ لأنَّه - وإن كان فيه أدنى احتمالٍ في الظُّهر والعصر - لا احتمال فيه في المَغرب والعِشاء. ومِنهُم مَن تأوَّله على تأخير الأُولَى إلى آخِر وقتِها فصلَّاها فيه، فلمَّا فرَغَ منها دَخَلَت الثَّانية فصلَّاها، فصارَت صلاتُهُ صُورةَ جَمْعٍ (١)، وهذا أيضًا ضعيفٌ أو باطلٌ؛ لأنَّه مخُالِفٌ للظَّاهر مُخالَفَةً لا تُحتَملُ، وفِعلُ ابن عبَّاسٍ الذي ذَكَرناهُ حين خَطَبَ واستدلالُهُ بالحديث لِتَصويب فِعلِه، وتصديقُ أبي هُريرَةَ له وعدمُ إنكارِهِ، صريحٌ في ردِّ هذا التَّأويل. ومِنهُم مَن قال: هو مَحمُولٌ على الجَمعِ بعُذر المَرَض أو نَحوِه ممَّا هو في مَعناه من الأعذار، وهذا قولُ أحمدَ بن حنبَلٍ والقاضِي حُسينٍ من أصحابِنا، واختارَهُ الخطَّابِيُّ والمُتوَلِّي والرُّوْيانِيُّ من أصحابِنا، وهو المُختارُ في تأويلِهِ لِظاهِرِ الحديث ولِفِعلِ ابن عبَّاسٍ ومُوافقةِ أبي هُريرَةَ، ولأنَّ المَشقَّة فيه أشدُّ من المَطَر. وذَهَب جماعَةٌ من الأئمَّة إلى جَواز الجَمع في الحَضَر للحاجَةِ لمن لا يتَّخِذُهُ عادةً، وهو قولُ ابن سِيرِينَ وأشهبَ من أصحاب مالكٍ، وحكاهُ الخطَّابِيُّ عن القفَّال والشَّاشِيِّ الكَبير من أصحاب الشَّافِعِيِّ، عن أبي إسحاق المَروَزِيِّ، عن جَماعَةٍ من أصحاب الحَديث، واختَارَه ابنُ المُنذِر، ويُؤيِّدُهُ ظاهِرُ قولِ ابن عبَّاسٍ: "أراد أن لا يُحرِج أُمَّته" فَلَم يُعلِّله بمَرَضٍ ولا غَيرِهِ. والله أعلم" انتهَى.

стр. 1388

وقال الخطَّابِيُّ في "مَعالِم السُّنَن" (١/ ٢٦٥ - ٢٦٦): "هذا الحديثُ لا يقُولُ به أكثرُ الفُقهاء. وإسنادُهُ جيِّد، إلَّا ما تُكلَّم فيه مِن أمر حبيبٍ، وكان ابنُ المُنذِر يقولُ ويَحكيه عن غير واحدٍ من أصحاب الحديث. وسمعتُ أبا بكرٍ القَفَّالَ يحكيه عن أبي إسحاق المَروَزِيِّ. قال ابنُ المُنذِرِ: ولا مَعنَى فيه لحَمل الأمر فيه على عُذرٍ من الأعذار؛ لأنَّ ابنَ عبَّاسٍ قد أَخبَرَ بالعِلَّة فيه، وهو قولُهُ: "أراد أن لا يُحرِج أمَّتَهُ". وحَكَى عن ابن سِيرينَ أنَّه كان لا يَرَى بأسًا أن يَجمَعَ بين الصَّلاتَين إذا كانت حاجةٌ أو شيءٌ ما لم يُتَّخَذ عادَةً. قلتُ: وتأوَّلَهُ بعضُهم على أن يكون ذلك في حال المَرَض، قال: وذلك لما فيه من إرفاق المَريضِ ودَفعِ المَشَقَّة عنه، فَحَملُهُ على ذلك أولَى من صَرفِهِ إلى مَن لا عُذر له ولا مَشقَّة عليه من الصَّحيحِ البَدَنِ المُنقَطِعِ العُذرِ. وقد اختَلَف النَّاسُ في ذلك، فرخَّص عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ للمَريض في الجَمع بين الصَّلاتَين، وهو قولُ مالكٍ وأحمدَ بن حنبلٍ. وقال أصحابُ الرَّأي: يجمَعُ المَريضُ بين الصَّلاتَين، إلَّا أنَّهم أباحُوا ذلك على شَرطِهِم في جَمع المُسافِر بينهما. ومَنَع الشَّافِعِيُّ من ذلك في الحَضر إلَّا للمَمطُور" انتهَى. • قلتُ: والصَّحيحُ الذي يُوافِقُ أصُولَ الشَّريعة هو ما ذَهَب إليه ابنُ سِيرِينَ، أن الجَمع جائزٌ للحاجَة، ما لم يَتَّخِذ ذلك عادةً له، وليس مُقيَّدًا بعُذرٍ من الأعذار؛ إذ أعذارُ النَّاس كثيرةٌ ويَعسُرُ ضبطُها، فإذا لم يَجِد أمامه خيارًا: إمَّا أن يُضيِّع وقتَ الصَّلاة أو يَجمَع، فالجَمعُ أولَى بلا شكٍّ.

стр. 1389

فلو افتَرَضنا أن طبيبًا سيُجري جراحَةً لمريضٍ من بعد صلاة الظُّهر إلى ما قبل مُنتَصَف اللَّيل، فماذا يفعلُ هذا الطَّبيبُ؟ أيُضيِّعُ صلاتي الظُّهر والعَصر أم يَجمعهُما؟ ولا أتصوَّرُ قائلًا يمنعُ الجَمع هنا. والله المُوَفِّقُ. * الثَّالث: أنَّ الغُمارِيَّ زَعَمَ أن العُقيليَّ قال: إنَّ الحديث موضوعٌ، وعبارَتُهُ - أعني الغُماريَّ -: "فهو حُكمٌ مِن كبار الحُفَّاظ، إمَّا بصِحَّتِهِ أو بضَعفِهِ، لا بِوَضعِهِ الذي انفَرَد به العُقَيليُّ وتَبِعَهُ ابنُ الجَوزِيِّ"، فهل قول العُقيليِّ: "لا أصل له" معناه أنَّه موضوعٌ؟ ومَن سبقَ الغُمارِيَّ إلى هذا الفَهم من أهل العِلم؟ ثُمَّ من صَحَّحَهُ من كبار الحُفَّاظ باستثناء الحاكم؟ * الرَّابع: أن قولَ التِّرمذِيِّ: "والعَمَلُ على هذا عند أهل العِلم" هو نفسُهُ قولُ ابن عبد البَرِّ المُتقدِّم: "هذا الحديثُ، وإن كان فيه مَن لا يُحتَجُّ بمِثِلِه، فإنَّ معناه صحيحٌ من وُجوهٍ" .. فمَعنَى قولهِما: إنَّ الحديثَ، وإن لم يَصِحّ لفظًا، فقد صحَّ معنًى لظواهر ومعاني نصوصٍ أُخرى، وليس بشرطٍ أن يأتي دليلٌ خاصٌّ لكلِّ حُكمٍ جُزئِيٍّ. وهذا كثيرٌ في كلامِهِم، خُصُوصًا من تَعانَى الفقهَ منهم. والله أعلم. أمَّا هذا القولُ فقد صحَّ عن أمير المُؤمنين عُمرَ بن الخَطَّاب ﵁ .. فأخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٢/ رقم ٤٤٢٢) عن مَعمَرٍ، عن أيُّوبَ، عن قَتادَةَ، عن أبي العالِية، أن عُمر كَتَب إلى مُوسَى: "واعلَم! أنَّ جَمعًا بين الصَّلاتَين من الكَبائر، إلَّا مِن عُذرٍ".

стр. 1390

وأخرَجَهُ ابنُ أبي شيبةَ في "المُصنَّف" (٢/ ٤٥٩) قال: حدَّثَنا وكيعٌ، ثنا سُفيانُ، عن هشام بن حسَّان، عن رجُلٍ، عن أبي العالِية، عن عُمر، قال: "الجَمعُ بين الصَّلاتَين من غير عُذرٍ من الكَبائر". وأخرَجَهُ البيهَقِيُّ (٣/ ١٦٩) من طريق الحُسين بن حفصٍ، عن سُفيان - هو الثَّوْرِيُّ -، عن سعيدٍ، عن قتادَةَ، عن أبي العالِيةَ، عن عُمر مثلَه. قال البيهَقِيُّ: "قال الشَّافِعِيُّ في "سُنن حَرمَلَة": ليس هذا بثابتٍ عن عُمر. هُو مُرسَلٌ". قال البيهَقِيُّ: "وهو كما قال الشَّافِعِيُّ. والإسنادُ المَشهُورُ لهذا الأثر هو مُرسَلُ أبي العالِية، ولَم يَسمَع من عُمر ﵁. وقد رُوي ذلك بإسنادٍ آخر" … ثمَّ رواهُ البيهَقِيُّ من طريق عبد الرَّحمن بن بشرٍ، ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن يحيى بن صُبَيحٍ، قال: حدَّثَنِي حُميدُ بنُ هلالٍ، عن أبي قَتادَة - يعني: العَدَوِيَّ -، أن عُمر بن الخَطَّاب كَتَب إلى عامِلٍ له: "ثلاثٌ من الكبائر: الجمعُ بين الصَّلاتَين إلَّا في عُذرٍ، والفرارُ من الزَّحف، والنُّهبَى". قال البَيهَقِيُّ: "أبُو قَتادَة العَدوِيُّ أدرَكَ عُمرَ ﵁. فإن كان شهِدَهُ كَتَبَ: فهو موصُولٌ، وإلَّا فهو إذا انضمَّ إلى الأوَّل صار قويًّا" انتهَى. وأخرَجَ ابنُ أبي شَيبَةَ (٢/ ٤٥٩) قال: حدَّثَنا وكيعٌ، ثنا أبُو هلالٍ، عن حَنظَلَة السُّدُوسِيِّ، عن أبي مُوسَى، قال: "الجَمعُ بين الصَّلاتَين من غير عُذرٍ من الكَبائر".

стр. 1391

وفي إسناده ضعفٌ؛ أمَّا أبُو العالِية - واسمُهُ: رُفَيعُ بنُ مِهرَانَ - فقد ذَكَرَ المِزِّيُّ أنَّه أسلَمَ بعد موت النَّبيِّ ﷺ بسَنَتَين، ودَخَل على أبي بكرٍ، وصلَّى خلف عُمر. ولو ثَبَتَ هذا لكان الإسنادُ مُتَّصِلًا على رأي مُسلمٍ، كما قال ابنُ التُّركُمانِيِّ في "الجَوهَر النَّقِيِّ". ولكن وَرَدَت عباراتٌ عن بعض الأئمَّة وحِكايَة عن أبي العالِيةَ بضِدِّ ذلك .. فقد قال عبَّاسٌ الدُّورِيُّ كما في "تارِيخِه" (٢/ ١٦٦) لابنِ معِينٍ: "سمع أبُو العالِيةَ من أبي ذَرٍّ؟ "، قال: "لا" .. وقال شُعبةُ وابنُ معينٍ: "أدرَكَ عليًّا ولم يَسمَع منه" .. ورَوَى شُعبةُ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأبي العالِيةَ: "مَن أكبَرُ مَن لقيتَ؟ "، قال: "أبُو أيُّوب". فعلَّق العَلائِيُّ في "جامع التَّحصيل" (١٩٠) قائِلًا: "وهذا عجيبٌ؛ فقد قالَت حفصةُ بنتُ سيرينَ: قال لي أبُو العالِية: قرأتُ القرآن على عُمرَ ثلاث مرَّاتٍ". • قلتُ: وقد رأيتُه هكذا في "تاريخ دمشق" (٢٠/ ١٣٥) لابن عساكر بإسنادٍ قَوِيٍّ. نعم! رأيتُه عند ابن عساكر (٢٠/ ١٣٧) بسندٍ جيِّدٍ أيضًا، عن أبي العاليةَ، قال: "قرأتُ القُرآن على عهد عُمرَ ثلاث مرَّاتٍ". والفَرقُ بين النَّصَّين كبيرٌ. فَرَجُلٌ مُخَضرِمٌ كيف لا يَسمَعُ مِن مِثل عُمرَ ﵁؟ فالرَّاجح عندي أنَّه سمع منه، ورأيتُهُ نصًّا لعليِّ بن المَدِينِيِّ وذَكَر أبا العالِيةَ - كما في "تاريخ

стр. 1392

دمشق" (٢٠/ ١٣٧) - قال: "أبُو العالِيةَ سمع عُمرَ بنَ الخطَّاب، ومِن عليٍّ، ومن أبي مُوسَى، وابنِ عُمَر". أمَّا قولُ عاصمٍ لأبي العاليةَ: "مَن أكبر من لقيتَ؟ "، قال: "أبو أيُّوب"، فلعلَّ جواب أبي العاليةَ خَرَجَ على اعتبار الزَّمان الذي سألهُ فيه عاصمٌ، لا مُطلَقًا. واللّه أعلم.

стр. 1393

٣٦٥ - سُئلتُ عن حديث: "آكُلُ كما يأكلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرَجَهُ أبو الشَّيخ في "الأخلاق" (٦١٧)، ومن طريقه البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨) قال: أخبرنا أبو يَعلَى، وهذا في "مسنده" (ج ٨/ رقم ٤٩٢٠) قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ بكَّارٍ .. وابنُ سَعدٍ في "الطَّبَقَات" (١/ ٣٨١) قال: أخبَرَنا هاشمُ بنُ القاسم، قالا: أخبَرَنا أبو مَعشَرٍ، عن سعيدٍ المَقبُرِيِّ، عن عائشَة ﵂، قالت: قال رسُولُ الله ﷺ : "يا عائشةُ! لو شِئتُ لسَارَت مَعِي جبالُ الذَّهَب. جاءَنِي مَلَكٌ، إنَّ حُجْزَتَهُ لتُسَاوِي الكَعبَةَ، فقال: إنَّ رَبَّكِ يَقرَأُ عليكَ السَّلامَ، ويقُولُ: إن شئتَ نبيًّا عبدًا، وإن شِئتَ نبيَّا ملِكًا؟ فنَظرتُ إلى جبريلَ ﵇، فأشارَ إليَّ: أنْ ضَعْ نفسَكَ، فقلتُ: نبيًّا عبدًا". قالت: وكان رسُولُ الله ﷺ بعد ذلك لا يأكُلُ مُتَّكِئًا، يقول: "آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ". قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٩/ ١٩): "إسنادُهُ حَسَنٌ". كذا قال! وهو مع ضَعفِ أبي مَعشَرٍ -واسمُهُ نَجِيحٌ-، فهو مُنقَطِعٌ؛ لأنَّ سعيدًا المَقبُرِيَّ لم يسمَع من عائشَةَ ﵂، كما قال أبو حاتمٍ الرَّازِيُّ. واللهُ أعلمُ.

стр. 1394

وأخرَجَه أبو الشَّيخ في "أخلاق النَّبيِّ" (١٤٠)، ومن طريقه البَغَوِيُّ في "شرحِ السُّنَّة" (١١/ ٢٨٧) قال: حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ مُحمَّد بن الحارِثِ، نا سهلُ بنُ عُثمانَ العَسكَرِيُّ، قال: حدَّثَنِي المُحارِبِيُّ، عن عُبَيدِ الله بن الوليد الوَصَّافِيِّ، عن عبدِ الله بنِ عُبيدٍ قال: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بطعامٍ … فَذَكَرَهُ. أخرجَهُ ابنُ المبارَك في "الزُّهد" (١٩٣ - زوائد نعيمٍ). والوَصَّافِيُّ ترَكَه عَمرُو بنُ عَليٍّ الفَلَّاسُ، والنَّسائيُّ، وابنُ حِبَّانَ، وضعَّفَهُ أحمدُ، وابنُ معينٍ، وأبو زُرعَةَ، والدَّارقطنيُّ، وغيرُهُم. فالإسنادُ ضعيفٌ جدًّا. ولَهُ شواهدُ عن جماعَةٍ من الصَّحَابة ﵃. * أولًا: حديثُ جابرٍ ﵁. فأخرَجَه أبو الشَّيخ في "الأخلاق" (٦١٤) قال: حدَّثنا محمَّدُ بنُ عبد الله بن رُسْتَةَ، نا مُحمَّدُ بنُ عُبَيد بن حِسَابٍ، نا حمَّادُ بنُ زَيدٍ، عن سعيدِ بن أبي صَدَقَةَ، عن يَعلَى بن حكيمٍ، عن جابرِ بنِ عبد الله، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما أنا عبدٌ، آكُلُ كما يأكُلُ العَبدُ، وأجلسُ كما يجلس العبدُ". وإسنادُهُ ضعيفٌ؛ لانقطاعه. ويَعلَى بنُ حكِيمٍ لم يُدرِك أحدًا من الصَّحابَة. واللهُ أعلَمُ. * ثانيًا: حديثُ أنَسٍ ﵁. أخرَجَهُ ابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٩٧١) قال: حدَّثَنا الحُسَينُ بنُ

стр. 1395

مُوسَى بن خَلَفٍ، ثنا إسحاقُ بنُ رُزَيقٍ، ثنا إبراهيمُ بنُ سليمانَ الزَّيَّاتُ البَلْخِيُّ، ثنا عبدُ الحكَمِ، عن أنَسٍ، قال: جاء جبريلُ إلى النَّبيِّ ﷺ وهو يأكُلُ مُتَّكِئًا، فقال: "التَّكِأَةُ من النِّعمَة"، فاستَوَى قاعدًا، فما رُؤِيَ بعدَ ذلك مُتَّكِئًا، وقال: "إنَّما أنا عبدٌ، آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ، وأشرَبُ كما يشربُ العبدُ". وإبراهيمُ بنُ سُلَيمانَ الزَّياتُ: تَرجَمَهُ ابنُ عَديٍّ (١/ ٢٦٤)، وقال: "ليسَ بالقويِّ"، وروَى لهُ حديثًا عن الثَّورِيِّ واتَّهَمَهُ بسرقَتِهِ. وتَرجَمَهُ الخَلِيليُّ في "الإرشاد" (ص ٩٢٤)، وقال: "صَدُوقٌ، سمع بالعِراق عبدَ الحَكَمِ صاحبَ أنَسٍ … سألتُ عنهُ الحاكمَ أبا عبدِ الله فقال: "محِلَّهُ الصِّدقُ". وتَرجَمَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٦٥). وذكَرهُ ابنُ أبي حاتِمٍ (١/ ١/ ١٠٣) وقال فيه: "الدَّبَّاسُ" ولم يحك فيه شيئًا. ولَم يتفرَّد بالحديث، فتابعهُ قرَّةُ بنُ حبيبٍ، قال: حدَّثَنا عبدُ الحَكَم، فرواه عن أنَسٍ مثلَهُ. أخرَجَهُ ابنُ شاهينَ في "النَّاسخ والمنسُوخِ" (٦٣٧) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ مَسْعَدَةَ الأصبَهَانِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُحمَّد بن عليٍّ الخُزَاعِيُّ، قال: حدَّثَنا قُرَّةُ بنُ حبيبٍ، قال: حدَّثَنا عبدُ الحَكَم، عن أنَسٍ بهذا. وقُرَّةُ بنُ حبيبٍ ثقةٌ، كان تغيَّر، لكنَّهُ لم يَكُن يُحدِّثُ إلَّا في حُضُور ولَدِهِ. والخُزاعيُّ ترجَمَهُ أبو الشَّيخِ في "الطَّبَقات" (٣/ ٤١٤) وقال: "مِن

стр. 1396

أهل المدينةِ، فانتَقَلَ إلى اليهُودِيَّةِ (١). ثقَةٌ مأمونٌ، عندهُ أحاديث غرائب". والعُهدَةُ في هذا الإسنادِ على عبدِ الحَكَم بنِ عبد الله القَسْمِليِّ صاحبِ أنَسٍ؛ فإنَّهُ مُنكَرُ الحديث، كما قال البُخارِيُّ وأبو حاتِمٍ، وزاد: "ضعيف الحديث"، قال لهُ وَلَدُهُ: "يُكتَبُ حديثُهُ؟ "، قال: "زحفًا". وقال ابنُ السَّعدي: "عامَّةُ حديثِهِ لا يُتابَعُ عليه". فالسَّند ضعيفٌ جدًّا. * ثالثًا: حديثُ ابنِ عُمَرَ ﵄. أخرَجَهُ البزَّارُ (٢٤٦٩ - كشف)، ومن طريقه أبو نُعَيمٍ في "أخبار أصبَهانَ" (٢/ ٢٧٣) قال: حدَّثَنا أحمدُ بنُ المُعلَّى، ثنا حفصُ بنُ عَمَّارٍ الطَّاحِيُّ، ثنا مُبارَكُ بنُ فَضَالَةَ، عن عُبيد الله بنِ عُمَرَ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَر، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّما أنا عبدٌ، آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ". قال البزَّارُ: "لا نعلَمُهُ يُروَى عن رسُول الله ﷺ بإسنادٍ مُتَّصِلٍ عنه، إلَّا من هذا الوجه عن ابنِ عُمَر. ولا رواهُ عن عُبَيدِ الله إلَّا مُبارَكٌ، ولا عنهُ إلَّا حفصُ بنُ عَمَّارٍ، ولم يُتَابَع عليه". • قلتُ: وهذا مُنكَرٌ عن عُبَيدِ الله بنِ عُمَرَ؛ ومُبارَكُ بنُ فَضالَةَ ضعيفٌ مُدَلِّسٌ. والرَّاوِي عنه: حفصُ بنُ عمَّارٍ، ترجَمَهُ ابنُ عَدِيٍّ (٢/ ٧٩٩)، ورَوَى لهُ عِدَّةَ أحاديثَ مَنَاكِيرَ، وقال الذَّهَبِيُّ في "الميزان": "مجهُولٌ".

стр. 1397

وقال الهَيثَمِيُّ (٩/ ٢١): "حفصُ بنُ عُمارَةَ الطَّاحِيُّ لم أعرفهُ. وبقيَّة رجاله وُثِّقُوا". كذا وقع في "المَجمَع": "عُمارة"، والصَّوابُ: "عمَّارٍ"، وكأنَّهُ تصَحَّفَ على الهَيثَمِيِّ، فلذلك لم يعرفه. وأحمدُ بنُ المُعلَّى: هو ابنُ يزيدَ الدِّمَشقِيُّ، مُتَرجَمٌ في "تاريخ ابن عساكر" (٦/ ٨٢ - ٨٣)، ولم يَذكُر فيه شيئًا. وهو من شُيُوخ النَّسائِيِّ، ونَقَلَ الحافظُ في "التَّهذيب" عنه أنَّهُ قال: "لا بأس به". وتعقَّبتُ البَزَّارَ في هذا الحديث في "تنبيه الهاجدِ" (١١٠٩)، ثُمَّ تبيَّنَ لي أنِّي كُنتُ واهمًا في ذلك، فحذفتُهُ، واللهُ يغفِرُ لي. والحديثُ ضَعَّفَهُ العِرَاقِيُّ في "تخريج الإحياء" (٢١٧٤ - المستخرَج منه). ولَهُ طريقٌ آخرُ عن ابن عُمَرَ ﵄. أخرَجَهُ تمَّامٌ الرَّازِيُّ في "الفوائد" (٥٠١) قال: أخبَرَنا أبو القَاسِمِ خالدُ بنُ مُحمَّد بن خالد بن محمَّد بن يحيَى بنِ حَمزَةَ الحَضْرَمِيُّ بِبَيتِ لَهْيَا، ثنا جَدِّي لأُمي أبُو عبدِ الله أحمدُ بنُ مُحمَّد بن يحيَى بن حَمزةَ، ثنا أبو اليَمَانِ الحَكَمُ بنُ نافعٍ، ثنا سعِيدُ بنُ سِنانَ، عن أبي الزَّاهِرِيَّةَ حُدَيرِ بنِ كُرَيبٍ الحَضرَمِيِّ، عن كَثِيرِ بنِ مُرَّةَ الحَضرَمِيِّ، عن عبدِ الله بنِ عُمَرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "مَن لَبِسَ الصُّوفَ، وانتَعَلَ المَخصُوفَ، ورَكِبَ حِمَارَهُ، وحَلَبَ شَاتَهُ، وأَكَلَ مَعَهُ عيَالُهُ، فقد نَحَّى اللهُ عنه الكبرَ. أنا عبدٌ ابنُ عبدٍ، أجلِسُ جِلسَةَ العَبدِ -إنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَطْعَمْ طعامًا إلَّا وهو

стр. 1398

جاثٍ على رُكبَتَيه-. إنِّي قد أُوحِيَ إليَّ: أن تَواضَعُوا، ولا يَبغِي أحدٌ على أَحَدٍ. إنَّ يَدَ الله مبسُوطَةٌ في خلقِهِ، فمن رفَعَ نفسَهُ وَضَعَهُ اللهُ ، ومن وضَعَ نفسَهُ رفَعَهُ الله . ولا يمشِي امرُؤٌ على الأرضِ شبرًا يبتَغِي به سُلطانَ الله إلَّا كبَّهُ الله ". • قلتُ: هذا حديثٌ موضوعٌ؛ وسعيدُ بنُ سنانَ رَمَاهُ الدَّارَقطنِيُّ بوَضعِ الحديث، وتَرَكَهُ غيرُهُ. وأحمدُ بنُ يحيى الدِّمشقِيُّ: قال أبو أحمدَ الحاكِمُ: "فيه نَظَرٌ"، وذَكَرَ لهُ الذَّهَبِيُّ بَواطِيلَ في ترجَمَتِهِ. ولصَدرِهِ في فضل "لُبس الصُّوفِ" شواهدُ باطِلَةٌ، منها: عن أبي هُريرَةَ، عند ابنِ عَدِيٍّ (٤/ ١٦٢٣). وعن السَّائِبِ بن يزيدَ، عند الطَّبَرَانِيِّ في "الكبير" (٦٦٦٨). * رابعًا: حديثٌ عن رَجُلٍ من بني سالمٍ -أو: فَهْمٍ-: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بهديَّةٍ، فَنَظَرَ، فلَم يَجِد شيئًا يَجعَلُها فيه، فقال: "ضَعهُ بالحَضِيضِ، فَإنَّما هو عَبدٌ، يأكُلُ كما يأكُلُ العَبدُ. ولو كانت الدُّنيا تَزِنُ عندَ الله جَنَاح بَعُوضَةٍ، ما سَقَى منها كافرًا شَربَةَ ماءٍ". أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبَة في "كتابِ الزُّهدِ" (١٣/ ٢٢٥ - المصنف) عن عبدِ الله بنِ إدريسَ، عن مُحمَّد بن عُمَر، عن عبدِ الله بنِ عبد الرَّحمن بن مَعمَرٍ، عن رجُلٍ من بنِي سالمٍ -أو: فَهْمٍ- .... ولا يَثبُتُ الحديثُ من هذا الوجه. وقولُهُ: "ضعه بالحَضِيضِ" يعنى بالأرض.

стр. 1399

وقد وجدتُ لهذا القَدرِ من الحديث شاهدًا من حديث أبي هُريرَةَ ﵁، قال: إنَّ رَجُلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ بطعامٍ، فقال: "ضَعهُ بالحَضِيضِ، أو بالأرضِ". أخرَجَهُ البزَّارُ (٢٨٦٩ - كشف)، قال: حدَّثنا سهلُ بنُ بَحرٍ، ثنا عبدُ الله بنُ رُشَيدٍ، ثنا أبُو عُبيدَةَ البصريُّ -واسمُهُ: مُجَّاعةُ-، عن قتادةَ، عن زُرارَةَ، عن أبي هُريرَة. قال البزَّارُ: "قد رواهُ الحَسَنُ مُرسَلًا. ورُوي عن ابنِ عُمرَ. وأظُنُّ أنَّ فيه: فإنَّما أنا عبدٌ، آكُلُ كما يأكُلُ العبدُ". وقال الهَيثَميُّ في "المَجمع" (٥/ ٢٤): "فيه عبدُ الله بنُ رُشيدٍ، ومُجَّاعَةُ أبو عُبَيدَة البَصرِيُّ، ولم أَعرِفْهُما، وبقيَّةُ رجالِهِ ثقاتٌ" انتهى. كذا قال! ومُجَّاعَةُ البَصرِيُّ هذا هو مُجَّاعَةُ بنُ الزُّبَير، يروِي عن ابنِ سِيرِينَ وقتادةَ. قال أحمدُ: "لم يَكُن به بأسٌ في نفسه". وضعَّفَهُ الدَّارَقُطنِيُّ. وقال ابنُ عَدِيٍّ: "هو ممِّن يُحتَمَلُ ويُكتَبُ حديثُهُ". وعبدُ الله بنُ رُشَيدٍ تَرجَمَهُ ابنُ حِبَّانٌ في "الثِّقات" (٨/ ٣٤٣) وقال: "مِن أهل جُنْدَيْسَابُورَ. يَروِي عن مُجَّاعَةَ بنِ الزُّبَيرِ … مُستقِيمُ الحديثِ". أمَّا البَيهَقيُّ فقال في "سُنَنِهِ" (٨/ ١٠٦): "لا يُحتَجُّ به". أمَّا ما أشارَ إليه البَزَّارُ من مُرسَل الحَسَن: فأخرَجَهُ هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ في "الزُهدِ" (٧٩٩)، والحُسينُ المَروَزِيُّ في "زوائده على زُهد ابنِ المُبارَك" (٩٩٥) قالا: ثنا أبو مُعاوِيةَ، عن إسماعيلَ بنِ مُسلمٍ، عن الحسَن، قال: كان رسُولُ الله ﷺ يركَبُ الحِمارَ،

стр. 1400

ويلبَس الصُّوفَ، ويلعَق أصابِعَهُ، ويأكُلُ على الأرض ويقُولُ: "إنَّما أنا عَبدٌ، آكُلُ كَما يأكل العبدُ". وهذا، مع إرساله، لا يصِحُّ إلى الحَسَنِ؛ وإسماعيلُ بنُ مُسلمٍ المَكيُّ ضعيفٌ، أو شِبهُ المترُوكِ. ثمَّ رأيتُهُ في "الزُّهد" (ص ٥ - ٦) للإمام أحمدَ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن ابنُ مَهدِيٍّ، عن جرير بن حازِمٍ، قال: سمعتُ الحَسَن، يقُولُ: كان رسُولُ الله ﷺ إذا أُتيَ بطعامٍ أَمَرَ به فأُلقِيَ علىَ الأرض، وقالَ: "إنَّمَا أنا عبدٌ، آكُلُ كما يأكُلُ العَبدُ، وأجلِسُ كما يجلِسُ العبدُ". وهذا سَندٌ مُرسَلٌ لا بأسَ به. وله شاهدٌ من مُرسَل عطاءِ بن أبي رَباح، قال: دَخَلَ رجُلٌ على النَّبيِّ ﷺ وهو مُتَّكئٌ على وِسادَةٍ، وبين يَدَيهِ طَبَقٌ عليه رَغيفٌ، قال: فَوَضَعَ الرغيفَ على الأرضِ ونحَّىَ الوِسادَةَ، وقال: فذَكَرَ مِثلَه. أخرَجَهُ أحمدُ في "الزُّهد" (ص - ٥) قال: حدَّثنا مُحمَّدُ بنُ يزيدَ الوَاسِطِيُّ، حدَّثَنا عَبدَةُ بنُ أيمَنَ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ به. وعَبدَةُ هذا ما عَرَفتُهُ، وأخشى أن يكُون مُصَحَّفًا. وأخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المصنَّف" (١٩٥٥٤)، ومن طريقه البَيهَقِيُّ في "الشِّعَبِ" (٥٩٧٥) .. وابنُ سَعدٍ في "الطَّبَقات" (١/ ٣٧١) عن ابن المبارك، كلاهما (يعني: عبدَ الرَّزَّاق وابنَ المُبارَك)، عن مَعمَرٍ، عن يحيى بنِ أبي كَثيرٍ، أنَّ رسُول الله ﷺ قال: "آكُلُ كما يأكُلُ العَبدُ، وأجلسُ كما يجلسُ العَبدُ، فإنَّما أنا عبدٌ".

стр. 1401

وكان النَّبيُّ ﷺ يجلِسُ مُحْتَفِزًا. وهذا إسنادٌ مُعضَلٌ. وأخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاقُ (ج ١٠/ رقم ١٩٥٤٣) عن مَعمَرٍ، عن أيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أكَلَ احْتَفَزَ، وقال: "آكُلُ … الخ". وهذا مُعضَلٌ أيضًا. وبالجُملَةِ: فهذا الحديثُ لا يصِحُّ شيءٌ من طُرُقِهِ، إلَّا مُرسَلًا أو مُعضَلًا. واللهُ أعلَمُ. أمَّا قولُهُ في آخِرِ حديث الرَّجُل من بني سالمٍ: "لو كانت الدُّنيَا تَزِنُ عندَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ" .. ، فهو حديثٌ صحيحٌ. أخرَجَهُ مسلمٌ وغيرُهُ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 1402

٣٦٦ - سُئلتُ عن حديثٍ: ورد فيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ رابعُ من يشفعُ يوم القيامة، فهل هذا صحيحٌ، مع أنَّنا نعلمُ أنَّه أوَّلُ من يشفع يوم القيامة؟ • قلتُ: هذا القدرُ من الحديثُ مُنكَرٌ، ولأكثره شواهدُ. يَروِيهِ أبُو الزَّعرَاءِ: ذَكَرَوا عِندَ عَبدِ الله بن مَسعُودٍ ﵁ الدَّجَّالَ، فقَال: تَفتَرِقُونَ أيُّهَا النَّاسُ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرقَةٌ تَتبَعُهُ، وَفِرقَةٌ تَلحَقُ بأَرضِ آبَائِهَا مَنَابِتِ الشِّيْحِ، وَفِرقَةٌ تَأخُذُ شَطَّ هذا الفُراتِ، يُقَاتِلُهُم ويُقَاتِلونَهُ، حتَّى يَجتَمِعَ المؤمِنُونَ بِغَربِيِّ الشَّامِ، فَيَبعَثُونَ إِلَيهِ طَلِيعَةً فِيهِم فارِسٌ على فَرَسٍ أَشقَرَ أو أبلَقَ، فَيُقتَلونَ لا يَرجِعُ إلَيهِم شَيءٌ. قال: وحدَّثَني أبو صَادِقٍ، عَن رَبِيعَةَ بنِ ناجِذٍ، عن عبدِ الله، قال: "فَرَسٍ أَشقَرَ". قال عبدُ الله: "ويَزعُمُ أهلُ الكتَابِ أنَّ المَسيحَ يَنزِلُ، فيَقتُلُهُ -ولم أسمَعهُ يُحدِّثُ عن أهل الكتاب حديثا غيرَ هذا-. ثمَّ يخرُجُ يأجُوجُ ومأجُوجُ، فَيَمُوجُونَ في الأرضِ، فيُفسِدُونَ فيها -ثُمَّ قَرَأَ عبدُ الله:- ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٦]، ثمَّ يَبعَثُ اللهُ عليهِم دابَّةً مثلَ هذا النَّغَفِ، فَتَلِجُ أسماعَهُم ومَنَاخِرَهُم، فيمُوتُونَ، فَتَنتِنُ الأرضُ مِنهُم، فيُرسِلُ اللهُ مَاءً، فيُطَهِّرُ الأرضَ مِنهُم. ثُمَّ يَبعَثُ اللهُ ريحًا فيهَا زَمهَريرٌ باردةٌ، فلا يدَعُ على وجه الأرضِ مُؤمنًا

стр. 1403

إلَّا كَفَتَتهُ تِلكَ الرِّيحُ، ثُمَّ تَقومُ السَّاعَةُ على شِرارِ النَّاسِ. ثُمَّ يقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّمَاء والأرضِ، يَنفُخُ فيه، فلا يَبقَى خَلقٌ في السَّماوات إلَّا مَاتَ، إلَّا مَن شاءَ رَبُّك. ثمَّ يَكونُ بينَ النَّفخَتَينِ ما شاءَ اللهُ أن يكونَ. -قال:- فَلَيسَ مِن بني آدَمَ خَلقٌ إلَّا في الأرضِ منهُ شيءٌ. ثُمَّ يُرسِلُ اللهُ ﵎ من تحتِ العَرشِ ماءً كَمَنِيِّ الرِّجَال، فَتَنبُتُ أجسَامُهُم ولُحَمانُهُم من ذلِكَ كَمَا تَنبُتُ الأرضُ منَ البَذرِ، -ثُمَّ قَرَأَ عبدُ الله:- ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ [فاطر: ٩]. ثمَّ يَقومُ مَلَكٌ بالصُّورِ بينَ السَّماءِ والأرضِ، فَيَنفُخُ فيهِ، فَتَنطَلِقُ كلُّ نَفسٍ إلى جَسَدِهَا حتَّى يَدخُلَ فيه، فيَقومونَ فيُحَيُّونَ تحيَّةَ رجُلٍ واحدٍ قياما لرَبِّ العَالمَينَ. ثمَّ يتَمَثَّلُ اللهُ ﵎ للخَلقِ فَيَلقَاهُم، فلَيسَ أحدٌ منَ الخَلقِ يعبُدُ من دونِ الله شيئًا إلَّا هو مرتَفعٌ لهُ يتبَعُهُ، فيلقَى اليهودَ فَيَقولُ: "ما تَعبدونَ؟ "، قالوا: "نَعبدُ عُزَيرًا"، قالَ: "هل يسُرُّكُمُ الماءُ؟ "، قالوا: "نعم"، فيُريهِم جَهَنَّمَ كَهيئةِ السَّرابِ -ثمَّ قَرَأَ عبدُ الله:- ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا﴾ [الكهف: ١٠٠]، -قال:- ثمَّ يَلقَى النَّصَارَى فيقولُ: "ما تعبُدُونَ؟ "، قالوا: "المسيحَ"، فيقولُ: "هل يَسُرُّكُمُ الماءُ؟ "، قالوا: "نعم"، -قال:- فيُريهِمُ اللهُ جَهَنَّمَ كَهَيئةِ السَّرابِ، وكذلك لمَن كَانَ يَعبدُ من دون الله شيئًا، -ثمَّ قرأ عبدُ الله:- ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: ٢٤].

стр. 1404

حتّى يمُرُّ المسلِمونَ فيَلقاهُم، فيقولُ: "من تعبدونَ؟ "، فيقولونَ: "نَعبُدُ اللهَ لا نُشرِكُ به شيئًا"، فَينتَهرُهُم مرَّةً أو مرَّتَين، فيَقولونَ: "نَعبدُ اللهَ لا نُشرِكُ بِهِ شيئًا"، فَيَقولُ: "هل تَعرِفونَ رَبَّكُم؟ "، فيقولونَ: "سُبِحَانَهُ، إذا اعتَرَفَ لنا عرِفنَاهُ"، فعِندَ ذَلِكَ يُكشَفُ عَن سَاقٍ، فَلا يَبقَى مُؤمنٌ إلَّا خَرَّ لله سَاجِدًا، ويَبقَى المُنَافِقونَ ظُهُورُهم طَبَقًا واحِدًا، كَأنَّما فيهَا السَّفَافِيدُ، فيَقولونَ: "رَبَّنا". فيقُولُ: "قَد كُنتُم تُدعَونَ إلىَ السُّجُودِ وأَنتُم سَالمُون". ثُمَّ يأمُرُ بالصِّراط، فَيُضرَبُ على جهَنَّمَ، فَيَمُرُّ النَّاسُ بأعمَالهِم زُمَرًا، أوائلُهُم كَلَمحِ البَرقِ، ثمَّ كَمَرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمَرِّ الطَّير، ثمَّ كأسرَعِ البهائم. -قال:- ثمَّ كذلك حتَّى يجئ الرَّجُلُ سَعيًا، ثمَّ يجيءُ الرَّجلُ مَشيًا، حتَّى يكونُ آخِرُهُم رَجُلًا يتَلَقَّى على بَطنِهِ، فيَقُولُ: "يا رَبِّ، أبطأتَ بي"، فيقولُ: "إنَّما أَبطَأ بكَ عمَلُك". ثمَّ يَأذَنُ اللهُ في الشَّفاعَة. فيكونُ أوَّلَ شافع يومَ القِيامَةِ جَبْرَئِيْلُ، ثمَّ إبراهيمُ خَليلُ الله، ثُمَّ مُوسى -أو قال: عيسى. قال سَلَمَةُ: لا أدري أيَّهُمَا قال-، ثمَّ يَقومُ نَبِيُّكُم ﷺ رابعًا، لا أحَدًا بَعدَهُ فِيما يُشْفَعُ فيه، وهوَ المَقَامُ المَحمودُ الذي وَعَدَهُ اللهُ: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. فلَيسَ من نَفسٍ إلَّا تَنظُرُ إلى بيتٍ في الجنَّة وبيتٍ في النَّارِ، وهُوَ يومُ الحَسرَةِ، قال: فَيَرَى أهلُ النَّار البيتَ الذي في الجَنَّة فَيُقَالُ: "لو عملتُم! "، ويَرَى أهلُ الجنَّة البيتَ الذي في النَّار، فَيُقَالُ: "لولا أنْ مَنَّ اللهُ عليكُم! ".

стр. 1405

ثمَّ يَشْفَعُ الملائِكَةُ والنَّبيُّونَ والشُّهَداءُ والصَّالحِونَ والمؤمنونَ، فَيُشَفِّعُهُمُ اللهُ، ثمَّ يقولُ: "أنا أرحَمُ الرَّاحمينَ"، فَيُخرِجُ منَ النَّارِ أكثَرَ ممَّا أَخرجَ من جَميعِ الخَلقِ برَحمَتِهِ، حتَّى ما يَترُكُ فيهَا أحدًا فيهِ خَيرٌ -ثمَّ قَرَأَ عبدُ الله:- قل يا أَيُّهَا الكُفَّار ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، -وعَقَدَ بيَدِهِ، قال:- ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٣ - ٤٦]-وَعَقَدَ أربَعًا. وقال سُفيَانُ بيدِهِ: ضَمَّ أربَعَ أصابِعِهِ. ووصَفَهُ أبو نُعَيمٍ، ثمَّ قال: تَرَونَ في هَؤلاءِ أحدا فيهِ خَيرٌ، حتَّى ما يَترُكُ أحَدًا فيهِ خَيرٌ! -. فإذا أرادَ اللهُ أن لا يُخرِجِ منهَا أحدًا غَيَّرَ وجوهَهُم وألوَانَهُم، فيَجيُء الرَّجلُ منَ المؤمنينَ، فَيَشفَعُ، فَيُقَالَ لَهُ: "مَن عَرَفَ أحَدًا فَليُخرِجهُ"، فَيَجيءُ الرَّجُلُ، فيَنظُرُ، فلا يعرفُ أحَدًا، فَيَقولُ الرَّجُلِ للرَجُلِ: "يا فُلانُ! أنا فُلانٌ! "، فَيَقولُ: ما أعرِفُكَ، فَيَقولونَ: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٧]، فَيَقولُ: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨]، -قَالَ:- فإذا قال ذَلِكَ طُبِقَت علَيهِم، فَلَم يَخرُج منهم بَشَرٌ. أخرَجَهُ ابنُ أبي شيبَةَ في "الفتن" (٥/ ١٩١ - ١٩٥ - المصنَّف) قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ نُمَيْر .. والطَّبَرانِيُّ في "الكبير" (ج ٩/ رقم ٩٧٦١)، والعُقَيليُّ في "الضُّعَفَاء" (٢/ ٣١٤ - ٣١٦) عن أبي نُعَيمٍ الفضلِ بن دُكَينٍ .. والحاكمُ في "الفِتَن" (٤/ ٤٩٦ - ٤٩٨ - المُسْتَدرَك)، وفى "الأهوال" (٤/ ٥٩٨ - ٦٠٠) عن الحُسَين بن حفصٍ، قالوا: ثنا سُفيانُ الثَّورِيُّ،
следующие страницы →