← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 908

إسعاف اللبيث بفتاوى الحديث

أبو إسحق الحويني

Полный текст (1 434 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

عَلُّوْيَةَ المِصِّيصِيِّ، ثنا يُوسُف بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ، ثنا عبدُ الله بنُ مُوسَى، ثنا ابن المُبارَك به. قال أبو نُعيمٍ: "مَشهُورٌ مِن حديثٌ أنَسٍ، رواه عَنهُ عِدَّةٌ. وحديث سليمانَ عَزيزٌ". • قلتُ: وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ. ومُحمَّدُ بن عَلُّوْيَةَ هو أبو عبد الله التَّيمِيُّ الفَقِيهُ الجُرجَانِيُّ. تَرجَمَهُ السَّهمِيُّ في "تاريخ جُرجَانَ" (ص ٣٨٩)، وهو مِن مشايخ الإِسمَاعِيليِّ، رَوَى عنه حديثًا في "مُعجَمه" (ق ٣٧/ ٢). وكان مِن أَئِمَّة الشَّافِعيَّة في عَصرِه، كما قال السَّمعَانِيُّ في "الأنساب" (٤/ ٢٣٥)، وتَفَقَّه على المزنِيِّ، ورَوَى عنه أبو حامِدٍ بنُ الشَّرقِيِّ. ويُوسُفُ بنُ سعيدِ بن مُسلمٍ ثِقَةٌ، من شُيوخ النَّسَائِيِّ. وعبدُ الله بنُ مُوسَى. كذا وقع في "الحِلية"، وصوابُه عِندِي عُبَيدُ الله، وهُو من شُيوخ يُوسُفَ بن سعيدٍ، وهو ثِقَةٌ. وبَقِيَّةُ رجال الإسناد أَئِمَّةٌ معرُوفُونَ. وتابَعَهُ مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ، عن أبيه، عن أنَسٍ به. أخرَجَهُ أبو يَعلَى. (ج ٧/ رقم ٤٠٦٩)، وعنه الضِّياءُ في "المُختارَة" (ق ١٢٧/ ٢) حدَّثَنا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيلَ، ثنا مُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ به. ونَقَلَ الضِّياءُ عن الدَّارَقُطنِي قولَهُ: "تفرَّدَ به مُعتَمِرٌ، عن أبيه" كذا! وليس كما قال؛ وقد مَرَّت بك المُتابَعاتُ. وقد تعقَّبَهُ الضِّياءُ بقوله: "بَانَ بِرِوَايَةِ عيسى - يعني: ابنَ يُونُسَ - أنَّه لم يَتَفرَّد به مُعتَمِرٌ".

стр. 212

وهذا سَنَدٌ جَيِّدٌ، وإسحاق بن أبي إِسرَائِيلَ ثقةٌ. وله طريقٌ آخرُ عن أنَسٍ ﵁ .. أخرَجَهُ ابنُ أبي الدُّنيا في "الصَّمت" (٥٧٠ - بتحقيقي)، والبَزَّارُ (٣٣٢٢ - زوائده) مِن طريق جَعفَرِ بن سُلَيمَانَ، عن عُمَرَ بن نَبهَانَ، عن قَتَادة، عن أنَسٍ مرفُوعًا. قال البَزَّارُ: "لا نَعلَمُ رواه عن أنَسٍ، عن قَتادَةَ، إلَّا عُمَرُ بنُ نَبهَانَ، ولا رواه إلَّا جَعفَر". • قلتُ: وابنُ نَبهَانَ ضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ، وابنُ مَعِينٍ في روايةٍ، وابنُ حِبَّان، وغيرُهُم. وقال ابنُ مَعِينٍ في روايةٍ أُخرَى: "صالحٌ". وأخرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في "الكبير"، وعنه أبو نُعَيمٍ في "الحِليَة" (٢/ ٧)، مِن طريق زَيدِ بن الحَرِيشِ [ووقع في الحِلية: يَزِيدُ، وهو تصحيفٌ]، ثنا عبدُ الله بن خِرَاشٍ، عن العَوَّام بن حَوشَبٍ، عن المُسَيَّبِ بن رَافِعٍ، عن ابن عُمَر مرفُوعًا: "مَن دَعَا النَّاس إلى قولٍ أو عَمَلٍ، ولم يَعمَل هُو به، لم يَزَل في سَخَطٍ من الله حتَّى يَكُفَّ، أو يَعمَلَ بما قالَ أو دَعَا إِلَيهِ". قال الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٧/ ٢٧٦): "فيه عبدُ الله بنُ خِرَاشٍ، وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان، وقال: "يُخطِئُ"، وضعَّفَه الجُمهورُ. وبقيَّة رجالِهِ ثقاتٌ". • قلتُ: وسَنَدُهُ واهٍ جِدًّا؛ وعبدُ الله بن خِرَاشٍ رماه مُحمَّدُ بن عَمَّارٍ المَوصِليُّ بالكَذِب. وقال السَّاجِيُّ: "ضعيفُ الحديث جِدًّا. ليس بشيءٍ. كان يَضَعُ الحديثَ". وقال البُخارِيُّ: "مُنكَرُ الحديث". وقال النَّسَائِيُّ: "ليس بثِقةٍ". وقال الحافظُ في "التَّقريب": "ضعيفٌ"، وهو تَسَاهُلٌ،

стр. 213

وكان حَقُّهُ أن يقولَ: ضعيف جدًّا، لاسِيَّما وقد ذَكَرَ كلمةَ ابن عمَّارٍ، ولم يَتعَقَّبهُ. والله أعلم. أمَّا قَولُ الهَيثَمِيِّ: "وبقيَّةُ رجاله ثِقاتٌ" فمتعقَّبٌ بأنَّ زيدَ بن الحَرِيشِ الأَهوَازِيَّ قال ابنُ القَطَّانِ: "مجهولُ الحال". وذكرَهُ ابنُ حِبَّان في "الثِّقات"، وقال: "يُخطِئُ". (تنبيهٌ) لحديث أُسامَةَ بن زيدٍ الفائتِ شاهدٌ عن أبي أُمَامَةَ، رضي الله عن الجميع. أخرَجَهُ أبو القاسم الأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغِيبِ" (٢١٣٦) من طَرِيقِ ابن أبي عَاصِمٍ، قال: حدَّثَنا الحسَن بن عليٍّ، حدَّثَنا خَازِمُ بنُ خزَيمَةَ، ثنا عُثمانُ بنُ عَمرٍو القُرَشِيُّ، عن مَكحُولٍ، عن أبي أُمامَة ﵁ مرفُوعًا: "يُجاءُ بالعالِم السُّوءِ يوم القِيَامَةِ، فيُقذَفُ في جهنَّمَ، فيَدُورُ بِقُصْبِهِ - قلت: وما قُصْبُهُ؟ قال: أمعاؤُه - كما يدورُ الحِمارُ بالرَّحَى، فيُقالُ: يا وَيلَهُ! بما لاقَيتَ هذا، وإنَّما اهتَدَينَا بك؟! قال: كُنتُ أُخَالِفُكُم إلى ما أنهاكم عنه". • قلتُ: وسَنَدُهُ ضعيفٌ؛ وخَازِمُ بنُ خُزيمة قال السُّلَيَمانِيُّ: "فيه نَظَر". وضعَّفَهُ السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المَنثُورِ" (١/ ٦٥). وانظُر الحديثَ رقمَ (٣٦٣).

стр. 214

٤٧ - سُئلتُ عن: مَن خرَّج هذا الحديثَ غير الإمام البُخاريِّ، مع ذِكر الكُتب التي شرحته. وهذا الحديث يروِيه ابنُ عبَّاسٍ، قال: "طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَاستَلَمَ الرُّكنَ بِالمِحجَنِ". • قلتُ: أخرج هذا الحديثَ أيضًا مُسلِمٌ (١٢٧٢)، وأبُو داوُد (١٨٧٧)، والنَّسائيُّ (٥/ ٢٣٣)، وابنُ ماجَهْ (٢٩٤٨)، وابن خُزَيمة (٤/ ٢٤٠)، وابن الجارُود في "المُنتَقَى" (٤٦٣)، والبيهقيُّ (٥/ ٩٩) من طريق يُونُسَ بن يزيدَ، عن الزُّهريِّ، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عبَّاسٍ. وتابعه ابنُ أبي ذِئبٍ، عن الزُّهريِّ به. أخرجه الشَّافعيُّ (٢/ ٤٤)، ومِن طريقه البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٧/ ١١٦). ولَهُ طُرُقٌ أُخرَى، عن ابن عبَّاسٍ، عند التِّرمذيِّ (٨٦٥)، وقال: "حَسَنٌ صحيحٌ"، وأحمدَ (١/ ٢١٤ - ٢١٥، ٢٣٧، ٢٤٨، ٣٠٤)، وغيرِهُم. ويُرجَعُ إلى شُروح بعضِ الكُتُب التي ذكَرتُها، مثل "شرح مُسلمٍ" للنَّوويِّ، وكذلك شرحُ أبي عبد الله الأُبِّيِّ له. وأمَّا أبو داوُد، فيُرجَج إلى

стр. 215

شُروحه مثل "معالم السُّنَن" للخطَّابيِّ، و "عون المعبود"، و "بذل المجهود"، و "المَنهَل العذب المورود" وتتمَّتُه. وأمَّا التِرمذيُّ، فيُرجَع إلى شُروحه مِثل "عارضَة الأَحوَذِي"، و "تُحفَة الأَحوذي"، و "معارف السُّنَن"، و "الكوكب الدُّرِّيِّ". واللهُ الموَفِّق.

стр. 216

٤٨ - سُئلتُ عن حديث: "ثَلَاثةٌ، يَدعُونَ الله فَلَا يُستَجَابُ لَهُم: رَجُلٌ كَانَ تَحتَهُ امرَأَةٌ سَيِّئَةُ الخُلُقِ فَلَم يُطَلِّقهَا، وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ فَلَم يُشهِد عَلَيهِ، وَرَجُل أتَى سَفِيهًا مَالَهُ، وَقَد قَالَ اللهُ : ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] ". • قلتُ: هذا حديثٌ مُعَلٌّ بالوقف، وفي بعضه نَكَارَةٌ. فقد أخرجه الحاكِمُ (٢/ ٣٠٢)، والبيهقيُّ في "الكُبرَى" (١٠/ ١٤٦)، وفي "الشُّعَب" (ج ٦/ رقم ٨٠٤١) مِن طريق مُعاذِ بن مُعاذٍ العَنبَرِيِّ، ثنا شُعبة، عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي بُردَة، عن أبي مُوسَى الأشعريِّ مرفُوعًا فذَكَرَه. قال الحاكِمُ: "صحيحٌ على شرط الشَّيخين، ولَم يُخرِّجاه؛ لتوقِيفِ أصحابِ شُعبةَ هذا الحديثِ على أبي مُوسَى الأشعريِّ"، ووافقَهُ الذَّهَبيُّ. وقَد تُوبع معاذٌ العَنبَرِيُّ عليه .. تابعه عَمرُو بن حَكَّامٍ، قال: ثنا شُعبة بسَنَدِه سواءٌ. أخرَجَهُ الطَّحاويُّ في "المُشكِل" (٣/ ٢١٦)، وأبو نُعيمٍ في "مسانيد فِراس بن يَحيَى" (ق ٩٣/ ١). وابنُ حَكَّامٍ مُنكَرُ الحديث. وتابعه داوُد بنُ إبراهيمَ الواسِطيُّ، ثنا شُعبة بسَنَدِه سواءٌ، لكن خالفه

стр. 217

في مَتنِه، فقال: "ثَلاثٌ، يَدعُون الله فلا يَستجيبُ لهم: رجلٌ تَحته امرأةُ سوءٍ فلا يُطلِّقُها، ورجلٌ له جارُ سوءٍ فلا يَتحوَّلُ عَنهُ، ورجلٌ له غريمُ سوءٍ فأعطاهُ البعضَ فلَم يأخُذهُ فذَهَبَ الكُلُّ". أخرجه أبو نُعيمٍ أيضًا (ق ٩٣/ ١) قال: حدَّثَنا سُليمانُ بنُ أحمد، ثنا مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ الرَّازيُّ، ثنا أبو بكرٍ بنُ أبي الأَسْود، ثنا داوُد بنُ إبراهيم الوَاسِطيُّ به. وهذا سَنَدٌ رجالُهُ ثقاتٌ، ومُحمَّدُ بن جعفرٍ، شيخُ الطَّبرانيِّ، ترجَمَهُ الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (٢/ ١٢٨) وقال: "ما عَلِمتُ إلَّا خيرًا". وأبو بكرٍ بنُ أبي الأسْوَد، هو عبدُ الله بن مُحمَّد بن أبي الأَسْود، وهُو ثِقةٌ. وداوُدُ بنُ إبراهيمَ الوَاسطيُّ، وثَّقَهُ الطَّيالسِيُّ، كُما في "الجرح والتَّعديل" (١/ ٢/ - ٤٠٧) لابن أبي حاتمٍ. ثُمَّ استدركتُ، فقُلتُ: وداوُدُ هذا، ليس الذي وَثَّقه الطَّيَالِسِيُّ، بل هو داوُد بنُ إبراهيم، قاضي قَزْوِينَ، وهو متروكٌ. أمَّا الوَاسِطِيُّ، فإنَّه يَروِي عن حبيب بن سالمٍ، مولى النُّعمانَ بن بَشِيرٍ، وهذا لم يَلْحَقهُ مَن رَوَى عن شُعبة، بل في تلاميذه مَن يُعَدُّ من شُيوخ شُعبة، فهي متابَعةٌ واهيةٌ، مع المُخالَفة في بعض المتن، كما أشرتُ آنفًا. والحمد لله. ولكن، خُولِف هؤلاء الثَّلاثة .. خالفَهُم مُحمَّدُ بنُ جعفرٍ غُندَر، فرواه عن شُعبَةَ بسَنَدِه، لكنَّه أَوقَفَهُ. أخرجه الطَّبَرِيُّ في "تفسيره" (٤/ ١٦٥). وغُندَرٌ مِن أَثبَتِ النَّاس في شُعبةَ؛ فقد لَازَمَهُ عشرين سنةً، قال

стр. 218

ابنُ المبارك: "إذا اختلف النَّاسُ في حديثٌ شعبةَ، فكِتاب غُندَرٍ حَكَمٌ بينهم". وتابَعه يَحيَى القطَّانُ، عن شُعبَةَ فأوقفه. أخرجَهُ ابنُ أبي شَيبة (٤/ ٣٠٩). وذَكَرَ أبُو نُعيمٍ أن رَوحَ بنَ عُبادةَ رواه أيضًا موقُوفًا. وأخرجه أبو نُعيم أيضًا، من طريق عُثمان بن عُمَر، وابنِ حَكَّامٍ، قالَا: ثنا شُعبةُ، عن فِراسٍ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي بُردةَ، عن أبي مُوسَى. رَفَعَهُ عمرُو بن حَكَّام. فقَولُ أبي نُعيمٍ: "رفَعَهُ عمرُو بن حَكَّامٍ"، يَعنِي أن عُثمانَ بن عُمَر أوقَفَهُ، فيكُونُ الذين أوقَفُوا الحديثَ على شُعبةَ أربَعةٌ هم: غُندَر، ويحيى القطَّانُ، ورَوحُ بنُ عُبادة، وعُثمانُ بنُ عُمَر بن فارسٍ، وهُم يَتَرَجَّحُون على الَّذين رَفَعُوا - الحديثَ، فهم أَعلَى مِنهُم ضبطًا وإِتقَانًا، خصُوصًا في حديثِ شُعبةَ، بل ليس فيهم من يُرفَع له رأسٌ، إلَّا معاذٌ العَنْبَرِيُّ، وقد خالفه من ذَكَرتُ. والفَقرة الأُولَى من الحديث فيها نَكَارةٌ عِندِي. لما رواه أبو داوُد (١٤٢)، وأحمدُ (٤/ ٢١١)، وابنُ حِبَّان (١٥٩)، والحاكمُ (٤/ ١١٠)، والبيهقيُّ (٧/ ٣٠٣)، والبَغَويُّ في "شرح السُّنَّة" (١/ ٤١٥ - ٤١٦) من حديث عاصم بن لَقِيطِ بن صَبْرَةَ، عن أبيه، وساق حديثًا طويلًا، فيه: قُلتُ: يا رسول الله! إنَّ لي امرأةً، في لسانِهَا شيءٌ - يعني: البذاءة -. قال: "طَلِّقهَا"، قُلت: إنَّ لي منها ولدًا ولهَا صحبةٌ؟ قال: "فَمُرهَا، -يقول:- عِظهَا، فَإِن يكُ فيها خيرٌ فستَقبَلُ، ولَا تضرِبَنَّ

стр. 219

ظعينَتَك كضرب أُمَيَّتِك". وأَخرَجَ أصحابُ السُّنَنِ بعضَ فقراته. فهذا الحديثُ يدلُّ على جوازِ أن يُمسِك الرَّجلُ المرأةَ سيِّئةَ الخُلُق، سليطةَ اللِّسان، إلَّا لو حمَلنَا الحديث على غيرِ الضرُورة أو الحاجَةِ، وفيه بُعدٌ؛ لأنَّ المرء عادةً لا يُمسِك المرأة وهو كارِهٌ إلَّا لمعنًى. واللهُ أعلَمُ.

стр. 220

٤٩ - سُئلتُ عن حديث: "أَحَبُّ الطَّعامِ إِلَى الله مَا كثُرَت عَلَيهِ الأَيدِي". • قلتُ: قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه أبُو يَعلَى (ج ٤/ رقم ٢٠٤٥)، والطَّبَرانيُّ في "الأوسط" (ج ٢/ ق ١٦١/ ١)، وابنُ عدي في "الكامل"، (٥/ ١٩٨٣)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٩٦)، والوزيرُ ابنُ الجرَّاح في "الأمالي" (١٨ - بتحقيقي)، ومن طريقه الذَّهَبيُّ في "السِّير" (١٥/ ٩) من طريق خَلَّاد بن أَسلَم، ثنا ابنُ أبي روَّادٍ، عن ابن جُريجٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ مرفُوعًا. قال الطَّبرانيُّ: "لم يَروِ هذا الحديثَ عن ابن جُريجٍ، إلَّا عبدُ المجيد". وقال ابنُ عدي بعد أن ساقَ أحاديثَ أُخرى: "وكُلُّ هذه الأحاديثُ غير محفوظةٍ". وعزاهُ المُنذِريُّ في "التَّرغيب" (٣/ ١٣٤) لأبي الشَّيخ في "كتاب الثَّواب"، وقال: "ولكنْ في هذا الحديث نَكَارَةٌ". أمَّا الحافظُ العِراقيُّ، فقال في "تخريج الإحياء" - كما في "إتحاف السَّادة" (٧/ ١١٥) -: "إسنادُهُ حَسَنٌ!! " كذا قال! ولم يَلتَفِت إلى عَنعنةِ ابن جُريجٍ وأبي الزُّبَير!

стр. 221

وعزاه الزَّبِيْدِيُّ في "الإتحاف" (٤/ ٢١٧) للضِّياء في "المختارة"، وقال: "إسنادُهُ حَسَنٌ" كذا! وإذا انضمَّ إنكارُ ابن عديٍّ والمُنذريِّ له، مع عنعنة ابن جُريجٍ وأبي الزُّبير، فكيف يَتَأتَّى الحكمُ عليه بالحُسْنِ؟! وله شاهدٌ من حديث أبي هُريرة مرفُوعًا مثله. أخرجه أبُو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٨١) من طريق مِقدام بن داوُد المِصريِّ، حدَّثنا النَّضرُ بنُ عبد الجبَّار، ثنا ابنُ لَهِيعَة، عن عطاءٍ، عن أبي هُريرة. وسندُه ضعيفٌ؛ لضعف المِقدامِ، وسُوءِ حِفظ ابن لِهيعَة، وتدليسِهِ. وله شاهدٌ من حديث أنسٍ مرفُوعًا: "إنَّ الله يُحبُّ كثرةَ الأيدِي في الطَّعام". أخرجه الدُّولابيُّ في "الكُنَى" (١/ ١٨٨) قال: حدَّثنا أبُو بكرٍ مُصعبُ بنُ عبدِ الله بن مُصعبٍ الواسطى، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارونَ، قال: أبنا عَنبَسَةُ بنُ سعيدٍ القطَّانُ، قال: أبنا سلَمَةُ بنُ سالمٍ، قال: لا أحسبُهُ إلَّا عن أنسٍ. وسنَدُه واهٍ، وعَنبَسَةُ، تَرَكَهُ الفلَّاسُ، وضعَّفَه أبُو حاتمٍ، والعُقيليُّ، وغيرُهما. وقد رأيتُ بعضَ الباحثين في كتابٍ لَهُ، قوَّى حديثَ التّرجمة بحديثِ وحشيِّ بن حربٍ، أن رجُلًا قال: يا رسول الله! إنَّا كلُ ولا نشبعُ؟ قال: "فلعلَّكم تأكلون مُتفرِّقين؟ اجتَمِعُوا على طعامِكُم، واذكُرُوا اسمَ اللهِ تعالى عليه، يُبارَكُ لكُم فيه".

стр. 222

قال: وهو حديثٌ حَسَنٌ. قلتُ: وفي بحثه نَظَرٌ، من وجهين .. الأوَّل: أن هذا الحديثَ لا يَشهَدُ لحديث التَّرجمة من حيث المعنَى؛ ففي حديثٌ التَّرجمة: "أَحَبُّ الطعام"، وهذا القَدرُ غيرُ موجُودٍ في حديثٌ وَحشِيٍّ. ثُمَّ في حديثٌ وَحشيٍّ ذِكرُ البَرَكة بالاجتماع، ولا يُوجَدُ في حديثٌ التَّرجمةِ. الثَّاني: أن هذا الحديثَ ليس بحَسَنٍ؛ فقد أخرجَهُ أبُو داودَ (٣٧٦٤)، وابنُ ماجَهْ (٣٢٨٦)، وأحمدُ (٣/ ٥٥١)، وابنُ حِبَانَ (١٣٤٥)، والحاكمُ (٢/ ١٠٣)، وابنُ أبي عاصمٍ في "الآحاد والمثاني" (ج ١/ ق ٤٩/ ٢)، والطَّبَرانيُّ في "الكبير" (ج ٢٢/ رقم ٣٦٨)، وأبو نُعيمٍ في "أخبار أصبهان" (٢/ ٣٥٥) من طُرُقٍ عن الوليد بن مُسلِمٍ، ثنا وَحشِيُّ بنُ حَربٍ، عن أبيه، عن جدِّه وَحشِيِّ بن حَربٍ فذكره. وَسَكَتَ عنه الحاكمُ، والذَّهَبيُّ. أمَّا العِراقيُّ، فحسَّنَهُ في "تخريج الإحياء" (٢/ ٤) كذا قال! ووَحشِيُّ بنُ حربِ بن وَحشيٍّ، قال صالحٌ جزرةُ: "لا يُشتغل به ولا بأبيه". وأبوهُ حربٌ مجهولٌ، قال الذَّهَبيُّ: "ما رَوَى عنه سوى ابنُهُ وحشيٌّ". ولذلك قال ابنُ عبد البرِّ: "إسنادٌ ضعيفٌ"، نقله عنه الزَّبِيديُّ في "إتحاف السَّادة" (٥/ ٢١٧).

стр. 223

٥٠ - سئلتُ عن حديث: "مِن تَمَامِ صَلَاةِ أَحَدِكُم إِذَا لَم يَكُن نَعلَاهُ فِي رِجلَيهِ، أَن يَخلَعَهَا بَينَ رِجلَيهِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه الوزيرُ ابنُ الجرَّاح في "الأمالي" (٥٥)، وابنُ المُقرِي في "مُعجَمه" (ج ٢/ ق ٢٧/ ١) من طريق ابن أبي فُديكٍ، قال: أخبَرَني إبراهيمُ بنُ الفضل المَخزُوميُّ، عن المقبُرِيِّ، عن أبي هُريرة مرفُوعًا. ووقع عند ابن المُقرِي: "أن يضَعَهُما بين يديه". وعزاه في "كنز العُمَّال" (٧/ ٥٣٦) للدَّيلمِيِّ، بهذا اللَّفظ. وهذا سنَدٌ واهٍ جدًّا؛ وإبراهيمُ بنُ الفضل، مُتَّفَقٌ على تضعيفِهِ. وله طريقٌ آخر .. أخرجَه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (١/ ٣٠٣) من طريق عبد الله بن الجرَّاح، ثنا أبُو يَحيَى التَّيمِيُّ، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُريرة مرفُوعًا: "مِن تَمَامِ صلاتكم، أن يَضَع الرَّجُل نعليه بين يديه". وأبو يحيى التَّيميُّ، هو إسماعيلُ بن إبراهيم الكُوفيُّ، ضعَّفه النَّسائِيُّ، وابن نُميرٍ، وزاد: "جدًّا".

стр. 224

٥١ - سُئلتُ عن حديث: "مَن تَطيَّبَ، وَلَم يَكُن بِالطِّبِّ مَعرُوفًا، فَأَصَابَ نَفْسًا كما دُونَهَا، فَهُوَ ضَامِنٌ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه أبُو داوُد (٤٥٨٦)، والنَّسائيُّ (٨/ ٥٢، ٥٣)، وابنُ ماجَهْ (٣٤٦٦)، والدَّارَقطنيُّ (٣/ ١٩٥، ١٩٦، و ٤/ ٢١٥، ٢١٦)، والحاكِمُ (٤/ ٢١٢)، وابنُ عدي في "الكامل" (٥/ ١١٥)، والبَيهقيُّ (٨/ ١٤١)، وأبو نُعيمٍ في "الطبِّ" (ق ١٤/ ٢) من طُرقٍ عن الوليد بن مُسلِمٍ، نا ابنُ جُريجٍ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه مرفُوعًا. قال أبُو داوُد: "وهذا لم يرِوِه إلَّا الوليدُ، ولا نَدرِي هو صحيحٌ أم لا؟ ". وقال الدَّارَقُطنيُّ: "لم يُسنِده عن ابن جُريجٍ غيرُ الوليد بن مُسلِمٍ، وغيرُهُ يرويه عن ابن جُريجٍ، عن عمرو بن شُعيبٍ، مُرسَلًا عن النَّبيِّ ﷺ ". • قلتُ: رواه عن الوليد بن مُسلمٍ مُسنَدًا هكذا جماعةٌ، منهم: نصرُ بنُ عاصمٍ الأَنطَاكِيُّ، ومُحمَّدُ بنُ الصَّبَّاح بن سُفيان، وعمرُو بنُ عثمان بن سعيدٍ، ومُحمَّدُ بنُ مصفَّى، وهشامُ بنُ عمَّارٍ، وراشدُ بنُ سعيدٍ الرَّمليُّ، ومُحمَّدُ بنُ عبد الرَّحمن بن سهمٍ، ودُحيمٌ، وعيسى بنُ أبي عِمران الرَّمليُّ.

стр. 225

وخالفهم محمودُ بنُ خالدٍ، فرواه عن الوليد بن مُسلِمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن جَدِّه مرفُوعًا، ولم يَذكُر شُعيبًا في الإسناد. ذكره ابنُ عديٍّ، والبَيهقيُّ. قال ابنُ عديٍّ: "رواه محَمُودُ بنُ خالدٍ، عن الوليدِ بن مُسلِمٍ، عن ابن جُريجٍ، عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، مثل ما قال هشامٌ ودُحَيمٌ، ولم يَذكُر أباه. ذكره أبُو عبد الرَّحمن النَّسائيُّ عن محمودٍ، وجَعَله من جَودةِ إسنادِهِ" ا. هـ، كذا قال ابن عديٍّ. وقد رواه النَّسائيُّ هكذا (٨/ ٥٣): "أخَبَرني محمودُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثَنا الوليدُ، عن ابن جُريجٍ، عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدَّه، مثلَه سواءٌ"، وهو يَعنِي مثلَ روايةِ عمرِو بن عُثمانَ وابنِ مصفَّى، عن الوليدِ بن مُسلِمٍ، وقد ذَكَرَا السَّند موصُولًا. فقولُهُ: "مثلَه سواء" يعنِي سَنَدًا ومتنًا. ولكن، يَظهرُ لي أن النَّسائيَّ عَنَى بقوله: "مثله سواء" المَتنَ دُون السَّنَد، بدليل ما نَقَلُوا عنه. ومثل هذا يَقَعُ لعُلَماء الحَدِيث، حِين يُنبِّهون على الرِّواية المُرسلة بعد الموصُولة، فيَذكُرُونها موصُولةً، ثُمَّ يقولون: هي مُرسلة، فيُفهم ذلك مِن نقدِهِم. فكأنَّه قال: " … عمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، ولم يَذكُر أباه"، لِتَستحضِرَ معه علَّة السَّنَد. واللهُ أَعلمُ. لكن النَّقدُ يقتضِي أن تَكُون روايةُ الجماعةِ عن الوليدِ أصحَّ من رواية محمودِ بن خالدٍ عنه، لولا ما ذَكَره الدَّارَقُطنيُّ، أن الوليدَ بن مُسلِمٍ خُولف فيه.

стр. 226

وهذا السَّنَدُ، فضلًا عن المخالَفة، ضعيفٌ؛ فإنَّ الوليدَ بنَ مُسلِمٍ كان يُدلِّسُ تدليسَ التَّسويةِ، فيلزَمُهُ أن يُصَرِّح في كُلِّ طبقات السَّنَد، وقد عَنعَن في سائِرِها، إلَّا عن شيخِهِ ابن جُريجٍ، فصرَّحَ بالتَّحديث، وهذا لا يَكفِي، كما هو مَعرُوفٌ. ثُمَّ إنَّ ابنَ جُريجٍ أيضًا مُدلِّسٌ، وقد عنعن في سائِرِ الطُّرُق التي وقفتُ عليها، وقد وَصَفَ الدَّارقُطنيُّ تدليسَه بـ "القُبْح"؛ لأنَّه كان يُدلِّسُ عن الكذَّابين، ثُمَّ يُسقِطُهُم، فلعلَّه أَخذَهُ من كذَّابٍ، أو مَترُوكٍ، ثُمَّ دلَّسَه. لكن، أخرجه أبُو داوُد (٤٥٨٧) من طريق عبد العزيز بن عُمَر بن عبد العزيز، قال: حدَّثني بعضُ الوَفد الذين قَدِموا على أبي، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "أيُّما طبيبٍ تطبَّب على قومٍ لا يُعرَف منه تطبُّبٌ قبل ذلك، فأَعنَتَ، فهو ضامنٌ"، قال عبدُ العزيز: "أَمَا إنه ليس بالنّعت، إنَّما هو قطعُ العُروق، والبَطُّ، والكيُّ". وهذا مُرسَلٌ، وهو لا يُقوِّي حديثَ عبدِ الله بن عمرٍو السابقَ؛ لشِدَّة ضعفِهِ على ما بيَّنَّا. واللهُ أعلمُ.

стр. 227

٥٢ - سُئلتُ عن حديث: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَهَمَّهُ الأَمرُ، رَفَعَ رَأسهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: "سبحَانَ الله العَظِيمِ! "، وَإِذَا اجتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ: "يَا حَيُّ! يا قَيُّومُ! ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرجه التِّرمذيُّ (٣٤٣٦) من طُرُقٍ عن ابن أبي فُديكٍ، قال: أخبَرَني إبراهيمُ بنُ الفضلِ، عن المَقبُرِيِّ، عن أبي هُريرة فذكره. قال التِّرمذيُّ: "هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ". • قلتُ: هكذا وقع في النُّسخة المطبوعة. ووقع في "تُحفَة الأشراف" (٩/ ٤٦٧)، وفي "تُحفَة الأَحوَذِي" (٩/ ٣٩٦): "حديثٌ غريبٌ"، وكذلك استغرَبَهُ البَغَوِيُّ في "شرح السُّنَّة" (٥/ ١٢٣)، وأظنُّه نقلَ حُكمَ التِّرمِذِيِّ دُون أن يُشِيرَ إليه كما يفعَلُه كثيرًا. وهو اللَّائق؛ لأنَّ السَّنَد واهٍ جدًّا؛ وإبراهيمُ بنُ الفَضل المَخزُومِيُّ، ضعيفٌ بالاتِّفاق، وترَكَهُ جماعةٌ من النُّقَّاد، منهم: النَّسائيُّ، والدَّارَقُطنيُّ، والأزديُّ، في آخَرِين. وأخرَجَ أبو يَعلَى في "مُسنَده" (٦٥٤٦)، وعنه ابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٣٤٠)، وابنُ الجرَّاح في "الأمالي" (١٢٦) شطرَهُ الأوَّلَ.

стр. 228

وأخرَجَ ابنُ الجرَّاح (٤١)، والبَيهقيُّ في "الدَّعَوات" (١٩٨) شطرَهُ الثَّانِي. ولشَطرِه الثَّاني شاهدٌ من حديثِ أنَسٍ ﵁ بنَحوِهِ. أخرَجَهُ التِّرمِذِيُّ (٣٥٢٤)، وابن السُّنِّيِّ (٣٣٩) بسندٍ ضعيفٍ جدًّا، فيه يزيد بن أبان الرَّقَاشِيُّ، وهو ساقطٌ. وشاهدٌ آخرُ عن ابن مسعُودٍ ﵁ .. أخرَجَهُ الحاكمُ (١/ ٥٠٩)، والبَيهَقِيُّ في "الدَّعَوات" (١٧٠) بسَنَدٍ واهٍ، فيه عبدُ الرَّحمن بنُ إسحاقَ الوَاسِطِيُّ، وبه أَعَلَّهُ الذَّهَبِيُّ في "تلخيص المستدرَك"، وأضاف عِلَّةً أُخرَى، وهي أن عبدَ الرَّحمن بنَ عبدِ الله بن مسعُودٍ لم يَسمَع من أبيه، وكنتُ ناقشتُ هذه العِلَّة في تخريجي على "الأَربَعُون الصُّغرَى" للبَيهَقِيِّ. والله أعلم.

стр. 229

٥٣ - سُئلتُ عن حديث: "إِنَّ الله يُؤَيِّدُ هَدا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ". • قلتُ: هذا حديثٌ صحيحٌ. يرويه أبو هُريرَةَ ﵁ قال: شهِدنَا مع رسولِ الله ﷺ يومَ خيبَرَ، فقال - يعنِي لرجُلٍ يُدعَى بالإسلام -: "هذا مِن أهلِ النَّار"، فلمَّا حضرْنا القتالَ قاتلَ الرَّجُلُ قتالًا شديدًا، فأصابتهُ جِراحَةٌ، فقيل: "يا رسُول الله الرُّجُلُ الذي قلتَ له: إنَّه من أهل النَّار، فإنَّه قاتل اليومَ قتالًا شديدًا، وقد ماتَ"، فقال النَّبيُّ ﷺ : "إلى النَّار! "، فكاد بعضُ النَّاس أن يرتابَ، فبينما هُم كذلك إذ قيل: "فإنَّه لم يَمُت، ولكن به جِراحٌ شديدٌ"، فلمَّا كان من اللَّيل لم يَصبِر على الجِراح فقتل نفسَهُ، فأُخبِرَ النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "اللهُ أكبرُ! أشهدُ أنِّي عبدُ الله ورسُولُهُ! "، ثُمَّ أمر بلالًا فنادَى في النَّاس: "إنَّه لا يدخُلُ الجنّة إلَّا نفسٌ مُسلِمةٌ، وإنَّ الله يُؤيِّدُ هذا الدِّين بالرَّجُل الفاجِر". أخرَجَهُ عبدُ الرَّزَّاق في "المُصنَّف" (ج ٥/ رقم ٩٥٧٣)، ومن طريقه البُخارِيُّ في "الجهاد" (٦/ ١٧٩)، وفي "القَدَر" (١١/ ٤٩٨ - ٤٩٩)، ومُسلِمٌ في "الإيمان" (١١١/ ١٧٨)، وأبُو عَوانَةَ (١/ ٤٦)، وأحمدُ (٢/ ٣٠٩)، وابنُ حِبَان (٤٥١٩)، وابنُ مَندَهْ في "الإيمان" (١٦٣،

стр. 230

٤٤٣)، والبيهَقِيُّ (٩/ ٣٦)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٠٩٧) عن مَعمَر بن راشدٍ .. وأخرَجَهُ البُخارِيُّ في "الجهاد" (٦/ ١٧٩)، وفي "المَغازِي" (٧/ ٤٧١)، والنَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٨٨٨٤)، والدَّارِمِيُّ (٢/ ١٥٨)، وأحمدُ (٢/ ٣١٠)، وابنُ مَندَهْ في "الإيمان" (١٦٤)، والبيهَقِيُّ (٨/ ١٩٧)، وفي "الدَّلائل" (٤/ ٢٥٣)، والقُضاعِيُّ في "مُسنَد الشِّهاب" (١٠٩٧) عن شُعيب بن أبي حمزة .. والبُخارِيُّ في "المَغازِي" (٧/ ٤٧١) مُعلَّقًا، ووَصَلَهُ النَّسائِيُّ في "الكُبرَى" (٨٨٨٣)، وابنُ مَندَهْ (٦٤٣) عن يُونُسَ بن يزيدَ .. ثلاثتُهُم عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المُسيَّب - زاد يُونُسُ: وعبد الرَّحمن بن عبد الله بن كعبٍ -، عن أبي هُريرة. ووقع في بعض طُرُق الحديث: "يوم حُنينٍ" بدل "يوم خيبر"، وهو غلطٌ. وهو عند بعضِهِم مُختَصَرٌ بآخِرِه. وله شواهدُ عن جماعةٍ من الصَّحابة ﵃. والله أعلم.

стр. 231

٥٤ - سئلتُ عن حديث: "قَالَ رَبُّكُم : لَو أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي، لأَسقَيتُهُمُ المطر بِاللَّيلِ، وَلأَطْلَعتُ عَلَيهِمُ الشَّمسَ بِالنَّهَارِ، وَلَمَا أَسمَعتُهُم صَوتَ الرَّعدِ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه أحمدُ (٢/ ٣٥٩)، والطَّيالسيُّ (٢٥٨٦)، وابنُ الأعرابيِّ في "مُعجَمه" (ج ٦/ ق ١١٠/ ٢)، والبزَّارُ (ج ١/ رقم ٦٦٤)، والحاكمُ (٤/ ٢٥٦)، والبَيْهقيُّ في "الزُّهد" (٧١٣) من طريق صَدَقة بن مُوسَى الدَّقِيقِيِّ، عن مُحمَّدِ بن واسعٍ، عن شُتَيرٍ - ويُقال: سمَيرُ - ابن نهارٍ، عن أبي هُريرَة مرفُوعًا به، وفي آخرِه: قال رسولُ الله ﷺ : "جَدِّدُوا إيمانَكم"، قالُوا: يا رسول الله! وكيف نُجَدِّدُ إيمانَنَا؟ قال: "جَدِّدُوا إيمانَكم بقولِ: لا إله إلَّا الله". وأخرجَهُ ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٤/ ١٣٩٤)، وأبو نُعيمٍ في "الحلية" (٢/ ٣٥٧) من هذا الوَجهِ بآخرِهِ فقط. قال البزَّارُ: "لا نعلَمُه عن النَّبيِّ ﷺ ، إلَّا بهذا الإسناد". وقال أُبو نُعيمٍ: "غريبٌ مِن حديثٌ مُحمَّدِ بن واسعٍ. تفرَّد به عَنهُ صَدَقةُ بن مُوسَى، ويُعرَف بالدَّقيقِيِّ، بصريٌّ مشهورٌ". • قلتُ: وسَنَدُهُ ضعيفٌ، وصَدَقَةُ صاحب الدَّقيقِيِّ، ضعَّفه ابنُ مَعِينٍ، والنَّسائيُّ وغيرُهُما.

стр. 232

وشُتَيرُ بنُ نهارٍ - ويُقال: سُمَيرُ -، قال الذهَبيُّ: "نَكِرةٌ"، وساقَ لَهُ في "الميزان" هذا الحديث من مَنَاكيرِه، فما أبعدَ قول الحاكم: "صحيحٌ الإسناد"، وقد ردَّه الذَّهَبيُّ بقوله: "صدقةُ ضعَّفُوه". وقريبٌ مِن قول الحاكم قولُ المُنذِرِيِّ في "التَّرغيب" (٢/ ٤١٥): "إسنادُهُ حَسَنٌ"، وكذلك قولُ عليٍّ القارِي في "الأربعين" (٣٢): "إسنادُهُ صحيحٌ". والحديثُ ضعَّفَه الهَيثَمِيُّ في "المَجمَع" (٢/ ٢١١)، فقال: "مدارُهُ على صدقةَ بن مُوسى الدَّقيقيِّ، ضعَّفَهُ ابنُ مَعِينٍ وغيرُه. وقال مُسلِمُ بن إبراهيم: حدَّثَنا صدَقَةُ الدَّقيقِيُّ، وكان صَدُوقًا" ا. هـ، لكِنَّهُ سَهَا، فقَالَ في (١٠/ ٨٢): "رجالُهُ ثِقاتٌ"!! بل قال في (١/ ٥٢): "رواه أحمدُ، وإسنادُه جيِّدٌ، وفيه سُمَيرُ بنُ نهارٍ، وثَّقَهُ ابنُ حِبَّان"!!

стр. 233

٥٥ - سُئلتُ عن الحديث القدسيِّ: "مَن عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدوَةٍ عَلَى مَغفِرَةِ الذُّنُوبِ، غَفَرتُ لَهُ وَلَا أُبَالِي، مَا لَم يُشرِك بِي شَيئًا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَه عَبْدُ بن حُميدٍ في "المُنتخَب" (٦٠٢)، والطَّبرانيُّ في "الكبير" (ج ١١/ رقم ١١٦١٥)، والبَيهقِيُّ في "الأسماء والصِّفات" (١/ ٢١١ - ٢١٢)، والبَغَوِيُّ (١٤/ ٣٨٨) من طريق إبراهيمَ بن الحَكَم بن أبان، حدَّثَنِي أبِي، عن عِكرِمة، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا. قال مُلَّا عليٌّ القارِي في "الأربعين" (٢٩): "إسنادُهُ صحيحٌ"!! وهذَا عجيبٌ جدًّا؛ فالسَّنَدُ في غايَةِ الوَهَاء! وإبراهيمُ بنُ الحكَم تركُوه، وقلَّ مَن مشَّاهُ، كما قال الذَّهبيُّ. وقد تركه النَّسائيُّ وغيرُهُ، وقال البُخاريُّ: "سَكَتُوا عنه"، وهو جَرحٌ شديدٌ عنده. وقال أحمدُ: "في سبيلِ اللهِ دَرَاهِمُ أَنفَقنَاهَا إلى عدنٍ، إلى إبراهيمَ بن الحَكَم". وقالَ ابنُ عديٍّ: "بلاؤُهُ ممَّا ذَكَرُوه، أنَّهُ كان يُوصلُ المراسيلَ عن أبيه. وعامَّةُ ما يروِيهِ لا يُتابَعُ عليه". لكنَّه لَم يتَفَرَّد به .. فتابعه حفصُ بنُ عُمَر العَدَنيُّ، ثنا الحَكَمُ بنُ أَبَان به. أخرَجَه الحاكمُ (٤/ ٢٦٢)، وابنُ عَديٍّ في "الكامل" (٢/ ٧٩٣)، واللَّالَكَائيُّ في "أصول الاعتقاد" (١٩٩٠).

стр. 234

قال الحاكِمُ: "هذا حديثٌ صحيحٌ الإسناد"! فرَدَّهُ الذَّهَبيُّ بقولِهِ: "العَدَنيُّ واهٍ". وحفصٌ هذَا ليَّنَهُ أبُو حاتمٍ، وقال النَّسائيُّ: "ليس بثقةٍ"، وتَرَكه الدَّارَقُطنيُّ - كما في "العلل" (١/ ٢٤٥) -، وقال العُقيليُّ: "يُحدِّث بالأباطيل". وقال ابنُ عَدِيٍّ في ترجَمَةِ حفصِ بن عُمَر، وساقَ أحاديثَ أُخرَى مع هذا الحديث: "وهذ الأحاديثُ عن الحَكَمِ بن أبانٍ يَروِيهَا، عن حفصِ بن عُمَر العَدَنِيِّ. والحكَمُ بنُ أَبَانَ، وإن كان فيه لِينٌ، فإنَّ حَفصًا هذا أَليَنُ مِنهُ بكثيرٍ. والبَلَاءُ من حَفصٍ، لا من الحكَم". فالحديثُ ضعيفٌ جدًّا بهذا السَّنَد. أمَّا شَيخُنا أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ - حفظه الله - فحسَّنَه، كما في "صحيحٌ الجامع"، وفيه نَظَرٌ. واللهُ أعلَمُ.

стр. 235

٥٦ - سُئلتُ عن حديث: "تُنصَبُ المَوازينُ يوم القيامة، فيُؤتَى بأهل الصَّلاة، وأهل الصَّدقة، وأهل الحَجِّ، فيُؤتَوْن بالمَوازين، ويُؤتَى بأهل البَلاء، فلا يُنصَبُ لهم ميزانٌ، ولا يُنشَرُ لهم ديوانٌ، ويُصَبُّ الأجرُ عليهم صبًّا بغير حسابٍ". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ جدًّا. أخرَجَهُ أسدُ السُّنَّة في كتاب "الزُّهد" (٧٠) قال: أخبَرَنا بكرُ بنُ خُنيسٍ، عن ضِرار بن عمرٍو، عن يزيدَ الرَّقَاشِيِّ، عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ فذَكَرَه. وهذا إسنادٌ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعضٍ؛ وبَكرُ بنُ خُنيسٍ ليس بالقويِّ. وضِرارُ بنُ عَمرٍو متروكٌ. ويزيدُ الرَّقَاشِيُّ مثلُهُ. والحديثُ عزاه السِّيُوطِيُّ في "الدُّرِّ المنثور" (٥/ ٣٢٣) لابن مَردَوَيه بسياقٍ أطول. ورأيتُهُ في تفسير القُرطُبيِّ (١٥/ ٢٤١) يقول: وقال قتادةُ: لا والله! ما هناك مِكيالٌ ولا ميزانٌ؛ حدَّثَنِي أنسٌ، أن النَّبيَّ ﷺ قال: … وساق الحديثَ. ولا أدري ما هذا، فإنَّني لم أقف على هذا الوجه، ولا أدري من أين جاء به القُرطُبيُّ، وأظُنُّهُ وقع سقطٌ في الكتاب؛ لأنَّ ابنَ جريرٍ أخرج في "تفسيره" قول قتادة: لا والله! ما هناكم مِكيالٌ ولا ميزانٌ، ولم يذكُر أنسًا.

стр. 236

٥٧ - سُئلت عن حديث: "أَيُّما مُؤمِنٍ يَعطَسُ ثَلَاثَ عَطسَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ، إِلَّا كَانَ الإِيمَانُ ثَابِتًا فِي قَلبِهِ". • قلتُ: هذا الحديث رواه الدَّيلَمِيُّ - كما في "كنز العُمَّال" (٩/ ٢٣٣) -، عن أنَسٍ، أن عُثمانَ بنَ عَفَّانَ عَطَسَ عند النَّبيِّ ﷺ فقال له: "أَلا أُبَشِّرُك؟ "، قال: بَلَى، بأبي أنت وأُمِّي! فقال النَّبيُّ ﷺ : "هذا جِبريلُ يُخبِرُني، عن الله: أَيُّما مؤمنٍ يعطس … الحديث". وعِندِي أنَّه حديثٌ باطِلٌ، ومفارِيدُ الدَّيلميِّ كذلك، كما هو معروفٌ عند العُلَماء. واللهُ أعلَمُ.

стр. 237

٥٨ - سُئلتُ عن حديث: "مَن قَرَأَ سُورَةَ الوَاقِعَةَ كُلَّ لَيلَةٍ، لَم تُصِبة فَاقَةٌ أَبَدًا". • قلتُ: هذا حديثٌ ضعيفٌ. أخرجه الحارثُ بنُ أبي أُسامة في "مُسنَده" (١٧٨)، وابنُ السُّنِّيِّ في "اليوم واللَّيلة" (٦٧٤)، وابنُ لَالٍ في "حديثه" (١١٦/ ١)، وابنُ بِشرانَ في "الأمالي" (٢٠/ ٣٨/ ١)، والبَيهقيُّ في "الشُّعب" (٢٤٩٨، ٢٤٩٩، ٢٥٠٠)، وابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (١٥١) من طريق أبي شُجاعٍ، عن أبي طَيبة، عن ابن مَسعُودٍ مرفُوعًا فذكره. قال شيخُنا أبُو عبد الرَّحمن الألبانيُّ - حفظه الله - في "الضَّعيفة" (٢٨٩): "وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ. قال الذَّهبيُّ: أبُو شُجاعٍ نَكِرةٌ، لا يُعرَف عن أبي طَيبة - ومن أبُو طَيبة؟! -، عن ابن مَسعُودٍ بهذا الحديث مرفُوعًا"، وقد أشار بهذا الكلام إلى أن أبا طَيبَة نَكِرةٌ لا يُعرَف، وصَرَّح في ترجمته بأنَّهُ مجهولٌ، ثُمَّ ذَكَر ما وقع في الحديث من اضطراب. وثَمَّ شواهدُ أُخرى ذكرها الشَّيخُ، وحكم عليها بالوضع (٢٩٠، ٢٩١)، فرَاجِع بحثَهُ هُناك.

стр. 238

٥٩ - سُئلتُ عن حديث: "لَيسَ الإِيمَانُ بِالتَّحَلِّي، وَلَا بِالتَّمَنِّي، وَلَكِن مَا وَقَرَ فِي القَلب وَصَدَّقَتهُ الأَعمَالُ. وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ! لَا يَدخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلا بِعَمَلٍ يُتقِنُهُ"، قالُوا: يا رسُولَ الله! ما يُتقِنُه؟ قال: "يُحكِمُهُ". • قلتُ: هذا حديثٌ باطلٌ. أخرجه ابنُ عديٍّ في "الكامل" (٦/ ٢٢٩٠)، واللَّالَكَائِيُّ في "شرح الاعتقاد" (١٥٦١) من طريق مُحمَّدِ بن عبد الرَّحمن بن بُحَيرِ بن رَيْسَان، قال: ثنا أبي، قال: حدَّثَنِي مالكٌ، حدَّثَني أبُو الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة مرفُوعًا. قال ابنُ عديٍّ: "باطلٌ عن مالكٍ. ومُحمَّدُ بنُ عبدْ الرَّحمن، مِن أهل اليَمَن، روى عن الثِّقاتِ بالمناكير، وعن أبيه، وعن مالكٍ بالبواطيل". وله شاهدٌ من حديث أنسٍ مرفُوعًا: "ليس الإيمانُ بالتَّمنِّي، ولا بِالتَّحَلِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقهُ الفعلُ. العِلمُ عِلْمان: عِلمٌ باللِّسان، وعِلمٌ بالقلب، فعلمُ القلب العِلمُ النَّافع، وعِلمُ اللِّسان حُجَّةُ الله على ابن آدمَ". أخرجه ابنُ بِشرانَ في "الأمالي" (ج ٢٢/ ق ٢٤٨/ ١)، وابنُ النَّجَّار في "ذيل التَّاريخ" (٢/ ٤٨)، وأبُو عبد الرَّحمن السُّلمِيُّ في "الأربعين" (٧)، وابنُ مَردَوَيهِ، ومن طريقه ابنُ الجوزِيِّ في "الواهيات" (١/ ٧٣)،

стр. 239

والعَسكَرِيُّ في "الأمثال" - كما في "تخريج الأربَعِين" (ق ٣/ ٢) للسَّخاوِيِّ -، والأَصبَهَانِيُّ في "التَّرغيب" (٢١١٢) مِن طريق عبد السَّلام بن صالحٍ، ثنا يوسُفُ بنُ عطيَّة، ثنا قتادةُ، عن الحَسَن، عن أنسٍ مرفُوعًا. وهذا سَنَدٌ ضعيفٌ جدًّا؛ وعبدُ السَّلام بنُ صالحٍ: هو أبُو الصَّلت الهَرَوِيُّ، وهو تالفٌ البتَّة، وتوثيق ابن مَعِينٍ له مردُودٌ، في مُقابِل الجرح المُفسَّر الصَّادرِ من سائر الأَئِمَّة، فقد كذَّبه بعضُهم، وترَكَهُ آخَرُون، حتَّى قال الجُوْزْجَانِيُّ: "هو أكذَبُ من رَوْثِ حمار الدَّجَّال"، وكذَّبَهُ العُقيليُّ، وقال أبُو حاتمٍ الرَّازيُّ: "لم يَكُن عِندِي بصَدُوقٍ"، وهذا يَلتَقِي مع حكم العقيليِّ، والكلامُ فيه طويلُ الذَّيل. وقال الشَّيخ العَلَّامةُ عبد الرَّحمن بن يحيَى المُعلِّمِيُّ ﵀ في تعليقه علي "الفوائد المجموعة" (ص: ٢٩٣) للشَّوكانيِّ، مُبيِّنًا حالَ أبي الصَّلت: "وأبو الصَّلتِ فيما يَظهَرُ لي كان داهِيَةً: من جِهَةٍ خَدَمَ عليَّ الرِّضا بنَ مُوسَى بن جَعفَر بن مُحمَّد بن عليِّ بن الحُسَين بن عليِّ بن أبي طالبٍ، وتظاهَر بالتَّشيُّعِ، ورواية الأخبار التي تَدخُلُ في التَّشيُّعِ. ومن جِهَةٍ كان وجِيهًا عند بَنِي العَبَّاس. ومن جِهَةٍ تقرَّب إلي أهل السُّنَّة برَدِّه على الجهمِيَّةِ، واستطاع أن يتجَمَّل لابنِ مَعِينٍ حتَّى أحسَنَ الظَّنَّ به ووثَّقَهُ. وأحسَبُهُ كان مُخلِصًا لبني العبَّاس، وتظاهَرَ بالتَّشيُّعِ لأهلِ البَيتِ مَكرًا منه لكي يُصدَّقَ فيما يَروِيهِ عَنهُم، فرَوَى عن عليِّ بنِ مُوسَى عن آبائه المَوضُوعَاتِ الفاحشةَ، كما تَرَى بعضَها في ترجمةِ عليِّ بن مُوسَى من التَّهذيب، وغَرَضُهُ من ذلك حَطُّ دَرَجَةِ عَلِيِّ بن مُوسَى وأهلِ بَيتِه عند

стр. 240

النَّاس. وأتعجَّبُ من الحافظ ابن حَجَرٍ، يَذكُرُ في ترجمة عليّ بن مُوسَى من "التَّهذيب" تلك البَلَايَا، وأنَّهُ تفرَّد بها عنه أبو الصَّلتِ، ثُمَّ يقُولُ في ترجمة عليٍّ من "التَّقريب": "صدُوقٌ. والخَلَلُ ممَّن رَوَى عنه"، والذي رَوَى عنه هو أبو الصَّلت. ومع ذلك يقُولُ في ترجمة أبي الصَّلت من "التَّقريب": "صدُوقٌ، له مَنَاكِيرُ، وكان يتشيَّعُ، وأفرَطَ العُقَيليُّ فقال: كذَّابٌ". ولم ينفَرِد" العُقيليُّ، فقد قال أبو حاتِمٍ: "لم يَكُن بصدُوقٍ"، وقال ابنُ عَدِيٍّ: "له أحاديثُ مناكِيرُ في فضل أهلِ البَيتِ، وهو مُتَّهَمٌ فِيها"، وقال الدَّارَقُطنِيُّ: "رَوَى حديثَ: "الإيمانُ إقرارُ القَولِ" وهو مُتَّهمٌ بوَضعِه"، وقال مُحمَّدُ بنُ طاهرٍ: "كذَّابٌ"." انتهَى. ويوسُفُ بن عطيَّة: هو البصرِيُّ الصفَّارُ، وهو مُجمَعٌ على ضعفه، فقد تَرَكه النَّسائيُّ، وقال البُخاريُّ: "مُنكَر الحديث". وقد خُولِف قتادةُ في إسناده .. خالفه أبُو بِشرٍ الحَلَبيُّ، فرَوَاه عن الحَسَنِ قال: "ليس الإيمانُ بالتَّحَلِّي، ولا بالتَّمَنِّي، ولكن ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقَتهُ الأعمالُ. مَن قال حَسَنًا، وغَمِل غيرَ صالحٍ، ردَّهُ اللهُ على قوله، ومَن قال حَسَنًا وعمل صالحًا، رفَعَهُ العَمَلُ؛ ذلك بأنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] ". أخرجَه البَيهقِيُّ في "الشُّعَب" (ج ١/ رقم ٦٥)، والخطيبُ في "الاقتضاء" (٥٦) من طريق عُبيد الله بن مُوسَى، ثنا أبُو بِشرٍ الحَلَبيُّ به. وهذا لا يَصحُّ أيضًا؛ وأبو بِشرٍ الحلبيُّ مجهولٌ.

стр. 241

ولكن له طريق آخر .. أخرجه ابنُ أبي شَيبة في "الإيمان" (٩٣)، وعبدُ الله بنُ أحمدَ في "زوائد الزُّهد" (ص ٢٦٣)، مِن طريق جَعفرِ بن سُليمان، قال: نا زكريَّا، قال: سَمِعتُ الحَسَنَ يقولُ: "إنَّ الإِيمانَ ليس بالتَّحلِّي، ولا بالتَّمنِّي، إنَّما الإيمانُ ما وَقَرَ في القلب، وصدَّقَه العملُ". وفي "الزُّهد": " … عن الحَسَن، قال: كان يُقال … ". وسَنَدُه ضعيفٌ جدًّا؛ فإنَّ زكريَّا هو ابنُ حكيمٍ الحَبَطِيُّ البَصرِيُّ، وهو هالكٌ، كما قال ابنُ المَدينيِّ. وقال النَّسائيُّ: "ليس بثِقَةٍ"، وكذا قال ابنُ مَعِينٍ. فلا يَصِحُّ أيضًا عن الحَسَن. لكن نَقَلَ المُناوِيُّ في "فيض القدير" (٥/ ٣٥٦)، عن العَلَائِيِّ، قال: "حديثٌ مُنكَرٌ، تفرَّد به عبدُ السَّلام بنُ صالحٍ العابدُ، قال النَّسائيُّ: "مترُوكٌ"، وقال ابن عديٍّ: "مجُمَعٌ على ضعفه"، وقد رُوي معناه بسَنَدٍ جيِّدٍ، عن الحَسَن من قوله، وهو الصَّحيح" ا. هـ، كذا! ورُبَّما توَهَّم العَلَائيُّ أن زكريَّا هو ابنُ أبي زائدةَ أو نحوه. واللهُ أعلَمُ. أمَّا الشَّطر الثَّاني من حديث أنسٍ مرفوعًا: "العلم عِلمان … الخ". فله شاهدٌ من حديث جابرٍ ﵁ مرفُوعًا بتمامه. أخرَجَهُ الخطيبُ في "تاريخه" (٤/ ٣٤٦)، ومن طريقه ابنُ الجَوزِيِّ في "الواهيات" (٨٩) من طريق أبي سعيدٍ الأَشَجِّ عبدِ الله بن سعيدٍ، قال: ثنا يحيَى بنُ يمانَ، عن هشامِ بن حسَّانَ، عن الحَسَن، عن جابرٍ مرفُوعًا.

стр. 242

• قلتُ: وهذا أحدُ وُجُوه الاختلاف على الحَسَن في إسناده، ولا يُسمَّى في الحقيقة شاهدًا إلَّا من جهة الشَّكل فقط. وهذا الوَجهُ مُنكَرٌ؛ ويحيى بنُ يمانَ ليس بحُجَّةٍ، فمِن عَجَبٍ أن يقُول المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٠٣): "إسنادُهُ حَسَنٌ"، وكذلك العِرَاقِيُّ قال في "تخريج الإِحيَاء" (١/ ٥٩): "إسنادُهُ جيِّدٌ، وأعلَّهُ ابنُ الجَوزِيِّ"!! والحَقُّ مع ابن الجوزِيِّ في إعلالِهِ قَطعًا؛ لأنَّ يحيى بنَ يمانَ - مع ضَعفِ حِفظِه - خالَفَهُ جماعةٌ من الثِّقات، فرَوَوهُ عن هشامِ بن حسَّانَ، عن الحَسَن، عن النَّبيِّ ﷺ مُرسَلًا. أخرَجَهُ ابنُ أبي شَيبَة في "زُهد المُصنَّف" (١٣/ ٢٣٥) قال: حدَّثَنا ابنُ نُمَيرٍ .. والحُسَينُ المَروَزِيُّ في "زوائِدِهِ على زُهد ابن المُبارَك" (١١٦١) قال: نا عبَّادُ بنُ العوَّام .. وابنُ عبدِ البَرِّ في "جامع العلم" (١١٥٠) عن أبي معاويةَ الضَّرير مُحمَّدِ بن خازمٍ .. قالُوا: ثنا هشامُ بنُ حسَّانَ بهذا. وتابَعَهُمَا فُضَيلُ بنُ عياضٍ، فرواه عن هشام بن حسَّان بهذا الإسناد مُرسَلًا. أخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ في "المُقدِّمة" (١/ ٨٦) قال: أخبَرَنا عاصمُ بن يُوسُف ..

стр. 243

والحكيمُ التِّرمِذِيُّ في "نوادر الأُصُول" (ج ٢/ ق ٥/ ١) قال: ثنا حَفصُ بنُ عُمَر العابدُ .. قالا: ثنا فُضَيلُ بنُ عياضٍ بهذا الإسناد. قال المُنذِرِيُّ في "التَّرغيب" (١/ ١٠٣)، والعِراقِيُّ في "تخريج الإحياء" (١/ ٥٩): "مُرسَلٌ صحيحٌ الإسناد". ورَوَاهُ مَكِّيُّ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشامُ بنُ حسَّان، عن الحَسَن البَصرِيِّ قولَه. أخرَجَهُ الدَّارِمِيُّ أيضًا (١/ ٨٦). وسَنَدُه صحيحٌ. وأخرَجَهُ البَيهَقِيُّ في "شُعَب الإيمان" (١٦٨٦ - طبع الهند)، من قَول الفُضَيل بن عياضٍ، بسَنَدٍ جيِّدٍ عنه. فالصَّحيح في هذا أنَّهُ صحيحٌ من مُرسَل الحسَن ومِن قوله. وهذا فيما يتعلَّقُ بالفَقرَة الثَّانية: "العِلمُ علمان … الخ". والله أعلم. (تنبيهٌ) وبَعدَ كتابة ما تقدَّم بأربعةَ عشَرَ عامًا، وقفتُ على كتاب "المُداوِي لعِلَل الجَامِع الصَّغير وشَرحَي المُناوِي" لأبي الفَيضِ الغُمَارِيِّ - وهو ممَّا طُبع حديثًا - فوجدتُهُ يرُدُّ على المُناوِيِّ إعلالَهُ الحديثَ بعبدِ السَّلام بن صالحٍ العابِدِ، فقال (٥/ ٣٣١): "ثُمَّ إنَّ عبدَ السَّلام بنَ صالحٍ ليس هو علَّةُ الحديث، ولا هُو مُجمَعٌ على ضَعفِه، بل وَثَّقَهُ إمامُ أهل الفَنِّ وغيرُهُ، ومَن تَكلَّم فيه إِنَّما تكلَّمَ لأَجلِ التَّشَيُّع، على عادَتِهم مع شيعَة أهلِ البَيتِ" انتهَى.

стр. 244

وقال في موضعٍ آخَرَ من "المُداوِي" (١/ ٢٠٧) بعد أن ذَكَر قولَ ابن حِبَّان فيه: "يَروِي في فَضَائِلِ عليٍّ العَجَائِبَ. لا يُحتَج به إذا انفرد"، فقال الغُمارِيُّ: "وهذا الرَّجُلُ ممَّن ظَلَمَهُ أهلُ الجَرح والتَّعديل، لأجل تَشَيُّعِهِ لأهل البَيت، وقد وثَّقهُ أهلُ التَّحقيق منهم كما بيَّنتُهُ في فتح المَلِك العَليِّ" انتهى. • قلتُ: فرَجَعتُ إلى "فتح المَلِك العَليِّ" فوجَدتُهُ يقُولُ بعد كلامٍ (ص ٩ - وما بعدَهَا): "فلم يَبقَ محلًّا للنَّظَر إلَّا أبو الصَّلت وعليه يدُورُ مِحوَرُ الكلام على هذا الحديث، وهو عدلٌ ثقةٌ صدوقٌ مرضِيٌّ معروفٌ بطَلَب الحديثِ والاعتناء به، رَحَل في طَلَبِه إلى البَصرَة والكُوفَة والحِجازِ واليَمَنِ والعِراقِ، ودَخَل بغدادَ فحدَّث بها. رَوَى عنهُ أحمدُ بنُ منصُورٍ الرَّمَادِيُّ الحافظُ صاحبُ المُسنَد"، وذَكَرَ آخَرين، ثُمَّ نَقَل توثيقَ ابن مَعِينٍ وأبي سعيدٍ الهَرَوِيِّ وأبي داوُد، واستدل بأنَّه ثقةٌ عند عبدِ الله بن أحمدَ بن حَنبلٍ وأَبيهِ بأنَّ أحمدَ ما كانَ يأذَنُ لابنِهِ أن يَروِيَ عن أحدٍ إلَّا إذا كان ثِقَةً عِندَهُ، ثُمَّ قال: "إِنَّهم صَحَّحُوا لرِجَالٍ تُكُلِّم فيهم بأشَدَّ ممَّا تُكَلِّم به في عبدِ السَّلام بن صالح، ورُمُوْا بأَسوَأَ ممَّا رُمِي به من الكَذِب وسُوءِ العَقِيدَةِ، ممَّا يَجِبُ معه أن يكُونَ حديثُهُ أصحَّ من حديثِهِم، فقَد صَحَّحُوا لرِجَالٍ كذَّابِينَ مُتَّهَمِين بالوضع، وفيهم مَن أقرَّ على نفسه بذلك .. فصحَّحَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ لإسماعيلَ بن أبي أُوَيسٍ .. قال أحمدُ بن أبي يحيَى عن ابن مَعينٍ: "يَسرِقُ الحديثَ". وقال إِبراهيمُ بن الجُنَيدِ عن ابن مَعِينٍ: "يَخلِطُ ويَكذِبُ. ليس بشَيءٍ". وقال

стр. 245

النَّسائِيُّ: "ضعيفٌ"، وقال في موضعٍ آخرَ: "غيرُ ثقةٍ"، ولم يُخرِّج له. وقال ابنُ مَعِينٍ: "رَوَى عن خالِهِ - يعني مالكًا - أحاديثَ غَرائبَ لا يُتابعُه عليها أحدٌ". وقال النَّضرُ بنُ سَلَمةَ المَروَزِيُّ: "كَذَّابٌ، كان يُحَدِّثُ عن مالكٍ بمسائلَ ابن وهبٍ". وذَكَرَهُ العُقَيليُّ في "الضُّعَفاء"، ونقل عن ابن مَعِينٍ أنَّه قال: "لا يَسوِي فِلسَينِ". وقال الأَزدِيُّ: "حدَّثنا سَيفُ بنُ مُحمَّدٍ، أن ابنَ أبي أُوَيسٍ كان يَضَعُ الحديث". وقال سَلَمَةُ بن شَبيبٍ: "سمعتُ إسماعيلَ بنَ أبي أُوَيسٍ يقولُ: رُبَّما كنتُ أَضَعُ الحديثَ لأهل المَدِينَةِ إذا اختَلَفُوا في شيءٍ فيما بَينَهُم". وصحَّحَ البُخارِيُّ لأُسَيد بن زيدٍ الجَمَّالِ .. قال ابنُ مَعِينٍ: "كذَّابٌ. أتَيتُه ببغدادَ فسمِعتُه يُحدِّثُ بأحاديثَ كَذِبٍ". وقال النَّسائِيُّ: "مترُوكٌ". وقال ابنُ حِبَّان: "يَروِي عن الثِّقات المناكيرَ، ويَسرِقُ الحديثَ". وقال ابنُ عَدِيٍّ: "يتبيَّنُ على روايَته الضَّعفُ، وعامَّةُ ما يَروِيهِ لا يُتابَعُ عليه". وقال أبو حاتِمٍ: "يتكلَّمُون فيه". وقال الدَّارقُطنيُّ: "ضعيفُ الحديث". وقال ابن مَاكُولَا: "ضَعَّفوه". وقال الخطيبُ: "كان غيرَ مَرضِيٍّ في الرِّواية". وقال البَزَّارُ: "حدَّث بأحاديثَ لم يُتابَع عليها، وقد احتُمِل حديثُهُ مع شيعَةٍ شديدةٍ فيه". وقال السَّاجِيُّ: "سمعتُ أحمدَ بن يحيَى الصُّوفيَّ يُحدِّثُ عنه بمناكيرَ". وصحَّح البُخاريُّ للحَسَن بن مُدرِكٍ السُّدُوسِيِّ .. قال فيه أبو داوُد: "كذَّابٌ، كان يأخُذُ أحاديثَ فهدِ بن عَوفٍ فيُلقِيها علي يَحيَى بن حمَادٍ".

стр. 246

وصحَّحَ البُخارِيُّ ومُسلِمٌ لأحمدَ بن عيسى بن حسَّانَ المِصِريِّ .. قال أبو داوُد: "كان ابنُ مَعِينٍ يَحلِفُ أنَّه كذَّاب". وقال أبو حاتِمٍ: "تكلَّم النَّاسُ فيه". وقال سعيدُ بن عَمرٍو البَرذَعِيُّ: "أَنكَرَ أبُو زُرعةَ على مُسلِمٍ روايتَهُ عنه في "الصَّحيح"، وقال: ما رأيتُ أهلَ مِصرَ يَشُكُّونَ في أنَّه - وأشار إلى لسانه، يعني أنَّه يَكذِبُ - ". وصحَّح البُخارِيُّ للحَسَنِ بن ذَكوانَ .. قال ابنُ مَعينٍ: "صاحبُ الأَوَابِد. مُنكَرُ الحديث". وقال أحمدُ بنُ حنبلٍ: "أحاديثُهُ أباطيلُ". وضعَّفَهُ أبو حاتِمٍ والنَّسائِيُّ وابنُ المَدِينِيِّ والسَّاجِيُّ، وآخَرُون. وصحَّح أيضًا لنُعيمِ بن حمَّادٍ .. قال الدُّولَابِيُّ: "كان يَضَعُ الحديث". وقال الأَزدِيُّ: "قالوا كان يَضَعُ الحديث في تقوية السُّنَّة". وحَكَمَ ابنُ الجَوزِيِّ بوضَعِ أحاديثَ كثيرةٍ أعلَّهَا بنُعيمٍ، ويكاد يَجزِمُ من يعتبر حديثه بذلك لكَثرَةِ ما فيه من المناكير. وقد قال الحافظُ السِّيوطِيُّ في "ذيل الموضُوعاتِ": "أَتعَبَنَا نُعَيمُ بنُ حمَّادٍ من كثرَة ما يأتي بهذه الطَّامَّاتِ". وصحَّح أيصًا لعِكرِمَةَ مولى ابن عبَّاسٍ .. وقد كذَّبَهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، وبيَّنُوا أدِلَّةَ ذلك، بل نُقِل عنه الاعترافُ بالكذبِ في مسألةٍ أو مَسأَلتَين، هذا مع البِدعَةِ الشَّدِيدَة التي كانت فيه. وصحَّحَ مُسلِمٌ لأفلحَ بن سعيدٍ .. اتَّهَمَهُ ابنُ حِبَّان بالوَضعِ، بل بوَضِع الحديثِ الذي أخرَجَهُ مُسلِمٌ عنه.

стр. 247

وصحَّح أيضًا لقَطَنِ بن نُسَيرٍ .. قال ابنُ عَدِيٍّ: "يَسرِقُ الأحاديثَ". وأتَّهَمَه أبو زُرعَة والقَوَارِيرِيُّ وابنُ عَدِيٍّ بوضع حديثٍ. وصحَّحَ البُخارِيُّ لحرِيزِ بن عُثمانَ .. وقد وَصَلَ في البِدعَةِ إلى حَدٍّ مُفَسِّقٍ بالإجماعِ أو مُكَفِّرٍ على رأى البَعضِ. وكذلك صحَّح لعِمرَانَ بن حِطَّان، وهو مِثلُه. وصحَّحَ مالكٌ ومُسلِمٌ لعبدِ الكَريم بن أبي المُخارِقِ .. وهو مُجمَعٌ علي ضَعفِه كما قال ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُه. وصحَّحَ الإمامُ الشَّافِعِيُّ لإبراهيمَ بن أبي يحيَى .. وقال غيرُهُ: "إنَّه كذَّابٌ". وقال أحمدُ: "ترَكُوا حديثَهُ، قَدَرِيٌّ مُعتَزِلِيٌّ، يَروِي أحاديثَ ليس لها أَصلٌ". وقال البُخارِيُّ: "ترَكَهُ ابنُ المُبارَك والنَّاسُ". وقال عبَّاسٌ عن ابن مَعِينٍ: "كذَّابٌ رَافِضِيٌّ". وقال ابنُ المَدِيني: "كذَّابٌ، وكان يقُولُ بالقَدَر". وقال النَّسَائِيُّ والدَّارَقُطنِيُّ وجماعَةٌ: "مترُوكٌ". وأطلق النَّسائِيُّ أنَّهُ كان يضَعُ الحديثَ. وقال إبراهيمُ بنُ سعدٍ: "كُنَّا نُسَمِّيه وهو يَطلُب الحديثَ: خُرافةً". وقال مُحمَّد بنُ سُحنُونَ: "لا أعلَمُ بين الأَئِمَّة اختلافًا في إِبطال الحُجَّة به"، ومَعَ هذا كُلِّه قال الحافظُ في "التَّلخيص": "كم من أصلٍ أصَّلَه الشَّافعيُّ لا يُوجَدُ إلَّا من رواية إبراهيم" ا. هـ. فأين ما قيل في عبدِ السَّلام بن صالحٍ ممَّا قيل في هؤُلاء؟ فإنَّ جَرحَهُ لا

стр. 248

يُذكَرُ بالنِّسبة لجَرحِهم، ومَعَ ذلك حَكَمُوا بصحَّة أحادِيثِهم، وذلك يُوجِبُ أن يَكُونَ حديثُهُ أصحَّ وأرفَعَ بدرجاتٍ من أحاديثهم" انتهَى كلامُهُ. • قلتُ: وهذا الكلامُ عليه مُؤاخَذاتٌ كثيرةٌ، استوفَيتُ النَّظَر فيها في "الزَّنَدُ الوَارِي في الرَّد على الغُمارِي"، فأنا أَنقُل هنا خُلاصة الرَّدِّ عليه، لتعرِفَ ما ارتَكَبَهُ الغُمارِيُّ من المُجازَفة وقِلَّةِ الإنصاف. أمَّا كلامُهُ في أبي الصَّلتِ وأنَّه ثقةٌ صدوقٌ عدلٌ رِضًى، فهاك كلامُ العُلماء فيه .. قال يحيَى بنُ مَعِينٍ: "ثقةٌ صدُوقٌ، إلَّا أنَّه يتشيَّعُ"، وسُئل عن حديثِهِ الذي يرويه عن أبي مُعاوِيَة، عن الأَعمَش، عن مُجاهدٍ، عن ابن عبَّاسٍ مرفُوعًا: "أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها، فمَن أرادَ العِلمَ فلْيَأتِ بَابَهُ"، قال القاسم بنُ عبد الرَّحمن الأَنبَارِيُّ: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن هذا الحديث، فقال: "هو صحيحٌ". قال الخطيبُ في "تاريخ بغداد" (١١/ ٥٠): "أراد أنَّهُ صحيحٌ مِن حديث أبي مُعاوِيَة، وليس بباطلٍ، إذ قَد رواه غيرُ واحدٍ عنه". وقال إبراهيمُ بنُ عبدِ الله بن الجُنيْد: سألتُ يحيَى بنَ مَعِينٍ عن أبي الصَّلت الهَرَوِيِّ، فقال: "قد سمعَ، وما أعرِفُه بالكَذِب"، قلتُ: "فحديث الأعمش عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ؟ "، فقال: "ما سمعتُ به قطُّ، وما بلغني إلَّا عنه". وقال مرَّةً أُخرَى: سمعتُ يَحيَى وذَكَرَ أبا الصَّلتَ الهَروِيَّ، فقال: "لم

стр. 249

يَكُن أبو الصَّلت عندنا من أهل الكَذِب، وهذه الأحاديثُ التي يرويها ما نعرِفُها". وقال عبدُ الخالق بنُ منصُورٍ: سألتُ يحيَى بنَ مَعينٍ عن أبي الصَّلتِ، فقال: "ما أعرفُهُ"، فقلتُ: "إنَّه يَروِي حديثَ الأعمَشِ، عن مُجاهِدٍ، عن ابن عبَّاسٍ: أنا مَدِينةُ العِلمِ وعليٌّ بابُها"، فقال: "ما هذا الحديثُ بشيءٍ". قال الخطيبُ: "أحسِبُ عبدَ الخَالِق سألَ يحيى عن حالِ أبي الصَّلتِ قدِيمًا، ولم يَكُن يحيى إذ ذاك يَعرِفُه ثُمَّ عَرَفه بعدُ، فأجاب إبراهيمَ بنَ الجُنَيد عن حالِهِ. وأمَّا حديثُ الأعمش فإنَّ أبا الصَّلتِ كان يروِيهِ عنه، فأنكَرَهُ أحمدُ بن حنبَلٍ ويحيى بنُ مَعِينٍ من حديث أبي مُعاوِية، ثمَّ بَحَثَ يحيَى عنه فوجد غيرَ أبي الصَّلتِ قد رواه عن أبي مُعاوية". • قلتُ: فهذا توثيقُ ابن معينٍ، ومع توثيقِهِ فقد رَدَّ الحديثَ ووهَّاه. أمَّا توثيقُهُ .. فقد ردَّهُ الذَّهبيُّ في "السِّيَر" (١١/ ٤٤٧) بقوله: "جُبِلَت القُلوبُ على حُبِّ من أحسَن إليها، وكان هذا بارًّا بيحيَى، ونحن نَسمَعُ مِن يحيَى دائمًا ونحتجُّ بقوله في الرِّجال، ما لم يتبرهَن لنا وَهَنُ رجلٍ انفَرَد بتقوِيَتِهِ، أو قُوَّةُ من وهَّاهُ" انتهَى. فبيَّن لنا الذَّهبيُّ العلَّةَ في توثيق ابن مَعِينٍ - مع تشدُّدِه - لأبي الصَّلتِ، وهي إحسانُهُ إلى يحيى، وحُسنُ ظَنِّ يحيى فيه، لاسيَّما وكان أبو الصَّلتِ موصُوفًا بالزُّهد والعِبادة، وابنُ مَعِينٍ في نهاية الأمرِ بَشَرٌ ولا ندَّعِي أنَّه

стр. 250

حابَى أبا الصَّلتِ، ولكنَّه أحسَنَ الظَّنَّ به. وكأنَّ الذَّهبيَّ أراد أن يَدفَعَ دعوَى المُحابَاةِ بآخِر كلامِهِ، فيقُولُ: "نحنُ نَسمَعُ من يحيى، ونتَّبعُ كلامَه في الرُّواة، إلَّا أن يَظهَرَ لنا أن يحيى خُدِع فيه"، وهذا حقٌّ، فقد يَخفَى أمرُ الرَّاوي السَّاقِطِ على النَّاقدِ الفَطِنِ من أمثال ابن مَعِينٍ، كما حدَثَ له مع مُحمَّدِ بن القَاسم الأَسَدِيِّ، فقد سُئل عنه ابنُ مَعِينٍ، فقال: "ثقةٌ، وقد كَتبتُ عنه"، مع أن سائرَ العُلماء ما بَينَ مُكذِّبٍ له، وتاركٍ. وكذلك مُحمَّدُ بنُ حُمَيدٍ الرَّازِيُّ، وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعِينٍ، وأسقَطَهُ سائرُ عُلماءِ الرَّيِّ، وهُم من أهل بلده، وهم أَعلَمُ به، وقد قال أبُو عليٍّ النَّيسابُورِيُّ لابن خُزَيمَة: "لو حدَّث الأستاذُ عن مُحمَّدِ بن حُميدٍ فإنَّ أحمدَ وابنَ مَعينٍ أحسنا الثَّناء عليه؟ "، فقال ابنُ خُزَيمَة: "إنَّهما لم يعرفاه كما عَرَفناه، ولو عرَفا ما عرَفناه لم يُحدِّثا عنه"، وقد ثبت رُجُوعُ أحمدَ ويحيى عن هذا التَّوثيق بعدُ. فليس بغريبٍ أن يَخفَى أمرُ بعض الرُّواة المجرُوحين على بعض النُّقَّاد، حتَّى ولو كان في منزلة ابن مَعِينٍ. أمَّا زعمُ الغُماريِّ أن أحمدَ وابنَه عبدَ الله وثَّقَاهُ، فإنَّه بَنَى هذا على نُصوصٍ وَرَدت أن عبدَ الله بنَ أحمدَ لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا إذا رَضِيَهُ أبُوه، ولن يَرضَى أحمدُ بداهةً إلَّا عن رجُلٍ ثقةٍ. فالجوابُ من وَجهَين .. • الأوَّل: أن هذه النُّصوص التي أورَدَها الحافظُ في "تعجيل المَنفَعة" من أن عبدَ الله بنَ أحمد لم يَكُن يكتُبُ عن رجُلٍ إلَّا بإذن أبِيه ورضاهُ،
следующие страницы →