شقيقٍ، سمعتُ أبي، يقولُ: أنا أبُو حمزةَ، فذكره. وأثبت ابنُ عديٍّ هذه الزِّيادة أنَّها من حديثِ أبي حَمزة السُّكَّريِّ، فبَرِئَ البزَّارُ من عُهدَتِها" ا. هـ.
• قلتُ: كذا وقع في "اللِّسان": "إسحاق بن أحمد بن مُحمَّد … "، ولعلَّ الصَّواب: "إسحاق بن أحمد، عن مُحمَّد بن عليٍّ … " (١). ومُحمَّد بن عليِّ بن الحسَن بن شقيقٍ وأبُوه من رجال "التَّهذيب". وإسحاق بن أحمد، مِن شُيوخ أبي الشَّيخ الأصبهانيِّ، يَروِي عنه رُسْتَهْ وطَبَقَتُهُ.
وأخرجه أبو الشَّيخ في "الطَّبقات" (٤٢٨)، والبيهقيُّ في "سُنَنه"، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨)، وابنُ عساكر (ج ١٤/ ق ٣٦٩/ ١) من طُرُق عن عبد الله بن عُثمان، ثنا أبُو حمزة السُّكَّريُّ، فذكره.
ولم تَقَع هذه الزِّيادةُ في رِواية الخطيب، ويبدو لي أنَّهُ اختصرها.
فهذا يَدُلُّ على أن البزَّار بريءٌ من هذا الوَهَم. واللهُ أعلَمُ.
فالعِلَّةُ عندي هي مُخالَفةُ أبي حمزةَ السُّكَّريِّ ومَن معه للجَمِّ الغفير مِن أصحاب الأَعمَش؛ فقد رَوَوْا هذا الحديثّ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرة مرفُوعًا بغير هذه الزِّيادة. فمِن هؤُلاء:
"شُعبةُ، والثَّوريُّ، وابنُ عُيَيْنةَ، ومَعمَرُ بنُ راشدٍ، وأبو الأحوصِ، وأبو مُعاوية، وزائدةُ بنُ قُدامة، وحفصُ بنُ غِيَاثٍ، وأبُو عَوانةَ الوضَّاحُ اليَشكُرِيُّ، والأوزاعيُّ، وعيسى بنُ يُونُسَ، وجريرُ بنُ عبدِ الحميد،
стр. 177
وفُضيلُ بنُ عِياضٍ، وسُهيلُ بنُ أبي صالحِ، وشَريكٌ النَّخَعِيُّ، وهُشيمُ ابنُ بَشيرٍ، وصَدَقةُ بنُ أبي عِمران، وأبو الأَشهَب جعفرُ بنُ حَيَّان، وقيسُ ابنُ الرَّبيع، وحمزةُ بنُ حبيبٍ الزَّيَّات، وسلَّامُ بنُ أبي مُطيعٍ، وحَبَّانُ بنُ عليٍّ، وآخَرون".
أَخرَجَهُ أبو داوُدَ في "المسائِل" (ص ٢٩٣)، والتِّرمِذِيُّ (٢٠٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٨٤، ٤٢٤، ٤٦١، ٤٧٢)، والشَّافِعِيُّ في "المُسنَد" (٥٦)، وفي "الأُمِّ" (١/ ١٥٩)، والطَّيَالِسِيُّ (٢٤٠٤)، والحُمَيدِيُّ (٩٩٩)، وعبدُ الرَّزَّاق (١/ ٤٧٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد ابنِ الجَعْدِ" (ج ٢/ رقم ٢٢٠٩)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٥ - ١٦)، والبَزَّارُ في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢، ٥٣)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٧/ ١ - ١٧٣/ ٢ - ٢٦٤/ ٢، وج ٢/ ق ٢١/ ٢ - ٢٤٣/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ١٠٧، ٢١٤، و ٢/ ١٣)، وأبو الشَّيخ في "ذِكر رِواية الأَقرَان" (ق ٣/ ١)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٧/ ٨٧، و ٨/ ١١٨)، وفي "أخبار أَصبَهَانَ" (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠، و ٣/ ١٢٧)، والخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٠١، ٣٨٧، و ٩/ ٤١٣، و ١١/ ٣٠٦)، وابنُ الدُّبَيثِيِّ في "ذيل تاريخ بغداد" (١/ ١٩٥، ١٩٦)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٢/ ٢٧٩)، والبَحِيرِيُّ في "الفوائد" (ج ٢/ ق ٥/ ٢ - ٩/ ٢)، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" (ج ٢/ ل ٨٧)، والخَطَّابِيُّ في "الغريب" (١/ ٦٣٦)، والذَّهَبِيُّ في "مُعجَم شُيوخه الكبير" (ق ١٤١/ ١ - ٢) من طُرُقِ عن الأعمش.
стр. 178
وخالَفَ جميعَ من تقدَّمَ ابنُ نُميرٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: حُدِّثتُ عن أبي صالحٍ -ولا أُراني إلَّا قد سَمِعتُه منه-، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرجه أبو داوُد (٥١٨)، وأحمدُ (٢/ ٣٨٢)، وابنُ خُزَيمَةَ (ج ٣/ رقم ١٥٢٩).
قال ابنُ خُزَيمَةَ: "أَفسَد ابنُ نُميرٍ الخَبَرَ"!
وأخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو موسى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) من طريق شُجاعِ بنِ الوَلِيد، عن الأعمشِ مِثلَه.
وأخرَجَهُ البَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢) من طريق شُجاعٍ، وابنِ نُمَيرٍ معًا، عن الأعمش به.
وتابَعَهُمَا مُحمَّدُ بنُ فُضيلٍ، قال: حدَّثَنا الأعمشُ، عن رجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٥١٧)، وأحمدُ (٢/ ٢٣٢)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣٠).
فأعلَّ جماعةٌ من فُحُول العُلَماء حديثَ الأعمش، عن أبي صالحٍ، بمِثلِ هذه الأسانيد التي وَقَع فيه الواسطةُ بين الأعمش وأبي صالحٍ، وقالُوا: إنَّ الأعمشَ لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ، وإنَّما دَلَّسه.
قال الإمام أَحمدُ: "ليس لِحَديث الأعمش أصلٌ"! نقله عنه أبو داوُد في "المسائل" (ص ٢٩٣).
وقال ابنُ مَعِينٍ في "التَّاريخ" (ق ٧٦/ ٢): "قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: لم يَسمَع الأعمشُ هذا الحديثَ مِن أبي صالحٍ".
стр. 179
ورَوَى أبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١) بسَنَده إلى عليِّ بن المَدِينِيِّ، قال: سمعتُ يحيى بنَ سعيدٍ يقولُ: قال سُفيانُ الثَّورِيُّ: حديثُ "الأعمش عن أبي صالحٍ: الإمام ضامنٌ" لا أُراه سَمِعَهُ من أبي صالحٍ".
وقال ابنُ المَدِينِيِّ: "لم يَسمَعهُ الأعمشُ مِن أبي صالحٍ بيقينٍ! لأنَّه يقول فيه: نُبِّئتُ عن أبي صالح". وكذا أعلَّه البَيهقِيُّ بذات العبارة.
• قلتُ: فالجوابُ الصَّحِيحُ أنَّ الأعمشَ لَمَّا رَوَى الحديث بصيغة "نُبِّئتُ" أَردَفَها بقوله: "ولا أُرَانِي إلَّا قد سَمِعتُه منه"، فهذا ترجيحٌ منه للسَّمَاع. وقد رواه عنه، عن أبي صالحٍ: شُعبةُ بن الحَجَّاج، وهو لا يَحمِلُ عن الأعمش ما دَلَّس فيه، كما هو معلومٌ. وهذا القدرُ كافٍ في دَفعِ هذه العِلَّةِ مِن أساسِها.
فكيف وقد ثَبَت السَّمَاع "بيقينٍ"!!
فقال الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل"، بعد رواية شُجاع بن الوليد الماضيةِ: "لكنَّ هُشَيمًا، وهو فَوقَهُ -أي: فوق شُجاعٍ في الضَّبط-، قد قال فيه: عن الأعمش، قال: ثنا أبُو صالحٍ"، وأَخرَجَ هو هذه الطَّريقَ (٣/ ٥٢).
وقال الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (٣/ ١٧٧/ ١): "وقال إبراهيمُ بنُ حُميدٍ الرُّؤَاسِيُّ، عن الأعمش، عن رَجُلٍ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة. قال الأعمشُ: وقد سمِعتُه من أبي صالحٍ. وقال هُشيمٌ: عن الأعمش، ثنا أبو صالحٍ، عن أبي هُريرَة".
وقد تُوبِع الأعمشُ.
стр. 180
تابعه سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن أبيه، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا فذَكَرَهُ بمثلِه.
أخرجه ابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، وابنُ حِبَّان (٣٦٣)، وابنُ أبي شَيبَة (١/ ٢٢٤)، وأحمدُ (٢/ ٤١٩)، والشَافِعِيُّ في "مُسنَده" (ص ٣٣)، والنِّعَالِيُّ في "جُزء من حَدِيثِه" (ق ٦٦/ ٢)، وابنُ عَدِيٍّ في "الكامل" (٤/ ١٦١١)، والخطيبُ في "تاريخه" (٦/ ١٦٧)، وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ٨/ ق ١٠٨/ ١).
وقد رواه عن سُهيلٍ جماعةٌ، منهم: "عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاقَ، ومُحمَّد ابنُ عمَّارٍ، وشُعبةُ، وإبراهيمُ بنُ مُحمَّد بنِ أبي يَحيىَ، وعبدُ العَزِيز بنُ مُحمَّدٍ الدَّرَاوَردِيُّ".
وتابَعَهُم رَوحُ بنُ القَاسِم فرواه عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرَة به.
أخرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢) قال: ثنا ابنُ أبي دَاوُد، ثنا أُمَيَّةُ بن بِسطامَ، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بنُ القاسم بهذا.
وقد خُولِف ابنُ أبي داوُد.
خالَفَهُ مُعاذُ بن المُثَنَّى، وعبدُ الله بن أيُّوبَ القِرَبِيُّ، قالا: حدَّثَنا أُمَيَّةُ ابنُ بِسطَامَ، حدَّثَنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، ثنا رَوحُ بن القاسم، عن سُهيل بن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة موفُوعًا.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ / ق ٢٦٤/ ٢، و ٢/ ١٤١/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ٢١٤)، ومِن طريقه الخطيبُ في "تاريخه" (٩/ ٤١٣)، لكن سقط ذكر "الأعمش" عنده، والصَّوابُ إثباتُهُ.
стр. 181
• قلتُ: كِدتُ أظُنُّ أنَّ الأعمش سَقَط من السَّنَد في "المُشكِل"؛ لأنَّ النُّسخة كثِيرَةُ السَّقط، لولا أنَّ البَزَّارَ قال في "مُسنَده" (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢): "ورواه رَوحُ بن القاسم، عن سُهيل، عن أبيه".
وابنُ أبي داوُد ثِقَةٌ، وكذلك مُعاذ بن المُثَنَّى. ولكنَّ عبدَ الله بنَ أيُّوبَ متروكٌ، كما قال الدَّارَقُطنِيُّ.
فأمَّا رِواية سُهيلٍ، عن أبيه ..
فقال الحافظُ في "التَّلخيص" (١/ ٢٠٩): "قال ابنُ عبد الهَادِي: أخرَجَ مُسلِمٌ بهذا الإسناد نحوًا مِن أَربعة عَشَر حديثًا".
ولكن أعلَّ ابنُ المَدِينِيِّ هذه المُتابَعَةَ أيضًا، بقوله: "لم يَسمَع سُهيلٌ هذا الحديثَ من أبيه، ولكن سَمِعَه من الأعمش".
ونَقَل البيهقيُّ مِثلَ هذا عن الإمام أحمد.
• قلتُ: فيُشِيرُ الإمامان إلى ما رواه رَوحُ بن القاسم، فيما تَقَدَّم.
وقد تابع ابنَ القَاسِم عليه: الدَّرَاوَردِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ جعفر بن أبي كَثِيرٍ القَارِي، وعبدُ العزيز بنُ أبي حازمٍ، جميعًا عن سُهيلِ بنِ أبي صالحٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ ابن خُزَيمَةَ (ج ٣/ رقم ١٥٢٨)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢١٦/ ٢)، وابنُ المُقرِي في "مُعجَمه" (ج ٦/ ق ١١١/ ٢)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٢)، وأبو الشَّيخ في "ذِكر رِواية الأَقرَان" (ق ٢/ ٢)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨٣)، وأبو مُوسَى المَدِينِيُّ في "اللَّطائف" (ج ١/ ق ٦/ ١، وج ٥ / ق ٦٠/ ١)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٢٨٠٠)،
стр. 182
وفي "السُّنن" (١/ ٤٣٠).
ولكن، يُجَابُ عنه بأنَّ سُهيلًا ثِقَةٌ، من رجال مُسلِمٍ وإن كان أصابَتهُ عِلًّةٌ في آخِر حياتِهِ فَنَسِيَ بعضَ حديثِهِ، إلَّا أنَّه كان مُختصًّا بأبيه. وغيرُ مُستبعَدٍ أن يكون سَمِعَهُ من الأعمش، وسَمِعَهُ من أبيه. ثُمَّ إنِّي لم أر أحدًا اتَّهَمَهُ بالتَّدليس، وهذا يَنفِي التَّخَوُّفَ من عَنعَنَتِه. ثُمَّ فوق ذلك: ما الدَّليل على أنَّه لم يَسمَع هذا الحديثَ مِن أبيه؟ أَلِمُجَرَّد روايته الحديثَ مرَّةً عن الأعمش، عن أبيه، ومرَّةً عن أبيه؟! فهَذِهِ أمارة انقطاعٍ، وليست دليلًا، ومثلُ هذا يَقعُ كثيرًا في أحاديث "الصَّحيحين"، فَضلًا عن غيرِهما.
وقد تُوبِع الأعمشُ، وسهيلٌ على هذا الوجه ..
١ - فرواه أبُو إسحاق السَّبِيعِيُّ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرجه أحمدُ (٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨، ٥١٤)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو عَمرٍو السَّمَرقَندِيُّ في "الفوائد المنتقاة الحِسَان" (ق ٧٢/ ٢)، والبَزَّارُ (ج ٢/ ق ٢٠٤/ ١)، وابنُ الأَعرَابِيِّ في "مُعجَمه" (ج ٦/ ق ١٠٧/ ١)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١/ ق ٢٠٨/ ١)، وفي "الصَّغير" (١/ ٢٦٥)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ٣٤١) من طُرُقٍ عن مُوسَى بن داوُد، عن زُهير بن مُعاوية، عن أبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ به.
قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن أبي إسحاق إلَّا زُهيرٌ، ولا
стр. 183
رواه عن زُهيرٍ إلَّا مُوسى بن داوُد الضَّبِّيُّ".
• قلتُ: زُهير بن مُعاوِيَةَ، ومُوسَى بن داوُد كلاهما من الثِّقات الرُّفَعاء. ولكن، عِلَّةُ هذا الإسناد عِندِي هي أنَّ زُهيرًا كان مِمَّن سَمِع من أبي إسحاق في الاختلاط، كما قال أبو زُرعَة الرَّازِيُّ وغيرُه. ثُمَّ هو مُدَلِّسٌ، ولم يُصَرِّح بتحديثٍ.
قال البَزَّارُ: "وهذا الحديثُ إنَّما يُعرَف من حديث الأعمش، ولا أَحسِبُ أبا إسحاقَ سَمِعَهُ من أبي صالحٍ".
أمَّا الشَّيخُ أبو الأشبال ﵀، فقال في "شرح التِّرمِذِيِّ" (١/ ٤٠٦): "إسنادُهُ لا مَطعَنَ فيه"! كذا قال! ولا يَخفَى ما فيه.
٢ - ويرويه مُحمَّدُ بنُ جُحَادَةَ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ٣٠٩/ ٢)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (١/ ١٢٨ - ١٢٩) من طريق المُنذِر بن الوليد، ثنا أبي، ثنا الحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ، عن مُحمَّد بن جُحَادة فذَكَرَه.
وهذا سندٌ واهٍ؛ والحَسَنُ بنُ أبي جعفرٍ ضَعَّفَه ابنُ المَدِينِيِّ جِدًّا، وأحمدُ، والنَّسَائيُّ. وقال البُخارِيُّ، والفَلَّاسُ: "مُنكَر الحديث"، وزاد الفَلَّاس: "صَدوقٌ". وقال ابنُ مَعِينٍ: "ليس بشيءٍ". فهذا الضَّعفُ ناشئٌ من شِدَّةِ غفلته عن ضبط الحديث.
٣ - ويرويه أبو الهيثمِ الطَّائِيُّ، عن أبي صالحٍ به.
أخرَجَهُ بَحشَلٌ في "تاريخ واسط" (ص ١١٢).
وأبو الهَيثَمِ رجلٌ من أهل الشَّام، لا أعرِفُهُ.
стр. 184
• قلتُ: هكذا رواه الجماعةُ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَةَ.
وخالَفَهُم مُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ، فرواه عن أبيه، عن عائشة مرفُوعًا فذَكَرَه. فجَعَله من: "مُسنَد عائشة".
أخرجه إسحاقُ بنُ رَاهَويهِ في "مُسنَده" (ج ٤/ ق ١٣٢/ ٢)، والبُخارِيُّ في "التَّاريخ الكبير" (١/ ١/ ٧٨)، وأبو داوُد في "المسائل" (ص ٢٩٣)، وأحمدُ (٦/ ٦٥)، وأبو يَعلَى (ج ٨/ رقم ٤٥٦٢)، وابنُ خُزَيمَةَ (٣/ ١٦)، وابنُ حِبَّان (٣٦٢، ٣٦٣)، والطَّحَاوِيُّ في "المُشكِل" (٣/ ٥٣)، وأبو مُحمَّدٍ الفَاكِهِيُّ في "حديثه" (ج ١ / ق ٨/ ١)، والبَيهَقِيُّ (١/ ٤٣١)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ١٩٤)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٤٣٥) من طريق نافع بن سُليمان، قال: حَدَّثني مُحمَّدُ بنُ أبي صالحِ.
قال ابن خُزَيمَةَ: "الأعمشُ أَحفَظُ من مِئتَينِ مِثلِ مُحمَّدِ بنِ أبي صالحٍ". ومقصودُ ابنِ خُزَيمَةَ ﵀ أنَّ الأعمش رَوَى هذا الحديثَ عن أبي صالحٍ، فجَعَلَهُ من: "مُسنَد أبي هُريرَة"، بينما مُحمَّد بن أبي صالحٍ لمَّا رواه عن أبيه جَعَلَه من: "مُسنَد عائشة"، والأعمشُ في الذِّرْوَةِ في الحِفظ، ومُخَالِفُه لا يُعرَف أصلًا، فضلًا عن أن يكون له حِفظٌ.
ولكن، علَّق الشَّيخُ العلَّامةُ ذَهَبِيُّ العَصِر المُعَلِّمِيُّ اليَمانِيُّ على كلام ابن خُزَيمَة، فقال في تعليقه على "مُوضِح الأوهام" (١/ ٢٦٩):
"ولا رَيبَ أنَّ الأعمشَ في نَفسِه إمامٌ حَافِظٌ مُتقِنٌ، لا يُذكَرُ بجنبِهِ مِثلُ مُحمَّدٍ هذا. ولكن، هناك أمرٌ يَظهَرُ أنَّه خَفِيَ على أبي حاتمٍ، وأبي زُرعَةَ، وابنِ خُزَيمَةَ. ذلك، أنَّ الأعمشَ -مع رواية جماعةٍ الحديثَ عنه، عن
стр. 185
أبي صالح، بدون تَصرِيحٍ بالسَّماع- قال مرَّةً: "سمعتُ أبا صالحٍ، أو بَلَغَنِي عنه"، ورواه الأعمشُ مرَّةً، عن رجُلٍ، عن أبي صالحِ. ذَكَر هذين البُخارِيُّ. وقال مرَّةً: "حُدِّثتُ عن أبي صالحٍ". ذَكَرَهُ التًّرمِذِيُّ. فتبيَّنَ أنَّ الأعمشَ جَزَم مرَّتَين بأنَّه سَمِعَهُ من آخرَ، عن أبي صالحٍ، وتشكَّكَ مرَّةً، وكان الغالِبُ يرويه عن أبي صالحٍ، بدون تصريحٍ بالسَّمَاع. والأعمشُ معرُوفٌ بالتَّدليس فيما يتحَقَّقُ عدمَ سماعِه، فما بالُك بما يشُكّ فيه؟ وإذا كان الأمرُ كذلك فلا مَعنَى للمُوازَنَة بين الأعمش ومُحمَّد بنِ أبي صالحٍ، وإنَّما الصَّوابُ المُوازَنَةُ بين رواية الأعمش، عن رجُلٍ لا يُدرَى مَن هُو، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة، وبين رواية نافع ابن سُليمان ذاكَ الحديثَ، عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشة … [ثُمَّ قال:] فأمَّا حُكمُ الحديثِ، فلو صَرَّح الأعمشُ بسماعِهِ من أبي صالحٍ ولم يَأتِ عنه ما يُخالِفُ ذلك لكان صحيحًا، ولكن قد جَاءَ عنه ما عَرَفتَ، فلا يَكُون الحديثُ صحيحًا، ولا حَسَنًا. وكذلك، على قول الجُمهور، لا يكونُ صحيحًا مِن الوجه الآخر؛ لجهالة مُحمَّد بن أبي صالحٍ" ا. هـ.
كذا، انفَصَلَ الشَّيخُ ﵀ على تضعيف الرِّوايَتَينِ معًا، وفي كلامه نَظَرٌ بخُصوص رواية الأعمش؛ ذلك أنَّ الأَعمَشَ قد ثَبَتَ تصريحُهُ بالسَّماع، كما مَرَّ ذِكرُه. فلو جاءت رِوايةٌ أُخرَى عن الأعمش، فيها "بَلَغَنِي"، أو "نُبِّئتُ"، ونحو ذلك من صِيَغ الانقطاع، فماذا يَضِيرُ سماعُه في الرِّواية الأُخرَى؟ فمن المُحتَمَل أن يكون الأعمشُ سَمِع الحديثَ من رَجُلٍ، عن أبي صالحٍ، ثُمَّ لَقِي أبا صالحٍ، وسأَلَهُ عن الحديث، فأخَذَهُ مُشافَهَةً،
стр. 186
فحَدَّث به على السَّماع بعد ذلك، ومِثلُ هذا كثيرٌ ووفِيرٌ، حتَّى في رِواية من عُرِف بالتَّدليس. والله أعلَمُ.
وأعلَّ ابنُ الجَوزِيِّ ﵀ حديث عائشة بقوله: "ليس في أولاد أبي صالحٍ من اسمُهُ مُحمَّدٌ"!
وسبَقَهُ إلى هذا الإنكارِ ابنُ عَدِيٍّ، غير أنَّهُ ساق أقوالًا ..
فقال في "الكامل" (٦/ ٢٢٤٠): "ومُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ يَروِي عن أبيه، عن عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "الإمام ضامنٌ". فهذا الحديثُ لا يَصِحُّ عن النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّ أهل مِصرَ رَوَوهُ عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشة. ورواه سُهيلُ بنُ أبي صالحٍ، عن الأعمش، عن أبي صالحٍ، عن أبي هُريرَة. فالذي صَحَّحَ هذا الحديثَ جَعَلَ مُحمَّدَ بن أبي صالحٍ أخًا لسُهيل بن أبي صالحٍ، فقال: قد اتَّفَقَ سُهيلٌ ومُحمَّدٌ ابنا أبي صالِحٍ جميعًا، عن أبيهِمَا، فقال مُحمَّدٌ: عن عائشة، وقال سُهيلٌ: عن أبي هُريرَة. والذي لم يُصَحِّح هذا الحديث قال: من أين جُعِلَ مُحمَّدُ بنُ أبي صالحٍ أخًا لسُهيل بن أبي صالحٍ، وليس في وَلَدِ أبي صالحٍ من اسمُهُ مُحمَّدٌ؟ إنَّما هو سُهيلٌ، وعَبَّادٌ، وعَبدُ الله، ويحيَى، وصالحٌ بَنُو أبي صالحٍ، ليس فيهم مُحمَّدٌ"ا. هـ.
ومِثلُ هذا البحث مُتعقَّبٌ بما ذَكَرُه أبو داوُد في "كتاب الإِخوَةِ"، وكذا أبو زُرعَة الدِّمَشقِيُّ، وجَزَمَ به ابنُ الصَّلَاح في "المُقَدِّمة" (٣٣٧). وفي "عِلَل الحديث" (ج ١ / رقم ٢١٧) لابن أبي حاتمٍ، قال: "سمِعتُ أبي، وذَكَر سُهيلَ بنَ أبي صالحٍ، وعَبَّادَ بنَ أبي صالحٍ، فقال: هما أَخَوَانِ،
стр. 187
ولا أَعلَمُ لهما أخًا، إلَّا ما رواه حَيْوَةُ بنُ شُريحٍ، عن نافع بن سُليمانَ، عن مُحمَّد بن أبي صالحٍ، عن أبيه، عن عائشةَ، مرفُوعًا … -الحديث-، -قال:- والأعمشُ يَروِي هذا الحديثَ عن أبي هُريرَة. قلتُ: فأيُّهُما أصحُّ؟ قال: حديثُ الأعمش؛ ونافعُ بنُ سُليمان ليس بقويٍّ. قلتُ: فمُحمَّد بنُ أبي صالحٍ أخو سُهيلٍ وعبَّادٍ؟ قال: كذا يَروُونَهُ" ا. هـ.
وقال الشَّيخُ أبو الأشبال في "شرح التِّرمِذِيِّ" (١/ ٤٠٤): "والرَّاجِحُ عِندِي أنَّ مُحمَّد بنَ أبي صالحٍ كان موجُودًا؛ فقد رَوَى في "التَّهذيب" أنَّه رَوَى عَنهُ هُشيمٌ أيضًا. فلم يَنفَرِد نافعُ بنُ سُليمان بالرِّوايَةِ عَنهُ. ولعلَّهُ كان غَيرَ مَشهُورٍ في الرُّوَاةِ، فلذلك خَفِيَ أَمرُهُ على بعض العُلَماء. وقد نَقَلَ في "التَّهذيب" أنَّ ابنَ حِبَّان ذَكَرَهُ في "الثِّقات"، وقال: "يُخطِئُ"، ونَقَلَ فيه، وفي "التَّلخيص" أنَّ ابنَ حِبَّانَ أَخرَجَ حديثَهُ هذا في "صَحِيحِه". ووقُوعُ الخطإِ مِن الرَّاوِي في بَعض رواياتِهِ لا يَمنَعُ إصابَتَهُ فيما لم يُخالِفهُ فيه غيرُهُ، وأَولَى أن يُصِيبَ فيما وَافَق غيرَه فيه" ا. هـ.
• قلتُ: وهذا كلامٌ جَيِّدٌ، ويُضافُ إليه أنَّ مَن عَرَفَ حُجَّةٌ على مَن لم يَعرِف، والمُثبِتُ مُقدَّمٌ على النَّافي.
وقد اختَلَف العُلماء في أيِّهما الرَّاجِحُ: أهو حديثُ أبي هُريرَة، أم حَدِيثُ عائشة؟
فرَجَّحَ البُخارِيُّ حديثَ عائشة، كما نَقَل التِّرمِذِيُّ عنه ..
ورَجَّحَ أبو زُرعَةَ، وابنُ خُزَيمَةَ حديثَ أَبِي هُريرَة -وهو الرَّاجِحُ عِندي-، وصَوَّبَهُ الدَّارَقُطنِيُّ في "العِلل" (ج ٥/ ق ٩٤/ ٢) ..
стр. 188
أمَّا ابنُ حِبَّان، فمال إلى صِحَّة الرِّوايَتَينِ، فقال في "صحيحه": "سَمِع هذا الخبرَ أبُو صالح السِّمَّانُ من عائشة، حَسب ما ذَكَرنَاه. وسَمِعَهُ من أبي هُريرَة. فمرَّةً حدَّث به عن عائشة، وأخرَى عن أبي هُريرَة" ا. هـ.
وكما قُلتُ: إنَّ الرَّاجِحَ حديثُ أبي هُريرَة؛ لقُوَّة طريقه.
وقد رواه عن أبي صالحٍ، عن أبي هُرَيرَةَ جمعٌ، بخلاف حديثِ عائشة.
ولِلحَدِيثِ طريقٌ آخرُ عن أبي هُريرَة.
أخرَجَهُ ابنُ الأَعرَابِيِّ في "مُعجَمه" (ج ٧/ ق ١٤١/ ١) قال: نا الحَسَن ابن مُكرِم، نا أبو مَنصُورٍ الحَارِثُ بن مَنصُورٍ الوَاسطِيُّ، نا عُمَرُ بنُ قيسٍ أخو حُميد بن قَيسٍ المَكِّيُّ، عن عطاءٍ، عن أبي هُريرَة، مرفُوعًا: "الإمامُ ضامنٌ لصلاة القَومِ".
وسَنَدُهُ واهٍ جدًّا؛ وعُمَرُ بنُ قيسٍ المَكِّيُّ تَرَكَهُ أحمدُ، والفَلَّاسُ، والنَّسَائِيُّ، وأبو داوُد، وأبو حاتمٍ، وغَيرُهم. وقال أحمدُ: "ليس يَسوِي حديثُهُ شيئًا. لم يَكُن حديثُهُ بصحيحٍ. أحاديثُهُ بَوَاطِيلُ".
والكلام فيه طويلٌ.
وللحديث شواهدُ، ذَكَرتُها في "جُنَّة المُرتَاب" (ص ٢٦٤ - ٢٧٠).
стр. 189
٤٠ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَرَأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ … الآية﴾ [آل عمران: ١٨]، ثُمَّ قَالَ: وَأَنَا أَشهَدُ بِمَا شَهِدَ اللهُ بِهِ، وَأَستَودِعُ اللهَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ، وَهِيَ لِي عِندَهُ وَدِيعَةٌ. جِيءَ بِهِ يَومِ القِيَامَةِ، فَقِيلَ: عَبدِي هَذَا عَهِدَ إِلَيَّ عَهدًا، وَأَنَا أَحَقُّ مَن أَوفى بِالعَهدِ، أَدخلُوا عَبدِي الجَنَّةَ".
• قلتُ: هذا حديثٌ باطِلٌ.
أخرجه أبو الشَّيخ في "كتاب الثَّوَاب" -كما في "إتحاف السَّادة" (٥/ ١٣٣)، والعُقَيليُّ في "الضُّعفاء" (٣/ ٣٢٥) مِن طريق عمَّار بن عُمَر بن المُختار، قال: ثنا أَبِي، قال: حدَّثَني غالبٌ القَطَّان، عن الأعمش، عن أبِي وائلٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا بهذا اللَّفظ.
وأخرجَهُ الطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١٠/ رقم ١٠٤٥٣)، وابن عديٍّ في "الكامل" (٥/ ١٦٩٣ - ١٦٩٤)، وابنُ عبد البَرِّ في "الجامع" (١/ ٩٩)، والخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٧/ ١٩٣، ١٩٤)، وأبُو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ١٨٧)، والبيهقيُّ في "الشُّعَب" -كما في "الدُّرِّ المنثور" (٢/ ١٢) - مِن طريق عمَّار بن عُمَر بن المُختار، عن أبيه، قال: حدَّثَنِي غالبٌ القَطَّانُ، قال: أَتَيتُ الكُوفة في تجارةٍ، فنَزَلتُ قريبًا من الأعمشِ، فكُنتُ أَختَلِفُ إليه، فلمَّا كان ذاتَ ليلةٍ أرَدتُ أن أنحَدِر إلى البصرة، قام
стр. 190
يتهجَّد من اللَّيل، فمرَّ بهذه الآيةِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ … ﴾ [آل عمران: ١٨]، قالَهَا مرارًا، قُلتُ: لقد سَمِع فيها شيئًا. فغدَوتُ إليه، فودَّعتُه، ثُمَّ قُلتُ: إنِّي سمِعتُك تُردِّدُها اللَّيلةَ. قال: وما بَلَغَك ما فيها؟ -قال:- قلتُ: وأنا عِندَك منذُ سَنةٍ لم تُحدِّثني بها. قال: والله! لا أُحدِّثُك بها سنةً. فكَتَبتُ ذلك اليومَ على بابِهِ، فلمَّا مضت سنَةٌ، قلتُ: يا أبا مُحمَّد! قد تمَّت السَّنةُ. فقال: حدَّثَنِي أبو وائلٍ، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا: "يُجاء بصاحِبِها يوم القِيامة، فَيقُول الله : عَبدِي عَهِدَ إِلَيَّ عَهدًا … الحديث".
وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ وعمَّارُ بن عُمَر، قال العُقيليُّ، بعد أن أَورَد هذا الحديثَ في ترجمته: "لا يُتَابَع على حديثه، ولا يُعرَفُ إلَّا به".
وقال الذَّهَبيُّ في "الميزان" (٣/ ١٦٦): "فيه كلامٌ".
وضعَّفه البَيهقِيُّ.
وأبُوه شَرٌّ منه، قال الذَّهَبيُّ، بعد أن أورَد له هذا الحديث: "والآفَةُ فيه من عُمَر؛ فإنَّهُ مُتَّهمٌ بوضع الحديثِ، قال ابنُ خُطَّافٍ: عُمَرُ مُتَّهَمٌ بالوضع. وصرَّح ابنُ عديٍّ في أوَّل ترجَمَته أنَّه يَروِي البواطيلَ. وقال البَيهقيُّ: عمَّارٌ وعُمَرُ ضعيفانِ، ولَم يأتِ به غيرُهما" ا. هـ.
[تنبيهٌ]
عزَا السِّيوطيُّ هذا الحديثَ في "الدُّرِّ المنثور" (٢/ ١٢) للطَّبرانيِّ في "الأوسط"، ولم أَجِدهُ فيه، فليُحَرَّر.
стр. 191
٤١ - سُئلتُ عن حديث: "الوَلِيمَةُ حَقٌّ، فَمَن لَم يَجِب فَقَد عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ، وَمَن دَخَلَ عَلَى غَيرِ دَعوَةٍ، دَخَلَ سَارِقًا، وَخَرَجَ مُغِيرًا".
• قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ بهذا التَّمَام.
أخرَجَهُ أبو داوُد (٣٧٤١)، والبَزَّارُ (٢/ ٧٧)، وابنُ حِبَّان في "المجروحين" (١/ ٢٩٣ - ٢٩٤)، وأبو بكرٍ الشَّافعيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (ق ٩٣/ ١)، والبَيهقيُّ (٧/ ٢٦٥)، والخطيبُ في "التَّطفيل" (ص: ٧٥) مِن طريق دُرُستِ بن زيادٍ، عن أبان بن طارقٍ، عن نافعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا فذَكَره. وزاد البزَّار: " … وَأَكلَ حَرَامًا".
قال أبو داوُد: "أبانُ بن طارقٍ مجهولٌ".
ولمَّا أخرج ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٨٠ - ٣٨١) هذا الحديث في ترجمة أبان، قال: "وأبانُ بن طارقٍ هذا لا يُعرَفُ إلَّا بهذا الحديث، وهذا الحديثُ معروفٌ به، وله غيرُ هذا الحديث، لعلَّهُ حديثين أو ثلاثةً، وليس له أَنكَرُ من هذا الحديثِ".
أمَّا قولُهُ: "فمن لم يُجِب الدَّعوةَ فقد عصَى اللهَ ورَسُولَه" فصحيحٌ ثابتٌ، أخرَجَهُ الشَّيخان من حديث الأعرج، عن أبي هُريرَةَ موقُوفًا: "شرُّ الطَّعام طعامُ الوليمة؛ يُدعَى إليها الأغنياءُ، ويُترَك المساكينُ. فمن لم يأتِ الدَّعوة فقد عصَى اللهَ ورَسُولَه".
стр. 192
وفي لفظٍ: "بئس الطَّعامُ طعامُ الوليمةِ … ".
وقولُهُ: "فمن لم يأتِ الدَّعوةَ … " له حُكمُ الرَّفع.
وقد رواهُ مالكٌ، ومَعمَرٌ، وسُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن الأعرَج، عن أبي هُريرَة كذلك.
واختَلَفَ الرُّواةُ عن سُفيانَ في رفعِهِ ووقفِهِ.
والرَّفعُ في رواية سُفيانَ صحيحٌ.
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ من رواية سُفيانَ، قال: سمعتُ زيادَ بنَ سعدٍ، يقُولُ: سمعتُ ثابتًا الأعرج يُحدِّثُ، عن أبي هُريرةَ مرفُوعًا فذَكَرَهُ.
[لطيفَةٌ]
أخرَجَ الخطيبُ في "التَّطفيل" (ص ١٣٨ - ١٣٩) عن نصر بنِ عليٍّ أبي عمرٍو الجَهضَمِيِّ، قال: كان لي جارٌ طُفَيليُّ، وكان من أحسَنِ النَّاس مَنظَرًا، وأعذبِهِم منطِقًا، وأطيَبِهِم رائحةً، وأجَملِهِم لباسًا، فكان مِن شأنِهِ أنِّي إذا دُعيتُ إلى مَدعاةٍ تَبعَنِي، فيُكرِمُهُ النَّاسُ من أجلِي، ويظنُّون أنَّه صاحبٌ لي. فاتَّفَق يومًا أنًّ جعفَرَ بنَ القاسمِ الهاشميَّ أميرَ البَصرةِ أراد أن يَختِنَ بعضَ أولادِهِ، فقلتُ في نفسي: كأنِّي برسول الأمير قد جاء، وكأنِّي بهذا الرُّجل قد تبعني، والله! لئن تبعنِي لأفضحنَّهُ. فأنا على ذلك إذ جاء رسولُهُ يدعُونِي، فما زِدتُ على أن لبستُ ثيابِي وخرجتُ، وإذا أنا بالطُّفَيليِّ واقفٌ على باب دارِهِ قد سبقني بالتَّأهُّبِ، فتقدَّمتُ وتَبِعَنِي، فلمَّا دخلنا دار الأميرِ جَلَسنا ساعةً ودُعي بالطَّعام، وحَضَرت الموائدُ، وكان كلُّ جماعةٍ على مائدةٍ لكثرة النَّاس، فقدمتُ إلي مائدةٍ والطُّفيليُّ
стр. 193
معي، فلمَّا مدَّ يدَهُ وَشَرَعَ لتناوُل الطَّعام قلتُ: أخبَرَنا دُرُستُ بنُ زيادٍ، عن أبانَ بنِ طارقٍ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمرَ، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "من دَخَلَ دارَ قومٍ بغير إذنِهِم، فأكَلَ طعامَهُم، دَخَلَ سارِقًا وخَرَجَ مُغِيرًا". فلمَّا سمع ذلك قال: أَنِفتُ لك والله يا أبا عمرٍو من هذا الكلام! فإنَّه ما مِن أحدٍ من الجَماعة إلَّا وهو يظُنُّ أنَّك تُعَرِّضُ به دون صاحبه، أوَلَا تستحيِي أن تتكلَّمَ بهذا الكلامِ على مائِدِةِ سيِّدِ مَن أطعَمَ الطَّعام، وتِبخَلُ بطعام غيرِك على مَن سواك! ثُمَّ لا تستحيِي أن تُحدِّثَ عن دُرُستِ ابن زيادٍ -وهو ضعيفٌ-، عن أبانَ بنِ طارقٍ -وهو مترُوكُ الحديثِ- وتحكمُ برفعه إلى النَّبيِّ ﷺ والمُسلِمون على خِلافِه؛ لأنَّ حُكم السَّارق القطعِ، وحُكمُ المُغيرِ أن يُعزَّرَ على ما يراه الإمامُ، وأين أنتَ عن حديثٍ حدَّثَناه أبو عاصمٍ النَّبيلُ، عن ابنِ جُريجٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "طعامُ الواحدِ يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنينِ يكفي الأربعةَ، وطعامُ الأربعةِ يكفي الثَّمانيةَ"وهذا إسنادٌ صحيحٌ ومتنٌ صحيحٌ. -قال نصرُ بن عليٍّ:- فأفحَمَنِي فلم يحضُرني له جوابٌ، فلمَّا خرجنا من المَوضِع للانصِراف، فارَقَنِي من جانب الطَّريق إلى الجانب الآخَر بعد أن كان يمشِي ورائي، وسمعتُهُ يقولُ:
ومن ظنَّ ممَّن يُلاقِي الحُروبَ … بأن لا يُصابَ، فقد ظنَّ عجزَا!
стр. 194
٤٢ - سُئلتُ عن حديث: "الأَكلُ فِي السُّوقِ دَنَاءَةٌ".
• قلتُ: هذا حديثٌ موضُوعٌ.
أخرجه الطَّبرانيُّ في "الكبير" (٨/ ٢٩٨)، والعُقيليُّ (٣/ ١٩١)، وابنُ عديٍّ (٢/ ٥١٢)، وأبو بكرٍ الشَّافعيُّ في "الغَيلَانِيَّات" (٩٢/ ٢)، وابنُ الجوزيِّ في "الموضوعات" (٣/ ٣٧) من حديث أبي أُمَامَة.
وفي إسنادِهِ كذَّابٌ.
وعند ابن عديٍّ من وجهٍ آخرَ لا يَصحُّ.
وله شاهدٌ عن أبي هُريرَة، أخرجَهُ ابنُ عديٍّ أيضًا.
وهُو باطِلٌ أيضًا.
والحديثُ لا يَثبُت مِن جميع طُرُقه.
قال العُقيليُّ: "لَا يَثبُت في هذا البابِ عن النَّبيِّ ﷺ ".
وعارَضَهُ السَّخاويُّ في "المقاصد"، بحديث ابنِ عُمَر، قال: "كُنَّا نأكُلُ على عهد النَّبيِّ ﷺ ونحن نَمشِي، ونَشرَبُ وَنحنُ قيامٌ".
أخرجَهَ التِّرمذيُّ وصحَّحَهُ، وابنُ ماجَهْ، وابنُ حِبَّان.
стр. 195
٤٣ - سُئلتُ عن حديث: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَمَّن قَرَأَ القُرآنَ مَنكُوسًا، قَالَ: "ذَلِكَ مَنكُوسُ القَلبِ".
• قلتُ: هذا الحديثُ لا أَعلَمُ له أصلًا في المرفُوعِ، إنَّما صحَّ ذلك عن ابن مَسعُودٍ.
أخرجه عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٤/ رقم ٧٩٤٧)، وابنُ أبي شَيبة (١٠/ ٥٦٤)، وأبُو عُبيدٍ في "فضائل القُرآن" (ص ٥٦) من طريق الثَّوريِّ، وأبي مُعاوِية، كلاهُمَا عن الأعمشِ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعُودٍ، أنَّ رَجُلًا جاءَهُ، فقالَ: "يا أبا عبد الرَّحمن! أَرَأَيتَ رجُلًا يَقرَأُ القُرآن منكُوسًا؟ "، قال: "ذَلك مَنكُوس القَلب"، وسَنَدُه صحيحٌ.
стр. 196
٤٤ - سُئلتُ عن حديث: "أَنتُم تُوْفُونَ سَبعِينَ أُمَّةً، أَنتُم خَيرُهَا، وَأَكرَمُهَا عَلَى اللهِ".
• قلتُ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
أخرَجَه التِّرمِذِيُّ (٣٠٠١)، وابنُ ماجَهْ (٤٢٨٧، ٤٢٨٨)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ٢٢١)، وأحمدُ (٥/ ٣، ٥) وعبدُ الرَّزَّاق في "تفسيره" (١/ ٤٥، ١٣٠)، وعبدُ بنُ حُمَيدٍ في "المُنتخَب" (٤٠٩)، وابنُ المُبارَك في "مُسنَده" (١٠٦)، ونُعيمُ بن حمَّادٍ في "زوائد الزُّهد" (٣٨٢)، وابنُ جَريرٍ في "تفسيره" (١/ ٢٠٩، و ٤/ ٣٠)، والرُّويَانِيُّ في "مُسنَده" (ج ٢٧/ ق ١٦٤/ ٢)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكَبير" (ج ١٩/ رقم ١٠١٢، ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥)، وابنُ أبي حاتِمٍ في "تفسيره" (١١٥٦ - آل عمران)، والحاكمُ (٤/ ٨٤)، والبَيهَقِيُّ (٩/ ٥)، وابن عساكر في "تاريخه" (ج ٤/ ق ٤٤٣)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الموضُوعاتِ" (١/ ٣٠)، والبَغَوِيُّ في "تفسيره" (٢/ ٩٠) من طرُقٍ عن بَهزِ بن حكيمٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفُوعًا به.
وهذا حديثٌ طويل السِّياق، ويأتي إن شاء اللهُ تعالى.
وقد فرَّقَه أصحابُ الكُتُب ..
فأخرَجَهُ أبُو داوُد (٢١٤٣، ٢١٤٤)، والنَّسائِيُّ (٥/ ٤ - ٥، و ٨٢ - ٨٣)، والتِّرمِذِيُّ (٢١٩٢، ٢٤٢٤، ٣١٤٣)، وابنُ ماجَهْ (٢٣٤، ٢٥٣٦)، وأحمدُ (٥/ ٣)، وعبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (٢٠١١٥)، والحُسينُ
стр. 197
المَروَزِيُّ في "زوائد الزُّهد" (٩٨٧)، وأسدُ بن مُوسَى في "الزُّهد" (ق ١٢/ ٢)، وابنُ نَصرٍ في "تعظيم قدر الصَّلاة" (٤٠١، ٤٠٢)، وابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٣٨٦ - ٣٨٧)، والطَّبرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ٩٩٩، ١٠٠٠، ص ١٠٠١، ١٠٠٢)، وابنُ عبد البَرِّ في "الاستيعاب" (١/ ٣٢٣) من طرقٍ عِن بهز بن حكيمٍ بهذا الإسناد.
ولم يُورِدهُ أحدٌ تامًّا، بل اقتصر كلُّ مُخرِّجٍ على بعضه.
وعزاه السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ" (٢/ ٦٤) لابن المُنذِر وابن مَردَوَيهِ.
ورواه عن بَهزٍ جماعةٌ من أصحابه، منهم: سُفيانُ الثَّورِيُّ، وابنُ المُبارَك، وحمَّادُ بنُ سلَمة، ومَعمَرُ بنُ راشدٍ، وهَوذةُ بنُ خَلِيفَة، ويزيدُ بنُ هارُون، وابنُ عُلَيَّة، وأبو أُسامَة حمَّادُ بنُ أسامةَ، والنَّضرُ بنُ شُمَيلٍ، وابنُ شَوذَبٍ، وعَدِيُّ بنُ الفَضل، وعُثمانُ بن عُمَر، ويحيى بنُ سعيدٍ، ويزيدُ بنُ زُريعٍ. قال التِّرمِذِيُّ: "هذا حديثٌ حسنٌ"، وهو كما قال.
وقال الحاكمُ: "صحيحٌ الإسناد"، ووافقه الذَّهَبِيُّ.
وقد تُوبِع بهزُ بن حكيمٍ ..
تابَعَهُ الجُرَيرِيُّ، عن حكيم بن مُعاوِية، عن أبيه مرفُوعًا فذَكَره.
أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٣)، وعبدُ بن حُميدٍ (٤١١)، والطَّبَرَانِيُّ (ج ١٩/ - ١٠٣٠)، والرُّوَيانِيُّ (٢٧/ ١٦٥/ ١)، والحاكمُ (٤/ ٨٤).
وأخرَجَهُ ابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمَثانِي" (١٤٧٦)، وفي "الأوائل" (٥٢)، وابنُ أبي داوُد في "البَعث" (٥٢ - بتحقيقي)، وابنُ حِبَّان في "الثِّقات" (٨/ ٣٨٧)، والحاكمُ (٢/ ٤٣٩ - ٤٤٠)، والطَّبَرانِيُّ في "الكَبير"
стр. 198
(ج ١٩/ رقم ١٠٣١) من هذا الوجه ببعضِهِ.
ورواه عن الجُرَيرِيِّ: يزيدُ بن هارُون، وحمَّادُ بن سلَمَة.
وأخرَجَهُ أحمدُ (٤/ ٤٤٦ - ٤٤٧) قال: حدَّثَنا عبدُ الله بنُ الحارثِ، حدَّثَني شِبلُ بنُ عبَّادٍ. وابنُ أبي بُكيرٍ - يعني: يحيى بنَ أبي بُكيرٍ -، ثنا شبلُ بنُ عبَّادٍ المعني، قال: سمعتُ أبا قَزَعَةَ يُحدِّث عَمْرَو بن دينارِ، عن حكيمِ بن مُعاوِية البَهزِيِّ، عن أبيه، أَنَّه قال للنَّبيِّ ﷺ : إِنِّي حَلَفتُ هكذا - ونَشَر أصابع يَدَيه - حتَّى تُخبِرَني ما الذي بعثَك الله ﵎ به.
قال: "بَعثَني اللهُ ﵎ بالإِسلام"، قال: وما الإِسلامُ؟ قال: "شَهادَةُ أن لا إله إلَّا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، وتُقيمُ الصَّلَاةَ، وتُؤتي الزَّكاة، أخَوَان نَصِيرَانِ. لا يقبلُ اللهُ - جلَّ وعزَّ - مِن أحدٍ توبةَ أشرَكَ بعد إِسلامِهِ". قال: قُلتُ: يا رسُول الله! ما حَقُّ زَوجِ أَحَدِنا عليه؟ قال: "تُطعِمُهَا إذا أكلتَ، وتَكسُوهَا إذا اكتَسَيتَ، ولا تَضرِب الوَجهَ، ولا تُقَبِّح، ولا تَهجُر إلَّا في البَيتَ"، ثُمَّ قال: "هاهُنا تُحشَرون، هاهُنا تُحشَرُون - ثلاثًا -، رُكبانًا ومُشاةً وعلى وُجُوهِكم، تُوْفُونَ يوم القيامة سَبعُين أُمَّة. أَنتُم آخِرُ الأُمم وأكرَمُها على الله ﵎، تأتُونَ يوم القِيامة وعلى أَفوَاهِكُم الفِدَامُ، أوّل ما يُعرِبُ عن أحدِكُم فَخِذهُ".
قال ابنُ أبي بُكيرٍ: فأَشَارَ بيده إلى الشَّام فقال: "إلى هاهُنا تُحشَرون". وأخرَجَهُ الطَّبرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١٩/ رقم ١٠٣٨) قال: حدَّثَنا الحُسَين بنُ إسحاقَ التُّستَرِيُّ، ثنا عُثمانُ بنُ أبي شَيتة، ثنا يحيَى بنُ أبي بُكَيرٍ بسَنَده سواء، مِن أوَّل قوله: "ما حقُّ زوجَةِ أحدِنَا عليه؟ "، إلى قولِه: "فخذه".
стр. 199
وأخرَجَهُ أبُو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابة" (٦٠٧٦) من طريق الحارثِ بن أبي أُسامَة، ثنا يحيَى بنُ أبي بُكَيرٍ، بهذا من أوَّله حتى قولِه: "بعد إِسلامِهِ".
وهذا سَنَدٌ حَسَنٌ؛ وشِبلُ بن عبَّادٍ وثَّقَه ابنُ مَعِينٍ، وأبو داوُدَ، والفَسَوِيُّ، وابنُ حِبَّان، والدَّارَقُطنِيُّ. وفَضَّلَهُ أبو حاتِمٍ على وَرقَاءَ بن عُمَر.
وأبو قزعةَ، هو: سُويد بن حُجَيرٍ. ثقةٌ أيضًا.
(تنبيهٌ)
وقع في "المُسنَد": "أبو قَزَعَة يُحدِّث عن عَمْرِو بن دينارٍ"، ولَفظَةُ "عن" مُقحَمَةٌ لا مَعنَى لها. والله أعلم.
وأخرَجَهُ أبو داوُد (٢١٤٢)، وأحمدُ (٥/ ٢، ٣)، وابنُ نَصرٍ في "تعظيم قدر الصَّلَاة" (٤٠٣)، وابنُ حِبَّان (١٦٠)، والحاكمُ (٢/ ١٨٧ - ١٨٨، ٤٤٠)، والطَّبَرانيُّ في "الكَبير" (ج ١٩/ رقم ١٠٣٤، ١٠٣٥، ١٠٣٦)، والبَيهقِيُّ (٧/ ٣٠٥) من طريق حمَّاد بن سَلَمة ..
وأخرَجَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٩١٨٠)، وابنُ نَصرٍ في "تعظيم قدر الصَّلَاة" (٤٠٤)، وابنُ قانعٍ في "مُعجَم الصَّحابَة" (٣/ ٧١)، والطَّبرانِيُّ في "الكَبير" (ج ١٩/ رقم ١٠٣٧) عن حجَّاجٍ البَاهِليِّ ..
وأخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (١٨٥٠)، وأحمدُ (٤/ ٤٤٧)، وابنُ حِبَّان (٤١٧٥)، والطَّبَرانِيُّ في "الكَبير" (ج ١٩/ رقم ١٠٣٩)، والبيهَقِيُّ (٧/ ٢٩٥)، وأبو نُعيمٍ في "معرفة الصَّحابَة" (٦٠٧٧) من طريق شُعبَة بن الحجَّاج ..
стр. 200
ثلاثَتُهم عن أبي قَزَعَة، عن حكِيمِ بن مُعاوِية، عن أبيه مرفوعًا مُفَرَّقًا.
ومحلُّ الشَّاهد عند الطَّبَرانِيِّ (١٠٣٦).
وفي الباب عَن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: قَامَ فِينَا رسُولُ الله ﷺ يومًا بعد العَصر، فصلَّى العَصرَ يومَئذٍ بنَهارٍ، فما ترَكَ شيئًا إِلَى يَومِ القِيَامَةِ إِلَّا ذَكَرَه في مَقامه ذلك، حَفِظَ مَن حَفِظَ، ونسي مَن نَسِي، ثُمَّ قال: "أَلا إِنَّ هذه الدُّنيا حُلوَةٌ خَضِرَةٌ، وإِنَّ الله مُستَخلِفُكُم فيها فنَاظِرٌ كيف تَعمَلُون. أَلا فاتَّقُوا الدُّنيا واتَّقُوا النِّساء"، وذَكَرَ أن لكُلِّ غادرٍ لواءً يوم القيامة بقَدرِ غَدرَتهِ في الدُّنيا، ولا غَدْرَ أكثرُ من غدرِ أمير العَامَّةِ، يُغرَزُ لِوَاؤُهُ عند إسْتِهِ، قال: "ولا يَمْنَعَنَّ أحدًا مِنكُم إن رأي مُنْكرًا أن يُغَيِّرَهُ هَيتةُ النَّاسِ"، فبَكى أبُو سعيدٍ الخُدرِيِّ، وقال: "قد رأينَاهُ فمَنَعَنَا هيبةُ النَّاس أَن نَتكَلَّم فِيهِ". ثُمَّ قال: "وإنَّ بني آدَمَ خُلِقُوا على طبقاتٍ شتَّى، فمِنهُم من يُولَد مؤمنًا، ويحيَى مؤمنًا، ويمُوتُ كافرًا. ومِنهُم من يُولَد كافرًا، ويحيَى كافرًا، ويمُوتُ مؤمنًا". قال: وذَكَر الغَضَب: "فمِنكُم من يكُونُ سريعَ الغَضَبِ، سَرِيعَ الفَيءِ، وإحداهُمَا بالأُخرى. ومنكُم من يكُونُ بطِيءَ الغَضَبِ، بَطِيءَ الفَيءِ، فإحداهما بالأُخرى. وخِيَارُكم من يكُونُ بطِيءَ الغَضَبِ، سَرِيعَ الفَيءِ. وشِرَارُكم من يكونُ سريعَ الغَضَب، بطيءَ الفَيءِ"، وقال: "اتَّقُوا الغَضَب فإنَّهُ جمرةٌ على قلب ابن آدَمَ، ألا ترَونَ إلى انتِفَاخِ أَودَاجِهِ وحُمرَةُ عَينَيهِ، فمَن أَحَسَّ ذلك فليَضطَحع، وليَتَلَبَّدْ بالأَرضِ"، قال: وذكر الدَّينَ، فقال: "مِنكُم مَن يَكُون حَسَنَ القَضاءِ، وإذا كان له، أَفحَشَ في الطَّلَب، فإِحداهُمَا
стр. 201
بالأُخرَى. ومِنكُم من يكُونُ سيِّءَ القَضَاء، وإن كان له أَجمَلَ في الطَّلَب، فإحدَاهُمَا بالأخرَى. وخِيارُكُم من إذا كان عليه الدَّينُ، أَحسَنَ القضاءَ، وإذا كان له، أَجمَلَ في الطَّلَب. وشِرَارُكُم مَن إذا كان عليه الدَّين، أساءَ القَضاءَ، وإن كان لَهُ أَفحَشَ في الطَّلَب"، حتَّى إذا كانت الشَّمسُ على رأس النَّخل وأطراف الحِيطَانِ فقال: "أَمَا إنَّهُ لم يَبقَ من الدُّنيا فيما مَضَى منها إلَّا كما بَقِي مِن يومِكُم هذا. أَلا وإِنَّ هذه الأُمَّةَ تُوفي سبعين أُمَّةً هي آخِرُها وأكَرمُهَا على الله ".
أخرَجَهُ البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٢٣٩ - ٢٤١) من طريق أبي الصَّلت، أخبَرَنا حمَّادُ بن زيدٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أبي نَضرَة، عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ. وقال: "هذا حديثٌ حَسَنٌ".
ثُمَّ أخرَجَهُ في "تفسيره" (٢/ ٩٠ - ٩١)، بمَحلِّ الشَّاهد حسبُ
• قُلتُ: وهذا سندٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وأبو الصَّلت هو: عبدُ السَّلام بن صالحٍ الهَرَوِيُّ: تالفٌ. لكنَّهُ لم يتفرَّد به ..
فتابَعَهُ: عِمرانُ بن مُوسَى، وخالدُ بن خِدَاشٍ، نا حمَّادُ بن زيدٍ، بسَنَده سواء، ولم يَذكُر الشَّاهدَ.
أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٢١٩١).
وأخرَجَهُ ابنُ ماجَهْ (٢٨٧٣، ٤٠٠٠، ٤٠٠٧)،، وابنُ أبي الدُّنيا في "ذَمِّ الدُّنيا" (٦٠) مِن هذا الوجه مُختصَرًا.
ورواه مَعمَرُ بنُ راشدٍ، عن عليِّ بن زيدٍ، بسَنَده سواء بطوله، وفيه الشَّاهدُ.
стр. 202
أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق (ج ١١/ رقم ٢٠٧٢٠)، وعنه أحمدُ (٣/ ٦١).
وتابَعَهُ حمَّادُ بنُ سَلَمة، نا عليُّ بنُ زيدٍ به مُطوَّلًا، دُون الشَّاهد.
أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ١٩)، والطَّيالِسِيُّ (٢١٥٦)، وأبو يَعلَى في "المُسنَد" (ج ٢/ رقم ١١٠١)، والحاكمُ (٤/ ٥٠٥ - ٥٠٦)، والبَيهَقِيُّ في "الشُّعَب" (ج / ١٤ رقم ٧٩٣٦).
وأخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ٧، ٧٠)، والخرَائِطِيُّ في "مَساوِئ الأَخلاق" (٣١٨)، من هذا الوجه مُختصَرًا.
وتابَعَهُ أيضًا سُفيانُ بنُ عُيَينةَ، عن عليّ بن زيدٍ، مثلَ رواية حمَّاد بن سَلَمَة.
أخرَجَهُ الحُمَيدِيُّ في "مُسنَدِه" (٧٥٢).
قال الحاكمُ: "هذا حديثٌ تفرَّد به بهذه السِّياقة عليُّ بنُ زيد بن جُدعانَ القُرَشِيُّ، عن أبي نَضرَةَ. والشَّيخَانِ ﵄ لم يحتَجَّا بعليِّ بن زيدٍ". وقال الذَّهَبِيُّ في "تلخيص المُستدرَك": "ابن جُدعانَ صالحُ الحديثِ".
• قلتُ: قلتُ: لاسيَّما إذا رَوَى عنه حمَّادُ بنُ سلَمَةَ كما هنا. ذكر ذلك أبو حاتِمٍ الرَّازِيُّ في غير موضعٍ من "العلل"، وهذا يُحتَمَلُ لعليِّ بن زيدٍ إذا لم يتفرَّد. ولا أعلَمُ أحدًا تابَعَهُ على هذا السِّياق، والذين رَوَوهُ عن أبي نَضرَة - ذَكَرُوا بعضَهُ. وأكثَرُ فقرات الحدِيثِ لها شواهدُ عدَّةٌ.
والله أعلم.
стр. 203
٤٥ - سُئلتُ عن حديث: "لِكُلِّ شَيءٍ حِليَة، وَحِليَةُ القُرآنِ الصَّوتُ الحَسَنُ".
• قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ.
أخرجه عبدُ الرَّزَّاق (٢/ ٤٨٤)، والبزَّارُ (٢٣٣٥)، وابنُ عديٍّ (٤/ ١٤٥٢)، والقُشَيرِيُّ في "الرِّسالة" (٢/ ٦٤٠) مِن طريق عبد الله بن مُحرَّرٍ، عن قتادة، عن أَنَسٍ.
قال البزَّارُ: "تفرَّد به عبدُ الله بن المُحرَّر، وهو ضَعيف الحديث"، وبه أعلَّهُ شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّة في "الاستقامة" (١/ ٢٩٠)، والهيثميُّ في "المجمع" (٧/ ١٧١).
وله طُرُقٌ أُخرَى، ذَكَرتُ بعضَها في تَحقيقِي لكتابِ "فضائل القُرآن" (ص ٢٧٧) لابن كَثيرٍ، فرَاجِعْه.
стр. 204
٤٦ - سُئلتُ عن: قول المُنذِرِيِّ في "التَّرغيب والتَّرهِيب" (٢٠٩/ ٢)، ما نَصُّه: (قال:) وإِنِّي سَمِعتُه يَقُولُ - يعني النَّبيَّ ﷺ : "مَرَرتُ لَيلَةَ أُسرِيَ بِي بِأَقوَامٍ تُقرَضُ شِفَاهُهُم بِمَقَارِيضَ مِن نَارٍ، قلتُ: مَن هَؤُلَاءِ يَا جِبرِيلُ؟ قَالَ: خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ، الذين يَقُولُونَ مَا لَا يَفعَلُونَ".
رواه البُخارِيُّ ومُسلِم، واللَّفظُ له. ورواه ابنُ أبي الدُّنيا، وابن حِبَّان، والبَيهَقِيُّ، مِن حديث أنسٍ. وزاد ابنُ أبي الدُّنيا، والبَيهَقِيُّ، في رِوايةٍ لهُما: "وَيَقرَءُونَ كتَابَ الله، وَلَا يَعمَلُونَ بِهِ". فقولُ المُنذِرِيِّ: "قال: … "، لا أَعلَمُ قصدَه. ومِن مُسنَد أيِّ صَحابِيٍّ هذا الحديثُ؟ ثُمَّ إِنِّي لم أَجِدهُ في البُخَارِيِّ، ومُسلِمٍ، لا مِن حديثٌ أَنَسٍ، ولا غَيرِه. وهل الحديثُ صحيحٌ؟
• قلتُ: قلتُ: بيان هذا من وُجُوهٍ ..
• الأوَّل: قولُ المُنذِرِيِّ ﵀: "قال: وإنِّي سمِعتُه … الخ"، معناه أن أُسامَة بنَ زيدٍ ﵁ راوي الحديثِ السَّابِقِ هو نَفسُ راوي هذا الحديث. وليس كَذَلكَ.
стр. 205
قال شيخُنَا أبُو عبدِ الرَّحمن الأَلبَانِيُّ - حفظه الله - في "صحيحٌ التَّرغيب" (١/ ١٢٥): "وهذا وَهَمٌ فاحِشٌ، وسبُبُه - فيما أَرَى - اعتمادُ المُؤلِّف ﵀ على حِفظِه، وإملاؤُهُ أحاديثَ الكتاب مِن ذاكرته، دون أن يَرجِع في ذلك إلى أُصُولِه؛ فإنَّ هذا الحديثَ الذي جَعَلَهُ مِن مُسنَد أُسامَةَ بن زيدٍ، همْا وهناك، ليس مِن حديثهِ مُطلَقًا، لا في "الصَّحِيحَين"، ولا في غيرِهِما، وإنَّما هو حديثٌ آخرُ، لا صِلَةَ له بالأوَّل، يرويه أنَسُ بنُ مالكٍ ﵁" انتهَى.
• الثَّاني: قولُهُ: "رواه البُخارِيُّ، ومُسلِم"، يَقصِدُ المُنذِرِيُّ بهذا العزوِ الحديثَ السَّابِقَ على هذا، وهو: عن أُسامةَ بن زيدٍ ﵁، أنَّه سَمِع رسُولَ الله ﷺ ، يقول: "يُجَاءُ بالرَّجُل يوم القِيامَةِ، فيُلقَى في النَّار، فتَندَلِقُ أقتابُهُ، فيَدُورُهَا كَما يَدُورُ الحمارُ بِرَحَاه، فيجتمعُ أهلُ النَّار عليه، فيَقُولُونَ: يا فلانُ! ما شأنُك؟! ألَستَ كُنتَ تأمُرُ بالعروف، وتَنهَى عن المُنكَر؟ فيقولُ: كنتُ آمرُكُم بالمعرُوفِ، ولا آتِيهِ، وأنهَاكُم عن الشَّرِّ، وآتيه".
ومع أنَّ المُنذِرِيَّ قال: "واللَّفظُ للبُخارِيِّ"، فإنَّهُ لم يَأتِ بِلفظِ البُخارِيِّ كما جاءَ فِي "صحيحه"، بل بَدَّل بعضَ الكَلِمات، ونَقَصَ حُروفًا.
فقد أخَرَجَ البُخارِيُّ هذا الحديثَ في مَوضِعَينِ مِن "صحيحه" ..
أوَّلهما - وهو الذي عَنَاهُ المُنذِرِيُّ -: فإنَّه رواه في "بدء الخلْق" (٦/ ٣٣١)، مِن طريق ابن عُيَينَةَ، عن الأعمشِ، عن أبي وائِلٍ، قال: قِيل لأُسامَةَ: لو أَتَيتَ فُلانًا فكلَّمتَهُ؟ قال: إنَّكُم لتَرَونَ أَنِّي لا أُكَلِّمُه إلَّا أُسمِعُكُم، إِنِّي أُكلِّمه في السِّرِّ، دُونَ أن أفتَحَ بابًا لا أَكُونُ أوَّلَ مَن فتحَهُ، ولا أَقُولُ
стр. 206
لِرَجُلٍ - إنْ كان عَليَّ أَمِيرًا - إنَّه خيرُ النَّاسِ، بعدَ شيءٍ سَمِعتُه مِن رسُول الله ﷺ . قالُوا: وما سَمِعتَه يقولُ؟ قال: سَمِعتُه يقولُ: "يجاءُ بالرَّجُل يوم القِيَامَةِ، فيُلقَى في النَّارِ، فتَندَلِقُ أقتابُه في النَّارِ، فيَدُورُ كلما يَدُورُ الحِمارُ برَحَاهُ، فيَجتَمِعُ أهلُ النَّار عليه، فيَقُولُون: أَيْ فُلانُ! ما شأنُك؟! أليس كلنتَ تأمُرُنا بالمعرُوفِ وتنهانا عن المُنكَر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمَعرُوفِ، ولا آتِيهِ، وأنهاكُم عن المُنكَر، وآتِيهِ".
ثانِيهما: أَخرَجَهُ في "كتاب الفِتَن" (١٣/ ٤٨) من طريق شُعبَةَ، عن سُليمانَ: سمعتُ أبا وائلٍ، قال: قِيلَ لأُسامَةَ: ألا تُكَلِّم هذا؟ قال: قد كَلَّمتُه ما دُونَ أن أَفتَحَ بابًا أَكُونُ أوَّلَ من يَفتَحُهُ، وما أنا بالذي أقولُ لرَجُلٍ بعد أن يَكُونَ أميرًا عَلَى رَجُلَينِ أنت خَيرٌ، بعدما سمعتُ من رسُولِ الله ﷺ ، يقولُ: "يجاءُ برجُلٍ، فيُطرَحُ في النَّار، فيَطحَنُ فيها كَطَحنِ الِحَمارِ بِرَحَاهُ، فيُطِيفُ به أهلُ النَّار، فيَقُولُون: أَيْ فُلانُ! ألستَ كنتَ تَأمُرُ بالمعرُوفِ، وتنهَى عن المُنكَر؟ فيقولُ: إنِّي كُنتُ آمرُ بالمعرُوفِ، ولا أَفعَلُه، وأنهَى عن المُنكَر، وأفعَلُه".
وأخرَجَهُ مُسلِمٌ (٢٩٨٩/ ٥١)، وأبو عَوَانَةَ في "الرِّقاق" - كما في "إتحاف المَهَرَة" (١/ ٣٢٠) -، وأحمدُ (٥/ ٢٠٥، ٢٠٧، ٢٠٩)، والحُمَيدِيُّ (٥٤٧)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد أُسامةَ بن زيدٍ" (٥٣، ٥٤)، والطَّبَرَانِيُّ في "الكبير" (ج ١/ رقم ٣٩٥، ٤٠٢)، والبَيهَقِيُّ في "الكُبرَى" (١٠/ ٩٤ - ٩٥)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٧٥٦٨)، والخَطِيبُ في "اقتضاء العِلمِ العَملَ" (٤٧)، والبَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (١٤/ ٣٥١ - ٣٥٢)،
стр. 207
وابنُ جَمَاعَةَ في "مَشيَخَته" (١/ ٢٤٥ - ٢٤٦) من هذا الوجه.
وتُوبع الأعمشُ ..
تابعه مَنصُورُ بن المُعتَمِر، عن أبي وائلٍ بهذا.
أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٠٩).
وتابَعَهُ أيضًا عاصمُ بن بَهدَلَةَ.
أخرَجَهُ أحمدُ (٥/ ٢٠٦)، وأبو القاسم البَغَوِيُّ في "مُسنَد أُسامةَ" (٥٢) مِن طريق حمَّاد بن زَيدٍ، عن عَاصمِ بن بَهدَلَةَ.
وسَنَدُهُ حَسَنٌ.
وتابَعَهُم أيضًا حَبِيبُ بنُ أبي ثابتٍ، عن أبي وَائلٍ نحوَهُ.
أخرَجَهُ أبو نُعَيمٍ في "الحِليَةِ" (٤/ ١١٢) مِن طريق ابن خُزَيمَةَ، قال: ثنا أبو غَسَّانَ مَالِكُ بن الجلِيلِ الأَزدِيُّ، ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، عن شُعبةَ، عن حَبِيبِ بن أبي ثابتٍ به.
قال أبو نُعيمٍ: "غَرِيبٌ مِن حديثٌ شُعبةَ، عن حَبيبٍ. مَشهُورٌ مِن حديثٌ الأعمشِ وغيرِهِ، عن شَقِيقٍ".
• قلتُ: قلتُ: وهذا سَنَدٌ قوِيٌّ، وأبو غَسَّانَ وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال النَّسَائِيُّ، ومَسلَمَةُ بنُ قاسم: "لا بأس به".
• الوجه الثَّالِث: أن حديثَ أَنسٍ صحيحٌ، ولَهُ عَنهُ طُرُقٌ:
يرويه عليُّ بنُ زيدِ بن جُدعَانَ، عن أنَسٍ مرفُوعًا، وفيه: "قُلتُ: مَن هؤلاء يا جِبرِيلُ؟ قال: خُطباءُ أُمَّتِك، الذين يَأمُرُونَ النَّاس بِالبِرِّ، وَينسَونَ أنفُسَهُم، وهُم يَتلُونَ الكِتابَ، أفلا يَعقِلُون؟! ".
стр. 208
أخرَجَهُ أحمدُ (٣/ ١٢٠، ١٨٥، ٣٢١، ٢٣٩ - ٢٤٠)، وفي "الزُّهد" (٤٥)، ووَكِيعٌ (٢٩٧)، وابنُ المُبارَك (٨١٩)، كلاهما في "الزُّهد"، والطَّيَالِسِيُّ (٢٠٦٠)، وابنُ أبي شَيبَةَ (١٤/ ٣٠٨)، وعَبدُ بنُ حُمَيدٍ (١٢٢٢)، والبَزَّارُ (ج ٤/ رقم ٣٣٢١)، وابنُ أبي الدُّنيَا في "الصَّمت" (٥٠٩)، وابنُ مَردَوَيِه في "تفسيره" - كما في "ابن كَثِيرٍ" (١/ ١٢٢) -، والخطيبُ في "تَارِيخه" (٦/ ص ١٩٩، ٢٠٠)، وفي "المُوضِح" (٢/ ١٧٥) من طُرُقٍ عن حَمَّاد بن سَلَمَةَ، عن عليِّ بن زَيدٍ به.
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ، لكنَّهُ مُقارِبٌ.
وحمَّادُ بنُ سَلَمَةَ كان مِن أَثبَتِ النَّاس في حديثٌ عليّ بن زَيدٍ، كما قال أبو حاتمٍ، وأبو زُرعَةَ، وغيرُهُما.
ولكن، خَالَفَهُ عُمَرُ بن قَيسٍ، فرواه عن عليّ بن زَيدٍ، عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ مرفُوعًا به.
فزَادَ: "ثُمامَةَ" في الإسناد.
أخرَجَهُ ابنُ مَردَوَيهِ في "تَفسِيره" - كما في "ابن كَثِيرٍ" (١/ ١٢٢) - مِن طريق إِسحَاقَ بن إبراهيم التُّستَرِيِّ، حدَّثَنا مَكِّيُّ بنُ إبراهيم، حدَّثَنا عُمَرُ بنُ قيسٍ.
ورِوايةُ حمَّادٍ أرجَحُ؛ لِمَا قدَّمنَاهُ.
وقد توبِع عليُّ بن زيدٍ في روايته عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ ..
تابَعَهُ مالِكُ بن دينارٍ، عن تمامَةَ، بسَنَدِه سواء.
أخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "الشُّعَبَ" (ج ٤/ رقم ١٦٣٧)، والخطيبُ في "الاقتضاء"
стр. 209
(١١١) مِن طريق صَدَقَةَ بن مُوسَى، والحسَنِ بن أبي جَعفَرٍ، قالا: حدَّثَنا مالِكُ بنُ دينارٍ، عن ثُمامَةَ بن عبد الله، عن أنَسٍ.
وصَدَقَةُ، والحَسَنُ ضعيفان.
لكن، تابَعَهُمَا المُغِيرَةُ بن حَبيبٍ، عن مالِكِ بن دينارٍ، عن ثُمامَةَ، عن أنَسٍ.
أخرَجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ في "تفسيره" (٤٧٦)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٦/ ٢٤٩) مِن طريق حجَّاج بن يُوسُفَ الشَّاعِرِ، ثنا سَهلُ بن حمَّادٍ أبو عَتَّابٍ، قال: حدَّثَنِي هِشَام الدَّسْتُوَائِيُّ، عن المُغِيرَة بن حَبِيبٍ به.
وسَهلُ بنُ حمَّادٍ لا بأس به، صَدُوق.
ولكن، خالَفَهُ يزيدُ بنُ زُرَيعٍ - وهو ثِقَةٌ ثَبتٌ حافظٌ -، فرواه عن هِشامٍ الدَّستُوَائِيِّ، عن المُغِيرة بن حَبيبٍ، عن مالِكِ بن دينارٍ، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى (ج ٧/ رقم ٤١٦٠)، وابنُ حِبَّان (ج ١٠/ رقم ٥٣)، والطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١ ق ٢/ ١٦٥)، وأبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٢/ ٣٨٦، و ٦/ ٢٤٨ - ٢٤٩)، كُلُّهم من طريق مُحمَّدِ بن المِنهَال، ثنا يزيدُ بنُ زُرَيع بهذا الإسناد.
قال الطَّبَرَانِيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن المُغِيرة، عن مالِكٍ، إلَّا هِشَام".
وقال أبو نُعَيمٍ: "تَفَرَّد به يزيدُ بن زُرَيعٍ، عن هِشامٍ".
• قلتُ: وهو ثِقَةٌ ثَبْتٌ، كما مرَّ، فرِوَايَتُهُ أولَى. لكن في السَّنَد المُغِيرةُ بنُ حبيبٍ، ذَكَرَهُ ابنُ حِبَّانَ في "الثّقَات" (٧/ ٤٦٦)، وقال: "يُغرِبُ". وتَرجَمَهُ ابن أبي حاتمٍ (٤/ ١/ ٢٢٠ - ٢٢١)، ولم يَحْكِ فِيهِ جَرحًا ولا
стр. 210
تَعدِيلًا. وقال الأَزدِيُّ: "مُنكَر الحديث".
لكنَّهُ تُوبِع.
تابعه إبراهيمُ بن أَدهَم، ثنا مالِكُ بن دِينارٍ به.
أخرَجَهُ أبو نُعَيم في "الحِليَةِ" (٨/ ٤٣ - ٤٤) من طريق مُحمَّد بن مُصَفَّى، حدَّثَنا بَقِيَّة، حدَّثَنا إبراهيمُ بنُ أَدهَمَ، حدَّثَنا مالِكُ بنُ دِينارٍ، عن أنَسٍ.
قال أبو نُعيمٍ: "مَشهُورٌ من حديث مالِكٍ، عن أنَسٍ. غَرِيبٌ مِن حديثٌ إبراهيمَ، عنه".
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ، وابنُ مُصَفَّى، وبَقِيَّةُ صَرَّحَا بالتَّحديث.
وله طريقٌ آخرُ عن أنَسٍ ﵁.
أخرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ في "الأوسط" (ج ١/ رقم ٤١٣)، وعنه الضِّيَاءُ في "المُختارَة" (ق ١٢٧/ ٢) من طريق عبد الله بن جَعفَرٍ الرَّقِّيِّ، قال: حدَّثَنا عِيسَى بنُ يُونُسَ، عن سُليمَانَ التَّيمِيِّ، عن أنَسٍ مرفُوعًا بنَحوِهِ.
قال: "ولم يَروِ هذا الحديثَ عن سُليمَانَ، إلَّا عِيسَى بنُ يُونُس".
• قلتُ: كذا! ولم يتفَرَّد به عِيسَى بنُ يُونُسَ، كما يأتي ذِكرُهُ إن شاء الله تعالى.
وعبدُ الله بنُ جعفرٍ الرَّقِّيُّ صَدُوقٌ، إلَّا أنَّه كان تَغَيَّرَ، ولم يَكُن اختلاطُهُ فاحشًا، كما قال ابنُ حِبَّان.
ورواه عبدُ الله بنُ المُبارَك، عن سُليمانَ التَّيمِيِّ، عن أنَسٍ.
أخرَجَهُ أبو نُعيمٍ في "الحِلية" (٨/ ١٧٢ - ١٧٣) مِن طريق مُحمَّد بن
стр. 211
عَلُّوْيَةَ المِصِّيصِيِّ، ثنا يُوسُف بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ، ثنا عبدُ الله بنُ مُوسَى، ثنا ابن المُبارَك به.
قال أبو نُعيمٍ: "مَشهُورٌ مِن حديثٌ أنَسٍ، رواه عَنهُ عِدَّةٌ. وحديث سليمانَ عَزيزٌ".
• قلتُ: وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ.
ومُحمَّدُ بن عَلُّوْيَةَ هو أبو عبد الله التَّيمِيُّ الفَقِيهُ الجُرجَانِيُّ. تَرجَمَهُ السَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجَانَ" (ص ٣٨٩)، وهو مِن مشايخ الإِسمَاعِيليِّ، رَوَى عنه حديثًا في "مُعجَمه" (ق ٣٧/ ٢). وكان مِن أَئِمَّة الشَّافِعيَّة في عَصرِه، كما قال السَّمعَانِيُّ في "الأنساب" (٤/ ٢٣٥)، وتَفَقَّه على المزنِيِّ، ورَوَى عنه أبو حامِدٍ بنُ الشَّرقِيِّ.
ويُوسُفُ بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ ثِقَةٌ، من شُيوخ النَّسَائِيِّ.
وعبدُ الله بنُ مُوسَى. كذا وقع في "الحِلية"، وصوابُه عِندِي عُبَيدُ الله، وهُو من شُيوخ يُوسُفَ بن سعيدٍ، وهو ثِقَةٌ.
وبَقِيَّةُ رجال الإسناد أَئِمَّةٌ معرُوفُونَ.
وتابَعَهُ مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ، عن أبيه، عن أنَسٍ به.
أخرَجَهُ أبو يَعلَى. (ج ٧/ رقم ٤٠٦٩)، وعنه الضِّياءُ في "المُختارَة" (ق ١٢٧/ ٢) حدَّثَنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، ثنا مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ به.
ونَقَلَ الضِّياءُ عن الدَّارَقُطنِي قولَهُ: "تفرَّدَ به مُعتَمِرٌ، عن أبيه" كذا! وليس كما قال؛ وقد مَرَّت بك المُتابَعاتُ. وقد تعقَّبَهُ الضِّياءُ بقوله: "بَانَ بِرِوَايَةِ عيسى - يعني: ابنَ يُونُسَ - أنَّه لم يَتَفرَّد به مُعتَمِرٌ".
стр. 212
وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ، وإسحاق بن أبي إِسرَائِيلَ ثقةٌ.
وله طريقٌ آخرُ عن أنَسٍ ﵁ ..
أخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥٧٠ - بتحقيقي)، والبَزَّارُ (٣٣٢٢ - زوائده) مِن طريق جَعفَرِ بن سُلَيمَانَ، عن عُمَرَ بن نَبهَانَ، عن قَتَادة، عن أنَسٍ مرفُوعًا.
قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ رواه عن أنَسٍ، عن قَتادَةَ، إلَّا عُمَرُ بنُ نَبهَانَ، ولا رواه إلَّا جَعفَر".
• قلتُ: وابنُ نَبهَانَ ضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وابنُ حِبَّان، وغيرُهُم. وقال ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ أُخرَى: "صالحٌ".
وأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير"، وعنه أبو نُعَيمٍ في "الحِليَة" (٢/ ٧)، مِن طريق زَيدِ بن الحَرِيشِ [ووقع في الحِلية: يَزِيدُ، وهو تصحيفٌ]، ثنا عبدُ الله بن خِرَاشٍ، عن العَوَّام بن حَوشَبٍ، عن المُسَيَّبِ بن رَافِعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "مَن دَعَا النَّاس إلى قولٍ أو عَمَلٍ، ولم يَعمَل هُو به، لم يَزَل في سَخَطٍ من الله حتَّى يَكُفَّ، أو يَعمَلَ بما قالَ أو دَعَا إِلَيهِ".
قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٧/ ٢٧٦): "فيه عبدُ الله بنُ خِرَاشٍ، وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال: "يُخطِئُ"، وضعَّفَه الجُمهورُ. وبقيَّة رجالِهِ ثقاتٌ".
• قلتُ: وسَنَدُهُ واهٍ جِدًّا؛ وعبدُ الله بن خِرَاشٍ رماه مُحمَّدُ بن عَمَّارٍ المَوصِليُّ بالكَذِب. وقال السَّاجِيُّ: "ضعيفُ الحديث جِدًّا. ليس بشيءٍ. كان يَضَعُ الحديثَ". وقال البُخارِيُّ: "مُنكَرُ الحديث". وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بثِقةٍ". وقال الحافظُ في "التَّقريب": "ضعيفٌ"، وهو تَسَاهُلٌ،
стр. 213
وكان حَقُّهُ أن يقولَ: ضعيف جدًّا، لاسِيَّما وقد ذَكَرَ كلمةَ ابن عمَّارٍ، ولم يَتعَقَّبهُ. والله أعلم.
أمَّا قَولُ الهَيثَمِيِّ: "وبقيَّةُ رجاله ثِقاتٌ" فمتعقَّبٌ بأنَّ زيدَ بن الحَرِيشِ الأَهوَازِيَّ قال ابنُ القَطَّانِ: "مجهولُ الحال". وذكرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات"، وقال: "يُخطِئُ".
(تنبيهٌ)
لحديث أُسامَةَ بن زيدٍ الفائتِ شاهدٌ عن أبي أُمَامَةَ، رضي الله عن الجميع.
أخرَجَهُ أبو القاسم الأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغِيبِ" (٢١٣٦) من طَرِيقِ ابن أبي عَاصِمٍ، قال: حدَّثَنا الحسَن بن عليٍّ، حدَّثَنا خَازِمُ بنُ خزَيمَةَ، ثنا عُثمانُ بنُ عَمرٍو القُرَشِيُّ، عن مَكحُولٍ، عن أبي أُمامَة ﵁ مرفُوعًا: "يُجاءُ بالعالِم السُّوءِ يوم القِيَامَةِ، فيُقذَفُ في جهنَّمَ، فيَدُورُ بِقُصْبِهِ - قلت: وما قُصْبُهُ؟ قال: أمعاؤُه - كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحَى، فيُقالُ: يا وَيلَهُ! بما لاقَيتَ هذا، وإنَّما اهتَدَينَا بك؟! قال: كُنتُ أُخَالِفُكُم إلى ما أنهاكم عنه".
• قلتُ: وسَنَدُهُ ضعيفٌ؛ وخَازِمُ بنُ خُزيمة قال السُّلَيَمانِيُّ: "فيه نَظَر".
وضعَّفَهُ السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" (١/ ٦٥).
وانظُر الحديثَ رقمَ (٣٦٣).
стр. 214
٤٧ - سُئلتُ عن: مَن خرَّج هذا الحديثَ غير الإمام البُخاريِّ، مع ذِكر الكُتب التي شرحته. وهذا الحديث يروِيه ابنُ عبَّاسٍ، قال: "طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَاستَلَمَ الرُّكنَ بِالمِحجَنِ".
• قلتُ: أخرج هذا الحديثَ أيضًا مُسلِمٌ (١٢٧٢)، وأبُو داوُد (١٨٧٧)، والنَّسائيُّ (٥/ ٢٣٣)، وابنُ ماجَهْ (٢٩٤٨)، وابن خُزَيمة (٤/ ٢٤٠)، وابن الجارُود في "المُنتَقَى" (٤٦٣)، والبيهقيُّ (٥/ ٩٩) من طريق يُونُسَ بن يزيدَ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاسٍ.
وتابعه ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ به.
أخرجه الشَّافعيُّ (٢/ ٤٤)، ومِن طريقه البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٧/ ١١٦).
ولَهُ طُرُقٌ أُخرَى، عن ابن عبَّاسٍ، عند التِّرمذيِّ (٨٦٥)، وقال: "حَسَنٌ صحيحٌ"، وأحمدَ (١/ ٢١٤ - ٢١٥، ٢٣٧، ٢٤٨، ٣٠٤)، وغيرِهُم.
ويُرجَعُ إلى شُروح بعضِ الكُتُب التي ذكَرتُها، مثل "شرح مُسلمٍ" للنَّوويِّ، وكذلك شرحُ أبي عبد الله الأُبِّيِّ له. وأمَّا أبو داوُد، فيُرجَج إلى
стр. 215
شُروحه مثل "معالم السُّنَن" للخطَّابيِّ، و "عون المعبود"، و "بذل المجهود"، و "المَنهَل العذب المورود" وتتمَّتُه. وأمَّا التِرمذيُّ، فيُرجَع إلى شُروحه مِثل "عارضَة الأَحوَذِي"، و "تُحفَة الأَحوذي"، و "معارف السُّنَن"، و "الكوكب الدُّرِّيِّ".
واللهُ الموَفِّق.